← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

من علماء التوراة، إلا ملكة مملكة عربية صغيرة لم تكن بعيدة عن عاصمة ملك سليمان، قد تكون في جبل شمر أو في نجد أو في نجد أو الحجاز١. وذهب بعض العلماء أيضًا إلى أن الغرض من هذه الزيارة لم يكن مجرد البحث عن الحكمة وامتحان سليمان، وإنما كان لسبب آخر على جانب كبير من الأهمية بالقياس إلى الطرفين، هو توثيق العلاقات التجارية وتسهيل التعامل التجاري بينهما٢. وقد ذهب المؤرخ اليهودي "يوسفوس" إلى أن هذه الملكة كانت ملكة "أثيوبية" الحبشة ومصر. زاعمًا أن Saba اسم عاصمة الأحباش٣, وأن اسم هذه الملكة: ٤Naukalis. ونجد زعم "يوسفوس" هذا شائعًا فاشيًا بين أهل الحبشة، فهم يذهبون حتى اليوم إلى أن أسرتهم المالكة هي من سلالة سليمان وزوجه ملكة "شبا" ويدعونها "ماقدة" ٥Makeba. ولا أظن أن "يوسفوس" قد اخترع نفسه تلك القصة، بل لا بد أن يكون قد أخذها من أفواه قومه العبرانيين. وقد وصف هذا المؤرخ زيارتها لقصر سليمان في "أورشليم"، وذكر أنها عادت إلى مملكتها بعد أن استمعت إلى حكم هذا الملك النبي٦. وهو يردد بذلك صدى ما جاء في التوراة من أن زيارة تلك الملكة إنما كانت لالتماس الحكمة منه. ومهما قيل في أصل هذه القصة، وفي خبر المؤرخ "يوسفوس" عن الملكة، فإننا نستطيع أن نقول أنها ترجمة وتعبير عن الصلات التأريخية القديمة الاقتصادية والسياسية التي كانت بين سبأ والحبشة، وعن أثر السبئيين في الأحباش من جهة وبين هذا الفرق والعبرانيين من جهة أخرى، رمز إليها بهذه القصة التي قد تكون

стр. 982

زيارة فعلية حقًّا، أدهشت العبرانيين، أدهشتهم من ناحية ما شاهدوه من ثراء الملكة، وثروتها، حتى أدخلوها في التوراة للإشادة بعظمة سليمان وما بلغه من مكانة وثراء وسلطان. لقد أدهشت هذه الملكة السبئية "سليمان" حين جاءت مع قافلة كبيرة من الجمال تحمل هدايا وألطافًا من أثمن المواد الثمينة بالقياس إلى ذلك العهد، وإذا كانت هذه الزيارة قد تمت من العربية الجنوبية حقًّا، فلا بد أنها تكون قد قطعت مسافة طويلة حتى بلغت مقر "سليمان" في حوالي السنة "٩٥٠ ق. م."١. وإذا أخذنا بحديث التوراة عن تجار "شبا" "سبأ" وعن قوافل السبئيين التي كانت تأتي بالذهب وباللبان وبأفخر أنواع الطيب إلى فلسطين، وذلك في أيام "سليمان" وقبل أيامه أيضًا، وجب رجع زمان هذه القوافل إذن إلى الألف الثانية قبل الميلاد، وذلك؛ لأن زيارة الملكة: ملكة سبأ لسليمان، كانت في حوالي السنة "٩٥٠ ق. م." ٢. ومعنى هذا أن السبئيين كانوا إذ ذاك من الشعوب العربية الجنوبية النشيطة في ذلك العهد، وقد كانوا أصحاب تجارة وقوافل وأموال لا يبالون ببعد الشقة وطول المسافة، فوصلوا بتجارتهم في ذلك الزمان إلى بلاد الشأم. وقد قص القرآن الكريم قصة زيارة ملكة "سبأ" لسليمان دون أن يذكر اسم الملكة٣. غير أن المفسرين والمؤرخين وأهل الأخبار ذكروا أنها "بلقيس" وأنها من بنات التبابعة٤، وقد صيرها بعضهم "بلقيس بنت ايليشرح"٥، أو "بلقمة ابنة اليشرح"، أو "بلقيس بنت ذي شرح بن ذي جدن بن ايلي شرح بن الحارث بن قيس بن صيفي بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان"٦، وهي "بلقيس ابنة الهدهاد بن شرحبيل"٧ إلى غير ذلك من أقوال ٨ وأرى أن

стр. 983

الذين جعلوا اسم والدها الهدهاد، إنما أخذوا ذلك من "الهدهد" الطير الذي ورد ذكره في القرآن الكريم، والذي نقل نبأ ملكة سبأ إلى سليمان١. وقد كان الهدهاد على زعمهم في عداد ملوك اليمن، وجعلوا سليمان ملكًا على اليمن كذلك، جعلوا ملكه على اليمن ثلاثمائة وعشرين سنة، وجعلوا ملك "بلقيس" وحدها مائة وعشرين سنة٢. إلى ذلك من أقوال. وقد صير "ابن دريد" اسم بلقيس "يلقمه" وأوجد تعليلًا لهذه التسمية فقال: إنها من "اليلمق"، واليلمق القباء المحشو، ويقال إنه فارسي معرب٣. وذكر بعض أهل الأخبار أن "بلقيس" لم تكن متزوجة حين قدمت على سليمان، فقال لها "سليمان": لا تصلح امرأة بلا زوج، فزوجها من "سدد بن زرعة"٤. وهكذا صيروا أمر ملكة سبأ كله بيد سليمان، حتى أمر اختيار زوج لها. ويرى بعض الباحثين أن ما جاء في التوراة عن السبئيين، لا يعتمد على موراد أصلية ومنابع موثوقة، بل أخذ من موارد ثانوية، ولهذا فإن في الذي جاء فيها عنهم يحملنا على اعتباره مادة كدرة، ليس فيها صفاء٥. وقد ذكر السبئيون في المؤلفات اليونانية واللاتينية، وأقدم من ذكرهم من اليونان "ثيوفراستس"٦. والمعلومات التي أوردها وعن جزيرة العرب وإن كانت ساذجة ذات طابع خرافي في بعض الأحيان، إلا أن بعضًا منها صحيح، وقد أخذ من أقوال التجار، ولا سيما تجار الإسكندرية، الذين كانوا يستقبلون السلع من العربية الجنوبية وإفريقيا، ومن قصص النوتيين الذين كانوا يسلكون البحر الأحمر، ويصلون إلى العربية الجنوبية وسواحل إفريقيا والهند للاتجار، وهي قصص سطحية تميل إلى المبالغات، غير أن هذه المعلومات، على الرغم من هذة النقائص وأمثالها مما تتصف به، هي ذات فائدة كبيرة لمن يريد الوقوف على

стр. 984

حالة جزيرة العرب في ذلك العهد، وقد تحسنت الأخبار اليونانية واللاتينية منذ الميلاد فما بعد تحسنًا عظيمًا، ومرد ذلك إلى الاتصال المباشر الذي تم منذ ذلك العهد وما بعده بين اليونان واللاتين والعرب، وإلى الأطماع السياسية التي أظهروها تجاه جزيرة العرب، تلك الأطماع التي جعلتهم يسلكون مختلف الطرق للحصول على معلومات عن بلاد العرب، وحالة سكانها، ومواطن الضعف التي لديهم للولوج منها في بلادهم، ولتحقيق مطامع استعمارية رمت ابتلاع جزيرة العرب. ولذلك اعتبروا ما يحصلون عليه من أخبار عن هذه البلاد من أسرار الدولة التي لا يجوز إفشاؤها ولا عرضه للناس، وهي قد جمعت أضابير وخزنت في الإسكندرية لم يسمح إلا لبعض الخاصة من العلماء الثقات الاستفادة منها. ويعود غالب علمنا بأحوال السبئيين إلى الكتابات السبئية التي عثر عليها في مواضع متعددة من العربية الجنوبية، ولا سيما في الجوف مقر السبئيين، وهي أكثر عددًا من الكتابات المعينية والقتبانية والحضرمية وغيرها، وهي تشاركها في قلة عدد المؤرخ منها. وقد أرخ قسم من النصوص المؤرخة بأيام حكم سبأ أو بأيام أصحاب الجاه والنفوذ ولذلك صعب على الباحثين تثبيت تواريخها حسب التقاويم الحالية المستعملة عندنا، لعدم علمهم بأيام حكمهم، وبشخصياتهم، وصار تقديرهم لها تقديرًا غير مؤكد ولا مضبوط، بتقويم حمير الذي يبدأ، عادة بحوالي السنة "١١٥" قبل الميلاد، أو السنة "١٠٩" قبل الميلاد، على بعض الآراء، فإن من السهل علينا تثبيت زمنها بالنسبة لسني الميلاد، وذلك بطرح الرقم "١١٥" أو "١٠٩" من التقويم الحميري، فيكون الناتج من السنين التأريخ حسب التقويم الميلادي بصورة تقريبية. ومبدأ تقويم حمير هو السنة التي تلقب بها ملوك سبأ بلقب جديد، هو لقب "ملك سبأ وذو ريدان" وهو لقب يشير إلى حدوث تطور خطير، في حكم ملوك سبأ، إذ يعني أن ملوك سبأ أضافوا إلى ملك سبأ ملكًا جديدًا، هو أرض "ذو ريدان" أرض الريدانيين، وهو الحميريين، فتوسع بذلك ملكهم، وزاد عدد نفوسهم، فأرخوا بسنة التوسع هذه، واعتبروها مبدأ لتقويم، والعلماء الباحثون في تأريخ سبأ، هم الذين استنبطوا أن هذا المبدأ هو من حوالي السنة "١١٥" أو "١٠٩" قبل الميلاد. ويلاحظ أن السبئيين لم يهملوا بعد أخذهم بمبدأ التقويم الحميري التوريخ

стр. 985

بالطريقة القديمة المألوفة وأعني بها التأريخ بالأشخاص وبالحوادث الجسام بالنسبة لأيامهم، حتى الملوك أرخوا بعض كتاباتهم على وفق هذه الطريقة، وأرخوا البعض الآخر وفقًا للتقويم الحميري الجديد. مما يدل على أنهم لم يتمكنوا من إهمال الطريقة القديمة لشيوعها بين الناس، ولدينا أسماء عدد من الأسر والأشخاص أرخت بهما الكتابات السبئية المؤرخة، مثل: "آل حزفر" "حزفرم" و"آل يهسحم" "يهسحم" و "سالم بن يهنعم" و"آل خليل" وغيرهم١.آوهي تواريخ محلية، لذلك تنوعت وتعددت, ويؤيد ذلك أنا نجد الملك يؤرخ بجملة أشخاص. ولما كان من الصعب الاستمرار بالتأريخ على وفق هذه الطريقة، إذ الحوادث الجديدة تطمس ذكر الحوادث القديمة، كانت التواريخ تتبدل بهذا التبدل، فينسى الناس القديم ويؤرخون بالجديد، وهكذا، وقد حرمنا هذا التغير الفائدة المرجوة من تأريخ الحوادث. وقد تبين من الكتابات السبئية أن لقب حكام سبأ، لم يكن لقبًا ثابتًا مسقرًّا بل تبدل مرارًا، وأن كل تبدل هو لتبدل الحكم في سبأ ودخوله في عهد يختلف عنوانه عن العهد القديم، ولذلك صار الحكم أدوارًا، واضطر المؤرخون المحدثون إلى التأريخ بموجبها، فدور أول، وهو أقدم أدوار الحكم لقب حكامه فيه: "مكرب سبأ"، ثم دور تال له صار اللقب فيه: "ملك سبأ"، ثم دور آخر تغير فيه عنوان الملك فصار: "ملك سبأ وذو ريدان" وقد وقع في حوالي السنة "١١٥" أو "١٠٩" قبل الميلاد. جاء بعده دور جديد صار اللقب الرسمي فيه على هذا النحو: "ملك سبأ وذو ريدان وحضوموت واليمن وأعرابها في المرتفعات وفي التهائم"، وهو آخر دور من أدوار الحكم في سبأ وخاتمة الأدوار. وبفضل الكتابات السبئية حصلنا على شيء من العلم بأصول الحكم في سبأ وبما سأكتبه وبما كتبه غيري عنهم، وبفضل البقية الباقية من آثار خرائب مدنهم وقراهم ومستوطناتهم استطعنا تكوين إلمامة عن فنهم وعن العمران عنهم، وعن نظم الري والزراعة لديهم وغير ذلك مما سأتحدث عنه، ولولا تلك الكتابات ولولا هذه البقية من الآثار لما صار في إمكاننا الكلام عنهم إلا بإيجاز مخل وكلنا أمل

стр. 986

بالطبع في أن تتبدل الأيام، فتنعم العربية الجنوبية بالاستقرار، وبرجال ذوي عقول مستقلة نيرة، تفهم روح الوقت وتبدل الزمن فتأمر بنبش الأرض لاستنباط ما هو مدفون في باطنها من كنوز روحية ومادية، وعندئذ يستطيع من يأتي بعدنا أن ينال الحظ السعيد بالكتابة عن تلك البلاد كتابة تجعل كتابتنا الحالية شيئًا تافهًا قديمًا باليًا تجاه ما سيعثر عليه من جديد، وأني أرجو له منذ الآن الموافقة والنجاح؛ لأني وإن كنت قد دخلت إذ ذاك في باطن الأرض، فصرت ترابًا ضائعًا بين الأتربة، غير أن لي رجاء وأملًا لا ينقطعان ولا ينتهيان بموت، هو رجاء الكشف عن الماضي الميت وبعثه ونشره وحشره من جديد. إننا لا زلنا مع ذلك في جهل بنواح عديدة من نواحي الحياة في الممالك العربية الجنوبية التي تكونت في اليمن وفي بقية العربية الجنوبية. نواح تتعلق بالقوانين وبأصول التشريع، وبالحياة الاجتماعية، وبالحياة الدينية أو الفنية، بل وفي عدد من حكم تلك الممالك وفي ترتيبهم وأعمالهم وما قاموا به، وبصلات أولئك الحكام ببقية جزيرة العرب وبالعالم الخارجي. ودراسة العلماء عن تأريخ العرب الجنوبية الجاهلي وإن تقدمت في خلال السنين المتأخرة، ولكنها لا تزال مع ذلك في بدء مراحلها وهي تجري ببطء وتؤدة.

стр. 987

المكربون مدخل ... المكربون: لقب أقدم حكام سبأ، بلقب "مكرب" في الكتابات السبئية، وفي هذا اللقب معنى "مقرب" في لهجتنا، وتدل اللفظة على التقريب، من الآلهة، فكان "المكرب" هو مقرب أو وسيط بين الآلهة والناس، أو واسطة بينها وبين الخلق. وقد كان هؤلاء "المقربون" "المكربون" في الواقع كهانًا، مقامهم مقام "المزواد" عند المعينيين و "شوفيط" Shophet وجمعها "شوفيطيم" عند العبرانيين، أي "القضاة"١. وجاء في كتب اللغة: "كرب الأمر يكرب كروبًا: دنا، يقال: كربت حياة النار، أي قرب انطفاؤها، وكل شيء دنا، فقد كرب

стр. 988

قال أبو عبيد: كرب، أي دنا من ذلك وقرب، وكل دان قريب، فهو كارب. وورد: الكروبيون سادة الملائكة، منهم جبريل وميكائيل وإسرافيل هم المقربون، والملائكة الكروبيون أقرب الملائكة إلى العرش١. فللفظة معنى التقريب حتى في عربيتنا هذه: عربية القرآن الكريم. وقد قدر "ملاكر" Mlaker حكم المكربين بحوالي قرنين ونصف قرن إذ افترض أن حكم المكرب الأول كان في حوالي السنة "٨٠٠ ق. م."، وجعل نهاية حكم المكربين في حوالي السنة "٦٥٠ ق. م." وفي حوالي هذا الزمن استبدل -على رأيه- بلقب مكرب لقب "ملك" وانتهى بهذا التغيير في اللقب دور المكربين٢. وقدر غيره حكم المكربين بزهاء ثلاثة قرون، فجعل مبدأ حكمهم في حوالي السنة "٧٥٠ ق. م."، ونهاية حكمهم في حوالي السنة "٤٥٠ ق. م."٣، وجعل بعض آخر مبدأ حكم المكربين في القرن العاشر أو القرن التاسع قبل الميلاد٤. وقد تمكن العلماء من جمع زهاء سبعة عشر مكربًا، وردت أسماؤهم في الكتابات العربية الجنوبية، وكانوا يقيمون في عاصمة سبأ القديمة الأولى مدينة "صرواح". وقد رتب أولئك العلماء أسماء المكربين في مجموعات، وضعوا لها تواريخ تقريبية، لعدم وجود تواريخ ثابتة تثبت حكم كل ملك بصورة قاطعة، ولذلك تباينت عندهم التواريخ وتضاربت، فقدم بعضهم تأريخ الأسرة الأولى، بأن وضع لحكمها تأريخًا يبعد عن الميلاد أكثر من غيره، وقصر آخرون في التأريخ وأخروا، وكل آرائهم في نظري فرضيات لا يمكن ترجيح بعضها على بعض في هذا اليوم، وقد يأتي يوم يكون في الإمكان فيه تثبيت تواريخهم بصورة قريبة من الواقع، استنادًا إلى الكتابات التي سيعثر عليها وعلى دراسة الخطوط وتقدير أعمار ما يعثر عليه وتحليل محتوياته بالأساليب الآثارية الحديثة التي تقدمت اليوم كثيرًا، وستتقدم أكثر من ذلك في المستقبل من غير شك.

стр. 989

ويعد المكرب "سمه على" أقدم مكرب وصل إلينا اسمه. ولا نعرف اللقب الذي كان يلقب به، ومن عادة حكام العربية الجنوبية من مكربين وملوك اتخاذ ألقاب يعرفون بها، ومن هذه الألقاب نستطيع التفريق بينهم، ولا نعرف شيئًا كذلك من أمر والده، وقد جعل "فلبي" مبدأ حكمه بحدود عام "٨٠٠" قبل الميلاد في كتابه "سناد الإسلام"١ وبحدود سنة "٨٢٠" قبل الميلاد في المقال الذي نشره في مجلة "٢Le Museon". وتعد الكتابة الموسومة بـ Glaser ١١٤٧، من كتابات أيام هذا المكرب، وهي كتابة قصيرة مكتوبة على الطريقة الحلزونية Boustrophedon كأكثر كتابات أيام المكربين، ولقصرها ونقصها لم نستفد منها فائدة تذكر في الوقوف على شيء من حياة هذا المكرب٣. وقد عد "كلاسر" الكتابة الموسومة بـGlaser ٩٢٦ من كتابات أيام هذا المكرب، وتابعه على ذلك "فلبي"٤. وهي من الكتابات المدونة على الطريقة الحلزونية Boustrophedon وقد كتبت عند إنشاء بناء، وصاحبها "صبحم بن يثع كرب فقضن"٥ وقد ورد فيها اسم "سبأ" و"مرب" أي مدينة "مأرب" و"فيش" "فيشان"، ووردت فيها لفظة "فراهو" أي "سيدة" قبل اسم "سمه علي" الذي كان يحكم شعب "سبأ" في ذلك العهد، ودونت في النص أسماء الآلهة: عثتر، و"المقه" و"ذت بعدن"٦، على العادة المألوفة في التيمن بذكر أسماء الآلهة في الكتابات، ثم التيمن بذكر اسم الحاكم من مكرب، أو ملك يوم تدوين الكتابة. والنص المذكور ناقص يكمله النص المرسوم بـCIH ٩٥٥ على رأي بعض الباحثين٧.

стр. 990

وللمكرب المذكور ولد اسمه "يدع آل ذرح"١، حكم على رأي "فلبي". تمثال من البرنز قدمه رجل اسمه "معد يكرب" إلى الإله "المقه". بعل أوام، ويعود عهده إلى القرن السادس قبل الميلاد. من كتاب Qataban and Sheba "الصفحة ٢٧٣". حوالي سنة "٨٠٠ ق. م."٢. وقد عثر على عدد من الكتابات من أيامه،

стр. 991

منها الكتابة التي وجدت في "حرم بلقيس" "محرم بلقيس"، وميزت عن غيرها بعلامة:١Glaser ٤٨٤ وقد ورد فيها أن هذا المكرب أقام جدار معبد "أوم" "أوام" المخصص بعبادة "المقه" "اوم بيت المقه" إله "سبأ"، "هوبس"٢، وتشبه هذه الكتابة شبهًا كبيرًا كتابة أخرى وسمت بـ ٣Glaser ٩٠١ لـ "يدع آل ذرح" أيضًا، وقد أخبر "يدع آل ذرح" فيها أنه سور "بيت المقه" وهو معبد الإله بمدينة "صرواح"، وأنه قرب ثلاثة لهذه المناسبة إلى الآلهة "حرمتم" "حرمة" "حرمت" "حريمت" ويرى "هومل" أن هذه الإهة هي زوج الإله "المقه" إله سبأ٤. والنصان: Glaser ١١٠٨ و Glaser ١١٠٩ يرجعان إلى المكرب "يدع آل ذرح" كذلك، وقد أخبر فيها أنه عني بتعمير معبد "المقه" وأضاف أجزاء جديدة إليه، وذكر في أحدهما الإلهان المقه وعثتر. وذكر في الآخر الآلهة: عثتر، والمقه، وذات حميم٥. وعثر على كتابة أخرى في موضع "المساجد"، بمأرب، تبين منها أن هذا المكرب تقرب إلى إله سبأ الإله "المقه" ببناء معبد له٦. وتعود الكتابات AF.١٧ و AF. ٢٤ و AF. ٢٣ و AF ٣٨ إلى هذا المكرب كذلك، وهي من الكتابات التي عثر عليها أحمد فخري المصري الذي أمَّ اليمن عام "١٩١٧م"٧. وتعود الكتابة CIH ٦٣٣ إلى أيامه أيضًا٨.

стр. 992

وتدل هذه الكتابات على أن "المكرب" المذكور قد اهتم كثيرًا ببناء معبد "أوام" في مأرب، المعبد الذي يعرف بين أهل المنطقة باسم "محرم بلقيس" وبإضافة زيادات عليه، وبترميمه أيضًا، وأغلب الظن أنه لم يكن هو الباني له، وإنما كان موجودًا ومبينًا قبله، غير أن الباحثين لم يتمكنوا من العثور على اسم بانيه حتى الآن؛ لأن أعمال الحفر فيه لم تتم بصورة علمية واسعة فيه حتى الآن، والكتابة التي سجلها المكرب المذكور لم تشر إلى بناء المعبد كله، بل أشارت إلى أجزاء معينة منه وهي لا تزال تحمل اسمه١، وهناك كتابات أخرى تحمل اسم حكام سبأ من مكربين وملوك ووجهاء ممن أضافوا أبنيه جديدة إلى هذا المعبد، أو قاموا بإصلاح ما حدث فيه من خلل بمرور السنين٢. وقد ذهب "فلبي" إلى أن هذا المكرب كان قد حكم في حوالي سنة "٨٠٠ ق. م."٣ وذهب "فون وزمن"٤ إلى أن حكمه كان في أواسط النصف الثاني من القرن السابع قبل الميلاد، أو في أوائله٥، وثبت آخرون حكمه بحوالي السنة "٧٥٠ ق. م."٦. وكان لـ "يدع آل ذرح" ولد اسمه "سمه علي ينف"٧، ورد اسمه في الكتابة ٨CIH ٦٣٦، وهي كتابة ناقصة سقط أكثر ما دون فيها، ولم يذكر "هومل" اسمه في القائمة التي صنعها لمكربي "سبأ"٩ ولم يذكره "فلبي" كذلك في كتابه "سناد الإسلام"١٠ غير أنه ذكر اسمه في القائمة التي نشرها في مجلة Le Museon وجعله المكرب الثالث، أي أنه وضعه بعد "يدع

стр. 993

آل ذرح" والده مباشرة، وجعله مكربًا١. ولم ترد في النص المذكور كلمة "مكرب" بعد اسم "سمه علي ينف"، وإنما ذكرت بعد اسم "يدع آل ذرح"٢، وهذا يعني أن هذه الكلمة، وهي "مكرب" ليست لـ "سمه علي"، وإنما تخص الأقرب إليها، وهو "يدع آل ذرح". وقد ورد اسم "سمه علي" بعد اسم "يدع آل" وقبل اسم "يثع أمر" في الكتابة المعروفة بـ ٣Gleser ٦٩٤ ولم ترد فيها نعوتهم، ولا كلمة "مكرب" التي هي الدلالة الرسمية المنبئة بتبوئهم الحكم. وقد وضع "فلبي" الكتابتين المرقمتين CIH ٣٦٨ و CIH ٣٧١ في جملة الكتابات من أيام المكرب "سمه علي ينف"٤. أما الكتابة الأولى، فصاحبها "عم أمر بن أب أمر ذيبرن"، أي من عشيرة "يبرن" "يبران"، ولعله كان سيدًا من ساداتها. وكان من المقربين لـ "سمه علي" ولشقيقه "يثع أمر" ولعله كان من ندمائهما، بدليل ورود جملة "مودد سمه علي ويثع أمر" في النص، أي أنه كان من المتوددين إليها، وتعبر لفظة "مودد" عن منزلة رفيعة عند السبئيين تضاهي منزلة "نديم" عند العرب الشماليين. وقد دون "عم أمر" تلك الكتابة عند بنائه بيته "مردعم" "مردع" في مدينة "منيتم" "منيت" "منية"٥. وأما الكتابة الثانية فصاحبها "عم أمر بن أب أمر"، وهو من عشيرة أخرى اسمها "ذ لخدم"، "لخد" ويظهر أنه كان من أشرافها، فهو شخص آخر يختلف عن الشخص الأول، وإن اشتركا في الاسم ولم يرد في هذه الكتابة الثانية اسم أي مكرب من المكربين، لذلك لا أستطيع أن أضيف هذه الكتابة الثانية إلى أيام "سمه علي". والذي حمل "فلبي" على إضافتها إلى أيام هذا المكرب هو كون اسم صاحب الكتابتين واحدًا، فظن أنهما رجل واحد، وأن صاحب الكتابتين واحد أيضًا، ولورود اسم "سمه علي" و"يثع أمر" في النص الأول، أضاف النص الثاني إلى

стр. 994

النصوص من أيام المكربين، ولو انتبه إلى أن كل واحد منهما هو من قبيلة تختلف عن القبيلة الأخرى، لما أضاف الكتابة الثانية إلى أيام المكربين المذكورين. وأشار "فلبي" إلى اسم ولد من أولاد "سمه علي ينف" سماه "يدع آل وتر" ولم يشر إلى أنه كان مكربًا، وذكر أنه حصل على اسمه من النصوص ١AF ٨٦, ٩١ ٩٢. ونسب "فلبي" زمن تدوين النصوص: CIH ٤٩٠ و CIH ٤٩٢ و CIH ٤٩٣ و CIH ٤٩٥ إلى عهد "يثع أمر وتر"٢. أما النص CIH ٤٩٠ فقد وضع ناشره ومحققه لفظة "ملك" بعد اسم "يثع أمر"، وذلك بإكمال الحرفين الباقيين من الكلمة المطموس آخرها، الواردة بعد "وتر"، وهما "الميم" و"اللام". فإذا كانت القراءة صحيحة، انصرف الذهن عن "يثع أمر وتر" هذا إلى "يثع أمر" آخر يجب أن يكون ملكًا على سبأ، وإن كانت القراءة مغلوطة، كأن يكون أصلها المطموس لفظة "مكرب"، جاز حينئذ أن يكون "يثع أمر" هو "يثع أمر وتر" المذكور الذي قصده "فلبي"٣، وتتضمن هذه الكتابة خبرًا يفيد أن "يثع أمر وتر بن يدع ايل ذرح" جدد بناء معبد الإله "هبس" "هوبس", وقد عثر عليها في الموضع المسمى بـ "الدبر" "دبر" في الزمن الحاضر٤. ويرى "هومل" أن "دبر" "دابر"، هو اسم قبيلة، وقد بنت معبدًا سمي باسمها، وقد جدد بناءه هذا المكرب "يثع أمر وتر"٥. وقد ورد اسم "دبر" في كتابات أخرى، ولهذا ذهب "هومل" إلى أنه اسم المعبد المذكور: معبد الإله "هوبس"، وهذه الكتابة من القرن الثامن قبل الميلاد في رأي بعض الباحثين، ومعنى هذا أن حكم هذا المكرب السبئي "يثع أمر وتر" كان قد بلغ أرض معين في هذا العهد٦. وأما النص CIH ٤٩٢ فهو نص قديم أيضًا، كتب على الطريقة الحلزونية

стр. 995

الشائعة بين السبئيين في أيام المكربين وصاحبه رجل اسمه "حيم بن بعثتر رحضن"١. أي من "آل رحضان" "رحاض"، وقد قدم إلى الآلهة "ذات حميم" نذرًا لعافيته ولعافية بنته وأولاده٢. ولكننا لا نجد فيه أي تصريح أو تلميح إلى اسم المكرب "يثع أمر وتر" أو إلى أبيه. وأما النص "CIH ٤٩٣، فصاحبه رجل اسمه "حميم بن عم يدع"٣. من "آل قدران" "ذ قدرن"٤ فهو امرؤ لا صلة له بصاحب النص المتقدم CIH٤٩٢. وقد ورد في النص اسم "يدع ايل" و "يثع أمر"، ولم يذكر فيه نعت الرجلين، ومن الجائز أن يكون "يدع ايل" و "يثع أمر" المذكوران هما المكربان اللذان نبحث عنهما، أي المكرب الوالد وابنه، ومن الجائز أيضًا ألا يكونا هما، فهنالك فجوات لا نعرف عمقها في تأريخ سبأ، قد تكون فيها، خبايا من أسماء مكربين وملوك, وأعتقد أن اسم "حيم" هو الذي حمل "فلبي" على حشر النص السابق بين النصوص التي ظن أن لها علاقة بالمكرب "يثع أمر وتر"، على اعتبار أن الرجلين رجل واحد، ولكن الواقع أنهما شخصان مختلفان. وأما النص CIH٤٩٥ فصاحبه "حيم بن عم يدع" من "آل قدرن"، أي صاحب النص CIH ٤٩٣ المذكور، ولذلك أضافه "فلبي" إلى النصوص التي لها صلة بالمكرب "يثع أمر وتر"، ولم يرد في هذا النص اسم هذا المكرب ولا اسم أبيه، ولعلهما سقطا في جملة ما سقط من أسطر وكلمات. وقد وضع "هومل" اسم "يدع آل بين" "يدع ايل بين" بعد اسم "يثع أمر وتر" ليكون المكرب التالي له، وهو –على رأيه- ابنه وخليفته من بعده٥. ومن أهم أعماله المذكورة في الكتابات، تحصينه وتقويته أبراج مدينة

стр. 996

"نشق" من المعينيين١. ويدل ذلك على أن هذه المدينة كانت قد دخلت في ممتلكات السبئيين، في زمن لا نعرفه، قد يكون في أيام هذا المكرب وقد يكون قبل ذلك، وأن السبئيين كانوا يتبعون خطة التوسع بالتدرج حتى ابتلعوا مملكة "معين"٢. وقد رأيت أنهم كانوا قد استولوا على قرية "دبر" "دابر"، وحصنوها، واتخذوها قاعدة حصينة للإغارة منها على الجوف وعلى المعينيين. ويرى بعض الباحثين أن استيلاء المكرب المذكور، كان في أواسط القرن الثامن، قبل الميلاد، وقد أمر بإحاطة تلك المدينة بسور، وقد توسعت رقعتها، إلا أنها لم تلبث أن انفصلت من السبئيين، ثم عاد السبئيون فاستولوا عليها، في أيام المكرب والملك "كريب ايل وتر"٣. وحكم بعد "يدع ايل بين" المكرب "يثع أمر"، على رأي "هومل"، ولم يشر إلى نعته. ويرى "هومل" احتمال كونها ابنًا لـ "يدع ايل بين" أو شقيقًا له٤. أما "فلبي"، فيرى أن "يثع أمر" هو أحد أولاد "سمه علي ينف" "سمه علي ينوف"٥. وهو شقيق "يدع ايل بين"، وقد ورد اسمه في النص ٦CIH ٥٦٣ فيكون بذلك –على رأيه- ابن شقيق "يدع ايل". لا ابنه، وذكر "فلبي" أنه عرف بـ "يثع أمر وتر" وجعله معاصرًا للملك سرجون٧. والنص CIH ٥٦٣ مكتوب على الطريقة "الحلزونية"، ويتألف من جملة أسطر، وقد ورد فيه نعت "يثع أمر"، وهو "وتر"٨.

стр. 997

وقد ورد في كتابة من كتابات الملك "سرجون" الثاني "٧٢٢- ٧٠٥ ق. م." أنه تسلم هدايا من عدد من الملوك، من جملتهم "يثع أمر" ItfAmra Matsa – Ba’- ai lt –Amra السبئي، والملكة "شمس" ملكة "اربي" "عربي" وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن "يثع أمر" المذكور في نص "سرجون" هو "مكرب" سبأ هذا الذي نتحدث عنه١. غير أن النص لم يحدد مكان حكم ذلك الملك السبئي، ولهذا ذهب بعض آخر إلى احتمال كونه أحد الملوك السبئيين الحاكمين في شمال جزيرة العرب على مقربة من البادية في أعالي الحجار أو نجد مثلًا، أو في الأرض الواقعة في المناطق الجنوبية من الأردن٢. وكان "هومل" ممن يرون أن "يثع أمر" المذكور في نص "سرجون" هو أحد الملوك السبئيين الحاكمين على قبيلة سبئية في شمال جزيرة العرب، غير أنه غير رأيه هذا، وجعل "يثع أمر" هو "يثع أمر" الذي نبحث فيه، أي مكرب سبأ، وذلك عندما عثرت بعثة ألمانية على كتابة للملك "سنحريب" "سنحاريب"، جاء فيها: أنه تناول هدية من ملك سبئي هو "كرب ايلو" "كرب ايل"، فتيقن عندئذ أن الرجلين المذكورين اللذين قدما الهدايا هما المكربان: "يثع أمر" و "كرب ايل"٣. ولا أجد في تلك الهدايا علامة على خضوع سبأ لحكم الآشوريين، إذ أستبعد بلوغ نفوذ الآشوريين في ذلك الزمن إلى أرض اليمن، ولو كان الآشوريون قد استذلوا السبئيين اليمانيين وحكموهم لذكروا اسمهم في جملة الأمم التي استبعدوها. والرأي عندي أن تلك الهدايا هي مجرد تعبير عن الصداقة التي كانت تربط بين آشور وسبأ، خاصة وأن بين اليمن والعراق تجارة مستمرة قديمة ومواصلات

стр. 998

متصلة، فلتوطيد الصداقة بين الحكومتين وتسهيل التبادل التجاري بين العراق واليمن أرسل حكام سبأ تلك الهدايا كما فعل أهل مكة وهم قوم تجار فيما بعد، فقد كانوا يتوددون للأكاسرة ولملوك الحيرة بإرسال الهدايا النفيسة لهم، لكسب ودهم من تسهيل أمور تجارتهم مع أسواق العراق. وإذا أخذنا برأي من يقول: إن "يثع أمر" المذكور في نص "سرجون"، هو "يثع أمر" الذي نبحث فيه، يكون إرسال الهدايا والألطاف إلى "سرجون" في حوالي السنة "٧١٥ ق. م."١، وقد قدر "فلبي" حكمه بحوالي عشرين سنة، وجعله من حوالي سنة "٧٢٠" حتى سنة "٧٠٠ ق. م."٢. وتولى الحكم بعد "يثع أمر وتر" ابنه المكرب "كرب ايل بين"، وقد ذكر اسمه في الكتابة٣CIH ٦٢٧ وهي كتابة قصيرة ناقصة، ورد فيها اسم "كرب ايل بين" ومعه اسم والده "يثع أمر"، ولم يذكر فيها نعت "يثع أمر" وهو "وتر" وذكرت بعد اسم "يثع أمر" كلمة "مكرب سبأ"٤ وورد اسمه واسم أبيه "يثع أمر" في كتابات أخرى، ذكرت في بعضها لفظة "وتر"، بعد "يثع أمر"٥، وذكرت في بعض آخر كلمة "مكرب"، ولم تذكر في غيره. وقد ورد في الكتابة CIH ٦٣٤: أن "كرب ايل بين" وسع حدود مدينة "نشق" بمقدار ستين "شوحطًا"٦، وحسن المدينة. وورد في أخبار "سنحريب" أنه تسلم هدايا من "كرب ايلو" Ka- ri- bi- lu ملك سبأ، من جملتها أحجار كريمة وعطور، وقد ذهب الباحثون في هذا الموضوع إلى أن هذا السبئي، الذي قدم الهدايا إلى ملك آشور، هو "المكرب كرب آل بين" الذي نبحث عن سيرته. وإن كان النص الآشوري قد نعته بـ "ملك"؛ وذلك لأن الآشوريين لم يكونوا على علم بألقاب حكام سبأ،

стр. 999

فلقبوه بلقب "ملك"١. وقد جعل "هومل" اسم "كرب ايل بين" في آخر المجموعة الأولى من مجموعات مكربي سبأ. ووضع إلى جنبه اسم "سمه علي ينف"، وصارت مجموعته هذه بذلك على هذا النحو: ١- سمه علي "دون نعت". ٢- يدع ايل ذرح. ٣- يثع أمر وتر. ٤- يدع ايل بين. ٥- يثع أمر "لا يعرف نعته". ٦- كرب ايل "بين" و "سمه علي ينف"، ولعله كان يشارك شقيقه "كرب ايل بين" في الحكم٢. وولي الحكم بعد "كرب ايل بين" ابنه المكرب "ذمر علي وتر"، وإليه تعود الكتابة الموسومة بـ "Halevy ٣٤٩ وقد جاء فيها: أن هذا المكرب أمر يتوسع مدينة "نشقم"، أي "نشق"، وبإصلاح الأرضين المحيطة بها، وبتحسين نظم الري فيها، وذلك فيما وراء الحد الذي وضعه أبوه لهذه المدينة، وأنه قد جعل ذلك وقفًا على شعب سبأ٣. ويظهر من عناية المكربين بمدينة "نشق"، وهي مدينة معينية في الأصل أن السبئيين وجدوها أرضًا خصبة غنية ومهمة بالنسبة إليهم، وقد صارت خرابًا فقرروا إصلاح ما تخرب منها، واستصلاح أرضها لإسكان السبئيين فيها، ووسعوا في حدودها، وأصلحوا ما تداعى ووهن من نظم الري فيها، ووزعوا الأرضين الزراعية منها على أتباعهم السبئيين وحولوها، بذلك إلى مدينة سبئية٤. وقد كانت الشعوب القديمة تتبع هذه السياسية، حيث كانت تستقطع الأرض من المدن التي

стр. 1000

تفتحها، وتعطيها أفرادها، للسكن فيها ولإعمارها وللهيمنة على أهل المدينة الأصليين. وقد جاء في إحدى الكتابات: أن هذا المكرب أمر بتجديد ما تلف وتداعى من معبد الإله "عثتر"، وإصلاحه، ولم يرد فيها ذكر اسم الموضوع الذي كان فيه ذلك المعبد١. كما جاء اسمه في كتابة أخرى دونها قيل "قول" كان يحكم قبيلة "يهزحم" و"يزحم"٢. وتولى بعد المكرب "ذمر علي" ابنه المكرب "سمه علي ينف" "سمه علي ينوف" الحكم، وقد ذكر اسمه في كتابات عدة من أهمها كتابة تشير إلى تعمير هذا المكرب سد "رحبم" "رحاب" للسيطرة على مياه الأمطار والاستفادة من السيول٣. وهو جزء من المشروع المعروف بـ "سد مأرب" الذي نما على مرور الأيام، وتوسع حتى كمل في زمن "شهر يهرعش" في نهاية القرن الثالث للميلاد، فصارت تستفيد منه مساحة واسعة من الأرض٤. وقد بقي قائمًا إلى قبيل الإسلام، وعد سقوطه نكبة كبيرة من النكبات التي أصابت العربية الجنوبية، حتى ضرب بسقوطه المثل، فقيل: "تفرقوا أيدي سبأ"؛ ذلك لأن سقوطه أدى إلى تفرق السبئيين، وإلى هجرتهم من بلادهم التي ولدوا فيها وإلى تفرقهم شذر مذر في البلاد. وتخبر الكتابة الموسومة بـ Glaser ٥١٤ أن المكرب "سمه علي ينف" ثقب، حاجزًا من الحجر، وفتح ثغرة فيه لمرور المياه منها إلى سد "رحبم" "رحاب" لتسيل إلى منطقة "يسرن"٥ "يسران"، وهي منطقة ورد اسمها في كتابات عديدة، وكانت تغذيها مسايل وقنوات عديدة تأتي بالماء من حوض هذا المسند٦. وتبتلع ماءها من مسيل "ذنة" وهو من المسايل الكبيرة، فتغذي أرضًا خصبة

стр. 1001

لا تزال على خصبها، ومن الممكن الاستفادة منها فائدة كبيرة باستعمال الوسائل الحديثة في إيجاد المياه١. وكتابة هذا المكرب، هي أقدم وثيقة وصلت إلينا عن سد "مأرب"، أنها شهادة مهمة تشير إلى مبدأ تأريخ هذا السد، ولكنني لا أستطيع أن أقول أن السد، كان من تفكير هذا المكرب وعمله، وأنه أول من شق أساسه ووضع بنيانة، فقد يكون السد من عمل أناس غيره حكموا قبله، وما المشروع الذي أقامه هذا المكرب إلا تتمة لذلك المشروع القديم. إن هذه الكتابة هي وثيقة ترجع تأريخ السد إلى جملة مئات من السنين سبقت الميلاد. ترجعه إلى حوالي السنة "٧٥٠ ق. م." على رأي بعض الباحثين٢. وقد ورد اسم هذا المكرب في عدد من الكتابات أكثرها متكسرة٣. وسار المكرب "يثع أمر بين" على سنة أبيه المكرب "سمه علي ينف" في العناية بأمور الري، فأدخل تحسينات كبيرة على سد مأرب، وأنشأ له فروعًا جديدة، ففتح ثغرة في منطقة صخرية لتسيل منها المياه إلى أرض "يسرن" "يسران"٤. وزاد بعمله هذا في التحكم والسيطرة على مياه السيول، وفي تسخير الطبيعة لخدمة الإنسان، وعمل على تعلية سد "رحبم" "رحاب" القديم وتقويته، فوسع بذلك الأرضين الزراعية، وزاد في ثروة أهل "مأرب" الذين زاد عددهم، حتى تغلب على عدد سكان "صرواح" عاصمة المكربين، وتمكنت "مأرب" بذلك من منازعة هذه العاصمة، إلى أن تغلبت عليها، فصارت العاصمة للبسئيين ومقر حكام سبأ، وصاحبة معبد "المقه" إله سبأ الكبير٥. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن المكرب "سمه علي ينف" والمكرب "يثع أمر بين "كانا المؤسسين الأصليين لسد مأرب، ويرجعون زمانهما إلى القرن السابع قبل الميلاد، فيكون إنشاء السد إذن في هذا الزمن على رأي هؤلاء الباحثين

стр. 1002

وقد استمر من جاء بعدهما في إصلاحه وفي إضافة زيادات إليه وفي توسيعه وترميمه، إذ أصيب مرارًا بتلف اضطر الحكومات إلى إصلاحه. وقد أشير في الكتابات إلى تهدم جزء منه في سنة "٤٥٠ ب. م." وسنة "٥٤٢ ب. م."١. وقد كان آخر ترميم وإصلاح له في أيام "أبرهة"، والظاهر أن تلفًا أصابه بعد ذلك فيما بين السنة "٥٤٢ ب. م." والسنة "٥٧٠ ب. م."، فلم يصلح فترك الناس مزارعهم، واضطروا إلى الهجرة منها، وإلى ذلك وردت الإشارة في القرآن الكريم٢. وإلى هذا المكرب تعد الكتابة الموسومة بـ "Philby ٧٧ وقد جاء فيها: أنه سور وحصن قلعة "حرب" "حريب"٣، ويشير تحصين المدن وبناء القلاع والتوسع في الأرضين، التي تعود إلى شعوب أخرى مثل، قتبان ومعين، وإلى توسع السبئيين في عهد المكربين، وإلى اتخاذ هذه الحصون مواقع هجومية تشب منها جيوشهم على جيرانهم الذين أصاب حكوماتهم الضعف والهزال. وقد هاجم هذا المكرب القتبانيين كما يظهر من كتابة عثر عليها في مأرب، فقتل منهم زهاء أربعة آلاف جندي في عهد ملك قتبان الملك "سمه وتر"، ثم هاجم مملكة "معين"، ولا نعرف الخسائر التي لحقت بالمعينيين، للكسر الذي في الكتابة، غير أن الظاهر يدل على أنه انتصر عليهم، ثم عقب ذلك إخضاع القبائل والمدن التي لم تكن خاضعة لسبأ حتى أرض "نجران"، وقد أوقع بـ "مهأمرم" "مهامرم" و "أمرم" "امرم" خسائر كبيرة، فقتل منها في المعارك التي نشبت قرب "نجران" زهاء خمسة وأربعين ألف رجل، وأسر "٦٣" ألف أسير وغنم واحدًا وثلاثين ألف ماشية، وأحرق ودمر عددًا من قراها ومدنها٤. وذكر صاحب الكتابة أن المدن التي أحرقت مدينة "رجمت" "رجمة" مدينة "لعذرايل" ملك "مهامر" "مهأمرم"٥. والظاهر أن هذه المدينة

стр. 1003

كانت عاصمة الملك، وأحرقت أيضًا أكثر قرى هذه المملكة ومدنها وجميع المدن بين "رجمت" "رجمة" "رجمات" و"نجران"١. وقد ذكر "الهمداني" موضعًا سماه "رجمه" في اليمن٢. وهو اسم يذكرنا بمدينة "رجمت" "رجمة"، وقد يكون هو المكان المذكور. وقد قام المكرب "يثع أمر بين" بأعمال عمرانية عديدة، منها بناؤه بابين لمدينة "مأرب"، وتحصينه للمدينة ببروج بناها من "البلق" نوع من الحجر. وقد بنى "مرشوم" ومعبد "نسور"، ومعبد "علم"، ومعبدًا في "ريدن" "ريدان"، ومعبدًا آخر لعبادة "ذات بعدن" "ذات بعدان" في "حنن" "حنان" وبنى "عدمن" "عدمان" وعدة أبنية بإزاء باب معبد "ذهبم" "ذهب"، وحفر مسيل "حببض" "حبابض"، ووسع مجرى "رحبم" "رحاب"، وعمقه حتى غذى مناطق واسعة جديدة من "يسرن" "يسران"، وبنى سد "مقرن" "مقران"، وأوصل مياه "مقران" إلى "أبين"، وكذلك سد "يثعن" "يثعان" حيث أوصل مياهها إلى "أبين"، وسد "منهيتم" "منهيت" و "كهلم" "كهل" الواقع مقابل "طرقل"٣. هذه الأعمال الهندسية التي قام بها هذا المكرب وأسلافه من قبله، للاستفادة من مياه الأمطار، هي من المشروعات الخطيرة التي ترينا تقدم أهل العربية الجنوبية في فن الري والاستفادة من الأمطار في تحويل الأرض اليابسة إلى جنان. ولسنا نجد في التأريخ القديم إلا ممالك قليلة فكرت في مثل هذه المشروعات وفي التحكم في الطبيعة للاستفادة منها في خدمة الإنسان٤. لقد حول هذه السد أرض "أذنة" أو "ذنة" إلى جنان ترى آثارها حتى الآن، إنها مثل حي يرينا قدرة الإنسان على الإبداع متى شاء واستعمل عقله وسخر يده. وليست هذه القصص والحكايات التي رواها الأخباريون عن سد "مأرب" وعن جنان سبأ باطلًا، إنها صدى ذلك العمل العربي الكبير٥.

стр. 1004

وقد ظل حكام سبأ الذين حكموا من بعدها يجرون إصلاحات، ويحدثون إضافات على سد مأرب، ويرممون ما يتصدع منه، كما يظهر ذلك من الكتابات، وقد تعرض مع ذلك للتصدع مرارًا، وكان آخر حدث مهم وقع له هو التصدع الذي حدث فيه سنة "٥٤٢ ق. م." وذلك في أيام أبرهة. ويظهر أن تصدعًا آخر وقع له بعد هذه السنة، فأتى عليه، واضطر من كان يزرع بمائه إلى ترك أرضهم، والهجرة منها إلى أٍرضين جديدة١. ويظهر من كتابة ناقصة أن هذا المكرب أنشأ أبنية في مدينة "مأرب"، وقد أخذت عناية حكام سبأ بهذه المدينة تزداد، إلى أن صارت مقرهم الرسمي، وبذلك أخذ نجم "صرواح" في الأفول إلى أن زال وجودها. وذكر اسم هذا المكرب في كتابة أخرى دونت عند تشييده "مذبحًا" عند باب "نومم" "نوم"، لاحتفاله بموسم الصيد المسمى باسم الإله "عثتر" "صيد عثتر"٣. ولا نعرف اليوم شيئًا عن هذا الصيد الذي خصص باسم الإله "عثتر"؛ لأن الكتابة قصيرة وعباراتها غامضة، ولكن يظهر منها أن مكربي سبأ كانوا يحتفلون في مواسم معينة للصيد، وأنهم كانوا يجعلون صلة بينه وبين الآلهة، ولعلهم كانوا يفعلون ذلك تسميًا بأسماء تلك الآلهة، لتبارك لهم فيه، ولتمنحهم صيدًا وفيرًا. وقد عثر على كتابات حضرمية وغيرها، لها صلة بالاحتفالات التي كانت تقام للصيد. وذكر في كتابة قصيرة اسم "يثع أمر بن سمه علي" فلم تعطنا شيئًا جديدًا يفيد في استخراج مادة تأريخية منها٤. وقد وضع "فلبي" اسم "ذمر علي ينف" "ذمر علي ينوف" بعد اسم المكرب السابق في قائمته لأسماء المكربين التي نشرها في مجلة:Le Museon

стр. 1005

وأبوه، هو "يكرب ملك وتر"١. أما "هومل"، فوضع اسم "ذمر علي" بعد اسم "يثع أمر بين" وأشار إلى أنه غير متيقن من اسم أبيه، وذكر أن من المحتمل أن يكون أبوه المكرب "يثع أمر بين"٢. وقد ورد في النص: AF ٧٠ اسم "يكرب ملك وتر"٣. ولم يشر إلى أنه كان مكربًا، وقد دون "فلبي" أرقام عدة نصوص، لها –على رأيه- صلة بـ "ذمر علي" منها النص: CIH ٤٩١، وهو نص سقطت منه أسطر وكلمات، ووردت فيه أسماء الآلهة "هبس" "هوبس" و "المقه" و"عثتر" و "ذت حمم" "ذات حمم" وأسماء: "كرب آل" و"ذمر علي" و "الكرب" و"نشا كرب" "كبراقين" أي "كبير أقيان"٤. ويعد "كرب ايل وتر" خاتمة المكربين وفاتحة الملوك في سبأ، افتتح حكمه وهو "مكرب" على سبأ، ثم بدا له فغير رأيه في اللقب، فطرحه، ولقب نفسه "ملك سبأ" وسار من حكم بعده على سنته هذه، فلقب نفسه "ملك سبأ" إلى أن استبدل فيما بعد أيضًا به لقب "ملك سبأ وذي ريدان" كما سنرى فيما بعد. أما إذا سألنا عن كيفية حصولنا على علمنا بأن "كرب ايل وتر" بدأ حكمه مكربًا ثم ختمه ملكًا، فجوابنا: أننا حصلنا عليه من الكتابات المدونة في أيامه، فقد وجدنا أن لقبه في الكتابات القديمة الأولى هو "مكرب"، فعلمنا أنه تولى الحكم مكربًا، ثم وجدنا له لقبًا آخر هو "ملك سبأ"، فعرفنا أنه لقب جديد حل محل اللقب القديم، ثم وجدنا من جاء بعده يحمل هذا اللقب الجديد، فصار "كرب ايل وتر" آخر مكرب وأول ملك في سبأ في آن واحد٥. ويرجع "فلبي" زمان حكم "كرب آل وتر" إلى حوالي السنة "٦٢٠" حتى "٦٠٠ ق. م."٦. وقد زعم أنه حكم من "٦٢٠" حتى سنة "٦١٠ ق. م."

стр. 1006

مكربًا، ثم حكم السنين الباقية ملكًا١. ورأى بعض آخر أنه حكم في نهاية القرن الخامس قبل الميلاد٢. وذهب بعض آخر في التقدير مذهبًا يخالف هذين التقديرين. وقد كان "كرب ايل وتر" كما يتبين من بعض الكتابات التي دونت في أيامه مثل الكتابة الموسومة بكتابة "صرواح"٣ وكتابات أخرى سأشير إليها في أثناء البحث محاربًا سار على خطة المكرب "يثع أمر بين" في التوسع وفي القضاء على الحكومات العربية الجنوبية الأخرى، أو إخضاعها لحكمه ولحكم السبئيين، بل زاد عليه في توسيع تلك الحروب، وفي إضافة أرضين جديدة إلى سبأ، زادت في رقعتها وفي مساحة حكومة السبئيين، ولكنها أنزلت خسائر فادحة بالأرواح، وأهلكت الزرع والضرع والناس في العربية الجنوبية، وإن كان قد قام من ناحية أخرى بأعمال عمرانية وبإصلاح ما تهدم وخرب، فإن الحرب ضرر، ينزل بالخاسر وبالرابح على حد سواء، وما الربح في هذه الحروب إلا للملوك وللمقربين إليهم من أقرباء وصنائع. وكتابة "صرواح" التى أشرت إليها، هي من أخطر الوثائق التأريخية القديمة التي تتعلق بأخبار سبأ وبأعمال هذا المكرب الملك، دون فيها "كرب ايل وتر" كل ما قام به من أعمال حربية وغير حربية، فهي إذن سجل سطرت فيه بإيجاز أعمال المكرب الملك وأفعاله، ولذلك فهي بحق من الوثائق المهمة الخطيرة القليلة التي وصلت إلينا في تأريخ الحكام الجاهليين افتتحها بجملة: "هذا ما أمر بتسطيره كرب ايل وتر بن ذمر علي مكرب سبأ عندما صار ملكًا، وذلك لإلهه المقه ولشعبه شعب سبأ"٤. تعبيرًا عن شكره له ولبقية الآلهة على نعمها وآلائها وتوفيقها له بأن صيرته ملكًا، وأنعمت على شعبه بالمنن والبركات، بأن نحر ثلاث ذبائح إلى الإله "عثتر"، إظهارًا لشكره هذا وتقربًا إليه، وكسا صنمي الإلهين: "عثتر" و"هوبس" "هبس"، تقربًا إليهما وشكرًا لهما على نعمهما عليه، ثم انتقل إلى تمجيد آلهته التي وحدت صفوف شعبه بأن جعلت أتباعه

стр. 1007

كتلة واحدة متراصة كالبنيان المرصوص، أدى واجبه على أحسن وجه، وقام بما عليه خير قيام، لا فرق في ذلك بين كبير وصغير، وبين طبقة وطبقة، ثم انتقل بعد هذا الحمد والثناء إلى حمد آخر وثناء جديد سطره لآلهته إذ باركت في أرضه وأرض شعبه، ووهبت أرض سبأ مطرًا سال في الأودية، فأخذت الأرض زخرفها بالنبات، وإذ مكنته من إنشاء السدود، وحصر السيول حتى صار في الإمكان إسقاء الأرضين المرتفعة، وإحياء الأماكن التي حرمت الماء، كذلك إحياء أرضين واسعة بإنشاء سد لحصر مياه الأمطار يتصل بقناة "عهل" لسقي "ماودن" "مأدون" والأٍرضين الأخرى التي لم تكن المياه تصل إليها، فوصلت إليها بامتلاء حوض السد بالماء، حتى سقت "موترم" "موتر" التي جاءها الماء من "هودم" "هوديم" "هودي"، وبإنشائه مسايل أوصلت المياه إلى "ميدعم" "ميدع" و"وتر" و"وقه"، ونظم الري في "ريمن" "ريمان" حتى صارت المياه تسقي كل أرض١. وانتقل "كرب ايل وتر"، بعد ما تقدم إلى التحدث عن حروبه وانتصاراته فأشار إلى أنه غلب "سادم" "سأد" و "نقبتم" "نقبت" "نقبة"، وأحرق جميع مدن "معفرن" "المعافر"، "وقهر "ضبر" "ضلم" "ضلم" و"أروى" وأحرق مدنهم، وأوقع فيهم فقتل ثلاثة آلاف، وأسر ثمانية آلاف، وضاعف الجزية التي كانوا يدفعونها سابقًا، وفي جملتها البقر والماعز٣. ثم انتقل إلى الكلام على بقية أعماله، فذكر أنه أغار على "ذبحن ذ قشرم" "ذبحان ذو قشر" وعلى "شركب" "شرجب"، وتغلب عليهما، فأحرق مدنهما، واستولى على جبل "عسمت" "عسمة" وعلى وادي "صير"، وجعلهما وقفًا لألمقه ولشعب سبأ، وهزم "أوسان" في معارك كلفتها ستة عشر ألف قتيل وأربعين ألف أسير. وانتهبت جميع "وسر" من "لجاتم" "لجأتم" حتى "حمن" "حمان"، وأحرقت جميع مدن "انفم" "أنف" و"حمن" "حمان" و"ذيب"، ونهبت "نسم"٣. ويرى بعض الباحثين أن "لجيت" "لجيأت" "لجيأة"، هو موضع

стр. 1008

"لجية" في الزمن الحاضر، وأن "حمن" هو موضع يقع على مدخل "وادي حمان"، أو الموضع المسمى بـ "هجر السادة".. وأما "وسر"، فإنها أرض "مرخة" أو جزء منها١. وأصيبت الأرضون التي تسقى بالمطر وهي "رشأى" و "جردن"، بهزيمة منكرة، ونزل بأرض "دثينة" ما نزل بغيرها من هزائم منكرة، وأحرقت مدنها وهتكت مدينة "تفض" واستبيحت ثم دمرت وأحرقت، ونهبت قراها وبساتينها التي تقع في الأرضين الخصبة التي تسقى بماء المطر، وفعلت جيوشه هذا الفعل في الأرضين الأخرى إلى أن بلغت ساحل البحر فأحرقت أيضًا كل المدن الواقعة عليه٢. ويظهر من نص "كرب ايل" أن موقع مدينة "تفض"، يجب أن يكون بين أرض "دتنت" والبحر، ولما كانت "دهس" تتاخم ""عود" من جهة و "تفض" من جهة أخرى ذهب بعض الباحثين إلى أن أرض "دهس" هي أرض "يافع" في الزمن الحاضر. أما "تفض" فإنها الخرائب الواسعة المتصلة بمدينة "خنفر"٣. وقد عرفت "يافع" بـ "سروحمير" في أيام "الهمداني"، ولا زال أهل يافع يرجعون نسبهم إلى حمير٤. وتكون الهضاب الواقعة وراء دلتا "أبين" أرض "يافع" في الوقت الحاضر. وقد رأى "فون وزمن" أن "دهس" "دهسم" التي يرد اسمها في النص: REP. EPIG ٣٩٤٥ هي أرض "يافع"٥. وذكر "كرب ايل وتر" أنه ضرب "وسر" ضربة نكراء واستولى على كل مناطقها إلى أن بلغ أرض "أوسان" في أيام ملكها "مرتم" مرتوم" "مرتو"، "مرت"، "مرة" فأمر جنوده بأن يعملوا في شعبها أوسان السيف، واستذل رؤساءه وجعل رؤساء "المزود" "المسود" وهم رؤساء البلد، رقيقًا للآلهة "سمهت" وقرابين لها، وقرر أن يكون مصير ذلك الشعب

стр. 1009

الموت والأسر، وأمر بتحطيم قصر الملك "مرتوم" "مرتم" "مرة" المسمى "مسور" "مسر"، ومعالم ما فيه من كتابات أوسانية، وإزالة الكتابات الأوسانية التي كانت تزين جدران معابد أوسان، ولما تم له كل ما أراده ورغب فيه، أمر بعودة الجيش السبئي، من أحرار وعبيد، من أرض أوسان ومن المقاطعات التابعة لها، إلى أرض سبأ، فعاد إليها كما صدر الأمر١. وتذكر الكتابة: أن الملك "كرب ايل" أمر عندئذ بضم "سرم" "سرو" "سروم" وتوابعها، وكذلك "حمدن" "حمدان" ولواحقها، إلى حكومة سبأ، وسلم إدارة "سرم" إلى السبئيين، وأحاط المدينة بسور، وأعاد الترع والقنوات ومسايل الماء إلى ما كانت عليه، وأما "دهسم" "دهس" و "تبنى" فقد حلت بسكانهما الهزيمة، وقتل منهم ألفا قتيل وأسر خمسة آلاف أسير، وأحرقت أكثر مدنها، وأدمجتا ومعهما مقاطعة "دثينة" دثنت"، في سبأ، أما مقاطعة "عودم" "عود"، فقد أبقيت لملك "دهسم" "دهس". وقد عد "العوديون" الذين انفصلوا عن أوسان حلفاء لسبأ، فأبقيت لهم أملاكهم والأرضون التي كانت لهم٢. وكانت "عود" من أرض "أوسان" في الأصل، ثم خضعت لـ "مذحي" "مذحيم" ويرى بعض الباحثين أنها "عوذلة" في الزمن الحاضر٣. وجاء في هذه الكتابة، وبعد الجملة المتقدمة، أن "انفم" "أنف" وكل مدنها وجميع ما يخصها من أرضين زراعية وما فيها من أودية ومراعي، وكذلك كل أرض "نسم" و "رشاي" "رشأي" وكل الأٍرضين من "جردن" "جردان" إلى "فخذ علو" "وعرمو"، وكذلك جميع المدن والنواحي التابعة لـ "كحد" وسيبن" "سيبان" والمدن "اتخ" "أتخ" "وميفع" و "رتحم" وجميع منطقة "عبدن" "عبدان" ومدنها وجنودها أحرارًا وعبيدًا، و"دثينة أخلفوا" و"ميسرم" "ميسر" و"دثينة تبرم" "دثينة تبر" "وحرتو" وكل المدن والأودية والمناطق والجبال والمراعي في منطقتي "دث" "داث" وكل أرض "تبرم" "تبرم" وما فيها من سكان

стр. 1010

وأملاك وأموال حتى البحر، وكذلك كل المدن من "تفض" إلى اتجاه "دهس" والسواحل وكل بحار هذه الأرضين، ومناطق "يل أي" و"سلعن" "سلعان" و"عبرت" "عبرة" و"لبنت" "لبنة" ومدنها ومزارعها، وجميع ما يملكه "مرتوم" ملك أوسان وجنوده في "دهس" و "تبنى" و"يتحم" وكذلك "كحد حضنم" "كحد حضن" وجميع سكان هذه المناطق من أحرار ورقيق وأطفال وكبار، كل هذه من بشر وأملاك جعلها "كرب ايل وتر" ملكًا لسبأ ولآلهة سبأ. ويظن أن موضع "ميسرم" "ميسر"، وهو من مواضع أرض "دثينة" هو أرض قبيلة "مياسر" في الزمن الحاضر، وقد ذكر بعض السياح أن في أرض "مياسر" سبع آبار ترتوي منها القبيلة المذكورة التي تقطن أرض "دثينة" القديمة١. ولفظة "سيبن" "سيبان" الواردة في النص، هي اسم قبيلة، ورد ذكرها في نص متأخر جدًّا عن هذ النص، هو نص "حصن غراب" ومعنى ذلك أنها من القبائل التي ظلت محافظة على كيانها إلى ما بعد الميلاد، فقد أشير إلى "كبر" "كبراء" وإلى "أقيال" "سيبان" وورد "سيبن ذ نصف" أي "سيبان" أصحاب "نصف" "نصاف" ويرى بعض الباحثين أن موضع "نصاف" "نصف"، هو الموضع الذي يقال له "نصاب" في الزمن الحاضر٢. وأما "ميفع" "ميفعة" فتقع في الزمن الحاضر في غرب "وادي نصاب" وفي غرب وادي "خورة" وأما "رتح" "رتحم"، فهو اسم قبيلة واسم مدينة في أرض "سيبان"، وقد ذكر أيضًا في جملة القبائل التي وردت أسماؤها في نص "حصن غراب" وأما "عبدن" "عبدان"، فإنه اسم موضع يقع في جنوب "نصاب" في الزمن الحاضر. وقد قال فيه "كرب ايل" في نصه: "وكل أرض عبدان ومدنها وواديها وجبلها ومراعيها وجنود عبدان أحرارًا وعبيدًا"٣.

стр. 1011

معبرًا بذلك عن تغلبه على كل أهل هذه الأرض من مدنيين وعسكر، حضر وأهل بادية ومراعٍ١. وقد صير "كرب ايل وتر" كل أرض "عبدن" "عبدان" أرضًا حكومية، وتقع في الزمن الحاضر في سلطنة "العوالق العليا"، ويلاحظ أن "وادي عبدان" ما زال حتى اليوم بقراه وبمياهه من أرض السلطان، أي أنه أرض حكومية تخص السلطنة٢. واستمر "كرب ايل وتر" مخبرًا في كتابته هذه: أنه سجل جميع "كحد" وكل سكانها من أحرار ورقيق بالغين وأطفالًا، وكل ما يملكونه، القادرين على حمل السلاح منهم، وجنود "يل أي "و "شيعن" وعبرت" "عبرة" وأطفالهم، غنيمة لسبأ، ثم ذكر أنه نظرًا إلى تحالف ملك حضرموت الملك "يدع ايل" وشعب حضرموت مع شعب سبأ في هذا العهد ومساعدتهم له، أمر بإعادة ما كان لهم من ملك في "أوسان" إليهم، وأمر بإعادة ما كان للقتبانيين ولملك قتبان من ملك في "أوسان" إليهم كذلك، للسبب نفسه٣. فأعيدت تلك الأملاك إلى الحضارمة وإلى القتبانيين. ثم عاد "كرب ايل" فتحدث عن عداء أهل "كحد سوطم" لسبأ وعن معارضتهم له، فقال: إنه أمر جيشه بالهجوم عليهم، فأنزل بهم هزيمة منكرة وخسائر جسيمة، فسقط منهم خمس مائة قتيل في معركة واحدة، وأخذ منهم ألف طفل أسير وألفي حائك ما عدا الغنائم العظيمة والأموال النفيسة الغالية وعددًا كبيرًا من الماشية وقع في أيدي السبئيين٤. وتحدث "كرب ايل" بعد ذلك عن "نشن" "نشان"، وقد عارضته كذلك وناصبته العداء فذكر أنها أصيبت بهزيمة منكرة، فاستولت جيوشه عليها، وأحرقت كل مدنها ونواحيها وتوابعها، ونهبت "عشر" و"بيحان" وكل ما يخصها من أملاك وأرضين، وذكر أن "نشان" "نيشان" عادت فرفعت راية العصيان للمرة الثانية، لذلك هاجمها السبئيون وحاصروها وحاصروا

стр. 1012

مدينة "نشق" معها ثلاثة أعوام، كانت نتيجتها ضم "نشق" وتوابعها إلى دولة سبأ، وسقوط ألف قتيل من "نيشان" "نشان" "نشن" وهزيمة الملك "سمه يفع" هزيمة منكرة، وانتزاع كل ما كانت حكومة سبأ قد أجرته من أرضين لـ "نشن" وأعادتها ثانية إلى سبأ، وتمليك مملكة سبأ المدن: "قوم" و"جوعل"، و"دورم" و"فذم" و "أيكم" وكل ما كان لـ "سمه يفع" ولـ "نشن" من ملك في "يأكم" "ياكم"، وكذلك كل ما كان لمعبد الأصنام الواقع على الحدود من أملاك وأوقاف حتى "منتهيتم" فسجلها باسمه وباسم سبأ١. وصادرت سبأ أرض "نشن" الزراعية وجميع السدود التي تنظم الري فيها، مثل "ضلم"، و"حرمت"، وماء "مذاب" الذي كان يمون "نشن" وأماكن أخرى بالماء، وسجلت ملكًا لسبأ، وخرب سور "نشن" ودمره حتى أساسه، أما ما تبقى من المدينة، فقد أبقاه، ومنع من حرقه، وهدم قصر الملك المسمى "عفرو" "عفر"، وكذلك مدينته "نشن"، وفرض كفارة على كهنة آلهة المدينة الذين كانوا ينطقون باسم الآلهة، ويتكهنون باسمها للناس، وحتم على حكومة "نشن" إسكان السبئيين في مدينتهم وبناء معبد لعبادة إله سبأ الإله "المقه" في وسط المدينة، وانتزع ماء "ذو قفعن" وأعطاه بالإجارة لـ "يذمر ملك" ملك "هرم" "هريم"، وانتزع منها كذلك السد المعروف بـ "ذات ملك وقه" وأجره لـ "نبط علي" ملك "كمنه" "كمنا"، ووسع حدود مدينة "كمنه" "كمنا" من موضع سد "ذات ملك وقه" إلى موضع الحدود حيث النصب الذي يشير إليه، وسور "كرب ايل" مدينة "نشق" وأعطاها سبأ لاستغلالها، وصادر "يدهن" و "جزيت" و "عريم"، وفرض عليها الجزية تدفعها لسبأ٢. وانتقل "كرب ايل" بعد هذا الكلام إلى الحديث عن أهل "سبل" و"هرم" "هربم" "و "فنن"، فذكر أن هذه المدن غاضبته وعارضته، فأرسل عليها، جيشًا هزمها، فسقط منها ثلاثة آلاف قتيل، وسقط ملوكها قتلى كذلك، وأسر منهم خمسة آلاف أسير. وغنم منهم خمسين ومائة ألف من الماشية، وفرض

стр. 1013

الجزية عليهم عقوبة لهم، ووضعهم تحت حماية السبئيين١. وكان آخر من تحدث عنهم "كرب ايل" في كتابته هذه أهل "مهامر" "مه أمر" "مهأ مرم" "مهأمر"، و "أمرم" "أمر"، فذكر أنه هزمهم وهزم كذلك كل قبائل "مه امرم" "مهأ مرم"، و"عوهبم" "عوهب" "العواهب"، حيث تكبدوا خمسة آلاف قتيل، وأسر منهم اثني عشر ألف طفل، وأخذ منهم عددًا كبيرًا من الجمال والبقر والحمير والغنم يقدر بنحو مائتي ألف رأس، وأحرقت كل مدن "مه أمرم" وسقطت "يفعت" "يفعة" فدمرت وصادر "كرب ايل" مياه "مه أمرم" في "نجران" وفرض على أهل "مه أمر" الجزية يدفعونها لسبأ٢. وقد قص "كرب ايل وتر" في كتابة "صرواح" المسماة بـGlaser ١٠٠٠B أسماء المدن المسورة والمقاطعات المحصنة التي استولى عليها، وسجل بعضها باسمه وبعضًا آخر باسم حكومة سبأ وبآلهة سبأ، ومن هذه: "كتلم" و "يثل"، و "نب"، و"ردع"، "رداع"، و"قب"، و"اووم" "أوم" و"يعرت" "يعرتم"، و"حنذفم" "حنذفم" "حنذف"، و"نعوت ذت فددم" "نعوت ذات فدد"، و"حزرام" "حزرأم"، و "تمسم" "تمس"٣، ووهي مواضع كانت مسورة محصنة بدليل ورود جملة: "وسور وحصن ... " بعدها مباشرة. وأما المواضع التي أمر "كرب ايل وتر" بتسويرها وبتحصينها، فهي: "تلنن" "تلنان" و"صنوت" و "صدم" "صدوم" و"ردع" "رداع" و"ميفع بخبام" "ميفع بخبأم"، و"محرثم" ومسيلا الماء المؤديان إلى "تمنع" وحصن وسور "وعلن" "وعلان" و"مثبتم" "موثبتم" و"كمدر" "كدار"، وذكر بعد ذلك أنه أمر بإعادة القتبانيين إلى هذه المدن؛ لأنهم كانوا قد تحالفوا مع "المقه" إله سبأ و "كرب ايل" ومع شعب سبأ، أي أنهم كانوا في جانبهم، فأعادهم إلى المواضع المذكورة مكافأة لهم على ذلك٤.

стр. 1014

ثم عاد "كرب ايل"، فذكر أسماء مواضع أخرى استولى عليها وأخذها باسمه، هي: مدينة "طيب" وقد أخذها من "عم وقه ذ امرم" "عموقه ذ أمرم"، وأخذ منه أيضًا أملاكه وأمواله في "مسقى نجي"، وفي "افقن" "افقان" وبـ "حرتن" "حرتان"، وجبله ومراعيه وأوديته الآتية من "مرس" وكل المراعي في هذا المكان، ثم ذكر أنه أخذ من "حضرموت همو ذ مفعلم" "حضر همو ذو مفعل"، وهو من الأمراء الإقطاعيين على ما يظهر، هذه المواضع: "شعبم" "شعب" والأودية والمراعي التابعة لـ"مشرر" إلى موضع "عتب"، ومن "أبيت" "أبيت" إلى "ورخن" و "دعف" وكل الأملاك في "بقتت" و "دنم" "دونم"، فأمر بتسجيلها كلها باسمه، وأمر كذلك بتسجيل "صيهو" باسمه، واشترى "حدنن" أتباع ورقيق "ادم" "حضر همو ذي مفعل" و "جبرم" "جبر" أتباع "يعتق ذ خولن" "يعتق ذو خولان" الذي بـ "يرت"١. وذكر "كرب ايل وتر" بعد ذلك: أنه وسع أملاك قبيلته وأهله "فيشان" "فيشن" وإنه أخذ من "رابم" بن خل أمر ذ وقبم" "رأبم بن خل أمر ذو وقبم"، كل ما يملكه في "وقبم" من أملاك ومن أرضين ومن أودية ومسايل مياه وجبال ومراع، وسجل ذلك كله باسمه، كما أنه استولى على "يعرت" "يعرتم" وعلى جميع ما يتبعها من مسايل مياه وأودية ومراع وجبال وحصون، فسجله باسمه، واستولى أيضًا على أرض "اووم" "أوم" "أوام" وعلى مسايلها، وسجلها ملكًا له٢. ثم ذكر أنه صادر كل أموال "خلكرب ذ غرن" "خالكرب ذو غران" وأملاكه في "مضيقت" "مضيقة" وسجلها باسمه، كما سجل أرض "ثمدت" ومسايل مياهها وحصنها ومراعيها في جملة أملاكه ومقتنياته٣. ثم عاد في الفقرة الخامسة من النص، فذكر أنه أخذ كل ما كان يملكه "خل كرب د غرن" "خالكرب ذو غران" في أرض "مضيقة" "مضيقت"، وأخذ كذلك التلين الواقعين في "خندفم" "خندف" والأرضين الأخرى إلى

стр. 1015

مدينة "طيب", وسجل ذلك كله في جملة أملاكه، وأخذ كذلك كل ما كان يملكه "خالكرب" في "مسقى نجي"، كما أخذ موضع "زوت" وكل ما يتعلق به وما يخصه من مسايل مياه ومراع١. ثم أخذ أرض "اكربي" "اكري" ومسايل مياهها، وسجلها باسمه، كما استولى على "نعوت" من حد "شدم" و"خبام" خبأم" "خب أم" إلى الأوثان المنصوبة على الحدود علامة لها٢. وقطع "كرب ايل وتر" الحديث عن الأملاك التي استولى عليها وسجلها باسمه، وانتقل فجاة إلى التحدث عن بعض ما قام به من أعمال عمرانية، فذكر أنه أتم بناء الطابق الأعلى من قصره "سلحن" "سلحين" ابتداء من الأعمدة والطابق الأسفل إلى أعلى القصر، وأنه أقامه في وادي "اذنة" "اذنت" خزان ماء "تفشن"، ومسايله التي توصل الماء إلى "يسرن" "يسران"، وأنه شيد وحصن وقوى جدار ماء "يلط" وما يتفرغ منه من مساق ومسايل تسوق الماء إلى "أبين"، ثم قال: أنه شيد وبنى وأقام "ظراب" و"ملكن" "ملكان" لوادي "يسرن" "يسران"، كما بنى أبنية أخرى في وسط "يسرن" و"أبين"، وغرس وعمر أرضين زراعية في أرض "يسرن"٣. ثم عاد فقطع الكلام على ما قام من أعمال عمرانية، وحوله إلى الكلام على أملاكه التي وسعها وزاد فيها، وهي: "ذ يقه ملك" "ذو يقه ملك"، و"أثابن" "أثأب" "أثأبن"، و"مذبن" "المذاب"، و"مفرشم" "مفرش"، "ذ انفن" "ذو انف" "ذو الأنف"، و"قطنتن" "القطنة" و"سفوتم" "سفوت" و"سلقن" "سلقان" و"ذ فدهم" "ذ وفدهم"، و"ذ اوثنم" "ذو أوثان"، و"دبسو" "دبس"، و"مفرشم" "مفرش"، و"ذ حببم" "ذو حباب" "ذو حبب"، و "شمرو" "شمر" و"مهجوم" "مهكوم" "مهجم"٤. ثم عاد "كرب ايل وتر" فتكلم عى الأملاك التي حصل عليها وامتلكها،

стр. 1016

فذكر أنه تملك في "طرق" موضع "عن. أن" و"حضرو" و"ششعن" "ششون"١ وذكر أنه تملك موضع "فرعتم" فرعت" "فرعة" و"تيوسم" "تيوس" و"اتابن" "أثابن" "اث ب ن" في أرض "يسرن" وأنه تملك "محمين" "محميات" من حد "عقبن" "عقبان" حتى "ذي أنف"، وتملك ما يخص "حضر همو بن خل أمر" "حضر همو بن خال أمر" من أملاك، وتملك "مفعل" "مفعلم" وكل ما في أرض "ونب" وكل أرض "ونب" وكل أرض "فترم" و"قنت" وكل ما يخص "حضر همو بن خال أمر" من مدن، هي: "مفعلم" و "فترم"، و"قنت" و "جو" "كو" وكل ما فيها من حصون وقلاع وأودية ومراع، ثم ذكر أنه باع المدن والأرضين المذكورة، وهي مدن: "مفعلم"، و "فترم" و "قنت" و"جو" التي أخذها من "حضر همو بن خال كرب" وسجلها باسم قبيلته "فيشان"٢. وكان قد ذكر في آخر الفقرة السابعة من النص وقبل الفقرة الثامنة المتقدمة التي هي خاتمة النص، أنه خرج للصيد فصاد، وقدم ذلك في مذبح "لقظ" قربانًا للإله "عثتر ذي فصد"، كما قدم إليه تمثالًا من الذهب٣. وقد أدت حروب "كرب ايل" المذكورة إلى تهدم أسوار كثير من المدن التي هاجمها، فصارت بذلك مدنًا مكشوفةً، من السهل على الأعراب والغزاة مداهمتها ونهبها، ولهذا اضطر إلى إعادة تسويرها أو ترميم ما تهدم من أسوارها كما اضطر أيضًا إلى تسوير مدن لم تكن مسورة وتحصينها. وفي جملة المدن التي حصنها وسورها أو رم أسوارها، مدينة "وعلان" حاضرة "ردمان"، و "رداع" و "كدر" "كدار"، ومدن أخرى٤. هذا، وأود أن ألخص الخطط التي سار "كرب ايل" عليها والحروب التي قام بها في الأرضين التي ذكر أسماءها في نصه، على الوجه الآتي: كانت

стр. 1017

أرض "سأد" أول أرض شرع في مهاجمتها، ثم انتقل منها إلى أرض "نقبتم" "نقبت" "نقبة"، ثم "المعافر" ثم سار نحو "ذبحان القشر" "ذبحن قشرم"، و"شرجب" "شركاب" "شركب" ثم اتجه في حملته الثانية نحو "أوسان"، حيث أمر جنوده بنهب "وسر لجيأت" وبقية المواضع إلى "حمن" "حمان"، وبحرق كل مدن "آنف" في أرض "معن" حول "يشبم" "يشبوم" أو "الحاضنة" في الزمن الحاضر، ومدن "حبان" في وادي "حبان" و"ذياب" في أرض قبيلة "ذياب" شرق حمير في الزمن الحاضر١. ثم أمر "كرب ايل" بنهب "نسم" "نسام" وأرض "رشأى"، ثم "جردن" "جردان". وعند ذلك وجه "كرب ايل" جيشه نحو "دتنت"، حيث أصيب فيها ملك أوسان بضربة شديدة فأمر بإحراق كل مدن "دتنت" ومدينة "تفض" و "أبين"، حتى بلغ ساحل البحر، حيث أحرق ودمر المدن والقرى الواقعة عليه. ثم عاد "كرب ايل" فضرب أرض "وسر" مرة أخرى، وأصاب قصر ملك أوسان في "مسور"، حيث هدمه، وأمر بانتزاع كل الكتابات الموجودة في معابد أوسان وتحطيمها. ثم سار بجيشه كله إلى أرض أوسان، وبعد أن قضى على كل مقاومة لهم عاد إلى بلاده. ثم قام بغزو أرضين تقع شمال غربي سبأ، ثم وحد "سروم" وأرض "همدان" وحصن مدنهما، وأصلح وسائل الري فيها. وحدثت بعد تلك الحروب حرب وقعت في الجنوب، في "دهس" وفي "تبنو"، حيث أحرق "كرب ايل" مدنها، ثم ألحقها كلها مع "دتنت" بسبأ وفصلت أرض "عود" من "أوسان" فضمت إلى "دهس". وأصيب "كحد ذ سوط" بمعارك شديدة، ويظهر أنها ثارت على "كرب ايل" وأعلنت العصيان عليه، وقد ساعدها وشجعها "يذمر ملك" ملك "هرم" وبقية المدن المعينية المجاورة، مثل "نشن" "نشان"، فسار جيش "كرب ايل"

стр. 1018

إليها، وأنزل بها خسائر فادحة، وأحرق أكثر مدنها، وحاصر "نشان" مدة ثلاث سنين، مما يدل على أنها كانت مدينة حصينة جدًّا، نحى ملكها عنها، ثم انصرف "كرب ايل" إلى إعادة تنظيم الأرضين التي استولى عليها، وإلى تعيين حكام جدد للمناطق التي استسلمت له، وإلى إصلاح أسوار المدن ووسائل الدفاع والري١. وأما الحملة الأخيرة من حملاته الصغيرة، فكانت على "مهأمر" "ممه أمر" و"أمر" حيث بلغت أرض نجران٢. لقد أضرت حروب "كرب ايل وتر" المذكور ضررًا فادحًا بالعربية الجنوبية فقد أحرق أكثر الأماكن التي استولى عليها، وأمر بقتل من وقع في أيدي جيشه من المحاربين، ثم أمر بإعمال السيف في رقاب سكان المدن والقرى المستسلمة فأهلك خلقًا كثيرًا. ونجد سياسة القتل والإحراق هذه عند غير "كرب ايل" أيضًا، وهي سياسة أدت إلى تدهور الحال في اليمن وفي بقية العربية الجنوبية، وإلى إندثار كثير من المواضع بسبب إحراقها وهلاك أصحابها. وقد عثرت بعثة "وندل فيلبس" في اليمن على كتابة وسمتها البعثة بـjamme ٨١٩ جاء فيها: "وبكر آل وبسمه"٣. أي "وبكرب ايل وسمه"، وحرف الواو هنا في واو القسم، والكتابة من بقايا كتابة أطول تهشمت فلم يبق منها غير الجملة المذكورة، وقد ذهب "جامه" Jamme ناشرها إلى أنها من عهد سابق لحكم المكربين، وقدر زمن كتابتها القرن الثامن أو السابع قبل الميلاد٤. كما عثرت تلك البعثة على كتابات أخرى وسمت بـ Jamme ٥٥٠ وبـjamme ٥٥٢ وبـjamme ٥٥٥ وبـjamme ٥٥٧ وردت فيها أسماء لم تذكر بعدها جملة "مكرب سبأ" على عادة الكتابات، غير أن ظاهرة النص، والألفاظ المستعملة فيه، مثل: "قين يدع ايل بين"، يدلان على أنها أسماء "مكربين" حكموا سبأ قبل عهد الملوك.

стр. 1019

فقد دون في النصف الأول من النص jamme ٥٥٠ أسماء المكربين: "يدع آل بين" "يدع ايل بين" و"يكرب ملك وتر" "يكر بملك وتر"، و"يثع أمر بين"، ودون في النصف الثاني من أسماء "يدع آل بين"، "يدع ايل بين" و"يكرب ملك وتر" "يكرب بملك وتر"، و"يثع أمر بين"، و"كرب آل وتر" "كرب ايل وتر"، أي الأسماء المذكورة في النصف الأول نفسها، ما خلا اسم "كرب ايل وتر"، فنحن في هذا النص بنصفيه أمام أربعة مكربين، كانوا من "مذمرم" أي من بني "مذمر"١. ومدون النص والآمر بكتابته شخص اسمه "تبع كرب" "تبعكرب"، وكان كاهنًا "رشو" للإلهة "ذت غضرن" "ذات غضران"، أي كناية عن الشمس، كما كان بدرجة "قين"، أي موظف كبير مسئول عن الأمور المالية للدولة أو للمعبد، كأن يتولى إدارة الأموال، وكان "قينًا" لمعبد "سحر"، أي المتولي لأموره المالية والمشرف على ما يصل إلى المعبد من حقوق ومعاملات وعقود من تأجير الحبوس الموقوفة عليه، كما كان قينًا للمكربين المذكورين. وقد ذكر في نصه أنه أمر ببناء جزء من جدار معبد "المقه" من الحد الذي يحد أسفل الكتابة أي قاعدتها إلى أعلى المعبد، كما أمر ببناء كل الأبراج وما على السقف من أبنية ومتعلقاتها، وذلك عن أولاده وأطفاله وأمواله وعن كل ما يقتنيه "هقنيهو" وعن كل نخيله "انخلهو" بـ "اذنت" "ادنة" وبـ "كتم" وبـ"ورق" وبـ"ترد" وبـ"وغمم" "وغم" وبـ "عسمت" "عسمة" وبـ"برام" وبـ"سحم" وبـ"مطرن بيسرن"، أي بمنطقة "مطرن" التي في أرض "يسرن" "يسران"، وهي تسقى الماء بواسطة قناطر تعبر فوقها المياه، وبمنطقة "ردمن" "ردمان" من أرض "يسرن" "يسران"، التي تروى بمياه السدود، وبأرض "مخضن" الواقعة بـ"يهدل". وقد قام بهذا العمل أيضًا؛ لأن المقه أوحى في قلبه أنه سيهبه غلامًا؛ ولأن "يكرب ملك وتر"، اختاره ليشرف على إدارة الأعمال المتعلقة بالحرب التي وقعت بين قتبان وسبأ وقبائلها، فقام بما عهد إليه، وذلك لمدة خمس سنين، وأدى ما كان عليه أن يؤديه على أحسن وجه؛ ولأن الإله "المقه" حرس

стр. 1020

ووقى كل السبئيين وكل القبائل الأخرى التي اشتركت معهم وكل المشاة "ارجل" الذين أرسلوا على مدينة "تهرجب"١؛ ولأن إلهه حفظه ومكنه من إدارة الأعمال التي عهد الملك إليه، فتولى أمر سبأ والقبائل التي كانت معها، ووجه الأمور أحسن وجه ضد الأعمال العدوانية التي قام بها أهل "تهرجب" وغيرهم ضد سبأ، في خلال سنتين كاملتين، حتى وفقه الإله لعقد سلام "سلم" بين سبأ وقتبان فأثابه "يثع أمر بين" على ما صنع٢. ويظهر من هذا النص أن "تبع كرب" "تبعكرب"، الكاهن "رشو" و"القين" كان من كبار الملاكين في سبأ في أيامه له أرضون وأملاك واسعة في أماكن متعددة من سبأ، وقد كانت تدر عليه أرباحًا كبيرة وغلة وافرة، يضاف إلى ذلك ما كان يأتيه من غلات المعبد الذي يديره والنذور التي تنذر للإله "سحر"، ثم الأرباح التي تأتيه من وظيفته في الدولة. ويظهر أنه كتب نصه المذكور بعد اعتزاله الخدمة لتقدمه في السن، في أوائل أيام حكم "كرب ايل وتر" ولذلك تكون جميع الحوادث والأعمال التي أشار إليها قد وقعت في أيام حكم المذكورين إلى ابتداء حكم "كرب ايل وتر" التي ذكر من أجل ذلك في آخر أسماء هؤلاء الحكام وفي القسم الأخير من النص. ويظهر من النص أيضًا أن الأعمال الحربية التي قام بها "تبعكرب"، كانت في أواخر أيام "يكرب ملك"، وامتدت إلى أوائل أيام حكم "يثع أمر بين" أرسله الأول إلى الحرب، ومنحه الثاني شهادة إتمام تلك الحرب وانتهائها، فهذا النص يبحث عن السنين الخمس التي شغلها "تبعكرب" بالأعمال الحربية٣. وأما صاحب النص: jamme ٥٥٢ فهو "ابكرب" "أبكرب" "أبو كرب" وكان من كبار الموظفين من حملة درجة "كبر"، أي "كبير" إذ كان كبيرًا على "كمدم بن عم كرب" "كمدم بن عكمركب" وهم من "شوذم" "شوذ" وكان "قينًا"، أي موظفًا كبيرًا عند "يدع ايل بين" وعند "سمه علي ينف" "سمه علي ينوف". وقد سجل نصه هذا عند بنائه "خخنهن" و"مذقنتن" قربة إلى الإله "المقه" ليبارك في أولاده
следующие страницы →