قوائم بأسماء حكام قتبان
مدخل
...
قوائم بأسماء حكام قتبان:
هذه قوائم بأسماء حكام "قتبان" كما وضعها الباحثون في العربيات الجنوبية. وأذكر أولًا القائمة التي وضعها "فريتس هومل"، وهي تتكون من جمهرات رتبت على النسب وصلة القربى، وقد استخرجها من الكتابات:
الجمهرة الأولى وتتكون من المكربين:
١- شهر.
٢- يدع اب ذبين يهنعم. "يدع أب ذبيان يهنعم" Glaser ١٤١٠ = ١٦١٨.
الجمهرة الثانية:
٣ – يدع اب "يدع اب".
٤- شهر هلل يهرحب أو يهنعم، "شهر هلال يهركب أو يهنعم"،
Glaser ١٤٠٤ = es ٨٥
стр. 947
الجمهرة الثالثة:
٥- سمه علي وتر.
٦- هوف عم يهنعم "هوفعم يهنعم" Glaser ١١١٧. ١١٢١ ١٣٣٣ ١٣٤٤ والكتابات الحلزونية:Glaser١٣٣٩ ١٣٤٣ Glaser.
الجمهرة الرابعة:
٧ – شهر.
٨- يدع أب ذبين "يدع أب ذبيان".
وقد ذكر "هومل" أن من الممكن اختصار هذه الجمهرات، إذ من الجائز أن يكون من الأسماء المتشابهة المتكررة ما هو لإنسان واحد.
ورتب أسماء ملوك قتبان على النحو الآتي":
الجمهرة الأولى:
١- اب شبم "أبشبم".
٢- شهر غيلن "شهر غيلان".
٣- ب عم "بعم"؟ Gaser ١١٩. Glaser ١٣٤٨ ١٦٠١ ١١١٥.
الجمهرة الثانية:
٤- يدع اب "يدع أب".
٥- شهر يجل "شهر يكل" Glaser ١٦٠٢.
٦- شهر هلل يهنعم "شهر هلال يهنعم" Glaser ١٣٩٥. ١٤١٣.
الجمهرة الثالثة:
٧- شهر.
٨- يدع اب ذبين "يدع أب ذبيان".
٩- شهر هلل "شهر هلال".
١٠- نبط عم "نبطعم".
وقد قال "هومل" إن من الجائز تقديم هذه الجمهرة على الجمهرة الأولى من جمهرات الملوك، إو إلحاقها بالجمهرة الأولى بحيث تكون على هذا النحو:
اب شبم "أب شبم" "أبشبم".
شهر غيلن "شهر غيلان".
стр. 948
ب عم "بعم" "بيعم" "بي عم".
يدع اب ذبين "يدع أب ذبيان".
شهر يجل "شهر يكل".
شهر هلل يهنعم "شهر هلال يهنعم".
نبط عم "نبطعم".
الجمهرة الرابعة:
١١- هوف عم يهنعم "هو فعم بهنعم".
١٢- شهر يجل يهرجب "شهر يكل يهرجب"، Glaser ١٤٠٠. ١٤٠٦ ١٦٠٦
١٣- وروال غيلن يهنعم "وروايل غيلان يهنعم"، Glaser ١٣٩٢ ١٤٠٢
١٤- فرع كرب يهوضع "فرعكرب يهوضع"، Glaser ١٤١٥.
الجمهرة الخامسة:
١٥- سمه وتر.
١٦- وروال "وروايل".
الجمهرة السادسة:
١٧- ذمر علي.
١٨- يدع اب يجل "يدع أب يكول".
الجمهرة السابعة:
١٩- يدع اب ينف يهنعم "يدع اب ينوف يهنعم".
٢٠- شهر هلل بن ذراكرب "شهر هلال بن ذرأكرب".
٢١- وروال غيلن "يهنعم" "وروايل غيلان "يهنعم"".
стр. 949
قائمة "رودوكناكس":
وقد استفاد "هومل" في ترتيب قائمته المتقدمة بالقوائم التي وضعها "كروهمن" "١Grohmann" و "رودوكناكس"٢ و "مارتن هارتمن" Martin Hartmann
стр. 950
وقد ذكر "كروهمن" تسعة مكربين، ولم يذكر بين الملوك "سمه وتر". أما قائمة الملوك التي صنعها "رودوكناكس"، فتتألف من جمهرات كذلك.
تبدأ الجمهرة الأولى بعد "يدع أب ذبين بن شهر" "يدع أب ذبيان بن شهر" آخر المكربين، وهو الذي لقب في عدد من الكتابات بلقب ملك، ولقب في عدد آخر بلقب "مكرب"، فهو مكرب وملك على قتبان، وتتألف قائمة "رودوكناكس" لملوك قتبان من الجمهرات التالية:
الجمهرة الأولى:
١- اب شبم "أب شبم". وترتيبه السابع في قائمة "كروهمن".
٢- شهر غيلن "شهر غيلان" وترتيبه الثامن في قائمة "كروهمن".
٣- بعم "ب عم"، "بي عم" أبي عم"، وترتيبه التاسع في قائمة "كروهمن" ١٦٠١ Glaser.
الجمهرة الثانية:
٤- يدع اب "يدع أب" ورقمه الخامس في قائمة "كروهمن".
٥- شهر يجل "يهنعم" "شهر يكل "يهنعم" "شهر يكول "يهنعم""، وهو السادس عند "كروهمن"، Glaser ١٣٩٥. ١٤١٢ , ١٦٠٢. ١٦١٢
٦- شهر هلل يهنعم "شهر هلال يهنعم"، ويرى أنه "شهر هلل بن ذراكرب" "شهر هلال بن ذرأكرب"، الذي يرد اسمه في المجموعة الآتية:Glaser ١٣٩٥. ١٤١٢. ١٤١٣. KTB i ٤٣.١١ S ٤٨
الجمهرة الثالثة:
٧- ذراكرب "ذرأكرب"، ورقمه الثاني عشر في القائمة "كروهمن".
٨- شهر هلل "شهر هلال". وترتيبه الثالث عشر في قائمة "كروهمن".
Glaser ١٣٩٦.
الجمهرة الرابعة:
٩- هوف عم "هوفعم"، وهو الرابع عشر في قائمة "كروهمن".
١٠- شهر يجل يهرجب "شهر يكل يهركب" "شهر يكول يهركب" وهو الخامس عشر عند "كروهمن".
Glaser ١٠٨٧ , Halevy ٥٠٧ Glaser ١٦٠٦
стр. 951
١١- وروال غيلن يهنعم "وروايل غيلان يهنعم" وترتيبه السادس في قائمة "كروهمن"،Glaser ١٠٠٠ A.
الجمهرة الخامسة:
١٢- يدع أب يجل "يدع أب يكل" "يدع أب يكول".
وذكر "رودكناكس" اسم الملكين: "سمه وتر" و "روال" "وروايل" ورأى أن أمكنتهما بعد الجمهرة الرابعة، غير أنه لم يفرد لهما جمهرة خاصة.
стр. 952
قائمة "كليمانت هوار ":
ذكر "هوار" أسماء حكام قتبان دون أن يشير إلى وقت حكمهم أو صفة الحاكم من حيث كونه مكربًا أو ملكًا. وعدتهم كلهم عشرة، هم:
١- يدع أب ذبيان.
٢- شهر يجول "شهر يكول".
٣- هوف عم "هوفعم".
٤- شهر يجول يهرجب "شهر يكول يهركب".
٥- وروايل غيلان يهنعم.
٦- أبشبم "أب شبم".
٧- شهر غيلان.
٨- بعم: "بي عم".
٩- ذمر على "ذمر علا".
١٠- يدع اب يجول "يدع اب يكول"١.
стр. 953
قائمة "فلبي ":
وقد نشرت في آخر كتاب "سناد الإسلام" Background of lslam".
وتتألف من:
١- سمه على. وهو مكرب، ولم يعرف اسم أبيه، وقد حكم على تقديره في حدود سنة "٨٦٥ ق. م.".
стр. 954
٢- هوف عم يهنعم بن سمه علي "هوفعم يهنعم بن سمه علي" "سمهعلي"، وهو مكرب كذلك، حكم في حدود سنة "٨٤٥ ق. م.".
٣- شهر يجل يهرجب بن هوف عم "شهر يهركب بن هوفعم" وقد جعله ملكًا، حكم في حوالي سنة "٨٢٥ ق. م.".
٤- وروال غيلن يهنعم بن شهر يجل يهرجب "وروايل غيلان يهنعم بن شهر يكل يهركب"، وقد كان ملكًا، حكم في حوالي سنة "٨٠٠ ق. م.".
٥- فرع كرب يهوضع بن شهر يجل يهرجب "فر عكرب يهوضع بن شهر يكل يهركب"، وشقيق "وروايل" وقد كان ملكًا حكم في حوالي سنة "٧٨٥ ق. م.".
٦- شهر هلل بن ذراكرب بن شهر يجل يهرجب "شهر هلال بن ذرأكرب بن شهر يكل يهركب"، وقد كان ملكًا، حكم في حوالي سنة "٧٧٠ ق. م.".
٧- يدع اب ذبين يهرجب بن شهر هلل "يدع أب ذبيان يهرجب بن شهر هلال"، وقد كان على رأيه مكربًا وملكًا، حكم في حدود سنة "٧٥٠ ق. م.".
٨-؟ ؟ ؟ بن شهر هلل "شهر هلال" وقد كان حكمه حوالي سنة "٧٣٥ ق. م.".
٩- شهر هلل يهنعم بن يدع أب ذبين يهرجب "شهر هلال يهنعم بن يدع أب ذبيان يهركب". وقد كان ملكًا حكم حوالي سنة "٧٢٠ ق. م.".
١٠- نبط عم بن شهر هلل "نبطعم بن شهر هلال"، حكم في حوالي سنة "٧٠٠ ق. م.".
١١- يدع اب ينف أو يجل؟ يهنعم بن ذمر علي، أو شقيق شهر هلل بن يدع اب ذبين يهرجب. وقد حكم حوالي سنة "٦٨٠ ق. م.".
١٢-؟ ؟ ؟ وقد حكم في حوالي سنة "٦٦٠ ق. م."
١٣- سمه وتر بين؟ ؟ ؟ وحكم حوالي سنة "٦٤٠ ق. م"
стр. 955
١٤- وروال؟ ؟ بن سمه وتر. وقد حكم في حدود سنة "٦٢٠ ق. م."
وترك "فلبي" فجوة قدرها بنحو من عشر سنين بين الملك المتقدم والملك الذي تلاه، ثم ذكر:
١٥- اب شبم "أبشبم"، ولم يعرف اسم أبيه، وقد حكم على تقديره في حوالي سنة "٥٩٠ ق. م.".
١٦- اب عم بن أب شبم "أب عم بن أب شبم" "أبعم بن أبشم"، وقد كان حكمه في سنة "٥٧٠ ق. م.".
١٧- شهر غيلن بن أب شبم "شهر غيلان بن أبشبم" وقد كان حكمه من سنة "٥٥٥ ق. م."، إلى سنة "٥٤٠ ق. م." وسنة "٥٤٠ ق. م" كانت على رأي "فلبي" نهاية مملكة "قتبان" فاندمجت في مملكة سبأ وأصبحت جزءًا منها.
стр. 956
قائمة "ألبرايت ":
- سمه على وتر "سمهعلي وتر" "مكرب".
هوف عم يهنعم بن سمه على وتر "هوفعم يهنعم بن سمهعلي وتر"، وكان مكربًا حكم في القرن السادس قبل الميلاد. وهو ابن المكرب الأول.
- شهر.
يدع اب ذبين يهنعم بن شهر "يدع أب ذيبان يهنعم بن شهر" مكرب.
شهر هلل يهنعم بن "يدع أب" مكرب.
سمه وتر، يحتمل أنه كان مكربًا، وهو الذي غلبه "يثع أمر وتر" مكرب سبأ.
وروال "وروايل" يحتمل أنه كان مكربًا، وكان تابعًا لـ "كرب آل وتر" "كرب ايل وتر" أول ملك على سبأ، وقد كان حكمه في حدود سنة "٤٥٠ ق. م.".
стр. 957
- شهر مكرب.
يدع أب ذبين بن شهر "يدع أب ذبيان بن شهر" آخر مكربي قتبان، وأول ملوكها، وقد كان حكمه في نهاية القرن الخامس قبل الميلاد.
شهر هلل بن يدع أب "شهر هلال بن يدع أب".
نبط عم "بن شهر هلل" "نبطعم بن شهر هلال".
- ذمر علي.
يدع أب يجل بن ذمر على "يدع أب يكل بن ذمر علي" وقد عاصر ثلاثة ملوك من ملوك سبأ الذين حكموا في القرن الرابع قبل الميلاد.
Glaser ١٦٩٣.
- اب شبم "أب شبم" أبشبم".
شهر غيلن بن أب شبم "شهر غيلان بن أبشبم".
بعم بن شهر غيلن "بعم بن شهر غيلان" "بي عم" "أبي عم".
يدع اب "يجل؟ " بن شهر غيلن "أي شقيق "بعم" "يدع أب يكل؟ " بن شهر غيلان".
شهر يجل "بن يدع اب" "شهر يكل بن يدع أب"، حكم حوالي سنة "٣٠٠ ق. م.".
شهر هلل يهنعم "شقيق شهر يجل" "شهر هلال يهنعم".
يدع اب ذبين يهرجب "يدع أب ذبيان يهركب" "غير متيقن بمكانه هنا". فرع كرب "فرعكرب".
يدع اب غيلين بن فرع كرب "يدع أب غيلان بن فرعكرب" في النصف الأول من القرن الثاني قبل الميلاد.
هوف عم يهنعم "هوفعم يهنعم" حكم حوالي سنة "١٥٠" قبل الميلاد.
شهر يجل يهرجب بن هوف عم يهنعم "شهر يكل يهركب بن هوفعم يهنعم".
وروال غيلن يهنعم بن شهر بن شهر يجل "ورويل غيلان بن يهنعم بن شهر يكل".
стр. 958
فرع كرب يهوضع بن شهر يجل وشقيق "وروال"، فرعكرب يهوضع بن شهر يكل".
يدع اب بنف "يدع أب ينوف".
ذراكرب "ذرأكرب".
شهر هلل يهقبض ذراكرب "شهر هلال يهقبض بن ذرأكرب".
خراب "تمنع" ونهاية استقلال مملكة قتبان في حوالي سنة خمسين قبل الميلاد، ودخول قتبان في حكم ملوك حضرموت١.
стр. 959
الفصل الثاني والعشرون: مملكتا ديدان ولحيان
قلت في نهاية كلامي على حكومة معين أن جالية من المعينيين كانت تقيم في "العلا" أي "ددن" "ديدان"، وأن "ديدان" كانت مستوطنة معينية في الأصل، وقد استقلت بشئونها بعد ضعف حكومة معين، إذ انقطعت صلتها بأمها في اليمن، وحكمها ملوك منهم نسميهم ملوكًا ديدانيين.
وأول من لفت الأنظار إلى "ديدان" هو السائح "جارلس مونتاكو دوتي"١ فقد رحل سنة ١٨٧٦ إلى أرض مدين، ولم يبال في أثناء رحلته براحته ولا بما قد تتعرض له حياته من أخطار، ثم زار مواضع عديدة آثارية مثل "مدائن صالح" و "الحجر" و"العلا" وكتب رحلته هذه كتابة لا تزال تعد من خيرة ما كتب في هذا الموضوع في الأدب الإنكليزي، وبذلك لفت الأنظار إلى هذه البقعة الآثارية التي حكمتها مختلف الشعوب، وتكدست في أرضها آثارها متداخلة بعضها ببعض.
ثم جاء بعد "دوتي" رحالون آخرون، فزاروا هذه المواضع منهم: "يوليوس أويتنك"٢ و "جارلس هوبر"٣ و"جوسن"٤. و "سافينة"٥.
стр. 960
و"فلبي"١، وغيرهم، وصوروا بعض الكتابات، وقرءوا ما استطاعوا قراءته من كتابات الأحجار ودونوه، أو أخذوا بعضه، وبذلك تجمعت للباحثين مادة، عن تأريخ "العلا"، والمواضع التي تقع في أعالي العربية الغربية، في المملكة الأردنية الهاشمية وفي المملكة العربية السعودية.
وتقع خرائب "ديدان" هذا اليوم في "وادي العلا"، وتوجد على حافتيه كتابات، كما توجد فيه وفي "وادي المعتدل" والأودية الأخرى آثار حضارات ماضية متعددة، كما توجد فيه وفي "وادي المعتدل" والأودية الأخرى آثار حضارات ماضية متعددة، مثل حضارة المعينيين واللحيانيين والديدانيين وغيرهم.
وتعد "الخريبة" مركز الديدانيين، وقد انتزع الأهلون أحجار الآثار، فاستعملوها في مبانيهم فقضوا على كثير من الكتابات، وتشاهد جدر بعض البيوت وقد بنيت الأحجار، وبعضها لا يزال مكتوبًا يحدث الإنسان باعتداء أهل المنطقة عليها وتطاولهم على التاريخ بعمد وبجهل.
وللكتابات التي عثر عليها في هذه الأرضين والتي سيعثر عليها شأن خاص عند من يريد دراسة تأريخ الخط وكيفية تطوره وظهوره، فإن هذه المنطقة هي عقدة من عقد المواصلات المهمة التي تربط جزيرة العرب ببلاد العراق وببلاد الشأم ومصر. وفيها التقت ثقافات وحضارات هذه الأماكن، ولهذا نجد
في كتاباتها مزايا الخط الشمالي والخط الجنوبي كما نجد للغتها مركزًا خاصًّا للهجات ولذلك كان لدراستها شأن خاص عند من يريد الوقوف على اللهجات العربية وكيفية تطورها إلى ظهور الإسلام.
أضف إلى ذلك أنها تقع على الطريق البرية المهمة الموازية للبحر الأحمر، حيث كان أهل العربية الجنوبية ينقلون تجارتهم وتجارة إفريقيا والهند وبقية آسية إلى بلاد الشأم، ثم إنها لا تبعد أكثر من مسيرة خمسة أيام عن البحر الأحمر، حيث كان التجار يذهبون إلى موانئه لبيع ما عندهم لتجار مصر.
لذلك كانت ديدان وبقية مدن هذه الأرضين ملتقى العرب: عرب الجنوب وعرب الشمال، وملتقى تجار أجانب. فلا عجب إذا ما رأينا هذا الاتصال يظهر في الكتابة وفي اللغة وفي الثقافة والحضارة والفزن.
ولا نعرف اليوم من أمر مملكة "ديدان" شيئًا يذكر. ويعود سب جهلنا
стр. 961
بتأريخ هذه المملكة إلى قلة ما وصل إلينا من كتابات عنها، ولعل الزمان يكشف لنا عن كتابات ديدانية تجلي من عيوننا هذه الغشاوة التي حالت بيننا وبين وقوفنا على شيء من أمر ملوك ديدان.
وقد ذهب "كاسكل" إلى أن ظهور مملكة "ديدان" وابتداء حكمها كان في حوالي السنة "١٦٠" قبل الميلاد، غير أنه يرى أن هذه المملكة لم تتمكن من العيش طويلًا، إذ سرعان ما سقطت في أيدي اللحيانيين، وكان ذلك -على رأيه- في حوالي السنة "١١٥ ق. م."١.
وقد وقفنا على اسم ملك من ملوك "ديدان" في الكتابة الموسومة بـ "jS ١٣٨"، وهي كتابة ابتدأت بجملة: "كهف كبرال بن متعال ملك دون"٢. ومعناها "قبر كبرايل بن متع ايل ملك ديدان"، ويعبر عن القبر والمثوى بلفظة "كهف" في اللهجة الديدانية. فهذه الكتابة إذن، هي شاهد قبر ذلك الملك الذي لا نعرف من أمره شيئًا.
ولا يستبعد "كاسل" أن يكون "كبرايل"، أول ملك أسس مملكة "ديدان"، وآخر ملك حكمها أيضًا، أي أن سقوطها، على أيدي اللحيانيين كان في عهده، أو بعد وفاته، وبذلك انتهت على رأيه حياة تلك المملكة٣.
وفي ذهب "ألبرايت" إلى أن الملك "كرب ايل بن متع ايل" الذي عثر على اسمه في كتابة "ديدانية"، كان قد حكم في حوالي السنة "٥٠٠ ق. م."٤.
وما زلنا في جهل تام لكيفية حصول الديدانيين على استقلالهم، وعلاقاتهم بالمعينيين الذين كانوا قبلهم في هذه الأرضين، ولا بد لنا من الانتظار طويلًا للظفر بمزيد من المعارف عن هذه الأمور، فلعل الزمان سيجود على الباحثين بكتابات يخرجها إليهم من باطن الأرض، يكون فيها شرح واف لما نسأل عنه الآن.
وأما "لحيان" فمعارفنا عنهم مع ضآلتها وقلتها خير من معارفنا عن ديدان.
стр. 962
ويعود الفضل في ذلك إلى ما ورد عنهم في مؤلفات بعض الكتبة اليونان واللاتين وإلى الكتابات اللحيانية التي عثر عليها الرحالون، فإنها أكثر عددًا من الكتابات الديدانية، وأكثر منها كلامًا، فإننا حين نجد الكتابات الديدانية قد لاذت بالصمت فلم تذكر من ملوكها إلا ملكًا واحدًا، نجد الكتابات اللحيانية قد نطقت باسم أكثر من ملك واحد. وإن لم تأت بشيء من هذه المادة كثير.
وقد وصلت إلينا أسماء حكموا ممكلة "لحيان"، وهي مملكة صغيرة تقع أرضها جنوب أرض حكومة النبط، ومن أشهر مدنها: "ددان"، وهي خرائب "العلا" "الخريبة" في الزمن الحاضر، و "الحجر"، وقد عرفت بـ"Hegra" و Egra" عند اليونان واللاتين، ومن الكتابات اللحيانية والآثار التي عثر عليها في مواطنهم، استطعنا استخراج معارفنا عن مملكة لحيان١.
وقد كان شعب لحيان من شعوب العربية الجنوبية في الأصل في رأي بعض الباحثين. وقد ذكرهم "بلينيوس" في جملة شعوب العربية الجنوبية، وسماهم Lexianes أو٢Lechieni= Lacanitae وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن الحميريين استولوا على مواطن اللحيانيين في حوالي سنة "١١٥ ق. م."، فخضعوا بذلك لحكم الحميريين٣.
ومما يؤيد وجهة نظر من يرى أن اللحيانيين هم من أصل عربي جنوبي، ورود اسم "لحيان" في نص عربي جنوبي قصير، هذا نصه: "أب يدع ذلحين" أي "أبيدع ذو لحيان"٤. وفي هذا النص دلالة على أن اللحيانيين كانوا في العربية الجنوبية ويظهر أن "أبيدع" المذكور كان أحد أقيال "لحيان" في ذلك الزمن.
ويرى "كاسل" أن اللحيانيين كانوا يقيمون على الساحل على مقربة من "ددن" "الديدان"، وكانت لهم صلات وثيقة بمصر، وتأثروا بالثقافة اليونانية التي كانت شائعة في مصر إذ ذاك، حتى إنهم سموا ملوكهم بأسماء يونانية، مثل
стр. 963
"تخمي" Tachmi و "بتحمي" Ptahmy و"تلمي" Tulmi وقد أخذت من "بطلميوس"١ Ptolemaios.
أما الكتابات الليحانية أو الكتابات الأخرى مثل النبطية أو الثمودية أو المعينية وغيرها، فإنها لم تتحدث بأي حديث عن أصل اللحيانيين.
ويعود الفضل في حصولنا على ما سندونه عن تأريخ لحيان إلى الكتابات اللحيانية وهي، وإن كانت قليلة وأكثرها في أمور شخصية، فقد أفادتنا فائدة قيمة في الكشف عن بعض تأريخ اللحيانيين وستزيد معارفنا بالطبع في المستقبل كلما ذاد عثور العلماء على كتابات لحيانية جديدة، ولا يستبعد أن يكون عدد منها لا يزال مطمورًا في بطن الأٍرض.
وقد عالج بعض المستشرقين موضوع "لحيان"، ومنهم "كاسكل" فكتب فيهم، كتابين باللغة الألمانية٢. ذهب فيهما إلى أن اللحيانيين كانوا كأكثر الشعوب تجارًا، وكانت تجارتهم مع "مصر" بالدرجة الأولى. وقد انتزعوا الحكم من الجاليات المعينية التي كانت تقيم في هذه الأرضين التي كانت في الأصل جزءًا من ممكلة معين فلما ضعف أمر حكومة معين في اليمن ولم يبق في استطاعتها السيطرة على أملاكها البعيدة عنها، طمع الطامعون ومنهم اللحيانيون في المعينيين الشماليين الساكنين في هذه الأرضين، فانتزعوا الحكم منهم وسيطروا عليهم، واندمج المعينيون فيهم حتى صاروا جزءًا منهم، وكان ذلك -على رأيه- في القرن الثاني قبل الميلاد، وفي حوالي السنة "١٦٠" قبل الميلاد تقريبًا٣.
ويرى "كاسكل" أن المعينيين كانوا قد بقوا يحكمون "ديدان" مكونين حكومة "مدينة" إلى حوالي السنة "١٥٠ ق. م."، وعندئذ أغار عليهم اللحيانيون وانتزعوا الحكم منهم، ويرى أن من المحتمل أن الملك الأول الذي حكم اللحانيين كان من أهل الشمال، وربما كان من النبط غير أن الذين جاءوا بعده كانوا من اللحيانيين٤.
وقد كان المعينيون يسيطرون على أعالي الحجاز في القرن الخامس قبل الميلاد،
стр. 964
مكونين مستوطنات معينية غايتها حماية الطرق التجارية التي تمر من بلاد الشأم إلى العربية الجنوبية. وقد عرفت تلك المستعمرة التي تحدثت عنها سالفًا باسم "معين مصران"، وعاصمتها مدينة "علت"، هي "العلا" في الزمن الحاضر، ومن مدنها الأخرى "ديدان"، و"الحجر" وغيرهما١.
وقد اختلف الباحثون فيمن سكن هذه الأرضين أولًا ومن حكم قبلًا:
الديدانيون، أم المعينيون أم اللحيانيون؟ فذهب بعضهم إلى أن اللحيانيين إنما جاءوا بعد المعينيين، وهم الذين قضوا عليهم وانتزعوا منهم الحكم وألفوا مملكة لحيانية، وذهب آخر إلى أن اللحيانيين كانوا قد سبقوا المعينيين في الحكم، وأن حكمهم هذا دام حتى جاء المعينيون فانتزعوه منهم في زمن اختلفوا في تعيينه، وذهب آخرون إلى تقديم الديدانيين على المعينيين واللحيانيين وقد اختلفوا كذلك في زمان نهاية حكم كل حكومة من هذه الحكومات٢.
ويرى بعض الباحثين أن مملكة لحيان ظهرت في أيام "بطلميوس الثاني"، بتشجيع من البطالمة وبتأييدهم ليتمكنوا من الضغط على النبط حتى يكونوا طوع أيديهم. وقد جعل بعضهم ذلك الاستقلال فيما بين سنة "٢٨٠ ق. م." وسنة "٢٠٠ ق. م."٣ ويرى غيرهم أن ذلك كان قبل هذا العهد.
وقد كان اللحيانيون يكرهون النبط؛ لأنهم كانوا يطمعون في بلادهم ويعرقلون تجارتهم التي كان لا بد لها من المرور بأرض النبط، ولهذا لجئوا إلى "البطالمة" يحتمون بهم، ويتوددون إليهم ليحموهم من تحكم النبط في شئونهم، بقوا على ذلك طول أيام "البطالمة" فلما حل الرومان محلهم، توددوا إليهم كذلك للسبب نفسه٤.
ويرى بعض الباحثين أن النبط هم الذين قضوا على مملكة لحيان، باستيلائهم على "الحجر" سنة "٦٥ ق. م" وعلى ديدان سنة "٩ ق. م."، على
стр. 965
حين يرى آخرون أن نهايتها كانت في القرن الثاني بعد الميلاد١. وذهب "كاسكل" إلى أن النبط قضوا على مملكة "لحيان"، وذلك بعد السنة "٢٤ ب. م."، إلا أن حكم النبط لم يدم طويلًا؛ لأن الرومان كانوا قد استولوا على مملكة النبط سنة "١٠٦ م"، وكونوا منها ومن أرضين عربية أخرى مجاورة اسم "المقاطعة العربية" "الكورة العربية" وبذلك انتهى حكم النبط على لحيان٢.
ولا نعرف ماذا كان عليه موقف اللحيانيين من احتلال الرومان لأرض النبط ومن تكوين الرومان لما يسمى بـ "الكورة العربية"، التي جاورت أرض اللحيانيين، ويرى "كاسكل" أن موقف اللحيانيين من الرومان كان موقفًا وديًا؛ لأنهم أنقذوهم، من سيطرة النبط، عليهم، ويرى احتمال تكوين اتصال سياسي بينهم وبين الرومان٣.
وقد استدل "كاسكل" من شاهد قبر يعود زمنه إلى حوالي السنة التاسعة قبل الميلاد. عثر عليه في "العلا" أرخ بحكم الملك "الحارث الرابع"٤ Aretas.
على أن اللحيانيين كانوا يومئذ تحت حكم ملوك النبط، واستدل على رأيه هذا بعدم إشارة "سترابون" إلى مملكة لحيانية في أثناء حديثه عن حملة "أوليوس كالوس" "أوليوس غالوس" على اليمن التي وقعت في حوالي سنة "٢٥ م" وكلامه على ملوك النبط، وكأن ملكهم قد شمل أرض لحيان، حتى بلغ مكانًا لا يبعد كثيرًا عن "المدينة" "يثرب" ورأى في ذلك علامة على أن ملوك النبط كانوا قد استذلوا اللحيانيين وقضوا على استقلالهم زمانًا لم يحدد بالضبط٥.
ويظن أن النص اللحياني الموسوم بـjS ٣٤٩ من نهاية القرن الثاني قبل الميلاد على رأي بعضهم، هو من أقدم النصوص اللحيانية، دونه رجل اسمه "نرن بن حضرو" "ناران بن حاضرو" "نوران بن حاضر"، وذلك بأيام "جشم بن شهر" و "عبد" الذي كان واليًا على "ددان" يومئذ٦. وقد
стр. 966
ذكر في النص اسم الملك الذي كتب النص في عهده، إلا أن الزمان عبث به، إذ أصيب بكسر فسقط تمامًا الاسم منه.
وقد تجسست بعض النصوص اللحيانية على ملوك لحيان، فقدمت للباحثين بعض أسمائهم، وأعلمتنا بذلك أن اللحيانيين كانوا قد كونوا لهم مملكة حكمت أمدًا، ثم زالت من الوجود كما زال غيرها من ممالك، وإذ لم يقم العلماء في "العلا" وفي الأرضين اللحيانية الأخرى بحفريات منتظمة، فليس بمستبعد أن يعثر فيه يومًا ما على نصوص لحيانية أخرى تكشف النقاب عن أسماء عدد آخر من ملوك لحيان١.
ومن الملوك الذين عرفنا أسماءهم من النصوص المذكورة، ملك اسمه:
"هنوس بن شهر" "هانوس بن شهر" "هانواس بن شهر". وقد ذكر معه في النص اسم ملك آخر شاركه في الحكم، إلا أنه سقط منه بعبث حدث له، فأضاع علينا اسمه، وقد أصيب النص بتلف في مواضع منه، فأضاع علينا المعنى، والظاهر أنه دون لمناسبة إنشاء الملكين طريقًا يمر بجبل، فشقا الأرض، ورصفا وجهها وكسوها بمادة تملسها ليسهل السير عليها٢.
وعرفنا من تلك النصوص ملكًا آخر عرف بـ "ذ اسفعن تخمي بن لذن" "ذو اسفعين تحمي بن لوذان" وقد قدر "كاسكل" زمان حكمه في النصف الأول من القرن الأول قبل الميلاد٣. وإلى أيامه تعود الكتابة الموسومة بـ: jS ٨٥ وقد دونت لمناسبة إنشاء "بيت" للإله "ذو غابت" ذو غابة" إله لحيان، وذلك في السنة الأولى من حكم هذا الملك٤.
وورد اسم الملك "شمت جشم بن لذن" "شامت جشم بن لوذان" في الكتابة الموسومة بـ "Js ٨٥" وقد دونت لمناسبة تقديم شخص نذرًا إلى الإله "ذو غابة"، وذلك في السنة التاسعة من حكم هذا الملك وقد قدر "كاسكل" زمان حكمه فيما بين السنة "٩ق. م." والسنة "٥٦ ق. م"٥.
стр. 967
وذكر في الكتابة الموسومة بـjS ٨٣ ملك يسمى "جلتقس" "جلت قوس" "ملتقس"، وقد أرخت بأيامه، إذ دونت في السنة التاسعة والعشرين من حكمه، ودونت لمناسبة تقديم شخص نذرًا "ذنذر" "نذر" إلى الإله "عجلبن" "عجل بون" "عجل بن"، وهو "صلم" "أي صنم، قدمه إلى معبد، ذلك الإله١.
وورد اسم الملك "معنى لذن بن هناس" "منعى لوذان بن هانؤاس" في الكتابة الموسومة بـ ٨٢ jS وقد دونت في السنة الخامسة والثلاثين من حكم هذا الملك، لمناسبة تقديم نذر، هو "صلم"، أي "صنم" إلى الإله "عجلبن" صنعه "هصنع" رجل اسمه "سلمى"، وخط الكتابة "هسفر" كاتب اسمه "خرج"٢. وقد كان حكمه -على حد قولي "كاسكل" –فيما بين السنة "٣٥ ق. م." والسنة "٣٠ ق. م."٣.
وفي عهد هذا الملك أصيبت "ديدان" بهزة أتت على المعبد ومن كان فيه، إذ سقط سقفه على أعضاء مجلس المدينة "هجبل" "ها - جبل" فقتل أكثرهم، ثم أعيد بناؤه بين السنة "١٢٧ ب. م" و "١٣٤ ب. م."٤.
ويظهر من بعض النصوص اللحيانية المتأخرة أن إعادة بناء المعبد قد استغرقت زمنًا طويلًا٥، وهذا مما يدل على أن الحالة الاقتصادية لم تكن حسنة في ذلك العهد، وأن الأمور لم تكن جارية على وفق المرام، وأن الحكومة كانت ضعيفة فلم تتمكن من إعادة بنائه بالسرعة المطلوبة.
ويرى "كاسكل" أن النبط هيمنوا على اللحيانيين في القرن الأول قبل الميلاد. وأخذوا يضايقونهم، ثم حكموهم، وقد امتد حكمهم للحيانيين، إلى ما بعد الميلاد، فقبل سنة "٦٥ ق. م." استولى النبط على "الحجر"، ثم ساروا منها إلى "تيماء" ثم قطعوا كل اتصال للحيان بالبحر، واستولوا على ميناء "لويكة كومة" وكان تابعًا للحيان، وتقدموا منه إلى مواضع أخرى، حتى
стр. 968
أحاطوا بلحيان من جميع الجهات وحكموهم١.
ويظن "كاسكل" أن حكم النبط للحيان قد وقع بين السنة "٢٥- ٢٤ ق. م." والسنة "٥٠ ق. م".
ويظن "كاسكل" أن حكم النبط للحيان دام منذ ذلك الزمن حتى حوالي السنة "٨٠ ق. م." ففي هذا العهد كان حكم النبط نفسه يتدهور بتزايد سلطان الرومان في بلاد الشأم وبدخول حكومة "المكابيين" اليهودية في حماية الامبراطورية الرومانية، والنبط هم في جوار المكابيين في الجنوب، ولما قهر جيش "تراجان" النبط، وقضى على استقلالهم، تخلص اللحيانيون من حكم النبط وعادوا فاستقلوا في إدارة شئونهم فحكمتهم أسرة منهم، يظهر أنها من الأسرة الملكية القديمة التي كانت تحكمهم قبل استيلاء النبط عليهم٢.
وكان جلاء حكم النبط عن لحيان في عهد الملك "رب آل" "رب ايل" آخر ملوك النبط الذي انتزع الرومان الأقسام الشمالية من مملكته في سنة ١٠٥ للميلاد، ثم أخذوا الأقسام الجنوبية من مملكته بعد سنة تقريبًا، أي سنة١٠٦ للميلاد، وبذلك زال حكم النبط عن اللحيانيين، فاستعادوا استقلالهم برئاسة الملك "هناس بن تلمي"٣.
وقد عثر الباحثون على كتابتين، ورد في إحداهما: "مسعودو: ملك لحيان" وورد في الأخرى: "ملك لحيان" وقد سقط منها اسم الملك لتلف أصاب الكتابة، وقد ذهب "كاسكل" إلى أن الكتابتين من عهد استيلاء النبط على لحيان وذهب أيضًا أن الملك "مسعودو" أي "مسعود" لم يكن ملكًا بالمعنى الحقيقي، وإنما كان ملكًا اسمًا، وإن الملك الآخر الذي أزال العطب اسمه من الكتابة الثانية، هو الملك "مسعود" نفسه، ولم يذكر كيف جوز صاحب الكتابة لنفسه نعت مسعود، بنعت "ملك لحيان" على حين كانت مملكة لحيان تابعة لمملكة النبط٤.
стр. 969
ويرى "كاسكل" أن في جملة من حكم اللحيانيين في هذا العهد، عهد تدهور حكم النبط وزوال سلطانهم عن لحيان، ملكًا اسمه "هناس بن تلمي" "هانؤاس بن تلمي". وقد ورد اسمه في كتابة دونت في السنة الخامسة من حكمه، دونها "عقرب بن مر"، صانع تماثيل "هصنع" لمناسبة نحته طرفي صخرة قبره، وصيرهما يمثلان الإله "أبي ايلاف" "أبا لف"، وذلك في السنة المذكورة من حكم هذا الملك١.
وقد جعل "كاسكل" حكم الملك المتقدم "هناس بن تلمي" مبدأ لحكم أسرة جديدة، أو حكومة جديدة، تولت الحكم بعد زوال هيمنة النبط عن اللحيانيين، وكان الملك "لوذن بن هنواس" "لوذان بن هـ -نواس" آخر من حكم من الحكومة القديمة في لحيان، أي آخر من حكم قبل استيلاء النبط على لحيان كما يرى "كاسكل"٢. وكان حكمه في حوالي السنة "٣٠ ق. م. على تقدير "كروهمن"٣.
وورد اسم الملك "تلمي بن هناس" "تلمي بن ها- نؤاس" في كتابة أرخت بالسنة الثانية من سني حكمه، لمناسبة شراء رجل اسمه "عبد خرج" أرضًا، بني عليها ضريحًا "هكفر" ليكون مقبرة "همثبرن" "ها- مثبرن" يدفن فيها هو وأهله٤.
وأورد "كاسكل" اسم الملك "سموي بن تلمي بن هناس" بعد اسم الملك المتقدم٥. وهو ملك ورد اسمه في كتابة سجلها "وهب لاه" "وهبله" "وهب الله" وكان قيمًا "قيمه" على "نعم" أنعام الإله "ذغبت" "ذو غابة" لمناسبة قيامه باتمام بناء معبد "ديدان" الذي كان الزلزال قد عبث به٦.
وورد اسم ملك آخر من ملوك لحيان، في كتابة دونت في السنة الخامسة من سني حكمه٧. دونها "أبو إيلاف بن حيو" وكان "كبير هشعت" "ها- شعت"
стр. 970
أي كبير الجماعة، وهو نعت يدل على أنه كان وجيه القوم ووجههم، وقد أشار فيها إلى مجلس القوم "هيجل"، وكان ذلك في السنة الخامسة من سني حكم "رأي" "رأي" الملك "عبدن هناس" "عبدان بن ها- نؤاس"١.
ويرى "كاسكل" أن حكمه كان في حوالي السنة "١١٠ ب. م."٢.
ووضع "كاسكل" ملكًا اسمه "سلح" "سليح" "سالح" بعد اسم الملك "عبدان هانؤاس". وقد حكم –على رأيه- في حوالي السنة "١٢٥" بعد الميلاد٣. وقد ورد اسمه في كتابة دونت قبل ثلاثة أيام "تلت ايم: قبل رأي سلح" من تولي "سليح" الحكم، وأرخ ذلك بسنة عشيربن من ظهور عتمة، أي حدوث ظلام "سنت عشرين عتم"٤. والظاهر أن كسوفًا وقع فأظلمت الدنيا وعتمت، وذلك قبل عشرين سنة من تولي هذا الملك الحكم، فأرخ الناس عندئذ بحدوثها، وفي جملتهم صاحب هذه الكتابة٥.
وحكم في حوالي السنة "١٢٧ ب. م." ملك اسمه "تلمي هناس" "تلمي ها- نؤاس" على رأي "كاسكل"٦، وقد جاء اسمه في كتابة دونت لمناسبة دفع دية "وديو" عن قتيل قتل في السنة الثانية والعشرين من حكم هذا الملك٧.
ووضع "كاسكل" الملك "فضج"، بعد الملك "تلمي بن هانؤاس" وجعل حكمه في حوالي السنة "١٣٤ ب. م."٨ ويظهر من كتابة ورد فيها اسمه أنه حكم أكثر من تسع وعشرين سنة٩.
ويرى "كاسكل" أن الملوك اللحيانيين المتأخرين لم يكونوا على شاكلة الملوك اللحيانيين الأول من حيث المكانة والشخصية، ويرى أن الحل والعقد صارا في يد "الجبل" "هجبل"، أي مجلس الشعب، أو مجلس الأمة بتعبير قريب
стр. 971
من تعبير هذا الزمان في الغالب، وأن الناس لم يعودوا يحفلون بكتابة لقب "ملك لحيان" بعد اسم الملك، وفي هذا الإهمال تعبير عن نظرة التساهل وعن عدم الاهتمام بأمر الملوك١.
ويتبين من النصوص اللحيانية المتأخرة أن هذا الدور الثاني، أي الدور المتأخر من حكم حكومة لحيان، لم يكن حكمًا مستقرًّا وطيد الأركان، لذلك تفشت السرقات، وكثرت حوادث القتل فيه، ويرى "كاسكل" من ورود أسماء في بعض هذه الكتابات اللحيانية المتأخرة يشعر منها أن أصحابها من إفريقيا ومن جنس حامي، احتمال مهاجمة الحبش لساحل البحر الأحمر الواقع فيما بين "لويكة كومة" وحدود مملكة سبأ ونزول الحبشة في هذه الأرضين٢.
ويرى "كاسكل" أن الكتابات المشار إليها، هي من زمن يجب أن يكون محصورًا بين السنة "١٥٠" والسنة "٣٠٠" بعد الميلاد، وفي هذه المدة يجب أن يكون وقوع غزو الحبش للسواحل العربية المذكورة٣. ويرى باحثون آخرون أن ملك الحبشة الذي يمكن أن يكون قد غزا هذه السواحل، هو الملك Sembruthes وهو من ملوك "أكسوم" وقد عثر الباحثون على طائفة من الكتابات مدونة باليونانية تعود إلى أيامه، ويجب أن يكون غزوه لتلك السواحل قد وقع بين نهاية القرن الرابع للميلاد وبين النصف الأول من القرن الخامس للميلاد٤.
ويرى "كاسكل" أن الرومان الذين استولوا على ممكلة النبط لم يبلغوا أرض لحيان، بل وقفوا عند حدود النبط، أو عند أرض تبعد مسافة عشرة كيلومترات عن "ديدان"، بدليل انقطاع الكتابات التي كان يكتبها الجنود الرومان ويتركونها في الأماكن التي ينزلون بها عند الحد المذكور، فلم يعثر السياح على كتابة يونانية بعد البعد المذكور٥.
ويظهر من كتابة لحيانية وسمت بـM ٢٨ أن رجلًا من لحيان كان قد زار
стр. 972
المواضع: "صار" "صوأر"، و"نشور"، و"ربغ" "رابغ"١.
والكتابة غامضة وزاد في غموضها وعسر فهمها سقوط كلمات منها، لذلك لا يدرى ما المراد من ذكر هذه المواضع. هل أريد به استيلاؤه عليها وضمها إلى النبط؟ أو أريد به توليه الجباية فيها؟ أو هو زارها وتاجر معها؟ وقد يستنتج منها أن هذه المواضع كانت من مدن اللحيانيين في ذلك العهد٢.
و"صار" "صأور"، موضع على الطريق بين الحجر ويثرب، وهو الموضع الذي ذكر في جغرافية "بطلميوس" باسم٣Assara = Asvara. وهو موضع لا يبعد كثيرًا عن "الحجر" ويقع عند موضع "البدائع" الذي يبعد زهاء واحد وعشرين كيلومترًا جنوبي شرقي "العلا. وأما "نشأر" "نشير" فهو موضع ذكره "ياقوت الحموي" في معجم البلدان. ولم يعين مكانه، وأما "رابغ"، فموضع لا نستطيع أن نؤكد أنه "رابغ" الحالية، وإن كانت التسمية واحدة٤.
ولسنا نعلم بعد، كيف كانت نهاية حكومة لحيان، ومن قضى عليها، وإلى أين ذهب اللحيانيون بعد سقوط مملكتهم الذي كان بعد الميلاد كما رأينا.
ويظهر أن قومًا منهم هاجروا إلى الجنوب، وأن قومًا منهم هاجروا إلى العراق فاستقروا بالحيرة، إذ نزلوا في موضع عرف باسمهم, وقد كانوا يتاجرون معها في أيام استقلالهم، ويظن أن موضع "السلمان" المعروف في البادية منسوب إلى الإله "سلمان" إله لحيان ورب القوافل عندهم، وقد كان اللحيانيون ينزلون به في طريقهم إلى العراق٥.
ولا يستبعد أن يكون القسم الأعظم منهم قد عاد إلى البادية، واندمج في القبائل، مفضلًا حياة البداوة على حياة العبودية والفوضى، فاندمج في القبائل
стр. 973
الأخرى على نحو ما حدث لغيرهم من الناس١.
وقد عثر على مزهرية في "تل أبو الصلابيخ" في جنوب العراق، وجدت عليها كلمة "براك آل" "برك ايل" "بارك ايل" مدونة بقلم ذهب بعض الباحثين إلى أنه قلم لحياني، وذهب بعض آخر إلى أنه من قلم "المسند"، وأن أصحابها من العرب الجنوبيين٢.
وقد نسب أهل الأخبار "أوس بن قلام بن بطينا بن جميهر" إلى "لحيان" وهو من مشاهير أهل الحيرة، حكم الحيرة أمدًا٣. وقد يكون للحيان الذين ينسب "أوس" إليهم علاقة باللحيانيين الذين أتحدث عنهم.
وقد يكون "بنو لحيان" الذين يذكرهم أهل الأخبار. من بقية ذلك الشعب الساكن في "الديدان" أما اللحيانيون، فهم من "بني لحيان بن هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر" فهم عدنانيون، وقد كانوا ينزلون في شمال شرقي مكة٤. والظاهر أنهم لم يكونوا من القبائل القوية عند ظهور الإسلام، ولذلك لا نجد لهم ذكرًا في أخبار ظهور الإسلام وفي أيام صدر الإسلام٥.
وكانت منازل "لحيان" عند ظهور الإسلام في أرض جبلية. وقد غزاهم الرسول بغزوة عرفت بـ "غزوة بني لحيان" فاعتصموا برءوس الجبال، وهجم الرسول على طائفة منهم على ماء لهم، يقال له الكدر، فهزموا وغنم المسلمون أموالهم٦. وأرسل الرسول عليهم سرية بقيادة "مرثد بن كنان الغنوي" إلى "الرجيع"، فلقي بني لحيان، وقد قتل مرشد في المعركة، وذلك في السنة الرابعة من الهجرة٧.
وقد هجاهم "حسان بن ثابت" فرماهم بالغدر، وذكر موضعهم وهو
стр. 974
"الرجيع"، وذكر أنهم تواصوا بأكل الجار. فهم من أغدر الناس، و"دار لحيان" هي دار الغدر١.
ويذكر الأخباريون أن "تأبط شرًّا" أتي جبلًا في "بلاد بني لحيان" ليشتار منه عسلًا، ومعه جماعة، فخرج عليهم اللحيانيون، فهرب من كان مع "تأبط شرًّا"، فحاصره اللحيانيون، إلا أن "تأبط شرًّا" أزلق نفسه على جدران الجبل، فلم يلحقوا به، وهرب٢.
وقد عثر السياح في حوالي سنة ٣٠٠ بعد الميلاد فما بعدها على كتابات عبرانية ونبطية في وادي "ديدان" تدل على أن قومًا من يهود وقومًا من النبط أو من جماعة كانت تتكلم النبطية كانت قد استوطنت في هذه الأرضين٣. وكان اليهود قد زحفوا إلى هذه الأرضين وأخذوا يستقرون فيها حتى وصلوا إلى يثرب، فلما ظهر الإسلام، كان معظم سكان وادي القرى إلى يثرب من اليهود.
وقد وجدت في الكتابات اللحيانية أسماء آلهة تعبدوا لها، في طليعتها الإله "ذو غابت" "ذو غابة". وقد عثر على أنقاض معبد له في وسط خرائب المدينة، ووجد فيه آثار حوض للماء، يظهر أن المؤمنين كانوا يتوضئون به أو يغسلون مواضع من أجسامهم للتطهر قبل أداء الشعائر الدينية، كما عثر على اسم إله آخر عرف عندهم بـ "سلمان"، ويظهر أنه كان يكنى "أبا إيلاف"، ويرى بعض الباحثين أنه إله القوافل، أي الإله الذي يحمل القوافل ويحرسها في ذهابها وإيابها، وذلك؛ لأن إيلاف القوافل كان من واجب الآلهة، كما يقول هؤلاء الباحثون، مستدلين على ذلك بوضع "قريش" قوافلهم في حماية الآلهة٤. كما يفهم من آية: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ ٥.
стр. 975
وعثر على اسم إله هو "هانئ كاتب" "هني كتب" ومعناه "عبد كاتب" واسم إله آخر هو "هـ- محر" "ها– محر" أي "المحر". وقد ذهب "كاسكل" إلى أن الإله "كاتب" هو في مقابل الإله "توت" THOT عند المصريين، إله الحكمة١.
стр. 976
الفصل الثالث والعشرون: السبئيون
مدخل
...
الفصل الثالث والعشرون: السبئيون
لورود اسم سبأ في القرآن الكريم فضل ولا شك في جميع أهل الأخبار ما بقي في أذهان المسنين عن سبأ والسبئيين، فقد اضطر المفسرون إلى التقاط ما كان ورد عنهم من قصص وحكايات. وما كان القرآن ليشير إلى سبأ، لو لم تكن لهم قصة عند الجاهليين١.
وسبأ عند الأخباريين اسم جد، أولد أولادًا نسلوا، وكانت من ذرياتهم شعوب، ووالده هو "يشجب بن يعرب بن قحطان"، ومن أولاده قبائل كثيرة انتشرت في كل مكان من جزيرة العرب، قبل الإسلام وبعده، وإليه نسب نسله السبئيون، وقد زعموا أن اسمه الحقيقي هو "عبد شمس"، وأما سبأ فلقب لقب به؛ لأنه أول من سبأ، أي سن السبي، من ملوك العرب وأدخل اليمن السبايا، وذكر بعضهم أنه بنى مدينة "سبأ" وسد مأرب وغزا الأقطار وبنى مدينة "عين شمس" بإقليم مصر، وولى عليها ابنه "بابلون" "بابليون"، وقالوا أشياء أخرى من هذا القبيل٢.
стр. 977
وليس في النصوص العربية الجنوبية شيء عن نسب سبأ وعن هويته، وليس فيها شيء عن اسمه أو عن لقبه المزعوم، وكل ما ورد فيها أن سبأ اسم شعب، كون له مملكة، وترك عددًا كبيرًا من الكتابات، وكان يتعبد لآلهة خاصة به، وله حكام حاربوا غيرهم، إلى غير ذلك من أمور سوف يأتي الكلام عليها نعم، نشرت في كتاب "REP EPIG صورة كتابة، ذكر أنها حفرت على نحاس، وهي في مجموعة p LAMARA جاء فيها، "عبد شمس، سبأ بن يشجب، يعرب بن قحطان"١.
ولم تنشر الصورة "الفوتوغرافية" لأصل الكتابة وإنما نشرت كتابتها بالأحرف اللاتينية والعبرانية، ولم يبد المتخصصون رأيًا في هذا اللوح وفي نوع كتابته وزمان الكتابة، لذلك لا أستطيع أن أبدي رأيًا فيها، ما لم أقف على ذلك اللوح.
وأما حظ سبأ في الموارد التأريخية، فإنه لا بأس به بالقياس إلى حظ الشعوب العربية الجاهلية الأخرى, فقد ورد ذكر السبئيين في التوراة وفي الكتب اليونانية واللاتينية وفي الكتابات الآشورية، ويظن أن كلمة A – Ba A- A = S الواردة في نص سومري يعود إلى Aradnannar "باتيسي" "لجش" Lagash "تلو" معاصر آخر ملوك "أور"، أي من رجال النصف الثاني من الألف الثالثة قبل المسيح، تعني أرض سبأ٢. ويرى "هومل" أن كلمة Sabum Sa- bu- um التي وردت عند ملوك "أور" في حوالي سنة "٢٥٠٠ ق. م." إنما تعني Seba الواردة في العهد العتيق٣. وإذا صح أن Saba و Sabum سبأ والسبئيين، صارت هذه النصوص السومرية أقدم نصوص تأريخية تصل إلينا وفيها ذكر "سبأ"، ويكون السبئيون أول شعب عربي جنوبي يصل خبره إلينا، ونكون بذلك قد ارتقينا بسلالم تأريخها إلى الألف الثالثة قبل الميلاد٤.
وقد ذهب "مونتكومري" Montgomery إلى أن السبئيين المذكورين في
стр. 978
النصوص السومرية كانوا من سكان "العربية الصحراوية"، أي البادية، وهذه البادية هي مواطنهم الأصلية الأولى، ومنها ارتحلوا إلى اليمن، أما متى ارتحلوا عنها، فليس لدى هذا المستشرق علم بذلك، ويرى بعض الباحثين أن مجيء السبئيين إلى ديارهم التي عرفت باسمهم، إنما كان في ابتداء العصر الحديدي، أي في القرن الحادي عشر قبل الميلاد، وذلك بعد مئات من السنين، من هجرة المعينيين والقتبانيين إلى اليمن١.
ورأى بعض آخر احتمال هجرة السبئيين إلى اليمن في حوالي السنة "١٢٠٠" قبل الميلاد، أما هجرة المعينيين، والقتبانيين وأهل حضرموت، فقد كانت في حوالي السنة "١٥٠٠ ق. م.". وقد مارس السبئيون الزراعة والتجارة، فكانت قوافلهم التجارية تصل إلى بلاد الشأم، وذلك في حوالي السنة "٩٢٢ ق. م." على ما يستنبط من التوراة٢.
وذهب "هومل" إلى أن السبئيين هم من أهل العربية الشمالية في الأصل، غير أنهم تركوا مواطنهم هذه، وارتحلوا في القرن الثامن، قبل الميلاد إلى جنوب جزيرة العرب، حيث استقروا في منطقة "صرواح" و"مأرب" وفي الأماكن السبئية الأخرى، كانوا يقيمون على رأيه في المواضع التي عرفت بـ "أريبي" "عريبي" "أريبو" في الكتابات الآشورية وبـ "يارب"jareb = jarb في التوراة ٣.
ومن "يرب" "يارب" على رأيه "جاء اسم "مأرب" عاصمة "سبأ"٤. ويؤيد رأيه بما جاء في النص: Glaser ١١٥٥ الذي سبق أن تحدثت عنه من تعرض السبئيين لقافلة معينية في موضع يقع بين "معان" و "رجمت" الواقع على مقربة من "نجران"٥، وعنده أن هذا النص يشير إلى أن السبئيين كانوا يقيمون في أيام ازدهار حكومة معين في أرضين شمالية بالنسبة إلى اليمن، ثم
стр. 979
انتقلوا إلى اليمن. ويرى في اختلاف لهجتهم عن لهجة بقية شعوب العربية الجنوبية دليلًا، آخر على أن السبئيين كانوا في الأصل سكان المواطن الشمالية من جزيرة العرب، ثم هاجروا إلى الجنوب١.
وقد ذكر العهد العتيق "شبا" "سبا" تارة في الحاميين، وذكرهم تارة أخرى في الساميين، ففي الآية السابعة من الإصحاح العاشر من التكوين، وفي الآية التاسعة من الإصحاح الأول من أخبار الأيام الأول: أن "شبا" من "كوش بن حام" فهم من الكوشيين، أي من الحاميين، على حين أننا نرى في الآية الثامنة والعشرين من الإصحاح العاشر من التكوين أنهم من الساميين، وبين الحاميين والساميين، فرق كبير كما هو معلوم، ثم إننا نرى أن التوراة قد جعلت "شبا" من ولد "يقطان" في موضع٢. وجعلته من ولد "يقشان" في موضع آخر٣. ويقطان هو ولد من ولد "عابر" Eber أما "يقشان" فهو ولد من أولاد "إبراهيم" من زوجه "قطورة"٤. وفرق بين الاثنين.
ويرى علماء التوراة أن ذكر "شبا" و "سبا" تارة في الكوشيين، أي الحاميين، وتارة أخرى في اليقطانيين، أو في "اليقشانيين"، هو تعبير وكناية عن انتشار السبئيين، ونزوح قسم منهم إلى السواحل الإفريقية المقابلة، حيث سكنوا فيها، وكونوا مستوطنات بها في "الأريتريا" وفي الحبشة وفي أماكن أخرى. ولهذا ميزتهم التوراة عن بقية السبئيين المقيمين في العربية الجنوبية بجعلهم من أبناء "كوش"، وميزت السبئيين المختلطين بقبائل "يقشان" برجع نسبهم إلى "يقشان"، وبذلك صار السبئيون ثلاث فرق بحسب رواية التوراة، لانتشارهم وإقامة جماعات منهم في مواضع غريبة عن مواضعهم، وذلك قبل الميلاد بالطبع بمئات من السنين٥.
وقد وصفت أرض "شبا" في التوراة بأنها كانت تصدر "اللبان"٦، وكانت
стр. 980
ذات تجارة، وأن تجارها كانوا يتاجرون مع العبرانيين: "تجار شبا ورعمة هم تجارك، بأفخر أنواع الطيب، وبكل حجر كريم والذهب أقاموا أسواقك، حران وكنة وعدن تجار شبا وأشور وكلمد تجارك"١. واشتهرت قوافلها التجارية التي كانت ترد محملة بالأشياء النفيسة٢، وعرفت بثروتها وبوجود الذهب فيها٣.
وقد قيل لذهبها "ذهب شبا"٤. ويتبين من المواضع التي ورد فيها ذكر السبئيين في التوراة أن معارف العبرانيين عنهم قد حصلوا عليها من اتصالهم التجاري بهم، وهي محصورة في هذه الناحية فقط، فلا نجد في التوراة عن السبئيين غير هذه الأمور.
وقصة زيارة "ملكة سبأ" لسلمان، المدونة في التوراة، هي تعبير عن علم العبرانيين بالسبئيين، وعن الصلات التجارية التي كانت بينهم وبين شعب سبأ. ولم تذكر التوراة اسم هذه الملكة، ولا اسم العاصمة أو الأرض التي كانت تقيم بها٥. وقد ذهب بعض نقدة التوراة إلى أن هذه القصة هي أسطورة دونها كتبة التوراة، الغرض منها بيان عظمة ثروة سليمان وحكمته وملكه٦. ورأى آخرون أن هذه الملكة لم تكن ملكة على مملكة سبأ الشهيرة التي هي في اليمن، وإنما كانت ملكة على مملكة عربية صغيرة في أعالي جزيرة العرب، كان سكانها من السبئيين القاطنين في الشمال. ويستدلون على ذلك بعثور المنقبين على أسماء ملكات عربيات، وعلى اسم ملك عربي، هو "يثع أمر" السبئي في النصوص الآشورية، في حين أن العلماء لم يعثروا حتى الآن على اسم ملكة في الكتابات العربية الجنوبية، ثم صعوبة تصور زيادة ملكة عربية من الجنوب إلى سليمان وتعجبها من بلاطه وحاشيتة وعظمة ملكه، مع أن بلاط "أورشليم" يجب ألا يكون شيئًا بالقياس إلى بلاط ملوك سبأ، ولهذا لا يمكن أن تكون هذه المملكة في نظر هذه الجماعة
стр. 981
من علماء التوراة، إلا ملكة مملكة عربية صغيرة لم تكن بعيدة عن عاصمة ملك سليمان، قد تكون في جبل شمر أو في نجد أو في نجد أو الحجاز١.
وذهب بعض العلماء أيضًا إلى أن الغرض من هذه الزيارة لم يكن مجرد البحث عن الحكمة وامتحان سليمان، وإنما كان لسبب آخر على جانب كبير من الأهمية بالقياس إلى الطرفين، هو توثيق العلاقات التجارية وتسهيل التعامل التجاري بينهما٢.
وقد ذهب المؤرخ اليهودي "يوسفوس" إلى أن هذه الملكة كانت ملكة "أثيوبية" الحبشة ومصر. زاعمًا أن Saba اسم عاصمة الأحباش٣, وأن اسم هذه الملكة: ٤Naukalis.
ونجد زعم "يوسفوس" هذا شائعًا فاشيًا بين أهل الحبشة، فهم يذهبون حتى اليوم إلى أن أسرتهم المالكة هي من سلالة سليمان وزوجه ملكة "شبا" ويدعونها "ماقدة" ٥Makeba. ولا أظن أن "يوسفوس" قد اخترع نفسه تلك القصة، بل لا بد أن يكون قد أخذها من أفواه قومه العبرانيين.
وقد وصف هذا المؤرخ زيارتها لقصر سليمان في "أورشليم"، وذكر أنها عادت إلى مملكتها بعد أن استمعت إلى حكم هذا الملك النبي٦. وهو يردد بذلك صدى ما جاء في التوراة من أن زيارة تلك الملكة إنما كانت لالتماس الحكمة منه.
ومهما قيل في أصل هذه القصة، وفي خبر المؤرخ "يوسفوس" عن الملكة، فإننا نستطيع أن نقول أنها ترجمة وتعبير عن الصلات التأريخية القديمة الاقتصادية والسياسية التي كانت بين سبأ والحبشة، وعن أثر السبئيين في الأحباش من جهة وبين هذا الفرق والعبرانيين من جهة أخرى، رمز إليها بهذه القصة التي قد تكون
стр. 982
زيارة فعلية حقًّا، أدهشت العبرانيين، أدهشتهم من ناحية ما شاهدوه من ثراء الملكة، وثروتها، حتى أدخلوها في التوراة للإشادة بعظمة سليمان وما بلغه من مكانة وثراء وسلطان.
لقد أدهشت هذه الملكة السبئية "سليمان" حين جاءت مع قافلة كبيرة من الجمال تحمل هدايا وألطافًا من أثمن المواد الثمينة بالقياس إلى ذلك العهد، وإذا كانت هذه الزيارة قد تمت من العربية الجنوبية حقًّا، فلا بد أنها تكون قد قطعت مسافة طويلة حتى بلغت مقر "سليمان" في حوالي السنة "٩٥٠ ق. م."١.
وإذا أخذنا بحديث التوراة عن تجار "شبا" "سبأ" وعن قوافل السبئيين التي كانت تأتي بالذهب وباللبان وبأفخر أنواع الطيب إلى فلسطين، وذلك في أيام "سليمان" وقبل أيامه أيضًا، وجب رجع زمان هذه القوافل إذن إلى الألف الثانية قبل الميلاد، وذلك؛ لأن زيارة الملكة: ملكة سبأ لسليمان، كانت في حوالي السنة "٩٥٠ ق. م." ٢. ومعنى هذا أن السبئيين كانوا إذ ذاك من الشعوب العربية الجنوبية النشيطة في ذلك العهد، وقد كانوا أصحاب تجارة وقوافل وأموال لا يبالون ببعد الشقة وطول المسافة، فوصلوا بتجارتهم في ذلك الزمان إلى بلاد الشأم.
وقد قص القرآن الكريم قصة زيارة ملكة "سبأ" لسليمان دون أن يذكر اسم الملكة٣. غير أن المفسرين والمؤرخين وأهل الأخبار ذكروا أنها "بلقيس" وأنها من بنات التبابعة٤، وقد صيرها بعضهم "بلقيس بنت ايليشرح"٥، أو "بلقمة ابنة اليشرح"، أو "بلقيس بنت ذي شرح بن ذي جدن بن ايلي شرح بن الحارث بن قيس بن صيفي بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان"٦، وهي "بلقيس ابنة الهدهاد بن شرحبيل"٧ إلى غير ذلك من أقوال ٨ وأرى أن
стр. 983
الذين جعلوا اسم والدها الهدهاد، إنما أخذوا ذلك من "الهدهد" الطير الذي ورد ذكره في القرآن الكريم، والذي نقل نبأ ملكة سبأ إلى سليمان١. وقد كان الهدهاد على زعمهم في عداد ملوك اليمن، وجعلوا سليمان ملكًا على اليمن كذلك، جعلوا ملكه على اليمن ثلاثمائة وعشرين سنة، وجعلوا ملك "بلقيس" وحدها مائة وعشرين سنة٢. إلى ذلك من أقوال.
وقد صير "ابن دريد" اسم بلقيس "يلقمه" وأوجد تعليلًا لهذه التسمية فقال: إنها من "اليلمق"، واليلمق القباء المحشو، ويقال إنه فارسي معرب٣.
وذكر بعض أهل الأخبار أن "بلقيس" لم تكن متزوجة حين قدمت على سليمان، فقال لها "سليمان": لا تصلح امرأة بلا زوج، فزوجها من "سدد بن زرعة"٤. وهكذا صيروا أمر ملكة سبأ كله بيد سليمان، حتى أمر اختيار زوج لها.
ويرى بعض الباحثين أن ما جاء في التوراة عن السبئيين، لا يعتمد على موراد أصلية ومنابع موثوقة، بل أخذ من موارد ثانوية، ولهذا فإن في الذي جاء فيها عنهم يحملنا على اعتباره مادة كدرة، ليس فيها صفاء٥.
وقد ذكر السبئيون في المؤلفات اليونانية واللاتينية، وأقدم من ذكرهم من اليونان "ثيوفراستس"٦. والمعلومات التي أوردها وعن جزيرة العرب وإن كانت ساذجة ذات طابع خرافي في بعض الأحيان، إلا أن بعضًا منها صحيح، وقد أخذ من أقوال التجار، ولا سيما تجار الإسكندرية، الذين كانوا يستقبلون السلع من العربية الجنوبية وإفريقيا، ومن قصص النوتيين الذين كانوا يسلكون البحر الأحمر، ويصلون إلى العربية الجنوبية وسواحل إفريقيا والهند للاتجار، وهي قصص سطحية تميل إلى المبالغات، غير أن هذه المعلومات، على الرغم من هذة النقائص وأمثالها مما تتصف به، هي ذات فائدة كبيرة لمن يريد الوقوف على
стр. 984
حالة جزيرة العرب في ذلك العهد، وقد تحسنت الأخبار اليونانية واللاتينية منذ الميلاد فما بعد تحسنًا عظيمًا، ومرد ذلك إلى الاتصال المباشر الذي تم منذ ذلك العهد وما بعده بين اليونان واللاتين والعرب، وإلى الأطماع السياسية التي أظهروها تجاه جزيرة العرب، تلك الأطماع التي جعلتهم يسلكون مختلف الطرق للحصول على معلومات عن بلاد العرب، وحالة سكانها، ومواطن الضعف التي لديهم للولوج منها في بلادهم، ولتحقيق مطامع استعمارية رمت ابتلاع جزيرة العرب. ولذلك اعتبروا ما يحصلون عليه من أخبار عن هذه البلاد من أسرار الدولة التي لا يجوز إفشاؤها ولا عرضه للناس، وهي قد جمعت أضابير وخزنت في الإسكندرية لم يسمح إلا لبعض الخاصة من العلماء الثقات الاستفادة منها.
ويعود غالب علمنا بأحوال السبئيين إلى الكتابات السبئية التي عثر عليها في مواضع متعددة من العربية الجنوبية، ولا سيما في الجوف مقر السبئيين، وهي أكثر عددًا من الكتابات المعينية والقتبانية والحضرمية وغيرها، وهي تشاركها في قلة عدد المؤرخ منها. وقد أرخ قسم من النصوص المؤرخة بأيام حكم سبأ أو بأيام أصحاب الجاه والنفوذ ولذلك صعب على الباحثين تثبيت تواريخها حسب التقاويم الحالية المستعملة عندنا، لعدم علمهم بأيام حكمهم، وبشخصياتهم، وصار تقديرهم لها تقديرًا غير مؤكد ولا مضبوط، بتقويم حمير الذي يبدأ، عادة بحوالي السنة "١١٥" قبل الميلاد، أو السنة "١٠٩" قبل الميلاد، على بعض الآراء، فإن من السهل علينا تثبيت زمنها بالنسبة لسني الميلاد، وذلك بطرح الرقم "١١٥" أو "١٠٩" من التقويم الحميري، فيكون الناتج من السنين التأريخ حسب التقويم الميلادي بصورة تقريبية.
ومبدأ تقويم حمير هو السنة التي تلقب بها ملوك سبأ بلقب جديد، هو لقب "ملك سبأ وذو ريدان" وهو لقب يشير إلى حدوث تطور خطير، في حكم ملوك سبأ، إذ يعني أن ملوك سبأ أضافوا إلى ملك سبأ ملكًا جديدًا، هو أرض "ذو ريدان" أرض الريدانيين، وهو الحميريين، فتوسع بذلك ملكهم، وزاد عدد نفوسهم، فأرخوا بسنة التوسع هذه، واعتبروها مبدأ لتقويم، والعلماء الباحثون في تأريخ سبأ، هم الذين استنبطوا أن هذا المبدأ هو من حوالي السنة "١١٥" أو "١٠٩" قبل الميلاد.
ويلاحظ أن السبئيين لم يهملوا بعد أخذهم بمبدأ التقويم الحميري التوريخ
стр. 985
بالطريقة القديمة المألوفة وأعني بها التأريخ بالأشخاص وبالحوادث الجسام بالنسبة لأيامهم، حتى الملوك أرخوا بعض كتاباتهم على وفق هذه الطريقة، وأرخوا البعض الآخر وفقًا للتقويم الحميري الجديد. مما يدل على أنهم لم يتمكنوا من إهمال الطريقة القديمة لشيوعها بين الناس، ولدينا أسماء عدد من الأسر والأشخاص أرخت بهما الكتابات السبئية المؤرخة، مثل: "آل حزفر" "حزفرم" و"آل يهسحم" "يهسحم" و "سالم بن يهنعم" و"آل خليل" وغيرهم١.آوهي تواريخ محلية، لذلك تنوعت وتعددت, ويؤيد ذلك أنا نجد الملك يؤرخ بجملة أشخاص. ولما كان من الصعب الاستمرار بالتأريخ على وفق هذه الطريقة، إذ الحوادث الجديدة تطمس ذكر الحوادث القديمة، كانت التواريخ تتبدل بهذا التبدل، فينسى الناس القديم ويؤرخون بالجديد، وهكذا، وقد حرمنا هذا التغير الفائدة المرجوة من تأريخ الحوادث.
وقد تبين من الكتابات السبئية أن لقب حكام سبأ، لم يكن لقبًا ثابتًا مسقرًّا بل تبدل مرارًا، وأن كل تبدل هو لتبدل الحكم في سبأ ودخوله في عهد يختلف عنوانه عن العهد القديم، ولذلك صار الحكم أدوارًا، واضطر المؤرخون المحدثون إلى التأريخ بموجبها، فدور أول، وهو أقدم أدوار الحكم لقب حكامه فيه: "مكرب سبأ"، ثم دور تال له صار اللقب فيه: "ملك سبأ"، ثم دور آخر تغير فيه عنوان الملك فصار: "ملك سبأ وذو ريدان" وقد وقع في حوالي السنة "١١٥" أو "١٠٩" قبل الميلاد. جاء بعده دور جديد صار اللقب الرسمي فيه على هذا النحو: "ملك سبأ وذو ريدان وحضوموت واليمن وأعرابها في المرتفعات وفي التهائم"، وهو آخر دور من أدوار الحكم في سبأ وخاتمة الأدوار.
وبفضل الكتابات السبئية حصلنا على شيء من العلم بأصول الحكم في سبأ وبما سأكتبه وبما كتبه غيري عنهم، وبفضل البقية الباقية من آثار خرائب مدنهم وقراهم ومستوطناتهم استطعنا تكوين إلمامة عن فنهم وعن العمران عنهم، وعن نظم الري والزراعة لديهم وغير ذلك مما سأتحدث عنه، ولولا تلك الكتابات ولولا هذه البقية من الآثار لما صار في إمكاننا الكلام عنهم إلا بإيجاز مخل وكلنا أمل