← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

قائمة "فلبي ": ١- صدق آل "صديق ايل"، ملك حضرموت ومعين، وقد حكم على تقديره في حوالي سنة "١٠٢٠" قبل الميلاد. ٢- شمر علن بن صدق آل "شهر علان بن صدق ايل"، وقد تولى الحكم في حوالي سنة "١٠٠٠" قبل الميلاد. ٣- معد يكرب بن اليفع يثع ملك معين، وقد تولى الحكم في حوالي سنة ٩٨٠ قبل الميلاد. ويرى "فلبى" أن "حضرموت" ألحقت بعد "معد يكرب" بمملكة معين، وقد ظلت تابعة لها إلى حوالي سنة "٦٥٠" قبل الميلاد. ٤- السمع ذ بين بن ملك كرب "السمع ذبيان بن ملكي كرب" "السمع ذبيان بن ملكيكرب". ٥- يدع آل بين بن سمه يفع "يدع ايل بين سمهيفع"، وقد حكما من سنة "٦٥٠" إلى سنة "٥٩٠" قبل الميلاد.

стр. 877

ومنذ سنة "٥٩٠" قبل الميلاد، أصبحت حضرموت على رأي "فلبي" جزءًا من قتبان أو سبأ حتى سنة "١٨٠" قبل الميلاد. ٦- يدع آل بين بن رب شمس "يدع ايل بين بن ربشمس". وهو مؤسس أسرة ملكية جديدة في العاصمة "شبوة". وقد حكم في حدود سنة "١٨٠" قبل الميلاد. ٧- اليفع ريم بن يدع آل بين "اليفع ريام بن يدع ايل بين". وقد حكم في حوالي سنة "١٦٠" قبل الميلاد. ٨- يدع أب غيلن بن يدع آل بين "يدع أب غيلان بن يدع ايل بين"، وقد حكم في حوالي سنة "١٤٠" قبل الميلاد. ٩- العز بن يدع أب غيلن "العز بن يدع أب غيلان" وشقيق "أمينم" "أمين" وقد حكم في حوالي سنة "١٢٠" قبل الميلاد. ١٠- يدع أب غيلن بن أمينم "يدع أب غيلان بن أمين"، وقد حكم في حوالي سنة "١٠٠" قبل الميلاد. ١١- يدع آل بين بن أب غيلن "يدع ايل بين بن يدع أب غيلان"، وحكم في حوالي سنة "٨٠" قبل الميلاد، وترك "فلبي" فجوة لم يعرف من حكم فيها جعلها بين سنة "٦٠" وسنة "٣٥" قبل الميلاد. ١٢- عم ذخر "عمذخر" ولم يرد في الكتابات اسم أبيه. وقد حكم في حوالي سنة "٣٥" قبل الميلاد. وربما لم يتول الحكم. ١٣- العز يلط بن عم ذخر. وقد حكم في قرابة سنة "١٥٠" قبل الميلاد. ١٤- الهان "علهان" أو "سلفان" بن العزيلط. وقد حكم في حدود سنة "٥" قبل الميلاد. ١٥- العزيلط بن الهان "علهان" أو سلفان". وقد حكم من سنة "٢٥" إلى سنة "٦٥" بعد الميلاد, هو الملك Eleazos الذي ذكره مؤلف كتاب "الطواف حول البحر الأريتري". ١٦- أب يزع "أبيزع" "أبيع" "أب يسع". وكان مكربًا. ومن المحتمل أنه حكم في حوالي سنة "٦٥" بعد الميلاد. ١٧- يرعش بن أب يزع. ربما حكم في حوالي سنة "٨٥" بعد الميلاد.

стр. 878

١٨- علهان "الهان" "١٠٥- ١٢٥" بعد الميلاد؟. ويرى "فلبي" أنه منذ سنة "١٢٥" حتى سنة "٢٩٠" بعد الميلاد، كان الوضع غامضًا في حضرموت، فلا نعرف من حكم فيها، أكان يحكمها "مكربون" أم كانت تحت حكم مملكة "سبأ وذو ريدان". غير أنها خضعت نهائيًّا في سنة "٢٩٠" بعد الميلاد لحكم ملوك "سبأ وذو ريدان" فصاروا يعرفون لذلك منذ هذا العهد بـ "ملوك سبأ وذو ريدان وحضرموت".

стр. 879

قائمة "البرايت ": - يدع آل "يدع ايل"، وكان معاصرًا للملك "كرب آل وتر"، ملك سبأ وقد حكم على رأيه في حوالي سنة "٤٥٠" قبل الميلاد. - صدق آل "صديق ايل" ملك حضرموت ومعين, وقد حكم في النصف الثاني من القرن الخامس قبل الميلاد. شهر علن بن صدق آل. معد يكرب بن اليفع يثع ملك معين. - غيلن "غيلان". يدع أب غيلن "يدع أب غيلان". ويحتمل على رأي "البرايت" أن يكون هو الذي حالف علهان نهفان ملك سبأ. وقد حكم في حوالي سنة "٥٠" قبل الميلاد. العزيلط الأول، وكان معاصرًا للملك "شعرم أوتر" ملك سبأ وذو ريدان، وقد حكم في حوالي سنة "٢٥" قبل الميلاد، وربما كان هو "العز بن عم ذخر". العزيلط الثاني، وكان معاصرًا للملك، "ثارن يعب يهنعم" ملك سبأ وذو ريدان. وكان والده "سلفن" "سلفان" أو "علهان"، ويجوز أن يكون هو الملك Eleazos الذي ذكره مؤلف كتاب "الطواف حول البحر الأريتري". - يدع أب غيلن بن أمينم "يدع أب غيلان بن أمينم".

стр. 880

يدع آل بين بن يدع اب غيلن "يدع ايل بين بن يدع أب غيلان", Glaser١٦٢٣ و Ryckmans ١٦٩ - يدع آل بين بن سمه يفع. السمع ذ بين بن ملك كرب "السمع ذبيان بن ملكي كرب". - رب شمس. يدع آل بين "يدع ايل بين". الريم يدم "الريام يدم". يدع أب غيلن "يدع أب غيلان".

стр. 881

الفصل الحادي والعشرون: حكومة قتبان مدخل ... الفصل الحادي والعشرون: حكومة قتبان وعاصرت مملكة معين مملكة عربية جنوبية أخرى، هي حكومة "قتبان" وقد وجد اسمها في كتابات عديدة قتبانية وغير قتبانية، وهي التي أمدتنا بأكثر علمنا بحكومة قتبان، كما أشار بعض الكتبة "الكلاسيكيين" مثل "ثيوفراستس" "Theophrastus" "حوالي ٣١٢ ق. م."١ و"سترابو"٢ و "بلينيوس"٣. وغيرهم إلى القتبانيين، فذكرهم "ثيوفراستس" بعد "سبأ" و"حضرموت" "Hadramyta"، وأطلق على أرضهم kattabaina"= kittibaina" kitibaina وذكر بعدهم أرضًا سماها "ممالي" ٤Mamali وهو اسم لا نعرف من أمره شيئًا، إلا أن "كلاسر" يرى أنه "ممالي كومة" "Mamali kome" وهو موضع ورد في جغرافيا "بطلميوس"، ويقع في نطره على ساحل "تهامة"، وقد يكون عند موضع "مأملة" شمال وادي "تنداحة"٥. ويظهر من جغرافيا "سترابون" نقلًا عن رواية "ايراتوستينس" "١٩٤ ق. م"

стр. 882

أن القتبانيين كانوا يقطنون في الأقسام الغربية من العربية الجنوبية، وفي جنوب السبئيين وفي جنوبهم الغربي، وقد امتدت منازلهم حتى بلغت "باب المندب"١. وذكر "ياقوت الحموي" أن "قتبان" موضع في نواحي "عدن"٢. وبعد تمثال مصنوع من البرنز، عثر عليه على مقربة من "تمنع" من كتاب Qataban and Sheba صفحة "١٨١".

стр. 883

"وادي بيحان" من صميم أرض قتبان، ويقع شمال الجهة الغربية من "عدن"١. وكان يجاوز القتبانيين شعب آخر سماه "بلينيوس" "كبانيته" ٢Gebanitae. وذكر أن الشعبين المذكورين هما من شعوب "لارنديني" "Larendani" وكانا يقطنان في مدن عديدة كبيرة٣. وقد أطلق "سترابو" اسم "Kastabaneis" على مملكة قتبان٤. أما "بلينيوس"، فسماها ٥Catabani = Catabanes. ولا نجد في الكتب العربية شيئًا يستحق الذكر عن قتبان، والظاهر أن أخبارهم قد انقطعت قبل ظهور الإسلام بزمن، فلم نجد لهم من أجل هذا شيئًا من أخبار الجاهلية القريبة من الإسلام، وكل ما ورد عنهم أنهم من قبائل حمير، وأن هناك موضعًا في عدن يقال له: "قتبان"٦. سمي بقتبان بطن من رعين من حمير، أو بقتبان بن ردمان بن وائل بن الغوث٧، مع أنه لا صلة في النسب بين حمير وقتبان في النصوص القتبانية أو الحميرية. وعندي أن هذا النسب إنما وقع بسبب ضعف "قتبان" التي اندمجت بعد فقد استقلالها في حكومة سبأ "سبأ وذي ريدان" وهي الحكومة التي يطلق عليها المؤرخون اسم "حمير"، وبسبب كون "حمير" القبيلة الرئيسية في اليمن عند ظهور الإسلام، وكان لها حكومة قاومت الأحباش وتركت أثرًا في القصص العربي، وفي قصة الشهداء النصارى الذين سنتحدث عنهم، لذلك عدت معظم القبائل التي كانت خاضعة لها من حمير، ونسبت إليها، وفي جملتها قتبان. وقد دون اسم "قتبان" في الترجمة العربية لكتاب: حتي "تأريخ العرب"

стр. 884

"History of the Arabs" على هذا الشكل: "قطبان"١، كما دون بهذه الصورة أيضًا في عدد من الترجمات لكتب غربية ظهرت حديثًا، وهو خطأ بالبداهة فإن النصوص العربية الجنوبية قد كتبت الاسم بالتاء "ق ت ب ن"، كما أن الكتب العربية قد ضبطت الاسم "قتبان" ويظهر أن مترجمي الكتاب والكتب الأخرى قد حسبوا أن هذا الاسم أعجمي، ولا سيما بعد تردده في الكتب "الكلاسيكية"، فحاولوا جعله عربيًّا، فصيروا "التاء" "طاء" فصارت "قتبان" الواردة في كتابات المسند وفي الكتب العربية "قطبان"، وهي هفوة لم أكن أرغب في الإشارة إليها في متن هذا الكتاب، لولا حرصي على صحة الأشياء لئلا يخطئ من لا علم له بهذه الأمور من القراء، أو الباحثين فيأخذها على الصورة التي دونت في هذه الترجمات. والكتابات القتبانية تشارك الكتابات العربية الجنوبية الأخرى في أن غالبها قد كتب في أغراض شخصية، فهي لا تفيد المؤرخ في استخراج تأريخ منها، فهي في إصلاح أرض، أو شراء ملك، أو تعمير دار أو نذر، وما شابه، غير أننا نرى في الذي وصل إلينا منها أنه يمتاز عن غيره من الكتابات العربية الجنوبية بكثرة ما ورد فيه من نصوص رسمية تتعلق بالضرائب أو القوانين أو التجارة، بالقياس إلى ما ورد من مثله في الكتابات المعينية أو الحضرمية أو السبئية، وهي تشارك الكتابات الأخرى أيضًا في خلوها من صيغة المتكلم أو المخاطب واقتصارها على صيغة الغائب، وتشاركها أيضًا في خلوها من نصوص أدبية من شعر أو نثر، ومن نصوص دينية من أدعية وصلوات، وهو أمر يبدو غريبًا، ولكننا لا نستطيع أن نحكم حكمًا قطعيًّا في مثل هذا، فما وصل إلينا قليل، وما لم يصل إلينا كثير، والحكم بيد المستقبل, ويعود الفضل إلى السياح، وعلى رأسهم "كلاسر" في حصول علماء العربيات الجنوبية على أخبارهم من مملكة قتبان، فقد كانت الكتابات التي حصل عليها في رحلته إلى اليمن في سفره الرابع "١٨٩٢- ١٨٩٤م" أول كتابات

стр. 885

قتبانية تصل إلى أوروبة١. وقد ذهب "هومل" في دراسته لها إلى أنها تعود إلى زهاء ألف سنة قبل الميلاد، القرن الثاني قبل الميلاد، وهو الزمن الذي انقرضت فيه مملكة قتبان على رأيه. وقد جمع منها اسم ثمانية عشر ملكًا. تمثال من البرنز عثر عليه في معبد أوام مأرب. من كتاب Qataban and sheba "الصفحة ٢٧٦". حكموا المملكة٢. وأفادتنا دراسات "نيوكولاوس رودوكناكس"٣Nikiolaus Rhdokanakis. و"دتلف نيلسن" "Ditlef Nielsen" للكتابات القتبانية فائدة كبيرة في كتابة تأريخ قتبان٤. وقد ذهبت بعثة أمريكية علمية في عام ١٩٤٩- ١٩٥٠ مؤلفة من طائفة

стр. 886

من المتخصصين إلى "وادي بيحان" للتنقيب عن الآثار هناك، فزارت "تمنع" المدينة القتبانية القديمة، وعاصمة المملكة وبعض المواضع القريبة منها١. وسوف يكون للنتائج التي تتوصل إليها بعد دراستها دراسة علمية كافية. أهمية كبيرة في توجيه تأريخ العرب قبل الإسلام٢. وقد تبين من دراسة الكتابات القتبانية أن لهجتها أقرب إلى اللهجة المعينية منها إلى اللهجة السبئية٣. فهي تشترك مع المعينية مثلًا في إضافة السين إلى أول الفعل الأصلي بدلًا من الهاء الذي يلحق أول الفعل الأصلي في السبئية. ويقابل هذا في عربيتنا "أفعل" مثل "سحدث" في المعينية والقتبانية، و "هحدث" في السبئية٤. وفي أمور أخرى ترد في نحو اللهجات العربية الجنوبية. وقد حاول الباحثون في العربيات الجنوبية وضع تقويم لحكومة قتبان، غير أنهم لم يتفقوا حتى الآن في تعيين مبدأ أو نهاية لهذه المملكة، ولما كانت هذه الحكومة قد عاصرت –كما جاء في الكتابات المعينية والسبئية- حكومة معين وحكومة سبأ، فقد توقف تعيين تأريخ قتبان أيضًا على تثبيت تأريخ هاتين الحكومتين وعلى البحوث "الأركيولوجية" والكتابات، وقد رجع "هومل" تاريخها إلى ما قبل سنة "١٠٠٠" قبل الميلاد، ووضع "البرايت" تأريخ "هوف عم يهنعم" وهو من قدماء "المكربين" في القرن السادس قبل

стр. 887

الميلاد١. وهو يلي "سمه علي" في الترتيب. و"سمه علي" هو أقدم "مكرب" يصل خبره إلينا، وقد رجع "فلبي" أيامه إلى حوالي سنة ٨٦٥ قبل الميلاد٢. وذهب "ملاكر" إلى أن ابتداء حكم "قتبان" كان في حوالي سنة "٦٤٥ ق. م" وأن نهاية استقلالها كان في القرن الثالث قبل الميلاد٣. ومن علماء العربيات الجنوبية الذين عنوا بتبويب أسماء حكام "قتبان" وتصنيفها تصنيفًا زمنيًّا، "كروهمن"٤. و"دتلف نلسن"٥، و"ويبر"٦، و"هارتمن"٧ و "البرايت"٨. و"فلبي"٩، وغيرهم، ويختلف هؤلاء في كثير من الأمور: يختلفون في مبدأ قيام قتبان، وفي ترتيب الملوك وفي مدد حكمهم، كما يختلفون في نهاية هذه الحكومة، فبينما يرى "كلاسر" أن نهاية هذه الدولة كانت بين "٢٠٠" و "٢٤ ق. م." وربما كان قبل ذلك١٠. يرى غيره أن هذه النهاية كانت بعد الميلاد، وربما كان في حوالي سنة "٢٠٠" بعد ميلاد المسيح١١. ويرى "البرايت" أن نهايتها كانت على أثر خراب مدينة "تمنع" وإحراقها كما يتبين ذلك من طبقات الرماد الكثيفة التي عثر عليها في أنقاضها، وكان ذلك في حوالي سنة "٥٠ ق. م."١٢. وقد ذهب "ريكمنس" أن نهاية مملكة "قتبان" كانت في حوالي سنة "٢١٠" أو "٢٠٧" للميلاد.

стр. 888

أما "فون وزمن"، فذهب إلى أن نهايتها كانت في حوالي السنة "١٤٠" أو "١٤٦" بعد الميلاد١. والرأي عندي أن الوقت لم يحن بعد للحكم بأن المكرب الفلاني أو الملك الفلاني قد حكم في سنة كذا أو قبل هذا أو ذاك؛ لأننا لا نزال نطمع في العثور على أخبار حكام لم تصل أسماؤهم إلينا، لعلها لا تزال في بطن الأرض، كما أن ما عثر عليه من كتابات لا يبعث أيضًا على الاطمئنان، فإنها لا تزال قليلة. وقد وردت فيها بعض أسماء للحكام بدون نعوت، تهشمت نعوتها أو سقط قسم منها، ووردت في بعض الكتابات كاملة مع نعوتها، ووردت في بعض آخر مع نعوتها، غير أنها لم تذكر اللقب الذي كان يلقب به أبو الملك أو ابنه، فأحدث ذلك ارتباكًا عند الباحثين سبب زيادة في العدد أو نقصانًا، وأحدث خطأ في رد نسب بعضهم إلى بعض، لهذه الأسباب أرى التريث وعدم التسرع في إصدار مثل هذه الأحكام. وأرى أن خير ما يستطاع عمله في الزمن الحاضر هو جمع كل ما يمكن جمعه من أسماء حكام قتبان على أساس الصلة والقرابة وذلك بأن يضم الأبناء والأخوة إلى الآباء، على هيأة جمهرات، ثم تدرس علاقة هذه الجمهرات بعضها ببعض، وترتب على أساس دراسات نماذج الخطوط التي وردت فيها أسماء الحكام، وطبيعة الأحجار التي حفرت الحروف عليها، والأمكنة التي وجدت فيها، أكانت من سطح الأرض أم بعيدة عنه، وأمثال ذلك لتكون أحكامنا منطقية علمية تستند إلى دليل. ولانتفاء ذلك، أصبحت القوائم التي وضعها علماء العربيات الجنوبية لحكام قتبان أو حضرموت أو معين، قوائم غير مستقرة في نظري، ومن أجل ذلك لا أميل إلى ترجيح بعضها على بعض ما دامت غير مبوبة على الأسس التي ذكرتها، ولا يمكن أن تبنى على هذه الأسس ما دامت البعثات العلمية غير متمكنة من القيام بحفريات علمية منظمة عميقة، تدرس طبقات التربة وما يعثر عليه، دراسات آثارية دقيقة من كل الوجوه. وإني إذ أذكر حكام قتبان، لا أتبع في ذلك قائمة معينة؛ لأني لا أرى أنها قد رتبت ترتيبًا تأريخيًّا يطمئن إليه، ولا أستطيع أن أخطئ أحدًا في الأسلوب

стр. 889

الذي اتبعه في ترتيبه، وسبيلي أن أذكر المكربين ثم الملوك، وأن أشير بعد ذلك إلى الكتابات المدونة في أيامهم وما ورد فيها من أمور، فإذا قدمت أو أخرت فإنما أسير برأيي الخاص، لا أتبع رأي أحد من الباحثين الذين عنوا بترتيب أسماء حكام قتبان، وقد رجحت ذكر قوائمهم ليطلع عليها القراء، وليروا ما فيها من مطابقات ومفارقات.

стр. 890

حكام قتبان: وجد في دراسة الكتابات القتبانية أن حكام قتبان الأول كانوا يلقبون أنفسهم باللقب الذي تلقب به حكام "سبأ" الأول نفسه وهو لقب "مكرب" وتترجم هذه الكلمة بكلمة "مقرب" في لهجتنا وتعبر "كرب" "قرب" عن التقرب إلى الآلهة فالمكرب المقرب إلى الآلهة والشفيع إليها والواسطة، بينهما وبين الإنسان، وهو كناية عن الكاهن الحاكم الذي يحكم باسم الآلهة التي يتحدث باسمها وتقابل "باتيسي" Patesi" في الأكادية و "اشاكو" lschschakku" في الآشورية١. وقد كان هؤلاء المكربون يحكمون في جماعتهم وطوائفهم حكمًا يشبه حكم "قضاة بني إسرائيل" فلما توسع سلطان "المكرب"، وتجاوز حدود المعبد، ولم يعد حكمًا دينيًّا فقط، بل انصرف الحكم إلى خارج المعبد، وصار حكمًا زمنيًّا، لقب نفسه بلقب "ملك"، ومن هنا صارت طبقة الملوك متأخرة بالنسبة إلى طبقة المكربين٢. أي أن المكربين هم أقدم من الملوك. ومن قدماء مكربي قتبان -على رأي أكثر علماء العربيات الجنوبية- المكرب "سمه علي وتر". وابنه "هوف عم يهنعم". وقد عثر على كتابات من أيام "سمه علي وتر" كتبت بشكل حلزوني يبدأ السطر منها من جهة اليمن إلى جهة اليسار ثم يبدأ السطر الثاني من جهة اليسار وينتهي في جهة اليمين، وهكذا فقارئ الكتابة يقرأ السطر الأول من اليمين على نحو ما نقرأ في العربية، غير أنه يقرأ

стр. 891

السطر الثاني من جهة اليسار متجهًا نحو اليمين، أي على طريقة الكتابة اللاتينية، ويقال لهذا النوع من الكتابات في الانكليزية ١Boustrophedonlnscriptins وتعد في نظر علماء الخط والآثار أقدم عهدًا من الكتابات الأخرى التي تسير على نسق واحد من اليمين إلى اليسار، أو من اليسار إلى اليمين، ويرى "ألبرايت" أن هذا المكرب قد حكم في القرن السادس قبل الميلاد٢. وجعله "فلبي" في حوالي سنة "٨٤٥ ق. م. "٣. ولم يذكر "فلبي" في قائمته التي صنعها ووضعها في ذيل كتابه "سناد الإسلام" اسم والد المكرب "سمه علي"، ولا كنيته٤، ولم يذكر "ألبرايت" في القائمة التي ألفها لحكام "قتبان" اسم والده أيضًا٥. غير أن هنالك نصًّا قتبانيًّا ورد فيه "هوف عم يهنعم بن سمه على وتر، مكرب قتبان، بن عم"٦. و"سمه علي" في هذا النص، هو هذا المكرب الذي نتحدث عنه، ووالده إذن هو "عم" وقد سقط لقبه من النص بسبب كسر أو تلف حدث في الكتابة؛ لأن من عادة ملوك العرب الجنوبيين اتخاذ الألقاب. وقد وصلت إلينا كتابات قتبانية، ورد فيها ذكر "هوف عم يهنعم" "هو فعم يهنعم"، منها الكتابات التي وسمت بـ "Glaser ١١١٧. ١١٢١. ١٣٣٣. ١٣٤٤. ١٣٤٥”" والكتابات "Glaser ١٣٣٩" و Glaser ١٣٤٣" وهما من الكتابات المزبورة على الطريقة الحلزونية "Boustrphedon lnscription". وجاء بعد "هوف عم يهنعم" في قائمة "فلبي" اسم، "شهر بجل يهرجب" "شهر يكل يهركب"٧. وهو ابن "هوف عم يهنعم" وقد جعله ملكًا، حكم على رأيه في حوالي سنة "٨٢٥ ق. م."، وذكر أنه فتح

стр. 892

معينًا١. وكان له من الأولاد "وروال غيلن يهنعم" "وروايل غيلان يهنعم"، وقد لقب بلقب "ملك"، و"فرع كرب يهوضع"، "يهودع"٢. ثم ذكر "فلبي" اسم "شهر هلل" "شهر هلال" بعد "فرع كرب يهودع"، جاعلًا حكمه في حوالي سنة "٧٧٠ ق. م."، وقد كان ملكًا على قتبان. وهو ابن "ذرأ كرب". ثم نصب "يدع اب ذ بين يهرجب" "يدع أب ذبيان يهركب"، من بعده، وقد كان حكمه -على رأيه- في حوالي سنة "٧٥٠ ق. م." وقد جعله مكربًا وملكًا، ثم ترك فراغًا بعده، مكتفيًا بالإشارة إلى أن الذي تولى بعده هو أحد أبنائه، ولم يشر إلى اسمه، وقد قدر أنه حكم من سنة "٧٣٥ ق. م." حتى سنة "٧٢٠ ق. م." ثم جعل من بعده ملكًا سماه "شهر هلل يهنعم" "شهر هلال يهنعم" وهو أحد أبناء "يدع اب ذبين يهرجب" "يدع أب ذبيان يهركب"، وقد حكم -على رأيه- حوالي سنة "٧٢٠ ق. م." ثم خلفه "يدع أب ينف" أو "يجل يهنعم بن ذمر علي" وقد يكون -على حد قوله أيضًا- شقيقًا لـ "شهر هلال بن يدع أب ذبيان يهركب" وقد كان حكمه في حوالي سنة "٦٨٠ ق. م."٣. وترك "فلبي" فراغًا بعد الملك المتقدم، كناية عن حكم ملك لم يصل اسمه إلينا، حكم في حوالي سنة "٦٦٠ ق. م." حتى سنة "٦٤٠ ق. م." حيث دون بعده اسم ملك سماه "سمه وتر" لم يذكر لقبه الثاني ولا اسم أبيه، ثم ذكر بعده اسم ملك آخر، سماه "وروال" "وروايل"، لم يذكر لقبه، يتصور أنه ابن "سمه وتر" وقد جعل حكمه في حوالي سنة "٦٢٠ ق. م.". ثم ترك "فلبي" فجوة قدرها بنحو من عشر سنين بين الملك المتقدم والملك الذي تلاه، ثم ذكر بعدها اسم ملك سماه "آب شبم" "أب شبم"، لم يعرف اسم أبيه، وقد حكم -على تقديره- في حوالي سنة "٥٩٠ ق. م."، وذكر بعده اسم "اب عم" "أبعم" "أب عم"، وهو ابن "اب شبم"، وقد كان حكمه في حوالي سنة "٥٧٠ ق. م." تلاه في الملك على -رأي "فلبي"- الملك "شهر غيلن" "شهر غيلان"، وهو ابن "أبشم"

стр. 893

"اب شبم"، وقد حكم من سنة "٥٥٥ ق. م" إلى سنة "٥٤٠ ق. م" وفي هذه السنة، أي سنة "٥٤٠ ق. م" كانت نهاية مملكة قتبان، فاندمجت -على رأيه- في مملكة سبأ، وصارت جزءًا منها١. هذه هي قائمة حكام قتبان، من مكربين، وملوك على وفق رأي "فلبي" ويلاحظ أنه وضع مددًا لحكم كل مكرب أو ملك تراوحت من خمس وعشرين سنة إلى عشر سنين، فامتد أجل هذه الحكومة بحسب قائمته من سنة "٨٦٥" قبل الميلاد إلى سنة "٥٤٠" قبل الميلاد، وتقديراته هذه هي شخصية، لا تستند إلى كتابات قتبانية ولا غير قتبانية، وإنما هي رأي شخصي واحد، ومن هنا اختلف في مذهبه هذا عن مذاهب الباحثين الآخرين في مدد حكم ملوك قتبان، وكلهم مثله يستندون في أحكامهم إلى آرائهم وتقديراتهم الشخصية، ولا يوجد بينهم من وجد نصًّا فيه تأريخ مرقوم ثابت لأحد من هؤلاء الحكام، يستند إليه في تثبيت حكم مكربي وملوك قتبان، ونرى مما تقدم أن "فلبي" جعل عدد من عرفهم من حكام قتبان سبعة عشر رجلًا٢. أما البرايت، فقد ترك فراغًا، ولم يحدد مدته بعد "هوف عم يهنعم"، ثم ذكر بعده اسم مكرب دعاه "شهر"، ولم يشر إلى لقبه ولا إلى اسم أبيه، وذكر بعده اسم "يدع أب ذبين يهنعم" "يدع أب ذبيان يهنعم"، قال إنه ابن "شهر"، وقد كان مكربًا، وذكر بعده اسم ابن له يقال له: "شهر هلل يهو ... "، "شهر هلال يهو.."، وقد صار مكربًا بعد وفاة أبيه "يدع اب ذبيان يهنعم"، وقد سقط حرفان أو ثلاثة أحرف من لقب "شهر هلال" الأخير فصار "يهو"، ولعله "يهودع" و "يهنعم" في الأصل. وترك "ألبرايت" فراغًا بعد "شهر هلال يهو.."، ذكر بعده اسمه "سمه وتر"، قال: إن من المحتمل أن يكون هو المكرب الذي هزمه "يثع أمر وتر" مكرب "سبأ". ثم ترك فراغًا آخر ولم يحدد مدته، ثم ذكر أن من المحتمل أن يكون قد تولى الحكم بعد هذه الفترة مكرب آخر هو "وروايل" ولم يشر إلي لقبه، وقد كان تابعًا لـ "كرب ايل وتر" أول ملك من ملوك

стр. 894

سبأ، وقد حكم -على تقديره- حوالي سنة "٤٥٠ ق. م."١. وترك "ألبرايت" فراغًا بعد اسم "وروايل" يشير إلى وجود فجوة لم يعرف من حكم فيها، ثم ذكر مكربًا آخر سماه "شهر"، ولم يذكر لقبه، ثم ذكر اسم ابنه بعده وهو "يدع أب ذبيان"، قال إنه آخر مكرب وأول ملك في قتبان، وقد ترك عددًا من الكتابات، ومنها كتابة عثر عليها خارج الباب الجنوبي لمدينة "تمنع"، وقد حكم -على رأيه- في نهاية القرن الخامس قبل الميلاد، وتولى ابنه من بعده "شهر هلال" "شهر هلل" ثم "نبط عم" ابن "شهر هلال"٢. ويحتمل أن يكون "يدع أب ذبيان" هذا -بحسب رأيه- هو باني ذلك الباب٣. نرى أن قائمة "ألبرايت" قد كتبت اسم "شهر" وابنه وحفيده مرتين، وأشار هو نفسه إلى أن من الممكن أن يكون ذلك من باب التكرار، غير أنه ذكر من جهة أخرى أنه ما دامت الأدلة التي تثبت هذا التكرار غير متوافرة، فإنه يسجل هذه الأسماء على هذا الموضع، فلعل أسماء هذه المجموعة المتشابهة هي لأشخاص آخرين، إلى أن يثبت بالدليل خلاف ذلك. وترك "ألبرايت" فراغًا بعد "نبط عم" "نبطعم"، ذكر بعده "ذمر علي"، ثم ابنه "يدع أب يجل" "يدع أب يكل" ويرى "ألبرايت" أنه كان معاصرًا لثلاثة ملوك من ملوك سبأ، عاشوا في القرن الرابع قبل الميلاد، ولم يستبعد احتمال كونهم من رجال القرن الثالث قبل الميلاد. حينما كانت سبأ مجزأة منقسمة على أمرها٤. وقد كانت معظم أرض حمير خاضعة في هذا العهد للقتبانيين. وقد يكون هذا هو السبب الذي جعل الحميريين ينعتون أنفسهم بـ "ولد عم"؛ لأن "عما" هو إله القتبانيين، و"ولد عم" تعني "أولاد عم" و"شعب عم"٥.

стр. 895

وترك "ألبرايت" فراغًا بعد الملك "يدع أب يكل"، ذكر بعده ملكًا سماه "اب شبم"، "أبشبام" "أب شبام"، ولم يذكر اسم أبيه ولا نعوته، ثم ذكر بعده الملك "شهر غيلن" "شهر غيلان"، قال: إنه ابن "أبشبام"، وإن المنقبين قد عثروا على كتابات عديدة من أيامه، منها كتابة عثر عليها عند الباب الجنوبي لمدينة "تمنع"١. ثم ذكر بعده ملكًا آخر سماه "بعم" وهو ابن الملك السابق، أي "شهر غيلان"، ثم الملك "يدع أب يجل" "يدع أب يكل"، وهو شقيق "بعم"، ثم نصب "ألبرايت" بعده الملك "شهر يجل" "شهر يكل"، قال إنه ابن الملك "يدع أب"، وإنه صاحب جملة كتابات وفاتح معين في حوالي سنة "٣٠٠ ق. م." ثم ذكر الملك "شهر هلل يهنعم" "شهر هلال يهنعم" من بعده، وهو شقيق "شهر يجل" "شهر يكل" وقد تركت أيامه جملة كتابات، منها كتابة عثر عليها عند باب مدينة "تمنع" الجنوبي. وقد ذهب "ألبرايت" إلى أن حكم الأسرة أو المجموعة المتقدمة قد كان فيما بين "٣٥٠" و"٢٥٠ ق. م." وهو لا يدري من حكم بعد "شهر هلال" آخر ملوك هذه المجموعة٢، ولذلك ترك فراغًا، انتقل بعده إلى مجموعة جديدة من الملوك، وضع على رأسها "يدع أب ذبين يهرجب" يدع أب ذبيان يهركب"، وقال: إنه لا يرى أن وضع هذا الملك في هذا المكان هو من قبيل التأكد، وإنما يرى أن ذلك شيء محتمل، ثم ترك فراغًا آخر بعد هذا الملك يشعر أنه لا يدري من حكم فيه، ثم ذكر بعد هذا الفراغ الملك "فرع كرب" ثم ابنه "يدع أب غيلن". "يدع أب غيلان" وقد ذكر أن في أيامه بني "بيت يفش" المذكور في كتابة قتبانية، وأن ذلك كان في أواخر القرن الثاني قبل الميلاد٣. وترك "ألبرايت" فراغًا بعد "يدع أب غيلان"، ذكر بعده الملك "هوف عم يهنعم" "هو نعم يهنعم"، وقد جعل حكمه في حوالي سنة "١٥٠ ق. م." ثم ذكر ابنًا له حكم -على رأي "ألبرايت"- من بعده

стр. 896

سماه "شهر يجل يهرجب" "شهر يكل يهركب"، وإلى أيامه تعود الأسود المصنوعة من البرنز التي عثر عليها في أنقاض "تمنع"، والكتابة المتعلقة ببناء حصن الباب الجنوبي للعاصمة، وكتابة بناء "بيت يفش"١، ثم ذكر "وروال غيلن يهنعم" "وروايل غيلان يهنعم" من بعده، وهو ابن "شهر يكل يهركب"، وقد عثر على قطعة نقد ضربت في مدينة "حريب"، تحمل اسم "وروايل غيلن"، يرى "البرايت" احتمال كونها تعود إليه. وذكر بعده الملك "فرع كرب يهودع" "يهوضع"، وهو ابن الملك "شهر يكل" وشقيق "وروايل غيلان". وقد ترك "البرايت" بعد "فرع كرب يهودع" "يهوضع" فراغًا يشير إلى أنه لا يعرف من حكم بعد ذلك الملك، ثم ذكر بعد هذا الفراغ ملكًا آخر سماه "يدع اب ينف" "يدع اب ينوف". وقد عثر على نقود له ضربت من ذهب في "حريب"، ولا يعرف "ألبرايت" اسم من حكم بعده، لذلك ترك فراغًا، ذكر بعده ملكًا سماه "ذراكرب" "ذرأكرب"، ولم يذكر نعته ولا اسم أبيه، وقد جعل بعده ابنه "شهر هلل يهقبض" "شهر هلال يهقبض"، ويرى احتمال كونه "شهر هلل" "شهر هلال"، الذي أمر بضرب نقد من ذهب في "حريب"، وبه ختمت قائمة "ألبرايت" لحكام قتبان من مكربين وملوك إذ ذكر بعد اسمه خراب "تمنع" العاصمة ونهاية استقلال قتبان، وذلك في حوالي سنة "٥٠" قبل الميلاد٢. ويرى "ألبرايت" أن "شهر هلال يهقبض" هذا هو الذي بنى البيت المسمى "بيت يفعم" "بيت يفع"، الذي عثر على أطلاله وأسسه عند باب المدينة الجنوبي٣. وتعد هذه الفترة القريبة من الميلاد من أهم المراحل الحاسمة في تأريخ قتبان، في رأي "ألبرايت"، إذ فيها كان سقوط الحكم الملكي، وزواله عنها، ودخولها في حكم مملكة "معين"، أو دخول قسم منها في حكم معين، وقسم آخر في

стр. 897

حكم مملكة السبئيين١. ويرى "ألبرايت" أن عاصمة قتبان كانت قد تعرضت قبيل الميلاد لغزو أليم، وقد استدل عليه من وجود طبقة من الرماد تغطي أرض العاصمة، وقد فسر هذا بسقوط المدينة فريسة لنار أججها في المدينة ملك، لم نقف على اسمه حتى الآن، ولا على الأسباب التي حملته على إحراق المدينة أو إحراق أكثرها٢. ويرى "ألبرايت" أيضًا أن مملكة حضرموت كانت قد اغتصبت جزءًا من مملكة قتبان، وذلك بعد سقوط "تمنع" في القرن الأول للميلاد، وقد كانت مملكة حضرموت، ومعها مملكة سبأ، من أهم الممالك في العربية الجنوبية، في هذا العهد، ومنذ القرن الأول للميلاد فما بعده، فقد القتبانيون استقلالهم واندمجوا في حكومة "سبأ وذي ريدان" في النهاية٣. وقد عثر على كتابة في "وادي بيحان"، ورد فيها "يدع اب غيلان بن غيلان ملك حضرموت بنى مدينته مدينة: ذي غيلان"٤. وذهب قراء هذه الكتابة إلى أن مدينة "ذي غيلان"، هي مدينة بناها هذا الملك في "وادي بيحان" على مسافة عشرة أميال من موضع "بيحان القصب" في الزمن الحاضر أي في أرض قتبانية، وذلك بعد سقوط مدينة "تمنع". وقد عثر على كتابتين حضرموتيتين أخريين في هذا الوادي، وردت فيها أسماء ملوك حضرميين٥.

стр. 898

كتابات وحوادث قتبانية: أحاول هنا تدوين الحوادث التي وقعت في قتبان في أيام المكربين وأيام الملوك مستخلصًا إياها من كتابات العهدين، فأبدأ بالبحث في الكتابات التي يرجع عهدها إلى المكربين، وفي جملة الكتابات أيام "المكربين" كتابة وسمها العلماء بـ"Glaser ١٤١٠ – ١٦٨١ "، وقد دونت عند قيام قبيلة "هورن" "هوران"

стр. 899

ببناء بيت في أرضها للإله "عم ذو دونم"، بنته بالخشب وبالحجارة والرخام ومواد أخرى، تقربًا إلى ذلك الإله وإلى آلهة قتبان الأخرى: "عم" و"أنبي" و "ذات صنتم" و "ذات ظهران"، وقد وردت في النص أسماء مواضع هي: موضع "لتلك" الواقع في منطقة "ذبحتم" "ذبحة" و "دونم" "دون" و "أذ فرم" "أذفر". وقد سقط من السطر الأول اسم "المكرب" وبقي اسمه الثاني وهو "ذبين" "ذبيان"، ولقبه وهو "يهنعم"، واسم أبيه وهو "شهر". ويظهر من عبارة: "ذبين يهنعم بن شهر، مكرب قتبان وكل ولدعم واوسن وكحد ودهسم وتبنو بكر انبي وحوكم"، أي " ... ذبيان يهنعم بن شهر مكرب قتبان وكل ولدعم واوسان وكحد ودهس وتبنو بكر أنبي وحوكم"١ أن قتبان وكل المتعبدين للإله "عم" الذي يمثله مكرب قتبان نفسه والأوسانيون وكحد ودهس وتبني كانوا متحدين في ذلك العهد متحالفين، يحكمهم المكرب المذكور. وقد رأينا أن "ألبرايت" جعل هذا المكرب في الجمهرة الثانية من جمهرة المكربين الذين حكموا قتبان، ولم يذكر شيئًا عن أبيه "شهر" لعدم ورود شيء عنه في الكتابات، أما اسم المكرب الأول الساقط من النص، فهو "يدع اب". وفي أسماء المواضع المذكورة دلالة على أنها كانت خاضعة لحكم قتبان في أيام المكرب المذكور، وأن حدود قتبان كانت واسعة إذ ذاك أي في القرن السابع قبل الميلاد على رأي بعض الباحثين أو في النصف الثاني من القرن الخامس قبل الميلاد على رأي بعض آخر٢. وقد عثر على اسم المكرب "شهر هلل بن يدع اب" "مكرب قتبان" في كتابتين، رقمتا برقم٣ "RES ٣١٢" و "Res ٣١٢ + SE ٦٠" وقد ورد فيها اسم "أنبي" و "حوكم" و "عم" من أسماء آلهة قتبان، وورد فيها أسماء

стр. 900

مواضع مثل: "لتك"، و "ذبحتم" و "اضفرم"، وقبيلة أو جماعة تعرف بـ "هورن" "هوران". وكان سبب تدوينها التوسل والتضرع إلى الإله "أنبي" ليمن على أصحاب الكتابتين فيبعث إليهم بالخير والبركة، ويقيهم شر المجاعة١. والظاهر أن قحطًا كان قد حدث في أيام هذا المكرب فتوسل أصحاب الكتابة إلى إلههم "أنبي" أن يمن عليهم بإنقاذهم منه. ويلاحظ أن هذه الكتابة تحدثت عن موضع "لتك" في "ذبحة" التابعة لقبيلة "هورن" من قبائل قتبان، إلا أنها لم تذكر "قتبان وولد عم وأوسان وكحد ودهس" كما جاء في ذلك النص السابق. وقد سقط في هذه الكتابة "شهر هلل" "شهر هلال"، كما أنها لم تذكر لقب "يدع اب" مكرب قتبان وهو والد "شهر". ولا نستطيع بالطبع الادعاء بأنه كان أقدم من المكرب السابق أو أنه جاء من بعده في الحكم لعدم وجود دليل ملموس لدينا يثبت أحد الرأيين. وقد عثر على عدد من الكتابات القتبانية، ورد فيها اسم المكرب: "يدع اب ذبين بن شهر" "يدع أب ذبيان بن شاهر" "شهر"٢. منها الكتابة الموسمومة برقم: "."Glaser ١٦٠٠ وقد جاء فيها: أن "يدع أب ذبين بن شهر مكرب قتبان، وكل أولاد عم وأوسان وكحد ودهس وتبني" فتحوا طريقًا، وأنشئوا "مبلقة" بين موضعي "برم" و "حرب" "حريب"، وجددوا "بيت ود" و "عثيرة"، وبنوا "مختن" في موضع "قلي". ووردت في هذه الكتابة أسماء آلهة أخرى، هي عثتر، وعم، وأنبي، وحوكم، وذات صنتم، وسحرن، ورحبن٣. وقد وردت في الكتابة لفظة "منقلن"، ويراد بها الطريق في الجبل، وهي بهذا المعنى أيضًا في معجمات اللغة التي نزل بها القرآن الكريم. ووردت فيه لفظة "مبلقة"، ومعناها فتحة وثغرة، وهي بهذا المعنى في عربيتنا كذلك، يقال

стр. 901

انبلق الباب إذا انفتح، وأبلق الباب: فتحه كله أو أغلقه بسرعة، ومعنى الكلمة في النص عمل ثغرة في الجبل ليمر منها الطريق المار في الجبل من مكان إلى مكان١. وفي هذا العمل المشترك الذي اشترك فيه هذا المكرب وشعب قتبان وقبائل أخرى غير قتبانية، هي أوسان وكحد ودهس وتبني، دلالة على وجود فن هندسي راق عند العرب الجنوبيين في هذا العهد الذي لا نعرف مقدار بعده عن الميلاد، ولكننا نجزم أنه كان قبل الميلاد. ولدينا كتابة أخرى تشبه الكتابة المتقدمة، دونت في أيام هذا المكرب كذلك، ورد فيها بعد اسم المكرب جملة: "وكل ولد عم"، ثم أسماء من ساعد "ولد عم" في البناء، وهم "أوسان" و "كحد" ودهس" "وتبني" و "يرفأ"، ثم وليت هذه الأسماء جملة "ايمنن واشامن"، أي "الجنوبيون والشماليون"، وبعبارة أخرى "أهل الجنوب وأهل الشمال"، ويقصد بذلك على ما يظهر من سياق الكلام سكان المناطق الشمالية وسكان الجنوب، أما جملة "ولد عم" فإنها كناية عن أهل "قتبان" و "عم" هو إله "قتبان" الرئيس، ولذلك أطلق القتبانيون على أنفسهم "ولد عم"، ويفهم من ذكر أسماء القتبانيين وغيرهم في هذه الكتابة أن العمل المذكور في الكتابة كان ضخمًا واسعًا، لذلك اشترك في إتمامه وإنجازه أهل أوسان والقبائل الأخرى. ولم يتحدث النص عن كيفية اشتراك أوسان والقبائل الأخرى المذكورة في هذا العمل: أكان ذلك لأنها كانت خاضعة في وقت تدوين هذه الكتابة لحكم المكرب، "يدع أب" فاضطرت إلى الاشتراك فيه، أم هي قامت به بالاشتراك مع قتبان؛ لأنه في مصلحتها؛ لأنها ستستفيد منه كما يستفيد منه القتبانيون، فتعاونت مع قتبان في إنجازه واتمامه. والكتابة وثيقة مهمة تتحدث عن عمل هندسي مهم خطير، هو فتح طريق جبلي في مناطق وعرة وفي أرضين جبلية، فاستوجب العمل تمهيد الأرض وتسويتها وإحداث ثغر في الصخور وفتح أنفاق ليمر بها الطريق، وقد كرس العمل باسم الآلهة "عم ذو شقرم" و "عم ذو ريمت" و "أنبي" و "حوكم" و"ذات صنتم" و "ذات ظهران" و "ذات رحبان"، وتقرب به إليها, وقام به.

стр. 902

وأشرف عليه رجل اسمه "أوس عم بن يصرعم" "أوسعم بن يصرعم" "أوس بن يصرع"، أدار هذا الرجل العمل، ورسم الخطط وقام برصف الطريق وتبليطه ورصف ممر "ظرم" بصورة خاصة بمنطقة سميكة من الحجارة، وقد قام بكل ذلك بأمر سيده المكرب "يدع اب"١. ونحن هنا أمام رجل كان له علم خاص بهندسة الطرق وله تجارب ودراية في إحداث الثغر في الصخور وإنشاء الممرات والمناقل للقوافل والمارة في المناطق الوعرة ولهذا كلفه حاكم قتبان القيام بذلك العمل، فأنجزه وأتمه عل النحو الموصوف. وكان "اوس عم بن يصرعم" من قبيلة تسمى "مدهم"٢. وقام المهندس المعماري المذكور بأعمال هندسية أخرى لسيده المكرب، فقد جاء في نص آخر أنه شق طرقًا وثنايا في مواضع جبلية وعرة، وحفر أنفاقًا تمر السابلة منها، وبنى أيضًا "بيت ودم" أي معبد الإله "ود"، و"مختن ملكن بقلي"، أي "مختن الملك" بموضع "قلي"٣. وقد سبق أن أشير إلى هذا "المختن" في النص "Glaser ١٦٠٠" الذي تحدثت عنه قبل قليل، وهو من النصوص التي تعود إلى هذا المكرب نفسه، والتي تتحدث عن فتح طريق وبناء "بيت ود" و "مختن الملك بقلي"، إلا أنه لم يذكر اسم "المهندس" الذي أشرف على العمل في النص المرسوم بـ " Glaser ١٦٠٠". وليست لدينا معرفة تامة بمعنى "مختن"، الواردة في النصين المذكورين، وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنها من الألفاظ المستعملة في الشعائر الدينية، وأنها تؤدي معنى محرقة، أو الموضع الذي توضع عليه القرابين التي تقدم إلى الآلهة٤ أو المذبح الذي تذبح عليه الضحايا، فهي بمعنى "يبحت" و "ومنطف" "منطفت" "منطفة". وذلك لورود هذه الألفاظ في كتابات تتعلق بالقرابين، كما سأتحدث عنها في فصل "الحياة الدينية عند الجاهليين".

стр. 903

ويظهر أن لاسم قرية "شقير" و"حصن شقير" الموجودتين في اليمن في الوقت الحاضر، علاقة بمعبد "عم ذو شقرم" الذي تقرب صاحب النص المذكور إليه ببناء الطريق ورصفه، وقد كان "شقرم" موضع في ذلك الوقت أقيم به معبد خصص بعبادة الإله "عم"١. ولعل الطريق الذي شيده "يدع أب ذبيان" كان يمر به، وأنه أوصل إليه ليسهل على المؤمنين الوصول إليه, فكرس الطريق لذلك باسمه فذكر قبل بقية الآلهة، تعبيرًا عن هذا التخصيص. ويرى بعض الباحثين أن ملك قتبان كان قد توسع في عهد "يدع أب ذبيان" هذا فصار يشمل كل "أوسان" وقتبان ومراد حتى بلغ حدود سبأ، ولحماية أرضه أقام حواجز وفتح طرقًا في الهضاب والجبال ليكون في إمكان جيشه اجتيازها بسهولة في تحركه لمقاتلة أعدائه، أقامها في شمال أرضه وفي جنوبها لمنع أعدائه من الزحف على مملكته، وتعبيرًا عن فتوحاته هذه في شمال وفي جنوب قتبان استعمل جملة "ايمنن واشامن" أي "الجنوبيون والشماليون"، وهو لقب يعبر عن هذا التوسع الذي تم على يديه٢. ويظهر أن الذي حمل "يدع ذبيان" على الأقدام على شق الطرق في المرتفعات وفي الجبال وعمل الأنفاق وتبليط الطرق بالأسفلت، هو عدم اطمئنانه من الطرق الممتدة في السهول، إذ كانت هدفًا سهلًا للأعداء. فإذا اجتازتها قواته هاجمهما الغزاة ويكون من الصعب عليها الدفاع حينئذ عن نفسها، أما الطرق التي أنشأها فإنها وإن كانت صعبة وفي السير بها مشقة إلا أنها آمنة؛ لأنها تمر في أرض خاضعة لحكمه وهي أقصر من الطرق المسلوكة في الأرض السهلة. ثم إن الدفاع عنها أسهل من الدفاع عن الطرق المفتوحة. فبهذا التفكير الحربي أقدم على فتح تلك الطرق٣. وقد تبين من ورود لفظة "ملك" في بعض هذه الكتابات مع وجود لقب "مكرب" فيها، أن "يدع أب ذبيان" هذا كان كاهنًا في الأصل. أي حاكمًا يحكم بلقب "مكرب"، ثم تحلى بلقب "ملك" أيضًا، ولعله استعمل اللقبين معًا. ولهذا ذكرا معًا في الكتابات المشار إليها، إلا أن الكتابات المتأخرة

стр. 904

نعتته بلقب ملك فقط، وفي اكتفائها بذكر هذا اللقب وحده دلالة على أنه صرف النظر عن اللقب القديم، وجعل لقبه الرسمي هو اللقب "ملك" فقط١. ومن الكتابات التي تعود إلى أوائل حكم "يدع أب ذبيان" أي أيام حكمه "مكربًا" الكتابات: Ryckmans ٣٩٠ و REP. EPIG ٣٥٥٠ ٤٣٢٨ أما الكتابة: REP. EPIG. ٣٨٧٨، فتعود إلى أيام تلقبه بلقب "ملك" وتتناول الكتابات الأولى موضوع فتح وتعبيد طريق "مبلقة"، وقد عثر عليها مدونة على الطريق وفي "شقرم" "شقر" التي تقع إلى الغرب منها٢. ومن كتابات أيام الملكية الكتابة المرسومة بـ Glaser ١٥٨١"، وقد دونت عند الانتهاء من بناء حصن "برم" "محفدن برم" تقربًا وتوددًا لآلهة قتبان. وكان العمل في أيام الملك "يدع أب ذبين بن شهر ملك قتبين" "يدع أب ذبيان بن شهر ملك قتبان"، وكان صاحب البناء الذي قام به "لحيعم بن ابانس" من "آل المم" و "عبد ايل بن هاني" ويظهر أنهما كانا من المقربين إلى الملك المذكور، وربما كانا من كبار الموظفين، أو من أصحاب الأرضين والأملاك أو من رؤساء العشائر٣. وللملك "يدع اب ذبيان بن شهر"، وثيقة على جانب كبير من الأهمية؛ لأنها قانون من القوانين الجزائية المستعملة في مملكة قتبان، بل في الواقع من الوثائق القانونية العالمية، ترينا أصول التشريع وكيفية إصدار القوانين عند العرب الجنوبيين قبل الميلاد، فيها روح التشريع الحديث وفلسفة التقنين، ترينا أن الملك وهو المرجع الأعلى للدولة هو وحده الذي يملك حق إصدار القوانين ونشرها والأمر بتنفيذها، وترينا أيضًا أن مجالس الشعب، وهي المجالس المسماة بـ "المزود" وتتكون من ممثلي المدن، ومن رؤساء القبائل والشعاب، هي التي تقترح القوانين وتضع مسودات اللوائح، فإذا وافقت المجالس عليها عرضتها على الملك لإمضائها ولنشرها بصورة إرادة أو أمر ملكي، ليطلع الناس على أحكام الأمر الملكي.

стр. 905

ويعملوا به. وسأتحدث عن ذلك في فصل "التشريع الجاهلي" بكل تفصيل وتوضيح. والوثيقة المذكورة هي قانون أصدره الملك في شهر "ذي مسلعت" "ذو مسلعة" من سنة "غوث آل" "غوث ايل"١ وقد شهد على صحتها للتعبير عن شرعيتها جماعة من الأعيان والرؤساء وهم من أعضاء "المزود" ومن أشراف المملكة ورؤساء القبائل، ذكرت أسماؤهم وأسماء الأسر والعشائر التي ينتمون إليها، وقد كانت العادة في قتبان أن يذكر عند إصدار القوانين والأوامر أسماء أعضاء المزود والرؤساء وكبار الموظفين كما تفعل الدول الحديثة في هذا اليوم من ذكر اسم رئيس الدولة الذي يصدر القانون بأمره وباسمه واسم رئيس الوزراء والوزراء أصحاب الاختصاص، وذلك لإظهار موافقة المذكورين على القوانين دلالة على اكتسابها الصفة القانونية بنشر أسمائهم مع اسم الملك. وفي جملة القبائل التي ذكرت في هذه الكتابة "ردمن" "ردمان" و "الملك" "المالك" و "مضحيم" "مضحى"، و "يحر"، و "يكلم" "بكيل" و "ضرب"، و "ذو ذرآن"، "ذ درن"، و "شهران" و "هران"، "هرن"، و "غربم"، و "رشم"، و "زخران"، و "غربان"، و "جرعان"، و "نظران"، وقبائل أخرى، وقد ذكرت أسماء الرؤساء الذين أمضوا القانون وصدقوا صحته ودونت قبل أسمائهم هذه الجملة: "وتعلماي ايدن ... "، ومعناها: "علموا عليها بأيديهم"، وكتب قبل اسم الملك: "وتعلماي يد"، ومعناها: "وعلم عليها بيده ... "، ويعود الضمير إلى الملك٢. والوثيقة التي نتحدث عنها هي قانون في عقوبات القتل العمد أو القتل الخطأ غير المتعمد وفي العقوبات التي يجب أن يعاقب بها من يصيب إنسانًا بجرح أو جروح قد تحدث آفات وعطلًا في الشخص. وسأتحدث عن هذا القانون وعن المصطلحات الفقهية الواردة فيه في فصل "التشريع عند الجاهليين"، ويرى "فون وزمن" أن هذه الوثيقة المهمة هي من الأوامر التي أصدرها الملك في النصف الأول من القرن الرابع قبل الميلاد٣. ويتبين من الوثيقة المتقدمة أن القتبانيين

стр. 906

كانوا يحكمون الرومانيين في هذا العهد، ومخلاف "ردمان" من مخاليف اليمن المهمة، فيه قبائل كبيرة، ولهذا فإن خضوعه لقتبان هو ذو أهمية كبيرة بالقياس إلى الحكومة. وبعد موضع "جهر وعلان" حاضرة مخلاف "ردمان"، ومن أماكن "ردمان" "رداع" و "كدار"، وهو مكان قريب من "وعلان"، وقد ورد اسم "وعلان" في الكتابات إذ جاء: "وعلن ذردمن"، "وعلان ذو ردمان"١. ويظن أن الملك "يدع أب ذبيان يهرجب بن شهر، ملك قتبان" الذي أمر بتدوين النص الذي وسم بـ "jamme ٤٠٥ + ٤٠٦ "، هو هذا الملك الذي نتحدث عنه، أي الملك المعروف في الكتابات باسم "يدع أب ذبيان بن شهر"، والفرق بين الاسمين هو في وجود اللقب "يهرجب" "يهركب" في النصين المذكورين وسقوطه من الكتابات الأخرى، ويستدل من قال بأن الاسمين هما لشخص واحد بورود أسماء قبائل في النصين وردت في كتابات دونت في عهد الملك المتقدم ثم؛ لأنهما استعملا مصطلحات ترد في كتابات تعود إلى هذا العهد، ثم؛ لأن أسلوب الكتابة، ونموذج كتابتها يدلان على أنها كتبت في أواخر القرن الخامس قبل الميلاد. أو في القرن الرابع قبل الميلاد. وفي هذا الوقت كان حكم هذا الملك على رأي بعض الباحثين. لذلك رأوا أن الكتابتين قصدتا هذا الملك٢. وخلاصة ما جاء في النصين أن الملك "يدع أب ذبيان يهرجب بن شهر ملك قتبان" وكل أولاد عم وأوسان و "كحد" و "دهسم" "دهس" و "تبنو"، بنوا "يسرن" "يسران" والأقسام التابعة لها "ريمت" "ريمة" و "رحبت" "رحبة"، وذلك من الأساس إلى القمة، ولحماية ما أمر الملك ببنائه من كل أذى وسوء وقدموا ما قاموا به إلى الآلهة "عثتر" و "عم" و "ود". أما القبائل المذكورة في هذين النصين، فقد تعرفنا عليها في الكتابات السابقة، ولدينا كتابة وسمها علماء العربيات الجنوبية بـ "REP EPIG ٤٠٩٤" دونها "زيدم بن آل وهب" "زيد بن ايل وهب"، و "أب عم بن شهرم"

стр. 907

من "ذي طدام"، عند إتمامها بناء عدة بيوت أو معابد ذكرا أسماءها، وهي: "يفش مبش"، و "اهلن"، و "شمس مبش" لملكي قتبان: "يدع أب ذبيان" وابنه "شهر"، وقد ورد فيها اسم الآلهة: عثتر، وعم، وانبي، وذات صنتم، وذات ظهرن "ذات ظهران". وهي الآلهة التي ترد أسماؤها عادة في معظم كتابات القتبانيين، وجاءت بعد أسماء الآلهة، هذه الجملة "وبمبش واهلن"١، ولا نعرف اليوم شيئًا عن "مبش" ولا عن "اهلن"، أم هما اسمان لإلهين من آلهة قتبان بدليل ورودهما بعد أسماء الآلهة التي ورد ذكرها تيمنًا في هذه الكتابة، أم هما اسمان لقبيلتين أو لمقاطعتين أو لمعبدين من المعابد المشهورة التي كانت في قتبان؟. أما "طدام"، فهو اسم قبيلة أو أسرة قتبانية، وقد ورد في كتابات أخرى عديدة غير قتبانية٢. وأما "أبعم" "أب عم" و "زيدم" "زيد" فمن الأسماء التي ترد في مختلف الكتابات، ولكن اسم "اب عم" "أبعم" هو من الأسماء المنتشرة بصورة خاصة في قتبان٣. وقد اختلف الباحثون في تعيين زمان حكمه، فذهب بعضهم إلى أنه كان في القرن الخامس قبل الميلاد، وذهب بعض آخر إلى أنه كان في القرن الرابع قبل الميلاد٤. أو القرن الثاني قبل الميلاد٥ أو في أوائل القرن الآخر قبل الميلاد٦. وقد ذكر اسم الملك "شهر هلل"٧ وابنه "نبطعم"٨ في كتابة دونها رجل اسمه "نبط عم بن يقه ملك" "نبطعم بن يقهملك"٩ إذ حفر بئرًا في حصن له لإرواء أرضه وأملاكه، وجعلها في رعاية آلهة قتبان وحمايتها، لتبارك له

стр. 908

ولذريته، وذكر أن حفر هذه البئر كان في أيام الملك المذكور وفي أيام ابنه١. وقد ذهب "ألبرايت" إلى أن "شهر هلال" المذكور وهو والد "نبطعم" هو ابن "يدع أب ذبيان بن شهر". وقد جعله كما قلت قليل آخر المكربين وأول من تلقب بلقب "ملك" في قتبان. وجاء اسم الملك "شهر هلل بن يدع اب"٢، في قانون أصدره للقتبانيين المقيمين بمدينة "تمنع" أي العاصمة وللمقيمين في الخارج، وذلك لتنظيم التجارة ولتعيين حقوق الحكومة في ضرائب البيع والشراء، والأماكن التي يكون فيها الاتجار. وفي هذا القانون مصطلحات تجارية مهمة ترينا مبلغ تقدم القتبانيين في أصول التشريع التجاري بالقياس إلى تلك الأيام٣. ووصلت إلينا كتابة قتبانية وسمت بـ "REP. EPIG. ٤٣٢٥"، وهي قانون لتنظيم التجارة وفي كيفية دفع الضرائب. وقد صدر في أيام "شهر"، وقد سقط من النص لقب الملك واسم والده ولقبه، كما سقطت أسطر من القانون بسبب تلف أصاب الحجر المكتوب، فأضاع علينا فهم أكثر القانون٤. ولوجود جملة ملوك حكموا قتبان باسم "شهر"، لا نستطيع تعيين هذا الملك، صاحب هذا القانون، وقد يكون "شهر هلال بن يدع اب"، أي الملك المتقدم. وذكر اسم الملك "ذمر علي" واسم ابنه الملك "يدع ابن يجل" "يدع اب يكل"٥ في النص القتباني المعروف بـ "Glaser ١٦٩٣"، ولم يرد فيه اللقب الذي كان يلقب به٦. وقد ورد اسم ملك قتباني هو "يدع أب"، في عدد من الكتابات، دون أن يذكر لقبه أو اسم أبيه، وقد ذهب "فلبي"، إلى احتمال أنه "يدع اب بن ذمر علي" أي الملك المذكور في النص "Glaser ١٦٩٣"

стр. 909

وفي أيام "يدع اب يجل" نشبت حرب بين "سبأ" و "قتبان"، ذكرت في النص الموسوم بـ "REP EPIG ٣٨٥٨" وهو نص سجله "ذمر ملك بن شهر" من "آل ذران" "آل ذرأن"، وكان واليًا ولاه الملك على قبيلة "ذبحن"١ النازلة في أرض "حمر"، بعد أن ثارت وتمردت على ملك قتبان، فتغلب عليها، وضرب عليها الجزية وأخذ غنائم منها ومن القبائل التي عضدتها، ويظهر أن هذه القبيلة انتهزت فرصة حرب نشبت بين "سبأ" و "قتبان"، فأعلنت عصيانها على ملوك قتبان وثارت ومعها قبائل أخرى انضمت إليها، ولكنها لم تنجح، ففرضت قتبان عليها جزية كبيرة وانتزعت منها بعض أملاكها، وقد أشار النص إلى: "حرب يدع آل بين وسمه على ينف ويثع أمر وتر ملوك سبأ، وسبأ وقبائلها وإلى ملوك رعنن وقبيلة رعنن"٢. ويظهر من هذه الجملة أن الحرب كانت قد نشبت في أيام الملوك المذكورين، وهم ملوك سبأ، ومع "ملوك سبأ، وسبأ وأشعبها"، ويظهر أنه يقصد بجملة "ملوك سبأ" المذكورة بعد اسم "يثع امر وتر" مباشرة، ملوك سبأ آخرون، أو سادات قبائل، تلقبوا بلقب "ملك". وأما لفظة "أشعب"، فهي "الشعوب" في لهجتنا، وتعبر عن معنى القبائل، ويكون الملك "يدع اب يجل" من معاصري الملوك المذكورين إذن بحسب هذا النص٣. وقد أشير إلى "ذبحن ذحمرر" "ذبحان ذو حمرو" في الكتابة: REP EPIG ٣٥٥٠" وذكر فيها اسم "نعمن" "نعمان" و "صنع"٤. وقد ورد اسما هذا الملك في كتابات أخرى عثر عليها في مواضع من "وادي بيحان"٥.

стр. 910

وقد ورد اسم الملك "شهر غيلن بن ابشم"١، وكذلك اسم ابنه "بعم"، في نص قتبان وسم بـ "ERP. EPIG. ٣٥٥٢" وقد دون هذا النص عند قيام "شرح عث بن عبد يل بن تنزب"٢، وهو معمار كلفه الملك المذكور إنشاء "محفد عريم"، أب برج في موضع يسمى "عرب" "عربم"، وقد قام بالعمل وأتمه، ووضعت لتخليده هذه الكتابة شاهدًا على إتمام البناء. وقد تضمنت شكرًا وحمدًا لآلهة قتبان، التي سهلت العمل، ومنت على القائمين به بإنجازه وإتمامه، تيمنًا باسمها على عادة العرب الجنوبيين، كلهم في ذكر أسماء الآلهة التي يتعبدون لها٣. وورد في كتابة أخرى اسم الملك "شهر غيلن بن أبشم"، أمر الملك نفسه بتدوينها، عند تجديده إحدى العمارات وإنشائه "صحفتن"، أي برجاء فخلد ذلك العمل بهذه الكتابة وشكر الآلهة "عم" و "انبي" و "عم ذيسرم"، لمنتها عليه وتسهيلها هذا العمل له٤. وتعد الكتابة المرقمة برقم: "Glaser ١٦٠١" من الكتابات المهمة المدونة في أيام هذا الملك؛ لأنها أمر ملكي في كيفية جباية الضرائب من قبيلة "كحد ذ دتنت" وقد عقدت بين ملك قتبان ورؤساء قبيلة "كحد" النازلة في "دتنت" "دتنه"، واشهدت آلهة قتبان عليها، وقد جاء هي هذا الأمر أن "كبر" أي "كبير" قبيلة "كحد" هو الذي سيتولى أمر هذه الجباية والإشراف على تنفيذ الأمر وتطبيق أحكامه على كل من يخصه ويشمله، وذلك من تأريخ تعيينه "كبيرًا" إلى يوم انتهاء وظيفته، على أن يقدم الوارد إلى الحكومة سنة فسنة، فإذا انتهت مدة تعيينه، تولى من يخلفه في هذا المنصب أمر الجباية، وقد جعل تأريخ تنفيذ هذا العقد من: "بن شهر ورخن ذ تمنع خرف موهبم ذ ذرحن اخرن لاخرن"٥، ومعناها: "من هلال شهر ذو تمنع

стр. 911

سنة موهب ذو ذرحن" "ذرحان" آخرًا فآخرًا"، وتعني "اخرن لأخرن" والأشهر التي تليه إلى أمر آخر. وأما الضرائب المفروضة، أي الجباية التي يجب أن تجبى من قبيلة "كحد"، فقد حددت بهذه العبارة: "عشر كل هنام وموبلم وتقنم وترثم وكل ثفطم بيثفط"١ أي "عشر كل ربح صاف، وكل ربح يأتي من التزام أو من بيع أو من إرث يورث"، فحصر هذا القانون ضريبة "العشر" في الأرباح المتأتية من هذه المكاسب٢، وتجبى هذه الضرائب لخزانة الحكومة. وقد ذكرت في هذه الوثيقة ضريبة أخرى, هي "عصم" "عصمم"، وهي ضريبة خاصة تجبى للمعابد، أي أنها تذهب إلى الكهان لينفقوا منها على إدارة المعبد، فهي ضريبة مقررة تجبى كما تجبى ضرائب الدولة، وهي مصطلح يطلق على كل أنواع الجبايات التي تسمى بأسماء الآلهة والمعابد٣. ويرى "رود كناكس" أن "العصم" لفظة تطلق على كل ما يسمى للآلهة أو المعابد من "زكاة" أو نذر أو صدقات تقدم في مختلف الأحوال، عند برء من سقم، أو عند حدوث زيادة في الغلات٤. وقد وردت في النصوص مصطلحات مثل: "ودم" و "شفتم" و "بنتم" وأمثالها، وهي تعبر عن النذور والهبات التي يقدمها المؤمنون تقربًا وزلفى إلى آلهتهم، وهي غير محدودة ولا معينة ولا ثابتة، وإنما تقدم في المناسبات كما في أكثر الأديان٥. وجاءت في هذه الكتابة جملة "وسطر ذتن اسطون ببيت ورفو"، أي "وسطرن هذه الأسطر ببيت ورفو"، وتؤدي لفظة "بيت" في أمثال هذا السياق معنى "معبد"، كما نقول: "بيت الله"، وقد وقعها الملك في شهر "ذبرم" وأعلنها للناس وأوضح ذلك بهذه العبارة: "يد شهر ورخس ذبرم قد من خرف موهبم ذ ذرحن" أي "وقد وقع عليها شهر بيده في شهر ذي برم الأول من سنة موهب آل ذرحن"، وجعل شاهدًا على صحة الوثيقة رجلًا اسمه "نبط عم بن السمع" من "آل هيبر".

стр. 912

وحظي معبد "بيحان" بعناية الملك "شهر غيلان"، فقد أمر بترميم أقسامه القديمة وتجديدها وبناء أقسام جديدة فيه، وقد تيمن بهذا العمل بذكر الآلهة "عثتر نوفان"، أي "عثتر النائف"، وسجل هذا العمل في كتابة وسماها علماء العربيات الجنوبية بـ ١REP. EPIG ٤٩٣٢ وفد ذكر فيها أسماء آلهة أخرى تيمنًا بذكر أسمائها وتقربًا إليها. وكان هذا المعبد قد خصص لعبادة "عم ذلبخ"، فهو إذن أحد المعابد التي سميت باسم الإله "عم"، وقد عرفت معابده بـ "عم ذلبخ"، ومعبد "بيحان" هو معبد من هذه المعابد التي حملت اسمه، وكانت لها جماعة تتعبد بها ولعلها مذهب أو طائفة خصصت نفسها بعبادة هذا الإله. وكانت هذه المعابد تجبي أموالًا من أتباعها لتقيم بها المعابد، وصرف الملوك عليها كذلك٢. وفي الكتابة الموسومة بـ "Ry ckmans ٢١٦" خبر نص أحرزه الملك "شهر غيلان" على حضرموت و "أمر" "آمر" "أأمر" وتخليدًا له أمر ببناء معبد "عثتر ذ بحن"، أي معبد الإله "عثتر" في موضع "ذبحن" "ذبحان"، ويرى "فون وزمن" أن موضع "ذبحان" الذي بنى فيه هذا المعبد، هو المكان المسمى "بيحان القصب" في الوقت الحاضر، ويقع عند قدم "جبل ريدان" وفي هذا المكان خرائب واسعة تدل على أنه كان مدينة أو قرية كبيرة، ويرجع "فون وزمن" زمان هذا الملك إلى أواخر القرن الرابع لما قبل الميلاد٣. ويتبين من النص المتقدم أن "قتبان" كانت في عهد هذا الملك قوية، فقد انتصرت كما رأينا على حضرموت و "امر"، وكانت تحكم "دتنت" "دتنه" و"كحد"، كما كانت تحكم أرضين أخرى غير قتبانية، ولولا القوة لانفصلت تلك الأرضين عنها٤. وقد عثر على عدد من الكتابات القتبانية ورد فيها اسم الملك "شهر بجل بن يدع أب". منها الكتابة التي وسمت بـ "Glaser ١٦٠٢"، وهي أمر ملكي في كيفية جمع الجباية من "اربي عم ذلبخ"، أي من "طائفة معبد

стр. 913

الإله عم في أرض لبخ"، ويظهر من هذا المصطلح ومن مصطلحات مشابهة أخرى أن العرب الجنوبيين كانوا يؤلفون طوائف تنتمي إلى إله من الآلهة تتسمى به وتقيم حول معبده. ويعبر عن الطائفة بلفظة "اربي" وتقيم في الأرض تستغلها، وتسمي نفسها باسم الرب الذي تنتمي الطائفة إليه، ويجوز أنها كانت تتعاون فيما بينها في استغلال الأرض وفي تصريف الإنتاج لخير الطائفة بأسرها. وتقدم الطائفة حقوق الحكومة إلى الجباة الذين يجبون تلك الحقوق، فيقدمونها إلى "الكبير"، أي نائب الملك المعين واليًا على المقاطعات ليقدمها إلى الملك. وقد أصدر الملك "شهر يجل" أمره هذا، وأمر بتنفيذه، وذلك في معبد "عم ذلبخ" المشيد في موضع "بن غيلم" أي "في غيل"، وذلك في شهر "ذبشم" سنة "عم علي" كما يفهم من العبارة القتبانية: "ورخس ذبشم خرف عم علي"١. وتتألف "الاربي"، أي طائفة "عم" إله معبد "ذلبخ" من أسر تجمع بينها صلة القربى، وكان لهم رؤساء يديرون شئون سماهم الملك، وهم: "معدي كرب" "معدي يكرب بن هيبر" و "دال" و "دايل بن رباح" "ربح" و "اخهيسمي" أي وأخوتهما٢. وقد قصد الملك من ذكرهما في هذه الكتابة أنهما هما اللذان كانا يقومان بجمع الغلات ودفع ما على أتباعهما إلى خزانة الحكومة وإلى خزائن المعابد التي في أرض "لبخ" وفوض أمر استثمارها إلى هذه الطائفة. وهناك كتابات أخرى تبحث في الموضوع نفسه، موضوع أرض "لبخ" وطائفة "عم" "اربي عم" القاطنة بها، وعباراتها هي عبارات النص المذكور إلا في أمور، إذ تختلف فيها، في مثل أسماء الأشخاص وتواريخ عقد تلك الاتفاقيات ومواضعه؛ لأنها عقدت في أوقات مختلفة مع أشخاص آخرين٣.

стр. 914

وتقدم النصوص المذكورة نماذج عن طرق كتابة العقود الرسمية بين الحكومة القتبانية والموظفين والجماعات في موضوع الالتزامات والعقود فلها أهمية خاصة لمن يريد دراسة أصول التشريع عند الجاهليين. والعادة كتابة هذه الوثائق وإعلانها للناس بوضعها في محال بارزة، يتجمع عندها الملأ في العادة أو يمرون عليها، مثل المعابد أو أبواب المدن، فإنها من أكثر الأماكن التصاقًا بالأفراد والجماعات. وتؤرخ بالتواريخ المستعملة في أوقات عقد العهود، ليعمل بتلك الأوامر وفي الأوقات المثبتة في الكتابات. ولدينا نص أمر ملكي أصدره الملك إلى القتبانيين أحرارهم وعبيدهم، رجالهم ونسائهم وإلى كل المولودين في مدينة "تمنع" في كيفية دفعهم "العصم" أي الضرائب. وقد صدر هذا الأمر وأعلن للناس في "ورخم ذبرم اخرن ذ ذران"، أي في "شهر برم الثاني من السنة الأولى من سني من آل ذرأن" وقد سقط من الكتابة اسم الرجل الذي أرخت الكتابة به١. ويرى "البرايت" أن "شهر يجل"، هذا كان قد حكم في حوالي سنة "٣٠٠ ق. م" وأنه تغلب على المعينيين فحكمهم٢. وعثر على أمر ملكي أصدره الملك "شهر هلل يهنعم بن يدع اب"٣ في كيفية جباية "اربي عم لبخ"، وهو أمر يشبه الأمر الملكي الذي صدر من الملك "شهر يجل بن يدع اب" السابق، وقد ذكر الملك أنه أصدر أمره هذا تنفيذًا لمشيئة معبد "حطبم" "حطب" المخصص بعبادة "عم ذ دونم" "عم ذو دونم"، ومعبد "رصفم" "رصف" "رصاف" معبد الإله "انبي" ولوحي الآلهة "شمس" و "الهلال" "ربع شمس" وذكر أسماء وكلاء الطائفة وممثليها: طائفة "عم ذي لبخ" "اربي عم ذلبخ" في "ذي غيل". وقد نشر الأمر وأعلن على باب "شدو" من أبواب مدينة "تمنع"، وذلك في شهر "ذي تمنع" وفي السنة الثانية من سني "شهر" من عشيرة "يجر"٤.

стр. 915

ويرى ألبرايت أن هذا الملك كان شقيقًا للملك "شهر يجل"، وأنه كان تابعًا لحكومة معين١. وقد حمله على هذا الرأي اشتراك اسم الأب، وأنا مع عدم معارضتي لهذا الرأي لا أرى أن اشتراك اسم الأب يمكن أن يكون دليلًا على أن شخصين أو أكثر هم إخوة، فإن أسماء الملوك في العربية الجنوبية متشابهة وتتكرر، والذي يفرق بينها هو اللقب أو الألقاب، بل إننا حتى في هذه الحالة نجد الألقاب تتكرر أيضًا، وهي وإن بدت وكأنها اسم شخص واحد، إلا أنها في الحقيقة لجملة أشخاص، وقد عبر المحدثون عن ذلك بالترقيم، فقالوا فلان الأول، وفلان الثاني، وفلان الثالث، وهكذا، وذلك، كناية عن الاشتراك في الاسم وفي اسم الأب وفي الألقاب، ويقع ذلك عند أمم أخرى أيضًا: وقع ذلك في القديم، ووقع في الأيام الحديثة حتى اليوم، ونحن لجهلنا تواريخ ارتقاء الملوك العروش، ولعدم تيقننا من تقدم بعضهم على بعض، لا نستطيع لذلك ترقيم الملوك بحسب التقدم في الحكم بصورة يقينية فليس، لنا إذن إلا التربص للمستقبل فلعل الأيام تقدم إلينا مفاتيح نفتح بها الملفات في تواريخ العرب قبل الإسلام. وعندنا وثيقة أخرى من الوثائق الخاصة بـ "اربي عم" في "لبخ"، من أيام الملك "شهر هلل" "شهر هلال". وهي أيضًا أمر ملكي أصدره الملك في كيفية جباية الضرائب من هذه المنطقة، وقد أمر بوضع هذا الأمر وتعليقه عند باب "ذي شدو" من أبواب مدينة "تمنع"، وذلك في شهر "ذو أبهى" في السنة الثانية من سني "عم شبم" من "آل يجر"٢. وقد مر ذكر "آل يجر" في نص سابق، حيث أرخ أيضًا برجل منها، مما يدل على أنها كانت من الأسر المعروفة المشهورة في قتبان. والوثيقة كما نرى هي في الموضوع السابق نفسه، موضوع جباية الضرائب من طائفة "عم" النازلين بوادي "لبخ" ولذلك لا تختلف في أسلوبها وفي الألفاظ والمصطلحات القانونية الواردة فيها عن ألفاظ ومصطلحات الوثائق السابقة. ولكنها تختلف عنها في أنها لم تذكر اسم والد "شهر هلال" ولذلك تعذر
следующие страницы →