Полный текст (740 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
التَّعْلِيق عَلَى الحَدِيث
قَالَ القَاضِي: قَدْ نَبّه النَّبيّ ﷺ فِي هَذَا الْخَبَر عَلَى أنَّ هَذَا الْعدَد من الْإِبِل قصدٌ من المَال، وَأَشَارَ بمدحه فِيهِ إِلَى من نحر السمين مِنْهَا وَحمل عَلَى النجيب، فدلّ عَلَى فضل من نحر المَال لسبل الْمَعْرُوف ووجوه الْبر، وَأَوْمَأَ إِلَى التَّرْغِيب فِي قرى الضَّيْف وإنفاق أَعلَى الظّهْر وَبث المكارم العائدة بِالْأَجْرِ وَجَمِيل الذّكر، وَلم يزل الألباءُ يؤثرون بذل النوال وإفاضة الإفضال، تَزَوُّدًا ليَوْم الْعرض، وصيانة للعرض، ورغبة فِي إِحْرَاز الذّكر، وحُسن القالة وَجَمِيل الذّكر، عَلَى تشعب الْأُمُور الباعثة لَهُمْ عَلَى كريم السخاء وشريف العطايا.
فَمن جُود مَعْن بْن زَائِدَة
حَدَّثَنَا عُمَر بْن الْحَسَن بْن عَليّ بن مَالك اليباني، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يزِيد النَّحْويّ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَعْنَب، قَالَ: قَالَ سَعِيد بْن سلم: لمّا وَلّي الْمَنْصُور معن بْن زَائِدَة أَذَرْبَيْجان قَصده قَوْمٍ من أَهْلَ الْكُوفَة، فَلَمَّا صَارُوا بِبَابِهِ اسْتَأْذنُوا عَلَيْهِ فَدخل الْآذِن فَقَالَ: أصلح اللَّه الْأَمِير بِالْبَابِ وَفد من أَهْلَ الْعرَاق، قَالَ: من أيِّ الْعرَاق؟ قَالَ: من الْكُوفَة، قَالَ: ائْذَنْ لَهُمْ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَنظر إِلَيْهِم معنٌ فِي هَيْئَة زَرِيَّة، فَوَثَبَ عَلَى أريكته وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
إِذَا نَوْبَةٌ نابتْ صديقك فاغْتَنِمْ ... مَرَمّتَها فالدهرُ بِالنَّاسِ قُلّبُ
فأحسنُ ثوبيكَ الَّذِي هُوَ لابسٌ ... وأفْره مُهريك الَّذِي هُوَ يركب
وبادر بمعروفٍ إِذَا كنت قَادِرًا ... زَوَال اقتدارٍ أَوْ غنى عَنْكَ يُعقِبُ
قَالَ: فَوَثَبَ إِلَيْهِ رَجُل من الْقَوْم، وَقَالَ: أصلح اللَّه الْأَمِير، أَلا أنْشدك أحسن من هَذَا؟ قَالَ: لمن؟ قَالَ: لِابْنِ عمك ابْن هرمة، قَالَ: هَات، فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
وللنفس تاراتٌ تَحَلُّ بهَا العرى ... وَتَسْخُو عَنِ المَال النُّفُوس الشحائح
إِذا المرءُ لمن ينفعْك حَيًّا فنفعُه ... أقلُّ إِذَا ضُمّت عَلَيْهِ الصفائحُ
لأية حالٍ يمنعُ الْمَرْء مالَهُ ... غَدا فغدا والموتُ غاد ورائحُ
قَالَ معن: أحسن وَالله وَإِن كَانَ الشّعْر لغيرك، يَا غُلَام! أعطهم أَرْبَعَة آلَاف يستعينوا بهَا عَلَى أُمُورهم إِلَى أَن يتهيأ لَنَا فيهم مَا نُرِيد، فَقَالَ الْغُلَام: يَا سَيِّدي! أجعلها دَنَانِير أم دَرَاهِم، فَقَالَ معن: وَالله لَا تكون همتك أرفع من همتي، صفّرها لَهُمْ.
وَمن سخاء يزِيد بْن الْمُهلب
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن يُونُس بْن أبي اليسع، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن أبي الْحَارِث، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمَدَائِنِي، قَالَ: جَاءَ رَجُل إِلَى يزِيد بْن الْمُهلب فامتدحه، فَأَحْمَد عقله وفصاحته فَجعله أحد ندمائه، وَكَانَ ينْصَرف فِي كلّ يَوْمَ من عطيته بِمِائَة دِينَار، فَلَمّا أَرَادَ الرحيل والانصراف إِلَى أَهله أَمر لَهُ بِثَلَاثَة آلَاف دِينَار، ثمَّ قَالَ: إِن - وَالله - مَا أستقلُّها تَكَبُرا وَلَا أستكثرها
стр. 72
امتنانًا، وَلَا أستزيدك بهَا ثَنَاء وَلَا أقطع لَك بهَا رجاءَ.
ليلى الأخْيلِيَّةُ ووفودها عَلَى الحَجَّاج
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن عُبَيْد، عَنْ أبي الْحَسَن الْمَدَائِنِي، عَمَّن حَدثهُ، عَنْ مولى لعنبسة ابْن سَعِيد بْن الْعَاصِ، قَالَ: كنت أَدخل مَعَ عَنْبَسَة إِذَا دَخَلَ عَلَى الحَجَّاج، فَدخل يَوْمَا وَدخلت إِلَيْهِمَا وَلَيْسَ عِنْدَ الحَجَّاج أحد غَيْر عَنْبَسَة، فَقَعَدت فجيء الحَجَّاج بطبق فِيهِ رُطَب، فَأخذ الْخَادِم مِنْهُ شَيئًا فَجَاءَنِي، ثُمَّ جَاءَ بطبق آخر فَأَتَانِي الْخَادِم مِنْهُ بِشَيْء، ثُمَّ جِيءَ بطبق آخر حَتَّى كثرت الأطباق، وَجعل لَا يُؤْتونَ بِشَيْء إِلَّا جَاءَنِي مِنْهُ بِشَيْء حَتَّى ظَنَنْت أنَّ مَا بَيْنَ يَدي أَكثر ممّا عِنْدهم، ثُمَّ جَاءَ الْحَاجِب فَقَالَ: امْرَأَة بِالْبَابِ، فَقَالَ الْحجَّاج: أدخلها. فَدخلت، فَلَمّا رَآهَا الحَجَّاج طأطأ رَأسه حَتَّى ظَنَنْت أنَّ ذقنه قَدْ أصَاب الأَرْض، فَجَاءَت حَتَّى قعدت بَيْنَ يَدَيْهِ فَنَظَرت إِلَيْهَا فَإِذا امْرَأَة قَدْ أَسِنَت، حَسَنَة الخَلْق، وَمَعَهَا جاريتان لَهَا، وَإِذا هِيَ ليلى الأخيلية، فَسَأَلَهَا الحَجَّاج عَنْ نَسَبهَا فانتسبت لَهُ، فَقَالَ لَهَا: يَا ليلى! مَا أَتَانِي بك؟ قَالَتْ: إخلاف النُّجُوم وَقلة الغيوم وكلب الْبرد وَشدَّة الْجهد، وَكنت لنا بعد الله الرفد، فَقَالَ لَهَا: صفي لنا الفجاج، فقاتل: مغبرة وَالْأَرْض مقشعرة، والمبرك معتل، وَذُو الْعِيَال مختل، وَالْمَال القُلّ، وَالنَّاس مُسنتون، رَحْمَة الله يرجون، وأصابتنا سنُون مجحفة مبلطة، لم تدع لَنَا هُبَعًا وَلَا ربَعًا، وَلَا عافطة وَلَا نافطة، أذهبت الْأَمْوَال ومزقت الرِّجَال وأهلكت الْعِيَال، ثمَّ قَالَتْ: قَدْ قلت فِي الْأَمِير قولا، قَالَ: هَاتِي، فأنشأت تَقول:
أحجّاجُ لَا يُفْلَلُ سلاحُك إِنَّمَا ال ... منايا بِكفِّ اللَّه حَيْثُ يَرَاها
أحجاجُ لَا تُعْطِي العداة مناهمُ ... وَلَا اللَّهُ يُعْطي للعُداة مناها
ذَا هَبَط الحَجَّاجُ أَرضًا مَرِيضَة ... تتبع أقْصَى دائها فشفاها
شفاها من الدَّاء الْعُضال الَّذِي بهَا ... غُلَام إِذَا هَزَّ القناةَ سَقَاها
سَقَاهَا فرواها بشِرْبٍ سِجَالُهُ ... دِماءَ رِجال حَيْثُ قَالَ حشاها
إِذَا سمع الحَجَّاج رِزَّ كَتِيبَة ... أعدَّ لَهَا قَبْلَ النُّزُول قِراها
أعدَّ لَهَا مَسْمومة فارسيَّة ... بأيدي رجال يَحْلِبُون صَرَاها
فَمَا ولدَ الأبكارُ والْعُونُ مثلَه ... ببحرٍ وَلَا أرضٍ يَجِفُّ ثَرَاها
قَالَ: فَلَمّا قَالَتْ هَذَا الْبَيْت، قَالَ الحَجَّاج: قاتلها اللَّه! مَا أصَاب صِفَتي شَاعِر مُنْذُ دخلت الْعرَاق غَيرهَا، ثُمَّ الْتفت إِلَى عَنْبَسَة بْن سَعِيد، فَقَالَ: وَالله إِنِّي لأعد لِلْأَمْرِ عَسى أَلا يكون أبدا، ثُمَّ الْتفت غليها، فَقَالَ: حَسبك، فَقَالَت: قَدْ قلت أَكثر من هَذَا، قَالَ: حَسبك
стр. 73
وَيحك حَسبك، ثمَّ اقل: يَا غُلَام! اذْهَبْ بهَا إِلَى فلَان فَقل لَهُ: اقْطَعْ لسانها، فَقَالَ لَهُ: يَقُولُ لَك الْأَمِير: اقْطَعْ لسانها، قَالَ: فَأمر بإحضار الْحجام، والتفتت إِلَيْهِ وَقَالَت: ثكلتك أمك، أما سمعة مَا قَالَ، إِنَّمَا أَمرك أنَّ تقطع لساني بِالْبرِّ والصلة فَبعث إِلَيْهِ يستثبته، فاستشاطَ الحجّاج غَضبا وهم بِقطع لِسَانه، وَقَالَ: اردُدها، فَلَمّا دخلت عَلَيْهِ، قَالَت: كَاد - وَأَمَانَة اللَّه - أَيهَا الْأَمِير يقطع مقولي، ثمَّ أنشأت تَقول:
حجاج أَنْت الَّذِي مَا فَوْقه أحد ... إِلَّا الْخَلِيفَة والمستغفر الصمدُ
حجاج أَنْت شهَاب الْحَرْب إِن لقحت ... وَأَنت للنَّاس نور فِي الدجى يقدُ
ثمَّ أقبل الْحجَّاج على جُلَسَائِهِ، فَقَالَ: أَتَدْرُونَ من هَذِه؟ قَالُوا: لَا وَالله أَيهَا الْأَمِير، إِلَّا أننا لَمْ نر امْرَأَة قَط أفْصح لِسَانا وَلَا أحسن محاضرة، وَلَا أصبح وَجها وَلَا أرصن شعرًا مِنْهَا، فَقَالَ: هَذِهِ ليلى الأخْيِلِية الَّتِي مَاتَ تَوْبَة الخفاجي من حبها، ثُمَّ الْتفت إِلَيْهَا، فَقَالَ: أنشدينا يَا ليلى بَعْض مَا قَال فِيك تَوْبَة، فَقَالَت: نَعَمْ أَيهَا الْأَمِير، هُوَ الَّذِي يَقُولُ:
وَهل تبكين ليلى إِذَا متُّ قبلهَا ... وقامتْ عَلَى قَبْرِي النِّسَاءُ النوائحُ
كَمَا لَوْ أصَاب الموتُ ليلى بكيتُها ... وجَادَ لَهَا دمعُ من الْعين سافحُ
وأُغْبَطُ من ليلى، بمالاً أنالهُ ... بَلَى كُلُّ مَا قَرَّتْ بِهِ العَيْن صَالِحُ
وَلَو أنَّ ليلى الأخيلية سَلَّمَتْ ... عَلَيَّ وَفَوْقِي تُرْبة وصفائحُ
لسلّمتُ تَسْلِيم البَشَاشَةِ أوزقا ... إِلَيْهَا صَدى من جَانب الْقَبْر صائحُ
فَقَالَ لَهَا: زيدينا يَا ليلى من شعره، فَقَالَ: نَعَمْ، هُوَ الَّذِي يَقُولُ:
حمامةَ بطن الواديَيْنِ تَرَنّمِي ... سقاك من الْغُرِّ الغَوَادِي مطيرُها
أبيني لَنَا لَا زَالَ ريشُك نَاعِمًا ... وَلَا زلتِ فِي خَضْراء دَانٍ نَضِيرُها
وأشرفُ بالقَوْزِ اليَفَاع لعلّني ... أرى نَار ليلى أَوْ يراني بَصِيرُها
وَكنت إِذَا مَا جئتُ ليلى تَبَرْقَعَتْ ... فَقَدْ رَابَنِي مِنْهَا الغَدَاةَ سُفُورُها
يَقُولُ رَجالٌ لَا يُضيرُك نأيُها ... بلَى كلُّ مَا شفَّ النفوسَ يضِيرُها
بلَى قَدْ يضير الْعين أَن تكْثر البك ... ى يمْنَع مِنْهَا نومُها وسرورُها
وَقد زعمتْ ليلى بأنِّيَ فاجرٌ ... لنَفْسي تقاها أَوْ عَلَيْهَا فجورُها
فَقَالَ الحَجَّاج: يَا ليلى! مَا الَّذِي رابه من سفورك؟ قَالَتْ: أَيهَا الْأَمِير! كَانَ يُلِمّ بِي كثيرا فَأرْسل إليَّ يَوْمَا: أَنِّي آتِيك، فَفطن الحيُّ فأرصدُوا لَهُ، فَلَمّا أَتَانِي سَفِرتُ فَعلم أنَّ ذَلِكَ لشرّ، فَلم يزدْ عَلَى التَّسْلِيم وَالرُّجُوع، فَقَالَ: لله درُّك! فَهَل رَأَيْت مِنْهُ شَيْئا تكرهينه؟
стр. 74
قَالَ: لَا، وَالله الَّذِي أسأله أَن يُصلحك، غَيْر أَنَّهُ قَالَ لي مرّة قولا ظننتُ أَنَّهُ قَدْ خضع لبَعض الْأَمر فأنشأت أَقُول:
وَذي حَاجَة قُلْنَا لَا تَبُحْ بهَا ... فَلَيْسَ إِلَيْهَا مَا حييتَ سبيلُ
لَنَا صاحبٌ لَا نبتغي أَن نخونه ... وأنتَ لأخرى صاحبٌ وخليلُ
فَلا وَالله الَّذِي أسأله أَن يصلحك مَا رأيتُ مِنْهُ شَيْئا قد فرّق الموتُ بيني وَبَينه، قَالَ: ثُمَّ مَه، قَالَتْ: ثُمَّ إِنَّه لَمْ يلبث أَن خَرَجَ فِي غزاةٍ لَهُ فأوصى ابْن عَمه: إِذَا أتيت الْحَاضِر من بني عبَادَة فَنَادِ بِأَعْلَى صَوْتك:
عَفا اللَّه عَنْهَا هَلْ أبيتَن لَيْلَة ... من الدَّهْر لَا يسري إليَّ خَيَالُها
فَخرج وَأَنا أَقُول:
وَعنهُ عَفا رَبِّي وَأحسن حالهُ ... فغز عَلَيْنَا حَاجَة لَا ينالُها
قَالَ: ثُمَّ مَه، قَالَتْ: ثُمَّ لَمْ يلبث أَن مَاتَ فَأتى نعيه، قَالَ: فأنشدينا بَعْض مراثيك فِيهِ، فَأَنْشَدته:
كَأَن فَتى الفتيان توبةَ لَمْ يُنِخ ... قَلَائِص يفحصن الْحَصَى بالكَرَاكرِ
لِيَبْك العذارى من خفاجة نسوةٌ ... بماءِ شئونِ العَبْرة الْمُتَحادِرِ
فَلَمّا فرغتْ من القصيدة، قَالَ مُحصن الفقعسي، وَكَانَ من جُلساء الحَجَّاج: من الَّذِي يَقُولُ هَذِهِ هَذَا فِيهِ، فواللَّه إِنِّي لأظنها كَاذِبَة، فَنَظَرت إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَتْ: وَالله أَيهَا الْأَمِير إِن هَذَا الْقَائِل لي لَوْ رَأَى تَوْبَة لسَرَّه أَلا يكونَ فِي دَاره عذراء وَهِي حَامِل مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ الحَجَّاج: هَذَا وَأَبِيك الْجَواب، وَقد كنت عَنْهُ غَنِيا، ثُمَّ قَالَ لَهَا: سَلِي يَا ليلى تُعْطَيْ، قَالَتْ: أعْط فمثلك أعْطى فَأحْسن، قَالَ: لَك عشرُون قَالَتْ زِدْ فمثلك زَاده فأجمل، قَالَ: لَك أَرْبَعُونَ، قَالَتْ: زد فمثلك زَاد فأفضل، قَالَ: لَك سِتُّونَ قَالَتْ: زد فمثلك زَاد فأكمل، قَالَ: لَك ثَمَانُون، قَالَتْ: زد فمثلك زَاد فتممّ، قَالَ: لَك مائَة، واعلمي يَا ليلى أَنَّهَا غنم، قَالَتْ: مُعَاذِ اللَّه أَيهَا الْأَمِير، أَنْت أجودُ جُودًا وأمجد مجدًا وأورى زِنْدًا من أَن تجعلها غنما، قَالَ: فَمَا هِيَ وَيحك يَا ليلى؟ قَالَتْ: مائَة نَاقَة برعاتها، فَأمر لَهَا بهَا، ثُمَّ قَالَ: لَك حَاجَة بعْدهَا، قَالَتْ: تدفع إليَّ النابغةَ الجَعْدي فِي قَيْد، قَالَ: قَدْ فعلتُ، وَقد كَانَتْ تهجوه ويهجوها، فَبلغ النَّابِغَة ذَلِكَ فَخرج هَارِبا عائذًا بِعَبْد الْملك بْن مَرْوَان فاتبعته فهرب إِلَى قُتَيْبَةَ بْن مُسْلِم بخراسان فاتّبَعَتْه عَلَى الْبَرِيد بِكِتَاب الحَجَّاج إِلَى قُتَيْبَةَ، فَمَاتَتْ بقُومِس وَيُقَال بحلوان.
ذَكَرَ السَّبَب فِي وفاتها
وَقد ذَكَرَ فِي وفاتها أمرٌ عَجِيب يُخَالف مَا فِيهِ هَذِهِ الرِّوَايَة، وَأَنا بعون اللَّه ذَاكر مَا حضرني مِنْهُ ومتبعه الْبَيَان عَمَّا يشكل من غَرِيب هَذَا الْخَبَر إِن شَاءَ اللَّه.
стр. 75
فمما روينَاهُ من وَفَاة ليلى الأخيلية مَا حدّثنَاهُ مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن أبي الثَّلج، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْن بْن فهم، قَالَ: حَدثنِي حُسَيْن بْن فهم، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن يحيى الأَزْدِيّ، عَنِ الْقُتَبي قَالَ: قَالَ تَوْبَة بْن الْحمير:
وَلَو أنَّ ليلى الأخيلية سَلَّمَتْ ... عَلَيَّ وَفَوْقِي جَنْدَلٌ وصفائحُ
لسلمتُ تَسْلِيم البشاشة أوزقا ... إِلَيْهَا صَدى من جَانب الْقَبْر صَائِحُ
وأُغْبَطُ من ليلَى بِمَا لَا أَنَالَهُ ... بَلَى كُلُّ مَا قَرَّتْ بِهِ العَيْن صَالِحُ
قَالَ: فَلَمّا قُتل تَوْبَة وأتى بَعْدَ مَقْتَله دهر، اجتاز زَوْجَ ليلى الأخيلية وَهِي مَعَه عَلَى قبر تَوْبَة، فَقَالَ لَهَا: يَا ليلى! هَذَا قبرُ تَوْبَة الَّذِي يَقُولُ:
لسلمتُ تَسْلِيم البشاشة أوزقا ... إِلَيْهَا صَدى من جَانب الْقَبْر صائحُ
نَادِيه حَتَّى يجيبك كَمَا زعم، قَالَتْ: اذهبْ عَنْكَ، فَأبى وألحّ وَحلف عَلَيْهَا أَن تنادِيَه، قَالَ: فاستعبرتْ ثُمَّ نادت: يَا تَوْبَة، قَالَ: ويزقُو ثَعْلَب كَانَ إِلَى جَانب الْقَبْر فَخرج يَصِيح ويفوت نَاقَة ليلى، فَسَقَطت عَنْهَا فارتاعت لذَلِك واحتملها زَوجهَا فَذهب بهَا فَكَانَ ذَلِكَ سَبَب مَوتهَا، عاشت أَيَّامًا ثُمَّ مَاتَت.
خبر ثَان فِي ذَلِكَ
وَمن ذَلِكَ مَا حدّثنَاهُ مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْعَبَّاس الأَزْدِيّ قَالَ: خَرَجَ زَوْجَ ليلى الأخيلية بليلى، فمرَّا عَلَى قُبر تَوْبَة بْن الْحُمَيِّر، فَقَالَ لَهَا: يَا ليلى هَذَا الَّذِي يَقُولُ فِيك:
وَلَو أنَّ ليلى الأخيلية سَلَّمَتْ ... عَلَيَّ وَفَوْقِي تُرْبة وصفائحُ
لسلّمتُ تَسْلِيم البَشَاشَةِ أَو زَقا ... إِلَيْهَا صَدى من جَانب الْقَبْر صَائِحُ
فَقَالَ: أَنْت طالقٌ إنّ لَمْ تُسلَّمي عَلَيْهِ حَتَّى أنظر مَا يرد عَلَيْكَ، فَقَالَت: وَمَا دعَاك إِلَى عِظَام قَدْ رُمّت، قَالَ: هُوَ مَا سَمِعت، فدنت مِنْهُ، فَقَالَت: السّلامُ عَلَيْكَ يَا تَوْبَة فَتى الفتيان وَسيد الشّبان، قَالَ: وَكَانَت قَطَاة قَدْ عَشّشَتْ فِي جَانب الْقَبْر، فَلَمّا سَمِعت الصَّوْت نَفَرتْ وَخرجت تَقول: قطا قطا، فَلَمَّا سَمِعت ناقةُ ليلى الصوتَ نَفَرَتْ بليلى فَسَقَطت فاندقت عُنقها، فدفنت إِلَى جَانِبه.
خبر آخر عَجِيب فِي ذَلِكَ
وَمن أعجب مَا روى لَنَا فِي هَذِهِ الْقِصَّة، مَا حَدَّثَنَا أبي ﵁، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الْخُتلِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَر بْن مُحَمَّد بْن الحكم النَّسَائيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيم بْن زَيْدُ النَّيْسَابُوريّ: أنَّ ليلى الأخيلية بَعْدَ موت تَوْبَة تزوجت، ثُمَّ إِن زَوجهَا بَعْدَ ذَلِكَ مرّ بِقَبْر تَوْبَة وليلى مَعَه، فَقَالَ لَهَا: يَا ليلى تعرفين هَذَا الْقَبْر؟ فَقَالَت لَا، قَالَ: هَذَا قبر تَوْبَة فسلِّمي
стр. 76
عَلَيْهِ، فَقَالَت: امْضِ لشأنك فَمَا تُرِيدُ من تَوْبَة وَقد بليتُ عِظَامَه، قَالَ: أُرِيد تَكْذِيبه، أَلَيْسَ هُوَ الَّذِي يَقُول:
وَلَو أنَّ ليلى الأخيلية سلمت ... عَلَى ودوني تُرْبة وصَفَائِحُ
لسلّمتُ تَسْلِيم البَشَاشَةِ أوزقا ... إِلَيْهَا صَدى من جَانب الْقَبْر صَائِحُ
فوَاللَّه لَا برحتُ أَوْ تسلِّمي عَلَيْهِ، فَقَالَت: السّلام عَلَيْكَ يَا تَوْبَة ورحمك اللَّه وَبَارك لَك فِيمَا صرت إِلَيْهِ، فَإِذا طَائِر قَدْ خَرَجَ من الْقَبْر حَتَّى ضرب صَدْرها فشهقت شهقة فَمَاتَتْ فدفنت إِلَى جَانب قَبره فَنَبَتَتْ عَلَى قَبره شَجَرَة وعَلى قبرها شَجَرَة فطالتا فالتفتا.
التَّعْلِيق عَلَى الْخَبَر بأكمله
قَالَ القَاضِي: قَول ليلى الأخيلية فِي هَذَا الْخَبَر الَّذِي قدمنَا رِوَايَته: أصابتنا سنُون مجحفة مبلطة، فمجحفة الَّتِي قد جهدتم وأصارتهم إِلَى اختلال أَحْوَالهم، وَالنَّقْص الْبَين فِي وفرهم وَأَمْوَالهمْ، قَالَ الشَّاعِر:
لَوْ قَدْ نزلتَ بهم تَريدُ قراهمُ ... مَنَعُوكَ من جُهْدٍ وَمن إجحافِ
والمبلطة عَلَى نَحْو هَذَا الْمَعْنى، وَهِي الَّتِي فرقت جَمَاعَتهمْ، وشتتت شملهم، وفرقتهم للقحط الَّذِي لَا مقَام مَعَه، والجدب الَّذِي لَا صَبر عَلَيْهِ، وَقد حَدَّثَنَا المظفَّر بْن يحيى قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن بِشْر المرثدي، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو إِسْحَاق طَلْحَة بن عبد الله الطلحي قَالَ: أَخْبرنِي أَحْمد بن إِبْرَاهِيم، قَالَ: أَخْبرنِي القرمطي الْوَالِبِي: الإبلاط غَايَة الْجهد وَالْحَاجة، قَدْ أبلط الرَّجُل، وَالسّنة المبلطة الَّتِي قَدْ أكلت كلّ شَيْءٍ فَلم تدع شَيئًا.
وَقَوْلها: لَمْ تدع لَنَا هُبَعًا وَلَا ربَعًا: الرّبع من الْإِبِل الَّتِي تَأتي فِي أول النِّتَاج والهبع الَّتِي تَأتي فِي آخِره، قَالَ الشَّاعِر:
وَلَا وجد ثَكْلَى كَمَا وَجِدَتْ ... وَلَا أمُّ أضلها ربعُ
وَقَالَ الْأَعْشَى:
تلوي بِعَذِقِ خضاب كُلما خَطَرَتْ ... عَنْ فَرْجِ مَعْقُومة لَمْ تَتبع رُبَعا
وَيُقَال لَهُ ربيع، قَالَ الشَّاعِر:
إِن بَنِيَّ صِبْيَةٌ صيْفِيُّون ... أَفْلح من كَانَ لَهُ رِبْعيُّون
وَقَالَ آخر:
إذْ هِيَ أحْوَى من الرِّبِعيِّ، حاجبهُ ... والعينُ بالإثمد الحاريِّ مكحولُ
وروى أنَّ دَرَاهِم أَصْحَاب الْكَهْف كَانَتْ كأخفاف الرِّبْع ويروى أنَّ يُونُس ﵇ لمّا جعل النُّبُوَّة تفسّخ تحتهَا كَمَا يتفسخ الرِّبْعُ تَحت الْحِمْل الثقيل.
وَقَوْلها: وَلَا عافطة، تُرِيدُ الْوَاحِدَة من الضَّأْن، وَلَا نافطة، الْوَاحِدَة من المَعز، يُقَالُ:
стр. 77
نفطت العَنْز وعفطت الضائنة، وهما مِنْهُمَا كالامتخاط والاستنثار من النّاس، فَكَأَنَّهَا قَالَتْ: لَمْ تدع لَنَا عَنْزًا وَلَا ضأنًا، وَمثل هَذَا قَوْلهم: مَالَه سَبَدٌ وَلَا لُبَد، يُرِيدُونَ شَاة وَلَا نَاقَة، وَقد يُقَالُ للصوف: لَبَد، والسّبد: الشّعْر، وَنَظِير هَذَا قَوْله: لَمْ تبْق لَهُ ثاغية وَلَا راغية أَي شَاة وَلَا بعير، فالثغاء صَوت الْغنم والرغاء صَوت الْإِبِل، وَمن الرُّغاء قَول الشَّاعِر:
رَغَا فَوْقهم سَقْبُ السَّمَاءِ فداحصٌ ... بِشَكّتهِ لَمْ يُسْتَلَبْ فَسَلِيبُ
يَعْنِي سقب نَاقَة صَالح، وَمثله قَول الشَّاعِر:
فَلَمّا رَأَى الرَّحْمَن أَن لَيْسَ فيهم ... رشيد وَلَا ناهٍ أَخَاهُ عَن الغدرِ
وصب عَلَيْهِ تَغْلِبَ ابنةَ وائلٍ ... فَكَانَ عَلَيْهِمْ مثلُ راغيةِ البكرِ
وَمن السّبَد قَول الشَّاعِر:
أما الْفَقِير الَّذِي كَانَتْ حلوبته ... وَفْقَ الْعِيَال فَلم يُتْركْ لَهُ سبدُ
وَفِي الطير طَائِر يُقَالُ لَهُ السبد لوفور ريشه.
وَقَوْلها: فَمَا وُلِدَ الْأَبْكَار والْعُون مثله، العون: جمع عوان وَهِي الَّتِي بَيْنَ الْكَبِيرَة وَالصَّغِيرَة، قَالَ اللَّه تَعَالَى ذكره فِي صفة بقرة بني إِسْرَائِيل " إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فارضٌ وَلا بكرٌ عوانٌ بَين ذَلِك "، وَيُقَال: حَرْبٌ عَوَان إِذَا لَمْ تكن مُبتَدأَة، وحاجة عوان إِذَا لَمْ تكن بَكْر الْحَاج، قَالَ الشعار:
قُعُودًا لَدَى الأبوابِ طالبُ حاجةٍ ... عوانٍ من الْحَاجَات أَوْ حَاجةٍ بكرِ
وَمِمَّا نستحسنه لبَعض الْمُحدثين فِي معاتبة بعض ذَوي الْخِيَانَة من الإخوان:
وكنتَ أخي بإخاء الزَّمَان ... فَلَمّا انْقَضى صرت حَرْبًا عَوَانًا
وكنتُ أعدُّك للنّائباتِ ... فها أَنَا أطلب مِنْك الأمانا
وَنَظِير هَذَا قَول الشَّاعِر الآخر:
أيا مولَايَ صرت قذى لعَيْنِي ... وسترًا بَيْنَ جفني والمَنَام
وكنتَ من الحوادثِ لي مَلاذا ... فصَرتَ مَعَ الحوادِث فِي نِظام
وكنتَ من المصائب لي عَزَاءً ... فصرت من الْمُصِيبَات الْعِظَام
وَقَالَ آخر:
هَبِ الزَّمَان زماني ... الشَّأْن فِي الخُلان
يَا مَنْ رَمَانِي لمّا ... رَأَى الزَّمانَ رَمَاني
وَمن ذخرتُ لنَفْسي ... فَعَاد ذُخْرَ الزمانِ
لَوْ قيل لي خُذْ أَمَانًا ... من أعظم الحدثانِ
стр. 78
لما أخذتُ أَمَانًا ... إِلَّا من الإخوانِ
وَقَالَ ابْن الرُّومِي:
تَخِذْتكمُ ظهرا وعونًا لتدفعوا ... نبال الْعِدَا عَنِّي فصرتُم نِصَالُها
وَقد كنت أرجُو مِنْكُم خَيرَ صاحبٍ ... عَلَى حينِ خِذْلانَ اليمينِ شِمَالُها
فَإِن أَنْتُمُ لَمْ تحفظُوا لمودَّتي ... فكونوا كَفَافًا لَا عَلَيْهَا وَلَا لَهَا
قفوا موقف المَعْذور عنِّي بمعزلٍ ... وخَلُّوا نِبَالي والْعِدَا ونبالَها
وَمِمَّا يضارع هَذَا النَّوْع بعض المضارعة قَول ابْن الرُّومِي:
عَدُوَّكَ من صديقك مستفادٌ ... فَلا تستكثرنَّ من الصحابِ
فَإِن الداءَ أكثرَ مَا تَرَاهُ ... يكون من الطَّعَام أَو الشَّرَاب
وَأَعْجَبهُ هَذَا الْمَعْنى فَقَالَ:
عَدُوَّكَ من صديقك مستفادٌ ... فَلا تكثرن من الصَّديقِ
فَإِن الداءَ أكثرَ مَا تَرَاهُ ... يكون من الْمُسَوَّغ فِي الحلوقِ
وَهَذَا بَاب إِن استقصيناه طَال جدا وتجاوزنا بِهِ حدّ الْمجْلس الْوَاحِد من مجَالِس كتَابنَا هَذَا، وَلم يبن هَذَا الْكتاب عَلَى اسْتِيفَاء أَبْوَاب أَنْوَاعه، وَإِنَّمَا جَعَلْنَاهُ موشحا ممتزجًا، بِمَنْزِلَة الحدائق الْمُشْتَملَة عَلَى أَنْوَاع مُخْتَلفَة، يَقع الْأنس بمشاهدتها، والالتذاذ بجناها، وَالِانْتِفَاع بثمرها.
وَقَول تَوْبَة: وأشرف بالقوزِ اليَفَاع، القَوْز: الْوَاحِد من أقواز الرمل وَهُوَ مَا علا وأشرف مِنْهُ، وَكَذَلِكَ اليفاع مَا ارْتَفع، وَقَالَ: أَيفع الْغُلَام فَهُوَ يافع إِذَا ارْتَفع، وَهُوَ من نَوَادِر أَبْوَاب الْعَرَبيَّة، لِأَنَّهُ جَاءَ عَلَى أفعل فَهُوَ فَاعل، وَله أَخَوَات مَعْدُودَة مِنْهَا: أورف الظل فَهُوَ وارف، وأورس الرمث فَهُوَ وارس، وَقد قَالَ النَّابِغَة:
كليني لِهَمٍّ يَا أميمةَ ناصبٍ ... وليلٍ أقاسيه بطيءِ الْكَوَاكِب
بِمَعْنى مُنْصب، كَمَا قَالَ فِي كلمة أُخْرَى:
تعنّاك همٌّ من أُمَيْمَة منصبُ
وَقَوله: أرى نَار ليلى أَوْ يراني بصيرها، أَي يراني المبصر بهَا، وَالْعرب تَقول: ليل نَائِم وسر كاتم أَي منوم ومكتوم، قَالَ جرير:
لَقَدْ لُمْتِنَا يَا أمَّ غَيْلان فِي السُّرى ... ونِمتِ، وَمَا ليلُ المَطِيِّ بنائمِ
وَمثل هَذَا كثير.
أعطنا حَقنا الَّذِي فِي هَذَا الْمُصحف
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ: حَدَّثَنَا القَاسِم بْن إِسْمَاعِيل، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن
стр. 79
سَعِيد بْن مُسْلِم الْبَاهِلِيّ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: حَدَّثَنِي من حضر مجْلِس السفاح وَهُوَ أحشد مَا كَانَ ببني هَاشم والشيعة ووجوه النّاس، فَدخل عَبْد اللَّه بْن حَسَن بْن حَسَن وَمَعَهُ مصحف، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! أعطنا حَقنا الَّذِي جعله اللَّه لَنَا فِي هَذَا الْمُصحف، فأشفق النّاس أَن يعجل السفاحُ بِشَيْء إِلَيْهِ فَلا يُرِيدُونَ ذَلِكَ فِي شيخ بني هَاشم فِي وقته، أَوْ يعيا بجوابه فَيكون ذَلِكَ نقصا وعارًا عَلَيْهِ، قَالَ: فَأقبل عَلَيْهِ غَيْر مغضب وَلَا منزعج، فَقَالَ: إِن جدَّكَ عليًّا ﵁ وَكَانَ خيرا منّي وَأَعْدل، وَلِي هَذَا الْأَمر فَأعْطى جَدَّك الْحَسَن وَالْحُسَيْن ﵄ وَكَانَا خيرا مِنْك شَيئًا، وَكَانَ الْوَاجِب أَن أُعْطِيك مثله، فَإِن كنت فعلت فقد أنصفتُك، وَإِن كنت زدتُك فَمَا هَذَا جزائي مِنْك، قَالَ: فَمَا ردّ عبدُ اللَّه جَوَابا، وَانْصَرف النّاس يتعجبون من جَوَابه لَهُ.
حِكْمَة عَلَى مِحْبرة
حَدَّثَنَا أبي ﵁، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس بْن مَسْرُوق قَالَ: رَأَيْت عَلَى محبرة مَكْتُوبًا:
تَمَكَّنَ فِي الفؤادِ فَمَا أُبَالِي ... أَطَالَ الهجرَ أم مَنَح الْوِصَالا
الْمجْلس الثَّانِي عَشْر
امْرُؤ الْقَيْس يحمل لِوَاء الشّعْر إِلَى النَّار
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْد اللَّه بْن نصر بْن بُجَيْرٍ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ ابْن سَيْفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَيَّانُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَارُ أَبِي عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ، قَالَ: حَدَّثَنِي فَرْوَةُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَفِيفِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذْ أَقْبَلَ إِلَيْهِ وَفْدٌ مِنَ الْيَمَنِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَقَدْ أَحْيَانَا اللَّهُ بِبَيْتَيْنِ مِنْ شِعْرِ امْرِئِ الْقَيْس، قَالَ: وَكَيف ذال؟ قَالُوا: أَقْبَلْنَا نُرِيدُكَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ أَخْطَأْنَا الطَّرِيقَ فَمَكَثْنَا ثَلاثًا لَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَتَفَرَّقْنَا إِلَى أُصُولِ طَلْحٍ وَسَمُرٍ لِيَمُوتَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا فِي ظلّ شجر، فينما نَحن بآخر رَمق غذ رَاكِبٌ يُوضَعُ عَلَى بَعِيرٍ مُعْتَمٌّ، فَلَمَّا رَآهُ بَعْضُنَا قَالَ وَالرَّاكِبُ يسمع:
لما رَأَتْ أَنَّ الشَّرِيعَةَ هَمُّهَا ... وَأَنَّ الْبَيَاضَ مِنْ فَرَائِصِهَا دَامِي
تَيَمَّمَتِ الْعَيْنَ الَّتِي عِنْدَ ضارجٍ ... يَفِيءُ عَلَيْهَا الظِّلُّ عَرْمَضُهَا طَامِي
قَالَ الرَّاكِبُ مَنْ يَقُولُ هَذَا الشِّعْرَ؟ وَقَدْ رَأَى مَا بِنَا مِنَ الْجَهْدِ، قَالَ: قُلْنَا: امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: مَا كَذَبَ وَإِنَّ هَذَا لضارجٌ أَوْ ضَارِجٌ عِنْدَكُمْ، فَنَظَرْنَا فَإِذَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ المَاء نحون مِنْ خَمْسِينَ ذِرَاعًا، فَحَبَوْنَا إِلَيْهِ عَلَى الرُّكَبِ، فَإِذَا هُوَ كَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ عَلَيْهِ الْعَرْمَضُ يَفِيءُ عَلَيْهِ الظِّلُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " ذَاكَ رَجُلٌ مَذْكُورٌ فِي الدُّنْيَا مَنْسِيٌّ فِي الآخِرَةِ، شَرِيفٌ فِي الدُّنْيَا خَامِلٌ فِي الآخِرَةِ، بِيَدِهِ لِوَاءُ الشُّعَرَاءِ يَقُودُهُمْ إِلَى النَّارِ ".
стр. 80
رِوَايَة أُخْرَى للْخَبَر
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ السُّكَيْنِ الْبَلَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ الْحَرَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَيَّانُ بْنُ هِلالٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ جَارُ أَبِي عَاصِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ، قَالَ: حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ عَفِيفٍ أَوْ قَالَ: عَفِيفِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَاهُ قَوْمٌ مِنَ الأَعْرَابِ حُفَاةً عُرَاةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ أَنْجَانَا اللَّهُ بِبَيْتَيْنِ مِنْ شِعْرِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ حُجْرٍ، قَالَ: وَكَيْفَ ذَاكَ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَقْبَلْنَا نُرِيدُكَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ أَضْلَلْنَاهُ ثَلاثًا لَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ عَمَدَ كلُّ رَجُلٍ مِنَّا إِلَى ظِلِّ شَجَرَةٍ أَوْ سَمُرَةٍ لِيَمُوتَ تَحْتَهَا، فَإِذَا رَاكِبٌ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ يُوضَعُ، فَلَمَّا رَآهُ بَعْضُنَا قَالَ وَالرَّاكِبُ يسمع:
لما رَأَتْ أَنَّ الشَّرِيعَةَ هَمُّهَا ... وَأَنَّ الْبَيَاضَ مِنْ فَرَائِصِهَا دَامِي
تَيَمَّمَتِ الْعَيْنَ الَّتِي عِنْدَ ضَارِجٍ ... يَفِيءُ عَلَيْهَا الظِّلُّ عَرْمَضُهَا طَامِي
قَالَ: فَقَالَ الرَّاكِبُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! مَنْ يَقُولُ هَذَا الشِّعْرَ؟ قَالَ: امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: وَاللَّهِ مَا كَذَبَ وَإِنَّ عِنْدَهُ الآنَ لَضَارِجًا عَلَيْهِ الْعَرْمَضُ يَفِيءُ عَلَيْهِ الظِّلُّ، قَالَ: فَنَظَرْنَا فَإِذَا لَيْسَ بَينا وَبَيْنَهُ إِلا قَدْرُ عِشْرِينَ ذِرَاعًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " ذَاكَ رَجُلٌ مَذْكُورٌ فِي الدُّنْيَا، مَنْسِيٌّ فِي الآخِرَةِ، بِيَدِهِ لِوَاءُ الشُّعَرَاءِ يَقُودُهُمْ إِلَى النَّارِ ".
قَالَ القَاضِي: قَوْله فِي هَذَا الْخَبَر وَالشعر: وَأَن الْبيَاض من فرائصها دامي (الفرائص) جمع فريصة وَهِي الْموضع الَّذِي يترعد من الدَّابَّة، قَالَ النَّابِغَة الذبياني:
شَكَّ الفريصَةَ بالْمِدْري فأنفذَها ... شَكَّ الْمُبَيْطِرِ إِذ يَشْفِي من العضدِ
وَمن هَا هُنَا أَخذ قَوْلهم: فلَان تَرْعَد فرائصه إِذَا وصف بِشدَّة الْخَوْف، وَمن ذَاك الْخَبَر المرويُّ أنَّ النَّبيّ ﷺ صلّى بِأَصْحَابِهِ وَرَأى رجلَيْنِ تَرْعَدُ فرائصهما.
وأمّا قَوْله: تيممت الْعين، فَمَعْنَاه قصدت وتعمدت، يُقَالُ: يممت كَذَا وَكَذَا إِذَا قصدته، وَمن ذَلِكَ قَول اللَّه : " فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا " يَعْنِي اقصدوا، وَذكر أَنَّهَا فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود. فَأَقُول: وَالْمعْنَى وَاحِد، أممت وتيممت مثل عَمَدت وتعمدت، وَيُقَال: أممت، قَالَ اللَّه " وَلا آمّين الْبَيْت الْحَرَام " يَعْنِي قَاصِدين وعامدين، وَقَالَ عزَّ ذكره: " وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تنفقون "، وَقَرَأَ مُسْلِم بْن جُنْدُب: وَلا تيمموا أَي توجهوا، وَمن هَذَا الْبَاب قَول الشَّاعِر:
إِنِّي كَذَاك إِذَا مَا ساءَنِي بلدٌ ... يَمّمْت صَدْرَ بَعِيري غَيْرَهُ بَلَدا
ويروى: أممت، قَالَ الْأَعْشَى:
تيممتُ قيسا وَكم دُونَه ... من الأَرْض من مَهْمَهٍ ذِي شَزَن
стр. 81
وَقَالَ آخر:
تيممتُ هَمَدان الَّذين همُ همُ ... إِذَا نَاب خطبٌ جُنتي وسهامي
وَقَالَ خفاف بْن ندبة:
فَإِن تكُ خَيْلي قَدْ أُصِيبَ صَميمها ... فَعَمْدًا عَلَى عَيْني تيممتُ مَالِكا
وَمن هَذَا قَوْلهم: أمرٌ أمَمْ أَي قَصْد، قَالَ الْأَعْشَى:
أَتَانَا عَن بني الأحرا ... ر عَنهُ قولٌ لَمْ يكن أمَمَا
وَقَالَ ابْن قيس الرّقَيَّات:
كوفيةٌ نازحٌ مَحَلّتُها ... لَا أممٌ دَارُهَا وَلَا صقبُ
الْأُمَم: الْقَصْد، والصقب: الْقرب، وَمِنْه: الْجَار أحقٌّ بصقبه، وَقَالَ الشَّاعِر:
وَلَو نارُ لَيْلى بالعَذِيبِ بَدَتْ لَنَا ... لَحَبَّتْ إِلَيْنَا دَارَ من لَا يصاقبُ
وَقَالَ الْأَعْشَى:
فَمَا أنْسَ ملْ الأشياءِ لَا أنسَ قَوْلَها ... لَعَلَّ النَّوى بَعْدَ التَّفَرُّقِ تصقبُ
وَهَذَا بَاب يكثر ويتسع جدا، وَفِيمَا ذكرنَا مِنْهُ هَا هُنَا بل فِي بعضه كِفَايَة.
وَمعنى قَوْله: يفِيء عَلَيْهَا الظل، معنى يفِيء: يرجعن يُقَال فَاء الظل أَي رَجَعَ قَبْلَ الزَّوَال، وَلَا يُقَالُ لَهُ حِينَئِذٍ فيءٌ، وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ فَيْء بَعْدَ الزَّوَال لرجوعه، وكلا الْوَجْهَيْنِ ظلُّ، قَالَ حُمَيْد بْن ثَوْر الهلاليّ:
فَلا الظِّلُّ من بَرْدِ الضُّحَى نستطيعهُ ... وَلَا الفَيْءُ من بَرْدِ العَشِيِّ نذوقُ
وَمن هَذَا سُمِّيَ مَا رَدَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمنِينَ من مَال الْمُشْركين فَيْئًا، وَقَالَ اللَّه : " وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُم "، وَقَالَ: " وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ من أهل الْقرى "، وَقَالَ تقدَّس اسْمه: " فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ "، وَقَالَ: " فَإِن فاءوا " أَي رجعُوا إِلَى غشيان من آلوا من نِسَائِهِم، وَهَذَا الْبَاب أَيْضا وَاسع بيِّن.
وَقَول امْرِئ الْقَيْس: عرمضها طامي، العَرْمَض: الطُّحْلب الَّذِي يكون فِي المَاء وَيُقَال لَهُ عرمض وعَلْفق ونَوْر، وَقَوله: طامي، يَعْنِي أنَّه عَال يُقَالُ: طما الْوَادي إِذَا امْتَلَأَ وَعلا مَاؤُهُ، قَالَ الْأَعْشَى:
مَا جُعل الْجُدُّ الظَّنُون الَّذِي ... جُنِّب صَوْبَ اللّجْبِ الماطِرِ
مثلُ النَّواتِيِّ إِذَا مَا طما ... يَقْذِفُ بالْبُوصيِّ والماهر
من مصَارِع الْعُشّاق
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مرزبان، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد الطَّائِف، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُف بْن مُحَمَّد الصَّيْمَرِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن
стр. 82
مسْعدَة الْأَخْفَش، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو محظورة الْوراق، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَالك الراوية قَالَ: سَمِعت الفرزدق يَقُولُ: أبق غلامان لرجل من بني نهشل يُقَالُ لَهُ الْخضر. فَحَدثني الْخضر قَالَ: خرجت أبغيهما وقصدت نَاحيَة الْيَمَامَة على نَاقَة لي عَيْساء كوماء، قَالَ: ابْن الأنبَاريّ: العَيْساء: الْبَيْضَاء، والكوماء: الْعَظِيمَة السنام - فَنَشَأَتْ سَحَابَة فَرعدَت وَبَرقَتْ وحلت عَزَالِيهَا، فملت إِلَى بعض ديار بني حنيفَة وقصدت دَارا وَطلبت الْقرى، فَقيل لي: ادخل فأنخت نَاقَتي ودخلتُ وَجَلَست تَحت ظلة من جريد - قَالَ ابْن الأنبَاريّ: الجريد مَا جُرد من النّخل - وَفِي الدَّار جُوَيْرية سُويداء فدخَلَتْ جاريةٌ كَأَنَّهَا سبيكة فضَّة، وَكَأن عينيها كوكبان، فَقَالَ: لمن هَذِهِ النَّاقة؟ قَالَت السويداء: لضيفكم هَذَا، فَسلمت عليّ وَقَالَت: مِمَّن الرَّجُل؟ قلت: من بني حَنْظَلَة، قَالَت: من أَيهمْ؟ قَالَت: من بني دارم، قَالَ: من أَيهمْ؟ قلت من بني نهشل، قَالَ: وَأَنت من الَّذِي يَقُولُ فيهم الفرزدق:
إِن الَّذِي سمك السَّمَاء بنى لَنَا ... بَيْتا دعائمه أعزُّ وأطولُ
بَيْتا بناه لنا المليكُ وَمَا بنى ... ملك السَّمَاء فَإِنَّهُ لَا يُنقلُ
بَيْتا زُرَارةُ محتبٍ بِفِنَائهِ ... ومُجَاشِعٌ وَأَبُو الفوارس نهشلُ
فَأَعْجَبَنِي ذَلِكَ من قَوْلهَا: فَقَالَت: إِلَّا أنَّ ابْن الخَطَفي نقض عَلَيْهِ، فَقَالَ:
أخزى الَّذِي سَمَكَ السَّمَاءَ مُجَاشعًا ... وَبنى بناءَك بالحضيضِ الْأَسْفَل
بَيْتا يُحَمِّم قَيْنُكُم بِغِنَائِهِ ... دَنِسًا مقاعدُه خَبِيث الْمدْخل
فخجلت وَاسْتَحْيَيْت، ثُمَّ قلت لَهَا: أيم أَنْت أم ذاتُ بَعْل؟ فَقَالَت:
إِذَا رَقد النِّيامُ فَإِن عَمْرًا ... تُؤَرِّقُهُ الهمومُ إِلَى الصباحِ
تقطِّع قلبه الذكرى وقلبي ... فَما هُوَ بالخَلِيِّ وَلَا بصاحِ
سقى اللَّه اليمامةَ دارَ قومٍ ... بهَا عَمْرو تَحِنُّ إِلَى الرواحِ
فَقلت لَهَا: من عَمْرو هَذَا؟ فَقَالَت:
سألتَ وَلَو علمتَ كففتَ عنهُ ... وَمن لَك بِالْجَوَابِ سوى الخبيرِ
فَإِن تَكُ سَائِلًا عَنْهُ فعمرو ... مَعَ الْقَمَر المضيء المستنيرِ
ثُمَّ قَالَتْ: أَيْنَ تَؤُمّ؟ قلتُ: الْيَمَامَة، فتنفّست الصُّعداء، ثُمّ قَالَتْ:
تُذَكِّرُني بلادًا حَلّ أَهلِي ... بهَا أَهْلُ المودَّة والكرامة
أَلا فسقي الْإِلَه أجشَّ صوبٍ ... يسح بدرهِ بلد اليمامه
وحيّ بالسّلام أَبَا نُجيدٍ ... وأهلٍ للتحية والسّلامة
стр. 83
ثمَّ قَالَت:
يخيل لي أيا عَمْرُو بْنَ كعبٍ ... بأنك قَدْ حُملت عَلَى سريرِ
فَإِن يكُ هَكَذَا يَا عَمْرو إِنِّي ... مبكرةٌ عَلَيْكَ إِلَى القبورِ
ثُمَّ شهقت شهقة فَمَاتَتْ فألف عَنْهَا فصل لي: هِيَ من وُلِدَ محرِّق ابْن النُّعْمَان بْن الْمُنْذر وَعَمْرو بْن كَعْب هوى لَهَا بِالْيَمَامَةِ فركبتُ نَاقَتي فصرت إِلَى الْيَمَامَة. فَسَأَلت عَنْ عَمْرو بْن كَعْب، فخُبِّرْتُ أَنَّهُ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْوَقْت الَّذِي قَالَت فِيهِ الْجَارِيَة مَا قَالَتْ.
أعطِه لكلِّ بيتٍ ألف دِينَار
حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن سَعِيد، أَبُو عليّ الْكَلْبِيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد الدجاجي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرو بْن سَعِيد بْن سلم الْبَاهِلِيّ، قَالَ: كنتُ فِي حَرَسِ الْمَأْمُون بحُلْوَان حِين قفل من خُرَاسان أَوْ حِين قفل من الْعرَاق، - أَبُو عَليّ يشك - قَالَ القَاضِي: وَالصَّوَاب قفل من خُرَاسَان أَو قفل إِلَى الْعرَاق، والقفول الرُّجُوع لَا ابْتِدَاء السَّفَر، والمأمون رَجَعَ من خُرَاسَان إِلَى الْعرَاق، بَعْدَ قتل الْأمين واستتباب الْخلَافَة لَهُ، قَالَ: فَخرج لينْظر إِلَى الْعَسْكَر فِي بَعْض اللَّيْل، فعرفتهُ وَلم يعرِفْني فأغفلتهُ، فجَاء من ورائي حَتَّى وضع يَده عَلَى كَتِفي، فَقَالَ لي: من أَنْت: قَالَ: عَمْرو عَمَرك اللَّه، ابْن سَعِيد أسْعَدَك اللَّه، ابْن سَلْم سَلّمكَ اللَّه، فَقَالَ: أَنْت الَّذِي كنتَ تكلَؤُنا فِي هَذِهِ اللَّيْلَة؟ فَقلت: اللَّه يكلَؤُك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَأَنْشَأَ الْمَأْمُون يَقُولُ:
إِن أَخَاك الحقَّ من يَسْعَى مَعَكَ
وَمن يضرُّ نَفسه لينفعك
وَمن إِذَا رَيْبُ زمَان صَدَعَك
فرّق من جَمِيعه ليَجْمَعَك
ثُمَّ قَالَ: يَا غُلَام! أعْطه لكل بَيت ألف دِينَار، فوددت أَن تكون الأبيات طَالَتْ عليّ فأجد الْغنى، فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وأزيدُك بَيْتا من عِنْدِي، فَقَالَ: هَات، فَقلت:
وَإِن غدوتَ ظَالِما غَدا مَعَك
فَقَالَ: أعْطه لهَذَا ألف دِينَار، فَمَا برحتُ من موقفي حَتَّى أخذتُ خَمْسَة آلَاف دِينَار.
التَّعْلِيق عَلَى الْخَبَر
قَالَ القَاضِي: فَإِن قَالَ قَائِل: كَيْفَ أعْطى الْمَأْمُون عَنْ قَوْله:
فَإِن غدوتَ ظَالِما غَدا مَعَك
وَلم وَافقه عَلَى تصويب مساعدة وممالأته، قيل: إِنَّه لَمْ يظْهر فِي قَول هَذَا الْقَائِل مَا يُوجب مظافرة الظَّالِم فِي عمله، وَقَوله: غَدا مَعَك، يتَّجه فِيهِ أَن يكون مَعْنَاهُ غَدا مَعَك ليكفك عَن الظُّلم، بالوعظ لَك وَالرّق بك والاستعطاف عَلَى مَا تُسَوِّلُ لَك نَفسك ظلمه، فيصرفك عَنِ الظُّلم، ويَثنِيك عَنْ معرة الْإِثْم.
стр. 84
وَقد جَاءَ عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " انْصُر أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا " فَقيل لَهُ: يَا رَسُول اللَّه! أنصره مَظْلُوما فَكيف أنصره ظَالِما؟، قَالَ: " تحجبه عَنِ الظُّلم فَذَلِك نُصْرُك إِيَّاه ".
الْأَمر لَا حِيلَة لَهُ
حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن القَاسِم الكوكبي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عجلَان، قَالَ: سَمِعت الفَضْل بْن مَرْوَان يَقُولُ: كَانَ ابْن المقفع يَقُولُ: إِذَا نزل بك أَمر مُهِمٌّ فَانْظُر فَإِن كَانَ ممّا لَهُ حِيلَة فَلا تَجْزَع.
ضَعُفَ قلبِي عَنِ الرَّد
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن أبي الثَّلج، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْن بْن فهم، قَالَ: قَالَ ابْن المَوْصِليّ، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: أتيت يحيى بن خَالِد بن برمك فشكون إِلَيْهِ ضِيقَة، فَقَالَ: وَيحك! مَا أصنع بك، لَيْسَ عندنَا فِي هَذَا الْوَقْت شَيْءٍ، وَلَكِن هَا هُنَا أَمر أدلُّك عَلَيْهِ فَكُن فِيهِ رَجُلا، فقد جَاءَنِي خَليفَة صَاحب مصر يسألني أَن أستهدي صَاحبه شَيئًا، وَقد أبيتُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فألحَّ عليّ، وَقد بَلغنِي أنَّكَ أُعْطِيتَ فِي جاريتك فُلَانَة ألف دِينَار، فَهُوَ ذَا أستهديه إِيَّاهَا وَأخْبرهُ أَنَّهَا قَدْ أعجبتني، فإياك أَن تُنْقِصها عَنْ ثَلَاثِينَ ألف دِينَار، وَانْظُر كَيْفَ تكون؟ قَالَ: فوَاللَّه مَا شَعرت إِلَّا بِالرجلِ قَدْ وافاني فساومني الْجَارِيَة، فَقلت: لَا أنقصها من ثَلَاثِينَ ألف دِينَار، فَلم يزل يساومني حَتَّى بذل لي عشْرين ألف دِينَار، فَلَمّا سَمعتهَا ضَعُفَ قلبِي عَنْ رَدِّها، فبعتُها وقبضتُ المَال الْعشْرين ألفا، ثُمَّ صرت إِلَى يحيى بْن خَالِد، فَقَالَ لي: كَيْفَ صنعتَ فِي بيعك الْجَارِيَة، فَأَخْبَرته وَقلت: وَالله مَا ملكتُ نَفسِي أَن أجبتُ إِلَى الْعشْرين حِين سمعتُها، فَقَالَ: إِنَّك لخسيس، وَهَذَا خليفةُ صَاحب فَارس قَدْ جَاءَنِي فِي مثل هَذَا، فَخذ جاريتك فَإِذا ساومك فها فَلا تنقصها عَنْ خمسين ألف دِينَار، فَإِنَّهُ لَا بُد أَن يَشْتَرِيهَا مِنْك بِذَاكَ، قَالَ: فَجَاءَنِي الرَّجُل فاسْتَمْتُ عَلَيْهِ خمسين ألف دِينَار، فَلم يزل يساومني حَتَّى أَعْطَانِي ثَلَاثِينَ ألف دِينَار، فضعف قلبِي عَنْ رَدِّها وَلم أصدق بهَا وأوجبتها لَهُ، ثُمَّ صرت إِلَى يحيى بْن خَالِد فَقَالَ: بكم بِعْت الْجَارِيَة؟ فَقتل: بِثَلَاثِينَ ألف دِينَار، فَقَالَ: وَيحك! ألم تؤدِّبُك الأولى عَنِ الثَّانِيَة؟ قَالَ: قلت: ضَعُفْتُ وَالله عَنْ رَدِّ شَيْءٍ لَمْ أطمع فِيهِ، قَالَ: فَقَالَ: هَذِهِ جاريتك فخذْها إِلَيْكَ، قَالَ: فَقلت: جاريةٌ أفدتُ بهَا خمسين ألف دِينَار ثُمَّ أملكهَا! أشهدك أَنَّهَا حُرَّةٌ وَأَنِّي قَدْ تَزَوَّجتُها.
نصيحة أَعْرَابِي
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن، عَنْ عَمه الْأَصْمَعِي، قَالَ: رَأَيْت أَعْرَابِيًا يعظ آخر ويحذِّره، وَقَالَ: إِن فلَانا وَإِن ضحك لَك فَإِنَّهُ يضْحك مِنْك، وَإِن أظهر الشَّفَقَة عَلَيْكَ إِن عقاربه تسري إِلَيْكَ، فَإِن لَمْ تَجْعَلهُ عدوا لَك فِي علانيتك، فَلا تَجْعَلهُ صديقا لَك فِي سريرتك.
стр. 85
قُرَيْش أسخى أم أُميَّة
حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن جَعْفَر الأَزْدِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن قَالَ: حَدَّثَنَا سليم بْن حَرْب، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِلَال الرباضي، عَنْ حُمَيْد بْن هِلَال، قَالَ: تفاخر رجلَانِ رجل من قُرَيْش وَرجل من بني أُميَّة، فَقَالَ هَذَا: قومِي أسخى من قَوْمك، وَقَالَ هَذَا: لَا، قومِي أسخى من قَوْمك، فَقَالَ: سَل فِي قَوْمك حَتَّى أسل فِي قومِي، فَافْتَرقَا عَلَى ذَلِكَ، فَسَأَلَ الْأمَوِي عشرَة من قومه فَأَعْطوهُ مائَة ألف عشرَة آلَاف عشرَة آلَاف، قَالَ: وَجَاء الهاشميُّ إِلَى عُبَيْد اللَّه بْن عَبَّاس فَسَأَلَهُ فَأعْطَاهُ مائَة ألف، ثُمَّ أَتَى الْحَسَن بْن عليّ فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ: هَلْ أتيت أحدا قبلي؟ قَالَ: نَعَمْ، عُبَيْد اللَّه بْن عَبَّاس فَأَعْطَانِي مائَة ألف، فَأعْطَاهُ الْحَسَن مائَة ألف وَثَلَاثِينَ ألفا، ثُمَّ أَتَى الْحُسَيْن بْن عليّ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: هَلْ سَأَلت أحدا قَبْلَ أَن تَأتِينِي، قَالَ: نَعَمْ، أَخَاك الْحَسَن فَأَعْطَانِي مائَة ألف وَثَلَاثِينَ ألفا.
فَقَالَ: لَوْ أتيتني قَبْلَ أَن تَأتيه أَعطيتك أَكثر من ذَلِكَ، وَلَكِن لَمْ أكن لأزيد عَلَى سَيِّدي، فَأعْطَاهُ مائَة ألف وَثَلَاثِينَ ألفا، قَالَ: فجَاء الْأمَوِي بِمِائَة ألف وَثَلَاثِينَ ألفا، قَالَ: فجَاء الْأمَوِي بِمِائَة ألف من عشرَة، وَجَاء الْهَاشِمِي بثلثمائة وستِّين ألفا من ثَلَاثَة، فَقَالَ الْأمَوِي: سَأَلت عشرَة من قومِي فأعطوني مائَة ألف، وَقَالَ الهاشميّ سَأَلت ثَلَاثَة من قومِي فأعطوني ثلثمِائة ألف وستِّين ألفا، قَالَ: ففخر الهاشميّ الأمويَّ فَرجع الأمويُّ إِلَى قومه فَأخْبرهُم الْخَبَر، فردّ عَلَيْهِم المَال فقبلوه، وَرجع الْهَاشِمِي إِلَى قومه فَأخْبرهُم الْخَبَر فردّ عَلَيْهِم المَال فَأَبَوا أَن يقبلونه، وَقَالُوا: لَمْ نَكُنْ لنرتجع شَيئًا قَدْ أعطيناه.
سمى اللَّه المستهزئ جَاهِلا
حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن مُحَمَّد بْن صَالح الكريري، قَالَ: حَدَّثَنِي عبد الْجَلِيل ابْن الْحُسَيْن، قَالَ: كَانَ مَما عُرف عَنْ أَحْمَد بْن المعَذِّل وَهُوَ صبيٌّ لَهُ ذُؤابة فِي مجْلِس أبي عَاصِم، وَمر لأبي عَاصِم حديثٌ فِيهِ فقه، فَقَالَ أَحْمد: إِنَّه مِمَّا ألقح إِلَيْنَا عَنْ مَالك بْن أنس فِي هَذَا الْخَبَر، فَسمع أَبُو عَاصِم، فَقَالَ: لَا زرعك اللَّه، فَخَجِلَ أَحْمَد، فَلَمّا كَانَ الْمجْلس الثَّانِي مَرَّ لأبي عَاصِم حَدِيث فِيهِ فقه، فَقَالَ: أَيْنَ أَنْت يَا مَنْقُوص؟ أنس ألقح إِلَيْكُم عَنْ مَالك، قَالَ: فَخَجِلَ أَحْمَد ثُمَّ وثب، فَقَالَ: يَا أَبَا عَاصِم! إِن اله خلقك جَدًّا فَلا تهزلنَّ، فَإِن اللَّه سمى المستهزئ فِي كِتَابه جَاهِلا فَقَالَ: " إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً، قَالُوا: أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا؟ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ " قَالَ: فَخَجِلَ أَبُو عَاصِم وَكَانَ لَا يحدَّثُ حَتَّى يحضر أَحْمَد فيقعده إِلَى جنبه.
أَخْبَار أَصْحَاب الغلمان
النوبختي وزرزر الْمُغنِي
حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد الْكَاتِب، قَالَ: كَانَ عليّ بْن الْعَبَّاس النّوْبَخْتِيُّ مَعَ جمَاعَة من أَهله عَلَى سطح دَار أبي سهل النوبختي فِي لَيْلَة من ليَالِي الصَّيف يشربون وَمَعَهُمْ
стр. 86
إِبْرَاهِيم بْن القَاسِم بْن زُرْزُر الْمُغنِي، وَكَانَ إِذْ ذَاك أَمْرَد حَسَن الْوَجْه، وَكَانَ فِي السَّمَاء غيم ينجاب مرّة ويتصل أُخْرَى، فانجاب الغيمُ عَنِ الْقَمَر فانبسط فَقَالَ عليّ بْن الْعَبَّاس، وَأَقْبل عَلَى إِبْرَاهِيم:
لَمْ يَطْلُعِ البَدْرُ إِلَّا من تَشوُّقِهِ ... إِلَيْك حَتَّى يُوَفِّي وَجْهَكَ النّظَرَا
وَلم يتمم الْبَيْت حَتَّى استتر الْقَمَر، فَقَالَ:
وَلَا تغيَّبَ إِلَّا عِنْدَ خَجْلَتِهِ ... لمّا رآك تولّى عَنْكَ فاسْتَتَرَا
المعتز وَيُونُس بْن بغا
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى بْن أَبِي عَبّاد، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَر بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الْملك، قَالَ: شرب المعتز وَيُونُس بْن بغا بن يَدَيْهِ يسْقِيه والجلساء والمغنون حُضور قَدْ أعدَّ الْخِلَع والجوائز، إِذْ دَخَلَ بُغا فَقَالَ: يَا سَيِّدي! وَالِدَة عَبدك يُونُس فِي الْمَوْت وَهِي تحب أَن ترَاهُ، فَأذن لَهُ فَخرج، وفَتَر المعتز لبُعْده ونَعِس، فَقَامَ الْجُلساءُ وتفرَّق المغنون إِلَى أَن صليت الْمغرب وَعَاد المعتز إِلَى مَجْلِسه، وَدخل يُونُس وَبَين يَدَيْهِ الشموع فَلَمَّا رَآهُ المعتز دَعَا برطل فشربه وَسَقَى يُونُس رطلا، وغنى المغنون وَعَاد الْمجْلس أحسن مَا كَانَ، فَقَالَ المعتز:
تغيب فَلَا أفرح ... فليتك لَا تبرحْ
فَإِن جِئْت عَذَّبْتَنِي ... فَإنَّك لَا تسمحْ
فأصْبحتُ مَا بَين دَيْ ... ن ولي كبد تُجْرح
عَلَى ذَاك يَا سيِّدي ... دُنُوُّكَ لِي أَصْلَحْ
ثُمَّ قَالَ: غنوا فِيهِ فَجعلُوا يفكرون، وَقَالَ المعتز لِابْنِ القصّار الطُّنبوري: وَيلك ألحان الطنبور أَمْلَح وأخف فغنِّ لَنَا، فغنى فِيهِ لحنًا، فَقَالَ: دَنَانِير الخريطة، وَهِي مائَة دِينَار فِيهَا مِائَتَان مَكْتُوب عَلَى كلّ دِينَار مِنْهَا ضرب هَذَا الدِّينَار الحَسَنِيُّ لخريطة أَمِير الْمُؤمنِينَ، ثُمَّ دَعَا بِالْخلْعِ والجوائز لسَائِر النّاس، فَكَانَ ذَلِكَ الْمجْلس من أحسن الْمجَالِس.
وناسكٌ يقتلُه الوَجْد
حَدَّثَنَا جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن النصير بْن القَاسِم الخَوّاص، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس بْن مَسْرُوق، قَالَ: حَدَّثَنِي فضل اليزيدي، عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي عَنْ عُمَر الْهِلَالِي، قَالَ: شهدتُ أَبَا يحيى التَّيْميّ، يَقُولُ: كَانَ يخْتَلف مَعَنَا رَجُل من النُّسَّاكِ يُقَالُ لَهُ أَبُو الْحَسَن إِلَى مِسْعر بْن كِدَام، وَكَانَ يخْتَلف مَعَه فَتًى حَسَن الْوَجْه يفتن النّاس إِذَا رَأَوْهُ، فَأكْثر الناسُ القَوْل فِيهِ وَفِي صحبته إِيَّاه، فَمَنعه أَهله أَن يَصْحَبهُ وَأَن يكلمهُ، فذُهِل عقله حَتَّى خُشِيَ عَلَيْهِ التّلف، فَبلغ ذَلِكَ مسعرًا، فَقَالَ: قُولُوا لَهُ: أَلا يقربَني وَلَا يَأْتِي مجلسي،
стр. 87
فَإِنِّي لَهُ كَارِه، فلقيتُه فأخبرتهُ ذَلِك، فتنفس الصُّعَداء وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
يَا من بَدَائِع حَسَن صورته ... تَثْني إِلَيْهِ أعِنّهُ الحدقِ
لي مِنْك مَا للنَّاس كلهم ... نَظَرٌ وَتَسْلِيم عَلَى الطرقِ
لكِنهمْ سعدوا بأمنهمُ ... وشقيتُ حِين أَرَاك بالفَرَقِ
قَالَ: ثمَّ صرخَ صرخة وشخص بَصَره نَحْو السَّمَاء، وَسقط فحرّكته فَإِذا هُوَ ميت.
لَوْ أَمر اللَّه الْعباد بالجزع
حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن أَحْمَد الْكَلْبِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زَكَرِيَّا، قَالَ: حَدَّثَنِي مهديُّ بْن سَابق، قَالَ: قَالَ يحيى بْن خَالِد: لَوْ أَمر اللَّه تَعَالَى الْعباد بالجزع دون الصَّبْر لَكَانَ قَدْ كلّفهم أَشد الْمَعْنيين عَلَى الْقُلُوب، وَقَالَ الشَّاعِر:
بَكَى جزعًا لفُقْدَانِ الحَبيب ... وأسْبَل دَمْع مَلْهُوفٍ كَئيبِ
وَكَانَ الصبرُ أجملَ لَوْ تَعَزَّى ... وأشْفَى للصُّدُور من النحيبِ
فَلَو جعل الْإِلَه الْحُزْن فرضا ... لَكَانَ الصَّبْرُ من جِلِّ الخطوبِ
لَكَانَ الحزنُ فِيهِ غَيْر شَكِّ ... أشدَّ الْمَعْنيين عَلَى الْقُلوبِ
الْأمين يتوجع لإصابة خادمه كوثر
حَدَّثَنَا الصولي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم بْن خَلاد، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُمَر، قَامَ كوثر خَادِم الْأمين ليرى الْحَرْب، فأصابتْه رجمةٌ فِي وَجهه فَجَلَسَ يبكي فوجّهُ مُحَمَّدٌ من جَاءَ بِهِ، وَجعل يمسح الدمع عَنْ وَجهه، ثُمّ قَالَ:
ضَرَبُوا قُرَّةَ عَيْني ... ولأجلي ضَرَبُوه
أَخَذَ اللَّه لِقَلْبي ... من أناسٍ أَحْرَقُوه
فَأَرَادَ زِيَادَة فِي الأبيات، فَقَالَ للفضل بْن الرّبيع: من هَاهُنَا من الشُّعَرَاء؟ فَقَالَ: السَّاعَة رَأَيْت عَبْد اللَّه بْن أيّوب التَّيْميّ. فَقَالَ: عَلَيَّ بِهِ، فَلَمّا دَخَلَ أنْشدهُ الْبَيْتَيْنِ وَقَالَ: قل عَلَيْهِمَا، فَقَالَ:
مَا لِمَن أهْوَى شَبيه ... فِيهِ الدُّنْيَا تَتيه
وَصْلُهُ حُلْو وَلَكِن ... هَجْرُهُ مُرٌّ كريه
من رأى النَّاس لَهُ الفض ... ل عَلَيْهِمْ حَسَدُوه
مثل مَا قَدْ حسد القا ... ئم بالملكِ أَخُوه
فَقَالَ: قَدْ أَحْسَنت، هَذَا وَالله خيرٌ ممّا أردْت، بحياتي عَلَيْكَ يَا عباسيّ إِلَّا نظرت فَإِن كَانَ جَاءَ عَلَى الظّهْر مَلَأت أحمال ظَهره دَرَاهِم، وَإِن كَانَ جَاءَ فِي زورق ملأته لَهُ، فأوقر
стр. 88
لَهُ ثَلَاثَة أبغل دَرَاهِم.
الْمَأْمُون يعاتبه بِسَبَب هَذَا الْبَيْت فيلجأ إِلَى الفَضْل بْن سهل
قَالَ الصولي: فحدثنا الْحَسَن بْن عليّ العنزيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن إِدْرِيس، قَالَ: لمّا قتل الْأمين خرج أَبُو مُحَمَّد التَّيْميّ إِلَى الْمَأْمُون فامتدحه، فَلم يَأْذَن لَهُ فَصَارَ إِلَى الفَضْل بْن سهل ولجأ إِلَيْهِ وامتدحه، فأوصله إِلَى الْمَأْمُون، فَلَمّا سلم عَلَيْهِ، قَالَ لَهُ: يَا تَيْمِي:
مثل مَا قَدْ حسد القا ... ئم بِالْملكِ أَخُوهُ؟
فَقَالَ أَبُو مُحَمَّد التَّيْميّ:
نُصِرَ المأمونُ عَبْد اللَّه لمّا ظَلَمُوه
نُقِضَ العهدُ الَّذِي كَانَ قَدِيمًا أكّدُوه
لَمْ يعاملْه أخُوه الَّذِي أوصى أَبُوهُ
ثُمَّ أنْشدهُ قصيدة امتدحه بهَا أَولهَا:
جَزِعَت ابنَ تَيْم أنَ عَلاك مشيبُ ... وَبان الشبابُ والشّبَابُ حبيبُ
فَلَمّا فرغ مِنْهَا قَالَ الْمَأْمُون: قَدْ وَهبتك لله ولأخي أبي الْعَبَّاس، يَعْنِي الفَضْل بْن سهل، وَأمرت لَك بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم.
خَمْسَة آلَاف فِي تَفْسِير كلمة
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِم، عَنِ الْأَصْمَعِي، قَالَ: دخلتُ على الرشيد هرون ومجلسه حافل، قَالَ: يَا أصمعي! مَا أغفلك عَنَّا وأجفاك لحضرتنا! قلت: وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا ألاقَتْنِي بلادٌ بعدَك حَتَّى أَتَيْتُك، قَالَ: فَأمرنِي بِالْجُلُوسِ فجلستُ حَتَّى خَلا الْمجْلس فجلستُ وَسكت عني حَتَّى تفرق النّاس إِلَّا أقلهم، فنهضتُ للْقِيَام فَأَشَارَ إِلَى أَن أَجْلِس، فَجَلَست وَلم يبقَ غَيْرِي وَغَيره وَمن بَيْنَ يَدَيْهِ من الغلمان، فَقَالَ لي: يَا أَبَا سَعِيد: مَا ألاقَتْني؟ قلت: أمسكتني يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ:
كَفّاك كف مَا تلِيق درهما ... جواداً وأُخْرَى تُعْطِ بالسّيفِ الدَّمَا
أَي مَا تمسك درهما، فَقَالَ: أحسنتَ وَهَكَذَا فَكُن وفْرنا فِي المَلاءِ وعِلمْنا فِي الْخَلَاء، وَأمر لي بِخَمْسَة آلَاف دِينَار.
أَبْيَات غزلية
أنشدنا الصولي، قَالَ أنشدنا الْمبرد:
أَنْت إلفُ العُيُو ... ن فاكتحلي أَوْ تَمَرَّهِي
لستُ عنكمُ وَلَو قتل ... ت بَدَا الدَّهْر أنتَهي
قَادَنِي نَحْوَكِ الشقا ... ء كَذَا كُنْتُ أشْتَهي
стр. 89
الْمجْلس الثَّالِث عَشْر
حَدِيث الْغَار
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نُوحِ بْنِ عبد الله الْمَعْرُوف بالجنديسابوري، إِمْلاءً فِي يَوْمِ السَّبْتِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ عِشْرِينَ وثلثمائة، قَالَ: حَدَّثَنَا عليّ بْن حَرْب الْجُنْدَيْسَابُورِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي مِقْسَمٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَهُمْ: " أَنَّ ثَلاثَةَ نَفَرٍ انْطَلَقُوا يَتَمَاشَوْنَ فَأَصَابَهُمُ الْمَطَرُ فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَوَقَعَتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ادْعُوا اللَّهَ أَنْ يُفَرِّجَ عَنَّا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي أَبَوَانِ وَكَانَ لِيَ امْرَأَةٌ وَصِبْوَةٌ، وَكُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمَا فَإِذَا مَشَيْتُ حَلَبْتُ لَهُمَا فِي إِنَائِهِمَا ثُمَّ سَقَيْتُهُمَا، وَإِنِّي جِئْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَقَدْ دَنَا السَّحَرُ وَقَدْ نَامَا، وَكُنْتُ قَدْ حَلَبْتُ لَهُمَا فِي إنائهما فَقُمْت على رؤوسهما وَالصِّبْوَانُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ رِجْلَيَّ أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْوَانَ قَبْلَهُمَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ مَخَافَتِكَ فَافْرِجْ عَنَّا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، قَالَ: فَأُفْرِجَتْ مِنْهَا فُرْجَةٌ رَأَوْا مِنْهَا السَّمَاءَ.
قَالَ: وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَتْ لِيَ ابْنَةُ عَمٍّ وَإِنِّي رَاوَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا فَأَبَتْ عَلَيَّ حَتَّى أَتَيْتُهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا، قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تَكْسِرِ الْخَاتَمَ إِلا بِحَقِّهِ، فَقُمْتُ عَنْهَا وَتَرَكْتُهُ لَهَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ مَخَافَتَكَ، فَافْرِجْ لَنَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاء، فأفرجت فُرْجَة أُخْرَى فَرَأَوْا مِنْهَا السَّمَاءَ.
قَالَ: وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا يَعْمَلُ لِي فِي فَرَقٍ مِنْ زَيْتٍ، فَلَمَّا عَمِلَ أَتَانِي يَطْلُبُ أَجْرَهُ، فَقُلْتُ: اعْمِدْ إِلَى هَذَا الْفَرَقِ الزَّيْتِ فَخُذْهُ، فَرَغِبَتْ عَنْهُ نَفْسُهُ، فَعُدْتُ إِلَيْهِ، فَجَمَعْتُهُ فَبِعْتُ مِنْهُ حَتَّى كَانَ بَقَرًا وَرُعَاتَهَا، فَأَتَانِي فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ وَأَعْطِنِي أُجْرَتِي، فَقُلْتُ: امْلِكْ هَذِهِ الْبَقَرَاتِ وَرُعَاتَهَا. فَاسْتَاقَهَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ مَخَافَتَكَ فَافْرِجْ عَنَّا الْحَجَرَ، فَأُفْرِجَ عَنْهُمُ الْحَجَرُ، فَخَرَجُوا يَتَمَاشَوْنَ إِلَى أَهَالِيهمْ ".
التَّعْلِيق عَلَى الحَدِيث
قَالَ القَاضِي: حديثُ الْغَار هَذَا معروفٌ عِنْدَ أَهْلَ الْعلم، وَقد ورد الْخَبَر بِهِ عَنْ رَسُول الله ﷺ من وُجُوه، وكتبناه من طرق شَتَّى عَنِ الشُّيُوخ، وأتينا بِهَذَا لأنَّه حَضَرنا فِي هَذَا الْوَقْت دون غَيره.
وَفِيه مَا يَدْعُو إِلَى فعل الْخَيْر واصطناع الْمَعْرُوف والإشفاق من الظُّلم، والحذر من وخيم مَغَبّته وسُوءِ عاقبته، وَفِيه بَيَان أنَّ أَكثر فعل البرِّ عُدة لصَاحبه، وَذخر يورثه النجَاة من المَخُوفات، وَيُعْطِيه الإغاثة عِنْدَ اللزبات.
وَقَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدَانَ بْنِ سُفْيَانَ الطَّرَائِقِيُّ، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد ابْن الْعَبَّاسِ بْنِ
стр. 90
النَّصِيرِ التِّنِّيسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدِّمَشْقِيِّ، عَنِ الأَصْبَغِ، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " صَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَصَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، وَأَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ لَا حول وَلَا قُوة إِلَّا بِاللَّهِ، فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ ".
كثير من أَصْحَاب الحَدِيث لَا يضْبط اللُّغَة
وروى لَنَا الْجُنْدَيْسَابُورِيُّ هَذَا الْخَبَر، فَقَالَ فِيهِ: الصَّبْوَة والصِّبْوَان كَأَن اللافظ اعْتبر فِيهِ لفظ الصَّبوة. وَقَوْلهمْ: صبا يصبو، والسائر فِي كَلَام الْعَرَب الصِّبية فِي جمع صبيٍّ وَالصبيان، وأصحابُ الحَدِيث لَا يضبطُ كثيرٌ مِنْهُم مثل ذَلِك فيحيله وَلَا يضبطه، ورسولُ اللَّه ﷺ أفْصح الْعَرَب، وَكَلَامه جارٍ عَلَى أوضح الْإِعْرَاب، وَأَعْلَى مَرَاتِب الصَّوَاب.
إِعْرَاب الْمَفْعُول لَهُ
وَقَول من حكى عَنْهُ فِي هَذَا الْخَبَر: إِنَّمَا فعلتُ ذَلِكَ مخافتك، الْمَعْنى بِهِ لمخافتك وَمن مخافتك وَلأَجل مخافتك، وَهَذَا الَّذِي ينْتَصب عِنْدَ النُّحاة لأنَّه مفعول لَهُ، يُقَالُ: دَنَوْت ابتغاءَ الْخَيْر، ونأيتُ حذار الشَّرّ، قَالَ اللَّه : " يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْت " أَي لحذر الْمَوْت، أَوْ من حذره، وَقد قيل إِن الْمَعْنى، أَنهم جعلُوا أَصَابِعهم فِي آذانهم حذر الْمَوْت، وَأَن حذر الْمَوْت مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول ثَان، فقولك: جعلت مَالك فِي بَيْتك عدَّة لزمانك، وسلاحك فِي رَحْلك جُنَّةً من عَدوك، وَمن هَذَا النَّحْو، قَول الشَّاعِر:
وأغفرُ عَوْرَاءَ الكَرِيم ادَّخَارَهُ ... وَأعْرض عَنْ ذَنْبِ اللئِيم تَكَرُّمَا
غَار أخر ينطبق عَلَى تِسْعَة إخْوَة
حَدَّثَنَا أبي ﵁، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد مُحَمَّد بْن جَعْفَر الْخُتلِي: قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه - يَعْنِي ابْن عَمْرو البلْخيّ - قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه الْخُتّلي، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَمْرو الْعمريّ، قَالَ: أَخْبرنِي حُسَيْن بْن حَسَن بْن سَلَمَة بْن مُزينة العاري، عَنْ أَبِيه: أنَّ امْرَأَة من بني عَامر كَانَ لَهَا بنُون عشرَة، فَخرج تِسْعَة مِنْهُم فِي بَعْض حَاجتهم، فَأَصَابَتْهُمْ السَّمَاء فابتدروا كهفا فتحدرت صخرةٌ فردمت عَلَيْهِمْ بَاب الْكَهْف، فَمَكَثُوا فِيهِ لَا يقدرُونَ عَلَى الْخُرُوج مِنْهُ حَتَّى مَاتُوا عَنْ آخِرهم، فَلَمّا طَال ذَلِكَ عَلَى أمّهم، قَالَتْ لابنها الْعَاشِر: انْطلق فاقْفُ آثَار إخْوَتك فَمَا أَرَانِي إِلَّا وَقد رزئتهم، قَالَ: يَقُول ابْنهَا: كَيفَ ذَاك يَا أمه؟ قَالَتْ: يَا بنيَّ إِنِّي وَالله أجد كَبِدي تحترقُ احتراقًا، كلما قلت قَدْ سكن عَاد تَلَهُّبًا، فانطِلِقْ هَلْ تُحِسُّ لَهُمْ أثرا، أَوْ تعلم لَهُم خَبرا، قَالَ: فَخرج الْفَتى يقفو آثَار إخْوَته حَتَّى انْتهى إِلَى ذَلِكَ الْكَهْف فَاطلع فِيهِ فَإِذا إخْوَته موتى مُجَدَّلِين، فَرجع يُرِيد أمه باكيًا، فَلَمّا أَتَاهَا قَالَتْ: مَا وَرَاءَك يَا قيس؟ قَالَ: خَيْرٌ يَا
стр. 91
أمَّه، قَالَتْ: عليّ ذَلِكَ يَا بني، قَالَ:
لَا تأسَفِنَّ عَلَى شَيْءٍ فُجِعْتِ بِهِ ... إِنَّ المنايا خِلال الوَعْثِ والجَدَدِ
رَبّيْتِهمْ تِسْعَة حَتَّى إِذَا اتّسقُوا ... أصبحْتِ مِنْهُم كقَرْنِ الأغْضَبِ الفَرَدِ
وكل أمٍّ وَإِن سُرَّتْ بِمَا ولدتْ ... يَوْمَا سَتَثْكِلُ مَا ربّتْ من الولدِ
قَالَت: فنحبت العجوزُ نحيبًا شَدِيدا، ثُمَّ قَالَتْ:
بُنَيَّ لَا صبرَ لي فِيمَا فُجِعْتُ بِهِ ... عَنْ تسعةٍ مثلهم غَرَّاءُ لَمْ تلدِ
زُهرٌ جحاجحةٌ بيضٌ خضارمةٌ ... وَفِي الهَزَاهِزِ والرَّوْعَاتِ كالأسْدِ
الأعضب وَمَا قيل فِيهِ من اللُّغَة وَالْفِقْه
قَالَ القَاضِي: الأعضبُ الْقرن: المكسور، وَقيل إِنَّهُ المكسور نصفه، وَقيل: ثلثه، وَبَين الْفُقَهَاء خلاف فِي جَوَاز الأضْحية بالمعضوب الْقرن، وَفِي الْقدر الْمَانِع من تَجْوِيز الضحية بِهِ كاختلاف أَهْلَ اللُّغَة، وَيُقَال لذِي الزَّمانة وَالْكَسْر من النّاس: المعضوب، وَمن هَذَا الْبَاب قَول لبيد بْن ربيعَة يرثي أرْبَدَ أَخَاهُ:
يَا أرْبَدَ الخَيْرِ الْكِرَامُ جُدُودُه ... خليتني أمشير كقرنٍ أعضُبِ
شعر لَا يستنكر إنشاده فِي المَسْجِد
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِم، عَنْ أبي عُبَيْدة، قَالَ: قَدم أَعْرَابِي من الْيمن فَدخل مَسْجِد رَسُول الله ﷺ فَجَلَسَ فِي حَلقَة فِيهَا الْحَسَن بْن عليّ ﵁، فَقَالَ: هَلْ فِيكُم من يُنشد، فَقيل لَهُ: إِنَّك لجَاهِل، أتستنشد ابْن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: وَالله لأنشدنَّ مَا لَا يُنْكِره، ثُمَّ إِن أُحِبَّ قَالَ، وَإِن أحبَّ سكت، ثُمَّ أنشأ يَقُولُ:
رُبَّ أمورٍ قَدْ بَريْتُ لحَاهَا ... وقَوَّمْتُ من أصلابها ثُمَّ رِشْتُها
أقيمُ بدار الصدْق مَا لَمْ أُهن بهَا ... وَإِن خِفْت من دارٍ هَوَانا تَرَكْتُها
وأصْبِحُ خَالِي المَال حَتَّى تَخَالُني ... بَخِيلًا وَإِن حَقٌّ عراني أَهَنْتُها
وَلست بولاجِ البيوتِ لِفَاقَةٍ ... ولكنْ إِذَا استغنيتُ عَنْهَا وَلِجْتُها
إِذَا قصرت أَيدي الرِّجَال عَنِ الْعُلا ... مددتُ يَدي باعًا إِلَيْهَا فَنِلْتُها
ومكرمةٍ كَانَتْ سجية وَالِدي ... فعلميها وَالِدي فعلمتها
وَقد علمت أعلامُ قومِيَ أنّني ... إِذَا نَالَ أظفاري صديقا قَلَمْتُها
رجاءَ غدٍ أَن يعطِفَ الْوُدُّ بَيْننَا ... ومظلمة مِنْهُم بجنبي عَرَكْتها
وَإِنِّي سألقي اللَّه لَمْ أرْمِ حُرَّةً ... وَلم تأتمني سِرَّ قَوْمٍ فخُنْتُها
стр. 92
وَلَا بَاغِيا خَمْرًا وأسماع قَيْنَة ... وَلَا قائِلا فِي الشّعْر أَنِّي شَرِبْتُها
وَلَا غائرًا مَا لَمْ تُغِرْني حليلتي ... مَتَى مَا أغْرِ إِن لَمْ تُغْرِني ظَلَمتُها
فَقَالَ الْحَسَن ﵁: مَا رأيتُ كَالْيَوْمِ شعرًا أرصن، وَأمر لَهُ بصلَة لَمْ يقبلهَا، وَانْصَرف.
أكله كُلّه حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن عَرَفَة المهلبي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عتبَة الْبَصْرِيّ، قَالَ: قَدِمَ عمَارَة بْن عقيل الْبَصْرَة، فَأَتَاهُ النّاس يَكْتُبُونَ عَنْهُ، فَقَالَ لرجل حَضَره: أَنْشدني بَعْض مَا قَالَه الفرزدق لجدي، وَبَعض مَا قَالَ جدي للفرزدق، فأنشده قَول الفرزدق:
حلقتُ بربِّ مكَّة والْمُصَلّى ... وأعناقِ الهَدِيِّ مقلداتِ
لَقَدْ قَلّدْتُ جِلْفَ بَنِي كليبٍ ... قَلائِدَ فِي السَّوَالِفِ باقياتِ
قلائدَ لَيْسَ من ذهبٍ وَلَكِن ... قَلائِدَ من جَهَنَّمَ منضجاتِ
حَتَّى أَتَى عَلَيْهَا فَجعل يتلظّى، ثُمَّ قَالَ: هَات مَا قَالَه لَهُ أَبِي فأنشده:
تُعَلِّلُنا أُمامةُ بالْعِدَاتِ ... وَمَا يَشْفِي القلوبَ الصادياتِ
وَلَوْلَا حُبُّها وإله مُوسَى ... لَوَدَّعْتُ الصِّبَا والغانيات
إِذَا رَضِيَتْ رَضِيتُ وَتَعْتَرِيني ... إِذَا غَضبت كَهَيْضَاتِ السُّبَاتِ
وَمَا صبْري عَنِ الذَّلْفَاءِ إِلَّا ... كصبر الْحُوتِ عَنْ مَاء الْفُراتِ
ثُمَّ قَالَ: مَاذَا؟ قَدْ قطّع الفرزدقُ عِرْضه وَهُوَ فِي أُمَامَة؟ حَتَّى إِذَا بلغ إِلَى قَوْله:
رَجَوْتُم يَا بني وَقَبان مَوْتِي ... وأرجُو أَن تطولَ لَكُمْ حَيَاتي
إِذَا اجتمعُوا عَلَيَّ فخلِّ عَنْهُمْ ... وَعَن بازٍ يَصُكُّ حبارياتِ
إِذَا طَرِب الحمامُ حمامُ نجدٍ ... نَعَى جارَ الأقارع والْحُتاتِ
فَقَامَ يحجلُ طَرَبًا، وَقَالَ: أَكَلَهُ كُلَّهُ.
أبشر بطول سَلامَة يَا مِرْبَع
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه بْن عَرَفَة: وَقد تمثل بِهَذَا الْبَيْت الْحَسَن بْن قَحْطبة حِين هَمّ أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور بالبيعة للمهدي أبي عَبْد اللَّه، فَدخل عَلَيْهِ الْحَسَن بْن قَحْطبة فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! مَا تنْتَظر بالفتى الْمُقْبل الْمُبَارك، جَدِّدْ لَهُ الْبيعَة فَمَا أحد ممتنعٌ وَرَاء هَذَا السِّتْر، ومَن أبَى فَهَذَا سَيفي، وَبلغ الْخَبَر عِيسَى بْن مُوسَى، فَقَالَ: وَالله لَئِن ظَفِرْت بِهِ لأشَرِب الْبَارِد، وَبلغ الْحَسَن بْن قَحْطَبَةَ الْخَبَر والمنصور فَدخل الْحَسَن ابْن قَحْطَبَةَ عَلَى الْمَنْصُور وَعِنْده عِيسَى بْن مُوسَى، فتمثل الْمَنْصُور بقول جرير:
стр. 93
زَعَمَ الفَرَزْدَقُ أَنْ سيقتلُ مِرْبَعًا ... أبشر بطول سَلامَة يَا مِرْبَع
مربع رَجُل من بني جَعْفَر بْن كلاب، كَانَ يرْوى شعر جرير فَنَذر الفرزدق دَمَه، فَقَالَ جرير:
زَعَمَ الفَرَزْدَقُ أَنْ سيقتلُ مِرْبَعًا ... أبشر بطول سَلامَة يَا مربعُ
إِن الفرزدق قَدْ تبيّن لُؤمُه ... حَيْث الْتقَى حُشَشَاؤه والأخدعُ
فَلَمّا خلع الْمَنْصُور عِيسَى بْن مُوسَى مَرَّ فِي موكب، فَقَالَ إِنْسَان: من هَذَا؟ فَسَمعهُ مُخَنّث، فَقَالَ: هَذَا الَّذِي أَرَادَ أَن يكون غَدا فَصَارَ بَعْدَ غَد، وَقد رُوينا فِي خبر آخر: أنَّ عِيسَى بْن مُوسَى قَالَ لمخنّثٍ يتهدَّدُه: أما تَعْرِفُني؟ فَقَالَ: بلَى، أَنْت الَّذِي كنت غَدا فصرت بَعْدَ غَد.
وَقَول جرير: حَيْث التقى حششاءه، الْحُشاشاوان: هما العظمان الناشزان وَرَاء الْأُذُنَيْنِ، وَالْوَاحد حُشَشَاء وهما لُغَتَانِ إِحْدَاهمَا هَذِهِ مثل فُعلاء، وَالْأُخْرَى حشاء عَليّ فعلاء مثل قسطاس وفسطاط من الصَّحِيح، وَكَذَلِكَ قُوياء وَلَيْسَ فِي الْأَسْمَاء عَلَى هَذَا الْوَزْن غَيرهمَا.
وأمّا فُعلى فقد حكى الْفراء وَيَعْقُوب وَغَيرهمَا فِيهِ ثَلَاثَة أحرف، وَحكى غَيرهمَا فِيهِ رَابِعا وخامسًا وسادسًا، فَأَما الأحرف الثَّلَاثَة فأدَمَى اسْم مَكَان، وأُربَى من أَسمَاء الداهية، كَمَا قَالَ الشَّارِع:
هِيَ الأرْبَى جَاءَتْ بأمِّ حَبَوْ كَرَى
وشُعَبَى اسْم بَلْدَة، قَالَ جرير:
أعبدًا حَلَّ فِي شُعَبَى غَريبًا ... أَلُؤْمًا لَا أَبَا لَكَ واغْتِرَابَا
وأمّا الْحُرُوف الْأُخَر فحكاهنَّ فِيمَا روى لنا أَبُو عُمَر الشَّيْبَانيّ وَابْن الأَعْرَابِي.
حَدَّثَنَا أَبُو عُمَر مُحَمَّد بْن عَبْد الْوَاحِد، قَالَ: أَخْبَرَنَا ثَعْلَب، قَالَ: جَاءَت حُرُوف لَمْ يأتِ بهَا يَعْقُوب وَلَا الْفراء، أَتَى بهَا أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانيّ وَابْن الأَعْرَابِي، وَهِي: جُمَدى اسْم مَوضِع وجُسَقى اسْم بلد، وجُبنَى اسْم جبل.
دَعْ لله إِحْدَاهمَا تنَلْ الْأُخْرَى
حَدَّثَنَا عليّ بْن مُحَمَّد بْن الجهم، أَبُو طَالِب الْكَاتِب، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن الفَضْل الرَّبَعي، قَالَ: وحَدثني عليُّ بْن مُحَمَّد بْن خَلَف العَطَّار، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَسَن بْن الْحُسَيْن الْأَشْقَر، قَالَ: كنت أَطُوف مَعَ عَبْد اللَّه بْن حَسَن بْن حَسَن فَإِذا نَحْنُ بِامْرَأَة حسناء تَطوف، قَالَ: فَقَالَ لَهَا عَبْد اللَّه بْن حَسَن بْن حَسَن:
أهْوَى هَوَى الدِّينِ واللّذَّاتُ تُعْجِبُني ... فَكيف لي بهوى اللّذَّاتِ والدينِ
فَقَالَت: يَا ابْن رَسُول اله دَعْ لله إِحْدَاهمَا تنَلْ الْأُخْرَى، فَقَالَ: هَلْ من زَوْجَ؟ قَالَتْ:
стр. 94
كَانَ فدُعي، قَالَ: مُنْذُ كم؟ قَالَتْ: مُنْذُ سنة، فَقَالَ: الْحَمد لله عَلَى تَمام النِّعْمَة، قَالَ: هَلْ لَك فِي التَّزْوِيج؟ قَالَتْ: وَالله مَا كَانَ ذَاك رَأْيِي، وَلَكِن لَك فَنعم، فتزوجَّها.
عَبْد اللَّه بْن طَاهِر يُجِيز العَتّابي ثَلَاث مَرَّات
حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن الْقَاسِم الكوكبي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن أبي طَاهِر، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هفان، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: دَخَلَ العَتّابي عَلَى عَبْد اللَّه بْن طَاهِر فأنشده:
حَسَن ظَنِّي وَحسن مَا عوّد ال ... لَهُ سوائي بك الْغَدَاة أَتَى بِي
أَي شيءٍ يكون أحسن من حس ... نِ يَقِين حدا إِلَيْكَ ركابي
فَأمر لَهُ بجائزة، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ مرّة أُخْرَى فأنشده:
جُودُك يَكْفِينيكِ فِي حَاجَتِي ... ورُؤْيَتِي تَكْفِيكَ مِنِّي السؤالِ
كَيْفَ أَخْشَى الفَقْر مَا عِشْتَ لِي ... وإنّما كَفّاكَ لِي بيتُ مالِ
فَأَجَازَهُ أَيْضا، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ الْيَوْم الثَّالِث فأنشده:
أكسني مَا يبيد أصلحك الل ... هـ فإِنِّي أكسوك مَا لَا يبيدُ
فَأَجَازَهُ وكساه وَحمله.
قصَّة أبياتٍ من الشّعْر لعبد اللَّه بْن طَاهِر
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بن إِبْرَاهِيم الحكيمي، أَبُو عَبْد اللَّه الْكَاتِب، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْد اللَّه أَحْمَد بْن الْحَسَن بْن هِشَام، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أبي الْعَبَّاس مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن طَاهِر يَوْمَا، وَدخل مُحَمَّد بْن عِيسَى الْكَاتِب، فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس: أَعْطوهُ قدحاً، فَأبى وَاعْتذر، فَقيل عذره وَجلسَ وغنينا وشربنا، ثُمَّ تغنى كُنيز دبة صَوتا فَالْتَفت أَبُو الْعَبَّاس وَنظر إِلَى قدحٍ فِيهِ أربعةُ أرطالٍ فِي يَد مُحَمَّد بْن عِيسَى فَقَالَ: مَا هَذَا يَا أَبَا جَعْفَر؟ فَقَالَ: أعز اللَّه الْأَمِير، لي وَلِهَذَا الشّعْر حَدِيث، كنتُ مَعَ أبي الْعَبَّاس عَبْد اللَّه بْن طَاهِر جَالِسا فَشَكا إليَّ وجدَه وعِشْقه لإِنْسَان فَقَالَ:
أعْيانِيَ الشّادِنُ الربيبُ
فَقلت: دَارِه، فَقَالَ:
أكتبُ أشْكو فَلا يجيبُ
فَقلت: دَاوه، فَقَالَ:
فكيفَ أرجُو دواءَ دائِي ... وإنّما دَائِيَ الطبيبُ
ثُمَّ افْتَرقَا فَلم أسمع أحدا يذكرهُ حَتَّى سمعتُ هَذَا يُغني بِهِ السَّاعَة.
أَبْيَات ثَلَاثَة لأبي نواس تُساوي شعر أَبِي الْعَتَاهِيَة كُله
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عَبْد الرَّحْمَن
стр. 95
الرَّبَعيّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مطهر الْكُوفِي، قَالَ: قَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة، قَالَ: قلت عشْرين ألف بَيت فِي الزّهْد وودت أنَّ لي مَكَانهَا الأبيات الثَّلَاثَة الَّتِي لأبي نواس:
يَا نواسيّ تَوَقّرْ ... وتَعَزَّى وَتَصَبّر
إِن يكنْ ساءكَ دهرٌ ... فَلَمَّا سَرَّكَ أكْثر
يَا كثير الذَّنب عَفْو ال ... لَهُ من ذَنْبك أكبر
قَالَ الْحَسَن بْن عَبْد الرَّحْمَن، قَالَ أَبُو مُسْلِم الْكَاتِب: هَذِهِ الأبيات مَكْتُوبَة عَلَى قبر أبي نواس، فزادني أَبِي فِيهَا بِغَيْر هَذَا الْإِسْنَاد:
أعظم الْأَشْيَاء فِي أص ... غر عَفْو اللَّه يصغُر
لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا ... مَا قَضَى اللَّه وقَدَّرْ
لَيْسَ للمخلوق تَدْبي ... رٌ بَلِ اللَّه المدَبِّرْ
ريبةُ الرَّشيد فِي النمري
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ: حَدَّثَنَا عونُ بْن مُحَمَّد، أَن سعيد ابْن سلم قَالَ: حضرتُ النمريَّ يُنشدُ الرشيدَ شِعْرًا فَمر فِيهِ وصفٌ لسيوفه:
لَيْسَتْ كأسيافِ الحسينِ وَلَا ... بَنِي حسنٍ وَلَا آل الزُّبَيْر الكلل
هرونُ فِي الْخُلفاء مثلُ مُحَمَّد ... فِي الْأَنْبِيَاء مفضَّلٍ لمفضَّلِ
فَقَالَ لَهُ الرشيد: مَا يولُعك بِذكر قَوْمٍ لَا ينالهم ذمٌّ إِلَّا شاطرتهم إِيَّاه، قَدْ رَابَنِي مِنْك هَذَا وفيك، لَا تَعُدْ لَهُ، وَإِنَّمَا نفارقهم فِي الْمُلْك ثُمَّ لَا افتراقَ فِي شَيْءٍ بعده.
شعر يَعْزِلُ قَاضِيا عَنِ الْقَضَاء
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن زِيَاد الْمقري، قَالَ: أَخْبَرَنَا مسبح بْن حَاتِم، قَالَ: أَخْبَرَني يَعْقُوب بْن إِسْرَائِيل، قَالَ: أَخْبرنِي مُحَمَّد بْن عليّ بْن أُميَّة، قَالَ: كُنَّا بِحَضْرَة الْمَأْمُون بِدِمَشْق فغنى عَلُّويه:
بَرِئْتُ من الإِسْلام إِن كَانَ ذَا الَّذِي ... أتاكِ بِهِ الواشُون حَقًّا كَمَا قَالُوا
وَلَكنهُمْ لمّا رَأَوْكِ سريعةً ... إليَّ تواصَوْا بالنميمة واحْتَالُوا
فقد صِرْتِ أُذْنًا للوشاةِ سميعةً ... ينالون من عِرْضي وَلَو شئتِ مَا نالوا
فَقَالَ الْمَأْمُون لعلُّويه: لمن هَذَا الشّعْر؟ قَالَ: للْقَاضِي، قَالَ: أَي قَاض؟ قَالَ: قَاضِي دمشق، فَأقبل عَلَى أَخِيه المعتصم، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا إِسْحَاق اعزله، قَالَ: قَدْ عزلته، قَالَ: فليحضُر السَّاعَة، فأحضِرَ شيخٌ خضيبٌ رَبْعة من الرِّجَال، فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون من تكون؟
стр. 96
فنسب نَفسه، فَقَالَ: تَقول الشّعْر؟ قَالَ: قَدْ كنتُ أقوله، قَالَ: يَا عَلُّويه أنْشدهُ الشّعْر فأنشده، فَقَالَ: هَذَا شعرك؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، ونساؤه طوالقٌ وعبيدهُ أَحْرَار ومَالُه فِي سَبِيل اللَّه إِن كَانَ قَالَ شِعرًا غلا مُنْذُ ثَلَاثِينَ سنة وَإِلَّا فِي زُهد أَوْ معاتبة صديق، قَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاق اعزله، فَمَا كنت لأُوَلِّي الْحُكْم بَيْنَ الْمُسلمين من يبْدَأ فِي هَزله وجدِّه بِالْبَرَاءَةِ من الإِسْلام، ثُمَّ قَالَ: اسقوه، فَأتي بقدح فِيهِ شراب فَأَخذه بِيَدِهِ وَهِي ترْعد، ثُمّ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! اللَّه اللَّه مَا ذَقَته قَطّ، قَالَ: أفحرام هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَقَالَ الْمَأْمُون: أوْلَى لَك بهَا، أَي نجوت. ثُمَّ قَالَ لعلويه: لَا تقلْ برئتُ من الإِسْلام، وَلَكِن قُل:
حرمتُ منائِي مِنْك إِن كَانَ ذَا الَّذِي أتاكِ بِهِ الواشُون حَقًّا كَمَا قَالُوا
قَالَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن الْمقري: هَذَا القَاضِي هُوَ عُمَر بْن أبي بَكْر المَوْصِليّ، روى عَنْه الزبير بن بكار وَإِبْرَاهِيم بْن الْمُنْذر.
تَعْلِيق نحوي مد الْمَقْصُور وَقصر الْمَمْدُود
قَالَ القَاضِي: مَدَّ الْمَأْمُون الْمُنى فِي هَذَا وَهُوَ مَقْصُور، وَكَانَ نحاة الْبَصْرَة من متقدميهم ومتأخريهم لَا يُجيزون ذَاك فِي شعر وَلَا نثر، إِلَّا الْأَخْفَش فَإِنَّهُ كَانَ يُجِيزهُ فِي الشّعْر، وَهُوَ مَذْهَب مُتَقَدِّمي نُحاة الْكُوفِيّين، وَكَانَ الفَرَّاء يُجِيزهُ فِي بَعْض الْوُجُوه ويأباهُ فِي بَعْضهَا، فَأَما قصر الْمَمْدُود فِي الشّعْر فَجَائِز عِنْدَ جَمِيع النَّحْوِيين، وَلَو جعل مَكَان هَذَا: حُرمت رجائي أَوْ شفائي أَوْ مَا أشبههَا لَكَانَ وَجها صَحِيحا لَا يُنكر وَلَا يخْتَلف فِي جَوَازه.
عُمَر ﵁ يعْزل واليًا بِسَبَب شِعره
ونظيرُ عزل هَذَا القَاضِي عَنْ عمله لمّا أنكرهُ إمامهُ من القَوْل السَّيئ فِي شِعره، الْخَبَر الْوَارِد عَنْ عُمَر بْن الخَطَّاب ﵁ من عَزله النُّعْمَان ابْن عَدِيّ بْن نَضْلة، وَذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاه عليّ بْن مُحَمَّد بْن الجهم أَبُو طَالِب الْكَاتِب، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيد عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد بْن مَنْصُور الْبَصْرِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا وهْب بْن جرير، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق، قَالَ: أُنبئت أنَّ عَدِيَّ بْن نَضْلة بْن عَبْد الْعُزَّى بْن حرثان بْن عَوْف بْن عُبَيْد بْن عويج بْن عَدِيّ بْن كَعْب مِمَّن هَاجر إِلَى أَرض الْحَبَشَة وَمَات بهَا، وَكَانَ مَعَه ابْنه النُّعْمَان بْن عَدِيّ وَهُوَ الَّذِي اسْتَعْملهُ عُمَر بْن الخَطَّاب ﵁ عَلَى مَيْسان، فَقَالَ أبياتًا من الشّعْر فَعَزله، فَقَالَ:
أَلا هَلْ أَتَى الحسناءَ أنَّ حَليلَها ... بمَيْسان يُسْقَى فِي زجاجٍ وحِنْتَم
إِذَا شئتُ عادتَنِي دَهَاقِينُ قريةٍ ... ورقّاصة تجدو عَلَى كلِّ منسمِ
فَإِن كنت نَدْمَانِي فَبِالْأَكْبَرِ اسْقِنِي ... وَلَا تسقين بالأصْغَرِ الْمُتَثَلِّمِ
لَعَلَّ أميرَ الْمُؤمنِينَ يسوءهُ ... تنادُمُنا بالجَوْسقِ الْمُتَهَدِّم
стр. 97
فَلَمّا بلغت عُمَر الأبيات، قَالَ: أَجْلِ وَالله إِن ذَلِكَ ليسُوءُني، فَمن لقِيه مِنْكُم فليخبُره أنِّي قَدْ عزلتُه، فَقدم عَليّ عمر فَاعْتَذر، حلف مَا صنع مَما قَالَ شَيئًا، وَلَكِنِّي كنت امْرأ شَاعِرًا وجدت فضلا من قَول كَمَا يَقُولُ النّاس، فَقَالَ عُمَر: وَالله لَا تَعْمَل لي عملا مَا بقيتُ وَقد قلتَ مَا قلت.
تَعْلِيق لغَوِيّ وبلاغي
قَالَ القَاضِي: قَوْله تجذو عَلَى أَطْرَاف أَصَابِع رِجْلَيْهَا: أَي تقوم، يُقَالُ مِنْهُ: جذا يجذو عَلَى أَصَابِع رجلَيْهِ، وَجَثَا يجثو عَلَى رُكْبَتَيْهِ.
وسمّى الرِّجْل مِنْسمًا اسْتِعَارَة وَهُوَ فِي الأَصْل للبعير، كَمَا روى عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُسْتَحَاضَة لتستثفر، وَهُوَ فِي الأَصْل للدواب ذَات الْحَافِر، وكما قَالَ: " من حفظ مَا بَيْنَ فُقْمَيْهِ وَمَا بَيْنَ رجلَيْهِ دَخَلَ الْجنَّة " يُرِيد الْفَم والفرج، وأصل الفقم للحية، وَمن المنسم قَول زُهَيْر:
وَمن لَمْ يصانع فِي أُمُور كَثِيرَة ... يُضَرَّس بأنيابٍ ويُوطَأ بمنسمِ
وَالَّذِي يُسمى من الإِنْسَان الظفر يُقَالُ لَهُ من ذَوَات الخفّ المنسم.
من الشّعْر الْعَفِيف
حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن مُحَمَّد بْن صَالح الكريري، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِسْمَاعِيل القَيْسيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيب الْمَدَنِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْر بْن بكار، قَالَ: أنشدنا عَبْد اللَّه بْن مُصْعَب لخيرة بِنْت أبي ضيغم البَلَويَّة:
وبِتْنا خِلافَ الحَيِّ لَا نَحْنُ منهمُ ... وَلَا نَحْنُ والأعداءُ مختلطانِ
وبتنا يَقِينا بَارِدَ الطلِّ والندى ... من اللَّيْل بُرْدَا يَمْنةٍ عطران
نذوذ بِذكر الله عنّا من الخَنا ... إِذا كَانَ قَلْبانا بِنَا يردانِ
ونصدر عَن ري العفاف وربّما ... نقعنا غليل الصَّدْر بالرَّشَفَان
أَبْيَات تمثّل بهَا ابْن الزبير مُنْصَرفه يَوْم الْجمل
حَدَّثَنَا عَبْد الْبَاقِي بْن قَانِع، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن صَالح بْن شيخ، قَالَ: حَدَّثَنَا الرياشي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الحكم الْجبلي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حلحلة الْقُرَشِيّ، عَنْ أبي رَيْحَانَة، قَالَ: لما انْصَرف الزُّبَيْر يَوْمَ الْجمل تمثل:
أمرتُهُمُ أَمْرِي بمنْعَرج اللِّوى ... وَلَا أمْر للمَعْصِيَّ إِلَّا مُضيّعا
فَقلت لكأسٍ ألْجميها فَإِنَّمَا ... حَلَلْت الْكَثِيب من زرود لأفزعا
كَأَن بليتها وبَلْدَةٍ نَحْرها ... من النَّبْلِ كُراثُ الصَّرِيم الْمُنَزّعا
إِذَا الْمَرْء لَمْ يَغْش الكريهةَ أوشَكَتْ ... حِبَالَ الْهُويَنا بالفتى أَن تُقطعا
стр. 98
قَالَ الرياشي: الليتان صفحتا الْعُنُق من النَّاقة، وهما تَحت الْقُرط من الْمَرْأَة، قَالَ القَاضِي: من الليت قَول الشَّاعِر:
وفرعٍ يَصِيرُ الجيدَ وحفٍ كَأَنَّهُ ... على اللّيْتِ قِنوانِ الْكُروم الدوالحُ
وَقَالَ آخر:
إِذَا هِيَ قامتْ تَقْشعرُّ شُواتُها ... ويَبْرقُ بَيْنَ اللّيْتِ مِنْهَا إِلَى الصُّقْلِ
قَالَ الرياشي فِي قَوْله وبلدة نحرها: الْبَلدة من الإِنْسَان اللّبة، وَمن الْبَعِير الْكَركرة، وكُرّاث الصريم: نبت لَهُ ثَلَاثَة عروق ينْبت فِي الرمل فَإِذا أَخْرَجَهُ كَانَ أَسْفَله كَأَنَّهُ قذذ السهْم، فَشبه النبل بِذَاكَ، والصريم: الرمل، وَأنْشد الرياشي:
أنيخت فَأَلْقَت بَلْدَة فَوق بلدةٍ ... قليلٌ بهَا الأصواتُ إِلَّا بُغامُها
يُقَالُ لصوت الْبَعِير بُغام، قَالَ الشَّاعِر:
حَسِبْتَ بُغام رَاحلتي عَنَاقًا ... وَمَا هِيَ وَيْبَ غَيْرك بالعناقِ
الْمجْلس الرَّابِع عَشْر
الصّاحب مسئول عَنْ صَاحبه
حَدثنَا مُحَمَّد بن هرون، أَبُو حَامِدٍ الْحَضْرَمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ سَالِمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: صَحِبَ النَّبِيُّ ﷺ صَاحِبًا فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَيْضَةً فَقَطَعَ غُصْنَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَعْوَجُ وَالآخَرُ مُسْتَقِيمٌ، فَدَفَعَ إِلَى صَاحِبِهِ الْمُسْتَقِيمَ وَأَمْسَكَ الأَعْوَجَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنْت أَحَق بِهَذَا، فَقَالَ: " كَلا، مَا مِنْ صَاحِبٍ يَصْحَبُ صَاحِبًا إِلا وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ".
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى بْنِ السُّكَيْنِ الْبَلَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ يُونُسَ بْنِ الْقَاسِمِ الْيَمَامِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبي، عَن حموة بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُحَدِّثُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ غَيْضَةً وَمَعَهُ صَاحب لَهُ، فَأخذ مِنْهَا مِسْوَاكَيْنِ أَرَاكًا، أَحَدُهُمَا مُسْتَقِيمٌ وَالآخَرُ مُعْوَجٌّ، فَأَعْطَى صَاحِبَهُ الْمُسْتَقِيمَ وَحَبَسَ الْمُعْوَجَّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنْتَ أَحَقُّ بِالْمُسْتَقِيمِ مِنِّي، قَالَ: " كَلا، إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ صاحبٍ يُصَاحِبُ صَاحِبًا وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ إِلا سَأَلَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ مُصَاحَبَتِهِ إِيَّاهُ، فَأَحْبَبْتُ أَلا أَسْتَأْثِرَ عَلَيْكَ بِشَيْءٍ ".
الْعبْرَة من الحَدِيث
قَالَ القَاضِي: تأملوا - رحمكم اللَّه - مَا فِي هَذَا الْخَبَر من ذَكَرَ مَا أَتَى بِهِ من أَخْلَاق رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الشَّرِيفَة الْعلية، وعشرته لمن صَاحبه الْكَرِيمَة الرضية، والإفضال والإيثار، وعزوفه عَنِ الاستبداد والاستئثار، وَمن أولى بذلك مِمّن الْقُرْآن الْعَظِيم أدبُه، ومُنزل
стр. 99
الْوَحْي الْحَكِيم مُؤدبه، وَقد رُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ سُئِلت عَنْ خُلُقِ رَسُول الله ﷺ فَقَالَت: كَانَ خُلُقُه الْقُرْآن.
قَالَ القَاضِي: وَأعظم بقول الله " وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم " نُبْلا وَمَجْدًا وَفَضْلا وجدًّا، وَقد جَاءَ فِي الْأَثر أَنَّهُ كَانَ أَحْيَا من عَذْراء فِي خدرها، وَأَنه كَانَ أَشد النّاس فِيمَا كَانَ من أَمر اللَّه ، فيرضى أحسن الرِّضَا حِين التَّوَاضُع، وَيُعْطِي أجزل الْعَطاء عِنْدَ السّمَاحةِ والاسترفاد، ويغضب لله أَشد الْغَضَب عِنْدَ ظُهُور الغّيِّ والْعِناد، والعَبَث والفَسَاد، وَكَانَ فِي أَمر ربه ونصرة دينه كالحسام الباتر، والضِّرغام الخَادِر، فَأكْرم بِنَفسِهِ السمحة الزكية الشَّرِيفَة الأبية، وسجاياه السهلة الرضية، وعطاياه الفاضلةُ السّنيَّة، اللَّهُمَّ لفك الحمدُ عَلَى توفيقك إيانا لتصديقه، وهدايتك لَنَا بِهِ، اللَّهم فأسْعِدنا باتّباع أوامره، وَالْوُقُوف عِنْدَ زواجره، والاستمرار عَلَى سُنّته، والسعادة بِشَفَاعَتِهِ.
جدُّ أعشى هَمدَان وَصَاحبه
حَدَّثَنَا ابْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا السكن بْن سَعِيد، عَنِ الْعَبَّاس بْن هِشَام، عَنْ أَبِيه، عَنْ عوانةَ بن الحكم، قَالَ: حَدثنَا شَيْخَانِ من هَمْدَان قَالَا: كَانَ نظام بْن جشم بْن عُمَر بْن مَالك بْن عَبْد الْجِنّ الْهَمدَانِي، وَهُوَ جدُّ أعشى هَمدَان، وَاسم الْأَعْشَى عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث بْن نظام، مؤاخيًا لأشْوع بْن أبي مَرْثد الهَمْداني وَكَانَا مغوارين فاتكين قرضوبين جوداين - قَالَ ابْن دُرَيْد: القرضوب: الَّذِي يَأْخُذ كلّ مَا لَاحَ لَهُ - لَا يَلِيقَان شَيئًا، قَالَ القَاضِي: يُقَالُ للصوص: قراضبة، وَيُقَال للْفَقِير قرضوب، قَالَ الشَّاعِر:
قَوْمٌ إِذَا صَرَّحَتْ كَحْلٌ فَدَارُهُمُ ... كَهْفُ الضَّعيفِ ومأوى كُلِّ قرضوبِ
رَجَعَ الحَدِيث: لَا يَليقان شَيئًا، فَخَرَجَا يُريدَان الْغَارة عَلَى مَهْرة ابْن حيدان، وَكَانَ يختلسان الصِّرمة ثُمَّ يشلانها مجاهرة، فَإِن أدْركا رَمَيا فَلم يَسْقُط لَهَما سهم، قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: قَالَ أبي، قَالَ عوَانَة: سمعتُ من أثقب بِهِ من رجال هَمدَان يخبر أنّ السرب من القطا كَانَ يمرُّ بهما طائرا فَيَقُولَانِ: أَيهَا تُرِيدُونَ؟ فيوَمأ إِلَى الْوَاحِدَة مِنْهَا فيرميانها فَلا يخطئان، وَكَذَلِكَ الظّباء، وَبَين بِلَاد هَمدَان وبلاد مَهْرة مَفَازة مُنكَرة، لَا تسلكها الخيلُ وتسوخُ فِيهَا أَخْفَاف الْإِبِل فتصب فِيهَا أَوديَة مَهْرة وأودية الْحُوف، وَهِي سبخَة ملحة نشاشة، لَا تُنبت عودا لَيْسَ العكرش، قَالَ: ففوزا أيّامًا وشَوّل ماؤهما وخافا الْهَلَاك، فأبصرا يَوْمَا مَعَ ذرور الشَّمْسُ طيرًا تَحُوم عَلَى غمضٍ من الأَرْض، فَقَالَ أَحدهمَا لصَاحبه: أَلا ترى مَا أرَاهُ، فَقَالَ: بلَى وَالله إِنَّهَا لتحوم عَلَى لحم أَوْ مَاء، وأيها كَانَ فَهُوَ ملكٌ أَوْ وَشَل فقصدا الْجِهَة حَتَّى هبطا غَائطًا ذَا خَبْراوات ونُقْعَان، فأناخا وشربا وسقيا وعَضَّدَا لراحلتيهما، واستظلا بِبَعْض تِلْكَ الشَّهْر، فَبينا كَذَلِك إِذْ مرَّ بهما أُمعوز، وَهُوَ جمَاعَة من الظباء، فرمياه فصرعا ظبيين وأورقا وأوْريا واشْتَوَيَا وقعدا يرقُبان اللَّيْل ليستدلا بالنجوم،
стр. 100
فَإِذا سوادٌ مقبل فأخْمرا راحلتيهما، قَالَ ابْن دُرَيْد: أَي وارياها تَحت الشّجر، قَالَ القَاضِي: وَهُوَ الخَمْر، قَالَ الشَّاعِر:
أَلا يَا زَيْدُ والضَّحّاكُ سِيرا ... فقد جَاوَزْتُما خَمْر الطريقِ
وطلعا دوحة فتغيبا فِي شعابها فَإِذا صِرْمةٌ زُهْرٌ كالصوار يَحْدُوها عبدٌ اسود وَهُوَ يَقُولُ:
رُوحِي إِلَى خَيرِ أَبِي المعارك ... لمبركٍ من أرحب الْمُبَارك
فَإِن بَيت أضيافه هُنَالك ... فأبشري بِوَقع عضبٍ بَاتِك
يبترُ مِنْك أسْوُقَ البَوَائِك
فَمَا غَابَ الأوّل عَنْ أَعيننَا حَتَّى بَدَتْ صِرمةٌ أُخْرَى يحدُوها عَبْد أسود، وَهُوَ يَقُولُ:
رُوحِي إِلَى مبركك الدَّمَاثِر ... إِلَى فَتَى كُهبان والمهاجرِ
وعصمةٍ المعترِّ والْمُهاجر ... واللَّيثِ فِي الْيَوْم الْعُماسِ الخادِر
قَالَ ابْن دُرَيْد: العماس الشَّديد -
فَإِن منيتِ بمُضاف زائر ... فأيْقِني بِوَقع عضبٍ باتِر
ثُمَّ اعتراقٍ بشفارٍ جَازِر ... مخطرفٍ للجِلَّةِ البَهَازِر
فَلَمّا غَابَ الراعيان عَنْ أَعيننَا خرجنَا نقتفي آثَار الْإِبِل، حَتَّى قربنا من الْحلَّة فأنخنا فَلَمّا هدأت الرَّجل خرجنَا مصلتين حَتَّى انتهينا إِلَى المبرك فاستُثَرْنا من إطراره صِرْمه فشَلَلْناها ليلتنا، حَتَّى إِذَا انحسر خدرُ اللَّيْل وذرَّ الشُّروقُ إِذَا شبحٌ يهوى إِلَيْنَا هَوِيَّ الْعُقاب، فَمَا ارتدَّ الطَّرفُ حَتَّى أَثْبَتْنَاهُ نَظَرًا، فَإِذا رَجُل عَلَى نَاقَة كَأَنَّهَا ظَبْي صَرَع، قَالَ القَاضِي: الصَّرَع الَّذِي بَيْنَ الْكَبِير وَالصَّغِير، قَالَ الْأَعْشَى يصفُ وَعْلا:
قَدْ يتْرك الدَّهْرُ فِي خَلْقَاءَ راسيةٍ ... وَهْيًا ويُنزِلُ مِنْهَا الأعْصَمَ الصّرَعا
فأيَّةَ بالصِّرمة فانكفأتْ رَاجِعَة، فأقبلنا نَصُورها أَي نَعْطفها ونُمليها كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
وفرعٍ يُصِيرُ الْجِيدَ وحفٍ كَأَنَّهُ ... على اللّيْتِ قِنوانُ الْكُرُوم الدوالحُ
وَقَالَ الشَّاعِر:
وجَاءَتْ خلعةٌ دهسٌ صَفَايا ... يَصُور عُنوقها أحْوَى زَنِيمُ
وَيُقَال أَيْضا: صَار يصير كَمَا قَالَ الشَّاعِر: وَفرع يصير ... الْبَيْت وَقد قرئَ: فَصُرْهُنَّ إِلَيْك وقصرهن.. وَالْمعْنَى الْميل، وَقيل: الْقطع، وَبَيَان هَذَا فِي كتبنَا فِي عُلُوم الْقُرْآن مستقصاة.
رَجَعَ الحَدِيث، وَهِي سُرَع إِلَى تأييهه، فَلَمّا دنا منا قَالَ: خَلِّيا عَنْهَا لَا أم لَكمَا، فَقُلْنَا: وَلَا نُعْمَى عين، وبوأنا لَهُ سَهْمَيْنِ فأقحم من رَاحِلَته كالوعل المذعور، وانتضى سيفَه وثَنّى رَأسه فِي دَرَقته، فوَاللَّه مَا أرسلنَا سهمينا حَتَّى خالطَنَا، فَضرب عُرقوبي نَاقَة صَاحِبي
стр. 101
فغادرها نُكُوس، وأهوى لِلْأُخْرَى فبتر عرقوبها وَهُوَ يَقُولُ:
عَلام أسْقي رَسْلها وأمنحُ ... وأُشبع الضيفَ بهَا وأجرحُ
إِن لَمْ أقاتلْ دُونها وأضرحُ ... عَنْهَا إِذَا خام الكَميُّ الشحشحُ
ثُمَّ قَالَ: استأسرا، فتذامرنا وَإِن أَنْفُسنَا لتنازعا إِلَى مَا قَالَ، فكررنا عَلَيْهِ بأسيافنا فَوَثَبَ وثبات الفهد، فَوقف حُجْرة وفَوَّت النّبل ثُمَّ كرّ رَاجعا، فَضرب درقة صَاحِبي فاقتدَّها، فَلَمّا رَأينَا ذَلِكَ استسلمنا وَقُلْنَا عياذاً بك يَا بن الْكِرَام، فَقَالَ: بمعاذ عُذْتما، وَسَأَلنَا عَنْ أنسابنا فَأَخْبَرنَاهُ، فَقَالَ: ارتدفا عَلَى رَاحِلَتي واصرفا وجهتها شطر مطلع الشَّمْسُ تبلغكما الحيّ، فخبّت بِنَا الناقةُ تهوي لَا تُمَلّكنا من أمرنَا شَيئًا حَتَّى وردتْ بْنا الحَيّ، فكلا وَلَا إِذ أقبل ضَاحِكا كَأَنَّهُ لَمْ تَمْسَسْهُ مشقة، وَقد مَشى مسيرَة لَيْلَة للراكب الْمُجِدّ، فَقَالَ: دونكما الصرمة الَّتِي اطردْتُماها وناقتين من سُرِّ إبلي برحليهما وحملنا وسَرّحنا، فَقَالَ: اسمعا مَا أَقُول لَكمَا، فَقَالَ:
أَقُول لِخَارِبَيْ هَمْدَان لَمّا ... أثارَا صِرمة حُمْرا وعِيسَا
ألم تعلما أَنْ لن تَفُوتا ... وَأَن لن تُعْجِزا اللَّيْث الهَمُوسا
فظنٌ عَاجز أَن تَسْلُباني ... وَمن ذَا يسلب اللَّيْثَ الفَريسا
وَمن دون الَّذِي أملتُماه ... ضِرابٌ يقطُر البطلَ البَليسا
إِذَا أَنَا لَمْ أذدْ عَنْ مدفآتٍ ... فيحدُو بيدَها الحَزْن الشريسا
فَمِمَّ أُجَنِّبُ الأضيافَ ذَمِّي ... إِذَا النكباءُ أوجفت البَئِيسَا
وَمِمَّا أحَسَبُ الْجُمَم اللّواتي ... يظل لَهَا الرِّجَال إِلَى شُوسَا
وَمِمَّا أُنْعِشُ الْعُفّى إِذَا مَا ... ترَاءى وَجهُ دهرهم عُبُوسا
أهيبا خاربي هَمْدان مِنْهَا ... بزُهْر تَطرد الْفقر الضُّرُوسا
وأوبا سَالِمَيْنِ بهَا ولَمّا ... أُثِر لَكمَا النآدَ المَرْمَرِيسا
قَالَ ابْن دُرَيْد: يُرِيد الداهية، قَالَ القَاضِي: أَحسب الجمم مَعْنَاهُ أنيلهم مَا يَكفهمْ يُقَالُ: أحسبني الطَّعَام وَغَيره يحسبني أَن كفاني، وَقَوْلهمْ حَسبك مَعْنَاهُ كافيك، وَقيل فِي قَوْله تَعَالَى: " عَطَاءً حسابا " مَعْنَاهُ عَطاء كَافِيا يَحْسبهُم أَي يكفيهم وَقَوله: الْجُمم جمعُ جُمة وهم الْقَوْم يسْأَلُون فِي الدِّيَة، وَقَوله: شوسًا جمع أشوس وَهُوَ الَّذِي ينظر نظرا شَدِيدا، قَالَ الشَّاعِر:
خَلا أنّ الْعِتَاقَ من المَطَايَا ... أَحْسَن بِهِ فَهُنَّ إِلَيْهِ شُوسُ
وَقَوله: وَمِمَّا أنعش الْعُفّى، معنى أنعش أرفع، وَقَوْلهمْ: نَعشك اللَّه أَي رفعك إِمَّا بسد
стр. 102
خلتك أَوْ بإقالة عَثْرتك وَمَا أشبههما، وَمِنْه قيل لسرير الْمَيِّت نعش لأنَّه يُرفع عَلَيْهِ، وَقَوله: العفّى جمع عاف وَهُوَ السَّائِل للْحَاجة وطالبها، يُقَالُ: عَفا فلَان فلَانا يعفوه إِذَا سَأَلَهُ وَرغب إِلَيْهِ فِي حَاجته، وروى عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ أُحُد " لَوْلَا أنْ يُحْزِن ذَلِكَ نساءُنا لَتَركْنا حَمْزةَ بالعراء تأكلُه عافِيةُ الطّيْر " يُقَالُ: عافٍ وجَماعة عَافِية مثل كَاف وَجَمَاعَة كَافِيَة، وَيُقَال للعافي: معتف، وَهُوَ مفعل مِنْهُ قَالَ الشَّاعِر:
تَرَى حَوْلَهُنَّ الْمُعْتَفين كأنّهُم ... عَلَى صنمٍ فِي الجَاهلية عكّفُ
جمع الْعَافِي أَيْضا عفاة، مثل كَاف وكفاة وسَاق وسقاة وقاض وقضاة فِي أشباه لهَذَا كَثِيرَة جدا، وَمن هَذَا قَول الْأَعْشَى:
تَطُوفُ العفاة بأبوابه ... كَطَوْفِ النّصَارى ببيتِ الوَثَنْ
وَجمع الْعَافِي فِي الشّعْر الَّذِي بلغ فِي هَذَا الْخَبَر عُفى عَلَى وزن فُعّل مثل غاز وغزىً هاد وهُدَّى، قَالَ اللَّه : " أَو كَانُوا غزىً " وَمثله فِي الصَّحِيح رَاكِع ورُكّع وساجِد وسُجّد، قَالَ الراجز يُخَاطب النَّبيّ ﷺ :
إِن قُرَيْشًا أخْلَفُوكَ المَوْعِدَا ... وَنَقضُوا مِيثَاقَكَ الْمُؤَكّدَا
وَقَتَّلُونا رُكّعًا وَسُجْدا
وَقَالَ الله تَعَالَى: " الركع السُّجُود ".
خبر مقتل أبي مُسْلِم صَاحب الدّولة
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن عَرَفَة، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس المَنْصُورِيّ، قَالَ: لمّا قتل أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَنْصُور أَبَا مُسْلِم، قَالَ: رَحِمك اللَّه أَبَا مُسْلِم، بايعتنا وبايعناك، وعاهدتنا وعاهدناك، ووفيتَ لنا ووفينا لَك، وَإِنَّا بايعناك عَلَى أَلا يَخْرُج عَلَيْنَا أحدٌ فِي هَذِهِ الْأَيَّام إِلَّا قَتَلْنَاهُ فخرجتَ عَلَيْنَا فقتلْناك.
ولمّا أَمر الْمَنْصُور بقتْله وَقد دَسّ لَهُ رجَالًا من خاصته، وَقَالَ لَهُمْ: إِذَا سَمِعْتُمْ تصفيقي فاضربُوه، فَضَربهُ شَبِيب بْن داج ثُمَّ ضربه القواد، فَدخل عِيسَى بْن مُوسَى وَقد كَانَ كلّم الْمَنْصُور فِي أمره، فَلَمّا رَآهُ قَتِيلا اسْترْجع، فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور: احْمَد اللَّه تَعَالَى أَنَّك هجمت عَلَى نِعمة وَلم تهجم على مُصِيبَة، فَقَالَ أَبُو دلامة:
أَبَا مُسْلِم مَا غَيّرَ اللَّه نِعْمَةً ... عَلَى عَبده حَتَّى يُغَيِّرُها العبدُ
أَبَا مسلمٍ خَوَّفَتْني القتْل فانتَحى ... عليكَ بِمَا خَوَّفْتِني الأسَدُ الوردُ
خبر للمؤلف مَعَ بَعْض الرؤساء فِي شَأْن أَبْيَات لأبي تَمام
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم الحكيمي، قَالَ: أَخْبرنِي أَحْمَد بْن الْحُسَيْن بْن هِشَام قَالَ: أَنْشدني أَبُو تَمام:
стр. 103
يَقُولُونَ هَلْ يَبْكي الفَتَى لخريدةٍ ... مَتَى مَا أَرَادَ اعْتاضَ عَشْرًا مَكَانَها
وَهل يستعيضُ المرءُ من خمسِ كَفِّه ... وَلَو بُدّلت حُرَّ اللُّجَيْنِ بَنَانُها
وَكَيف عَلَى نارِ اللَّيَالِي مُعَرَّسي ... إِذَا كَانَ شيبُ العارِضيْن دُخَانَها
قَالَ القَاضِي: كَانَ بَعْض رُؤَسَاء الزَّمَان أنْشد بَعْض هَذِهِ الأبيات، فاستحسنها جدا، وَقَالَ - وَنحن بِحَضْرَتِهِ جمَاعَة -: أتعرفون لهَذِهِ الأبيات أَولا؟ فَقلت لَهُ: هَذِهِ كلمة لأبي تَمام مَشْهُورَة أَولهَا:
ألم تَرَني خَلّيتُ نَفْسي وشَأْنها ... فَلم أحَفِلِ الدُّنْيَا وَلَا حَدْثَانَها
لَقَدْ خوفتني الحَادِثاتُ صُرُوفَها ... وَلَو آمنتني مَا قبلتُ أمانُها
وأنشدتهُ مِنْهَا:
يَقُولُونَ هَلْ يَبْكي الفَتَى لخريدة ... إِذا مَا أَرَادَ اعْتاضَ عَشْرًا مَكَانَها
وَهل يستعيضُ المرءُ من خَمْسِ كَفه ... وَلَو صاغ من حُرّ اللُّجَيْنِ بَنَانَها
فطرب عِنْدَ الِانْتِهَاء إِلَى هَذَا وَجعل يردده ويتعايا فه إِلَى أَن حفظه، وَقَالَ: هَذَا ألذُّ من كلِّ شراب وغناء.
الْحُسَيْن يرفض تَزْوِيج زَيْنَب من يزِيد
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الأَنْبَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ أَبِي الْفَضْلِ الْعَبَّاسِ بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمقري الشاذ كوني، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ وَاقِدٍ السُّلَمِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَدَنِيِّ، عَنْ أُمِّ بَكْرِ بِنْتِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى مَرْوَانَ وَهُوَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَهُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ زَيْنَبَ بِنْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَأُمُّهَا أُمُّ كُلْثُومِ بِنْتُ عَلِيٍّ وَأُمُّ أُمِّ كُلْثُومٍ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَيَقْضِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ دَيْنَهُ، وَكَانَ دَيْنُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَيُعْطِيَهُ عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَيُصْدِقَهَا أَرْبَعَ مِائَةَ دِينَارٍ وَيُكْرِمَهَا بِعَشَرَةِ آلافِ دِينَارٍ. فَبَعَثَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ فَأَجَابَهُ، وَاسْتَثْنَى عَلَيْهِ رضى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁، وَقَالَ: لَنْ أَقْطَعَ أَمْرًا دُونَهُ مَعَ أَنِّي لَسْتُ أَوْلَى بِهَا مِنْهُ وَهُوَ خالٌ، وَالْخَالُ وَالِدٌ، قَالَ: وَكَانَ الْحُسَيْنُ ﵁ بِيَنْبُعَ، فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: مَا انْتِظَارُكَ إِيَّاهُ بِشَيْءٍ، فَلَوْ حَزَمْتَ؟ فَأَبَى وَتَرَكَهُ، فَلَمْ يَلْبَثُوا إِلا خَمْسَ لَيَالٍ حَتَّى قَدِمَ الْحُسَيْنُ ﵁، فَأَتَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، فَقَالَ: كَانَ مِنَ الْحَدِيثِ مَا تَسْمَعُ وَأَنْتَ خَالُهَا وَوَالِدُهَا، وَلَيْسَ لِي مَعَكَ أَمْرٌ فَأَمْرُهَا بِيَدِكَ، فَأَشْهَدَ عَلَيْهِ الْحُسَيْنُ جَمَاعَةً بِذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجَ الْحُسَيْنُ ﵁ فَدَخَلَ عَلَى زَيْنَبَ، فَقَالَ: يَا بِنْتَ أُخْتِي إِنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِ أَبِيكِ أَمْرٌ، وَقَدْ وَلانِي أَمْرَكِ وَإِنِّي لَا آلُوكِ حُسْنَ النَّظَرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ يَخْرُجُ مِنَّا غَرِيبَة فأمرك بيَدي، قَالَ: نَعَمْ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، فَقَالَ الْحُسَيْنُ
стр. 104
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تعْمل أَنِّي لَمْ أُرِدْ إِلا الْخَيْرَ، فَقَيِّضْ لِهَذِهِ الْجَارِيَةِ رِضَاكَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى لَقِيَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَأَتَى الْمَسْجِدَ، وَقَدِ اجْتَمَعَتْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو أُمَيَّةَ وَأَشْرَافُ قُرَيْشٍ وهيأوا مِنْ أُمُورِهِمْ مَا يُصْلِحُهُمْ، فَتَكَلَّمَ مَرْوَانُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ يَزِيدَ بْنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يُرِيدُ الْقَرَابَةَ لُطْفًا وَالْحَقَّ عَطْفًا، وَيُرِيدُ أَنْ يَتَلافَى مَا كَانَ صَلاحُ هَذَيْنِ الْحَيَّيْنِ مَعَ مَا يُحِبُّ مِنْ أَثَرِهِ عَلَيْهِمْ، وَمَعَ الْمَعَادِ الَّذِي لَا غِنَاءَ بِهِ عَنْهُ مَعَ رِضَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ فِي ابْنَته مَا قد حَسُنَ فِيهِ رَأْيُهُ، وَوَلَّى أَمْرَهَا خالها الْحُسَيْن ابْن عَلِيٍّ ﵄، وَلَيْسَ عِنْدَ الْحُسَيْنِ خِلافٌ لأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَتَكَلَّمَ الْحُسَيْنُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الإِسْلامَ يَرْفَعُ الْخَسِيسَةَ وَيُتِمُّ النَّقِيصَةَ وَيُذْهِبُ الْمَلامَةَ، فَلا لَوْمَ عَلَى امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلا فِي مَأْثَمٍ، وَإِنَّ الْقَرَابَةَ الَّتِي عَظَّمَ اللَّهُ حَقَّهَا وَأَمَرَ بِرِعَايَتِهَا، وَسَأَلَ الأَجْرَ فِي الْمَوَدَّةِ عَلَيْهَا وَالْمُحَافَظَةَ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَرَابَتُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، وَقَدْ بَدَا لِي أَنْ أُزَوِّجَ هَذِهِ الْجَارِيَةَ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ إِلَيْهَا نَسَبًا وَأَلْطَفُ سَبَبًا، وَهُوَ هَذَا الْغُلامُ، يَعْنِي الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَلَمْ أُرِدْ صَرْفَهَا عَنْ كَثْرَةِ مَالٍ نَازَعَتْهَا نَفْسُهَا وَلا أَبُوهَا إِلَيْهِ، وَلا أَجْعَلُ لامْرِئٍ فِي أَمْرِهَا مُتَكَلَّمًا، وَقَدْ جعلت مهرهَا كَذَا وَكَذَا، فَلَمَّا فِي ذَلِكَ سَعَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَغَضِبَ مَرْوَانُ، وَقَالَ: أَغَدْرًا يَا بَنِي هَاشِمٍ؟ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، فَقَالَ: مَا هَذِه بأبادي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَكَ، وَمَا غِبْتَ عَمَّا تَسْمَعُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ الْخَبَرَ حَيْثُ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ وَأَعْلَمْتُكَ أَنِّي لَا أَقْطَعُ أَمْرًا دُونَهُ، فَقَالَ الْحُسَيْنُ: عَلَى رِسْلِكَ أَقْبِلْ عَلَيَّ، فَأَوَّلُ الْغَدْرِ مِنْكُمْ وَفِيكُمْ، انْتَظِرْ رُوَيْدًا حَتَّى أَقُولَ، نَشَدْتُكُمُ اللَّهَ أَيُّهَا النَّفَرُ ثُمَّ أَنْتَ يَا مِسْوَرُ بْنَ مَخْرَمَةَ، أَتَعْلَمُ أَنَّ حَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ خَطَبَ عَائِشَةَ بِنْتَ عُثْمَانَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمِثْلِ هَذَا الْمَجْلِسِ مِنَ الإِشْفَاءِ عَلَى الْفَرَاغِ، وَقَدْ وَلَّتْكَ يَا مَرْوَانُ أَمْرَهَا، قُلْتَ: إِنَّهُ قَدْ بَدَا لِي أَنْ أُزَوِّجَهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، هَلْ كَانَ ذَلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ يَعْنِي الْمِسْوَرَ، قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَقَالَ مَرْوَانُ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ وَأَنَا أُجِيبُكَ وَإِنْ كُنْتَ لَمْ تَسْأَلْنِي، قَالَ الْحُسَيْن: فَأَنت مَوْضِعُ الْغَدْرِ.
عَمْرو بْن حُريث يتَزَوَّج ابْنَة عَدِيّ بْن حَاتِم عَلَى حُكمه
حَدَّثَنَا ابْن دُرَيْد: قَالَ: حَدَّثَنِي عمي، عَنْ أَبِيه، عَنِ ابْن الْكَلْبِيّ، عَنْ مُحَمَّد بْن سليم أبي هِلَال الرَّاسِبِي، عَنْ حُمَيْد بْن هِلَال الْخُدْري، قَالَ: خطب عَمْرو بْن حُرَيْثٍ إِلَى عَدِيّ بْن حَاتِم فَقَالَ: لَا أزَوجك إِلَّا عَلَى حكمي، فَرجع عَمْرو وَقَالَ: امْرَأَة من قُرَيْش عَلَى أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم أعجب إليَّ من امْرَأَة من طييء على حكم أَبِيهَا، فَرجع ثمَّ أَبَت نَفسه فَرجع إِلَيْهِ، فَقَالَ: على حكمي؟ قَالَ: نعم، فَرجع عَمْرو بْن حُرَيْثٍ فَلم ينم ليلته مَخَافَة أَن يَحْكم عَلَيْهِ بِمَا لَا يُطيق، فَلَمّا أصبح بعث إِلَيْهِ أنْ عَرّفْني مَا حكمتَ بِهِ عليّ، فَأرْسل إِلَيْهِ: إِنِّي حكمتُ بِأَرْبَع مائَة دِرْهَم وَثَمَانِينَ درهما سنة رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فَبعث إِلَيْهِ بِعشْرَة آلَاف
стр. 105
دِرْهَم وَكِسْوَة فردّها وفرّق الثِّيَاب فِي جُلَسَائِهِ، وَقَالَ:
يرى ابنُ حُرَيْثٍ أنَّ هَمِّيَ مَالُهُ ... وَمَا كُنْتُ موصُوفًا بحبِّ الدَّراهمِ
وَقَالَت قُريش لَا تحكِّمه إِنَّه ... عَلَى كلِّ مَا حَال عَدِيُّ بْنُ حَاتِم
فَيذْهب مِنْك المالُ أولَ وهْلة ... وحَمَامَها والنَّخْل ذَاتَ الكمائم
فقلتُ معَاذَ اللَّه من ترك سنةٍ ... جَرَت من رَسُول الله واللهُ عاصمي
وَقلت مَعَاذَ الله من سُوءِ سُنة ... يحدِّثها الركْبَان أَهْلَ المواسمِ
بَيْنَ حَفْص بْن غياث القَاضِي وَأبي الديك الْمَعْتُوه
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن زِيَاد الْمقري، قَالَ: أَخْبَرَنَا القَتَّات بِالْكُوفَةِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْم، قَالَ: كنتُ جَالِسا عِنْدَ حَفْص بْن غياث بَعْدَ أَن وُلّي الْقَضَاء، فَدخل عَلَيْهِ أَبُو الديك الْمَعْتُوه وَكَانَ ذَاهِب الْعقل مُحتالا للمعاش، وَكَانَ دُخُوله فِي يَوْمَ من أيّام الشتَاء شَدِيد الْبرد فَرَآهُ حافيًا حاسرًا فرحمه، فَدَعَا الْجَارِيَة فسارّها فَجَاءَتْهُ بعمامة وخفين، فَقَالَ: ارفعيه إِلَى أَبِي الديك، قَالَ: فلفّ الْعِمَامَة عَلَى رَأسه وَلبس الْخُفَّ ثُمَّ قَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأخذ قَمِيصه وَكَانَ خَلِقًا رثاًُ فَجَال بإصبعه ثُمَّ قَالَ: أَيهَا القَاضِي! جَزَاك اللَّه عَنِ الْأَطْرَاف خيرا، وحَرّك قَمِيصه بإصبعه أَي انْظُر إِلَى قَمِيصِي ورقّته ورثاثته، فَضَحِك حَفْص بن غياث ثُمَّ قَامَ فَدخل ثُمَّ خرج وَقد خلع الْجُبة الَّتِي عَلَيْهِ وقميصها، وَلبس غَيرهمَا وَأمر بدفعهما إِلَى أبي الديك فلبسهما أَبُو الديك ثُمَّ قَالَ: أَيهَا القَاضِي! يحْكى أنَّ عَبْد الْملك ابْن مَرْوَان قَالَ لبَعض وَلَده: أَي الثِّيَاب أعجب إِلَيْكَ؟ قَالَ: مَا رأيتهُ عَلَى غَيْرِي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَ: فَأَي الرِّجَال اخترتَ لنَفسك؟ قَالَ: أحْسنهم اخْتِيَارا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. وَقد اخْتَرْت لنَفسك أَيهَا القَاضِي الثَّوَاب وَحسن الثَّنَاء وسررت أَبَا الديك كلّ السرُور إِلَّا قُطيرة، فَقَالَ لَهُ حَفْص: يَا أَبَا الديك! وَمَا الْقُطيرة؟ قَالَ: شَيْءٍ أنصرف بِهِ إِلَى عيالي، قَالَ: حَفْص: حُبًّا وكرامة، وَالله مَا فِي منزلي ذَهَبٌ وَلَا فضَّة وَلَكِن أستقرض لَك، يَا غُلَام! قل لفُلَان أقرضنا دِينَارا أدفعه إِلَى أَبِي الديك، قَالَ: يَقُولُ لَهُ أَبُو الديك: أَيهَا القَاضِي! وَالله مَا أجد لَك مَثَلا إِلَّا قَول الشَّاعِر:
يُعيِّرني بالدَّيْنِ قَوْمِي وَإِنَّمَا تَقَرّضت فِي أشياءَ تُكْسِبْهُمْ مَجْدَا
وَقَول صَاحبه:
وَمَا كنتَ إِلَّا كالأصَمِّ بْن جعفرٍ ... رَأَى المالَ لَا يَبْقى فأبْقَى بِهِ حمْدا
الْمجْلس الْخَامِس عَشْر
قَول الرَّسُول فِي مُخَاطبَة قَتْلَى بدر
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُبَشِّرٍ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا
стр. 106
نَصْرُ بْنُ حَمَّادٍ الْبَجَلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَتْلَى بَدْرٍ فَقَالَ: " جَزَاكُمُ اللَّهُ عَنِّي مِنْ عِصَابَةٍ شَرًّا، فَقَدْ خَوَّنْتُمُونِي أَمِينًا وَكَذَّبْتُمُونِي صَادِقًا، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ فَقَالَ: هَذَا أَعْتَى عَلَى اللَّهِ مِنْ فِرْعَوْنَ، إِنَّ فِرْعَوْنَ لَمَّا أَيْقَنَ بِالْهَلَكَةِ وَحَّدَ اللَّهَ ، وَإِنَّ هَذَا لَمَّا أَيْقَنَ بِالْهَلَكَةِ دَعَا بِاللاتِ وَالْعُزَّى ".
قَالَ القَاضِي: وَفِي هَذَا الْخَبَر مَا ينبّه أولي الْأَلْبَاب من الْمُؤمنِينَ عَلَى نعْمَة اللَّه عَلَيْهِمْ فِي هدايته إيَّاهُم إِلَى الْإِيمَان بِهِ، وتوفيقهم لتصديق نبيه، وَالْإِقْرَار بِصِحَّة نبوته، الِاعْتِرَاف بوفور أَمَانَته، والإذعان لاتّباعه وَالْجد فِي طَاعَته، وأنْ بَصّرهم من دينه مَا عَمِي عَنْهُ أعداؤُه، وعَصمهم من الضَّلَالَة الَّتِي هلك فِيهَا عُصاة عباده، وعتاة خلقه، فَالْحَمْد لله عَلَى نعْمَته عَلَيْنَا فِي ديننَا ودنيانا، وَله الشُّكْر عَلَى إحسانه إِلَيْنَا فِي جَمِيع شئوننا، وَنَظره لَنَا فِيمَا يُصْلِحنَا، وَيعود عَلَيْنَا بالفوز فِي معادنا، والنجاة من العطب يَوْمَ حشرنا.
جَارِيَة ظريفة ترد عَلَى أَبِي الشعْثَاء حِين أخْبرهَا بحبه
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا الرياشي، عَنِ ابْن سَلام، قَالَ: أَخْبرنِي عليّ بْن هِشَام أَوْ من أَخْبرنِي عَنْ عليّ بْن هِشَام، قَالَ: كَانَ بِالْكُوفَةِ رَجُل يكنى أَبَا الشعْثَاء، عفيفا مَزَّاحًا، وَكَانَ يدْخل عَلَى سُراة أَهْلَ الْكُوفَة، فمزح مَعَ جَارِيَة لبَعْضهِم وأخبرها أَنَّهُ يهواها، وَكَانَ شاعرة ظريفة، فَقَالَت:
لأبي الشّعْثَاء حب باطنٌ ... لَيْسَ فه تُهْمةٌ للمتهمْ
يَا فُؤَادِي فازدْجِرْ عَنْهُ وإنْ ... عَبَثَ الحبُّ بِهِ فاقْعُدْ وقمْ
جَاءَنِي مِنْهُ كَلَام صائبٌ ... ورسالاتُ المحبِيِّن الكَلِم
صائدٌ تأمنه غزلانه ... مثل مَا تأمن غزلانُ الحَرَمْ
صَلِّ إِن أحببتَ أَن تُعْطى المنى ... يَا أَبَا الشعْثَاء لله وصمْ
ثمَّ ميعادك بعد الْمَوْت فِي ... جَنَّة الْخُلْد إِن اللَّهُ رحمْ
حَيْثُ نلقاك غُلَاما ناشئاً ... كلَاما قَدْ كَمُلت فِيك النِّعَم
ابْن الزُّبَيْر يغضبُ من ابْني الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمطلب
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَامر بْن عِمْرَانَ أَبُو عِكْرمة الضَّبِّيّ، قَالَ: دَخَلَ عَبْد اللَّه بْن صَفْوَان عَلَى عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر، فَقَالَ: أَنْت وَالله كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
إِن تُصبك من الْأَيَّام جائحةٌ ... لَمْ نَبْكِ مِنْك عَلَى دُنْيَا وَلَا دينِ
قَالَ: وَمَا ذَاك؟ قَالَ: هَذَان ابْنا الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمطلب، أَحدهمَا يُفتي النّاس فِي دينهم
стр. 107
وَالْآخر يطعم فَمَا بَقَّيَا لَك، فَأرْسل إِلَيْهِمَا: إنَّكُمَا تريدان أَن ترفعا رايةً قَدْ وَضعهَا اللَّه، ففرقا مَنْ قِبَلكما من مُرَّاقِ الْعرَاق، فَقَالَ عَبْد اللَّه: أَي الرجلَيْن نطردُ عَنَّا؟ أقابس عَلَمُ أم طَالِب نَيْلُ، وَبلغ الْخَبَر أَبَا الطُّفَيْل، فَقَالَ:
لَا درَّ دَرُّ اللَّيَالِي كَيْفَ يُضحِكُنا ... مِنْهَا عجائبُ أنباءٍ وتُبكينا
مثل مَا تَحِدثُ الْأَيَّام من عجبٍ ... وَابْن الزُّبَيْر عَنِ الدُّنْيَا يُلَهِّينا
كُنَّا نَجيء ابْن عباسٍ فيُقْبِسنا ... علما ويُكسْبنا أجرا ويَهدينا
وَلَا يزالُ عُبَيْد اللَّه مُتَرْعةً ... جِفَانُه مُطْعِمًا ضَيفًا وَمِسْكينًا
فالدِّينُ وَالْعلم وَالدُّنْيَا ببابهما ... ننالُ مِنْهَا الَّذِي شِئْنَا إِذَا شينا
فَفِيمَ تَمْنَعنا مِنْهُم وتَمْنَعُهم ... منا وتؤذيهم فِينَا وتُؤْذينا
إِن الرَّسُول هُوَ النُّور الَّذِي كشفت ... بِهِ عَمَايَةُ ماضينا وبَاقِينا
وأهلُه عصمةٌ فِي ديننَا وَلَهُم ... حقٌّ عَلَيْنَا وحقٌّ وَاجِب فِينَا
ولستَ فاعلمْ بالأوْلَى بِهِ نَسَبَا ... يَا بن الزُّبَيْر وَلَا الأوْلَى بِهِ دِينا
لن يَجْزِيَ اللَّه من أجْزى لبُغضهم ... فِي الدِّين عِزًّا وَلَا فِي الأَرْض تَمْكِينا
زواج شُرَحْبِيل بْن الْحَارِث الغساني
من مية بنت عَمْرو ثمَّ تطليقه لَهَا بِأَمْر أَبِيهِ
حَدَّثَنَا ابْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا السكن بْن سَعِيد، عَنْ مُحَمَّد بْن عَبّاد، عَنِ ابْن الْكَلْبِيّ، قَالَ: قدم شُرَحْبِيل بْن الْحَارِث الغسّاني - وَكَانَ من أهل بَيت الْملك - موسمًا من مواسم الْعَرَب، وَحَضَرت ذَلِكَ الْعَام بَكْر بْن وَائِل، فَخَطب شرحبيلُ مَيَّة بْنت عَمْرو بْن مَسْعُود بْن عَامر بْن عَمْرو ابْن أبي ربيعَة بْن ذُهل بن شَيبَان وَهُوَ أَصمّ بني ربيعَة، فَقَالَ لَهُ أَبوهَا: هِيَ لَك وقومها بِيَدِك، فوَاللَّه مَا فِي غَسَّان ملك أحبّ إليَّ صهرًا مِنْك، فأنكحه إِيَّاهَا، فاحتملها شُرَحْبِيل إِلَى أَبِيه الْحَارِث بْن مرّة، فَكَانَت مَعَهم وانقطعت إِلَيْهِم بَكْر بْن وَائِل وَذَلِكَ فِي أيّام الطوائف قبل ملك بني نصر بِالْحيرَةِ، فَبينا هُوَ نَائِم ذَات لَيْلَة هِيَ بَيْنَ يَدَيْهِ، إِذْ أقبل أسودُ سالخ يهوى إِلَى الْفَتى فاتحًا فَاه والسِّراج تُزهر، حَتَّى إِذَا أَهْوى إِلَيْهِ أخذت بحلقه فخنقته حَتَّى مَاتَ، ثُمَّ جعلتْه بَيْنَ أثْنَاء الْفراش، وَكَانَ أَبُوهُ إِذَا أصبح غَدا عَلَيْهِ هُوَ وَأمه تَعْظِيمًا لَهُ، ثُمَّ يَأْتِيهِ النّاس فيسلمون عَلَيْهِ فَلَمّا اجْتمع النّاس أهوت إِلَى الْأسود فأخرجتْه مَيتا، فذعر الشَّيْخ فَقَالَ: من قتل هَذَا؟ فَقَالَت: أَنَا قتلتُه وَلَو كَانَ أشدّ مِنْهُ لقتلته، فَقَالَ: يَا شُرَحْبِيل خلِّ عَنْهَا، فَهِيَ - وأبيها - للرِّجَال أقتل، فكره شُرَحْبِيل أَن يَعْصِي أَبَاهُ فَسَار بهَا وبمالها حَتَّى إِذَا دنا من أَرض بَكْر بْن وَائِل بعث مَعهَا من يُلحقها
стр. 108
بقومها، فَقَالَت: لَو مضيت بَين إِلَى أَبِي كَانَ أحبّ إليَّ، فَقَالَ: واسوءَتاه! أنظر إِلَى أَبِيك وَقد طلقتُك فِي غَيْر ذَنْب، فَقدمت إِلَى أَبِيهَا، فَدَعَا قبيصَة ابْن هَانِئ بْن مَسْعُود فَأَنْكحهَا إِيَّاه، فَقَالَ شُرَحْبِيل:
أوزجتني غَرّاءَ من خَيْر نسوةٍ ... نَماها إِلَى العلياء عَمْروٌ وعامرُ
فَلَمّا مَلَأت صَدْرِي سُرورا وبهجة ... عزمتَ بحقٍّ لَيْسَ لي فِيهِ عاذرُ
فطلقتها من غَيْر ذَنْب أَتَتْ بِهِ ... إليَّ سوى أنِّي بميَّة غادرُ
سَرَى فِي سَواد اللَّيْل أسودُ سالخٌ ... إليَّ وَقد نَامَتْ عيونٌ سَوامِرُ
فأهوت لَهُ دون الْفراش بكفها ... فَأصْبح مقتولاً فَهَل أَن شاكرُ
فَقَالَ أَبوهُ:
لَعَمْري لَئِن طَلقتهَا إِن مثلهَا ... إِذَا طلب الْقَوْم من النِّسَاء قَلِيل
ولكنني حاذرتُها أَن تُعِيدَها ... فتصبحَ محجوبًا وَأَنت قَتِيل
وَأصْبح فِي غَسَّان أبْكِي بعبرةٍ ... عَلَيْكَ ورُزئي عِنْدَ ذَاك جليل
من مخارج أَبِي يُوسُف الفقيهة
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أبي الْأَزْهَر، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن إِسْحَاق المَوْصِليّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدثنِي بِشْر بْن الْوَلِيد وَسَأَلته من أَيْن جَاءَ؟ قَالَ: كنت عِنْدَ أبي يُوسُف يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم القَاضِي، وَكُنَّا فِي حَدِيث طريف، قَالَ: فَقلت لَهُ: حَدَّثَنِي بِهِ قَالَ: قَالَ لي يَعْقُوب: بَينا أَنَا البارحة قَدْ أويتُ إِلَى فِرَاشِي، فَإِذا داقٌّ يدق الْبَاب دقًّا شَدِيدا، فأخذتَ عليّ إزَارِي وخرجتُ، فَإِذا هرثمةُ بْن أعْينُ فسلّمتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: أجِبْ أَمِير الْمُؤمنِينَ، قلت: يَا أَبَا حَاتِم! لي حُرمة وَهَذَا وقتٌ كَمَا ترى، ولمت آمن أَن يكون أَمِير الْمُؤمنِينَ دَعَاني لأمر من الْأُمُور، فَإنَّك أمكنك أَن تدفع بذلك إِلَى غدٍ فلعلّه أَن يَحْدُثَ لَهُ رَأْي، فَقَالَ: مَا إِلَى ذَلِكَ سَبِيل، قلت: فَمَا كَيْفَ كَانَ السَّبَب؟ قَالَ: خَرَجَ إليَّ مسرور الْخَادِم فَأمرنِي أَن آتِي أَمِير الْمُؤمنِينَ بك، قلت: تَأذن لي أَن أصبَّ عليَّ مَاء وأتحنَط، فَإِن كَانَ أمرٌ من الْأُمُور كنت قَدْ أَجدت وأحكمت أَمْرِي، وَإِن رَزَقَ اللَّه تَعَالَى الْعَافِيَة فَلَنْ يضرّ، فَأذن لي فَدخلت فَلبِست ثيابًا جدداً وتطيبتُ بِمَا أمكن من الطِّيب، ثُمَّ خرجنَا حَتَّى أَتَيْنَا دَار أَمِير الْمُؤمنِينَ الرشيد، فَإِذا مسرور وَاقِف فَقَالَ لَهُ هَرْثمة: قَدْ جئتُ بِهِ، فَقلت لمسرور: يَا أَبَا هَاشم! خدمتي وحُرمتي وميلي، وَهَذَا وقتٌ ضيق، لِمَ طلبني أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: لَا، قلت: فَمن عِنْدَهُ؟ قَالَ: عِيسَى بْن جَعْفَر، قلت: وَمن؟ قَالَ: مَا عِنْدَهُ ثَالِث، قَالَ: مُرّ، فَإِذا صرت فِي الصحن فأتْه فِي الرواق وَهُوَ ذَاك جالسٌ، فحرِّك رجلَك بِالْأَرْضِ فَإِنَّهُ سيسألُك، فَقل لَهُ: أَنَا، فجئتُ فَفعلت، قَالَ: من هَذَا؟ قلت: يَعْقُوب، قَالَ: ادخل، فدخلتُ فَإِذا هُوَ جالسٌ وَعَن
стр. 109
يَمِينه عِيسَى بْن جَعْفَر، فَسلمت فَرد عليّ السّلام، وَقَالَ: أظننا رَوَّعناك؟ قلت: إِي وَالله وكذاك من خَلْفي، قَالَ: اجْلِسْ فجلستُ حَتَّى سكن رُوعي، ثُمَّ الْتفت إليَّ فَقَالَ: يَا يَعْقُوب تَدْرِي لَمْ دَعوتُك؟ قلت: لَا. قَالَ: دعوتُك لأشهدك عَلَى هَذَا، إِن عِنْدَهُ جَارِيَة سَأَلْتُهُ أَن يَهَبَها لي فَامْتنعَ، وسألتُه أَن يَبِيعهَا فَأبى، وَوَاللَّه لَئِن لَمْ يفعل لأقتلنّه، قَالَ: فالتفتُّ إِلَى عِيسَى، فَقلت: وَمَا بلغ اللَّه بِجَارِيَة تمنعُها أَمِير الْمُؤمنِينَ وتُنزل نَفسك هَذِهِ الْمنزلَة؟ قَالَ: فَقَالَ: عَجِلتَ عليّ فِي القَوْل قَبْلَ أَن تعرف مَا عِنْدِي؟ قلت: وَمَا فِي هَذَا الْجَواب؟ قَالَ: إِن عليّ يَمِينا بِالطَّلَاق والْعِتاق وصَدَقَة مَا أملك أَلا أبيع هَذِهِ الْجَارِيَة وَلَا أهبها، فَالْتَفت الرشيدُ فَقَالَ: هَلْ لَهُ فِي ذَلِكَ مَخْرَج؟ قلت: نَعَمْ، يَهَبُ لَك نِصْفها ويَبِيعُك نِصْفَها، فَيكون لَمْ يهب وَلم يَبع، قَالَ عِيسَى: ويجوزُ ذَلِكَ؟ قلت: نَعَمْ، قَالَ: فأُشْهِدك أَنِّي قَدْ وهبت لَهُ نِصْفَها وبعتُه النّصْف الْبَاقِي بِمِائَة ألف دِينَار، فَقَالَ: الْجَارِيَة، فأتيَ بالجارية وبالمال، فَقَالَ: خُذْها يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بَارك اللَّه لَك فِيهَا، قَالَ: يَا يَعْقُوب؟ بقيتْ وَاحِدَة، قلت: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: هِيَ مَمْلُوكَة وَلَا بدّ أَن تُستبرأ، وَوَاللَّه لَئِن لَمْ أبِت مَعهَا لَيْلَتي إِنِّي لأظُنُّ نَفْسي ستخرج، فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ تعتقها وتتزوجها فَإِن الْحرَّة لَا تُستبرأ، قَالَ: فإنيّ قَدْ عتقْتُها فَمن يُزَوِّجنيها؟ قلت: أَنَا، قَالَ: فافعل، فَدَعَا بمسرور الْخَادِم وحسين فخطبتُ فحمدت اللَّه وزوجَّته عَلَى عشْرين ألف دِينَار، ودعا بِالْمَالِ وَدفعه إِلَيْهَا، ثُمّ قَالَ: يَا يَعْقُوب؟ انْصَرف، وَرفع رَأسه إِلَى مسرور فَقَالَ: يَا مسرور؟ قَالَ لبيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَ: احْمِلْ إِلَى يَعْقُوب مِائَتي ألف دِرْهَم وَعشْرين تختًا ثيابًا، فحُمِل ذَلِكَ معي. قَالَ: فَقَالَ بِشْر بْن الْوَلِيد: فالتفتَ إليَّ يَعْقُوب فَقَالَ: هَلْ رَأَيْت بَأْسا فِيمَا فعلتُ؟ قلت: لَا، قَالَ: فَخذ مِنْهَا حَقك، قَالَ: وَمَا حَقِّي؟ قَال: الْعُشْر. فشكرتُه ودعوت لَهُ، ذهبت لأَقوم فَإِذا بِعَجُوزٍ قَدْ دخلتْ فَقَالَت: يَا أَبَا يُوسُف؟ ابْنَتك تُقرِئُك السّلام وَتقول لَك وَالله مَا وصل إليَّ فِي لَيْلَتي هَذِهِ من أَمِير الْمُؤمنِينَ سوى الْمهْر الَّذِي قَدْ عرفتَه، وَقد حملتُ إِلَيْكَ النّصْف مِنْهُ وخلّفت الْبَاقِي لمّا أحتاج إِلَيْهِ فَقَالَ: رديه فوَاللَّه لَا قبلتها، أخرجتُها من الرِّق وزوجتها أَمِير الْمُؤمنِينَ وترضى لي بِهَذَا، فَلم نَزَلْ نَطلب إِلَيْهِ أَنَا وعَمّتي حَتَّى قِبِلَها وَأمر لي بِأَلف دِينَار.
إِسْقَاط اسبتبراء الْأمة وتولية عقد نِكَاحهَا
قَالَ القَاضِي: إِسْقَاط أبي يُوسُف الِاسْتِبْرَاء فِي هَذَه الْمَسْأَلَة هُوَ مذْهبه وَمذهب من تقدمه وَمن اتبّعه من أَصْحَابه، فَأَما مذهبُ الْجُمْهُور من الْحِجَازِيِّينَ وَغَيرهم فعلى أَن الِاسْتِبْرَاء هَا هُنَا باقٍ بِحَالهِ، وأمّا تَوَلِّيه عَقْدَ نِكَاح هَذِهِ الْمُعتقَة فَإِن مَذْهَب أبي يُوسُف ومتقدمي أَصْحَابه من أَهْلَ الْعرَاق ومتأخريهم أَن مَوْلَى الْأمة الْمُعْتِق لَهَا أولى بِعقد النِّكَاح لَهُ وَلغيره عَلَيْهَا، وَمذهب عَامَّة أَهْلَ الْعلم من الْحِجَازِيِّينَ وَغَيرهم من الشاميين والعراقيين - وَكَانَ الشّافعيّ يرى أَنَّهُ يعْقد عَلَيْهَا النِّكَاح لغيره وَلَا يعقده لنَفسِهِ - وَأَنه إِذَا أَرَادَ أَن
стр. 110
يَتزوجها تولّى العقدَ لَهُ عَلَيْهَا الْحَاكِم، وَرَأَيْت أَبَا جَعْفَر شَيخنَا ﵀ قَدْ أفتى بِهَذَا فِي مسَائِله، وَالْقَوْل الأوّل أولى بِالْحَقِّ عِنْدِي وأشبه بقوله، وَبَيَان هَذَا الْبَاب وَشَرحه مستقصًى فِيمَا رسمناه من كتبنَا فِي الْفِقْه، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق.
عمَّة مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن عِيسَى تستشفع لَهُ لَدَى المعتضد
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ: كَانَ مَعَ المعتضد أعرابيٌّ فصيح يُقَالُ لَهُ شعلة بْن شهَاب الْيَشْكُرِي، وَكَانَ يأنس بِهِ فَأرْسلهُ إِلَى مُحَمَّد بْن عِيسَى بْن شيخ وَكَانَ عَارِفًا بِهِ ليرغّبه فِي الطَّاعَة ويُحَذره الْعِصْيَان ويرفق بِهِ، فَقَالَ شعلة بْن شهَاب فصرت إِلَيْهِ فخاطبته أقرب خطاب فَلم يجبني، فوجهت إِلَى عمته أم الشريف فصرت إِلَيْهَا فَقَالَت: يَا أَبَا شهَاب! كَيْفَ خلفت أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَقلت: خلفتهُ وَالله أمارًا بِالْمَعْرُوفِ فَعّالا للخير، متعزّزًا عَلَى الْبَاطِل متذلِّلا للحقّ، لَا تَأْخُذهُ فِي اللَّه لومة لائم، فَقَالَت لي: أهل ذَلِك هُوَ مُسْتَحقّه ومستوجبهُ، وَكَيف لَا يكون كَذَلِك وَهُوَ ظلُّ اللَّه الْمَمْدُود على بِلَاده، وخليفته عَلَى عباده، وأعزّ بِهِ دينه، وَأَحْيَا بِهِ سنُته، وَثبتت بِهِ شرائعه، ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَا شهَاب فَكيف رَأَيْت صاحبنا؟ قلت: رَأَيْت حَدَثًا معجبًا قَد استحوذ عَلَيْهِ السُّفَهَاء واستبدّ بآرائهم وأنصت لأفواههم، يزخْرفون لَهُ الْكَذِب ويُوردونه النَّدَم، فَقَالَت: هَلْ لَك أَن ترجع إِلَيْهِ بكتابي قَبْلَ لِقَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ، فلعلك تَحُلُّ عقدةَ السُّفَهَاء؟ قَالَ: قلت: أَجلْ، فَكتبت إِلَيْهِ كتابا حسنا لطيفاً معجبًا أجزلتْ فِيهِ الموعظة وأخلصت فِيهِ النَّصِيحَة بِهذه الأبيات:
اقبل نصيحةَ أُمٍّ قلبُها وَجِلٌ ... عَلَيْكَ خوفًا وإشفاقاً وَقل سدداً
وَاسْتعْمل الْفِكر فِي قولي فَإنَّك إنْ ... فكّرتَ ألفيتَ فِي قولي لَك الرَّشَدا
وَلَا تثق بِرِجَال فِي قلوبهمُ ... ضغائن تبعثُ الشنآن والحَسَدا
مثل النعاج خمولا فِي بُيُوتهم ... حَتَّى إِذَا أمنُوا ألفيتَهم أسْدا
وداوِ داءك والأدواء مُمكنَة ... وَإِذ طبيبك قَدْ ألْقى إِلَيْكَ يَدَا
أعْط الْخَلِيفَة مَا يَرْضِيه مِنْك وَلَا ... تمْنعه مَالا وَلَا أَهلا وَلَا ولدا
وارددْ أَخا يشْكر ردًّا يكونُ لَهُ ... رِدْءا من السوءِ لَا تُشْمِتْ بِهِ أحدَا
قَالَ: فَأخذت الكتابَ وصرت بِهِ إِلَى مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن عِيسَى، فَلَمّا نظر فِيهِ رمى بِهِ إليَّ ثُمَّ قَالَ: يَا أَخا يشْكر مَا بآراء النِّسَاء تتمُّ الْأُمُور، وَلَا بعقولهنّ يُسَاسُ الْملك، ارْجع إِلَى صَاحبك. فَرَجَعت إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فَأَخْبَرته الْخَبَر عَلَى حقِّه وَصدقه، فَقَالَ: وَأَيْنَ كتابُ أم الشريف؟ فدفعتُه إِلَيْهِ فقرأه وَأَعْجَبهُ شعرهَا، ثُمَّ قَالَ: وَالله إِنِّي لأرج أَن أشفّعها فِي كثير من الْقَوْم، فَلَمّا كَانَ من فتح آمد مَا كَانَ، أرسل المعتضد فَقَالَ: يَا شُعلة! هَلْ عِنْدَك عَلَمُ من أم الشريف؟ قَالَ: قلت لَا وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَ: فَامْضِ مَعَ هَذَا الْخَادِم فَإنَّك
следующие страницы →