Полный текст (740 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
نَصْرُ بْنُ حَمَّادٍ الْبَجَلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَتْلَى بَدْرٍ فَقَالَ: " جَزَاكُمُ اللَّهُ عَنِّي مِنْ عِصَابَةٍ شَرًّا، فَقَدْ خَوَّنْتُمُونِي أَمِينًا وَكَذَّبْتُمُونِي صَادِقًا، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ فَقَالَ: هَذَا أَعْتَى عَلَى اللَّهِ مِنْ فِرْعَوْنَ، إِنَّ فِرْعَوْنَ لَمَّا أَيْقَنَ بِالْهَلَكَةِ وَحَّدَ اللَّهَ ، وَإِنَّ هَذَا لَمَّا أَيْقَنَ بِالْهَلَكَةِ دَعَا بِاللاتِ وَالْعُزَّى ".
قَالَ القَاضِي: وَفِي هَذَا الْخَبَر مَا ينبّه أولي الْأَلْبَاب من الْمُؤمنِينَ عَلَى نعْمَة اللَّه عَلَيْهِمْ فِي هدايته إيَّاهُم إِلَى الْإِيمَان بِهِ، وتوفيقهم لتصديق نبيه، وَالْإِقْرَار بِصِحَّة نبوته، الِاعْتِرَاف بوفور أَمَانَته، والإذعان لاتّباعه وَالْجد فِي طَاعَته، وأنْ بَصّرهم من دينه مَا عَمِي عَنْهُ أعداؤُه، وعَصمهم من الضَّلَالَة الَّتِي هلك فِيهَا عُصاة عباده، وعتاة خلقه، فَالْحَمْد لله عَلَى نعْمَته عَلَيْنَا فِي ديننَا ودنيانا، وَله الشُّكْر عَلَى إحسانه إِلَيْنَا فِي جَمِيع شئوننا، وَنَظره لَنَا فِيمَا يُصْلِحنَا، وَيعود عَلَيْنَا بالفوز فِي معادنا، والنجاة من العطب يَوْمَ حشرنا.
جَارِيَة ظريفة ترد عَلَى أَبِي الشعْثَاء حِين أخْبرهَا بحبه
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا الرياشي، عَنِ ابْن سَلام، قَالَ: أَخْبرنِي عليّ بْن هِشَام أَوْ من أَخْبرنِي عَنْ عليّ بْن هِشَام، قَالَ: كَانَ بِالْكُوفَةِ رَجُل يكنى أَبَا الشعْثَاء، عفيفا مَزَّاحًا، وَكَانَ يدْخل عَلَى سُراة أَهْلَ الْكُوفَة، فمزح مَعَ جَارِيَة لبَعْضهِم وأخبرها أَنَّهُ يهواها، وَكَانَ شاعرة ظريفة، فَقَالَت:
لأبي الشّعْثَاء حب باطنٌ ... لَيْسَ فه تُهْمةٌ للمتهمْ
يَا فُؤَادِي فازدْجِرْ عَنْهُ وإنْ ... عَبَثَ الحبُّ بِهِ فاقْعُدْ وقمْ
جَاءَنِي مِنْهُ كَلَام صائبٌ ... ورسالاتُ المحبِيِّن الكَلِم
صائدٌ تأمنه غزلانه ... مثل مَا تأمن غزلانُ الحَرَمْ
صَلِّ إِن أحببتَ أَن تُعْطى المنى ... يَا أَبَا الشعْثَاء لله وصمْ
ثمَّ ميعادك بعد الْمَوْت فِي ... جَنَّة الْخُلْد إِن اللَّهُ رحمْ
حَيْثُ نلقاك غُلَاما ناشئاً ... كلَاما قَدْ كَمُلت فِيك النِّعَم
ابْن الزُّبَيْر يغضبُ من ابْني الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمطلب
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَامر بْن عِمْرَانَ أَبُو عِكْرمة الضَّبِّيّ، قَالَ: دَخَلَ عَبْد اللَّه بْن صَفْوَان عَلَى عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر، فَقَالَ: أَنْت وَالله كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
إِن تُصبك من الْأَيَّام جائحةٌ ... لَمْ نَبْكِ مِنْك عَلَى دُنْيَا وَلَا دينِ
قَالَ: وَمَا ذَاك؟ قَالَ: هَذَان ابْنا الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمطلب، أَحدهمَا يُفتي النّاس فِي دينهم
стр. 107
وَالْآخر يطعم فَمَا بَقَّيَا لَك، فَأرْسل إِلَيْهِمَا: إنَّكُمَا تريدان أَن ترفعا رايةً قَدْ وَضعهَا اللَّه، ففرقا مَنْ قِبَلكما من مُرَّاقِ الْعرَاق، فَقَالَ عَبْد اللَّه: أَي الرجلَيْن نطردُ عَنَّا؟ أقابس عَلَمُ أم طَالِب نَيْلُ، وَبلغ الْخَبَر أَبَا الطُّفَيْل، فَقَالَ:
لَا درَّ دَرُّ اللَّيَالِي كَيْفَ يُضحِكُنا ... مِنْهَا عجائبُ أنباءٍ وتُبكينا
مثل مَا تَحِدثُ الْأَيَّام من عجبٍ ... وَابْن الزُّبَيْر عَنِ الدُّنْيَا يُلَهِّينا
كُنَّا نَجيء ابْن عباسٍ فيُقْبِسنا ... علما ويُكسْبنا أجرا ويَهدينا
وَلَا يزالُ عُبَيْد اللَّه مُتَرْعةً ... جِفَانُه مُطْعِمًا ضَيفًا وَمِسْكينًا
فالدِّينُ وَالْعلم وَالدُّنْيَا ببابهما ... ننالُ مِنْهَا الَّذِي شِئْنَا إِذَا شينا
فَفِيمَ تَمْنَعنا مِنْهُم وتَمْنَعُهم ... منا وتؤذيهم فِينَا وتُؤْذينا
إِن الرَّسُول هُوَ النُّور الَّذِي كشفت ... بِهِ عَمَايَةُ ماضينا وبَاقِينا
وأهلُه عصمةٌ فِي ديننَا وَلَهُم ... حقٌّ عَلَيْنَا وحقٌّ وَاجِب فِينَا
ولستَ فاعلمْ بالأوْلَى بِهِ نَسَبَا ... يَا بن الزُّبَيْر وَلَا الأوْلَى بِهِ دِينا
لن يَجْزِيَ اللَّه من أجْزى لبُغضهم ... فِي الدِّين عِزًّا وَلَا فِي الأَرْض تَمْكِينا
زواج شُرَحْبِيل بْن الْحَارِث الغساني
من مية بنت عَمْرو ثمَّ تطليقه لَهَا بِأَمْر أَبِيهِ
حَدَّثَنَا ابْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا السكن بْن سَعِيد، عَنْ مُحَمَّد بْن عَبّاد، عَنِ ابْن الْكَلْبِيّ، قَالَ: قدم شُرَحْبِيل بْن الْحَارِث الغسّاني - وَكَانَ من أهل بَيت الْملك - موسمًا من مواسم الْعَرَب، وَحَضَرت ذَلِكَ الْعَام بَكْر بْن وَائِل، فَخَطب شرحبيلُ مَيَّة بْنت عَمْرو بْن مَسْعُود بْن عَامر بْن عَمْرو ابْن أبي ربيعَة بْن ذُهل بن شَيبَان وَهُوَ أَصمّ بني ربيعَة، فَقَالَ لَهُ أَبوهَا: هِيَ لَك وقومها بِيَدِك، فوَاللَّه مَا فِي غَسَّان ملك أحبّ إليَّ صهرًا مِنْك، فأنكحه إِيَّاهَا، فاحتملها شُرَحْبِيل إِلَى أَبِيه الْحَارِث بْن مرّة، فَكَانَت مَعَهم وانقطعت إِلَيْهِم بَكْر بْن وَائِل وَذَلِكَ فِي أيّام الطوائف قبل ملك بني نصر بِالْحيرَةِ، فَبينا هُوَ نَائِم ذَات لَيْلَة هِيَ بَيْنَ يَدَيْهِ، إِذْ أقبل أسودُ سالخ يهوى إِلَى الْفَتى فاتحًا فَاه والسِّراج تُزهر، حَتَّى إِذَا أَهْوى إِلَيْهِ أخذت بحلقه فخنقته حَتَّى مَاتَ، ثُمَّ جعلتْه بَيْنَ أثْنَاء الْفراش، وَكَانَ أَبُوهُ إِذَا أصبح غَدا عَلَيْهِ هُوَ وَأمه تَعْظِيمًا لَهُ، ثُمَّ يَأْتِيهِ النّاس فيسلمون عَلَيْهِ فَلَمّا اجْتمع النّاس أهوت إِلَى الْأسود فأخرجتْه مَيتا، فذعر الشَّيْخ فَقَالَ: من قتل هَذَا؟ فَقَالَت: أَنَا قتلتُه وَلَو كَانَ أشدّ مِنْهُ لقتلته، فَقَالَ: يَا شُرَحْبِيل خلِّ عَنْهَا، فَهِيَ - وأبيها - للرِّجَال أقتل، فكره شُرَحْبِيل أَن يَعْصِي أَبَاهُ فَسَار بهَا وبمالها حَتَّى إِذَا دنا من أَرض بَكْر بْن وَائِل بعث مَعهَا من يُلحقها
стр. 108
بقومها، فَقَالَت: لَو مضيت بَين إِلَى أَبِي كَانَ أحبّ إليَّ، فَقَالَ: واسوءَتاه! أنظر إِلَى أَبِيك وَقد طلقتُك فِي غَيْر ذَنْب، فَقدمت إِلَى أَبِيهَا، فَدَعَا قبيصَة ابْن هَانِئ بْن مَسْعُود فَأَنْكحهَا إِيَّاه، فَقَالَ شُرَحْبِيل:
أوزجتني غَرّاءَ من خَيْر نسوةٍ ... نَماها إِلَى العلياء عَمْروٌ وعامرُ
فَلَمّا مَلَأت صَدْرِي سُرورا وبهجة ... عزمتَ بحقٍّ لَيْسَ لي فِيهِ عاذرُ
فطلقتها من غَيْر ذَنْب أَتَتْ بِهِ ... إليَّ سوى أنِّي بميَّة غادرُ
سَرَى فِي سَواد اللَّيْل أسودُ سالخٌ ... إليَّ وَقد نَامَتْ عيونٌ سَوامِرُ
فأهوت لَهُ دون الْفراش بكفها ... فَأصْبح مقتولاً فَهَل أَن شاكرُ
فَقَالَ أَبوهُ:
لَعَمْري لَئِن طَلقتهَا إِن مثلهَا ... إِذَا طلب الْقَوْم من النِّسَاء قَلِيل
ولكنني حاذرتُها أَن تُعِيدَها ... فتصبحَ محجوبًا وَأَنت قَتِيل
وَأصْبح فِي غَسَّان أبْكِي بعبرةٍ ... عَلَيْكَ ورُزئي عِنْدَ ذَاك جليل
من مخارج أَبِي يُوسُف الفقيهة
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أبي الْأَزْهَر، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن إِسْحَاق المَوْصِليّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدثنِي بِشْر بْن الْوَلِيد وَسَأَلته من أَيْن جَاءَ؟ قَالَ: كنت عِنْدَ أبي يُوسُف يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم القَاضِي، وَكُنَّا فِي حَدِيث طريف، قَالَ: فَقلت لَهُ: حَدَّثَنِي بِهِ قَالَ: قَالَ لي يَعْقُوب: بَينا أَنَا البارحة قَدْ أويتُ إِلَى فِرَاشِي، فَإِذا داقٌّ يدق الْبَاب دقًّا شَدِيدا، فأخذتَ عليّ إزَارِي وخرجتُ، فَإِذا هرثمةُ بْن أعْينُ فسلّمتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: أجِبْ أَمِير الْمُؤمنِينَ، قلت: يَا أَبَا حَاتِم! لي حُرمة وَهَذَا وقتٌ كَمَا ترى، ولمت آمن أَن يكون أَمِير الْمُؤمنِينَ دَعَاني لأمر من الْأُمُور، فَإنَّك أمكنك أَن تدفع بذلك إِلَى غدٍ فلعلّه أَن يَحْدُثَ لَهُ رَأْي، فَقَالَ: مَا إِلَى ذَلِكَ سَبِيل، قلت: فَمَا كَيْفَ كَانَ السَّبَب؟ قَالَ: خَرَجَ إليَّ مسرور الْخَادِم فَأمرنِي أَن آتِي أَمِير الْمُؤمنِينَ بك، قلت: تَأذن لي أَن أصبَّ عليَّ مَاء وأتحنَط، فَإِن كَانَ أمرٌ من الْأُمُور كنت قَدْ أَجدت وأحكمت أَمْرِي، وَإِن رَزَقَ اللَّه تَعَالَى الْعَافِيَة فَلَنْ يضرّ، فَأذن لي فَدخلت فَلبِست ثيابًا جدداً وتطيبتُ بِمَا أمكن من الطِّيب، ثُمَّ خرجنَا حَتَّى أَتَيْنَا دَار أَمِير الْمُؤمنِينَ الرشيد، فَإِذا مسرور وَاقِف فَقَالَ لَهُ هَرْثمة: قَدْ جئتُ بِهِ، فَقلت لمسرور: يَا أَبَا هَاشم! خدمتي وحُرمتي وميلي، وَهَذَا وقتٌ ضيق، لِمَ طلبني أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: لَا، قلت: فَمن عِنْدَهُ؟ قَالَ: عِيسَى بْن جَعْفَر، قلت: وَمن؟ قَالَ: مَا عِنْدَهُ ثَالِث، قَالَ: مُرّ، فَإِذا صرت فِي الصحن فأتْه فِي الرواق وَهُوَ ذَاك جالسٌ، فحرِّك رجلَك بِالْأَرْضِ فَإِنَّهُ سيسألُك، فَقل لَهُ: أَنَا، فجئتُ فَفعلت، قَالَ: من هَذَا؟ قلت: يَعْقُوب، قَالَ: ادخل، فدخلتُ فَإِذا هُوَ جالسٌ وَعَن
стр. 109
يَمِينه عِيسَى بْن جَعْفَر، فَسلمت فَرد عليّ السّلام، وَقَالَ: أظننا رَوَّعناك؟ قلت: إِي وَالله وكذاك من خَلْفي، قَالَ: اجْلِسْ فجلستُ حَتَّى سكن رُوعي، ثُمَّ الْتفت إليَّ فَقَالَ: يَا يَعْقُوب تَدْرِي لَمْ دَعوتُك؟ قلت: لَا. قَالَ: دعوتُك لأشهدك عَلَى هَذَا، إِن عِنْدَهُ جَارِيَة سَأَلْتُهُ أَن يَهَبَها لي فَامْتنعَ، وسألتُه أَن يَبِيعهَا فَأبى، وَوَاللَّه لَئِن لَمْ يفعل لأقتلنّه، قَالَ: فالتفتُّ إِلَى عِيسَى، فَقلت: وَمَا بلغ اللَّه بِجَارِيَة تمنعُها أَمِير الْمُؤمنِينَ وتُنزل نَفسك هَذِهِ الْمنزلَة؟ قَالَ: فَقَالَ: عَجِلتَ عليّ فِي القَوْل قَبْلَ أَن تعرف مَا عِنْدِي؟ قلت: وَمَا فِي هَذَا الْجَواب؟ قَالَ: إِن عليّ يَمِينا بِالطَّلَاق والْعِتاق وصَدَقَة مَا أملك أَلا أبيع هَذِهِ الْجَارِيَة وَلَا أهبها، فَالْتَفت الرشيدُ فَقَالَ: هَلْ لَهُ فِي ذَلِكَ مَخْرَج؟ قلت: نَعَمْ، يَهَبُ لَك نِصْفها ويَبِيعُك نِصْفَها، فَيكون لَمْ يهب وَلم يَبع، قَالَ عِيسَى: ويجوزُ ذَلِكَ؟ قلت: نَعَمْ، قَالَ: فأُشْهِدك أَنِّي قَدْ وهبت لَهُ نِصْفَها وبعتُه النّصْف الْبَاقِي بِمِائَة ألف دِينَار، فَقَالَ: الْجَارِيَة، فأتيَ بالجارية وبالمال، فَقَالَ: خُذْها يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بَارك اللَّه لَك فِيهَا، قَالَ: يَا يَعْقُوب؟ بقيتْ وَاحِدَة، قلت: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: هِيَ مَمْلُوكَة وَلَا بدّ أَن تُستبرأ، وَوَاللَّه لَئِن لَمْ أبِت مَعهَا لَيْلَتي إِنِّي لأظُنُّ نَفْسي ستخرج، فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ تعتقها وتتزوجها فَإِن الْحرَّة لَا تُستبرأ، قَالَ: فإنيّ قَدْ عتقْتُها فَمن يُزَوِّجنيها؟ قلت: أَنَا، قَالَ: فافعل، فَدَعَا بمسرور الْخَادِم وحسين فخطبتُ فحمدت اللَّه وزوجَّته عَلَى عشْرين ألف دِينَار، ودعا بِالْمَالِ وَدفعه إِلَيْهَا، ثُمّ قَالَ: يَا يَعْقُوب؟ انْصَرف، وَرفع رَأسه إِلَى مسرور فَقَالَ: يَا مسرور؟ قَالَ لبيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَ: احْمِلْ إِلَى يَعْقُوب مِائَتي ألف دِرْهَم وَعشْرين تختًا ثيابًا، فحُمِل ذَلِكَ معي. قَالَ: فَقَالَ بِشْر بْن الْوَلِيد: فالتفتَ إليَّ يَعْقُوب فَقَالَ: هَلْ رَأَيْت بَأْسا فِيمَا فعلتُ؟ قلت: لَا، قَالَ: فَخذ مِنْهَا حَقك، قَالَ: وَمَا حَقِّي؟ قَال: الْعُشْر. فشكرتُه ودعوت لَهُ، ذهبت لأَقوم فَإِذا بِعَجُوزٍ قَدْ دخلتْ فَقَالَت: يَا أَبَا يُوسُف؟ ابْنَتك تُقرِئُك السّلام وَتقول لَك وَالله مَا وصل إليَّ فِي لَيْلَتي هَذِهِ من أَمِير الْمُؤمنِينَ سوى الْمهْر الَّذِي قَدْ عرفتَه، وَقد حملتُ إِلَيْكَ النّصْف مِنْهُ وخلّفت الْبَاقِي لمّا أحتاج إِلَيْهِ فَقَالَ: رديه فوَاللَّه لَا قبلتها، أخرجتُها من الرِّق وزوجتها أَمِير الْمُؤمنِينَ وترضى لي بِهَذَا، فَلم نَزَلْ نَطلب إِلَيْهِ أَنَا وعَمّتي حَتَّى قِبِلَها وَأمر لي بِأَلف دِينَار.
إِسْقَاط اسبتبراء الْأمة وتولية عقد نِكَاحهَا
قَالَ القَاضِي: إِسْقَاط أبي يُوسُف الِاسْتِبْرَاء فِي هَذَه الْمَسْأَلَة هُوَ مذْهبه وَمذهب من تقدمه وَمن اتبّعه من أَصْحَابه، فَأَما مذهبُ الْجُمْهُور من الْحِجَازِيِّينَ وَغَيرهم فعلى أَن الِاسْتِبْرَاء هَا هُنَا باقٍ بِحَالهِ، وأمّا تَوَلِّيه عَقْدَ نِكَاح هَذِهِ الْمُعتقَة فَإِن مَذْهَب أبي يُوسُف ومتقدمي أَصْحَابه من أَهْلَ الْعرَاق ومتأخريهم أَن مَوْلَى الْأمة الْمُعْتِق لَهَا أولى بِعقد النِّكَاح لَهُ وَلغيره عَلَيْهَا، وَمذهب عَامَّة أَهْلَ الْعلم من الْحِجَازِيِّينَ وَغَيرهم من الشاميين والعراقيين - وَكَانَ الشّافعيّ يرى أَنَّهُ يعْقد عَلَيْهَا النِّكَاح لغيره وَلَا يعقده لنَفسِهِ - وَأَنه إِذَا أَرَادَ أَن
стр. 110
يَتزوجها تولّى العقدَ لَهُ عَلَيْهَا الْحَاكِم، وَرَأَيْت أَبَا جَعْفَر شَيخنَا ﵀ قَدْ أفتى بِهَذَا فِي مسَائِله، وَالْقَوْل الأوّل أولى بِالْحَقِّ عِنْدِي وأشبه بقوله، وَبَيَان هَذَا الْبَاب وَشَرحه مستقصًى فِيمَا رسمناه من كتبنَا فِي الْفِقْه، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق.
عمَّة مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن عِيسَى تستشفع لَهُ لَدَى المعتضد
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ: كَانَ مَعَ المعتضد أعرابيٌّ فصيح يُقَالُ لَهُ شعلة بْن شهَاب الْيَشْكُرِي، وَكَانَ يأنس بِهِ فَأرْسلهُ إِلَى مُحَمَّد بْن عِيسَى بْن شيخ وَكَانَ عَارِفًا بِهِ ليرغّبه فِي الطَّاعَة ويُحَذره الْعِصْيَان ويرفق بِهِ، فَقَالَ شعلة بْن شهَاب فصرت إِلَيْهِ فخاطبته أقرب خطاب فَلم يجبني، فوجهت إِلَى عمته أم الشريف فصرت إِلَيْهَا فَقَالَت: يَا أَبَا شهَاب! كَيْفَ خلفت أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَقلت: خلفتهُ وَالله أمارًا بِالْمَعْرُوفِ فَعّالا للخير، متعزّزًا عَلَى الْبَاطِل متذلِّلا للحقّ، لَا تَأْخُذهُ فِي اللَّه لومة لائم، فَقَالَت لي: أهل ذَلِك هُوَ مُسْتَحقّه ومستوجبهُ، وَكَيف لَا يكون كَذَلِك وَهُوَ ظلُّ اللَّه الْمَمْدُود على بِلَاده، وخليفته عَلَى عباده، وأعزّ بِهِ دينه، وَأَحْيَا بِهِ سنُته، وَثبتت بِهِ شرائعه، ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَا شهَاب فَكيف رَأَيْت صاحبنا؟ قلت: رَأَيْت حَدَثًا معجبًا قَد استحوذ عَلَيْهِ السُّفَهَاء واستبدّ بآرائهم وأنصت لأفواههم، يزخْرفون لَهُ الْكَذِب ويُوردونه النَّدَم، فَقَالَت: هَلْ لَك أَن ترجع إِلَيْهِ بكتابي قَبْلَ لِقَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ، فلعلك تَحُلُّ عقدةَ السُّفَهَاء؟ قَالَ: قلت: أَجلْ، فَكتبت إِلَيْهِ كتابا حسنا لطيفاً معجبًا أجزلتْ فِيهِ الموعظة وأخلصت فِيهِ النَّصِيحَة بِهذه الأبيات:
اقبل نصيحةَ أُمٍّ قلبُها وَجِلٌ ... عَلَيْكَ خوفًا وإشفاقاً وَقل سدداً
وَاسْتعْمل الْفِكر فِي قولي فَإنَّك إنْ ... فكّرتَ ألفيتَ فِي قولي لَك الرَّشَدا
وَلَا تثق بِرِجَال فِي قلوبهمُ ... ضغائن تبعثُ الشنآن والحَسَدا
مثل النعاج خمولا فِي بُيُوتهم ... حَتَّى إِذَا أمنُوا ألفيتَهم أسْدا
وداوِ داءك والأدواء مُمكنَة ... وَإِذ طبيبك قَدْ ألْقى إِلَيْكَ يَدَا
أعْط الْخَلِيفَة مَا يَرْضِيه مِنْك وَلَا ... تمْنعه مَالا وَلَا أَهلا وَلَا ولدا
وارددْ أَخا يشْكر ردًّا يكونُ لَهُ ... رِدْءا من السوءِ لَا تُشْمِتْ بِهِ أحدَا
قَالَ: فَأخذت الكتابَ وصرت بِهِ إِلَى مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن عِيسَى، فَلَمّا نظر فِيهِ رمى بِهِ إليَّ ثُمَّ قَالَ: يَا أَخا يشْكر مَا بآراء النِّسَاء تتمُّ الْأُمُور، وَلَا بعقولهنّ يُسَاسُ الْملك، ارْجع إِلَى صَاحبك. فَرَجَعت إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فَأَخْبَرته الْخَبَر عَلَى حقِّه وَصدقه، فَقَالَ: وَأَيْنَ كتابُ أم الشريف؟ فدفعتُه إِلَيْهِ فقرأه وَأَعْجَبهُ شعرهَا، ثُمَّ قَالَ: وَالله إِنِّي لأرج أَن أشفّعها فِي كثير من الْقَوْم، فَلَمّا كَانَ من فتح آمد مَا كَانَ، أرسل المعتضد فَقَالَ: يَا شُعلة! هَلْ عِنْدَك عَلَمُ من أم الشريف؟ قَالَ: قلت لَا وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَ: فَامْضِ مَعَ هَذَا الْخَادِم فَإنَّك
стр. 111
ستجدها فِي جملَة نسائها، قَالَ: فمضيت فَلَمّا بصرت بِي من بعيد سَفَرتْ عَنْ وَجههَا، وأنشأت تَقول:
رَيْبُ الزَّمَان وصَرْفُهُ ... مُعْتَادةٌ كشف القناعا
أذلّ بعد الْعِزّ منا ال ... صَعب والبَطَل الشُّجَاعا
وَلكم نصحتُ فَمَا أطع ... ت وَكم حَرَصْتُ بِأَن أطاعا
فَأبى بِنَا الْمِقْدَار إِلَّا ... أَن نقتسم أَوْ نُباعا
يَا لَيْت شعري هَلْ ترى ... يَوْمَا لفُرْقتنا اجتماعا
قَالَ: ثُمَّ بَكت حَتَّى علا صَوتهَا وضرت بِيَدِهَا عَلَى الْأُخْرَى، وَقَالَت: يَا أَبَا شهَاب إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون، كَأَنِّي وَالله كنت أرى مَا أرى، فَقلت لَهَا: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ وَجه بِي إِلَيْكَ وَمَا ذَاك إِلَّا لجيل رَأْيه فِيك، فَقَالَ: هَلْ لَك أَن توصل لي رقْعَة إِلَيْهِ، قلت: فدفعَتْ إليَّ رقْعَة فِيهَا:
قل للخليفة وَالْإِمَام الْمُرْتَضَى ... ابْن الخلائف من قُرَيْش الأبطحِ
عَلَم الْهُدى وسِرَاجه ومَنَاره ... مِفتاحُ كُلِّ عظيمةٍ لَمْ تفتحِ
بك أصلح اللَّه الْبِلَاد وَأَهْلهَا ... بَعْدَ الْفساد وَطَالَ مَا لَمْ تصلح
فتزحزحت بك هَضْبَةُ العَرَب الَّتِي ... لولاك بَعْدَ اللَّه لَمْ تَتَزَحْزَحِ
أَعْطَاك رَبك مَا تحبُّ فأعطه ... مَا قَدْ يُحِبُّ وجدُ بعفوك وَاصْفَحْ
يَا بهجة الدُّنْيَا وَبدر مُلُوكها ... هَب ظَالِميَّ ومُفْسِدِيّ لُمْصِلحي
قَالَ: فَأخذت الرقعة وصرت بهَا إِلَى المعتضد، فَلَمّا قَرَأَهَا ضحك، وَقَالَ: لَقَدْ نصحت لَوْ قُبل مِنْهَا فَأمر أَن تحمل إِلَيْهَا خَمْسُونَ ألف دِرْهَم وَخَمْسُونَ تَخْتًا من الثِّيَاب، وَأمر بِأَن يحمل مثل ذَلِكَ إِلَى مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن عِيسَى.
حكم مَا بَعْدَ لَوْلَا من الضَّمِير الْمُتَّصِل
قَالَ القَاضِي: قَول أم الشريف لَهُ فِي هَذَا الشّعْر:
لولاك بَعْدَ اللَّهِ لَمْ تَتَزَحْزَحِ
جَائِز عِنْدَ جَمِيع مُتَقَدِّمي النُّحاة ومتأخريهم، كُوفِيِّهم وبصريهم غلا أَبَا الْعَبَّاس مُحَمَّد بْن يزِيد فَإِنَّهُ كَانَ لَا يُجِيزهُ ويطعن فِيمَا ورد فِي الشِّعر مِنْهُ، وينسُب قَائِله إِلَى الشذوذ ومفارقة السماع وَالْقِيَاس، وَمِمَّا جَاءَ فِي الشّعْر من هَذَا قَول ابْن أم الحكم:
وَأَنت امرؤٌ لولايَ طِحْتَ كَمَا هَوَى ... بأجرامه مِن قُلَّةِ النِّيقِ مُنْهَوِي
وَقَالَ آخر:
стр. 112
تَقول لي من داخلِ الهَوْدجِ ... لولاك هَذَا الْعَام لَمْ أَحججِ
وَقَول الآخر:
أتُطمع فِينَا من أراقَ دِمَاءَنا ... ولولاك لَمْ يَطْمعْ بأحسَابِنَا حَسَن
وَقد اخْتلف النحويون فِي مَوضِع مَا يَلِي لَوْلَا من الْمُضمر الْمُتَّصِل من الْإِعْرَاب، وَكَانَ سِيبَوَيْهٍ والكسائيُّ يَقُولَانِ: هُوَ مجرور وَإِن كَانَ الظَّاهِر إِذَا حلَّ محلهُ رفع، وَكَانَ الْفراء والأخفش يحكمان عَلَى مَوْضِعه بِالرَّفْع، وَإِن كَانَ آتِيَا عَلَى الصُّورَة الَّتِي صِيغت فِي الأَصْل إِلَى ضمير الْمَجْرُور لغَلَبَة الِاشْتِرَاك فِي صِيغَة الْمُضمر بَينه وَبَين الْمُنْفَصِل وَهُوَ كثير فِي هَذَا الْبَاب، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
فأحْسِنْ وأجْمِلْ فِي أسيرك إِنَّهُ ... ضَعِيفٌ وَلم يَأْسِرْ كإيّاك آسرُ
وَقَالُوا: أَنْت كأنا وَأَنا كَأَنْت، ولاستقصاء هَذَا الْبَاب والاحتجاج فِيهِ مَوضِع هُوَ أولى بِهِ من هَذَا الْموضع، والأفصح والأوضح فِي الْعَرَبيَّة سَمَاعا وَقِيَاسًا: لَوْلَا أَنا وَلَوْلَا أَنْت، وَالْقَضَاء على مَوضِع هَذَا الْمُضمر الْمُنْفَصِل فَإِنَّهُ فِي مَوضِع رفع كَمَا هُوَ فِي الظَّاهِر كَذَلِك، كَقَوْلِك: لَوْلَا زيدٌ وَلَوْلَا عَبْد اللَّه، غَيْر أَن الْوَجْه الآخر جَائِز، كَمَا قَالَ جُمْهُور النَّحْوِيين لروايتهم إِيَّاه عَنِ الْعَرَب وَمَا اسْتشْهدُوا بِهِ من أشعارها، وَلَيْسَ بمطرحٍ لَاحق باللحن المرغوب عَنْهُ كَمَا زعم أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بْن يزِيد.
عظة وَاعْتِبَار
حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْن أَحْمَد بْن جَعْفَر بْن مُوسَى الْبَرْمَكِي الْمَعْرُوف بجحظة، قَالَ: قَالَ لي صافي الحرمي: لمّا مَاتَ المعتضد بِاللَّه كَفّنتُه وَالله فِي ثَوْبين قوهي قيمتُهما سِتَّة عَشْر قيراطًا.
خبر مَقْدم وَكِيع وَابْن إِدْرِيس وَحَفْص عَلَى الرشيد
حَدَّثَنَا ابْن مخلد، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن المؤمل، أَبُو جَعْفَر الضَّرِير الْكَلْبِيّ، حَدَّثَنِي شيح عليّ بَاب بَعْض الْمُحدثين، قَالَ: سَأَلت وكيعا عَنْ مَقْدَمِه وَهُوَ وَابْن إِدْرِيس وَحَفْص عَلَى هَارُون الرشيد، فَقَالَ لي: مَا سَأَلَني عَنْ هَذَا أحدٌ قبلك، قدمنَا عَلَى هَارُون أَنَا وَعبد اللَّه بْن إِدْرِيس وَحَفْص بْن غياث، فأقعدنا بَيْنَ السّريرين فَكَانَ أول من دَعَا بِهِ أَنَا، فَقَالَ لي هَارُون: يَا وَكِيع! فَقلت: لبيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ: إِن أَهْلَ بلدك طلبُوا مني قَاضِيا وسَمّوْك لي فِيمَن سَمّوْا، وَقد رَأَيْت أَن أشركك فِي أمانتي وَصَالح مَا أَدخل فِيهِ من أَمر هَذِهِ الْأمة، فَخذ عَهْدَكَ وامض. فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! وَإِحْدَى عَيْني ذَاهِبَة وَالْأُخْرَى ضَعِيفَة؟ فَقَالَ هَارُون: اللَّهُمّ غُفْرًا، خُذْ عَهْدك أَيهَا الرَّجُل وامض، فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَالله لَئِن كنت صَادِقا إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَن تقبل مني وَإِن كنت كَاذِبًا فَلا يَنْبَغِي أَن تُوَلِّيَ الْقَضَاء كذابا، فَقَالَ: اخْرُج، فَخرجت، فَدخل ابْن إِدْرِيس فَكَانَ هَارُون قَدْ وُسم لَهُ من ابْن إِدْرِيس وَاسم، يَعْنِي خُشُونة جَانِبه، فَدخل فسمعنا صَوت رُكبتيه عَلَى الأَرْض حِين بَرَك، وَمَا سمعناه يُسلِّم إِلَّا سَلاما
стр. 113
خفِيا، فَقَالَ لَهُ هَارُون: أَتَدْرِي لَمْ دعوتُك؟ قَالَ: لَا، قَالَ: إِن أَهْلَ بلدك طلبُوا مني قَاضِيا وَأَنَّهُمْ سَمّوْك لي فِيمَن سَمّوْا، وَقد رَأَيْت أَن أشركك فِي أمانتي وأدخلك فِي صَالح مَا أَدخل فِيهِ من أَمر هَذِهِ الْأمة، فَخذ عَهْدَكَ وامض، فَقَالَ لَهُ ابْن إِدْرِيس: لستُ أصلح للْقَضَاء، فنكث هَارُون بإصبعه وَقَالَ لَهُ: وددت أَنِّي لَمْ أكن مَثَلْتُك، قَالَ لَهُ ابْن إِدْرِيس: وَأَنا وددتُ أَنِّي لَمْ أكن رأيتُك، فَخرج ثُمَّ دَخَلَ حَفْص بْن غياث، فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ لَنَا، فَقبل عَهده وَخرج، فَأَتَانَا خَادِم مَعَه ثَلَاثَة أكياس فِي كلّ كيس خَمْسَة آلَاف دِينَار، فَقَالَ: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يقرئكم السّلام وَيَقُول لَكُمْ: قَدْ لزمتكم مؤونة فِي شخوصكم فاستعينوا بِهَذِهِ فِي سفرتكم، قَالَ وَكِيع: أَقْرئ أَمِير الْمُؤمنِينَ السّلام وقُل: قَد وَقَعَتْ مني بِحَيْثُ يحبُّ أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأَنا عَنْهَا مُسْتَغْنٍ، وَفِي رعية أَمِير الْمُؤمنِينَ من هُوَ أحْوج إِلَيْهَا مني، فَإِن رَأَى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يصرفهَا إِلَى من أحبّ، وأمّا ابْن إِدْرِيس فصاح بِهِ: مُرَّ من هَا هُنَا وَقبلهَا حَفْص، وَخرجت الرّقعة إِلَى ابْن إِدْرِيس من بَيْننَا، عَافَانَا الله وَإِيَّاك سألناك أَن تدخل فِي أَعمالنَا فَلم تفعل، ووصلناك من أَمْوَالنَا فَلم تقبل، فَإِذا جَاءَك ابْني الْمَأْمُون فحَدثّه إِن شَاءَ اللَّه، فَقَالَ للرسول: إِذَا جَاءَ مَعَ الْجَمَاعَة حَدَّثْنَا إِن شَاءَ اللَّه، ثُمَّ مَضَيْنا، فَلَمّا صرنا إِلَى الياسرية حضرت الصَّلاة فنزلنا نَتَوَضَّأ للصَّلَاة، قَالَ وَكِيع: فنظرتُ إِلَى شُرَطيِّ مَحْمُوم نَائِم فِي الشَّمْس عَلَيْهِ سوَاده فطرحت كسائي عَلَيْهِ، وَقلت: تدفأ إِلَى أَن نَتَوَضَّأ، فجَاء ابْن إِدْرِيس فاستلبه ثُمّ قَالَ: رَحمته لَا رَحِمك اللَّه، فِي الدُّنْيَا أحد رحم مثل ذَا؟ ثُمَّ الْتفت إِلَى حَفْص وَقَالَ: قَدْ علمتُ حِين دخلت إِلَى سُوق أَسد فخضبتَ لِحْيتك وَدخلت الحَمّام أنَّكَ سَتَلي الْقَضَاء، وَلَا وَالله لَا كلَمتُك حَتَّى تَمُوت، فَمَا كلَمه حَتَّى مَاتَ.
الْمَأْمُون يتركُ جَارِيَته الحبيبة إِلَى بِلَاد الرّوم
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّد عَبْد اللَّه بْن مَالك النَّحْويّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يحيى بْن أبي حَمَّاد الموكبي، عَنْ أَبِيه، قَالَ: لمّا وصفت لِلْمَأْمُونِ جَارِيَة بِكُل مَا تُوصَف بِهِ امْرَأَة من الْكَمَال وَالْجمال، فَبعث فِي شِرَائهَا فَأتى بهَا وَقت خُرُوجه إِلَى بِلَاد الرّوم، فَلَمّا هَمّ بِلبْس درعه خطرت بِبَالِهِ فَأمر فأخرجت إِلَيْهِ، فَلَمّا نظر إِلَيْهَا أعجب بهَا وأعجبت بِهِ، فَقَالَت: مَا هَذَا: قَالَ: أُرِيد الْخُرُوج إِلَى بِلَاد الرّوم. قَالَتْ: قَتَلتنِي وَالله يَا سَيِّدي، وجَرَتْ دموعها عَلَى خدها كنظَم اللُّؤْلُؤ، وأنشأت تَقول:
سأدْعُو دَعْوَة الْمُضْطَر رَبًّا ... يُثيبُ عَلَى الدُّعَاء ويستجيب
لَعَلَّ الله أَن يَكْفِيك حَربًا ... ويجمعنا كَمَا تهوى الْقُلُوب
فضم الْمَأْمُون إِلَى صَدره وَأَنْشَأَ متمثلاُ يَقُول:
فيا حسنها إِ يَغْسِل الدمع كُحْلَها ... وَإِذ هِيَ تَذْري الدمْعَ مِنْهَا الأنامل
صَبِيحَة قَالَتْ فِي العتاب قَتَلْتني ... وقَتْلِي بِمَا قَالَتْ هُناك تحاولُ
ثُمَّ قَالَ لِخَادِمِهِ: يَا مسرور احتفظ بهَا وَأكْرم محلهَا وَأصْلح لَهَا كلّ مَا تحْتَاج إِلَيْهِ من
стр. 114
المقاصير والخدم والجواري إِلَى وَقت رجوعي، فلولا مَا قَالَ الأخطل حِين يَقُولُ:
قومٌ إِذَا حَارَبُوا شَدُّوا مآزرهم ... دُون النِّسَاء وَلَو بَاتَتْ بأطهارِ
ثُمَّ خَرَجَ فَلم يزل يتعهدها ويُصْلح مَا أُمِرَ بِهِ، فاعتلّت الْجَارِيَة عِلَّة شَدِيدَة أشْفق عَلَيْهَا مِنْهَا وَورد نعي الْمَأْمُون، فَلَمّا بلغَهَا ذَلِكَ تنفّستِ الصُّعداء وتُوفيت، وَكَانَ ممّا قَالَتْ وَهِي تُجودُ بِنَفسِهَا:
إِن الزَّمَان سقانا من مرارته ... بَعْدَ الْحَلَاوَة أنفاسًا فأروانا
أبدى لَنَا تَارَة فأضحكنا ... ثُمَّ انثنى تَارَة أُخْرَى فأبكانا
إِنَّا إِلَى اللَّه فِيمَا لَا يزَال لَنَا ... من الْقَضَاء وَمن تلوين دُنيانا
دُنيا نَراها تُرينا من تَصَرُّفها ... مَا لَا يدومُ مصافاةً وأحْزَانا
ونحنُ فِيهَا كأنّا لَا نُزَايلها ... للعيش أحياؤُنا يَبْكُونَ مَوْتانا
الْمجْلس السَّادِس عَشْر
حَدِيث مَا ذئبان جائعان فِي حَظِيرَة
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الْفَارِسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ أَبُو بَكْرِ بْن أَبِي خَيْثَمَة، قَالَ: حَدَّثَنَا قَحْطَبَةَ بْنُ الْعَلاءِ، قَالَ حَدَّثَنِي سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ فِي حَظِيرَةٍ وَثِيقَةٍ يَأْكُلانِ وَيَفْتَرِسَانِ، بِأَضَرَّ فِيهَا مِنْ حُبِّ الْمَالِ وَالشَّرَفِ فِي دِينِ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ ".
تَعْلِيق الْمُؤلف
قَالَ القَاضِي: هَذَا خبر صَحِيح مَشْهُور، قَدْ روينَاهُ من غَيْر وَجه، وَفِي جملَة أَلْفَاظه اخْتِلَاف فِي اللَّفْظ دون الْمَعْنى، فِي بَعْضهَا: مَا ذئبان ضاريان، وَفِيه تنبيهٌ عَلَى أَن أَوْلى الْأُمُور بِالْمَرْءِ حِفْظُه دِينَه، وإشفاقُه من دخُول الْخلَل فِيهِ، فَإِن حب المَال والشرف وَالسَّعْي فِي اكتسابهما، والحرص عَلَى حيازتهما والانهماك فِي مسابقة أهلهما إِلَيْهِمَا، ومغالبته عَلَيْهِمَا، ممّا يُؤَدِّي إِلَى هدم الدِّين وتوهين أَرْكَانه، وطمس معالمه وَحط بُنْيَانه، مَعَ مَا فِيهِ من حمل الْمَرْء مِنْهُ على أَسبَاب الهلكة، وجده فِيمَا يورطه فِي حبائل الرذائل، وبُعده عَنْ شرِيف الْفَضَائِل، فقلّ من سلم مِمَّن وَصفنَا حَاله من الْبَغي والعدوان والحسد والطغيان، وَقد يحرم مَعَ هَذَا ممّا أمّل إِدْرَاكه، وطمع فِي بُلُوغه، فَحصل من الكد وَالْجد، والعناء والشقاء ولاستيلاء النحوس عَلَيْهِ وانحطاط الْجد، فنسأل الله تعلى توفير حَظِّنا من رَحمته وعصمته، وَأَن يتمم مَا ابتدأنا بِهِ من نعْمَته، فَلَقَد هلك من هلك من النّاس فِي ركوبهم مَا حذَّر مِنْهُ رَسُول الله ﷺ ، وأوضح الْبَيَان عَنْهُ.
وَقد ذَكَرَ عَنِ الْحجَّاج بْن أَرْطَاة وَكَانَ من المَشْهورين بالفقه وَالْقَضَاء وَالرِّوَايَة
стр. 115
وَالتَّصَرُّف فِي الآراء، أَنَّهُ قَالَ: أهلكني حب الشّرَف. وروى عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يشْهد جُمُعة وَلَا جمَاعَة وَيَقُول: أكره مزاحمَة الأنذال.
أَمر الحَجَّاج بْن علاط السُّلَميّ وحيلته فِي جمع مَاله من مكَّة
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ الْكَاتِبُ النَّهْرَوَانِيُّ، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُنْتَصِرِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَصِرِ، قَالَ حَدَّثَنَا هرون بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ مُوسَى بْنِ عِيسَى الْهَاشِمِيُّ الْكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُعَيْدِيُّ وَيَعْقُوبُ، قَالا: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ بُهْلُولٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ صَفَرٍ، وَكَانَ افْتِتَاحُ خَيْبَرَ فِي عَقِبِ الْمُحَرَّمِ، قَالَ: وَلَمَّا أَسْلَمَ الْحَجَّاجُ بْنُ عِلاطٍ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الْبَهْزِيُّ شَهِدَ خَيْبَرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: وَأَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَزْيَدٍ النَّحْوِيُّ بِإِسْنَادٍ لَهُ، قَالَ: وَلَمَّا أَسْلَمَ حَجَّاجُ بْنُ عِلاطٍ السُّلَمِيُّ وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ وَلَمْ تَعْلَمْ قُرَيْشٌ بِإِسْلامِهِ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ فِي أَنْ يَصِيرَ إِلَى مَكَّةَ فَيَأْخُذَ مَا كَانَ لَهُ مِنْ مَالٍ، وَقَالَ الْهَاشِمِيُّ فِي حَدِيثِهِ: قَالَ الْحَجَّاجُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ لِي مَالا بِمَكَّةَ عِنْدَ أَبِي طَلْحَةَ، وَعَلَى التُّجَّارِ، وَعِنْدَ صَاحِبَتِي أُمِّ شَيْبَةَ بِنْتِ أَبِي طَلْحَةَ أُخْت بني عبد الدَّار، وَأَنَا أَتَخَوَّفُ إِنْ عَلِمُوا بِإِسْلامِي أَنْ يَذْهَبَ، فَأْذَنْ لِي بِاللُّحُوقِ بِهِ لَعَلِّي أُخَلِّصُهُ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي حَدِيثِهِ: فَاسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي يَوْمِ خَيْبَرَ بِأَنْ يَصِيرَ إِلَى مَكَّةَ فَيَأْخُذَ مَا كَانَ لَهُ مِنْ مَالٍ بِهَا، وَكَانَتْ لَهُ أَمْوَالٌ مُتَفَرِّقَةٌ وَهُوَ رَجُلٌ غَرِيب فهم، إِنَّمَا هُوَ أَحَدُ بَنِي سُلَيْمٍ بن مَنْصُورٍ ثُمَّ أَحَدُ بَنِي بَهْزٍ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَحْتَاجُ إِلَى أَنْ أَقُولَ، قَالَ: فَقُلْ. وَقَالَ الْهَاشِمِيُّ فِي حَدِيثِهِ: لَا بُدَّ لي مِنْ أَنْ أَقُولَ: قَالَ: قُلْ وَأَنْتَ فِي حِلٍّ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَهَذَا كَلامٌ حَسَنٌ يُقَالُ عَلَى جِهَةِ الاحْتِيَالِ غَيْرِ الْحَقِّ، فَأَذِنَ لَهُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْحِيلَةِ وَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْفَسَادِ وَالشَّرِّ مَا يُقَالُ فِي هَذَا الْمَعْنَى، يَقُولُ كَمَا قَالَ اللَّهُ : " أَمْ يَقُولُونَ تَقوله ". وَقَالَ الْهَاشِمِيُّ فِي حَدِيثِهِ: فَخَرَجَ الْحَجَّاجُ، قَالَ: فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى ثَنِيَّةِ الْبَيْضَاءِ وَجَدْتُ بِهَا رِجَالا مِنْ قُرَيْشٍ يَتَسَمَّعُونَ الأَخْبَارَ وَقَدْ بَلَغَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ سَارَ إِلَى خَيْبَرَ، وَكَانُوا قَدْ عَرَفُوا أَنَّهَا أَرْضُ الْحِجَازِ وَبِهَا مَنْعَةٌ وَرِجَالٌ. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي حَدِيثِهِ: فَلَمَّا أَبْصَرُونِي قَالَتْ قُرَيْشٌ: هَذَا لَعَمْرُ اللَّهِ عِنْدَهُ الْخَبَرُ، أَخْبِرْنَا يَا حَجَّاجُ فَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ الْقَاطِعَ قَدْ سَارَ إِلَى خَيْبَرَ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي حَدِيثِهِ: وَقَالَ الْهَاشِمِيُّ فِي حَدِيثِهِ وَهِيَ بَلَدُ يَهُودَ وَرِيفُ الْحِجَازِ قَالَ: قُلْتُ: قَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ قَدْ سَارَ إِلَيْهَا وَعِنْدِي مِنَ الْخَبَرِ مَا يَسُرُّكُمْ، قَالَ: فَالْتَبَطُوا بجنبتي نَاقَتِي يَقُولُونَ: هِيَ يَا حَجَّاجُ، قَالَ: قُلْتُ: هُزم هَزِيمَةً لَمْ تَسْمَعُوا بِمِثْلِهَا قَطُّ، وَقُتِلَ أَصْحَابُه قَتْلا لَمْ تَسْمَعُوا بِمِثْلِهِ قَطُّ، وَأَخَذُوا مُحَمَّدًا أَسِيرًا، وَقَالُوا: لَنْ نَقْتُلَهُ حَتَّى نَبْعَثَ بِهِ إِلَى مَكَّةَ
стр. 116
فَيَقْتُلُوهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ بِمَنْ كَانَ أَصَابَهُمْ مِنْ رِجَالِهِمْ، فَقَامُوا فَصَاحُوا بِمَكَّةَ وَقَالُوا: قَدْ جَاءَكُمُ الْخَبَرُ، هَذَا مُحَمَّدٌ إِنَّمَا تَنْتَظِرُونَ أَنْ يُقْدَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ، وَهَذَا الْكَلامُ كُلُّهُ مِنْ حَدِيثِ الْهَاشِمِيِّ، قَالَ: فَقُلْتُ: أَعِينُونِي عَلَى جَمْعِ مَالِي بِمَكَّةَ عَلَى غُرَمَائِي فَإِنِّي أُبَادِرُ خَيْبَرَ فَأُصِيبُ مِنْ فَلِّ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْبِقَنِي التُّجَّارُ إِلَى مَا هُنَاكَ، قَالَ: فَجَمَعُوا مَالِي كُلَّهُ كَأَحَثِّ جَمْعٍ سَمِعْتُ بِهِ، وَجئْت صاحبتني، فَقُلْتُ: مَالِي قَبْلَ أَنْ يَسْبِقَنِي التُّجَّارُ، فَلَمَّا سَمِعَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْمُطَّلِبِ ذَلِكَ، حَتَّى وَقَفَ إِلَى جَنْبِي وَأَنَا فِي خَيْمَةٍ مِنْ خِيَامِ التُّجَّارِ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي حَدِيثِهِ: فَأَتَانِي الْعَبَّاسُ وَهُوَ كَالْمَرْأَةِ الْوَالِهَةِ فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا حَجَّاجُ! مَا تَقُولُ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: أَكَاتِمٌ أَنْتَ عَلَيَّ خَبَرِي؟ وَقَالَ الْهَاشِمِيُّ فِي حَدِيثِهِ: فَقَالَ: يَا حَجَّاجُ! مَا هَذَا الَّذِي جِئْتَ بِهِ؟ قَالَ: قُلْتُ: وَهَلْ عِنْدَكَ حِفْظٌ لِمَا يُوضَعُ عِنْدَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: اسْتَأْخِرْ حَتَّى أَلْقَاكَ عَلَى خَلاءٍ فَإِنِّي فِي جَمْعِ مَالِي كَمَا تَرَى، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي حَدِيثِهِ: وَقُلْتُ: فَالْبَثْ عَنِّي شَيْئًا يَخْفَ مَوْضِعِي، فَانْصَرَفَ عَنِّي حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَأَجْمَعْتُ أَمْرِي عَلَى الْخُرُوجِ لَقِيتُهُ فَقُلْتُ: احْفَظْ عَلَيَّ حَدِيثِي فَإِنِّي أَخْشَى الطَّلَبَ، قَالَ: أفْعَلُ قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ تَرَكْتُ ابْنَ أَخِيكَ عَرُوسًا عَلَى ابْنَةِ مَلِكِهِمْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي حَدِيثِهِ: خَلَّفْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ فَتَحَ خَيْبَرَ، وَخَلَّفْتُهُ عَرُوسًا عَلَى ابْنَةِ مَلِكِهِمْ وَمَا جِئْتُكُمْ إِلا مُسْلِمًا. وَقَالَ الْهَاشِمِيُّ فِي حَدِيثِهِ: وَلَقَدِ افْتَتَحَ خَيْبَرَ وَنَقَلَ مَا كَانَ فِيهَا وَسَاقَ وَصَارَتْ لَهُ وَلأَصْحَابِهِ. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي حَدِيثِهِ: فَاكْتُمِ الْخَبَرَ ثَلَاث حَتَّى أُعْجِزَ الْقَوْمَ ثُمَّ أَشِعْهُ فَإِنَّهُ وَاللَّهِ الْحَقُّ. قَالَ الْهَاشِمِيُّ فِي حَدِيثِهِ: فَاكْتُمْ عَلَيَّ ثَلاثًا، وَمَا جِئْتُ إِلا لأَخْذِ مَالِي فَرَقًا مِنْ أَنْ أُغْلَبَ عَلَيْهِ، فَإِذَا مَضَتْ ثَالِثَةٌ فَأَظْهِرْ أَمْرَكَ، وَالأَمْرُ وَاللَّهِ عَلَى مَا تُحِبُّ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ لَبِسَ الْعَبَّاسُ الْحُلَّةَ وَتَخَلَّقَ ثُمَّ أَخَذَ عَصَاهُ وَخَرَجَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قُرَيْشٌ قَالَتْ: يَا أَبَا الْفَضْلِ هَذَا وَاللَّهِ التَّجَلُّدُ لِحَرِّ الْمُصِيبَةِ، قَالَ: كَلا وَمَنْ حَلَفْتُمْ بِهِ، لَقَدِ افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ فَنَزَلَ عَرُوسًا عَلَى ابْنَةِ مَلِكِهِمْ، قَالُوا: وَمَنْ جَاءَكَ بِهَذَا الْخَبَرِ؟ قَالَ: قُلْتُ: الَّذِي جَاءَكُمْ بِمَا جَاءَكُمْ وَلَقَدْ دَخَلَ عَلَيْكُمْ مُسْلِمًا وَأَخَذَ مَا لَهُ وَانْطَلَقَ فَلَحِقَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَصْحَبُهُ وَيَكُونُ مَعَهُ، قَالُوا: أَفْلَتَ عَدُوُّ اللَّهِ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ عَلِمْنَا لَكَانَ لَنَا وَلَهُ شَأْنٌ، قَالَ: وَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ جَاءَهُمُ الْخَبَرُ.
وَقَالَ هَارُونُ فِي حَدِيثِهِ، قَالَ صَالِحٌ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ شَيْخٍ، قَالَ: لَمَّا أُخْبِرَ الْعَبَّاسُ يَوْمَ خَيْبَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَيٌّ أَعْتَقَ غُلامَهُ الَّذِي خَبَّرَهُ، وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: فَلَمَّا سَمِعَ بذلك أَرَادَ أَنْ يَقُومَ فَلَمْ يَقْدِرْ، وَدَعَا بِابْنٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ قُثَمُ، وَكَانَ شَبِيهًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعَلَ يَرْتَجِزُ وَيُنْشِدُ، وَلأَعْدَاءِ اللَّهِ يَقُولُ:
ابْنِي قثمْ ... ذُو الأَنْفِ الأشمْ
стр. 117
شَبِيهُ ذِي الْكَرَمْ ... بِرَغْمِ مَنْ رغمْ
نَبِيِّ ذِي النِّعَمْ
وَقَالَ هَارُونُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عِيَاضِ بْنِ جَعْدَةَ، قَالَ: وَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ خَيْبَرَ خَرَجَ الْحَجَّاجُ بْنُ عِلاطٍ السُّلَمِيُّ إِلَى مَكَّةَ وَقَدْ أَسْلَمَ لِيَأْخُذَ مَالا لَهُ عِنْدَ امْرَأَتِهِ، وَكَانَ مُكْثِرًا لَهُ مِنْ مَالِهِ مَعَادِنَ الذَّهَبِ بِأَرْضِ سُلَيْمٍ، وَذَكَرَ كَلامَ الْحَجَّاجِ بِطُولِهِ، وَبَلَغَ الْعَبَّاسَ فَأَرَادَ النُّهُوضَ فَلَمْ يَقْدِرْ، وَأَمَرَ بِبَابِ الدَّارِ فَفُتِحَ ثُمَّ دَعَا غُلامَهُ أَبَا رَافِعٍ فَقَالَ: انْطَلِقْ إِلَى الْحَجَّاجِ فَقُلْ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ أَعْلَى وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الَّذِي تُبَلِّغُ حَقًّا، فَأَبْلَغَهُ وَأَشَارَ إِلَيْهِ، قَالَ لأَبِي الْفَضْلِ عِنْدِي مَا تُسَرُّ بِهِ، فَرَجَعَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَكْتُمَ الْخَبَرَ فَرَحًا، فَقَامَ إِلَيْهِ الْعَبَّاسُ فَقَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ. فَقَالَ هَارُون فِي حَدِيثه: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ الرَّبَعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق، قَالَ: كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ سَبْعَةٌ ثَامِنُهُمْ مَوْلًى لَهُمْ: الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَعَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَثَامِنُهُمْ أَيْمَنُ بْنُ أُمِّ أَيْمَنَ، وَكَانَ الْعَبَّاسُ آخِذًا بِعِنَانِ بَغْلَةِ النَّبيّ ﷺ وَأَبُو سُفْيَانَ آخِذًا بِثَفْرِهَا، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَنْ هَذَا يَا عَمُّ؟ فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: أَخُوكَ وَابْنُ عَمِّكَ أَبُو سُفْيَانَ بن الحراث. قَالَ: نَعَمْ أَخِي وَخَيْرُ أَهْلِي. وَقَالَ الْعَبَّاسُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ:
نَصَرْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِي الْحَرْبِ سَبْعَةٌ ... وَقَدْ فَرَّ مَنْ قَدْ فَرَّ عَنْهُ فَأَقْشَعُوا
وَثَامِنُنَا لاقَى الْحِمَامَ بِنَفْسِهِ ... لِمَا مَسَّهُ فِي اللَّهِ لَا يَتَوَجَّعُ
وَقَوْلِي إِذَا مَا الْفَضْلُ شَدَّ بِسَيْفِهِ ... عَلَى الْقَوْمِ أُخْرَى يَا بُنَيَّ فَيَرْجِعُوا
قَالَ القَاضِي: هَكَذَا هُوَ فِي كتابي فَإِن يكن فِي أصل الشَّيْخ عَلَى هَذَا، فتقدير الْكَلَام أشدد أُخْرَى فيرجعوا فَدخلت الْفَاء جَوَابا، وَإِن كنت الرِّوَايَة فِي الأَصْل فَيرجع عَلَى الْخَبَر عَنِ الْوَاحِد بِالْمَعْنَى فَهُوَ يرجع.
الحَجَّاج وفراشة الَّتِي كَانَتْ تجهز الْخَوَارِج
حَدَّثَنَا ابْن دُرَيْد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِم، عَنْ أبي عُبَيْدة، وَذكره أَبُو حَاتِم عَنِ الْعُتْبِي أَيْضا، قَالَ: كَانَت امْرَأَة من الْخَوَارِج من الأزد يُقَالُ لَهَا فراشة، وَكَانَت ذَاتَ نبهٍ فِي رَأْي الْخَوَارِج تُجَهِّزُ أَصْحَاب البصائر مِنْهُم، وَكَانَ الحَجَّاج يطْلبهَا طَلَبًا شَدِيدا، فأعوزته فَلم يظفر بهَا، وَكَانَ يَدْعُو اللَّه أَن يُمكنهُ من فراشة أَوْ من بَعْض من جهزته، فَمَكثَ مَا شَاءَ اللَّه ثُمَّ جِيءَ بِرَجُل فَقَالَ: هَذَا مِمَّن جهّزته فراشة، فخرّ سَاجِدا ثُمَّ رفع رَأسه، فَقَالَ لَهُ: يَا عدوُّ الله، قَال: أَنْت أولى بهَا يَا حجاج، قَالَ: أَيْنَ فراشة؟ قَالَ: مرت تطير مُنْذُ ثَلَاث. قَالَ: أَيْنَ تطير؟ قَالَ: تطير
стр. 118
مَا بَيْنَ السَّمَاء وَالْأَرْض، قَالَ: أعن تِلْكَ سَأَلتك عَلَيْكَ لعنة اللَّه؟ قَالَ: عَنْ تِلْكَ أَخْبَرتك عَلَيْك غضب الله، قَالَ: سَأَلتك عَنِ الْمَرْأَة الَّتِي جَهّزتْك وَأَصْحَابك، قَالَ: وَمَا تصنع بهَا؟ قَالَ: دلنا عَلَيْهَا، قَالَ: تصنع بهَا مَاذَا؟ قَالَ: أَضْرِبُ عُنُقهَا. قَالَ: وَيلك يَا حجاج، مَا أجهلك! تُرِيدُ أَن أدلك وَأَنت عَدو اللَّه عَلَى من هُوَ وَلِيُّ الله؟ قَدْ ضللتُ إِذَا وَمَا أَنَا من المهتدين. قَالَ: فَمَا رَأْيك فِي أَمِير الْمُؤمنِينَ عبد الْملك؟ قَالَ: على ذَاك الْفَاسِق لعنة اللَّه ولعنة اللاعنين، قَالَ: وَلم لَا أم لَك؟ قَالَ: انه أَخطَأ خَطِيئَة طبقت بَيْنَ السَّمَاء وَالْأَرْض، قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: اسْتِعْمَاله إياك عَلَى رِقَاب الْمُسلمين، فَقَالَ الْحجَّاج لجلسائه: مَا رَأْيكُمْ فه؟ قَالُوا: نرى أَن تقتله قتلةً لَمْ يقتل مثلهَا أحد، قَالَ: وَيلك يَا حجاج، جلساء أَخِيك كَانُوا أحسن مجالسة من جلسائك، قَالَ: وَأي أخويَّ تُرِيدُ؟ قَالَ: فِرْعَوْن حِين شاور مُوسَى فَقَالُوا: أرجه وأخاه، وَأَشَارَ عَلَيْك هَؤُلاءِ بقتلي، قَالَ: وَهل حفظتَ الْقُرْآن؟ قَالَ: وَهل خَشيت فراره فأحفظه؟ قَالَ: هَلْ جمعتَ الْقُرْآن؟ قَالَ: مَا كَانَ مُتَفَرقًا فأجمعه، قَالَ: أَقرَأته ظَاهرا؟ قَالَ: مُعَاذِ الله بل قرأته وَأَنا أنظر إِلَيْهِ، فَقَالَ: فَكيف تراك تلقى اللَّه إِن قتلتُك؟ قَالَ: أَلْقَاهُ بعملي وتلقاه بدمي، قَالَ: إِذا أُعَجِّلُك إِلَى النَّار، قَالَ: لَوْ علمت أنَّ ذَلِكَ إِلَيْكَ أَحْسَنت عبادتك واتقيتُ عذابك وَلم أبغ خِلافك ومناقضتك، قَالَ: إِنِّي قَاتلك، قَالَ: إِذا أخاصمك لِأَن الحكم يَوْمئِذٍ إِلَى غَيْرك، قَالَ: نُقْمِعُك عَنِ الْكَلَام السَّيئ، يَا حِرسي! اضْرِب عُنُقه، وأومى إِلَى السياف أَلا يقْتله، فَجعل يَأْتِيهِ من بَيْنَ يَدَيْهِ وَمن خَلفه ويروعه بِالسَّيْفِ، فَلَمّا طَال ذَلِكَ عَلَيْهِ رَشَح جَبينه، قَالَ: جَزعت من الْمَوْت يَا عدوَّ اللَّه؟ قَالَ: لَا يَا فَاسق، وَلَكِن أَبْطَأت عليّ بِمَا لي فِيهِ رَاحَة، قَالَ: يَا حرسيّ أعظم جرحه، فَلَمَّا أحس بِالسَّيْفِ قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا اللَّه، وَوَاللَّه مَا أتمهَا وَرَأسه فِي الأَرْض.
حمدَان البرتي يهيم بِامْرَأَة طقطق الْكُوفِي
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن زِيَاد الْمقري، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الصَّلْت، قَالَ: كَانَ حمدَان البرتي عَلَى قَضَاء الشرقية، فَقدمت امْرَأَة طقطق الْكُوفِي طقطقًا إِلَيْهِ فادعت عَلَيْهِ مهْرا أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم، فَسَأَلَهُ القَاضِي عَمَّا ذَكَرَتْ، فَقَالَ: أعز اللَّه القَاضِي، مهرهَا عشرَة دَرَاهِم، فَقَالَ لَهَا البرتي: أسْفري، فَسَفَرتْ حَتَّى انْكَشَفَ صَدْرها، فَلَمّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ لطقطق: وَيلك! مثل هَذَا الْوَجْه يستأهل أَرْبَعَة آلَاف دِينَار لَيْسَ أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم، ثُمَّ الْتفت إِلَى كَاتبه فَقَالَ لَهُ: فِي الدُّنْيَا أحسن من هَذَا الشذر على هَذَا النَّحْر؟ فَقَالَ لَهُ طقطق، فديتك، إِن كَانَتْ قَدْ وَقعت فِي قَلْبك طَلقتهَا، قَالَ لَهُ البرتي: تهددها بِالطَّلَاق وَقد قَالَ الله : " فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وطراً زَوَّجْنَاكهَا " إِن طَلقتهَا كَانَ هَا هُنَا ألف مِمَّن يَتَزَوَّجهَا، فَقَالَ طقطق: إِنِّي وَالله مَا قضيتُ وَطَري مها، وَأَنا طقطق لَيْسَ أَنَا زَيْدُ، فَأقبل البرتي عَلَى الْمَرْأَة: فَقَالَ لَهَا: يَا حبيبتي مَا أَدْرِي كَيْفَ كَانَ صبرك عَلَى مباضعة هَذَا البغيض؟ ثُمَّ أنشأ يَقُولُ:
стр. 119
تَرَبّصْ بهَا رَيْبَ الْمَنُونِ لَعَلّهَا ... تُطَلّقُ يَوْمَا أَوْ يَمُوتَ حَلِيلُها
فَقَامَ طقطق فَتعلق بِهِ وصيف غُلَام البرتي فصاح بِهِ: دَعه يذهب عَنا فِي سقر، ثُمَّ قَالَ لَهَا: إِن لَمْ يَصِرْ لَك إِلَى مَا تريدين فصيري إِلَى امْرَأَة وصيف حَتَّى تُعْلمني فأضعه فِي الْحَبْس، فَكتب صَاحب الْخَبَر بِمَا كَانَ فعلق بِهِ البرتي وصانعه عَلَى خمس مائَة دِينَار عَلَى أَلا يرفع الْخَبَر بِعَيْنِه، وَلَكِن يكْتب أنَّ عجوزًا خَاصَمت زَوجهَا فألط فاستغاثت بِالْقَاضِي فَقَالَ لَهَا: مَا اصْنَع يَا حبيبتي هُوَ حُكْم وَلَا بدّ أَن أَقْْضِي بِالْحَقِّ، وَانْصَرف البرتي متيمًا، فَمَا زَالَ مُدَنفًا يبكي ويهيم فَوق السطوح، وَيَقُول الشّعْر فَكَانَ ممّا قَالَه:
وَا حسرتي عَلَى مَا مضى ... لَيْتَني لَمْ أكُن أعْرِف الْقَضَا
أحببتُ امْرَأَة وَخفت الل ... هـ حَقًا فَمَا تَمَّ حَتَّى انْقَضى
وَغير ذَلِك من شعر لَا وزن لَهُ وَلَا روى، إِلَى أَن ارعوى وَرجع.
لطّ وألطّ وَأيهمَا أصح
قَالَ القَاضِي: هَكَذَا فِي الْخَبَر ألطّ، وَالْمَعْرُوف فِي الْعَرَبيَّة لط، وَقَالُوا فِي اسْم الْفِعْل ملط عَلَى غَيْر الْقيَاس لِأَن قِيَاس ألط ملط وَقِيَاس لط لَاطَ، غير أنّ السماع لَا اعْتِرَاض لأحد فِيهِ، وَلَا يتْرك للْقِيَاس بل يتْرك الْقيَاس لَهُ.
بَيْنَمَا يَبُول من فزعه إِذْ يَبُول عَلَى قَبره
حَدَّثَنَا أَحْمَد بن جَعْفَر بن مُوسَى بالبرمكي الْمَعْرُوف بجحظة، قَالَ: قَالَ لي مَيْمُون بْن هرون الْكَاتِب: جرد شُعَيْب بْن عُجَيف رَجُلا ليضربه بالسياط فِي مَال اختانه مِنْهُ، فَبَال الرَّجُل لمّا رَأَى السِّيَاط فَجرى بَوْله من بائكة سراويله فأطله، وشخص مَعَ المعتصم يُرِيدُونَ بِلَاد الرّوم، فَمَاتَ شُعَيْب بْن عجيف فِي الطَّرِيق، وَخرج الرَّجُل خَلَف الْعَسْكَر يطْلب الرزق، فغمزه الْبَوْل فِي السحر وَهُوَ بِبَعْض الْقرى، فَرَأى ركامًا فَبَال عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ رَجُل من الْقرْيَة: بئْسَمَا فعلت، بلت عَلَى قبر شُعَيب بْن عجيف، فَقَالَ الرَّجُل: لَا إِلَه إِلَّا اللَّه، بَينا أَنَا أبول من فزعه إِذْ بلت عَلَى قَبره.
إِلَّا يكن أَخا بِالنّسَبِ فَإِنَّهُ أَخ بالأدب
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْن مُحَمَّد بْن مُوسَى بْن حَمَّاد، قَالَ: سَمِعت عليّ بْن الجهم، وَقد ذَكَرَ دعبلا وكفره ولعنه، وَقَالَ: كَانَ قَدْ أغرى بالطعن عَلَى أبي تَمام وَهُوَ خَير مِنْهُ دينا وشعرًا، فَقَالَ لَهُ رَجُل: لَوْ كَانَ أَبُو تَمام أَخَاك مَا زَاد عَلَى كَثْرَة وصفك لَهُ، فَقَالَ: إِلَّا يكن أَخا بِالنّسَبِ فَإِنَّهُ أخٌ بالأدب وَالدّين والمروءة، أما سَمِعت فِي قَوْله فِيّ:
إِن يكد مُطّرِفُ الإخاءَ فَإِنّنا ... نَغْدُو ونَسري فِي إخاء تالدِ
стр. 120
أَوْ يخْتَلف مَاء الْوِصَال فماؤُنا ... عَذْبٌ تحدَّر من زُلال باردِ
أَوْ يفْتَرق نسبٌ يؤلِّف بَيْننَا ... أدبٌ أقمناه مقَام الْوَالِد
أَبْيَات متفاضلة فِي الْمَدْح لبَعض الشُّعَرَاء
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد الحكيمي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرو الْوراق، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن بِشْر، قَالَ: أنْشد أَبُو السمط بْن أبي الْجنُوب بْن أبي حَفْصَة لرؤبة:
إِن جِئْت أَعْطَانِي وَإِن كنت لم أجي ... تنفذ أَمْرِي فَوق مَا كنت أرتجي
فَقَالَ: لي وَالله أَجود من هَذَا فِي عَبْد اللَّه بْن طَاهِر، وَهُوَ مُتَوَجّه إِلَى نصر بْن شِيث فَوجه إليَّ بِعشْرين ألفا، فَقلت:
لَعَمْرِي لنعم الْغَيْث غيثٌ أَصَابَنَا ... بِبَغْدَاد من أَرض الجزيرة وَابِلُه
وَنعم الْفَتى والبيدُ بَيْني وَبَينه ... بِعشْرين ألفا صَبّحْتنا رسائلُه
وَكُنَّا كحي صبّح الغيثُ أهلَه ... وَلم يحْتَمل أظعانُه وحمائلُه
وأنشدنا هَذَا الشّعْر عمَارَة بْن عقيل، فَقَالَ: لي - وَالله - فِي خَالِد بْن يزِيد أحسن من هَذَا، ثُمَّ أنْشد:
لَمْ أستطع سيرًا لمدحة خَالِد ... فجعلتُ مَدْحِيِه إِلَيْهِ رَسُولا
فليرحلَنَّ إليَّ نائلُ خالدٍ ... وليكفيَنَّ رواحِلي التّرْحِيلا
وَأنْشد هَذِهِ الشّعْر المسمعي، فَقَالَ: أَنْشدني الْأَصْمَعِي أَجود من هَذَا:
جزى اللَّه خيرا والجزاءُ بكفِّه بنى السِّمْط أخدانَ السّماحة والحمدِ
أَتَانِي وَأَهلي بالعراقِ جَدَاهُم ... كَمَا انقضَّ غيثٌ فِي تِهَامَةَ أَوْ نَجْدِ
زِيَارَة حرقة بِنْت النُّعْمَان لسعد بْن أبي وَقاص
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن يَعْقُوب الدينَوَرِي، قَالَ: حَدَّثَنَا حَسّان بْن أبان البَعْلَبَكيّ، قَالَ: لمّا قَدِمَ سَعْد بْن أبي وَقاص الْقَادِسِيَّة أَمِيرا أتتْه حرقة بِنْت النُّعْمَان بْن الْمُنْذر فِي جَوَارٍ فِي مثل زِيَّها، تطلب صِلَته، فَلَمّا وقفن بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: أيتكن حرقة؟ قُلْنَ: هَذِهِ، قَالَ: أَنْت حرقة؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَمَا تكرارك استفهامي؟ إِن الدُّنْيَا دَار زَوَال وَإِنَّهَا لَا تدوم على حَال، تنْتَقل بِأَهْلِهَا انتقالا، وتُعقبهم بَعْدَ حَال حَالا، إِنَّا كنتا ملوكَ هَذَا الْمِصْرِ قبلك، يُجْبى إِلَيْنَا خَرْجه، ويُطيعنا أَهله، مدَّة الْمدَّة وزمان الدّولة، فَلَمّا أدبر الْأَمر وانقضى، صَاح بِنَا صائحُ الدَّهْر، فصدع عصانا وشتّتَ ملأنا، وكذاك الدَّهْر يَا سَعْد، إِنَّهُ لَيْسَ من قَوْمٍ بحبرة إِلَّا والدهر مُعقبهم عَبْرة، ثُمَّ أنشأت تَقول:
فَبينا نَسُوسُ الناسَ وَالْأَمر أمرنَا ... إِذَا نَحْنُ فيهم سوُقةٌ نَتَنَصَّفُ
стр. 121
فأف لدُنْيَا لَا يَدُوم سرورها ... تقبل تاراتٍ بِنَا وتصرفُ
فَقَالَ سَعْد: قَاتل اللَّه عَدِيّ بْن زَيْدُ كَأَنَّهُ كَانَ ينظر إِلَيْهَا حَيْث تَقول:
إِن للدهر صَوْلةً فاحْذَرَنْها ... لَا تبين قَدْ أمنت الشُّرُورا
قَدْ يبيت الْفَتى مُعَافًى فيُرْزَا ... وَلَقَد كَانَ آمنا مَسْرُورًا
وَأَكْرمهَا سَعْد وَأحسن جائزتها فَلَمَّا أَرَادَت فِرَاقه، قَالَتْ: حَتَّى أُحَيِّيك تحيةَ أمْلاكِنَا بَعضهم بَعْضًا: لَا جعل الله لَك إِلَّا لئيمٍ حَاجَة، وَلَا زَالَ لكريم عنْدك حَاجَة، وَلَا نزع من عَبْد صَالح نعْمَة إِلَّا جعلك سَببا لردّها عَلَيْهِ. فَلَمّا خرجت من عِنْدَهُ تلقاها نساءُ الْمِصْر فَقُلْنَ لَهَا: مَا صنع بك الْأَمِير؟ قَالَتْ:
حَاطَ لي ذِمّتي وَأكْرم وَجْهي ... إِنَّمَا يُكْرم الكريمُ الكَريما
الْمُغيرَة بْن شُعْبَة يعرض عَلَيْهَا الزواج فترفُض
وَقد روينَا بِإِسْنَاد لَمْ يحضر الْآن وَلَعَلَّه يَأْتِي فِيمَا بَعْدَ، أنَّ الْمُغيرَة بْن شُعْبَة خطب حُرَقة هَذِهِ، فَقَالَت: لَهُ: إِنَّمَا أردتَ أَن يُقَالُ: تزوج ابنةَ النعمانَ بْن الْمُنْذر وَإِلَّا فأيُّ حَظّ لأعورَ فِي عَمْياء.
أمُّ جَعْفَر البرمكيِّ وَمَا وصلتْ إِلَيْهَا حالَتُها من عظة وعبرة
حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن القَاسِم الكوكبي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْر الضَّرِير وَجه الْهِرَّة، قَالَ: حَدَّثَنِي غَسَّان بْن مُحَمَّد بْن القَاضِي، عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن الهاشميّ صَاحب صَلاة الْكُوفَة قَالَ: دخلتُ عَلَى أمِّي فِي يَوْمَ أضحى وَعِنْدهَا امْرَأَة بَرزَة فِي أَثوَاب دنسة رثَّة، فَقَالَت لي: أتعرفُ هَذِهِ؟ قلت: لَا، قَالَتْ: هَذِهِ عبَادَة أم جَعْفَر بْن يحيى بْن خَالِد، فسلّمت عَلَيْهَا ورحبت بهَا وَقتل لَهَا: يَا فُلَانَة! حدثيني بِبَعْض أَمركُم، قَالَتْ: أذكُر لَك جملَة كَافِيَة فِيهَا اعْتِبَار لمن اعْتبر، وموعظة لمن فكر، لَقَدْ هجم عليّ مثل هَذَا الْعِيد وعَلى رَأْسِي أَربع مائَة جَارِيَة ووصيفة وَأَنا أزعم أنَّ جَعْفَر ابْني عاقٌّ بِي، وَقد أتيتكم فِي هَذَا الْيَوْم وَالَّذِي يُقْنعني جلدُ شَاتين أجعَل أَحدهمَا شعاراً وَالْآخر دثارًا.
زُبَيْري يقُتُّ بهاشم
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن يُونُس بْن أبي اليسع أَبُو إِسْحَاق السبيعِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ عُمَر بْن شبة، قَالَ: لمّا قَالَ الزبيرِي للرشيد فِيمَا أغراه بِيَحْيَى بْن عَبْد اللَّه بْن حَسَن وَعند الرشيد يحيى، فَقَالَ: إِن هَذَا يُخْبِرنِي عَنْكَ بِأُمُور إِن صحّت وَجب عليّ تأديبك وَإِن أَتَى التأديبُ عَلَى نَفسك. قَالَ يحيى: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! إِنَّمَا النّاس نَحْنُ وَأَنْتُم، فَإِن خرجنَا عَلَيْكُمْ فِيمَا أكلْتُم وأجعتمونا، ولبستم وأعريتمونا، وركبتم وأرحلتمونا، فَوَجَدنَا بذلك مقَالا فِيكُم ووجدتُم بخروجنا عَلَيْكُمْ مقَالا فِينَا يتكافأ فِيهِ القَوْل، وَيعود أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهِ
стр. 122
عَلَى أَهله بِالْفَضْلِ، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! فَلم تجرِّئ هَذَا وضرباؤه على أهل بَيْتك؟ يسْعَى بهم عنْدك، وَالله مَا يسْعَى بِنَا إِلَيْك نصيحة مِنْهُ لَك، وَإنَّهُ ليَأْتِينَا فيسعى بك عندنَا من غَيْر نصيحة مِنْهُ لَنَا، يُرِيد أَن يباعد بَيْننَا ويشتفي من بَعْض بِبَعْض، وَوَاللَّه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّه للخائن بْن الخائن، يسْقط بَيْنَ اللحاء والقضيب، يُرِيد أَن يُوهنهما جَمِيعًا حَسَدًا وبَغْيًا وَغِلا، ثُمَّ الْتفت إِلَى الزبيرِي متمثلا بقول الشَّاعِر:
وَقد يُسَوِّدُ عصرُ السُّوء مثلَكُم ... وَقد يعودُ رءوسُ النّاس أذنابا
وَقد قَالَ بَعْض أهلك:
أَلَيْسَ من إِلْقَاء الزَّمَان عَلَى استه ... وقوفُ
زبيريٍّ يقتُّ بهاشم
إِذَا مَا رَآهُمْ كَانَ هَمْزًا ولامزًا ... لأعراضهم مَيْنا وبغيًا لحازمِ
قَوْله: يقتّ معناهُ ينمُّ، وَقَالَ: لَا يدخلُ الجنةَ قتّات، وروى عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ لعن القَتّات يَعْنِي النمام.
رَجَاء يُرْجئُ مَا أُمِر بِهِ
حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن القَاسِم الكوكبي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْفضل أَحْمَد بْن أبي طَاهِر، قَالَ: مدحتُ الْحَسَن بْن مخلد فَأرْسل إليَّ أَنِّي قَدْ أمرت لَك بِمِائَة دِينَار، فَالْحق رَجَاء، فلقيتُ رَجَاء فَقَالَ: لَمْ يَأْمُرنِي بِشَيْء، فَكتبت إِلَيْهِ:
أما رجاءُ فأرْجَى مَا أمرتَ بِهِ ... وَكَيف إِن كنتَ لَمْ تَأمُره يأتمر
بَادر بجودك إمّا كنتَ مقتدرًا ... فَلَيْسَ فِي كلّ حالٍ أَنْت مُقْتَدِرُ
الْمجْلس السَّابِع عَشْر
حَدِيث فَلْيقل خيرا أَوْ لينصت
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، أَبُو عُمَرَ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَهْشَلُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيُنْصِتْ ".
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَالأَخْبَارُ مُتَظَاهِرَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليم الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ". وَفِي بَعْض الرِّوَايَات: أَوْ لِيَسْكُت. ولمّا أملّ عَلَيْنَا أَبو عُمَر هَذَا الْخَبَر عَلَى من يَلِيهِ كالمبتسم وَإِلَى جنبه أَبُو بَكْر النَّيْسَابُوريّ كالمتعجب المستغرب لهَذِهِ اللَّفْظَة، وَمعنى هَذِهِ الْأَلْفَاظ تتفق.
ونحوٌ مِنْهُ مَا ورد الْخَبَر بِهِ من قَوْله: رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً تَكَلَّمَ فَغَنِمَ أَوْ سَكَتَ فَسَلِمَ.
وَفِي الْكَلَام ممّا هُوَ خَيّر وَصدق وَعدل، وَحقّ الْأجر والفائدة، وَالْغنيمَة الْبَارِدَة، وَفِي
стр. 123
الصمت فِي مَوَاطِن الصمت الرَّاحَة والسلامة، والتنزه عَمَّا عاقبته الْمَكْرُوه والندامة، وَقد ذُكر فِي فضل النُّطْق ومدح الصمت نثرًا ونظمًا مَا يطول إِتْيَانه وَيكثر تعداده، وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع الْإِتْيَان بِهِ، وَجُمْلَة القَوْل أنَّ لكلِّ وَاحِد من الْأَمريْنِ موضعا هُوَ فِيهِ أولى من صَاحبه، وَقد يعتدلان فِي بَعْض الْأَحْوَال ويتقاربان، وَإِن كَانَا فِي بعضهما يتفاوتان ويتفاضلان. وَقد حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه الدقيقي قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عُمَر السّبيعي، قَالَ: سَمِعت بِشْر بْن الْحَارِث يَقُول: الصَّبْر هُوَ الصمت، والصمت هُوَ الصَّبْر، وَلَا يكون الْمُتَكَلّم أورع من الصَّامِت إِلَّا رَجُل عالمٌ يتَكَلَّم فِي مَوْضِعه ويسكت فِي مَوْضِعه.
خَالِد بْن الْوَلِيد وَعبد الْمَسِيح بْن عَمْرو الغساني فِي فتح الْحيرَة
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: حَدَّثَنَا العكلي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مَرْزُوق، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عوَانَة بْن الحكم، وشرقي بْن قطامي وَأبي مخنف قَالُوا: لمّا انْصَرف خَالِد بْن الْوَلِيد من الْيَمَامَة، وَضرب عسكره عَلَى الجَرْعة الَّتِي بَيْنَ الْحيرَة وَالنّهر وتحصَّن مِنْهُ أَهْلُ الْحيرَة فِي الْقصر الْأَبْيَض وَقصر ابْن بُقَيلة وَجعلُوا يرمونه بِالْحِجَارَةِ حَتَّى نَفِدَت، ثُمَّ رَمَوْهُ بالخزف من آنيتهم، فَقَالَ لَهُ ضرار بْن الأزْور: مَا لَهُمْ مكيدةٌ أعظمَ ممّا ترى، فَبعث إِلَيْهم: ابْعَثُوا إليَّ رَجُلا من عُقلائكم أسائله ويُخبرني عَنْكُم، فبعثوا لَهُ عَبْد الْمَسِيح بْن عَمْرو بْن قيس بْن حَيَّان بْن بُقيلة الغساني، وَهُوَ يَوْمئِذٍ ابْن خمسين وثلثمائة سنة، فَأقبل يمشي إِلَى خَالِد فَلَمّا رَآهُ قَالَ: مَا لَهُمْ أخزاهم اللَّه بعثوا إليَّ رَجُلا لَا يفقه، فَلَمّا دنا قَالَ: أنعم صباحًا أَيهَا الْملك، فَقَالَ خَالِد: قَدْ أكرمنا اللَّه بِغَيْر هَذِهِ التَّحِيَّة، بِالسَّلَامِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ خَالِد: من أَيْنَ أقْصَى أثرك؟ قَالَ: من ظهر أَبِي. قَالَ: من أَيْنَ خرجت؟ قَالَ: من بطن أُمِّي. قَالَ: عَلَى مَا أَنْت: قَالَ: عَلَى الأَرْض. قَالَ: فيمَ أَنْت وَيحك؟ قَالَ: فِي ثِيَابِي. قَالَ: أتعقل؟ قَالَ: نعم وأقيد، قَالَ: ابْن كم أَنْت: قَالَ: ابْن رَجُل وَاحِد. قَالَ خَالِد: مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ قَطّ، أسائلهُ عَنْ شَيْءٍ وينحو فِي غَيره، قَالَ: مَا أَجَبْتُك إِلَّا عَمَّا سَأَلت عَنْهُ فاسأل عَمَّا بدا لَك، قَالَ: كم أَتَى عَلَيْك؟ قَالَ: خَمْسُونَ وثلثمائة سنة، قَالَ: أَخْبرنِي مَا أَنْتُمْ؟ قَالَ: عربٌ استنبطنا ونبطٌ استعربنا، قَالَ: فحربٌ أَنْتُم أم سِلْم؟ قَالَ: بل سِلْم. قَالَ: فَمَا بَال هَذِهِ الْحُصُون؟ قَالَ: بنيناها لنحبس السَّفِيه حَتَّى ينهاه الْحَلِيم، قَالَ: وَمَعَهُ سمٌّ سَاعَة يقلِّبه فِي يَده، فَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا مَعَك؟ قَالَ: هَذَا السم، قَالَ: وَمَا تصنعٌ بِهِ؟ قَالَ: أتيتُك فَإِن رَأَيْت عنْدك مَا يسرني وَأهل بلدي حمدت اللَّه تَعَالَى، وَإِن كَانَت الْأُخْرَى لَمْ أكن أول من سَاق إِلَيْهِم ضيمًا وبَلاءً فآكلُه وأستريح، وَإِنَّمَا بَقِيَ من عُمريَ الْيَسِير، فَقَالَ: هاته فَوَضعه فِي يَد خَالِد، فَقَالَ: بِسم اللَّه وَبِاللَّهِ ربِّ الأَرْض وَرب السَّمَاء، الَّذِي لَا يضر مَعَ اسْمه دَاء، ثُمَّ أكله فتجلته غَشْية فضربَ بذقنه عَلَى صَدره ثُمَّ عرق وأفاق، فَرجع ابْن بقيلة إِلَى قومه، فَقَالَ: جئتُ من عِنْدَ شَيْطَان أكل سمَ سَاعَة
стр. 124
فَلم يَضُرَّه، أخرجوهم عَنْكُم، فصالحوهم عَلَى مائَة ألف، فَقَالَ لَهُ خَالِد: مَا أدْركْت؟ قَالَ: أدْركْت سفن الْبَحْر ترفأ غلينا فِي هَذَا الجرف، وَرَأَيْت الْمَرْأَة من أَهْلَ الْحيرَة تخرج إِلَى الشَّام فِي قرى متواترة مَا تُزَوَّدُ رغيفا، وَقد أَصبَحت خرابًا يبابا، كَذَلِك دأب اللَّه فِي الْعباد والبلاد، وَقَالَ عَبْد الْمَسِيح حِين رَجَعَ:
أبعد الْمُنْذِرِين أرى سوَامَا ... تَرَوَّحُ بالخورنق والسّدير
تحاماها فوارسُ كلّ حَيٍّ ... مَخافة ضَيْغم عالي الزئير
وَبعد فوارس النُّعْمَان أرعى ... رياضًا بَيْنَ ذرْوَة والحفير
فصرنا بَعْدَ هُلك أبي قبيس ... كَمثل الشَّاء فِي الْيَوْم المطير
تَقَسّمها الْقَبَائِل من مَعَدٍّ ... عَلَانيَة كأيسار الْجَزُور
وَكُنَّا لَا يُبَاح لَنَا حَرِيمٌ ... فَنحْن كضرة الناب الفَخُور
كَذَاك الدَّهْر دولته سجالٌ ... تَصَرَّفُ بالمَسَاءةِ والسُّرورِ
قَالَ القَاضِي: قَول عَبْد الْمَسِيح لخَالِد لما سَأَلَهُ مَا أَنْتُمْ؟ قَالَ: عربٌ استنبطنا ونبطٌ استعربنا، مَعْنَاهُ أَنَا عرب ونبط خالط بَعْضنَا بَعْضًا وجاوره، فَأخذ كلّ فريق منا من خلائق صَاحبه وَسيرَته.
حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن أبي الرّحال الصّالحيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن مُحَمَّد الدوري، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بِشْر، قَالَ: حَدَّثَنَا فُضَيْل الْخياط، عَنْ جَعْفَر بْن أبي جَعْفَر: أَنَّهُ كَانَ يتَعَوَّذ من النبطي إِذَا استعرب والعربي إِذَا استنبط، فَقيل لَهُ: كَيْفَ يستنبط الْعَرَبِيّ؟ قَالَ: يَأْخُذ بأخلاقهم ويتأدب بآدابهم.
خبر الغضبان بْن القَبَعْثَري مَعَ الحَجَّاج
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عُبَيْد بْن نَاصح، قَالَ: حُدِّثْت أنَّ الحَجَّاج بْن يُوسُف بعث الغضبان بْن القبعثري ليَأْتِيه بِخَبَر عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد بْن الْأَشْعَث وَهُوَ بكِرْمَان، وَبعث عَلَيْهِ عينا وَكَانَ كَذَلِك يفعل، فَلَمّا انْتهى الغضبان إِلَى عَبْد الرَّحْمَن قَالَ لَهُ: مَا وَرَاءَك؟ قَالَ: شَرّ، تَغَدَّ بالحجاج قَبْلَ أَن يتعشى بك، وَانْصَرف الغضبان فَنزل رَملَة كرمان وَهِي أرضٌ شَدِيدَة الرمضاء، فَبينا هُوَ كَذَلِك إِذْ ورد عَلَيْهِ أَعْرَابِي من بني بَكْر بْن وَائِل عَلَى فرس لَهُ يَقُود نَاقَة، فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْك، قَالَ الغضبان: السَّلَام كثير وَهِي كلمة مقولة، قَالَ الأَعْرَابِي: مَا اسْمك؟ قَالَ: آخذ. قَالَ: أفتعطي؟ قَالَ: لَا أُحِبَّ أَن يكون لي اسمان، قَالَ: من أَيْنَ أَقبلت؟ قَالَ: من الذَّلُول، قَالَ: وَأَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الْمَشْي فِي مناكبها، قَالَ: من عُرِض الْيَوْم؟ قَالَ: عرض المتقون. قَالَ: فَمن سَبَق؟ قَالَ الفائزون، قَالَ: فَمن غلب؟ قَالَ: حِزْبُ اللَّه، قَالَ: فَمن حِزْبُ اللَّه؟ قَالَ:
стр. 125
هُم الغالبون، قَالَ: فَعجب الأَعْرَابِي من مَنْطِقه، قَالَ: أما تَقْرض؟ قَالَ: إِنَّمَا تَقْرض الْفَأْرَة، قَالَ: أتسمع؟ قَالَ: إِنَّمَا تسمع الْقَيْنَة، قَالَ: أفتنشد؟ قَالَ: إِنَّمَا تنشد الضَّالة، قَالَ: أفتقول؟ قَالَ: إِنَّمَا يَقُولُ الْأَمِير، قَالَ: أفتتكلم؟ قَالَ: كلٌّ مُتَكَلم، قَالَ: أفتنطق؟ قَالَ: إِنَّمَا ينْطق كتاب اللَّه، قَالَ: أتسمع؟ قَالَ: حَدِّثنِي أسمع، قَالَ: أفتسجع؟ قَالَ: قَالَ إِنَّمَا تسجع الْحَمَامَة، قَالَ الأَعْرَابِي: تالله مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ قَطّ، قَالَ: بلَى وَلَكِنَّك نسيت، قَالَ الأَعْرَابِي: فَكيف أَقُول؟ قَالَ: لَا أَدْرِي وَالله، قَالَ الأَعْرَابِي: كَيْفَ ترى فرسي هَذِهِ؟ قَالَ الغضبان: هُوَ خَيّر من آخر شَرّ مِنْهُ وَآخر خَير مِنْهُ أفره مِنْهُ، قَالَ الأَعْرَابِي: إِنِّي قَدْ علمتُ ذَلِكَ، قَالَ: لَوْ علمت لَمْ تَسْأَلنِي، قَالَ، قَالَ الأَعْرَابِي: إِنَّكَ لمنكر، قَالَ الغضبان: إِنَّكَ لمعروف. قَالَ: لَيْسَ ذَاك أُرِيد، قَالَ: فَمَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أردْت إِنَّك لعاقل قَالَ: أفتعقل بعيرك هَذَا؟ قَالَ الأَعْرَابِي: أفتأذن لي فَأدْخل عَلَيْكَ؟ قَالَ الغضبان: وراؤك أوسع لَك، قَالَ الأَعْرَابِي: قد أحرقتني الشَّمْس، قَالَ: السَّاعَة يفِيء عَلَيْك الْفَيْء، قَالَ الْأَعرَابِي: إِن الرمضاء قَدْ آذتني، قَالَ: بُلْ عَلَى قَدَمَيْك، قَالَ قَدْ أوجعني الْحر، قَالَ الغضبان: مَا لي عَلَيْهِ سُلْطَان، قَالَ الأَعْرَابِي: إِنِّي لَا أُرِيد طَعَامك وَلَا شرابك، قَالَ: لَا تعرِّض بهما فوَاللَّه لَا تذوقهما، قَالَ الأَعْرَابِي: سُبْحَانَ اللَّه، قَالَ: من قَبْلَ أَن تطلع رَأسك، قَالَ الأَعْرَابِي: أما عنْدك إِلَّا مَا أرى؟ قَالَ: بلَى، هِرَّاوتان أضْرب بهما رَأسك، فَقَالَ الأَعْرَابِي: اللَّه، قَالَ: ظَلَمك أحد؟ فَلَمَّا رأى الْأَعرَابِي ذك قَالَ: إِنِّي لأظنك مَجْنُونا، قَالَ الغضبان: اللَّهُمّ اجْعَلنِي مِمَّن يَرْغب إِلَيْكَ، قَالَ: إِنِّي لأظنك حروريا، قَالَ: اللَّهُمّ اجْعَلنِي مِمَّن يتَخَيَّر الْخَيْر، ثُمَّ قَالَ: لَهُ الغضبان: أَهَذا بعيرك يَا أَعْرَابِي؟ قَالَ: نَعَمْ: فَمَا شَأْنه؟ أرى فِيهِ دَاء فَلهُ أَنْت بَائِعه ومشتر مَا هُوَ شَرّ مِنْهُ، فولى الأَعْرَابِي وَهُوَ يَقُولُ: وَالله إِنَّكَ لمرح أَحمَق. فَلَمّا قَدِمَ الغضبان عَلَى الحَجَّاج قَالَ: كَيْفَ تركت أَرض كرمان؟ قَالَ: أصلح اللَّه الْأَمِير، أَرض مَاؤُهَا وشل، وَثَمَرهَا دقل ولصها بَطل، فالجيش فِيهَا ضِعَاف، إِن كَثُرُوا فِيهَا جَاعُوا، وَإِن قلوا بهَا ضَاعُوا، فَقَالَ الحَجَّاج لَهُ: أما إِنَّكَ صَاحب الْكَلِمَة الَّتِي بلغتني عَنْكَ حِين قلت تغد بالحجاج قَبْلَ أَن يتعشى بك؟ قَالَ الغضبان: أما إِنَّهَا - جعلني اللَّه فداءك - لَمْ تَنْفَع من قيلت لَهُ، وَلَا تضر من قيلت فِيهِ، فَأمر الحَجَّاج بِهِ إِلَى السجْن، فَلَمّا ذهب مكث فِيهِ حَتَّى إِذَا بنى الحَجَّاج خضراء وَاسِط أَعْجَبته كَمَا لَمْ يُعجبهُ بِنَاء قَطّ فَقَالَ لمن حوله: كَيْفَ ترَوْنَ قبتي هَذِه؟ قَالُوا: أصلح اللَّه الْأَمِير، مَا بنى ملك قَطّ مثلهَا، وَمَا نعلم للْعَرَب مأثرة أفضل مِنْهَا، قَالَ الْحجَّاج: أما إِن لَهَا عَيْبا، سأبعث إِلَى من يُخْبِرنِي بِهِ فَبعث إِلَى الغضبان فَأقبل يرسف فِي قَيده، فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ سلم، فَقَالَ الْحجَّاج: كَيفَ ترى قبتي هَذِه؟ قَالَ: أصلح الله الْأَمِير هَذِه قبَّة بنيت فِي غَيْر بلدك لغير ولدك، لَا يسكنهَا وارثك وَلَا يَدُوم لَك بَقَاؤُهَا كَمَا لم يئيم هَالك وَلم يبْق فان، وأمّا هِيَ فَكَأَن لَمْ تكن، قَالَ: صدقت، ردُّوه إِلَى السجْن فَإِنَّهُ صَاحب الْكَلِمَة الَّتِي
стр. 126
بلغتني عَنْهُ، قَالَ: أصلح اللَّه الْأَمِير، مَا ضرت من قيلت فِيهِ وَلَا نَفَعت من قيلت لَهُ، قَالَ: أتراك تنجو مني لأقطعن يَديك ورجليك ولأكوين عَيْنَيْك، قَالَ: مَا يخَاف وعيدك البريء وَلَا يَنْقَطِع مِنْك رَجَاء الْمُسِيء، قَالَ: لأَقْتُلَنك إِن شَاءَ اللَّه، قَالَ: بِغَيْر نفس، وَالْعَفو أقرب للتقوى، قَالَ لَه الحَجَّاج: إِنَّكَ لسمين، قَالَ: لمَكَان الْقَيْد والرتعة وَمن يكن جَار الْأَمِير يسمن. قَالَ الحَجَّاج رُدُّوه إِلَى السجْن، قَالَ: أصلح اللَّه الْأَمِير
قَدْ أثقلني الْحَدِيد فَمَا أُطِيق الْمَشْي، قَالَ: احملوه لعنهُ اللَّه، فَلَمّا حَملته الرِّجَال عَلَى عواتقها قَالَ: " سُبْحَانَ الَّذِي يخر لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرنين "، قَالَ: أنزلوه أَخْزَاهُ اللَّه، قَالَ " اللَّهُمَّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ المنزلين "، قَالَ: جَرُّوه أَخْزَاهُ اللَّه، قَالَ: " بِسم الله مجريها وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ "، قَالَ: وَيحكم، اتركوه فقد غلبني بخبثه. أثقلني الْحَدِيد فَمَا أُطِيق الْمَشْي، قَالَ: احملوه لعنهُ اللَّه، فَلَمّا حَملته الرِّجَال عَلَى عواتقها قَالَ: " سُبْحَانَ الَّذِي يخر لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرنين "، قَالَ: أنزلوه أَخْزَاهُ اللَّه، قَالَ " اللَّهُمَّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ المنزلين "، قَالَ: جَرُّوه أَخْزَاهُ اللَّه، قَالَ: " بِسم الله مجريها وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ "، قَالَ: وَيحكم، اتركوه فقد غلبني بخُبثه.
معنى الوشل فِي اللُّغَة
قَالَ القَاضِي: قَول الغضبان فِي وَصله للحجاج كرمان: مَاؤُهَا وشل، يَعْنِي بِهِ المَاء الْقَلِيل كَمَاء الِأنهار الصغار والجداول الَّتِي لَيست كالبحور والأودية الْعَظِيمَة يُرِيد الْخَبَر عَنْ قلته كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
اقْرَأ عَلَى الوَشَل السّلام وقُلْ لَهُ ... كُلُّ المشارب مُذْ فُقِدت ذميمُ
وَقَالَ جرير:
إِن الَّذين غدو بلبُّك غادروا ... وَشَلا بِعَيْنِك لَا يزَال مَعِينا
وَجمع الوشل أوشال، كَمَا قَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
عَيْناك دمعهما سجالُ ... كَانَ شأنيهما أوشالٌ
وَفسّر قَوْمٍ أَوشال بِأَنَّهُ مَا قطر من الْجَبَل.
جَعْفَر بْن مُحَمَّد يُزَوّج حُسَيْن بْن زَيْد ويوصله إِلَى الثراء
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن سَعِيد الْكُوفِي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن يُوسُف ابْن يَعْقُوب بْن حَمْزَة بْن زِيَاد الْجعْفِيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَان بْن مقبل أَبُو أَيُّوب الهاشميّ الْمَدَنِيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي سليم بْن جَعْفَر الْجَعْفَرِي، عَنْ حُسَيْن بْن زَيْد، أَنَّهُ كَانَ نَشأ فِي حجر أبي عَبْد اللَّه يَعْنِي جَعْفَر بْن مُحَمَّد، فَلَمّا بلغ مبالغ الرِّجَال قَالَ لَهُ أَبُو عَبْد اللَّه: مَا يمنعُك أَن تتَزَوَّج فتاة من فتيات قَوْمك؟ قَالَ: فَأَعْرَضت عَنْ ذَلِكَ فَأَعَادَ عَلَى غَيْر مرّة، فَقلت لَهُ: من ترى أَن أَتزوّج؟ قَالَ: كُلْثم بن عَبْد اللَّه الأرقط، فَإِنَّهَا ذَاتَ جمال مَال، قَالَ: فَأرْسلت إِلَيْهَا فثارت عَلَى رَسُولي وضحكتْ مِنْهُ وتعجّبَتْ كلِّ الْعجب لإقدامي وجُرأتي عَلَى خِطْبتها، فَأتيت أَبَا عَبْد اللَّه فَأَخْبَرته، فَقَالَ لمعتب: آتني بثوبين يَمَنِيَّيْن مُعْلَمين فَأتى بهما فلبستهما، ثُمَّ قَالَ: تعرّض أَن تمرَّ قرب منزلهَا وتستسقي مَاء واحرص عَلَى أَن تعلم بمكانك، قَالَ: فوقفتُ بِالْبَابِ فَعلمت مَكَاني ففتحت منْظرًا لَهَا فَأَشْرَفت عليّ وَأَنا لَا أعرفهَا فَنَظَرت إليَّ وَقَالَت:
стр. 127
تسمع بالْمُعَيْديّ خيرٌ من أَن ترَاهُ - قَالَ القَاضِي: أَكثر الْكَلَام: تسمع بالمعيديِّ لَا أَن ترَاهُ، ثُمَّ انصرفتُ فَأتيت أَبَا عَبْد اللَّه فَأَخْبَرته، وَكنت رُبمَا غِبْتُ عَنِ المَدِينَةِ أتصيّد، فَقَالَ لي: إِذَا شِئْت، فغبت عَنِ المَدِينَةِ أَيَّامًا ثُمَّ نزلت المَدِينَةِ فَإِذا مولاةٌ لَهَا قَدْ أَتَتْنِي، فَقَالَت: نَحْنُ نُرِيد أَن نُعَمِّرَك للعُرْس وَأَنت تطلب الصَّيْد وتضحى للشمس، قَدْ جئتُ طلبتُك غَيْر مرّة، وبعثتْ معي ألفَ دِينَار وَعشرَة أَثوَاب وَتقول لَك: تقدمْ إِذَا شِئْت فاخطبني وأمهرنيها، فَإِن لَك عِنْدي عشرَة جميلَة ومواتاة، قَالَ: فغدوتُ فملكتها وَبعثت إِلَيْهَا بِالْألف الدِّينَار وأمرتها بالتهيؤ، ثُمَّ أتيتُ أَبَا عَبْد اللَّه فَأَخْبَرته فَقَالَ: تهيّأ للسَّفر وَانْظُر من يَخْرُج مَعَك من مواليك عَلَى جَمَلٍ عَليّ زَادُك، فسميتُ لَهُ الموَالِي، فَقَالَ: إِذَا كَانَ لَيْلَة الْخَمِيس فادخُل إِلَى مَسْجِد النَّبيّ ﷺ فسلِّم عَلَى جَدِّك وودِّعْه ينتظرك بعيرُ زِيَاد بْن عَبْد اللَّه، فَفعلت مَا أَمرنِي بِهِ، فأتيتُه فأجده وَالقَاسِم بْن إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم بْن حَسَن، فَلَمّا وقفتُ عَلَيْهِ أَمر لي بِثِيَاب السَّفَر وخلا بِي فَقَالَ: استشْعر تقوى اللَّه تَعَالَى، وأحْدِث لكلِّ ذَنْب تَوْبَة، لذنب السِّرِّ تَوْبَة ولذنب الْعَلَانِيَة تَوْبَة، وامض لوجهك، فقد كتبت لَك إِلَى معن بْن زَائِدَة كتابا، وغَيْبَتُك فِي سفرك ثَلَاثَة أشهر إنْشَاء اللَّه، فَإِذا قدمت صنعاء فَانْزِل منزلا وَلَا تحمل عَلَى معنٍ بِأحد، وتأتَّ لَهُ أَن تَدْخُل عَلَيْهِ بِإِذن عَامَ مَعَ النّاس، فَإِذا دخلتَ عَلَيْهِ فعرَّفْه من أَنْت، فَإِن رَأَيْت مِنْهُ جَفْوةً أَوْ نبوة فاغتفرْها وَأعْرض عَنْهَا، فَإنَّك ستصيبُ مِنْهُ عشْرين ألف دِينَار سوى مَا تصيب من غَيره، فخرجتُ حَتَّى قدمت صنعاء، فَفعلت جَمِيع مَا أَمرنِي بِهِ ودخلتُ عَلَيْهِ بِإِذن عَامَ، فَإِذا أَنَا بِهِ قَاعِدا وَحده وَإِذا بِرَجُل جهم الْوَجْه مختضب بِالسَّوَادِ وَالنَّاس سِماطان قيام، فَأَقْبَلت حَتَّى سلّمت عَلَيْهِ فردّ السّلام، فَقَالَ: من أَنْت؟ فَأَخْبَرته بنسبي، فصاح: لَا وَالله، مَا أُرِيد أَن تَأْتُونِي، ولَبَابُ أميرِ الْمُؤمنِينَ أَعُود عَلَيْكُمْ من بَابي، فَقلت لَهُ: عَلَى رسلك، أَنَا أسْتَغْفر اللَّه من حَسَن الظَّن بك، وانصرفت من عِنْدَهُ، فأدركني رَجُل من أَهْلَ الْبَلَد فأخبرتُه خبري، فَقَالَ: قَدْ عَوَّضَك اللَّه خَيْرًا ممّا فاتك، ثُمَّ بعث غُلَاما فَأَتَاهُ بِثَلَاثَة آلَاف دِينَار فَدَفعهَا إِلَيّ، وسألني عَمَّا أحتاج إِلَيْهِ من الْكسْوَة فكتبتها لَهُ، فَلَمّا كَانَ بَعْدَ الْعشَاء دَخَلَ إِلَى صَاحب الْمنزل فَقَالَ: هَذَا الْأَمِير معن بْن زَائِدَة يدْخل إِلَيْكَ، فَلَمّا دَخَلَ أكبِّ عَلَى رَأْسِي ويدي، ثمَّ قَالَ: سَيِّدي وَابْن سادتي اعذرني فَإِنِّي أعرف مَا أداري، فَلَمَّا قر قراره أعلمتُه بِالْكتاب الَّذِي معي من أبي عَبْد اللَّه فَقبله وقرأه، ثُمَّ أَمر لي بِعشْرَة آلَاف دِينَار، ثمَّ قَالَ: أَي شَيْء أقدمك؟ فَأَخْبَرته خبري، فَأمر لي بِعشْرَة آلَاف دِينَار أُخْرَى وبعشرة من الْإِبِل وَثَلَاث نَجَائِب برجالها وكساني ثَلَاثِينَ وَشْيًا وَغَيرهَا وَقَالَ لي: جُعلت فدَاك، إِنِّي أَظن أَبَا عَبْد اللَّه متطلِّعًا إِلَى قُدومك، فَإِن رَأَيْت أَن تُخِفَّ الوقْفة وتمضي فعلتَ، وودَّعَني، فتلومت بَعْدَ ذَلِكَ أَيَّامًا، وقضيتُ حوائجي ثُمَّ خرجت حَتَّى قدمت مكَّة موافيًا لعُمْرة شهر رَمَضَان، فَإِنِّي لفي
стр. 128
الطّواف حَتَّى لقيتُ مَعْتبًا مَوْلَى أَبِي عَبْد اللَّه، فسلّمت عَلَيْهِ وَسَأَلته، فَقَالَ: هُوَ ذَا أَبُو عَبْد اللَّه قَدْ وافى وَإِن أحْدَث مَا ذَكَرك البارحة، فمضيتُ حَتَّى أَتَيْته فَسلمت عَلَيْهِ وساءلته وَقبلت رَأسه، فَقَالَ: تركت مَعْنًا؟ فَأَخْبَرته بسلامته، فَقَالَ: أصبتَ مِنْهُ بَعْدَ مَا جَبَهك وَصَاح عَلَيْكَ عشْرين ألفا سوى مَا لقِيت من غَيره؟ قلت: نَعَمْ، جعلت فدَاك. قَالَ: فانَّ مَعَنا جمَاعَة من أَصْحَابك ومواليك وَقد كَانُوا يدعونَ لَك ويذكرونك فَمر لَهُم بِشَيْء، قلت: ذَاك إِلَيْكَ جعلني فدَاك، قَالَ: فأعطهم مَا
رَأَيْت، كم فِي نَفسك أَن تُعْطِيَهم؟ فَقلت: ألف دِينَار، قَالَ: إِذَا تُجْحِف نَفسك، وَلَكِن فَرِّق عَلَيْهِمْ خمس مائَة دِينَار، وَخمْس مائَة دِينَار لمن يعتريك بِالْمَدِينَةِ، فَفعلت ذَلِك، فَقدمت الْمَدِينَة واستخرجت عَيْني بِذِي الْمَرْوَة وبالمضيق بالسُّقْيا، وبنيتُ منازلي بِالبَقِيعِ، فتَرَوْني أُؤدِّي شُكْرَ أَبِي عَبْد اللَّه وَولده أبدا، وضممتُ إليَّ أَهلِي ورزقتُ مِنْهَا عَليًّا والحَسَن أبْنَيَّ وَالْبَنَات.، كم فِي نَفسك أَن تُعْطِيَهم؟ فَقلت: ألف دِينَار، قَالَ: إِذَا تُجْحِف نَفسك، وَلَكِن فَرِّق عَلَيْهِمْ خمس مائَة دِينَار، وَخمْس مائَة دِينَار لمن يعتريك بِالْمَدِينَةِ، فَفعلت ذَلِك، فَقدمت الْمَدِينَة واستخرجت عَيْني بِذِي الْمَرْوَة وبالمضيق بالسُّقْيا، وبنيتُ منازلي بِالبَقِيعِ، فتَرَوْني أُؤدِّي شُكْرَ أَبِي عَبْد اللَّه وَولده أبدا، وضممتُ إليَّ أَهلِي ورزقتُ مِنْهَا عَليًّا والحَسَن أبْنَيَّ وَالْبَنَات.
مُصْعَب بْن الزُّبَيْر يتَمَثَّل عَن هزيمته ببيتي شعر
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن يُونُس بْن أبي اليسع، أَبُو إِسْحَاق، قَالَ: حَدَّثَنَا زبير بْن بكار، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن حَمْزَة، عَنْ جَدِّي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ عَنْ أَبِيه، قَالَ: لمّا تَفَرَّق عَنْ مُصْعَب جُنده، قَالَ: لَهُ أوِدَّاؤُه: لَو اعتصمتَ بِبَعْض القلاع وكاتبتَ من قَدْ بَعدُ عَنْكَ من أوليائك كَمثل الْمُهلب وَابْنه الأشتر وَفُلَان وَفُلَان فَإِذا اجْتمع لَك من تَرْضاه لقيتَ الْقَوْم بأكفائهم، فقد ضَعُفت جدا واختلَّ أَصْحَابك. فَلبس سلاحه وَخرج فِيمَن بَقِي مَعَه من أَصْحَابه وَهُوَ يتَمَثَّل بِشعر قيل إِنَّه لِطَريف العَنْبري، وَكَانَ طريفُ الْعَنْبَري يُعَدُّ بِأَلف فَارس من فرسَان خُرَاسَان:
علام تقولُ السّيف يُثْقِلُ عَاتِقي ... إِذَا أَنَا لَمْ أركبْ بِهِ الْمركب الصَّعْبا
سأحْمِيكُمُ حَتَّى أموتَ وَمن يَمُتْ ... كَرِيمًا فَلا لَوْمٌ عَلَيْهِ وَلَا عَتْبا
جمع القلعة قلاع خلافًا لِابْنِ الأَعْرَابِي
قَالَ القَاضِي: فِي هَذَا الْخَبَر، أَنَّهُ قيل لمصعب: لَو اعتصمت بِبَعْض القلاع وَهِي جمع قلعة، وَهَذَا صَحِيح فِي الْقيَاس وَمثله فِي قِيَاس الْعَرَبيَّة رَقَبَة ورقاب وَعقبَة وعقاب فِي أحرف كَثِيرَة، وَقد جَاءَ فِي الْأَخْبَار عَنِ السّلف الَّذين كَلَامهم حُجة فِي اللُّغَة لسبقهم اللّحن، وَزعم ابْن الأَعْرَابِي أنّ القلعة لَا تجمع قلاعًا، وَالَّذِي قَالَه خطأ من جِهَة السماع وَالْقِيَاس مَعًا، وَقد حكى القلاع فِي جمع القلعة عددٌ من عُلَمَاء اللغويين مِنْهُم أَبُو زَيْد وَغَيره.
نديم ينْتَقم من صَاحب بَيت المَال
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرو بْن مُحَمَّد الرُّومِي، قَالَ: كَانَ عَلَى بَيت مَال المعتصم رجلٌ من أَهْلَ خُرَاسَان يكنى أَبَا حَاتِم، فَخرجت لي جائزةٌ فمطلني بهَا، وَكَانَ ابْنه قَد اشْترى جَارِيَة مغنية تسمّى قَاسم بستين ألف دِرْهَم، قَالَ: فَعمِلت فِيهِ شعرًا
стр. 129
وجلستُ ألاعب المعتصم بالشِّطْرِنج فِي يَوْمَ الْخمار، وَكَانَ يشرب يَوْمَا ويستريح يَوْمَا فيلعب فِيهِ وَنَلْعَب بَيْنَ يَدَيْهِ، فَجعلت أنْشد:
لتنصفنِّي يَا أَبَا حَاتِم ... أَوْ لتصيرنَّ إِلَى حاكِمِ
فتعطِيَ الحقَّ عَلَى ذلةٍ ... بالرغم من أَنْفك ذَا الراغم
يَا سَارِقا مَال إِمَام الْهدى ... سَيظْهر الظُّلم عَلَى الظَّالِم
سِتِّينَ ألفا فِي شِرَا قَاسِمٍ ... من علٍ هَذَا الْملك الفَّئِمِ
فَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا الشّعْر؟ فتفازعت كَأَنِّي أنشدته سَاهِيا ولجلجت، فَقَالَ: أعده فَقتل: إِن رَأْي أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يُعفيني، وَإِنَّمَا أريدُ أَن يحرص عَلَى أَن يسمعهُ، فَقَالَ: أعده وَيلك، فأعده، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقتل: أَظن صَاحب بَيت المَال مطل بَعْض هَؤُلاءِ الشُّعَرَاء بِشَيْء لَهُ فَعمل فِيهِ هَذَا الشّعْر، قَالَ: فَمَا معنى قَاسم؟ قلت: جَارِيَة اشْتَرَاهَا ابْنه بستين ألف دِرْهَم، قَالَ: وَأرَانِي أَنَا الْملك النَّائِم صدق وَالله قَائِل هَذَا الشّعْر، وَالله لَو عَرفته لوصلته لصدقته، رَجُل مُمْلِق ولّيته بَيت المَال ليعيش برزقه مُنْذُ سنتَيْن، من أَيْنَ لِابْنِهِ هَذَا المَال؟ ثُمَّ قَالَ لإيتاخ: قيد صَاحب بَيت المَال وَابْنه حَتَّى تَأْخُذ مِنْهُمَا مِائَتي ألف دِرْهَم وولّ بَيت المَال غَيره.
حِكَم من كَلَام الْخَلِيل بْن أَحْمَد
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن زِيَاد الْمقري، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن المَرْوَزِيّ بمرو، قَالَ: أَخْبَرَنَا يحيى بْن أَكْثَم، قَالَ: أَخْبَرَنَا النَّضْر بْن شُمَيْل، قَالَ: سمعتُ الْخَلِيل بْن أَحْمَد يَقُولُ: التواني إِضَاعَة، والحزم بضَاعَة، والإنصاف رَاحَة، واللّجاج وَقَاحة.
وَمن كَلَام عليّ بْن أَبِي طَالِبٍ ﵁
حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عليّ بْن زَكَرِيّا الْبَصْرِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الهَيْثَم بْن عَبْد اللَّه الرمّاني، قَالَ: حَدَّثَنِي الْمَأْمُون، قَالَ: حَدَّثَنِي الرشيد، قَالَ: حَدَّثَنِي المهديُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْمَنْصُور عَنْ أَبِيه، عَنْ جَدّه، عَنِ ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَالَ عليّ بْن أبي طَالِب ﵇: من الدَّهَاء حسنُ اللِّقَاء.
صُحْبَة لَطِيفَة
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، عَنِ الْمُغيرَة بْن مُحَمَّد المهلبي، قَالَ: حَدَّثَنِي مَرْوَان بْن مُوسَى بْن عَبْد اللَّه الْمَدَنِيّ مَوْلَى عُثْمَان بْن عَفَّان، قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْن جَعْفَر بْن أبي نمير مَوْلَى زُرَيْق، قَالَ: بَعَثَنِي عليّ بْن الْمهْدي من مصر إِلَى الرشيد هرون أَمِير الْمُؤمنِينَ عَلَى الْبَرِيد فلحقتُ شَيخا فِي طريقي عَلَى دَابَّة دميم، فَقَالَ لي: يَا هَذَا، إِن دَابَّتي هَذِهِ قَدْ أتعبتني فَهَل لَك أَن أسايرك وتحبس عليّ، فَإِن عِنْدِي وَالله ظَاهرا وَبَاطنا، قَالَ: قلت لَهُ: أفعل، قَالَ: فَقلت لَهُ يَوْمَا: أما ظاهرك فحُسْنُ محادثتكَ وظرفك،
стр. 130
فَمَا باطنك؟ قَالَ أغَنيِّ وَالله أحسنَ غناء فِي الأَرْض، قَالَ: فغناني:
بِزَيْنَب ألمم قَبْلَ أَن يرحل الرَّكْب ... وقُلْ إنْ تَمَلّينَا فَمَا مَلّكِ القَلْبُ
قَالَ القَاضِي: الشّعْر لنصيب.
الْمجْلس الثَّامِن عَشْر
حَدِيث جَالس الكبراء
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن يحيى الجنبسي، قَالَ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ قُتَيْبَةَ الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حُسَيْنٍ أَبُو مَالِكٍ النَّخَعِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " جَالِسِ الْكُبَرَاءَ، وَسَائِلِ الْعُلَمَاءَ، وَخَاطِبِ الْحُكَمَاءَ ".
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاهِلِيُّ، قَالَ: قَالَ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عبد الرَّحْمَن الجرجرائي، قَالَ: أَخْبَرَنَا طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " جَالِسُوا الْكُبَرَاءَ، وَخَالِطُوا الْحُكَمَاءَ، وَسَائِلُوا الْعُلَمَاءَ ".
تَعْلِيق الْمُؤلف
قَالَ القَاضِي: وَفِي هَذَا الْخَبَر إرشاد من النَّبيّ ﷺ أمته إِلَى مُخَالطَة ذَوي الفَضْل فِي مخالطتهم ومجالستهم ومعاشرتهم، فحقيق عَلَى كلّ ذِي لب تقبل ذَلِكَ وَالرُّجُوع إِلَيْهِ، وَالْعَمَل عَلَيْهِ، فَفِيهِ امْتِثَال أَمر النَّبيّ ﷺ وَالْأَخْذ بسنته والتأدب بأدبه، وَفِيه السَّلامَة من مَعَرَّة الْجُهال، ومضرة الضلال، واكتساب الْآدَاب والفوائد، وحيازة الْمصَالح والمراشد، وحُسن الثَّنَاء والمحامد، والأمن فِي العواقب، والتنزه عَنِ المعايب، ونسأل اللَّه تَوْفِيقًا لمّا نغتبط بِهِ فِي ديننَا ودنيانا وَآخِرَتِنَا.
عَبْد الْملك يُوَجه نظر الحَجَّاج إِلَى إسرافه وردّ الحَجَّاج عَلَيْهِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِم، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عبِّيَّة، قَالَ: لمّا قتل الحَجَّاجُ ابنَ الْأَشْعَث وصَفَتْ لَهُ العراقُ قدَّم قيسا واتسع لَهُ فِي إِنْفَاق الْأَمْوَال، فَكتب إِلَيْهِ عَبْد الْملك: أما بَعْدَ، فقد بلغ أَمِير الْمُؤمنِينَ أنَّكَ تنفقُ فِي الْيَوْم مَا لَا ينفقُ أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الْأُسْبُوع، وتنفقُ فِي الْأُسْبُوع مَا لَا يُنْفِقهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الشَّهْر، عَلَيْكَ بتقوى اللَّه فِي الْأَمر كُله وَكن لوعيده تخشى وتضرع، ووفر خراج الْمُسلمين وفيأهم، وَكن لَهُمْ حصنًا يجير وَيمْنَع، فكب إِلَيْهِ الحَجَّاج:
لعمري لَقَدْ جَاءَ الرَّسُول بكتبكم ... قَرَاطِيس تملي ثُمَّ تطوى فتطبع
كتاب أَتَانِي فِيهِ لين وغلظة ... وذكّرت والذكرى لذِي اللب تَنْفَع
стр. 131
وَكَانَت أُمُور تعتريني كَثِيرَة ... فأرضخ أَوْ أعتل حينا فأمنع
إِذَا كنت سَوْطًا من عَذَاب عَلَيْهِمْ ... وَلم يَك عِنْدِي فِي الْمَنَافِع مطمع
أيرضى بِذَاكَ النّاس أم يسخطونه ... أم أَحْمد فيهم أم ألام فأقدع
وَكَانَت بلادًا جِئْتهَا حَيْث جِئْتهَا ... بهَا كلّ نيران الْعَدَاوَة تلمع
فقاسيت فِيهَا مَا علمت وَلم أزل ... أصارع حَتَّى كدت بِالْمَوْتِ أصرع
فكم أرجفوا من رَجْفَة قَدْ سَمعتهَا ... وَلَو كَانَ غَيْرِي طَار ممّا يروع
وَكنت إِذَا هموا بِإِحْدَى هَنَاتِهم ... حَسَرت لَهُمْ رَأْسِي وَلَا أتقنع
فَلَو لَمْ يذد عني صَنَادِيد مِنْهُم ... تقسّم أعضائي ذئاب وأضبع
فَكتب إِلَيْهِ عَبْد الْملك: اعْمَلْ بِرَأْيِك.
الحَجَّاج يُؤمن النّاس إِلَّا أَرْبَعَة
حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن جَعْفَر الأَزْدِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنِي عليّ بْن الْحَسَن بْن مُوسَى، عَنْ عَبْد اللَّه بْن حمد التَّيْميّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن حَفْص، عَنْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْن فضَالة الزهْرَانِي، قَالَ: نَادَى مُنَادِي الحَجَّاج بْن يُوسُف يَوْمَ رستقا باذ: آمن النّاس كلهم إِلَّا أَرْبَعَة: عبد الله بن الْجَارُود وع بن فضَالة وَعِكْرِمَة بن ربعي وَعبد اللَّه بْن زِيَاد بْن ظبْيَان، قَالَ: فَأتى بِرَأْس عَبْد اللَّه بْن الْجَارُود فَلم يصدق فَرحا بِهِ، وَقَالَ: عمموه لي أعرفهُ فَإِنِّي لَمْ أره قَطّ إِلَّا معممًا فعمم لَهُ فَعرفهُ، فَأمر الْمُنَادِي فَنَادَى: أَمن النّاس إِلَّا ثَلَاثَة: عَبْد اللَّه بْن فضَالة وَعبيد اللَّه بْن زِيَاد بْن ظبْيَان وَعِكْرِمَة بْن ربعي، فَأَما عبيد الله بن زِيَاد فَإِنَّهُ انْطلق إِلَى عمان فَأَصَابَهُ الفالج بهَا فَمَاتَ، وأمّا عِكْرمة ابْن ربعي فَإِنَّهُ لحقته خيل الحَجَّاج فِي بَعْض سِكَك المربد فعطف عَلَيْهِمْ فَقتل مِنْهُم نيفًا وَعشْرين رَجُلا ثُمَّ قَتَلُوهُ، وأمّا عَبْد اللَّه بْن فضَالة فَإِنَّهُ أَتَى خُرَاسَان فَلم يزل بهَا حَتَّى وُلّي الْمُهلب خُرَاسَان فَأمر بِأَخْذِهِ حَيْث أَصَابَهُ، وَقيل لَهُ: أكِنّ ذَلِكَ وَلَا تبده فيحذر ويحرز فاحرص عَلَى أسره دون قَتله، قَالَ: فَبعث الْمُهلب ابْنه حبيبا أَمَامه فساق من سوق الأهواز إِلَى مَرْو عَلَى بغلة شهباء فِي سبْعٍ عشرَة لَيْلَة فَأَخذه غارا بمرور وَهُوَ لَا يشْعر، ثُمَّ كتب إِلَى الحَجَّاج يُعلمهُ ذَلِكَ، فجَاء الْمُغيرَة بْن الْمُهلب إِلَى منزل حَبَّة ابْنَة الفَضْل، امْرَأَة عَبْد اللَّه بْن فضَالة وَهِي ابْنَة عَم عَبْد اللَّه، فَأرْسل إِلَيْهَا أنَّ حبيبا قَدْ أَخذ عَبْد اللَّه، وَقد كتب إِلَى الحَجَّاج يُعلمهُ بذلك، فَإِن كَانَ عنْدك خَير فشأنك وعولي عليّ من المَال مَا بدا لَك، فَأرْسلت إِلَيْهِ: لَا وَلَا كَرَامَة، تَقْتُلُونَهُ وآخذ مِنْكُم المَال، هَذَا مَا لَا يكون، فتحولت إِلَى منزل أَخِيهَا لأمها خولي بْن مَالك الرَّاسِبِي وَأرْسلت إِلَى بني سَعْد فاشتُرى لَهَا بَاب
стр. 132
عَظِيم وألقته عَلَى الخَنْدَق لَيْلًا ثُمَّ جَازَت عَلَيْهِ فَغشيَ عَلَيْهَا، فَلَمّا أفاقت قَالَتْ: إِنِّي لَمْ أكن أتعب، فَمَتَى أصابني هَذَا فشدوني وثاقًا ثُمَّ سِيرُوا بِي، فَخرجت مَعَ خَادِمهَا وغلامها ودليلها، لَا يَعْلَمُ بهَا أحد، فسارت حَتَّى دخلت دمشق عَلَى عَبْد الْملك بْن مَرْوَان، فَأَتَت أم أيّوب بِنْت عَمْرو بْن عُثْمَان بْن عَفَّان، وَكَانَت أمهَا بِنْت ذُؤَيْب بْن حلحلة الْخُزَاعِيّ، قَالَتْ: يَا أم أَيُّوب قصدتك لمر بهظني وغم كظمني وأعلمتها الْخَبَر وقصت عَلَيْهَا الْقِصَّة، فَقَالَت أم أَيُّوب: قَدْ: كنت أسمع أَمِير الْمُؤمنِينَ يكثر ذَكَرَ صَاحبك وَيظْهر التلظي عَلَيْهِ، قَالَتْ: وَأَيْنَ رحلتي إِلَيْكَ؟ قَالت: سأدخلك مدخلًا وأجلسك مَجْلِسا إِن شفّعت فَفِيهِ، وَإِن رددت فَلا تنصبي، فَلا شَفَاعَة لَك بعده فأجلستها فِي مجلسها الَّذِي كَانَتْ تجْلِس فِيهِ لدُخُول عَبْد الْملك لَيْلًا، وَجَلَست أم أيّوب قَرِيبا مِنْهَا فَقَالَت لَهَا: إِذَا دَخَلَ فشأنك، فَدخل عَبْد الْملك لَيْلًا مغترًا، فَلَمّا دنا أخذت بِجَانِب ثَوْبه ثُمّ قَالَت: هَذَا مَكَان العائذ بك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَفَزعَ عَبْد الْملك وَأنكر الْكَلَام، فَقَالَت أم أيّوب: مَا يفزعك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ من كَرَامَة سَاقهَا اللَّه إِلَيْكَ! فَقَالَ: عذت معَاذًا، فَمن أَنْت؟ قَالَتْ: تُؤَمن يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ من جئْتُك فِيهِ من كَانَ من خَلْق اللَّه تَعَالَى مِمَّن تعرف أَوْ لَا تعرف، مِمَّن عظم ذَنبه لديك أَوْ صغر شاميًا أَوْ عراقيًا أَوْ غَيْر ذَلِكَ من الْآفَاق؟ قَالَ: نَعَمْ، هُوَ آمن، قَالَتْ: بِأَمَان اللَّه ثُمَّ أمانك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَمن هُوَ أيتها الْمَرْأَة؟ قَالَتْ: عَبْد اللَّه بْن فضَالة، قَالَ: أرسلي ثوبي أنبئك عَنْهُ، قَالَتْ: أغدرًا يَا بني مَرْوَان؟ قَالَ: لَا، أرسلي ثوبي أحَدثك ببلائك عِنْدَهُ، وَهُوَ آمن لَك ولمعاذك قَالَتْ: فَحَدثني يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ببلائك عَنده، قَالَ: ألم تعلمي أَنِّي وليته السوس وجندي سَابُور وأقطعته كَذَا وَكَذَا وفرضت لَهُ كَذَا ونوهت بِذكرِهِ وَرفعت من قدره؟ قَالَتْ: بلَى وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَفلا أحَدثك ببلائه عنْدك؟ قَالَ: بلَى، قَالَتْ: أتعلم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن دَاره هدمت ثَلَاث مَرَّات بسببك لَا يسْتَتر من السَّمَاء بِشَيْء، قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: أفتعلم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أنَّكَ كتبت إِلَى وُجُوه أَهْلَ الْبَصْرَة وأشرافها وكتبت إِلَيْهِ فَلم يكن مِنْهُم أحد أجابك وَلَا أطاعك غَيره، قَالَ: نَعَمْ قَالَتْ: أفتعلم أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ زلته سَيْفا لَك عَلَى أعدائك وسلمًا وبساطًا لأوليائك قَالَ: نَعَمْ، حَسبك قَدْ أجبْت وأبلغت، قَالَتْ: أفيذهب يَوْمَ من إساءته بِصَالح أَيَّامه وطاعته وَحسن بلائه، قَالَ: لَا، هُوَ آمن، قَالَتْ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّه الدما وَإنَّهُ الحَجَّاج وَإنَّهُ إِن رَآهُ قَتله، قَالَ: كَلا، قَالَتْ: فالكتاب مَعَ الْبَرِيد يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَ: فَكتب لَهَا كتابا مؤكدا: إياك وإياه أحسن جائزته
ورفده وخل سَبيله، ثُمَّ وَجه بِهِ مَعَ الْبَرِيد، ثمَّ أقبل عَلَيْهَا فَقَالَ: مَا أَنْت مِنْهُ؟ قَالَتْ: امْرَأَته وَابْنَة عَمه، قَالَ: فَضَحِك وَقَالَ: أَيْنَ نشأت، قَالَتْ: فِي حجر أَبِيهِ، قَالَ: فوَاللَّه لأَنْت أعرب مِنْهُ وأفصح لِسَانا، فَهَل مَعَه غَيْرك؟ قَالَتْ: نَعَمْ، ابْنَة عُبَيْد بْن كلاب، قَالَ: النميري قَالَتْ: نَعَمْ، وَكَذَا وَكَذَا جَارِيَة، قَالَ: فَأَنا أوليك طَلاقهَا وَعتق جواريه، قَالَتْ: بل تهنيه نِسَاءَهُ كَمَا هنأته دَمه، فَأقبل عَلَى أم أَيُّوب فَقَالَ لَهَا: يَا أم أيّوب لَا نسَاء إِلَّا بَنَات الْعم. ثُمَّ قَالَ: أقيمي عِنْدَ أم أَيُّوب حَتَّى يَأْتِيك الْكتاب بمحبتك إِن شَاءَ اللَّه، وقدِم الْكتاب وَقد قَدِمَ بِهِ على الْحجَّاج من خُرَاسَان، فأقامه للنَّاس فِي سَرَاوِيل وَقد كَانَ نزع ثِيَابه قَبْلَ ذَلِكَ وَعرضه عَلَى النّاس فِي الْحَدِيد ليعرفوه، فَلَمّا أَمْسَى دَعَا بِهِ الحَجَّاج فَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّه: أتأذن لي فِي الْكَلَام؟ قَالَ: لَا كَلَام سَائِر الْيَوْم، قَالَ: فَكَسَاهُ وَحمله وَأَجَازَهُ وخلى سَبيله، وَانْصَرف إِلَى أَهله فَسَأَلَهُمْ عَن حبه، فَأخْبر بأمرها وَقيل لَهُ: مَا نَدْرِي أَيْنَ تَوَجَّهت، ثُمَّ بلغه مَا صنعت، فَكتب إِلَيْهَا: إِنَّك قد صنعت مَا لم تصنع أُنْثَى فأعلميني بمقدمك أتلقاك ويتلقاك النّاس معي، فَلم تعلمه حَتَّى قدمت لَيْلًا وَهُوَ عِنْدَ ابْنَة عُبَيْد بْن كلاب، فَقَالَت: لَا وَالله لَا يُؤذن بِي اللَّيْلَة، فَلَمّا أصبح، أخبر بمكانها فَأَتَاهَا. رفده وخل سَبيله، ثُمَّ وَجه بِهِ مَعَ الْبَرِيد، ثمَّ أقبل عَلَيْهَا فَقَالَ: مَا أَنْت مِنْهُ؟ قَالَتْ: امْرَأَته وَابْنَة عَمه، قَالَ: فَضَحِك وَقَالَ: أَيْنَ نشأت، قَالَتْ: فِي حجر أَبِيهِ، قَالَ: فوَاللَّه لأَنْت أعرب مِنْهُ وأفصح لِسَانا، فَهَل مَعَه غَيْرك؟ قَالَتْ: نَعَمْ، ابْنَة عُبَيْد بْن كلاب، قَالَ: النميري قَالَتْ: نَعَمْ، وَكَذَا وَكَذَا جَارِيَة، قَالَ: فَأَنا
стр. 133
أوليك طَلاقهَا وَعتق جواريه، قَالَتْ: بل تهنيه نِسَاءَهُ كَمَا هنأته دَمه، فَأقبل عَلَى أم أَيُّوب فَقَالَ لَهَا: يَا أم أيّوب لَا نسَاء إِلَّا بَنَات الْعم. ثُمَّ قَالَ: أقيمي عِنْدَ أم أَيُّوب حَتَّى يَأْتِيك الْكتاب بمحبتك إِن شَاءَ اللَّه، وقدِم الْكتاب وَقد قدم بِهِ على الْحجَّاج من خُرَاسَان، فأقامه للنَّاس فِي سَرَاوِيل وَقد كَانَ نزع ثِيَابه قَبْلَ ذَلِكَ وَعرضه عَلَى النّاس فِي الْحَدِيد ليعرفوه، فَلَمّا أَمْسَى دَعَا بِهِ الحَجَّاج فَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّه: أتأذن لي فِي الْكَلَام؟ قَالَ: لَا كَلَام سَائِر الْيَوْم، قَالَ: فَكَسَاهُ وَحمله وَأَجَازَهُ وخلى سَبيله، وَانْصَرف إِلَى أَهله فَسَأَلَهُمْ عَن حبه، فَأخْبر بأمرها وَقيل لَهُ: مَا نَدْرِي أَيْنَ تَوَجَّهت، ثُمَّ بلغه مَا صنعت، فَكتب إِلَيْهَا: إِنَّك قد صنعت مَا لم تصنع أُنْثَى فأعلميني بمقدمك أتلقاك ويتلقاك النّاس معي، فَلم تعلمه حَتَّى قدمت لَيْلًا وَهُوَ عِنْدَ ابْنَة عُبَيْد بْن كلاب، فَقَالَت: لَا وَالله لَا يُؤذن بِي اللَّيْلَة، فَلَمّا أصبح، أخبر بمكانها فَأَتَاهَا.
خبر الحَجَّاج بْن عَبْد اللَّه الثَّعْلَبِيّ مَعَ عَبْد الْملك
حَدَّثَنَا عدد من الشُّيُوخ مِنْهُم عَبْد الْوَاحِد أَبُو عُمَر هَذَا الْخَبَر عَلَى لَفظه، قَالَ: أَخْبَرَنَا ثَعْلَب، عَنْ عَبْد اللَّه بْن شَبِيب، قَالَ: أَخْبرنِي زبير، قَالَ أَخْبرنِي عمي، قَالَ: كَانَ عَبْد اللَّه بْن الحَجَّاج الثَّعْلَبِيّ من أَشد النّاس عَلَى عَبْد الْملك بْن مَرْوَان فِي طَاعَة ابْن الزُّبَيْر مَعَ القيسية، فَلَمّا قتل ابْن الزُّبَيْر أرسل عَبْد الْملك يطْلب عَبْد اللَّه بْن الحَجَّاج فَلم يظفر بِهِ، فَلَمّا خَافَ عَبْد اللَّه بْن الحَجَّاج أَن يظفر بِهِ أقبل فَدخل عَلَى عَبْد الْملك فِي الْيَوْم الَّذِي يطعم فِيهِ أَصْحَابه فَمثل بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ، قَالَ:
منع الْفِرَار فَجئْت نَحْوك هَارِبا ... جَيش يجر ومقنب يتلمع
فَقَالَ: أَي الأخابث أَنْت؟ فَقَالَ:
ارْحَمْ أصيبيتي هُديت فَإِنَّهُم ... حَجَل تدرج بالشّرِبَّة جوعُ
فَقَالَ: أجاع اللَّه بطونهم، فَقَالَ:
مَال لَهُمْ فِيمَن يظنّ جمعته ... يَوْمَ القليب فحيز عَنْهُمْ أجمع
فَقَالَ: أَحْسبهُ كسب سوء، فَقَالَ:
أدنوا لترحمني وَتقبل تَوْبَتِي ... وأراك تدفعني فَأَيْنَ المدفع
قَالَ: إِلَى النَّار، فَقَالَ:
ضَاقَتْ ثِيَاب الملبسين ونفعهم ... عني فألبسني فثوبك أوسع
قَالَ: فَنزع مطرفا كَانَ عَلَيْهِ فطرحه عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: آكل؟ قَالَ: كلّ. فَلَمّا وضع يَده عَلَى الطَّعَام قَالَ: أمنت وَرب الْكَعْبَة، قَالَ: كنت من كنت إِلَّا عَبْد اللَّه بْن حجاج، قَالَ: فَأَنا عَبْد اللَّه بْن حجاج، قَالَ: أولى لَك.
وَقد روى لَنَا هَذَا الْخَبَر عَنْ طَرِيق آخر، وَفِيه: أنَّ عَبْد اللَّه قَالَ لَهُ: لَا سَبِيل لَك إِلَى
стр. 134
قَتْلِي، قَدْ جَلَست فِي مجلسك وأكلت طَعَامك ولبست من ثِيَابك.
من جود خَالِد بْن عَبْد اللَّه الْقَسرِي
حَدَّثَنَا أبي ﵁، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الْخُتلِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْص يَعْنِي النَّسَائيّ، قَالَ: وقرأت فِي كتاب عَنْ عَبْد الْملك بن قريب الْأَصْمَعِي، قَالَ: دَخَلَ أَعْرَابِي عَلَى خَالِد بْن عَبْد اللَّه الْقَسرِي، فَقَالَ: أصلح اللَّه الْأَمِير، إِنِّي قَد امتدحتك ببيتين وَلست أنشدكهما إِلَّا بِعشْرَة آلَاف وخادم، فَقَالَ لَهُ خَالِد: قل. فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
لَزِمت نعم حَتَّى كَأَنَّك لَمْ تكن ... سَمِعت من الْأَشْيَاء شَيئًا سوى نَعَمْ
وَأنْكرت لَا حَتَّى كَأَنَّك لَمْ تكن ... سَمِعت بهَا فِي سالف الدَّهْر والأمم
فَقَالَ خَالِد بْن عَبْد اللَّه: يَا غُلَام! عشرَة آلَاف وخادمًا يحملهَا.
وَدخل عَلَيْهِ أَعْرَابِي: فَقَالَ: إِنِّي قَدْ قلت فِيك شعرًا، فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
أخالد إِنِّي لَمْ أزرك لحَاجَة ... سوى أنني عافٍ وَأَنت جواد
أخالد إِن الْأجر وَالْحَمْد حَاجَتي ... فَأَيّهمَا أَتَانِي فَأَنت عماد
فَقَالَ لَهُ خَالِد بْن عَبْد اللَّه: سل يَا أَعْرَابِي، قَالَ: وَقد جعلت الْمَسْأَلَة إليَّ أصلح اللَّه الْأَمِير؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مائَة ألف دِرْهَم، قَالَ: أكثرت يَا أَعْرَابِي قَالَ: فأحطك أصلح اللَّه الْأَمِير قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: قَدْ حططتك تسعين ألفا، قَالَ لَه خَالِد: يَا أَعْرَابِي مَا أَدْرِي من أَي أمريك أعجب؟ فَقَالَ: لَهُ: أصلح اللَّه الْأَمِير: إِنَّك لمّا جعلت الْمَسْأَلَة إِلَى سَأَلتك عَلَى قدرك وَمَا تستحقه فِي نَفسك، فَلَمّا سَأَلتنِي أَن أحط حططت عَلَى قدري وَمَا أستأهله فِي نَفسِي، فَقَالَ لَه خَالِد: وَالله يَا أَعْرَابِي لَا تغلبني، يَا غُلَام، مائَة ألف، فَدَفعهَا إِلَيْهِ.
شعر لبشار بْن برد فِي قينة
حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن الفَضْل الرَّبَعي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم المَوْصِليّ، قَالَ: كَانَتْ بِالْبَصْرَةِ لرجل من آل سُلَيْمَان بْن عليّ جَارِيَة، وَكَانَت محسنة بارعة الظّرْف وَالْجمال، وَكَانَ بشار بْن برد صديقا لمولاها ومداحا لَهُ، فَحَضَرَ مَجْلِسه وَالْجَارِيَة نغنيهم، فَشرب مَوْلَاهَا وسكر ونام ونهض للانصراف من كَانَ بالحضرة، فَقَالَت الْجَارِيَة لبشار: أُحِبَّ أَن نذْكر مَجْلِسنَا هَذَا فِي قصيدة مليحة وَترسل بهَا إليَّ عَلَى أَلا تذكر فِيهَا اسْمِي وَاسم سَيِّدي، فَقَالَ بشار وَبعث بهَا مَعَ رَسُوله إِلَيْهَا:
وَذَات دلّ كَأَن الشَّمْس صورتهَا ... باتت تغني عميد الْقلب سكرانا
إِن الْعُيُون الَّتِي فِي طرفها حور ... قتلننا ثُمَّ لَمْ يحيين قَتْلَانَا
فَقلت: أَحْسَنت يَا سؤلي وَيَا أملي ... فأسمعيني جَزَاك اللَّه إحسانا
стр. 135
يَا حبذا جبل الريان من جبل ... وحبذا سَاكن الريان من كَانَا
قَالَتْ: فَهَلا فدتك النَّفس أحسن من ... هَذَا لمن كَانَ صب الْقلب حيرانا
يَا قوم أُذُنِي لبَعض الْحَيّ عاشقة ... وَالْأُذن تعشق قبل الْعين أَحْيَانًا
فَقلت: أَحْسَنت أَنْت الشَّمْسُ طالعة ... أضرمت فِي الْقلب والأحشاء نيرانا
فأسمعينا غناء مطربًا هزجًا ... يزِيد حبا محبا فِيك أشجانا
يَا لَيْتَني كنت تفاحًا تمخضه ... وَكنت من قضب الريحان ريحانا
حَتَّى إِذَا وجدت ريحي فأعجبها ... وَكنت فِي خلْوَة مثلت إنْسَانا
فحركت عودهَا ثُمَّ انْثَنَتْ طَربا ... تبدي الترنم لَا تخفيه كتمانا
أَصبَحت أطوع خَلْق اللَّه كلهم ... نفسا لأكْثر خَلْقٌ اللَّه عصيانا
فَقلت: أطربينا يَا زين مَجْلِسنَا ... فغننا، أَنْت بِالْإِحْسَانِ أولانا
فغنت الشّرْب صَوتا مؤنقًا رصفا ... يُذكي السرُور ويبكي الْعين أَحْيَانًا
لَا يقتل اللَّه من دَامَت مودته ... وَالله يقتل أَهْلَ الْغدر من كَانَا
قَالَ القَاضِي: قَول بشار فِي هَذَا الشّعْر: حَتَّى إِذا وددت ريحي فأعجبها، عَلَى لفظ التَّذْكِير وَالرِّيح مُؤَنّثَة، وَقد يكن فعل هَذَا فِي ضَرُورَة الشّعْر وَجعل الضَّمِير الَّذِي فِي - فأعجبها - عَائِدًا عَلَى الرّيح وَهِي مُؤَنّثَة، إِمَّا لِأَن تأنيثها لَيْسَ بحقيقي، وَإِمَّا لأنَّه أَرَادَ بقوله: ريحي نسيمي وَنَحْوه، وَقد جَاءَ فِي الشّعْر مثله كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
فَلا مُزْنَةَ وَدَقَتْ وَدَقَهَا ... وَلا أَرض أبقل أبقالها
وَقد اختف النحويون فِي الْفرق بَيْنَ التَّأْنِيث الْحَقِيقِيّ والتأنيث الَّذِي هُوَ غَيْر حَقِيقِيّ فَقَالَ بَعضهم: التَّأْنِيث الَّذِي هُوَ حَقِيقِيّ مَا لَا يُطلق لَفظه عَلَى مذكّره لاخْتِصَاص مؤنثه بِلَفْظِهِ كامرأة وناقة، وأمّا التَّأْنِيث الَّذِي لَيْسَ بحقيقي، فكقولهم شَاة للذّكر من هَذَا النَّوْع وَالْأُنْثَى، كَمَا قَالَ الْأَعْشَى:
فَلَمّا أَضَاء الصبحُ قَامَ مبادرًا ... وَكَانَ انطلاق الشَّاة من حَيْث خيما
قيل إِن الشَّاة هَا هُنَا الثور، وَقَوله دابَّة وحية لذكرهما وأنثاهما، وَهَذَا مَذْهَب الْكُوفِيّين، فَأَما البصريُّون فيَروْن الْفَصْل بَيْنَ هذَيْن التأنيثين ومقابلهما من التذكيرين من قَبْلَ اخْتِلَافهمَا من جِهَة الْفروج الْمُخْتَلفَة فيهمَا، كَرجل وَامْرَأَة وجمل وناقة وفتى وفتاة، وَفِي تذكير بشار الْمُضمر فِي قَوْله فأعجبها وجهٌ آخر حَسَن لَيْسَ فِيهِ مَا فِي الْوَجْه الَّذِي قدمنَا ذكره من الضَّرُورَة، وَهُوَ جَائِز مطّرد فِي النثر وَالشعر، وَلم أر أحدا مِمَّن يتعاطى هَذَا الشَّأْن من أَهْلَ الْعلم وَالْأَدب أَتَى بِهِ وَهُوَ أَن يكون لمّا قَالَ: وجدت ريحي فَلم يستو لَهُ التَّأْنِيث
стр. 136
مَتَى رد الضَّمِير إِلَى الرّيح لِئَلَّا ينكسر الشّعْر وَيفْسد الْوَزْن رده إِلَى الْوُجُود، كَأَنَّهُ قَالَ: وجدت ريحي فأعجبها وجود ريحي، وَاعْتمد عَلَى دلَالَة الْفِعْل الَّذِي هُوَ وجدت وعَلى الْمصدر الَّذِي هُوَ وجود، وَهَذَا صَحِيح مستفيض فِي كَلَام الْعَرَب، وَقَوْلهمْ: من كذب كَانَ شَرّا لَهُ، فَدلَّ قَوْلهم كذب عَلَى الْكَذِب، وَقد قَالَ اللَّه تَعَالَى جده: " وَلَا تحسبن الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بل هُوَ شَرّ لَهُم " الْمَعْنى: لَا تحسبن الْبُخل، فدلّ يَبْخلُونَ عَلَى الْبُخْل، وَمن هَذَا الْبَاب: قَول الشَّاعِر:
إِذَا نهِي السّفيِهُ جَرى إِلَيْهِ ... وخَالَف والسّفِيهُ إِلَّا خِلافِ
أَرَادَ جرى إِلَى السّفَه، فَدلَّ قَوْله السفية عَلَى السَّفه، وَهَذَا بَاب وَاسع جدا.
عُبَيْد اللَّه بْن يحيى بْن خاقَان يتنبأ بالأحداث
حَدَّثَنَا عليّ بْن مُحَمَّد بْن الجهم، أَبُو طَالِب الْكَاتِب، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن طَاهِر، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، عَنْ أَحْمَد بْن إِسْرَائِيل، قَالَ: صِرْتُ يَوْمَا إِلَى عُبَيْد اللَّه بْن يحيى بْن خاقَان فَلَمّا صرت فِي صحن الدَّار رَأَيْته مُضْطَجِعًا عَلَى مُصَلاه مُوليًا ظَهره بَاب مَجْلِسه، فهممتُ بِالرُّجُوعِ، فَقَالَ لي الْحَاجِب: أُدْخُلْ فَإِنَّهُ منتبه، فَلَمّا سمع حِسِّي جلس، فَقلت: حَسِبْتُك نَائِما، قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي كُنت مفكراً، قلت: فيماذا أعزَّك اللَّه؟ قَالَ: فكرتُ فِي أَمر الدُّنْيَا وصلاحها فِي هَذَا الْوَقْت واستهوائها ودُرُورِ الْأَمْوَال وأمنِ السّبيل وعِزِّ الْخلَافَة فعلمتُ أَنَّهَا أمكر وَأنكر وأغدر من أَن يَدُوم صَفَاؤها لأحد، قَالَ: فدعوتُ لَهُ وانصرفت، فَمَا مَضَت أَرْبَعُونَ لَيْلَة مُنْذُ ذَلِك الْيَوْم حَتَّى قتل المتَوَكل وَنزل بِهِ من النَّفْي مَا نزل.
وتنبؤ آخر للْإِمَام أبي جَعْفَر الطَّبَرِيّ
حَدثنِي بعض شُيُوخنَا: أنَّ بعضَهم حَدثهُ: أَنَّهُ لمّا كَانَ من خلع الْمُقْتَدِر فِي الْمرة الأولى مَا كَانَ، وبُويع عَبْد اللَّه بْن الْمُعتزِّ بالخلافة، دَخَلَ عَلَى شَيخنَا أبي جَعْفَر الطَّبَريّ ﵁ فَقَالَ لَهُ: مَا الخَبر، وَكَيف تركتَ النّاس؟ أَوْ نَحْو هَذَا من القَوْل، فَقَالَ لَهُ: بُويع عَبْد اللَّه بْن المعتز، قَالَ: فَمَنْ رُشِّح للوزارة؟ قَالَ: مُحَمَّد بْن دَاوُد بْن الجَرَّاح، قَالَ: فَمن ذُكِر للْقَضَاء؟ قَالَ الْحَسَن بْن الْمُثَنى، فَأَطْرَقَ ملِيًّا ثُمَّ قَالَ: هَذَا أمرُ لَا يتمُّ وَلَا يَنْتَظِم، قَالَ: قلت لَهُ: فَكيف؟ فَقَالَ: كلّ واحدٍ من هَؤُلَاءِ الَّذين سَمّيت مُتَقَدِّمٌ فِي مَعْنَاهُ عَلَى الرّتْبة من أَبنَاء جنسه، وَالزَّمَان مُدبر والدُّنْيا مُوَليَّة، وَمَا أرى هَذَا إِلَّا إِلَى اضمحلال وانتقاص وَلَا يكون لمدته طول، فَكَانَ الْأَمر كَمَا قَالَ، وَرَأَيْت صِحَة قَوْله فِي أسْرع وَقت.
صَدَّقه حِين كذب وكَذَّبه حِين صدق
حَدَّثَنِي شيخ من أَهْلَ بَغْدَاد بجسر النّهَروان يُعرف بالْقُدَّامي ذهب عني اسْمه، وَكَانَ ذَا أدب وَمَعْرِفَة، بإسنادٍ ذهب عني حفظه:
стр. 137
أنَّ إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم الطاهري، قَالَ لمُحَمد بْن شُجَاع الثّلجي: أُرِيد أَن تُوَجِّه إليَّ رَجُلا من أفاضل أَصْحَابك أستكفيه شَيئًا من أموري، قَالَ: فأرسلتُ إِلَيْهِ بعضَ من كَانَ يَلزم مجلسي وَيَأْخُذ الْفِقْه عني، وَله دينٌ وعِلمٌ فَمضى إِلَيْهِ ثُمَّ عَاد إليَّ فَأَخْبرنِي أَنَّهُ كَلّفه تَفْرِقَة مَال دَفعه إِلَيْهِ فَصَرفهُ فِي وُجُوه الْبر، فَلَمّا كَانَ فِي الْعَام الْقَابِل سَأَلَ إِسْحَاق أَيْضا أَبَا عَبْد اللَّه بْن شُجَاع إِنْفَاذ الرَّجُل إِلَيْهِ فَفعل، فَلَمّا كَانَ من الْغَد أرسل الرَّجُل إِلَى ابْن شُجَاع يذكر أنَّ إِسْحَاق حَبسه، فارتاع لذَلِك وأتى إِسْحَاق فَقَالَ لَهُ: لَمْ حبست صاحبنا؟ قَالَ: هَذَا رجلٌ خائن، وَكَانَ ابْن شُجَاع قَبْلَ أَن يَلْقى إِسْحَاق قَدْ دَخَلَ عَلَى صَاحبه فِي محبسه فَسَأَلَهُ عَنْ قصَّته فَقَالَ لَهُ: أَعْطَانِي فِي الْعَام الْمَاضِي عشرَة آلَاف دِرْهَم وَقَالَ: اصرفها فِي ذَوي الْحَاجة بهَا، وفكّرتُ فِي الَّذِي آتيه فِيهَا، فحدَّثَتْني نَفسِي أَن آخذها لنَفْسي وَأسد بهَا خلتي وأنفقها على عيالي وأَرُمُّ بهَا حَالي، إِذْ كنتُ فِي عُسرة وضيق من الْمَعيشَة وعَلى حدٍّ من الْفَاقَة، وَقلت تَارَة: إِن كنت أصرفها فِيمَا يخصني موافقاَ لجملة مَا رسمه لي عَلَى طَريقَة من الْخِيَانَة إِذْ لَمْ يَأْمر لي بِهَذَا المَال، فَكَانَ مَا قَالَه يَقْتَضِي دَفعه إِلَى غَيْرِي، ثُمَّ قلت: إِن غَيْرِي إِنَّمَا أُرَجِّحُ أَنَّهُ مُحْتَاج أَوْ مُسْتَحقّ إِلَى ظَاهر وظَنِّ غَالب، وَأَنا من صُورَة أَمْرِي عَلَى يَقِين وَعلم بالباطن، وغَلّبت هَذَا عَلَى عزيمتي، فصرفتُ المَال فِي صَلَاح شئوني وَقَضَاء ديوني والتوسعة عَلَى عيالي، ثُمَّ رجعتُ إِلَيْهِ فَقَالَ لي: مَا صنعت؟ فَأَخْبَرته أَنِّي أتيت بِمَا كلفنيه وامتثلت أمره فِيهِ، فَقَالَ: امْضِ جَزَاك اللَّه خيرا، فَلَمّا كَانَ هَذَا الْعَام أَعْطَانِي مثل نَفسِي لَا عذر لَك فِي أَدَاء الْأَمَانَة واستفراغ الْجهد والطاقة والتنزه عَنِ السفسفة أَو الْخِيَانَة، فأتعبت نَفسِي وأعملت فكري وكددت جسمي فِي تحري أَهْلَ المسكنة وتوخي ذَوي الْحَاجة حَتَّى بلغت الْغَايَة، وصرفت المَال بأسره فِي هَذِهِ الطَّبَقَة، وَلم آخذ لنَفْسي مِنْهُ مِثْقَال ذرة ثُمَّ جِئْته فَقَالَ: مَا صنعت؟ فَأَخْبَرته أنني أتيتُ مَا أَمرنِي بِهِ، فَقَالَ كذبت وَأمر بِي إِلَى السجْن، فَقَالَ لَهُ ابْن شُجَاع: أهكذا كَانَ الْأَمر؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَهَل كَانَ غَيْر هَذَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ ابْن شُجَاع: فَقلت لإسحاق: إِن عِنْدِي فِي هَذَا شَيئًا أذكرهُ لَك، وفصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة عَلَى وَجههَا، فنكث فِي الأَرْض وَقَالَ: قَدْ صدق الرجل فِيمَا ذكره وَأمر بِتَخْلِيَتِهِ، فَقلت لَهُ: كَيْفَ علمت بصدقه بَعْدَ مَا كَانَ مِنْك؟ قَالَ: أمْرُنَا هَذَا جَار عَلَى الإدغال وَخلاف الصِّحَّة، فَإِذا عوملنا بِمثل عَملنَا سَكَنا إِلَيْهِ وأحسنّا الظّن بعامله، وَإِذا أَتَى مَا يُخَالِفهُ أنكرناه ونفرنا عَنْهُ وَلم نصدق صَاحبه.
قَالَ القَاضِي: حَدَّثَنِي الشَّيْخ بِهَذِهِ الْحِكَايَة بِلَفْظ غَيْر هَذَا عَبّرت عَنْهُ بلفظي وَلم أخل بِمَعْنَاهُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق.
стр. 138
الْمجْلس التَّاسِع عَشْر
ائْتُونِي بسكين أشقه بَيْنكُمَا
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " بَيْنَا امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا فَجَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِأَحَدِهِمَا: فَقَالَتْ هَذِهِ لِصَاحِبَتِهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، وَقَالَتِ الأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ فَقَضَى لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا إِلَى سُلَيْمَانَ فَأَخْبَرَتَاهُ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِسِكِّينٍ أَشُقُّهُ بَيْنَكُمَا، فَقَالَتِ الصُّغْرَى: يَرْحَمُكَ اللَّهُ هُوَ ابْنُهَا، فَقَضَى لِلصُّغْرَى بِهِ "، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّهِ إِنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ قَطُّ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَمَا كُنْتُ أَقُولُ إِلا الْمُدْيَةَ.
قَالَ القَاضِي: السِّكِّين والمدية مَعًا اسمان لهَذِهِ الأداة الَّتِي تذبح الْحَيَوَان ويُنحر بهَا وهما موجودان فِي كَلَام الْعَرَب، ولعلَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يعرف السكين وَلم تكن من لُغَة قومه، فَأَما الْمُدية فمؤنثة بِحرف التَّأْنِيث الَّذِي فِيهَا وَهُوَ الْهَاء وَجَمعهَا مدى مثل زبية وزبى ورُقية ورقى وكنية وكنى، قَالَ الشَّاعِر:
من كلّ كوماء سَحُوف إِذَا ... جَفّتْ من اللَّحْم مُدَى الجازِرِ
وَقد اخْتلفت أَهْل الْعلم بِالْعَرَبِيَّةِ فِي تذكير السكين وتأنيثه، فَذكر بَعضهم وَأنكر تأنيثه، وأنثه آخَرُونَ وأبَوا تذكيره، وَأَجَازَ فريقٌ الْوَجْهَيْنِ مَعًا فِيهِ، وَهَذَا أولى الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ عندنَا فِيهِ، لِأَن أُولِي الْمعرفَة بِهَذَا الْبَاب قَدْ حَكَوْها وَأتوا بشواهد رَدُّوها فِيهَا، وَأَنا ذاكرٌ مَا ورد فِي ذَلِكَ عَنْهُمْ بِمَشِيئَة اللَّه وتوفيقه.
قَالَ أَبُو حَاتِم السِّجِسْتانيّ: السكين تُذكر، قَالَ: وَسَأَلت أَبَا زَيْدُ الأَنْصَارِيّ والأصمعي وَغَيرهمَا مِمَّن أدركنا فكلُّهم يذِّكره وينكر التَّأْنِيث، قَالَ: أَنْشدني الْأَصْمَعِي للهذلي:
يُرى ناصحًا فِيمَا بَدَا وَإِذا خلا ... فَذَلِك سِكِّينٌ عَلَى الحَلْقِ حَاذِقُ
وَقَالَ أَبُو هفان: قَالَ أَبُو عُمَر الْجرْمِي فِي تذكير حاذق: هَذَا كَمَا يَقُولُ شَفْرة قَاطع وحاذق، وَامْرَأَة حَائِض وعاقر، قَالَ أَبُو بَكْر بْن الأنبَاريّ: وَهَذَا عِنْدِي لَيْسَ بِمَنْزِلَة ذَلِكَ، لِأَن الْحيض لَا يكون إِلَّا للنِّسَاء، والحذقُ يكون للمذكر والمؤنث فَلَا بُد فِيهِ من الْهَاء إِذَا وصف بِهِ الْمُؤَنَّث، وَهَذَا الْبَيْت يدل عَلَى تذكير السكين.
قَالَ القَاضِي: الَّذِي ذَكَرَه ابنُ الأنبَاريّ فِي تذكير لفظ حَائِض من العلَّة هُوَ مَذْهَب أَصْحَابه الكوفييَّن، وَقد خَالفه فِيهِ البصريّون عَلَى اخْتِلَاف بَينهم عَلَى تعْيين الْعلَّة سوى أَبِي حَاتِم السِّجستاني فَإِنَّهُ اخْتَار فِيهِ قَول الْكُوفِيّين، ولشرح هَذَا مَوضِع هُوَ أولى بِهِ. وَلَو سُلّم إِلَى ابْن الأنبَاريّ اعتلاله فِي حَائِض لَكَانَ مَا احْتج بِهِ أَبُو عُمَر الْجرْمِي من قَوْلهم شفرة قَاطع وحاذق كَافِيا فِيمَا استدلَّ بِهِ وَلم يَقُل أَبُو بَكْر فِي هَذَا شَيئًا وَلَا عرض للمعتل بطعن فِي اعتلاله، وَهَذَا
стр. 139
يدلُّ عَلَى لُزُومه إِيَّاه وعجزه عَنِ الِانْفِصَال مِنْهُ، وَقد قَالَت الْعَرَب: امْرَأَة عاشق وَهَذَا مثل حاذق والعشق يكون للرِّجَال وَالنِّسَاء وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر الأنبَاريّ، قَالَ: وَأخْبرنَا أَبُو الْعَبَّاس، عَنْ سَلَمَة، عَنِ الْفراء، أَنَّهُ قَالَ: السكين ذَكَرَ وَقد أُنِّثت، وَأنْشد فِي التَّأْنِيث:
فَعَيّثَ فِي السّنام غَدَاةَ قُرٍّ ... بِسِكيِّنٍ مُوَثّقة النِّصَابِ
وَأنْشد فِي التَّأْنِيث أَيْضا:
إِذَا أعْرَضَت مِنْهَا عَناقٌ رَأَيْته ... بسكيِّنِه من حولهَا يتلهف
يلوذ بهَا عَنْ عينهَا لَا يَرُوعُها ... كَأَنَّهُ من حَوْبائه الموتُ يُصْرَفُ
وَحَدَّثَنَا ابْن الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن الْحَسَن الْحزَامِي، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوب، قَالَ ابْن الأنبَاريّ: وحَدثني أبي، عَنْ مُحَمَّد بْن الحكم، عَنِ اللحياني، قَالَ: السكين تذكر وتؤنث، قَالَ اللحياني: لَمْ يعرف الْأَصْمَعِي فِي السكين إِلَّا تذكير السكين وتأنيث السَّرَاوِيل، وأنشدنا عَنْ ثَعْلَب:
ادنُ إِلَى الشّاةِ من خِيارها ... واخْرج السكين من قِمْجَارِها
القمجار: الغلاف، فَهَذَا شَاهد التَّأْنِيث.
ذكاء عَبْد الْملك وَعلمه
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُريد، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعُكْلي، عَنِ الحرمازي قَالَ: أنْشد رَجُل من جلساء عَبْد الْملك أبياتَ أُحَيْحَةَ بْن الْجُلاح:
استغنِ أَوْ مُتْ وَلَا يَغْرُرْكَ ذُو نَشَبٍ ... من ابْن عَمٍّ وَلَا عَمٍّ وَلَا خَالِ
يَلْوُون مَا عِنْدهم من حَقِّ جارهم ... وَعَن عَشيرتهم وَالْمَال بالوالي
وأجْمَع وَلَا تَحْقِرَنْ شَيئًا تُجَمِّعُه ... وَلَا تُضَيِّعَهْ يَوْمَا عَلَى حَال
إِنِّي مقيمٌ عَلَى الزَّوْراء أعْمُرُها ... إنّ الكريمَ عَلَى الأقوام ذُو المَال
لَهَا ثَلاثُ بِئَارٍ فِي جَوَانبها ... وكُلُّها عَقِبٌ تُسْقَى بإقْبَالِ
كلُّ النداء إِذَا ناديتُ يَخْذُلُني ... إِلَّا ندَائِي إِذَا ناديتُ يَا مَالِي
مَا إِن يَقُولُ لشَيْء حِين أَفعلهُ ... لَا أستطيعُ وَلَا يَنْمُو عَلَى حَال
فَقَالَ رَجُل من جلساء عَبْد الْملك، وَمَا الزَّوْرَاء يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَالله لَوْ أرْسلت فِيهَا الْأَشْقَر مَا ترك حَوْضًا، فَقَالَ لَهُ عَبْد الْملك: إِن أَبَا عَمْرو كَانَ من رجال قومه وَكَانَ يرى أَنَّهُ عَنَى هَذَا، فَعجب النّاس من ذكاء عَبْد الْملك وَمن مَعْرفَته بكُنْيَةِ أحيحة.
قصَّة غَرِيبَة ممّا كَانَ يرد عَلَى الْقُضاة
حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن القَاسِم الكوكبي، فقَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ حَدَّثَنَا دَاوُد بْن
стр. 140
مُحَمَّد بْن يزِيد، عَنْ أبي عَبْد اللَّه النباجي، قَالَ: دَخَلَ ابْن أبي ليلى عَلَى أبي جَعْفَر الْمَنْصُور
وَهُوَ قاضٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَر: إِن القَاضِي قَدْ يرد عَلَيْهِ من طرائف النّاس ونوادرهم أُمُور، فَإِن كَانَ ورد عَلَيْكَ شَيْءٍ فَحَدَّثَنِيهِ، فقد طَال عليّ يومي، فَقَالَ: وَالله لَقَدْ ورد عليّ - مُنْذُ ثَلَاث - أمرٌ مَا ورد عليّ مثله، أَتَتْنِي عَجُوز تكَاد أَن تنَال الأَرْض بوجهها أَوْ تسْقط من انحنائها، فَقَالَت: أَنَا بِاللَّه ثُمَّ بِالْقَاضِي أَن يَأْخُذ لي بحقّي وَأَن يُعِينَني عَلَى خَصْمي، قلت: من خَصْمُك؟ قَالَتْ: ابْنَة أَخ لي، فدعوتُ بهَا فَجَاءَت امْرَأَة ضخمةُ ممتلئة فَجَلَست مُنْبهرة، فَقَالَت الْعَجُوز: أصلح اللَّه القَاضِي، إِن هَذِهِ ابْنَة أخي وَأوصى إليَّ بهَا أَبوهَا، فربَيْتُها فأحسنت التربية، ووليتها فأحسنت الْولَايَة، وأدّبْتها فأحسنتُ التَّأْدِيب، ثُمَّ زوجتها ابْن أَخ لي، ثُمَّ أفسدَتْ عليّ بَعْدَ ذَلِكَ زَوجي، فَقلت لَهَا: مَا تَقُولِينَ؟ قَالَتْ: يَأْذَن لي القَاضِي أَن أُسفر فَأخْبر بحجتي؟ فَقَالَت: يَا عدوة الله تريدين أَن تسفري فتفتني القَاضِي بجمالك، فَقَالَ: فأطرقت خوفًا من مقالتها، وَقلت: تكلمي، فَقَالَت: صَدَقَتْ أصلح اللَّه القَاضِي، هِيَ عَمّتي أوصى بِي إِلَيْهَا أَبِي وربتني فأحسنت وَوَلِيَتْنِي فأحسنت وأدّبتني فأحسنت، وزوَّجتْني ابْن عَم لي وَأَنا كارهة، فَلم أزل حَتَّى عطف اللَّه بَعْضنَا عَلَى بَعْض واغتبط كلُّ وَاحِد منا بِصَاحِبِهِ، ثُمَّ نشأت لَهَا بنيَّة فَلَمّا أدْركْت حَسَدتْني عَلَى زَوجي ودأبت فِي فَسَاد مَا بيني وَبَينه، وحَسّنت ابْنَتهَا فِي عينه حَتَّى عَلِقَها وخطبها إِلَيْهَا، فَقَالَت: لَا أزَوجك حَتَّى تجْعَل أَمر امْرَأَتك بيَدي فَفعل، فَأرْسلت إليَّ: أَي بنية إِن زَوجك قَدْ خطب إِلَى ابْنَتي فأبيت أَن أزَوجهُ حَتَّى يَجْعَل أَمرك فِي يَدي فَفعل، وَقد طَلقتك ثَلَاثًا، فَقلت صبرا لأمر اللَّه وقضائه، فَمَا لَبِثت أَن انْقَضتْ عدتي فَبعث إليَّ زَوجهَا: إِنِّي قَدْ علمتُ ظلم عَمَّتك لَك وَقد أخلف اللَّه عَلَيْكَ زوجا فَهَل لَك فِيهِ؟ قلت: من هُوَ؟ قَالَ: أَنَا، وَأَقْبل يخطبني فَقلت: لَا وَالله حَتَّى تجْعَل أَمر عَمّتي فِي يَدي فَفعل، فَأرْسلت إِلَيْهَا: إِن زَوجك قَدْ خطبني فأبيتُ عَلَيْهِ إِلَّا أَن يَجْعَل أمرَك فِي يَدي فَفعل، وَقد طَلقتك ثَلَاثًا، فَلم يزل حَيا حَتَّى توفى رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِ، ثُمَّ لَمْ ألبثْ أَن عطف اللَّه قلب زَوجي الأوّل فَتذكر مَا كَانَ من موافقتي إِيَّاه فَأرْسل إليَّ: هَلْ لَك فِي الْمُرَاجَعَة، قلت: قَدْ أمكنك ذَلِكَ، فخطبني فأبيت إِلَّا أَن يَجْعَل أَمر بنتهَا فِي يَدي فَفعل، فطلقتها ثَلَاثًا، فَوَثَبت الْعَجُوز وَقَالَت: أصلح اللَّه القَاضِي، فعلتُ هَذَا مرّة وفعلتْه هِيَ مرّة بَعْدَ مرّة، فَقلت: إِن اللَّه ﵎ لَمْ يُوَقِّت لهَذَا وَقْتًا، وَقَالَ: " وَمن بغي عَلَيْهِ لينصرنه الله ".
التَّعْلِيق عَلَى الْخَبَر
قَالَ القَاضِي: إِن زَوْجَ الْعمة لَمْ يكن لَهُ أَن يتَزَوَّج ابْنَة أَخِيهَا وَهِي فِي حباله، وَأرى أنَّ الْجَارِيَة أَرَادَت أَن يتَوَلَّى التَّفْرِيق بَينه وَبَينهَا، اسْتِيفَاء مِنْهَا ومجازاة لَهَا عَلَى فعلهَا، وَقد رُويت لَنَا هَذه الْقِصَّة عَنْ طَرِيق آخر وفيهَا مُخَالفَة لهَذِهِ الرِّوَايَة فِي السَّنَد والمتن مَعًا، وَأَنا
стр. 141
ذاكرها ليستوفي النَّاظر فِي كتاب هَذَا الْأَمريْنِ جَمِيعًا بِمَشِيئَة اللَّه وعونه.
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن دَاوُد بْن سُلَيْمَان النَّيْسَابُوريّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن سهل السّامري بفلسطين، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ الإِمَام، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْخَلِيل، قَالَ: أَخْبرنِي رُوح بْن حَرْب السِّمْسار، قَالَ: كنت فِي دَار الطيالسة فَإِذا الْهَيْثَم بِهِ عَدِيّ حَاضر، قَالَ: سَمِعت مُحَمَّد بْن أبي ليلى يَقُولُ: كنت يَوْمَا فِي مجْلِس الْقَضَاء فوردت على عَجُوز وَمَعَهَا جَارِيَة شَابة، قَالَ: فَذَهَبت الْعَجُوز تَتَكَلَّم قَالَ: فَقَالَت الشَّابَّة: أصلح اللَّه القَاضِي، مُرْها فلتسكُتْ حَتَّى أتكلمَ بحُجّتي وحُجّتِها، فَإِن لحنتُ بِشَيْء فلتردَّ عليّ، فَإِن أذِنْتَ لي سَفَرْت، قَالَ: فَقلت: أسفري، قَالَ: فَقَالَت الْعَجُوز: إِن سَفَرَتْ قضيتَ لَهَا عليّ، قَالَ: قلت: أسْفِري، فأسْفَرت وَالله عَنْ وَجْهٍ مَا ظننتُ أَن يكون مثله إِلَّا فِي الْجنَّة، فَقَالَت: أصلح اللَّه القَاضِي، هَذِهِ عَمّتي، مَاتَ أبي وَتَرَكَنِي يتيمة فِي حجرها فربتني فأحسنت التربية، حَتَّى إِذَا بلغتُ مبلغ النِّسَاء قَالَتْ: يَا بنية! هَلْ لَك فِي التَّزْوِيج؟ قلت: مَا أكره ذَلِكَ يَا عمَّة، هَكَذَا كَانَ؟ قَالَت الْعَجُوز: نَعَمْ. قَالَتْ فخطبني وُجُوه أَهْلَ الْكُوفَة فَلم ترض لي إِلَّا رَجُلا صيرفيًّا فزوجتني، فَكُنَّا كأننا ريحانتان مَا يظنّ أَن اللَّه تَعَالَى خَلَق غَيْرِي، وَلَا أظنّ أَن اللَّه خَلْقٌ غَيره، يَغْدوُ إِلَى سُوقه وَيروح عليّ بِمَا رزقه اللَّه، فَلَمّا رَأَتْ الْعمة موقعه مني وموقعي مِنْهُ حَسَدَتْنا عَلَى ذَلِكَ، قَالَتْ: فَكَانَت لَهَا ابْنَة فسَوَّقْتها وهيأتها لدُخُول زَوجي عليّ فَوَقَعت عينه عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهَا: يَا عَمَّة! هَلْ لَك أَن تزوجيني ابْنَتك؟ قَالَتْ: نَعَمْ بِشَرْط، قَالَ لَهَا: وَمَا الشَّرْط؟ قَالَتْ: تُصَيَّر أَمر ابْنَة أخي إليَّ، قَالَ: قَدْ صيرتُ أمرهَا إِلَيْكَ، قَالَتْ: فَإِنِّي قَدْ طلقتُها ثَلَاثًا بتَّةً، وزوجت ابْنَتهَا من زَوجي، فَكَانَ يَغْدُو عَلَيْهَا وَيروح كَمَا كَانَ يَغْدُو عليّ وَيروح. فَقلت لَهَا: يَا عمَّة! تأذنين لي أَن أنتقل عَنك، قَالَتْ: نَعَمْ، فانتقلت عَنْهَا، قَالَتْ: وَكَانَ لعمتي زوجٌ غَائِب فَقدم فَلَمّا توَسط منزله، قَالَ: مَالِي لَا أرى رَبِيبتَنا؟ قَالَتْ تزوجتْ وَطَلقهَا زوجُها فانتقلت عَنَّا، فَقَالَ لَهَا: عَلَيْنَا من الْحق مَا نُعَزِّيها بمصيبتها، قَالَتْ: فَلَمّا بَلغنِي مَجِيئه تهيأتُ لَهُ وتَسَوَّقْتُ، قَالَتْ: فَلَمّا دَخَلَ عليّ سلم وعَزَّاني بمصيبتي ثُمَّ قَالَ لي: إِن فِيَّ بَقِيَّة من الشَّبَاب فَهَل لَك أَن أتزوجك؟ قلت: مَا أكره ذَاك وَلَكِن عَلَى شَرط، قَالَ لي: وإيش الشَّرْط؟ قلت: تُصَيّر أَمر عَمّتي بيَدي، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ صيرت أمرهَا بِيَدِك، قلت: فَإِنِّي قَدْ طَلقتهَا ثَلَاثًا بَتَّة، قَالَتْ: وقدِم بثَقَلِه عليّ من الْغَد وَمَعَهُ سِتَّة آلَاف دِرْهَم، فَأَقَامَ عِنْدِي مَا أَقَامَ ثُمَّ إِنَّهُ اعتلَّ فُتوفي، فَلَمّا انقضتْ عِدَّتي جَاءَ زَوجي الأوّل يُعَزِّيني بمصيبتي فَلَمّا بَلغنِي مَجِيئه تهيأتُ لَهُ وتَسَوَّقْت، فَلَمّا دَخَلَ عليّ قَالَ: يَا فُلَانَة! إِنَّك لتعلمين أنَّكَ كنت أحبَّ النّاس إليَّ وأعزهم عليّ، وَقد حل لَنَا الرّجْعَة فَهَل لَك فِي ذَلِكَ؟ قلت: مَا أكره ذَلِكَ وَلَكِن تُصَيِّر أَمر ابْنَة عمِّي بيَدي، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ فعلتُ صيرتُ أَمر ابْنَة عَمَّتك بِيَدِك، قلت: فَإِنِّي قَدْ طَلقتهَا ثَلَاثًا بَتَّة، أصلح اللَّه
стр. 142
القَاضِي، فَرَجَعت إِلَى زَوجي، فَمَا استعداؤُها عليّ، فَقَالَ ابْن أبي ليلى: وَاحِدَة بِوَاحِدَة والبادي أظلم، قومِي إِلَى مَنْزِلك. قَالَ ابْن أبي ليلى: فَحدثت الْهَادِي بذلك، فَقَالَ: وَيحك يَا مُحَمَّد! مَا سَمِعت حَدِيثا أحسن من هَذَا، أَنَا أُحِبَّ أَن أحدث بِهِ الخيزران، يَعْنِي أمه.
قَالَ القَاضِي: وقصة هَذَا الْخَبَر كقصة الْمُقدم لَهُ فِي أَنَّهُ لَا يحل الْجمع بَيْنَ الْمَرْأَة وعمتها فِي النِّكَاح، وَأَن التمَاس هَذِهِ الْجَارِيَة من خاطبها تمليكها طَلَاق عَمَّتهَا وبنتها من حباله لمّا وَصفنَا أَنَّهَا أَرَادَت أَن تشفي غيظها وتتولى التَّفْرِيق بَينهَا وَبَين زَوجهَا بِنَفسِهَا مُقَابلَة لَهَا عَلَى مَا ابْتَدَأتهَا بِهِ من إساءتها.
أَخَاف أَن يكونَ فِي قَبُولهما وَهَقُ رقبتي
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْن عَبْد الرَّحْمَن، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حسان، قَالَ: قَالَ لي عمي: قَدِمَ مُحَمَّد بْن قَحْطَبَةَ الْكُوفَة فَقَالَ: أحتاج إِلَى مُؤَدِّب يؤدبُ أَوْلَادِي، حافظٌ لكتاب اللَّه ، عَالِمٌ بِسنة رَسُول الله ﷺ وبالآثار وَالْفِقْه والنحو وَالشعر وَأَيَّام النّاس فَقيل لَهُ: مَا يجمع هَذِهِ الْأَشْيَاء إِلَّا دَاوُد الطَّائِي وَكَانَ مُحَمَّد بْن قَحْطَبَةَ ابْن عَم دَاوُد، فَأرْسل إِلَيْهِ يعرض ذَلِكَ عَلَيْهِ ويُسَنِّي لَهُ الأرزاقَ والفائدة، فَأبى داودُ ذَلِكَ، فَأرْسل بدرة فِيهَا عشرَة آلَاف دِرْهَم، وَقَالَ لَهُ: اسْتَعِنْ بِهِا عَلَى دهرك، فَردهَا، فَوجه إِلَيْهِ ببدرتين مَعَ غلامين لَهُ مملوكين، وَقَالَ: إِن قَبِل البدرتين فأنتما حُرَّان. فمضيا بهما إِلَيْهِ فَأبى أن يقبلهما فَقَالَا لَهُ: فِي قبولهما عتق رقابنا، فَقَالَ لَهما: إِنِّي أَخَاف أَن يكونَ فِي قَبُولهما وَهَقُ رقبتي فِي النَّار، رُدَّاها إِلَيْهِ وقولا لَهُ أَن يَرُدَّهما عَلَى من أخَذْتُهما مِنْهُ أولى من أَن تُعْطِيني إيَّاهُمَا.
لَوْ عُلِم السّبَب
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ الْمبرد فَجَاءَهُ رجلٌ من وُلِد ابْن الزيات فَشَكا إِلَيْهِ أَمر ابنٍ لَهُ خُدع وَلَيْسَ يدْرِي أَيْنَ هُوَ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّهُ جميل الْوَجْه، وشاور أَبَا الْعَبَّاس فِي أمره، فَلَمّا قَامَ قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: أنشدنا الرياشي:
وَلَو كَانَ هَذَا الضَّبُّ لَا ذَنَبٌ لَهُ ... وَلَا كُشْيةٌ مَا مَسّهُ الدَّهْر لامِسُ
وَلكنه من أَجْلِ طِيب ذُنَيبِه ... وكُشْيَتِه دَبّتْ إِلَيْهِ الدهارِسُ
قَالَ القَاضِي: الْكُشية: الشحمة، وَيُقَال: إِن عَليّ جنبتي ظَهره من جهتي عُنُقه إِلَى ذَنبه شَحْمتين ممتدتين إِلَيْهِ هما كُشْيتاه، وجمع الكشية كُشى مثل كُلية وكلى، قَالَ الشَّاعِر:
إِنَّك لَوْ ذُقت الْكُشَى بالأكباد ... لَمْ تُرسلِ الضَّبَّة إعداء الوَادِ
والدهارس والدهاريس: الدَّوَاهِي، قَالَ الشَّاعِر:
حَنّتْ إِلَى النَّخْلَةِ القصوى فَقلت لَهَا ... حِجْرٌ حرَام أَلا تِلْكَ الدَّهارِيس
стр. 143
بِأَيّ شَيْءٍ استحقَّ سَعِيدُ بْن عَبْد الرَّحْمَن توليه الْقَضَاء
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زِيَاد الْمقري، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق السّرّاج بنَيْسَابور، قَالَ: أَخْبَرَنَا دَاوُد بْن رشيد، قَالَ: قلت للهيثم بْن عَدِيّ: بِأَيّ شَيْءٍ اسْتحق سعيدُ بْن عَبْد الرَّحْمَن أَن ولاه المهديُّ الْقَضَاء وأنزله مِنْهُ تِلْكَ الْمنزلَة الرفيعة؟ قَالَ: إِن خَبره فِي اتِّصَاله بالمهدي طريف، إِن أحببتَ شَرَحْتُه لَك، قلت: قَدْ وَالله أحببتُ ذَلِكَ، قَالَ: اعْلَم أَنَّهُ وافي الرّبيع الْحَاجِب حِين أفضت الخلافةُ إِلَى الْمهْدي، فَقَالَ: اسْتَأْذن لي على أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَقَالَ لَهُ الرّبيع: يَا هَذَا! وَمَا حَاجَتك؟ قَالَ: أَنا رجل رَأَيْت لأمير الْمُؤمنِينَ أعزه الله رُؤْيا صَالِحَة، وَقد أَحْبَبْت أَن تذكرني لَهُ، قَالَ: لَهُ الرّبيع: يَا هَذَا! إِن الْقَوْم لَا يصَّدِّقُون مَا يرونه لأَنْفُسِهِمْ فَكيف مَا ترَاهُ لَهُمْ، فاحتل بحيلة هِيَ أَرَدُّ عَلَيْكَ من هَذِهِ، فَقَالَ لَهُ: إِن لَمْ تخبره بمكاني سألتُ من يُوَصِّلُنْي إِلَيْهِ، فَأَخْبَرته أَنِّي سَأَلتك الْإِذْن لي عَلَيْهِ فَلم تَفْعل، فَدخل الرّبيع عَلَى المهديّ فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّكُم قَدْ أطمعتم النّاس فِي أَنفسكُم، فقد احْتَالُوا لَكُمْ بِكُل ضرب، فَقَالَ لَهُ الْمهْدي: هَكَذَا تصنع الْمُلُوك فَمَا ذَلِكَ؟ قَالَ: رَجُل بِالْبَابِ يزْعم أَنَّهُ رَأَى لأمير الْمُؤمنِينَ أيّده اللَّه رُؤْيا حَسَنَة، وَقد أحَبَّ أَن يَقُصَّها عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ المهديُّ: وَيحك يَا ربيع! إِنِّي وَالله أرى الرُّؤْيَا لنَفْسي فَلا تَصِحُّ لي، فَكيف إِذَا ادَّعاها لي من لعلّه قَد افتعلها؟ قَالَ: قَدْ وَالله قلتُ لَهُ مثل ذَلِكَ فَلم يقبل، قَالَ: فهات الرَّجُل، قَالَ: فَأدْخل عَلَيْهِ سعيد بن الرَّحْمَن وَكَانَ لَهُ رواءٌ وجمال ومروءة ظَاهِرَة ولحية عَظِيمَة وعارضةٌ ولسان، فَقَالَ لَهُ المهديُّ: هَات بَارك اللَّه عَلَيْكَ، مَاذا رَأَيْت؟ قَالَ: رأيتُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ آتِيَا أَتَانِي فِي مَنَامِي فَقَالَ لي: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ المهديُّ يعِيش ثَلَاثِينَ سنة فِي الْخلَافَة، وَآيَة ذَلِكَ أَنَّهُ يرى فِي ليلته هَذِهِ فِي مَنَامه كَأَنَّهُ يُقَلِّبُ يواقيتَ ثُمَّ يَعُدُّها فيجدها ثَلَاثِينَ ياقوتة كَأَنَّهَا قَدْ وُهبت لَهُ، فَقَالَ لَهُ المهديُّ: مَا أحسن مَا رَأَيْت! وَنحن نمتحن رُؤْيَاك فِي ليلتنا الْمُقبلَة عَلَى مَا خيبرتنا، فَإِن كَانَ الْأَمر عَلَى مَا ذَكَرَت أعطيناك مَا تُرِيدُ، وَإِن كَانَ الْأَمر بِخِلَاف ذَلِك لم نعاقبك لعلمنا أَن الرُّؤْيَا رُبمَا صدقت وَرُبمَا أخلفت، قَالَ لَهُ سَعِيد: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَمَاذَا أصنع أَنَا السَّاعَة إِذَا صرت إِلَى منزلي وعيالي وَأَخْبَرتهمْ أَنِّي كنت عِنْدَ أَمِير الْمُؤمنِينَ أكْرمه اللَّه ثُمَّ رجعت صِفْرًا؟ قَالَ لَهُ الْمهْدي: فَكيف نعمل؟ قَالَ: يُعَجِّل لي أَمِير الْمُؤمنِينَ أعزه اللَّه مَا أحبّ وأحلف لَهُ بِالطَّلَاق أَنِّي قَدْ صدقتُ، فأمَرَ لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم، وَأمر أَن يُؤخذ مِنْهُ كَفِيل ليحضُر فِي غَيْر ذَلِكَ الْيَوْم، فَقبض المَال وَقيل: من يكفُلُ بك، فَمد عينه إِلَى خَادِم لَهُ حَسَن الْوَجْه والزي فَقَالَ: هَذَا يكفلُ بِي، فَقَالَ لَهُ الْمهْدي: أتكفل بِهِ يَا تَمَلُّك، فاحمرّ وخجل وَقَالَ: نَعَمْ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فكفل بِهِ وَانْصَرف سَعِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم، فَلَمّا كَانَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة رأى المهدى مَا ذكر لَهُ سعيد حرفا حرفا، وَأصْبح سعيد فَوَافى الْبَاب وَاسْتَأْذَنَ فَأذن لَهُ، فَلَمّا وَقعت
стр. 144
عين الْمهْدي عَلَيْهِ قَالَ: أَيْنَ مصداق مَا قلت لَنَا؟ قَالَ لَهُ سَعِيد: وَمَا رَأْي أَمِير الْمُؤمنِينَ شَيئًا؟ فضجع فِي جَوَابه، فَقَالَ لَهُ سَعِيد: امْرَأَتي طَالِق إِن لَمْ يكن رأيتَ شَيئًا، قَالَ لَهُ الْمهْدي: وَيحك! مَا أجرأك عَلَى هَذَا الْحلف بِالطَّلَاق! قَالَ: لِأَنِّي أَحْلف عَلَى صِدْق، قَالَ لَهُ المهديُّ: فقد وَالله رَأَيْت ذَلِكَ مُبينًا، فَقَالَ لَهُ سَعِيد: اللَّه أكبر، فأنجز لي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا وَعَدتنِي، قَالَ لَهُ: حُبًّا وكرامة، ثُمَّ أَمر لَهُ بِثَلَاثَة آلَاف دِينَار وَعشرَة تخوت ثيابًا من كلّ صنف، وَثَلَاث مراكب من أنفس دوابّه مُحلاة، فَأخذ ذَلِكَ وَانْصَرف، فلحق بِهِ الْخَادِم الَّذِي كفل بِهِ، وَقَالَ لَهُ: سألتُك بِاللَّه هَلْ كَانَ لهَذِهِ الرُّؤْيَا الَّتِي ذكرتَها من أصل؟ قَالَ لَهُ سَعِيد: لَا وَالله، قَالَ الْخَادِم: كَيْفَ وَقد رَأَى أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا ذكرتَه لَهُ؟ قَالَ هَذِهِ من المخاريق الْكِبَار الَّتِي لَا يأبه لَهَا أمثالكم، وَذَلِكَ أَنِّي لمّا ألقيت إِلَيْهِ هَذَا الْكَلَام خطر بِبَالِهِ وَحدث نَفسه وَأسر بِهِ قلبه وشغل بِهِ فكره، فساعة نَام خُيِّل لَهُ مَا حَلَّ فِي قلبه وَمَا كَانَ شغل بِهِ فكره فِي الْمَنَام، فَقَالَ لَهَ الْخَادِم: قَدْ حلفتَ بِالطَّلَاق، قَالَ: طلقت وَاحِدَة وَبقيت معي عَلَى ثِنْتين فأزيدُ فِي مهرهَا عشرَة دَرَاهِم وأتخلّص وأحصل عَلَى عشرَة آلَاف دِرْهَم وَثَلَاثَة آلَاف دِينَار وَعشرَة تخوت من أَصْنَاف الثِّيَاب وَثَلَاث مراكب فرهة، فبهت الْخَادِم فِي وَجهه وتعجّب من ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ سَعِيد: قَدْ صَدَقْتُك وَجعلت صِدقي لَك مكافأتك عَلَى كفالتك بِي فاسْتُر عليّ، فَفعل ثُمَّ طلبه المهديُّ لمنادمته، وحَظِيَ عِنْدَهُ وقَلّده القضاءَ عَلَى عَسْكَر المهديّ فَلم يزل على ذَلِكَ إِلَى أَن مَاتَ.
فَهَذَا كَانَ السَّبَب فِي وُصلة سَعِيد بْن الرَّحْمَن بأمير الْمُؤمنِينَ الْمهْدي، فَهَل سَمِعت بِأَعْجَب من ذَلِكَ يَا دَاوُد؟ قَالَ: لَا.
التَّعْلِيق عَلَى هَذِهِ الْقِصَّة
قَالَ القَاضِي: قَول سَعِيد فِي هَذَا الْخَبَر أَنَّهُ طَلّق وَاحِدَة وَبقيت مَعَه عَلَى اثْنَتَيْنِ وَأَنه يزِيد فِي مهرهَا عشرَة دَرَاهِم، من كَلَام الحَمْقى العامَّة وجُهّالهم، لأنَّ مُطِلق امْرَأَته الْمَدْخُول بهَا وَاحِدَة إِن راجَعَها فِي عِدَّتها فَلا مَهْرَ عَلَيْهِ لَهَا، وَإِن تزوَّجها بَعْدَ بينونتها فَعَلَيهِ الصَدَاق مبتدئًا غَيْر زَائِد عَلَى قدرٍ مِنْهُ مُتَقَدم، وَفِي حمل سَعِيد نَفسه فِي هَذِهِ الْقِصَّة عَلَى الْكَذِب وخاصة فِي الرُّؤْيَا وإطلاع الْخَادِم عَلَى قَبِيح مَا أَتَاهُ، وَكذبه فِيمَا حَكَاهُ، وجَعْله هَذِا مُكَافَأَة لَهُ عَلَى كفَالَته بِهِ، واعتماده مسترسلا إِلَيْهِ فِي سَتْر رذيلته عَلَيْهِ، دَلِيل عَلَى أَنَّهُ كَانَ بِمحل من الغَرَق، وَأَن عِظَمَ لحيته كَانَ عَلَى شكلٍ يدل عَلَى السّفاهة والحمق. وَقد حَدَّثَنَا عليّ بْن الفَضْل بْن طَاهِر البلْخيّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَيُّوب بْن يزِيد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يَعْقُوب، قَالَ حَدَّثَنَا مُصْعَب بْن خَارِجَة، عَنْ أَبِيه، من كَانَتْ لحيته طَوِيلَة فَلا يلم فِي عقله شَيْءٍ.
حَدَّثَنَا اللَّيْث بْن مُحَمَّد بْن اللَّيْث المَرْوَزِيّ، قَالَ: سَمِعت عَبْد اللَّه بْن مَحْمُود، يُقَالُ: نظر
стр. 145
عَليّ بن حجر إِلَى أبي الدَّرْدَاء، قَالَ: وَهُوَ طَوِيل اللِّحْيَة فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
لَيْسَ بطُولِ اللَّحَى ... يَسْتَوجِبُون القَضَا
إِن كَانَ هَذَا كَذَا ... فالتّيْسُ عَدْلٌ رِضَا
قَالَ: ومكتوب فِي التَّوْرَاة: لَا يَغُرَّنك طول اللحى، فَإِن التيس لَهُ لحية.
حِكَايَة عَنِ القَاضِي الْعَوْفِيّ، وَكَانَ طَوِيل اللِّحْيَة
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن الْمقري، قَالَ: أَخْبرنِي السَّاجِي بِالْبَصْرَةِ، قَالَ: اشْترى رَجُل من أَصْحَاب القَاضِي الْعَوْفِيّ جَارِيَة فغاضبته وَلم تطعه، فَشَكا ذَلِكَ إِلَى الْعَوْفِيّ فَقَالَ: أنفذها إِلَيّ حَتَّى أكلمها فأنفذها إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهَا: يَا عَزُوبُ يَا لَعُوبُ يَا ذَاتَ الجلابيب، مَا هَذَا التمنع المجانب لِلْخَيْرَاتِ، وَالِاخْتِيَار للأخلاق المَشْنُوءات، فَقَالَت لَهُ: أيد اللَّه القَاضِي: لَيْسَ لي فِيهِ حَاجَة فَمُرْه يَبِيعني، فَقَالَ لَهَا: يَا مُنْيَةَ كُلِّ حَلِيم، وبَحّاثٍ عَنِ اللطائف عليم، أما علمت أَن فرط الاعتياصات من الموموقات عَلَى طالبي المودات والباذلين لكرائم المصونات مؤديات إِلَى عدم المفهومات؟ فَقَالَت الْجَارِيَة: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا أصلح لهَذِهِ العثنونات عَلَى صُدُور أَهْلَ الركاكات من المواسي الحالقات، وضحكت وَضحك أَهْلَ الْمجْلس. وَكَانَ الْعَوْفِيّ عَظِيم اللِّحْيَة.
قَالَ القَاضِي: الْعَوْفِيّ هُوَ الْحَسَن بْن الْحَسَن بْن عَطِيَّة بْن سعيد بْن جُنَادَة، ويكنى أَبَا عَبْد اللَّه من أَهْلَ الْكُوفَة وَقد سمع سَمَاعا كثيرا، غَيْر أَنَّهُ ضَعِيف فِي الحَدِيث، قَدِمَ بَغْدَاد وَولي قَضَاء الشرقية بَعْدَ حَفْص بْن غياث ثُمَّ نقل من الشرقية فولى قَضَاء عَسْكَر الْمهْدي فِي خلَافَة هَارُون ثُمَّ عزل، فَلم يزل بِبَغْدَاد إِلَى أَن تُوُفّي بهَا سنة إِحْدَى أَو اثْنَتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَ من أعظم النّاس لحية.
الْمجْلس الْعشْرُونَ
حَدِيث إِن يصدق ذُو العقيصتين يدْخل الْجنَّة
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي الرِّجَالِ الصَّالِحِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ يُوسُفَ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ بَزِيعٍ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ نُوَيْفِعٍ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَعَثَ بَنُو سَعِيدِ بْنِ بَكْرٍ ضِمَامَ بْنَ ثَعْلَبَةَ وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدِمَ عَلَيْهِ فَأَنَاخَ بَعِيرَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ، وَكَانَ ضِمَامٌ رَجُلا جَلْدًا أَشْعَرَ ذَا غَدِيرَتَيْنِ فَأَقْبَلَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَيُّكُمُ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: مُحَمَّدٌ؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فيا ابْن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنِّي سَائِلُكَ وَمُغْلِظٌ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَلا تَجِدَنَّ فِي نَفْسِكَ، قَالَ: لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي فَسَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ، قَالَ: أنْشدك لله إِلَهَكَ وَإِلَهَ مَنْ كَانَ
следующие страницы →