← Адаб

Адаб · id 7301

الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي

المعافى بن زكريا

Полный текст (740 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ذاكرها ليستوفي النَّاظر فِي كتاب هَذَا الْأَمريْنِ جَمِيعًا بِمَشِيئَة اللَّه وعونه. حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن دَاوُد بْن سُلَيْمَان النَّيْسَابُوريّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن سهل السّامري بفلسطين، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ الإِمَام، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْخَلِيل، قَالَ: أَخْبرنِي رُوح بْن حَرْب السِّمْسار، قَالَ: كنت فِي دَار الطيالسة فَإِذا الْهَيْثَم بِهِ عَدِيّ حَاضر، قَالَ: سَمِعت مُحَمَّد بْن أبي ليلى يَقُولُ: كنت يَوْمَا فِي مجْلِس الْقَضَاء فوردت على عَجُوز وَمَعَهَا جَارِيَة شَابة، قَالَ: فَذَهَبت الْعَجُوز تَتَكَلَّم قَالَ: فَقَالَت الشَّابَّة: أصلح اللَّه القَاضِي، مُرْها فلتسكُتْ حَتَّى أتكلمَ بحُجّتي وحُجّتِها، فَإِن لحنتُ بِشَيْء فلتردَّ عليّ، فَإِن أذِنْتَ لي سَفَرْت، قَالَ: فَقلت: أسفري، قَالَ: فَقَالَت الْعَجُوز: إِن سَفَرَتْ قضيتَ لَهَا عليّ، قَالَ: قلت: أسْفِري، فأسْفَرت وَالله عَنْ وَجْهٍ مَا ظننتُ أَن يكون مثله إِلَّا فِي الْجنَّة، فَقَالَت: أصلح اللَّه القَاضِي، هَذِهِ عَمّتي، مَاتَ أبي وَتَرَكَنِي يتيمة فِي حجرها فربتني فأحسنت التربية، حَتَّى إِذَا بلغتُ مبلغ النِّسَاء قَالَتْ: يَا بنية! هَلْ لَك فِي التَّزْوِيج؟ قلت: مَا أكره ذَلِكَ يَا عمَّة، هَكَذَا كَانَ؟ قَالَت الْعَجُوز: نَعَمْ. قَالَتْ فخطبني وُجُوه أَهْلَ الْكُوفَة فَلم ترض لي إِلَّا رَجُلا صيرفيًّا فزوجتني، فَكُنَّا كأننا ريحانتان مَا يظنّ أَن اللَّه تَعَالَى خَلَق غَيْرِي، وَلَا أظنّ أَن اللَّه خَلْقٌ غَيره، يَغْدوُ إِلَى سُوقه وَيروح عليّ بِمَا رزقه اللَّه، فَلَمّا رَأَتْ الْعمة موقعه مني وموقعي مِنْهُ حَسَدَتْنا عَلَى ذَلِكَ، قَالَتْ: فَكَانَت لَهَا ابْنَة فسَوَّقْتها وهيأتها لدُخُول زَوجي عليّ فَوَقَعت عينه عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهَا: يَا عَمَّة! هَلْ لَك أَن تزوجيني ابْنَتك؟ قَالَتْ: نَعَمْ بِشَرْط، قَالَ لَهَا: وَمَا الشَّرْط؟ قَالَتْ: تُصَيَّر أَمر ابْنَة أخي إليَّ، قَالَ: قَدْ صيرتُ أمرهَا إِلَيْكَ، قَالَتْ: فَإِنِّي قَدْ طلقتُها ثَلَاثًا بتَّةً، وزوجت ابْنَتهَا من زَوجي، فَكَانَ يَغْدُو عَلَيْهَا وَيروح كَمَا كَانَ يَغْدُو عليّ وَيروح. فَقلت لَهَا: يَا عمَّة! تأذنين لي أَن أنتقل عَنك، قَالَتْ: نَعَمْ، فانتقلت عَنْهَا، قَالَتْ: وَكَانَ لعمتي زوجٌ غَائِب فَقدم فَلَمّا توَسط منزله، قَالَ: مَالِي لَا أرى رَبِيبتَنا؟ قَالَتْ تزوجتْ وَطَلقهَا زوجُها فانتقلت عَنَّا، فَقَالَ لَهَا: عَلَيْنَا من الْحق مَا نُعَزِّيها بمصيبتها، قَالَتْ: فَلَمّا بَلغنِي مَجِيئه تهيأتُ لَهُ وتَسَوَّقْتُ، قَالَتْ: فَلَمّا دَخَلَ عليّ سلم وعَزَّاني بمصيبتي ثُمَّ قَالَ لي: إِن فِيَّ بَقِيَّة من الشَّبَاب فَهَل لَك أَن أتزوجك؟ قلت: مَا أكره ذَاك وَلَكِن عَلَى شَرط، قَالَ لي: وإيش الشَّرْط؟ قلت: تُصَيّر أَمر عَمّتي بيَدي، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ صيرت أمرهَا بِيَدِك، قلت: فَإِنِّي قَدْ طَلقتهَا ثَلَاثًا بَتَّة، قَالَتْ: وقدِم بثَقَلِه عليّ من الْغَد وَمَعَهُ سِتَّة آلَاف دِرْهَم، فَأَقَامَ عِنْدِي مَا أَقَامَ ثُمَّ إِنَّهُ اعتلَّ فُتوفي، فَلَمّا انقضتْ عِدَّتي جَاءَ زَوجي الأوّل يُعَزِّيني بمصيبتي فَلَمّا بَلغنِي مَجِيئه تهيأتُ لَهُ وتَسَوَّقْت، فَلَمّا دَخَلَ عليّ قَالَ: يَا فُلَانَة! إِنَّك لتعلمين أنَّكَ كنت أحبَّ النّاس إليَّ وأعزهم عليّ، وَقد حل لَنَا الرّجْعَة فَهَل لَك فِي ذَلِكَ؟ قلت: مَا أكره ذَلِكَ وَلَكِن تُصَيِّر أَمر ابْنَة عمِّي بيَدي، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ فعلتُ صيرتُ أَمر ابْنَة عَمَّتك بِيَدِك، قلت: فَإِنِّي قَدْ طَلقتهَا ثَلَاثًا بَتَّة، أصلح اللَّه

стр. 142

القَاضِي، فَرَجَعت إِلَى زَوجي، فَمَا استعداؤُها عليّ، فَقَالَ ابْن أبي ليلى: وَاحِدَة بِوَاحِدَة والبادي أظلم، قومِي إِلَى مَنْزِلك. قَالَ ابْن أبي ليلى: فَحدثت الْهَادِي بذلك، فَقَالَ: وَيحك يَا مُحَمَّد! مَا سَمِعت حَدِيثا أحسن من هَذَا، أَنَا أُحِبَّ أَن أحدث بِهِ الخيزران، يَعْنِي أمه. قَالَ القَاضِي: وقصة هَذَا الْخَبَر كقصة الْمُقدم لَهُ فِي أَنَّهُ لَا يحل الْجمع بَيْنَ الْمَرْأَة وعمتها فِي النِّكَاح، وَأَن التمَاس هَذِهِ الْجَارِيَة من خاطبها تمليكها طَلَاق عَمَّتهَا وبنتها من حباله لمّا وَصفنَا أَنَّهَا أَرَادَت أَن تشفي غيظها وتتولى التَّفْرِيق بَينهَا وَبَين زَوجهَا بِنَفسِهَا مُقَابلَة لَهَا عَلَى مَا ابْتَدَأتهَا بِهِ من إساءتها. أَخَاف أَن يكونَ فِي قَبُولهما وَهَقُ رقبتي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْن عَبْد الرَّحْمَن، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حسان، قَالَ: قَالَ لي عمي: قَدِمَ مُحَمَّد بْن قَحْطَبَةَ الْكُوفَة فَقَالَ: أحتاج إِلَى مُؤَدِّب يؤدبُ أَوْلَادِي، حافظٌ لكتاب اللَّه ، عَالِمٌ بِسنة رَسُول الله ﷺ وبالآثار وَالْفِقْه والنحو وَالشعر وَأَيَّام النّاس فَقيل لَهُ: مَا يجمع هَذِهِ الْأَشْيَاء إِلَّا دَاوُد الطَّائِي وَكَانَ مُحَمَّد بْن قَحْطَبَةَ ابْن عَم دَاوُد، فَأرْسل إِلَيْهِ يعرض ذَلِكَ عَلَيْهِ ويُسَنِّي لَهُ الأرزاقَ والفائدة، فَأبى داودُ ذَلِكَ، فَأرْسل بدرة فِيهَا عشرَة آلَاف دِرْهَم، وَقَالَ لَهُ: اسْتَعِنْ بِهِا عَلَى دهرك، فَردهَا، فَوجه إِلَيْهِ ببدرتين مَعَ غلامين لَهُ مملوكين، وَقَالَ: إِن قَبِل البدرتين فأنتما حُرَّان. فمضيا بهما إِلَيْهِ فَأبى أن يقبلهما فَقَالَا لَهُ: فِي قبولهما عتق رقابنا، فَقَالَ لَهما: إِنِّي أَخَاف أَن يكونَ فِي قَبُولهما وَهَقُ رقبتي فِي النَّار، رُدَّاها إِلَيْهِ وقولا لَهُ أَن يَرُدَّهما عَلَى من أخَذْتُهما مِنْهُ أولى من أَن تُعْطِيني إيَّاهُمَا. لَوْ عُلِم السّبَب حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ الْمبرد فَجَاءَهُ رجلٌ من وُلِد ابْن الزيات فَشَكا إِلَيْهِ أَمر ابنٍ لَهُ خُدع وَلَيْسَ يدْرِي أَيْنَ هُوَ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّهُ جميل الْوَجْه، وشاور أَبَا الْعَبَّاس فِي أمره، فَلَمّا قَامَ قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: أنشدنا الرياشي: وَلَو كَانَ هَذَا الضَّبُّ لَا ذَنَبٌ لَهُ ... وَلَا كُشْيةٌ مَا مَسّهُ الدَّهْر لامِسُ وَلكنه من أَجْلِ طِيب ذُنَيبِه ... وكُشْيَتِه دَبّتْ إِلَيْهِ الدهارِسُ قَالَ القَاضِي: الْكُشية: الشحمة، وَيُقَال: إِن عَليّ جنبتي ظَهره من جهتي عُنُقه إِلَى ذَنبه شَحْمتين ممتدتين إِلَيْهِ هما كُشْيتاه، وجمع الكشية كُشى مثل كُلية وكلى، قَالَ الشَّاعِر: إِنَّك لَوْ ذُقت الْكُشَى بالأكباد ... لَمْ تُرسلِ الضَّبَّة إعداء الوَادِ والدهارس والدهاريس: الدَّوَاهِي، قَالَ الشَّاعِر: حَنّتْ إِلَى النَّخْلَةِ القصوى فَقلت لَهَا ... حِجْرٌ حرَام أَلا تِلْكَ الدَّهارِيس

стр. 143

بِأَيّ شَيْءٍ استحقَّ سَعِيدُ بْن عَبْد الرَّحْمَن توليه الْقَضَاء حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زِيَاد الْمقري، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق السّرّاج بنَيْسَابور، قَالَ: أَخْبَرَنَا دَاوُد بْن رشيد، قَالَ: قلت للهيثم بْن عَدِيّ: بِأَيّ شَيْءٍ اسْتحق سعيدُ بْن عَبْد الرَّحْمَن أَن ولاه المهديُّ الْقَضَاء وأنزله مِنْهُ تِلْكَ الْمنزلَة الرفيعة؟ قَالَ: إِن خَبره فِي اتِّصَاله بالمهدي طريف، إِن أحببتَ شَرَحْتُه لَك، قلت: قَدْ وَالله أحببتُ ذَلِكَ، قَالَ: اعْلَم أَنَّهُ وافي الرّبيع الْحَاجِب حِين أفضت الخلافةُ إِلَى الْمهْدي، فَقَالَ: اسْتَأْذن لي على أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَقَالَ لَهُ الرّبيع: يَا هَذَا! وَمَا حَاجَتك؟ قَالَ: أَنا رجل رَأَيْت لأمير الْمُؤمنِينَ أعزه الله رُؤْيا صَالِحَة، وَقد أَحْبَبْت أَن تذكرني لَهُ، قَالَ: لَهُ الرّبيع: يَا هَذَا! إِن الْقَوْم لَا يصَّدِّقُون مَا يرونه لأَنْفُسِهِمْ فَكيف مَا ترَاهُ لَهُمْ، فاحتل بحيلة هِيَ أَرَدُّ عَلَيْكَ من هَذِهِ، فَقَالَ لَهُ: إِن لَمْ تخبره بمكاني سألتُ من يُوَصِّلُنْي إِلَيْهِ، فَأَخْبَرته أَنِّي سَأَلتك الْإِذْن لي عَلَيْهِ فَلم تَفْعل، فَدخل الرّبيع عَلَى المهديّ فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّكُم قَدْ أطمعتم النّاس فِي أَنفسكُم، فقد احْتَالُوا لَكُمْ بِكُل ضرب، فَقَالَ لَهُ الْمهْدي: هَكَذَا تصنع الْمُلُوك فَمَا ذَلِكَ؟ قَالَ: رَجُل بِالْبَابِ يزْعم أَنَّهُ رَأَى لأمير الْمُؤمنِينَ أيّده اللَّه رُؤْيا حَسَنَة، وَقد أحَبَّ أَن يَقُصَّها عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ المهديُّ: وَيحك يَا ربيع! إِنِّي وَالله أرى الرُّؤْيَا لنَفْسي فَلا تَصِحُّ لي، فَكيف إِذَا ادَّعاها لي من لعلّه قَد افتعلها؟ قَالَ: قَدْ وَالله قلتُ لَهُ مثل ذَلِكَ فَلم يقبل، قَالَ: فهات الرَّجُل، قَالَ: فَأدْخل عَلَيْهِ سعيد بن الرَّحْمَن وَكَانَ لَهُ رواءٌ وجمال ومروءة ظَاهِرَة ولحية عَظِيمَة وعارضةٌ ولسان، فَقَالَ لَهُ المهديُّ: هَات بَارك اللَّه عَلَيْكَ، مَاذا رَأَيْت؟ قَالَ: رأيتُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ آتِيَا أَتَانِي فِي مَنَامِي فَقَالَ لي: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ المهديُّ يعِيش ثَلَاثِينَ سنة فِي الْخلَافَة، وَآيَة ذَلِكَ أَنَّهُ يرى فِي ليلته هَذِهِ فِي مَنَامه كَأَنَّهُ يُقَلِّبُ يواقيتَ ثُمَّ يَعُدُّها فيجدها ثَلَاثِينَ ياقوتة كَأَنَّهَا قَدْ وُهبت لَهُ، فَقَالَ لَهُ المهديُّ: مَا أحسن مَا رَأَيْت! وَنحن نمتحن رُؤْيَاك فِي ليلتنا الْمُقبلَة عَلَى مَا خيبرتنا، فَإِن كَانَ الْأَمر عَلَى مَا ذَكَرَت أعطيناك مَا تُرِيدُ، وَإِن كَانَ الْأَمر بِخِلَاف ذَلِك لم نعاقبك لعلمنا أَن الرُّؤْيَا رُبمَا صدقت وَرُبمَا أخلفت، قَالَ لَهُ سَعِيد: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَمَاذَا أصنع أَنَا السَّاعَة إِذَا صرت إِلَى منزلي وعيالي وَأَخْبَرتهمْ أَنِّي كنت عِنْدَ أَمِير الْمُؤمنِينَ أكْرمه اللَّه ثُمَّ رجعت صِفْرًا؟ قَالَ لَهُ الْمهْدي: فَكيف نعمل؟ قَالَ: يُعَجِّل لي أَمِير الْمُؤمنِينَ أعزه اللَّه مَا أحبّ وأحلف لَهُ بِالطَّلَاق أَنِّي قَدْ صدقتُ، فأمَرَ لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم، وَأمر أَن يُؤخذ مِنْهُ كَفِيل ليحضُر فِي غَيْر ذَلِكَ الْيَوْم، فَقبض المَال وَقيل: من يكفُلُ بك، فَمد عينه إِلَى خَادِم لَهُ حَسَن الْوَجْه والزي فَقَالَ: هَذَا يكفلُ بِي، فَقَالَ لَهُ الْمهْدي: أتكفل بِهِ يَا تَمَلُّك، فاحمرّ وخجل وَقَالَ: نَعَمْ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فكفل بِهِ وَانْصَرف سَعِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم، فَلَمّا كَانَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة رأى المهدى مَا ذكر لَهُ سعيد حرفا حرفا، وَأصْبح سعيد فَوَافى الْبَاب وَاسْتَأْذَنَ فَأذن لَهُ، فَلَمّا وَقعت

стр. 144

عين الْمهْدي عَلَيْهِ قَالَ: أَيْنَ مصداق مَا قلت لَنَا؟ قَالَ لَهُ سَعِيد: وَمَا رَأْي أَمِير الْمُؤمنِينَ شَيئًا؟ فضجع فِي جَوَابه، فَقَالَ لَهُ سَعِيد: امْرَأَتي طَالِق إِن لَمْ يكن رأيتَ شَيئًا، قَالَ لَهُ الْمهْدي: وَيحك! مَا أجرأك عَلَى هَذَا الْحلف بِالطَّلَاق! قَالَ: لِأَنِّي أَحْلف عَلَى صِدْق، قَالَ لَهُ المهديُّ: فقد وَالله رَأَيْت ذَلِكَ مُبينًا، فَقَالَ لَهُ سَعِيد: اللَّه أكبر، فأنجز لي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا وَعَدتنِي، قَالَ لَهُ: حُبًّا وكرامة، ثُمَّ أَمر لَهُ بِثَلَاثَة آلَاف دِينَار وَعشرَة تخوت ثيابًا من كلّ صنف، وَثَلَاث مراكب من أنفس دوابّه مُحلاة، فَأخذ ذَلِكَ وَانْصَرف، فلحق بِهِ الْخَادِم الَّذِي كفل بِهِ، وَقَالَ لَهُ: سألتُك بِاللَّه هَلْ كَانَ لهَذِهِ الرُّؤْيَا الَّتِي ذكرتَها من أصل؟ قَالَ لَهُ سَعِيد: لَا وَالله، قَالَ الْخَادِم: كَيْفَ وَقد رَأَى أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا ذكرتَه لَهُ؟ قَالَ هَذِهِ من المخاريق الْكِبَار الَّتِي لَا يأبه لَهَا أمثالكم، وَذَلِكَ أَنِّي لمّا ألقيت إِلَيْهِ هَذَا الْكَلَام خطر بِبَالِهِ وَحدث نَفسه وَأسر بِهِ قلبه وشغل بِهِ فكره، فساعة نَام خُيِّل لَهُ مَا حَلَّ فِي قلبه وَمَا كَانَ شغل بِهِ فكره فِي الْمَنَام، فَقَالَ لَهَ الْخَادِم: قَدْ حلفتَ بِالطَّلَاق، قَالَ: طلقت وَاحِدَة وَبقيت معي عَلَى ثِنْتين فأزيدُ فِي مهرهَا عشرَة دَرَاهِم وأتخلّص وأحصل عَلَى عشرَة آلَاف دِرْهَم وَثَلَاثَة آلَاف دِينَار وَعشرَة تخوت من أَصْنَاف الثِّيَاب وَثَلَاث مراكب فرهة، فبهت الْخَادِم فِي وَجهه وتعجّب من ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ سَعِيد: قَدْ صَدَقْتُك وَجعلت صِدقي لَك مكافأتك عَلَى كفالتك بِي فاسْتُر عليّ، فَفعل ثُمَّ طلبه المهديُّ لمنادمته، وحَظِيَ عِنْدَهُ وقَلّده القضاءَ عَلَى عَسْكَر المهديّ فَلم يزل على ذَلِكَ إِلَى أَن مَاتَ. فَهَذَا كَانَ السَّبَب فِي وُصلة سَعِيد بْن الرَّحْمَن بأمير الْمُؤمنِينَ الْمهْدي، فَهَل سَمِعت بِأَعْجَب من ذَلِكَ يَا دَاوُد؟ قَالَ: لَا. التَّعْلِيق عَلَى هَذِهِ الْقِصَّة قَالَ القَاضِي: قَول سَعِيد فِي هَذَا الْخَبَر أَنَّهُ طَلّق وَاحِدَة وَبقيت مَعَه عَلَى اثْنَتَيْنِ وَأَنه يزِيد فِي مهرهَا عشرَة دَرَاهِم، من كَلَام الحَمْقى العامَّة وجُهّالهم، لأنَّ مُطِلق امْرَأَته الْمَدْخُول بهَا وَاحِدَة إِن راجَعَها فِي عِدَّتها فَلا مَهْرَ عَلَيْهِ لَهَا، وَإِن تزوَّجها بَعْدَ بينونتها فَعَلَيهِ الصَدَاق مبتدئًا غَيْر زَائِد عَلَى قدرٍ مِنْهُ مُتَقَدم، وَفِي حمل سَعِيد نَفسه فِي هَذِهِ الْقِصَّة عَلَى الْكَذِب وخاصة فِي الرُّؤْيَا وإطلاع الْخَادِم عَلَى قَبِيح مَا أَتَاهُ، وَكذبه فِيمَا حَكَاهُ، وجَعْله هَذِا مُكَافَأَة لَهُ عَلَى كفَالَته بِهِ، واعتماده مسترسلا إِلَيْهِ فِي سَتْر رذيلته عَلَيْهِ، دَلِيل عَلَى أَنَّهُ كَانَ بِمحل من الغَرَق، وَأَن عِظَمَ لحيته كَانَ عَلَى شكلٍ يدل عَلَى السّفاهة والحمق. وَقد حَدَّثَنَا عليّ بْن الفَضْل بْن طَاهِر البلْخيّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَيُّوب بْن يزِيد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يَعْقُوب، قَالَ حَدَّثَنَا مُصْعَب بْن خَارِجَة، عَنْ أَبِيه، من كَانَتْ لحيته طَوِيلَة فَلا يلم فِي عقله شَيْءٍ. حَدَّثَنَا اللَّيْث بْن مُحَمَّد بْن اللَّيْث المَرْوَزِيّ، قَالَ: سَمِعت عَبْد اللَّه بْن مَحْمُود، يُقَالُ: نظر

стр. 145

عَليّ بن حجر إِلَى أبي الدَّرْدَاء، قَالَ: وَهُوَ طَوِيل اللِّحْيَة فَأَنْشَأَ يَقُولُ: لَيْسَ بطُولِ اللَّحَى ... يَسْتَوجِبُون القَضَا إِن كَانَ هَذَا كَذَا ... فالتّيْسُ عَدْلٌ رِضَا قَالَ: ومكتوب فِي التَّوْرَاة: لَا يَغُرَّنك طول اللحى، فَإِن التيس لَهُ لحية. حِكَايَة عَنِ القَاضِي الْعَوْفِيّ، وَكَانَ طَوِيل اللِّحْيَة حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن الْمقري، قَالَ: أَخْبرنِي السَّاجِي بِالْبَصْرَةِ، قَالَ: اشْترى رَجُل من أَصْحَاب القَاضِي الْعَوْفِيّ جَارِيَة فغاضبته وَلم تطعه، فَشَكا ذَلِكَ إِلَى الْعَوْفِيّ فَقَالَ: أنفذها إِلَيّ حَتَّى أكلمها فأنفذها إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهَا: يَا عَزُوبُ يَا لَعُوبُ يَا ذَاتَ الجلابيب، مَا هَذَا التمنع المجانب لِلْخَيْرَاتِ، وَالِاخْتِيَار للأخلاق المَشْنُوءات، فَقَالَت لَهُ: أيد اللَّه القَاضِي: لَيْسَ لي فِيهِ حَاجَة فَمُرْه يَبِيعني، فَقَالَ لَهَا: يَا مُنْيَةَ كُلِّ حَلِيم، وبَحّاثٍ عَنِ اللطائف عليم، أما علمت أَن فرط الاعتياصات من الموموقات عَلَى طالبي المودات والباذلين لكرائم المصونات مؤديات إِلَى عدم المفهومات؟ فَقَالَت الْجَارِيَة: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا أصلح لهَذِهِ العثنونات عَلَى صُدُور أَهْلَ الركاكات من المواسي الحالقات، وضحكت وَضحك أَهْلَ الْمجْلس. وَكَانَ الْعَوْفِيّ عَظِيم اللِّحْيَة. قَالَ القَاضِي: الْعَوْفِيّ هُوَ الْحَسَن بْن الْحَسَن بْن عَطِيَّة بْن سعيد بْن جُنَادَة، ويكنى أَبَا عَبْد اللَّه من أَهْلَ الْكُوفَة وَقد سمع سَمَاعا كثيرا، غَيْر أَنَّهُ ضَعِيف فِي الحَدِيث، قَدِمَ بَغْدَاد وَولي قَضَاء الشرقية بَعْدَ حَفْص بْن غياث ثُمَّ نقل من الشرقية فولى قَضَاء عَسْكَر الْمهْدي فِي خلَافَة هَارُون ثُمَّ عزل، فَلم يزل بِبَغْدَاد إِلَى أَن تُوُفّي بهَا سنة إِحْدَى أَو اثْنَتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَ من أعظم النّاس لحية. الْمجْلس الْعشْرُونَ حَدِيث إِن يصدق ذُو العقيصتين يدْخل الْجنَّة حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي الرِّجَالِ الصَّالِحِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ يُوسُفَ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ بَزِيعٍ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ نُوَيْفِعٍ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَعَثَ بَنُو سَعِيدِ بْنِ بَكْرٍ ضِمَامَ بْنَ ثَعْلَبَةَ وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدِمَ عَلَيْهِ فَأَنَاخَ بَعِيرَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ، وَكَانَ ضِمَامٌ رَجُلا جَلْدًا أَشْعَرَ ذَا غَدِيرَتَيْنِ فَأَقْبَلَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَيُّكُمُ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: مُحَمَّدٌ؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فيا ابْن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنِّي سَائِلُكَ وَمُغْلِظٌ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَلا تَجِدَنَّ فِي نَفْسِكَ، قَالَ: لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي فَسَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ، قَالَ: أنْشدك لله إِلَهَكَ وَإِلَهَ مَنْ كَانَ

стр. 146

قَبْلَكَ وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ، آللَّهُ بَعَثَكَ إِلَيْنَا رَسُولا؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نعم، قَالَ: فنشدة مِثْلَهَا، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنْ نَخْلَعَ هَذِهِ الأَنْدَادَ الَّتِي كَانَ آبَاؤُنَا يَعْبُدُونَ مَعَهُ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نعم، قَالَ: فنشدة مِثْلَهَا، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: ثُمَّ جَعَلَ يَذْكُرُ شَرَائِعَ الإِسْلامِ يُنَاشِدُهُ عِنْدَ كُلِّ فَرِيضَةٍ كَمَا يُنَاشِدُهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، حَتَّى إِذَا فَرَغَ قَالَ: فَإِنِّي أَشْهَدُ أَلا إِلَهَ إِلا اللَّهَ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأُؤَدِّي هَذِهِ الْفَرَائِضَ، وَأَجْتَنِبُ مَا نَهَيْتَنِي عَنْهُ وَلا أَزِيدُ وَلا أَنْقُصُ، قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى بَعِيرِهِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِين وَلَّى: " إِنْ يَصْدُقْ ذُو الْعَقِيصَتَيْنِ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ ". قَالَ: فَأَتَى إِلَى بَعِيرِهِ فَأَطْلَقَ عِقَالَهُ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَكَانَ أَوَّلُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: بِئْسَتِ اللاتُ وَالْعُزَّى، فَقَالُوا: مَهْ يَا ضِمَامُ، اتَّقِ الْبَرَصَ، اتَّقِ الْجُذَامَ، اتَّقِ الْجُنُونَ، قَالَ: وَيْلَكُمْ، وَاللَّهِ مَا يَضُرَّانِ وَلا يَنْفَعَانِ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ رَسُولا وَأَنْزَلَ كِتَابًا لينقذكم بِهِ مِمَّا كُنْتُمْ فِيهِ، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَقَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِهِ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا أَمْسَى فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَفِي حَاضِرِهِ رَجُلٌ وَلا امْرَأَةٌ إِلا مُسْلِمَةً، قَالَ: يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا سَمِعْنَا بِوَافِدِ قَوْمٍ ذَكَرَ كَلِمَةً مِنْ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ. قَالَ القَاضِي ﵀: لَمْ يذكر لَنَا مَا الْكَلِمَة، ولعلّها ذهبتْ عَنْ حفظ بَعْض الروَاة أَوْ سَقَطت من كِتَابه، وَيَنْبَغِي أَن يكون مَعْنَاهُ أعظم بركَة أَوْ مَا أشبه هَذَا من الْوُجُوه، وَفِي هَذَا الْخَبَر: مَا أبان عَنْ حُسْنِ دُعَاء النَّبِي ﷺ ووطاءة كَنَفه ولين جَانِبه، وإجابته إِلَى الحَلِف لما فِيهِ من تسكين نفس مُسَاجله، وتأميله زَوَال الريب عَنْ قَلْبه، وَهُوَ ﷺ أصدق النّاس فِي قِيله، وأوفاهم أَمَانَة فِيمَا هُوَ بسبيله. كتاب قَيْصر إِلَى عُمَر ﵁ بشأن النَّخْلَة حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مَنْصُور بْن أبي الجهم الشيعي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عليّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُس بْن الْحَارِث الطَّائِفِي، عَنِ الشَّعْبِيّ، قَالَ: كتب قَيْصر إِلَى عُمَر: أخْبرك أَن رُسُلي أَتَتْنِي من قبلك فَزَعَمت أنَّ قِبلَكم شَجَرَة ليستْ بخليقةٍ لشَيْء من الْخَيْر، تَخْرج مثل آذان الْحُمُر ثُمَّ تشقق عَنْ مثل اللُّؤْلُؤ أَحْسبهُ قَالَ: الْأَبْيَض ثُمَّ تخضر فَتكون مثل الزمرد الْأَخْضَر ثُمَّ تحمرّ فَتكون مثل الْيَاقُوت الْأَحْمَر، ثُمَّ تينع وتنضج فَتكون كأطيب فالوذج أُكِل، ثُمَّ تيبس فَتكون عصمَة للمُقِيم وَزَادا للْمُسَافِر، فَإِن تكن رُسُلي صَدَقتني فَلا أرى هَذِهِ الشَّجَرَة إِلَّا من شجر الْجنَّة. فَكتب إِلَيْهِ عُمَر؟ " من عَبْد اللَّه عُمَر أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى قَيْصر ملك الرّوم: إِن رُسُلَك قَدْ صدقتك، هَذِهِ الشَّجَرَة عندنَا هِيَ الشَّجَرَة الَّتِي أنبتها اللَّه عَلَى مَرْيَم حِين نَفَست بِعِيسَى ابْنهَا ﵇ فَاتق اللَّه وَلَا تتَّخذ عِيسَى إِلَهًا من دون اللَّه، فَإِن مَثَل عِيسَى عندنَا كَمثل آدم، خَلقه من تُراب ثُمَّ قَالَ لَهُ كن فَيكون، الحقُّ

стр. 147

من رَبك فَلا تكن من الممترين ". بَعْض مَا تلحن فِيهِ الْعَامَّة الزُّمرد والزَّبَرجد قَالَ القَاضِي ﵀: قَدْ رُوينا هَذَا الْخَبَر من طرق شَتَّى، وَفِي بَعْضهَا أَلْفَاظ لَيست فِي بَعْض، وَقَوله الزمرد الْعَامَّة يخطئون فِيهِ فَيَقُولُونَ زُمُرُّد بِالدَّال الْمُهْملَة، وَيَقُولُونَ الزبرجذ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، وَالَّذِي حَكَاهُ أَهْلَ اللُّغَة عَنِ الْعَرَب أَنَّهُ الزمرد بالإعجام والزبرجد بالإبهام عَلَى عكس مَا يَقُوله من لَا عَلَمُ بِهِ من الْعَوام، وَذكر بَعْض أَهْلَ الْمعرفَة أنَّ من فضل النّخل أنَّ جَمِيعه فِي بِلَاد الإِسْلام، وَأَنه لَيْسَ فِي بِلَاد الشّرك مِنْهُ شَيْءٌ. من شُهَدَاء الْهوى حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعَبَّاس بْن الفَرَج الرياشي، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن سَلام، قَالَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَتًى من بني أُميَّة من ولدَ سَعِيد بْن عُثمان بْن عَفّان وَكَانَ يختلفُ إِلَى قَيْنة لبَعض قُرَيْش، وَكَانَ طَريرًا ظريفًا، وَكَانَت الْجَارِيَة تُحِبُّه وَلَا يَعْلَمُ بحبها، فَأَرَادَ يَوْمَا أَن يشكو ذَلِكَ، فَقَالَ لبَعض إخوانه: امضِ بِنَا إِلَى فُلَانَة، وانطلقا فدخلا إِلَيْهَا وتوافى فتيَان من قُرَيْش وَالْأَنْصَار، فَلَمّا جَلَست مجلسها واحتجرت بمزهرها، قَالَ الأمويُّ تغنين: أحبكمُ حبًّا بكلِّ جوارحي ... فَهَل لكمُ عِلْم بِمَا لكمُ عِنْدي وتَجْزُون بالودِّ المضاعَفِ مثله ... فَإِن الْكَرِيم من جزى الْوُدَّ بالْوُدِّ قَالَتْ نَعَمْ، وَأحسن مِنْهُ، وغنت: للَّذي ودنا الْمَوَدَّة بالضع ... ف وفَضْل البَادِي بِهِ لَا يُجَازَى لَو بدا بِنَا لكم مَلأ الأر ... ض وأقطارَ شامِها والْحِجَازَا فَعجب الْقَوْم من سرعته مَعَ شغل قلبه، وَمن ذهنها وَحسن جوابها فازداد بهَا كَلَفًا، وصَرَّح عَمَّا فِي قلبه فَقَالَ: أَنْت عُذْر الْفَتى إِذا هتك السِّت ... ر وَإِن كَانَ يُوسُفَ المَعْصُومَا من يَقُمْ فِي هَوَاكِ يَقْصُر عَنِ اللّو ... مِ وإمّا زَالَ كَانَ مَلُوما وَبلغ عُمَر بْن عبد الْعَزِيز وَهُوَ عَلَى المَدِينَةِ خَبَرهَا، فاشتراها بِعشر حدائق ووهبها لَهُ وَمَا يُصلحها، فَمَكثت عِنْدَهُ حولا ثُمَّ مَاتَت فرثاها، فَقَالَ: قَدْ تمنيت جنَّة الْخلد بالجه ... د فأُدخلْتُها بِلَا اسْتِئْهَالِ ثُمَّ أخرجتُ إِذْ تطعمت بالنع ... مة مِنْهَا والمَوْتُ أَحْمَدُ حَالِيَ وَكرر هَذَا الشّعْر مرَارًا وقَضَى، فدُفنا مَعًا، فَقَالَ أشعب: هَذَان شَهِيدا الْهوى انحرو

стр. 148

اعَلَى قَبره سبعين نحرة كَمَا كبر رَسُول الله ﷺ عَلَى قبر حَمْزَة سبعين تَكْبِيرَة. قَالَ: وَبلغ أَبَا حَازِم فَقَالَ: لَوْ مُحِبٌّ فِي اللَّه يبلغ فِي الْحبّ هَذَا الْمبلغ فَهُوَ وَلِيٌّ. من نزاهة حَفْص بْن غياث فِي الحكم حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مخلد بن حَفْص حَفْص العَطَّار: قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى ابْن اللَّيْث، قَالَ: بَاعَ رَجُل من أَهْلَ خُرَاسَان جمالا بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم من مَرْزُبان المجوسيِّ وَكيل أم جَعْفَر، فمطله بِثمنِهَا وحبسه، فطال ذَلِكَ عَلَى الرَّجُل فَأتى بَعْض أَصْحَاب ابْن غياث فشاوره، فَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ إِلَيْهِ فَقل لَهُ: أَعْطِنِي ألف دِرْهَم وأحيلُ عَلَيْكَ بِالْمَالِ الْبَاقِي وأخرجُ إِلَى خُراسان، فَإِذا فعل هَكَذَا فالقني حَتَّى أُشير عَلَيْكَ، فَفعل الرَّجُل وأتى مرزبان فَأعْطَاهُ ألف دِرْهَم، فَرجع إِلَى الرَّجُل فَأخْبرهُ، فَقَالَ: عُد إِلَيْهِ فَقل لَهُ: إِذَا ركبت غَدا فطريقُك عَلَى القَاضِي تَحْضُرُ وأوكِّل رَجُلا يقبض المَال وَأخرج، فَإِذا جلس إِلَى القَاضِي فادِّع عَلَيْهِ مَا بَقِي لَك من المَال، فَإِذا أقرّ حَبسه حَفْص وَأخذت مَالك، فَرجع إِلَى مرزبان فَسَأَلَهُ فَقَالَ: انتظرني بِبَاب القَاضِي، فَلَمّا ركب من الْغَد وثب إِلَيْهِ الرَّجُل فَقَالَ: إِن رَأَيْت أَن ننزل إِلَى القَاضِي حَتَّى أوكِّل بِقَبض المَال وَأخرج فَنزل مرزبان فتقدَّما إِلَى حَفْص بْن غياث فَقَالَ الرَّجُل: أصلح اللَّه القَاضِي، لي عَلَى هَذَا تِسْعَة وَعِشْرُونَ ألف دِرْهَم، قَالَ حَفْص: مَا تَقول يَا مجوسيُّ؟ قَالَ: صَدَق أصلَح اللَّه القَاضِي، قَالَ: مَا تقولُ يَا رَجُل فقد أقرّ لَك؟ قَالَ: يُعطيني مَالِي أصلح اللَّه القَاضِي، فَأقبل حَفْص عَلَى الْمَجُوسِيّ فَقَالَ: مَا تَقول؟ قَالَ: هَذَا المَال عَلَى السيدة، قَالَ: أَنْت أَحمَق، تقرُّ ثُمَّ تَقول: عَلَى السيدة، مَا تَقول يَا رَجُل؟ قَالَ: أصلح اللَّه القَاضِي، إِن أَعْطَانِي مَالِي وَإِلَّا حبستَه، قَالَ حَفْص: مَا تَقول يَا مجوسيّ؟ قَالَ: المالُ عَلَى السيدة، قَالَ: خُذُوا بِيَدِهِ إِلَى الْحَبْس، فَلَمّا حُبس بلغ أم جَعْفَر الْخَبَر فَغضِبت فَبعثت إِلَى السِّنْدي: وَجِّه إليَّ مرزبان، وَكَانَت الْقُضاة تَحبس الْغُرَمَاء فِي الْجِسر، فعَجِلَ السِّنْدي فَأخْرجهُ، وَبلغ حفصًا الْخَبَر فَقَالَ: أَحْبِسُ أَنَا ويُخرِج السِّنْدي، لَا جَلَست مجلسي هَذَا أَوْ يُردُّ مرزبان إِلَى الْحَبْس، فجَاء السندي إِلَى أم جَعْفَر فَقَالَ: اللَّه اللَّه فِي، أَنه حَفْص بْن غياث وأخاف من أَمِير الْمُؤمنِينَ أنْ يَقُولُ: بِأَمْر من أخرجته، رُدِّيهِ إِلَى الْحَبْس وَأَنا أكَلمُ حفصًا فِي أمره فأجابته فَرجع مرزبان إِلَى الْحَبْس، فَقَالَت أم جَعْفَر لهارون: قاضيك هَذَا أَحمَق، حبس وَكيلِي واستَخف بِهِ فمرهُ لَا ينظر فِي الحكم ويولي أمره إِلَى أَبِي يُوسُف، فَأمر لَهَا بِكِتَاب وَبلغ حفصًا الْخَبَر، فَقَالَ للرجل: أحضرني شُهودًا حَتَّى أُسَجِّلَ لَك عَلَى المجوسيِّ بِالْمَالِ، فَجَلَسَ حَفْص فسجّل عَلَى الْمَجُوسِيّ وَورد كتاب هَارُون مَعَ خَادِم، فَقَالَ: هَذَا كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَ: مَكَانك نَحْنُ فِي شَيْءٍ حَتَّى نَفرُغ مِنْهُ، فَقَالَ: كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَقَالَ: انْظُر مَا يُقَالُ لَك، فَلَمّا فرغ حَفْص من السِّجل أَخذ الْكتاب من الْخَادِم فقرأه، فَقَالَ: اقْرَأ عَلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ السّلام وَأخْبرهُ أنَّ كِتَابه ورد وَقد أنفذْتُ الحكم،

стр. 149

فَقَالَ الْخَادِم: قَدْ وَالله عرفتُ مَا صنعتَ، أبيتَ أَن تَأْخُذ كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ حَتَّى تَفْرغ مِمَّا تُرِيدُ، ووَالله لأخبرنّ أَمِير الْمُؤمنِينَ، بِمَا فعلت، فَقَالَ لَهُ حَفْص: قل مَا أَحْبَبْت، فجَاء الْخَادِم فَأخْبر هَارُون فَضَحِك، وَقَالَ: مُرْ لحفص بْن غياث بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم، فَركب يحيى بْن خَالِد فَاسْتقْبل حفصًا منصرفًا من مجْلِس الْقَضَاء، فَقَالَ: أيُّها القَاضِي! قَدْ سررتَ أَمِير الْمُؤمنِينَ الْيَوْم وَأمر لَك بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم، فَمَا كَانَ السَّبَب فِي هَذَا؟ قَالَ: تَمّم اللَّه سُرُور أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأحسن حفظه وكلاءته، مَا زدتُ عَلَى مَا أفعل كلَّ يَوْمَ، قَالَ: عليّ ذَلِكَ؟ قَالَ: مَا أعلم إِلَّا أَن يكون سَجّلْتُ عَلَى مرزبان الْمَجُوسِيّ بِمَا وَجب عَلَيْهِ، فَقَالَ يحيى بْن خَالِد: بِهَذَا سُرَّ أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَقَالَ حَفْص: الْحَمد لله كثيرا، فَقَالَت أم جَعْفَر لهارون: لَا أَنَا وَلَا أَنْت إِلَّا أَن تعزل حفصًا، فَأبى عَلَيْهَا، ثُمَّ ألحّت عَلَيْهِ فَعَزله عَنِ الشرقية وولاه الْقَضَاء على الْكُوفَة فَمَكثَ عَلَيْهَا ثَلَاث عشرَة سنة، وَكَانَ أَبُو يُوسُف لمّا وُلّي حَفْص قَالَ لأَصْحَابه: تَعَالَوْا نكتبْ نوادرَ حَفْص، فَلَمّا وَردت أَحْكَامه وقضاياه عَلَى أَبِي يُوسُف قَالَ لَهُ أَصْحَابه: أَيْنَ النَّوَادِر الَّتِي زعمت نكتبها؟ فَقَالَ: وَيحكم! إِن حفصًا أَرَادَ اللَّه فوفّقه. قَالَ ابْن مخلد: قَالَ أَبُو عليّ: سَمِعت أَبَا عليّ حَسَن بْن حَمَّاد سجادة يَقُولُ: قَالَ حَفْص بْن غياث: وَالله مَا وليت الْقَضَاء حَتَّى حَلّت لِيَ الْميتَة، وَمَات يَوْمَ مَاتَ وَلم يُخَلّف درهما وَخلف عَلَيْهِ تسع مائَة دِرْهَم دَيْنًا، قَالَ سجادة: وَكَانَ يُقَالُ: خُتِم الْقَضَاء بحفص بْن غياث. لَا يَسْتَحْيي أَحَدُكُمْ من التّعَلُّم حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْفَتْح القلانسي، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن أبي عَمْرو الشَّيْبَانيّ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أبي عَبْد الرَّحْمَن الطَّائِي، قَالَ: قَالَ لي عَبْد اللَّه بْن زَيْدُ القَيْسيّ: بَينا أَنَا وَاقِف عَلَى رَأس ابْن هُبَيْرة وَبَين يَدَيْهِ سِمَاطَانِ من وُجُوه النّاس إِذْ أقبل شَاب لَمْ أر فِي مثل جماله وكماله، حَتَّى دنا من ابْن هُبَيْرة فَسلم عَلَيْهِ بالإمرة فَقَالَ: لَهُ: أصلح اللَّه الْأَمِير، امرؤٌ قدحته كُربة، وأوحشته غُربة، ونأتْ بِهِ الدَّار، وَحل بِهِ عَظِيم، خَذَله أخلاؤُه، وشمت بِهِ أعداؤه، وأسلمه الْبعيد، وجفاه الْقَرِيب، فَقُمْت مقَاما لَا أرى لي مُعَولا ولَا حازبا إِلَّا الرَّجَاء لله تَعَالَى وحُسن عَائدة الْأَمِير، وَأَنا أصلح اللَّه الْأَمِير مِمَّن لَا تُجهل أسرته وَلَا تضيع حرمته، فَإِن رَأَى الْأَمِير - أصلحه اللَّه - أَن يسدَّ خَلتي وَيجْبر خصاصتي يفعل، فَقَالَ ابْن هُبَيْرة: مَنِ الرَّجُل؟ قَالَ: من الَّذِينَ يَقُولُ لَهُم الشَّاعِر: فَزَارةُ بَيت العزِّ والعزُّ فِيهِمُ ... فَزَارَة قَيسٍ حَسْبَ قيس فَعَالُها لَهَا الْعِزَّة القصوى مَعَ الشّرف الَّذِي ... بناه لقيس فِي الْقَدِيم رِجالُها وَهل أحدٌ إِن مدَّ يَوْمَا بكفه ... إِلَى الشَّمْسِ فِي مجْرى النُّجُوم ينالها لهيهات مَا أعيا القرونَ الَّتِي مَضَت ... مآثر قيس واعتلاها فعالها

стр. 150

فَقَالَ ابْن هُبَيْرة: إِن هَذَا لأدبٌ حَسَنٌ مَعَ مَا أرى من حَداثة سنك، فكم أَتَى لَك من السن؟ قَالَ: تسع وَعِشْرُونَ سنة، فلحن الْفَتى، فَأَطْرَقَ ابْن هُبَيْرة كالشامت بِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَو لَحّان أَيْضا مَعَ جميل مَا أَتَى عَلَيْهِ منطقك؟ شِنْتَه وَالله بأقبح الْعَيْب، قَالَ: فأبصر الْفَتى مَا وَقع فِيهِ، فَقَالَ: إِن الْأَمِير أصلحه اللَّه عظُم فِي عَيْني وملأت هيبته صَدْرِي، فَنَطَقَ لساني بِمَا لَمْ يعرفهُ قلبِي، فوَاللَّه إِلَّا مَا أقالني الْأَمِير عثرتي عِنْدَمَا كَانَ من زلتي، فَقَالَ ابْن هُبَيْرة: وَمَا عَلَى أَحَدكُمْ أَن يتَعَلَّم الْعَرَبيَّة فيقيم بهَا أوَدَه، ويَحْضُرَ بهَا سُلْطَانَه، ويُزَيّن بهَا مشهده، وينوءَ بهَا عَلَى خصمة، أَوَ يَرْضَى أَحَدُكُمْ أَن يكون لِسَانه مثل لِسَان عَبده أَوْ أكّاره؟ وَقد أمرنَا لَك بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم، فَإِن كَانَ سَبَقَك لسَانك وَإِلَّا فَاسْتَعِنْ بِبَعْض مَا أوصلناه إِلَيْك، وَلَا يستحيي أَحَدُكُمْ من التَّعَلُّم، فَإِنَّهُ لَوْلَا هَذَا اللِّسَان لَكَانَ الإِنْسَان كالبهيمة الْمُهْملَة، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: أَوْ كالصورة الممثلة، قتل اللَّه الشَّاعِر حَيْث يَقُولُ: ألم تَرَ مِفْتَاح الْفُؤاد لسانَهُ ... إِذَا هُوَ أبْدى مَا يَقُولُ من الفَمِ وكائِنْ ترى من صاحبٍ لَك مُعْجَب ... زيادتُه أَوْ نَقْصُه فِي التَّكَلُّم لسانُ الْفَتى نصفٌ ونصفٌ فؤادُه ... فَلم يبْق إِلَّا صُورَة اللَّحْم والدمِ قَالَ القَاضِي: فِي هَذَا الْخَبَر: فَإِن رَأَى الْأَمِير يفعل، فَالْأَحْسَن: فَإِن رَأَى فعل، أَوْ فَإِن ير يفعل ليتفق لفظ الشَّرْط وَلَفظ الْجَزَاء، وَفعل الْجَزَاء مُسْتَقْبل فِي الْمَعْنى وَإِن أَتَى بِهِ بِلَفْظ الْمُضِيّ، ومجيئه مختلط عَلَى مَا فِي هَذَا الْخَبَر صَوَاب، وَقَالَ زُهَيْر: وَمن هاب أَسبَاب المنايا يَنَلْنَهُ ... وَلَو نَالَ أَسبَاب السَّمَاء بسُلّمِ اللّحّانُون من الخَاصَّة حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن عليّ الخَطِبي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَد البربوني، قَالَ: قَالَ أَبُو أَيُّوب يَعْنِي سُلَيْمَان بْن أبي شيخ، وَقَالَ أَبُو الزِّنَاد: كَانَ الْوَلِيد بْن عبد الْملك بْن مَرْوَان لَحّانًا كَأَنِّي اسْمَعْهُ عَلَى مِنْبَر النَّبيّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: يَا أهل المَدِينَةِ. قَالَ: وَقَالَ عَبْد الْملك بْن مَرْوَان لرجل من قُرَيْش: إنَّك لرجل لَوْلَا أنَّكَ لحّان، فَقَالَ: وَهَذَا ابْنك الْوَلِيد يلحن، قَالَ: لَكِن ابْني سُلَيْمَان لَا يلحن، قَالَ الرَّجُل: وَأخي فلَان لَا يلحن. قَالَ أَبُو أَيُّوب: كَانَ ربيعَة الرَّأْي لحّانًا، وَمَالك بْن أنس لَحّانًا. حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَر بْن عَبْد الرَّحْمَن السُّلَميّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمَازِنِيِّ، قَالَ: سمع أَبُو عَمْرو أَبَا حنيفَة يتَكَلَّم فِي الْفِقْه ويلحن فأعجبه كَلَامه واستقبح لحنه، فَقَالَ: إِنَّهُ لَخطابٌ لَوْ ساعده صَوَاب، ثُمَّ قَالَ لأبي حنيفَة: إِنَّك أحوجُ إِلَى إصْلَاح لسَانك من جَمِيع النّاس.

стр. 151

جاريتان تغلبان عِيسَى بن أبان حَدَّثَنِي طَاهِر بْن مُسْلِم الْعَبْدي، قَالَ: حَدَّثَنِي الْغلابِي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن سُلَيْمَان قَالَ: سَمِعت عِيسَى بْن أبان، يَقُولُ: كنت عِنْدَ الْمَأْمُون فاستأذنته فِي الْخُرُوج إِلَى الْبَصْرَة إِلَى عيالي، فَقَالَ: أَمِير الْمُؤمنِينَ أشوق إِلَيْكَ مِنْك إِلَى عِيَالك، وَلَكِن وَجِّه إِلَيْهِم فيحملوا، ثُمَّ قَالَ لخادم عَلَى رَأسه: قل لَهُمْ: يحثّوا، قَالَ: فَإِذا غلامٌ أَمْرَد قَدْ أقبل لَمْ تَرَ عَيْني أحسنَ مِنْهُ مُغَلَّفٌ بالغالية يخْطر حَتَّى جَاءَ فَسلم، فَقَالَ لَهُ: مرْحَبًا ثُمَّ أجلسه على فَخذه الْيُمْنَى، ثُمَّ أقبل آخر مثله فأقعده عَلَى فَخذه الْيُسْرَى فَجعلت أنظر إِلَى حُسنهما، فَقَالَ لي: يَا عِيسَى! بأيِّهما ترى أَن أبدأ، فَقلت: أعيذ أَمِير الْمُؤمنِينَ بِاللَّه، لَقَدْ نَزَّهَهُ اللَّه عَنْ هَذَا وصانه، قَالَ: يَا عِيسَى لَيْسَ هُوَ الَّذِي ذهبتَ إِلَيْهِ، إنَّهُمَا جاريتان اشْتَهيْتُهما فِي زيّ الغلمان، فَقلت: أَمِير الْمُؤمنِينَ أَعلَى عينا، فَقَالَت الأولى: وَالله يَا عِيسَى مَا تحسن الْحُكُومَة، ألم تسمع إِلَى قَول الله : " السَّابِقُونَ الْأَولونَ " قَالَ: فبقيتُ وَالله مُتَعَجِّبا وتمنّيت أَنِّي كنتُ اهتديت إِلَى مَا قَالَت بِجَمِيعِ مِلْكي، ثُمَّ قَالَت الْأُخْرَى: لَا وَالله يَا عِيسَى، مَا تبصر من الْحُكُومَة شَيئًا، ألم تسمع إِلَى قَول اللَّه : " وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى " فتركته مَعَهُمَا وَخرجت. أَبُو نواس يَأْخُذ معنى حَدِيث شرِيف وينظمه شعرًا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الصولي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو ثُمَامَةَ الْقَيْسِيُّ، قَالَ: فَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا نُوَاسٍ عِنْدَهُ رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، فَتَحَدَّثَ رَوْحٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الْقُلُوبُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ ". قَالَ أَبُو نُوَاسٍ: أَنْتَ لَا تَأْنَسُ بِي وَسَأَجْعَلُ هَذَا الْحَدِيثَ مَنْظُومًا بِشِعْرٍ، قُلْتُ: فَإِنْ قُلْتَ ذَلِكَ فَجِئْنِي بِهِ، فَجَاءَنِي فَأَنْشَدَنِي: يَا قَلْبُ رِفْقًا، أَجَدٌّ مِنْكَ ذَا الْكَلَفُ ... وَمَنْ كَلِفْتَ بِهِ جَانٍ كَمَا تَصِفُ وَكَانَ فِي الْحَقِّ أَنْ يَهْوَاكَ مُجْتَهِدًا ... بِذَاكَ خَبَّرَ مِنَّا الْغَابِرُ السَّلَفُ إِنَّ الْقُلُوبَ لأَجْنَادٌ مُجَنَّدَةٌ ... لِلَّهِ فِي الأَرْضِ بِالأَهْوَاءِ تَعْتَرِفُ فَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا فَهُوَ مُخْتَلِفٌ ... وَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا فَهُوَ مُؤْتَلِفُ حَدَّثَنَا الصولي: قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن يزِيد المهلبي، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْن مهدويه، قَالَ: حَدَّث أَبُو حَفْص عُمَر بْن إِبْرَاهِيم الْعَدوي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمنْهَال - إِلَّا أَنَّهُ قَالَ الضَّرِير - قَالَ: حَدَّثَنِي يزِيد بْن زُرَيْع: وسَاق الْخَبَر، إِلَّا أَنَّهُ زَاد فِيهِ قَالَ يزِيد بْن زُرَيْع: وَكَانَ أَبُو نواس صَبِيًّا.

стр. 152

شرب نبيذًا ثُمَّ لَا يدْرِي أطلق امْرَأَته أم لَا، وَحكم ذَلِكَ حَدَّثَنَا أبي ﵁، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أيّوب بْن زَاذَان الْقُرْبَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن سَعِيد التّميميّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن معري، قَالَ: جَاءَ رَجُل إِلَى أبي حنيفَة، فَقَالَ: إِنِّي شربتُ البارحة نبيذًا فَلا أَدْرِي طلقتُ امْرَأَتي أم لَا، قَالَ: الْمَرْأَة امرأتُك حَتَّى تستيقن أنَّكَ طَلَقْتَها، ثُمَّ أَتَى سُفْيَان الثّوريّ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْد اللَّه! إِنِّي شربتُ البارحة نبيذًا فَلا أَدْرِي طلقتُ امْرَأَتي أم لَا، قَالَ: اذْهَبْ فَرَاجعهَا فَإِن كنت قَدْ طَلقتهَا فقد راجعتها وَإِن لَمْ تَكُ طَلّقْتها لَمْ تَضُرَّك الْمُرَاجَعَة شَيئًا، ثُمَّ أَتَى شريك بْن عَبْد اللَّه، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! إِنِّي شربت البارحة نبيذا وَلَا أَدْرِي طلقتُ امْرَأَتي أم لَا، قَالَ: اذْهَبْ فَطلقهَا ثُمَّ رَاجعهَا، ثُمَّ أَتَى زُفَر بْن الْهُذيْل، فَقَالَ: يَا أَبَا الْهُذيْل! إِنِّي شربت البارحة نبيذا وَلَا أَدْرِي طلقتُ امْرَأَتي أم لَا، قَالَ: سَأَلت غَيْرِي؟ قَالَ: أَبَا حنيفَة، قَالَ: فَمَا قَالَ لَك؟ قَالَ: الْمَرْأَة امرأتُك حَتَّى تستيقن أنَّكَ قَدْ طَلقتهَا، قَالَ: الصَّوَاب قَالَ، قَالَ: فَهَل سألتَ غَيره؟ قَالَ: سُفْيَان الثّوريّ، قَالَ: فَمَا قَالَ لَك؟ قَالَ: اذْهَبْ فَرَاجعهَا فَإِن كنت قَدْ طَلقتهَا فقد راجعتها وَإِن لَمْ تَكُ طَلّقْتها لَمْ تَضُرك الْمُرَاجَعَة شَيئًا، قَالَ: مَا أحسن مَا قَالَ! قَالَ: فَهَل سَأَلتَ غَيره؟ قَالَ: شريك بْن عَبْد اللَّه، قَالَ: فَمَا قَالَ لَك؟ قَالَ: اذْهَبْ فَطلقهَا ثُمَّ رَاجعهَا، فَضَحِك زفر وَقَالَ: لأضربنَّ لَك مثلا، رَجُل مَرَّ بمثغب يسيل فَأصَاب ثَوْبه، قَالَ لَك أَبُو حنيفَة: ثوبُك طَاهِر وصلاتك تَامَّة حَتَّى تستيقن أَمر المَاء، وَقَالَ لَك سُفْيَان: اغسله فَإِن يَك نجسا فقد طَهُر، وَإِن يَك نظيفاً زَاد نظافة، وَقَالَ لَك شريك: اذْهَبْ فبُلْ عَلَيْهِ ثُمَّ اغسله. حذف ألف الِاسْتِفْهَام قَالَ القَاضِي: فِي هَذَا الْخَبَر: وَلَا أَدْرِي طلقت امْرَأَتي أم لَا، والفصيح وَلَا أَدْرِي أطلقت، غَيْر أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي مَوَاضِع بِغَيْر ألف اكْتِفَاء بِدلَالَة أم، قَالَ امْرُؤ الْقَيْس: تَرُوح من الحَيِّ أم تَبْتَكِرْ ... وماذا يَضُرُّك لَوْ تنتِظر وَقَالَ آخر: لَعَمْرك مَا أَدْرِي وَإِن كنتُ داريا ... شُعَيْبُ بْن سَهْم أم شُعَيب بْنِ مِنْقَرِ وَقَالَ ابْن أبي ربيعَة: فوَاللَّه مَا أَدْرِي وَإِن كنتُ داريا ... بِسبع رَمَيْن الجَمْر أم بِثَمَانِ وَقد أجَاز قَوْمٍ حذف ألف الِاسْتِفْهَام وَإِن لَمْ تكن أم فِي الْكَلَام، وتأولوا مثل هَذَا فِي الْقُرْآن، كَقَوْلِه " هَذَا رَبِّي " واستشهدوا بقول الْهُذلِيّ: رَفَوْني وَقَالُوا يَا خُوَيلدُ لمْ تُرَع ... فقلتُ وأنكرتُ الْوُجُوه: هُمُ هُمُ؟ وَقَول ابْن أبي ربيعَة: ثُمَّ قَالُوا: تحبها؟ قلت بهراًعدد الرَّمْل والحصى والتُّرابِ وَأنكر هَذا بعض نظار

стр. 153

النَّحْوِيين، إِذْ فِيهِ عِنْدَهُ التباس الْخَبَر والاستخبار، وَقَالَ: الأبيات عَلَى الْخَبَر دون الِاسْتِفْهَام. وَقد أحسن زُفَر فِي فَصله بَيْنَ هَؤُلاءِ الثَّلَاثَة فِيمَا أفْتَوا بِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة وَفِيمَا ضربه لسائله من الأمثل، وأمّا قَول أبي حنيفَة فَهُوَ محضُ النّظر ومَرُّ الْحق، وَلَا يجوز أَن يحكم عَلَى امْرِئ فِي زَوجته بِطَلَاقِهَا بَعْدَ صِحَة زوجيِّتها، ويقين الْعلم بِثُبُوت النِّكَاح بَينه وَبَينهَا، بظنِّ عَرَض لَهُ وحُسْبان أَنَّهُ أوقع الطَّلَاق فِي حالٍ يتَغَيَّر فِيهَا الْفَهم، ويزولُ مَعهَا التَّمْيِيز، وَهُوَ أبعد عِنْدَ ذَوي الأفهام، من أضغاث الأحلام، ورؤيا الراقد فِي الْمَنَام، من حَال الصِّحَّة الَّتِي تلْزم فِيهَا الْأَحْكَام، وتجري فِيهَا الأقلام، فأمّا مَا قَالَ سفيانُ الثّوريّ فَإِنَّهُ أَشَارَ بالاستظهار والتوقفة وَالْأَخْذ بالحزم والحيطة وَهَذِه طَريقَة أَهْلَ الْوَرع الْمُتَّقِينَ، وَذَوي الِاسْتِقْصَاء عَلَى أنفسهم من أَهْلَ الدِّين، وفُتيا أَبِي حنيفَة فِي هَذَا عين الْحق وجُلُّ الْفِقْه، وَأي هَاتين المحجّتين سلك من نزلت بِهِ هَذِهِ النَّازِلَة، وعرضَتْ لَهُ هَذِهِ الحادثةُ فَهُوَ مُصيبٌ محسن عَلَى مَا بَينا فِيهَا من الفَضْل بَيْنَ المنزلتين، وأمّا مَا أفتى بِهِ شريك وتعجّب زفُر مِنْهُ وَاقع فِي موقعه، وَلَا وَجه فِي الصِّحَّة لمّا أَشَارَ بِهِ، وَقد أصَاب زُفرٌ أَيْضا فِي الْمثل الَّذِي ضربه لَهُ، وَأرى أنَّ شَرِيكا توهم أنَّ الرّجْعَة لَا تتَحَقَّق إِلَّا مَعَ تحقق الطَّلَاق، فَأمر باستئناف تَطْلِيقَة لتصح الرّجْعَة بعْدهَا، وَهَذَا مَا لَا يحِيل فَسَاده، وَلَو كَانَ كَمَا نرى أَنَّهُ توهمه لما أثرت الرّجْعَة إِلَّا فِي التطليقة الَّتِي أوقعهَا وتيقنها دون الَّتِي أشْفق من تقدمها وَهُوَ عَلَى غَيْر يَقِين مِنْهَا، وَلَو أنَّ رَجُلا وكّل رَجُلا فِي طَلَاق زَوجته، ثُمَّ غَابَ الْوَكِيل فأشفق من تطليقه إِيَّاهَا عَلَيْهِ، وَأشْهد على رَجعتهَا وَهُوَ غَيْر عَالم بوقوعها، ثُمَّ تبين أَنَّهَا وَقعت قَبْلَ مُرَاجعَته لصحّت رجعته، وَكَذَلِكَ لَوْ كتب إِلَى زَوجته بِطَلَاقِهَا إِذَا وصل إِلَيْهَا كِتَابه، ثُمَّ أشهد عَلَى الرّجْعَة بَعْدَ الْوُصُول وَقبل انْقِضَاء الْعدة، لكَانَتْ الرّجْعَة صَحِيحَة لوقوعها بَعْدَ الطَّلَاق الَّذِي لَمْ يكن عَالما بِهِ.؟ الْمجْلس الْحَادِي وَالْعشْرُونَ حَدِيث إِنَّكُم لن تسعوا النّاس بأموالكم حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الأُبَلِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَلَفٍ الْجِيلانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي: قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ ذِي حَمَّامٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْفَضْلِ الْحَنَفِيِّ وَيُكَنَّى أَبَا الْفَضْلِ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَسَعُهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ ". التَّعْلِيق عَلَى الحَدِيث قَالَ القَاضِي: هَذَا الَّذِي ذكره رَسُول اللَّهِ ﷺ من أحسن الْكَلَام وألطفه، وأبلغ بَيَان وأشرفه، وَلَقَد أرشد أمته إِلَى الْحَاضِر المتيسر، وَالْمَوْجُود الَّذِي لَيْسَ بمستصعب وَلَا مُتَعَذر، وَقد جَاءَ عَنْهُ وَعَن السّلف بعده فِي حسَن الْخلق، وَبسط الْوَجْه، وتوطئة الكَنَف،

стр. 154

وَجَمِيل المعاشرة، وكريم الصُّحْبَة، مَا يطول ذكره ويتعب جمعه، وَجَاء عل النَّبيّ ﷺ أَنه قَالَ: " إنَّ الرَّجُل ليدرك بحُسْن خَلْقه دَرَجَة الصَّائِم الْقَائِم، وَإِن خَير مَا أُوتِيَ الْمَرْء بَعْدَ الْإِيمَان بِاللَّه خَلْقٌ حَسَن " وَجَاء عَنْهُ ﷺ أَيْضا فِي ذمّ سوء الْخلق مَا يطولُ ذكره، وَأمر هذَيْن الخلقين فِي فَضله وَحسنه، وَنقض الآخر وقبحه، بَين عِنْدَ خَواص العاقلين وعوام المتميزين، من أَن يحْتَاج إِلَى الإطناب فِيهِ والإسهاب فِي الاستشهاد عَلَيْهِ، وفقنا الله وَإِيَّاكُم من الْأَخْلَاق لكل مَا يحمد ويُستحسن، وأعاذنا ممّا يذمّ ويستهجن، فَلَنْ ندرك خيرا إِلَّا بفضله ومعونته، وَلنْ ندرأ شَرًّا إِلَّا بحوله وقوته. عَيْش الْفُقَرَاء وحساب الْأَغْنِيَاء حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِم، عَنْ الْعُتْبِي، عَنْ سَعِيد، قَالَ: سَمِعت أَعْرَابِيًا، يَقُولُ: عجبا للبخيل المتعجل للفقر الَّذِي مِنْهُ هرب، والمؤخر للسّعَة الَّتِي إِيَّاهَا طلب، وَلَعَلَّه يَمُوت بَيْنَ هربه وَطَلَبه، فَيكون عيشه فِي الدُّنْيَا عَيْش الْفُقَرَاء، وحسابه فِي الآخِرَة حِسَاب الْأَغْنِيَاء، مَعَ أنَّكَ لَمْ تَرَ بَخيلا إِلَّا وَغَيره أسعد بِمَالِه مِنْهُ، لِأَنَّهُ فِي الدُّنْيَا مهتمٌ بجمعه، وَفِي الآخِرَة آثم بِمَنْعه، وَغَيره آمن فِي الدُّنْيَا من همّه، وناج فِي الآخِرَة من إثمه. قَالَ القَاضِي: وَفِيمَا حكى لي من منثور كَلَام ابْن المعتز: بَشِّرْ مَال الْبَخِيل بحادث أَوْ وَارِث، وَمن منظومة: يَا مَالَ كُلِّ جامعٍ ووارث ... أبْشِر بريبِ حادثٍ أَوْ وَارِثِ سَبَب نكبة أبي أَيُّوب المورياني وَزِير الْمَنْصُور حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الفَضْل الْعَبَّاس بْن الفَضْل الرَّبَعيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي: قَالَ: كَانَ أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور فِي بَعْض أَسْفَاره فِي أيّام بني أُميَّة تزوج امْرَأَة من الأزد بالموصل عَنْ ضُرٍّ شَدِيد أَصَابَهُ حَتَّى أكرى نَفسه مَعَ الملاحين يمدُّ فِي الْحَبل، حَتَّى انْتهى إِلَى المَوْصِل أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لأمر خَافَه عَلَى نَفْسه، فتنكر وأكرى نَفسه فِي مدادي السفن، فَخَطب هَذِه الْمَرْأَة ورَغّبها فِي نَفسه، ووعدها ومناها وَأخْبرنَا أَنَّهُ نَابِهُ القَدْر، وَأَنه من أَهْلَ بَيت شَرَف، وَأَنَّهَا إِن تزوجته سَعِدَتْ بِهِ، فَلم يزل يُمَنِّيها بِهَذَا وَشبهه حَتَّى أَجَابَتْهُ وَأقَام مَعهَا، وَكَانَ يخْتَلف فِي أَسبَابه وَيجْعَل طَرِيقه عَلَيْهَا بِمَا رزقه اللَّه ، ثُمَّ اشتملتْ عَلَى حَمْل، فَقَالَ لَهَا: أيتها الْمَرْأَة! هَذِهِ رُقْعةٌ مختومة عنْدك لَا تَفْتَحيها حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنك، فَإِن ولدت ابْنا فسمِّيه جعفرا وكَنِّيه أَبَا عَبْد اللَّه، وَإِن ولدت بِنْتا فسمِّيها فُلَانَة، وَأَنا عَبْد اللَّه بن مُحَمَّد ابْن عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاس بْن عَبْد الْمطلب، فاسْتُري أَمْرِي فَإنّا قومٌ مطلوبون، وَالسُّلْطَان إِلَيْنَا سريع، وودّعها وَخرج، فقُضي أَنَّهَا ولدتْ ذكرا وأخرجت الرقعة وقرأت النّسَب فَسَمتْهُ جعفرًا وَضرب الدَّهْر على ذَلِكَ مَا تسمع لَهُ خَبرا، وَنَشَأ الصَّبِي مَعَ أَخْوَاله وَأهل بَيت أمه، وَكَانَ كَيِّسًا ذَهِنًا لَقِنًا واستخلف

стр. 155

أَبُو الْعَبَّاس فَقيل للْمَرْأَة: إِن كنت صَادِقَة فِي رقعتك وَكَانَ من كتبهَا صَادِقا فَإِن زَوجك الْخَلِيفَة أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَتْ: مَا أَدْرِي صفوا لي صفة هَذَا الْخَلِيفَة، قَالُوا: غلامٌ حِين اتَّصل وَجهه، قَالَتْ: لَيْسَ هُوَ هُوَ، قيل: فاستري إِذَا أَمرك، وَلم يلبث أَبُو الْعَبَّاس أَن مَاتَ وَاسْتحق عِنْدهَا الْيَأْس، وَأَقْبل ابْنهَا عَلَى الْأَدَب فتأدب وظَرُفَ وَكتب ونزعت بِهِ همته إِلَى بَغْدَاد، فَدخل ديوَان أبي أَيُّوب كَاتب الْمَنْصُور، وَانْقطع إِلَى بَعْض أَهله فَأتى عَلَيْهِ زمَان يتقَّوت الْكتب ويتزيد فِي أدبه وفهمه وخطه، حَتَّى بلغ إِن صَار يكْتب بَيْنَ يَدي أبي أَيُّوب، إِلَى أَن تهَيَّأ أَن خرج خَادِم يَوْمَا إِلَى الدِّيوَان يطْلب كَاتبا يكْتب بَيْنَ يَدي الْمَنْصُور، فَقَالَ أَبُو أَيُّوب للغلام: خُذْ دَوَاتَك وقم واكتب بَيْنَ يَدي أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَدخل الغلامُ فَكتب وَكَانَت تتهيأ من أبي جَعْفَر إِلَيْهِ النظرة بَعْدَ النظرة يتأمله، وألقيت عَلَيْهِ محبته واستجاد خطه واسترشق فهمه، فَلبث زَمَانا لَا يزَال الْخَادِم قَدْ خَرَجَ فيَقُولُ: يَا غُلَام خُذ دواتك وقم واكتب بَيْنَ يَدي أَمِير الْمُؤمنِينَ، واستراح أَبُو أَيُّوب إِلَى مَكَانَهُ، وَرَأى أَنَّهُ قَدْ حَمَل عَنْهُ ثقلا، وبرَّ الغلامَ وَوَصله وكساه كُسْوةً تصلح أَن يَدْخُل بهَا إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ، ثُمَّ إِن أَبَا جَعْفَر قَالَ للغلام يَوْمَا: مَا اسْمك؟ قَالَ: جَعْفَر، قَالَ: ابْن من؟ فَسكت متحيرًا، قَالَ: ابْن من وَيحك؟ قَالَ: ابْن عَبْد اللَّه قَالَ: فَأَيْنَ أَبوك؟ قَالَ: لَمْ أره وَلم أعرفهُ، وَلَكِن أُمِّي أَخْبَرتنِي أَن أبي شرِيف، وَأَن عِنْدَها رقْعَة بِخَطِّهِ فِيهَا نسبه، عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عليّ بْن عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس بْن عَبْد الْمطلب، فساعة ذَكَرَ الرقعة تغير وَجه الْمَنْصُور، فَقَالَ: وَأَيْنَ أمك؟ قَالَ: بالموصل، قَالَ: وَأَيْنَ تَنْزِلُونَ؟ قَالَ: فِي مَوضِع كَذَا، قَالَ: فتعرفُ فلَانا؟ قَالَ: نَعَمْ هُوَ إِمَام مَسْجِد مَحَلّتنا، قَالَ: أفتعرف فلَانا؟ قَالَ: نَعَمْ بَقّالٌ فِي سكتنا، فَلَمّا رَأَى الْغُلَام أَبَا جَعْفَر ينْزع بأسماء قَوْمٍ يعرفهُمْ أَدْرَكته هيبةٌ لَهُ، وجَزَع وتَدَمّعَ، فأدركت أَبَا جَعْفَر الرقة عَلَيْهِ فَلم يَتَمَالَك أَن قَالَ: فُلَانَة بِنْت فلَان من هِيَ مِنْك؟ قَالَ: أُمِّي، قَالَ: ففلانة؟ قَالَ: خَالَتِي، قَالَ: ففلان؟ قَالَ: خَالِي، فضمه إِلَيْهِ وَبكى، وَقَالَ: يَا غُلَام! لَا يعلمنّ أَبُو أَيُّوب وَلَا أحد من خَلْقٌ اللَّه تَعَالَى مَا دَار بيني وبنيك، انْظُر انْظُر احذر احذر، فَنَهَضَ الْغُلَام فَخرج، فَقَالَ لَهُ أَبُو أَيُّوب لَقَد احتبستَ عِنْدَ أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَ: كتبتُ كتبا كَثِيرَة وأملّها عَلَي، قَالَ: فَأَيْنَ هِيَ؟ قَالَ: جعلهَا نسخا يتردَّدُ فِيهَا حَتَّى يُحْكمها ثُمَّ تخرج إِلَى الدِّيوَان ثُمَّ إِن أَبَا جَعْفَر جعل يَقُولُ فِي بَعْض الْأَيَّام لأبي أَيُّوب: هَذَا الْغُلَام الَّذِي يكْتب بَيْنَ يَدي كيس فاستوص بِهِ، قَالَ: فاتّهم أَبُو أَيُّوب الْغُلَام أَنه يلقِي إِلَى أبي جَعْفَر الشَّيء بَعْدَ الشَّيء من خَبره، ثُمَّ لَمْ يلبث أَن سَأَلَهُ عَنْهُ مرّة بَعْدَ مرّة فقُذِف فِي قلب أبي أَيُّوب بُغْضُ الْغُلَام، وَأَنه يقوم مقَامه إِن فَقده أَبُو جَعْفَر، وَقذف فِي قلبه أَنَّهُ يسْعَى عَلَيْهِ وَأَنه يخرج أخباره، فَجعل إِذَا خَرَجَ الْخَادِم يطْلب كَاتبا بعث مَعَه غَيره وَأَبُو جَعْفَر يزْدَاد وَلها إِلَى الْغُلَام ويجن جنونًا وَلَيْسَ يمنعهُ من إدنائه وَإِظْهَار أمره إِلَّا لأمر يَريده، فَلَمّا رَأَى أنَّ

стр. 156

أَبَا أيّوب يحْبسهُ عَنْهُ عنادًا، قَالَ للخادم: اخْرُج إِلَى الدِّيوَان فجئني بفلان الْغُلَام الَّذِي كَانَ يكْتب بَيْنَ يَدي، فَإِن بعث مَعَك أَبُو أَيُّوب بِغَيْرِهِ فَقل: لَا، أَمرنِي أَمِير الْمُؤمنِينَ أَلا يدْخل عَلَيْهِ غَيره، فَفعل الْخَادِم ذَلِكَ فَاسْتحقَّ فِي قلب أبي أَيُّوب مَا حذره وحَدَّثَتْه بِهِ نَفسه، فَقَالَ الْغُلَام: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ - جعلني اللَّه فدَاك - قَدْ تعرفت من أبي أَيُّوب البغض والاستثقال بمكاني، وَله غوائل لَا يُحِيط بهَا علمي وَأَنا أخافه عَلَى نَفسِي، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَر: بَارك الله عَلَيْك، فَمَا أَخْطَأت الَّذِي فِي نَفسِي وَهَذَا كُله يَا بني قَدْ جال فِي صَدْرِي، فَإِذا كَانَ غَد فتعرض لِأَن يغلظ لَك، فَإِذا أغْلظ فَقُمْ فَانْصَرف كَأَنَّك مغضب، وَلَا تعد إِلَى الدِّيوَان وَاجعَل وَجهك إِلَى أمك، وأوصل إِلَيْهَا هَذَا العقد وَهَذَا الْكيس وكتابي هَذَا، واحمل أمك وَمن اتبعها من قرابتك وَأَقْبل فَانْزِل مَوضِع كَذَا، فَانِي منفذ إِلَيْكَ خَادِمًا يتفقد أمورك وَيعرف خبرك، وَلَا تطلِعنَّ أحدا من الْخلق طلع مَا مَعَك، وامض بِهَذَا المَال وَبِهَذَا العقد وأحرزه أَولا قَبْلَ رجوعك إِلَى الدِّيوَان، ثُمَّ قَالَ للخادم: أَخْرَجَهُ من بَاب كَذَا وَكَذَا، فَخرج الْغُلَام فأحرز مَا كَانَ مَعَه ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الدِّيوَان، وَأَبُو أَيُّوب فِي فكره من احتباسه عِنْدَ الْمَنْصُور، وَرجع الْغُلَام بِوَجْه بهج مسرور لَا يخفي ذَلِكَ عَلَيْهِ وَظُهُور الْفَرح فِي وَجهه وشمائله، فَقَالَ أَبُو أَيُّوب: أحلفُ بِاللَّه لَقَدْ رَجَعَ هَذَا الْغُلَام بِغَيْر الْوَجْه الَّذِي مضى بِهِ، وَلَقَد دَار بَينه وَبَين أَمِير الْمُؤمنِينَ من ذكرى مَا سرّه، واستشعر الوحشة مِنْهُ وَصرف أَكثر عمله عَنْهُ، ثُمَّ لَمْ يلبث أَن أغْلظ لَهُ، فَقَالَ الْغُلَام: أَنَا إِنْسَان غَرِيب أطلب الرزق وَأَنت تستخفُّ بِي، فَكَأَنِّي قَدْ ثقلت عَلَيْكَ فأنتحي عَنْكَ قَبْلَ أَن تطردني، ثُمَّ قَامَ فَانْصَرف وافتقده أَبُو أَيُّوب أيّاما، وَرَأى أنَّ أَبَا جَعْفَر لَا يسْأَل عَنْهُ وَلَا يذكرهُ، ثُمَّ إِن نفس أبي أَيُّوب نازعته إِلَى عَلَمُ حَقِيقَة خَبره، فَأرْسل من يسْأَل عَنْهُ فِي الْموضع الَّذِي كَانَ نازلا فِيهِ، فَقيل لَهُ: إِنَّهُ قَدْ تهَيَّأ للسَّفر وتجهز جهازًا حسنا وشخص إِلَى أَهله بالموصل، فَقَالَ أَبُو أَيُّوب فِي نَفسه: وَمن أَيْن لَهُ مَا يتجهز بِهِ، وَكم مبلغ مَا ارتزق معي وارتفق بِهِ؟ لهَذَا الْأَمر نبأ، وَجعلت نَفسه تزدادُ وَحْشَة مِنْهُ وَمن خَبره إِلَى أَن قيل لَهُ: قَدْ كَانَ أَبُو جَعْفَر وَصله بِمَال ووهب لَهُ شَيئًا، فَقَالَ فِي نَفسه: هَذَا الَّذِي ظَنَنْت وَقد ربصه لمكاني وَيَنْبَغِي أَن يكون استأذنه فِي أَن يخرج إِلَى أَهله فيلم بهم ثُمَّ يرجع إِلَيْهِ فيقلِّده مَكَاني، فَقَالَ لرجل من أَصْحَابه: اخْرُج إِلَى طَرِيق المَوْصِل قَرْيَة قَرْيَة برًّا وبحرًا، فَإِذا عرفتَ مَوْضِعه فاقتله وجئني بِمَا مَعَه، فشخص وتهيأ، ثُمَّ إِن الْغُلَام لمّا خرج عَنْ بَغْدَاد رَأَى أَنَّهُ قَدْ أَمن فقصر فِي مسيره، وَكَانَ يُقيم فِي الْموضع فيستطيبه الْيَوْم واليومين وَالْأَكْثَر والأقل، فَلحقه رَسُول أبي أَيُّوب وعرفه، فباتا بقرية فَقَامَ إِلَيْهِ الرَّسُول فخنقه وطرحة فِي الْبِئْر وَأخذ خُرجَه وخرائط كَانَتْ مَعَه، وَركب دابَّة لَهُ وَرجع إِلَى أبي أَيُّوب وسَلّم ذَلِكَ إِلَيْهِ وَشرح الْخَبَر لَهُ، ففتش مَتَاعه أَبُو أَيُّوب فَإِذا المَال وَالْعقد فَعرفهُ، وَإِذا كتاب الْمَنْصُور بِخَطِّهِ إِلَى أمه فَوَجَمَ أَبُو أَيُّوب وَنَدم وَعلم أَنَّهُ قَدْ عجل وَأَخْطَأ، وَأَن الْخَبَر لَمْ يكن كَمَا ظن، وعزم عَلَى الْحلف والمكابرة إِن عثر عَلَى شَيْءٍ من أمره، وَأَبْطَأ خبر الْغُلَام عَلَى أبي جَعْفَر، واستبطأه فِي الْوَقْت الَّذِي ضرب لَهُ، فَدَعَا خَادِمًا من ثقاته ورجلا من خاصته، فَقَالَ لَهما: استقرئا الْمنَازل إِلَى المَوْصِل منزلا منزلا وقرية قَرْيَة، وأعطيا صفة الْغُلَام حَتَّى تدخلا المَوْصِل، ثُمَّ اقصدا مَوضِع كَذَا من المَوْصِل فسلا عَن فُلَانَة، وَوصف لَهما كل مَا أَرَادَ ففعلا، فَلَمّا انتهيا إِلَى الْموضع الَّذِي أُصِيب فِيهِ الْغُلَام أُعْلِما خَبره، وَذكروا الْوَقْت الَّذِي أُصِيب فِيهِ فَإِذا التَّارِيخ بِعَيْنِه، ثُمَّ مضيا إِلَى المَوْصِل فسألا عَنْ أمه فوجداها أشدَّ خَلْق اللَّه تَعَالَى وَلَهًا إِلَى ابْنهَا، وحاجة إِلَى عَلمُ خَبره، فأطلعاها طلع حَاله، وأمراها أَن تستر أمرهَا، ثُمَّ رجعا إِلَى أبي جَعْفَر بجملة خَبره، فَكَادَتْ أمه أَن تقتل نَفسهَا وَلم تُرد الدُّنْيَا بعده، وَكَانَ الْمَنْصُور يذكُره فيكادُ ذكرهُ يصدع قلبه، وَأجْمع أَبُو جَعْفَر عَلَى الْإِيقَاع بِأبي أَيُّوب عِنْدَ ذَلِكَ، فاستصفي مَاله وَمَال أَهْلَ بَيته، ثُمَّ قَتلهمْ جَمِيعًا وأباد عصراءهم، وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ أَبَا أَيُّوب لَعنه وسبه، وَقَالَ: ذَاك قَاتل حَبِيبِي.، أَمرنِي أَمِير الْمُؤمنِينَ أَلا يدْخل عَلَيْهِ غَيره، فَفعل الْخَادِم ذَلِكَ فَاسْتحقَّ فِي قلب أبي أَيُّوب مَا حذره وحَدَّثَتْه بِهِ نَفسه، فَقَالَ الْغُلَام: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ - جعلني اللَّه فدَاك - قَدْ تعرفت من أبي أَيُّوب البغض والاستثقال بمكاني، وَله غوائل لَا يُحِيط بهَا علمي وَأَنا أخافه عَلَى نَفسِي، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَر: بَارك الله عَلَيْك، فَمَا أَخْطَأت الَّذِي فِي نَفسِي وَهَذَا كُله يَا بني قَدْ جال فِي صَدْرِي، فَإِذا كَانَ غَد فتعرض لِأَن يغلظ لَك، فَإِذا أغْلظ فَقُمْ فَانْصَرف كَأَنَّك مغضب، وَلَا تعد إِلَى الدِّيوَان وَاجعَل وَجهك إِلَى أمك، وأوصل إِلَيْهَا هَذَا العقد وَهَذَا الْكيس وكتابي هَذَا، واحمل أمك وَمن اتبعها من قرابتك وَأَقْبل فَانْزِل مَوضِع كَذَا، فَانِي منفذ إِلَيْكَ خَادِمًا يتفقد أمورك وَيعرف خبرك، وَلَا تطلِعنَّ أحدا من الْخلق طلع مَا مَعَك، وامض بِهَذَا المَال وَبِهَذَا العقد وأحرزه أَولا قَبْلَ رجوعك إِلَى الدِّيوَان، ثُمَّ قَالَ للخادم: أَخْرَجَهُ من بَاب كَذَا وَكَذَا، فَخرج الْغُلَام فأحرز مَا كَانَ مَعَه ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الدِّيوَان، وَأَبُو أَيُّوب فِي فكره من احتباسه عِنْدَ الْمَنْصُور، وَرجع الْغُلَام بِوَجْه بهج مسرور لَا يخفي ذَلِكَ عَلَيْهِ وَظُهُور الْفَرح فِي وَجهه وشمائله، فَقَالَ أَبُو أَيُّوب: أحلفُ بِاللَّه لَقَدْ رَجَعَ هَذَا الْغُلَام بِغَيْر الْوَجْه الَّذِي مضى بِهِ، وَلَقَد دَار بَينه وَبَين أَمِير الْمُؤمنِينَ من ذكرى مَا سرّه، واستشعر الوحشة مِنْهُ وَصرف أَكثر عمله عَنْهُ، ثُمَّ لَمْ يلبث أَن أغْلظ لَهُ، فَقَالَ الْغُلَام: أَنَا إِنْسَان غَرِيب أطلب الرزق وَأَنت تستخفُّ بِي، فَكَأَنِّي قَدْ ثقلت عَلَيْكَ فأنتحي عَنْكَ قَبْلَ أَن تطردني، ثُمَّ قَامَ فَانْصَرف وافتقده أَبُو أَيُّوب أيّاما، وَرَأى أنَّ أَبَا جَعْفَر لَا يسْأَل عَنْهُ وَلَا يذكرهُ، ثُمَّ إِن نفس أبي أَيُّوب نازعته إِلَى عَلَمُ حَقِيقَة خَبره، فَأرْسل من يسْأَل عَنْهُ فِي الْموضع الَّذِي كَانَ نازلا فِيهِ، فَقيل لَهُ: إِنَّهُ قَدْ تهَيَّأ للسَّفر وتجهز جهازًا حسنا وشخص إِلَى أَهله بالموصل، فَقَالَ أَبُو أَيُّوب فِي نَفسه: وَمن أَيْن لَهُ مَا يتجهز بِهِ، وَكم مبلغ مَا ارتزق معي وارتفق بِهِ؟ لهَذَا الْأَمر نبأ، وَجعلت نَفسه تزدادُ وَحْشَة مِنْهُ وَمن خَبره إِلَى أَن قيل لَهُ: قَدْ كَانَ أَبُو جَعْفَر وَصله بِمَال ووهب لَهُ شَيئًا، فَقَالَ فِي نَفسه: هَذَا الَّذِي ظَنَنْت وَقد ربصه لمكاني وَيَنْبَغِي أَن يكون استأذنه فِي أَن يخرج إِلَى أَهله فيلم بهم ثُمَّ يرجع إِلَيْهِ فيقلِّده مَكَاني، فَقَالَ لرجل من أَصْحَابه: اخْرُج إِلَى طَرِيق المَوْصِل قَرْيَة قَرْيَة برًّا وبحرًا، فَإِذا عرفتَ مَوْضِعه فاقتله وجئني بِمَا مَعَه، فشخص وتهيأ، ثُمَّ إِن الْغُلَام لمّا خرج عَنْ بَغْدَاد رَأَى أَنَّهُ قَدْ أَمن فقصر فِي مسيره، وَكَانَ يُقيم فِي الْموضع فيستطيبه الْيَوْم واليومين وَالْأَكْثَر والأقل، فَلحقه رَسُول أبي أَيُّوب وعرفه، فباتا بقرية فَقَامَ إِلَيْهِ الرَّسُول فخنقه وطرحة فِي الْبِئْر وَأخذ خُرجَه وخرائط كَانَتْ مَعَه، وَركب دابَّة لَهُ وَرجع إِلَى أبي أَيُّوب وسَلّم ذَلِكَ إِلَيْهِ وَشرح الْخَبَر لَهُ، ففتش مَتَاعه أَبُو أَيُّوب فَإِذا المَال وَالْعقد فَعرفهُ،

стр. 157

وَإِذا كتاب الْمَنْصُور بِخَطِّهِ إِلَى أمه فَوَجَمَ أَبُو أَيُّوب وَنَدم وَعلم أَنَّهُ قَدْ عجل وَأَخْطَأ، وَأَن الْخَبَر لَمْ يكن كَمَا ظن، وعزم عَلَى الْحلف والمكابرة إِن عثر عَلَى شَيْءٍ من أمره، وَأَبْطَأ خبر الْغُلَام عَلَى أبي جَعْفَر، واستبطأه فِي الْوَقْت الَّذِي ضرب لَهُ، فَدَعَا خَادِمًا من ثقاته ورجلا من خاصته، فَقَالَ لَهما: استقرئا الْمنَازل إِلَى المَوْصِل منزلا منزلا وقرية قَرْيَة، وأعطيا صفة الْغُلَام حَتَّى تدخلا المَوْصِل، ثُمَّ اقصدا مَوضِع كَذَا من المَوْصِل فسلا عَنْ فُلَانَة، وَوصف لَهما كل مَا أَرَادَ ففعلا، فَلَمّا انتهيا إِلَى الْموضع الَّذِي أُصِيب فِيهِ الْغُلَام أُعْلِما خَبره، وَذكروا الْوَقْت الَّذِي أُصِيب فِيهِ فَإِذا التَّارِيخ بِعَيْنِه، ثُمَّ مضيا إِلَى المَوْصِل فسألا عَنْ أمه فوجداها أشدَّ خَلْق اللَّه تَعَالَى وَلَهًا إِلَى ابْنهَا، وحاجة إِلَى عَلمُ خَبره، فأطلعاها طلع حَاله، وأمراها أَن تستر أمرهَا، ثُمَّ رجعا إِلَى أبي جَعْفَر بجملة خَبره، فَكَادَتْ أمه أَن تقتل نَفسهَا وَلم تُرد الدُّنْيَا بعده، وَكَانَ الْمَنْصُور يذكُره فيكادُ ذكرهُ يصدع قلبه، وَأجْمع أَبُو جَعْفَر عَلَى الْإِيقَاع بِأبي أَيُّوب عِنْدَ ذَلِكَ، فاستصفي مَاله وَمَال أَهْلَ بَيته، ثُمَّ قَتلهمْ جَمِيعًا وأباد عصراءهم، وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ أَبَا أَيُّوب لَعنه وسبه، وَقَالَ: ذَاك قَاتل حَبِيبِي. جميل وَقَول أحدهم فِيهِ لن يفلح هَذَا أبدا حَدَّثَنِي أَبُو الْمُنْذر، قَالَ: حَدَّثَنِي شيخٌ من أَهْلَ وَادي الْقرى، قَالَ: لمّا استعدى آل بثينة مَرْوَان بْن الحكم عَلَى جميل وَطَلَبه رِبْعِيُّ ابْن دجَاجَة الْعَبْدي صَاحب تيماء هرب إِلَى أقاصي بِلَادهمْ، فَأتى رَجُلا من بْني عذرة شريفًا وَله بَنَات سبْعٍ كأنهن البدور جمالا، فَقَالَ: يَا بَنَاتِي! تحلّيْن بجيد حُليكن والبسن جيّد ثيابكن ثُمَّ تعرضن لجميل فَإِنِّي أنفس عَلَى مثل هَذَا من قومِي، فَكَانَ جميل إِذَا تزيَّنَّ ورآهن أعرض بِوَجْهِهِ فَلا ينظر إلَيْهِنَّ، ففعلن ذَلِك مرَارًا وَفعله جميل، فَلَمّا عَلَمُ مَا أُرِيد بِهن أنشأ يَقُول: حَلَفْتُ لكَي تَعْلَمُنَّ أنِّيَ صادقٌ ... ولَلصدقُ خَيْر فِي الأمورِ وأنْجَحُ لتكليمُ يَوْمٍ من بُثَيْنة واحدٍ ... ورؤيتها عِنْدِي ألذُّ وأصلحُ من الدَّهْر أَوْ أخْلُو بِكُنَّ وَإِنَّمَا ... أعالِجُ قلبًا طامحًا حَيْث يطمحُ قَالَ: فَقَالَ لَهُنَّ أَبُوهُن: ارْجِعْنَ، فوَاللَّه لَا يفلح هَذَا أبدا. أَبُو إِسْحَاق الْفَزارِيّ يردُّ عَلَى اتهام الرشيد لَهُ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْمَرْزُبَان، قَالَ: حَدَّثَنَا يزِيد بْن مُحَمَّد المهلبي، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِي، قَالَ: كنت جَالِسا بَيْنَ يَدي هَارُون الرشيد أنْشدهُ شعرًا، وَأَبُو يُوسُف القَاضِي جَالس عَلَى يسَاره، فَدخل الفَضْل بْن الرّبيع، فَقَالَ: بِالْبَابِ أَبُو إِسْحَاق الْفَزارِيّ، فَقَالَ: أدخلهُ، فَلَمّا دَخَلَ قَالَ: السّلام عَلَيْكَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته، فَقَالَ لَهُ الرشيد: لَا سلّم اللَّه عَلَيْكَ وَلَا قَرَّب دَارك وَلَا حَيّا مزارك، قَالَ: لَمْ

стр. 158

يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: أَنْت الَّذِي يحرم لبس السوَاد، قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، من أخْبرك بِهَذَا؟ لَعَلَّ ذَا أخْبرك؟ وَأَشَارَ إِلَى أبي يُوسُف - فعلى هَذَا لعنة اللَّه وعَلى أستاذه من قبله، وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَقَدْ خَرَجَ إِبْرَاهِيم عَلَى جَدِّك الْمَنْصُور فَخرج أخي مَعَه، وعزمت عَلَى الْغَزْو فَأتيت أَبَا حنيفَة فَذكرت ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لي: مخرج أَخِيك أحِبَّ إليَّ ممّا عزمت عَلَيْهِ من الْغَزْو، وَوَاللَّه مَا حَرَّمت السوَاد. فَقَالَ الرشيد: فسلّم اللَّه عَلَيْكَ وقَرَّب دَارك وحَيّا مزارك، اجْلِسْ يَا أَبَا إِسْحَاق، يَا مسرور! ثَلَاثَة آلَاف دِينَار لأبي إِسْحَاق، فَأتى بهَا ووضعها فِي يَده وَخرج وَانْصَرف، فَلَقِيَهُ ابْن الْمُبَارك فَقَالَ: من أَيْنَ أَقبلت؟ فَقَالَ من عِنْدَ أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَقد أَعْطَانِي هَذِهِ الدَّنَانِير، وَأَنا عَنْهَا غنيّ، قَالَ: فَإِن كَانَ فِي نَفسك مِنْهَا شَيْءٍ فَتصدق بهَا فَمَا خَرَجَ من سوق الرافقة حَتَّى تصدق بهَا كلهَا. كأس أم حَكِيم حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ: حَدَّثَنِي عون بْن مُحَمَّد الْكِنْديّ، قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن إِسْمَاعِيل، أَبُو أَحْمَد إِبْرَاهِيم، قَالَ: ركب الرشيد يَوْمَا بَكِرًا فَنظر إِلَى مُحَمَّد الْأمين يميلُ بِهِ سَرْجه، فَقَالَ: مَا أصارك إِلَى هَذَا يَا مُحَمَّد؟ قَالَ: أصارني إِلَيْهِ البارحة: عَلِّلاني بعاتقاتِ الْكُرُوم ... واسْقِيَانِي بكأسِ أمِّ حَكِيم قَالَ: فانصرفْ يَا مُحَمَّد، فَلَمّا رَجَعَ الرشيد وجّه إِلَيْهِ بخادم وَمَعَهُ كأس أم حَكِيم، وَكَانَ كأسًا كَبِيرا فِرْعُونيًا، قَدْ جعل فِيهِ طَوْقُ ذهبِ ومقبض من ذهب، فَإِذا هُوَ مَمْلُوء دَنَانِير، وَقَالَ لَهُ: يَقُولُ لَك أَمِير الْمُؤمنِينَ بعثتُ إِلَيْكَ بِالَّذِي أسهرك لتشرب فِيهِ وتنتفع بِمَا يصل مَعَه، قَالَ: فَأعْطى الْخَادِم قَبْضَة من دَنَانِير، وَفرق نصفه مَا فِيهِ عَلَى جُلَسَائِهِ وَأعْطى النّصْف خازنه وَشرب فِي الْقدح ثَلَاثَة أَرْطَال رطلا بَعْدَ رَطْل ورَدّه، فَكَانَ مبلغ الدَّنَانِير عشرَة أُلَّاف دِينَار. مَتَى يُقَالُ اللَّيْلَة الْمَاضِيَة، وَمَتى يُقَالُ البارحة قَالَ القَاضِي: جَاءَ فِي هَذَا الْخَبَر أنَّ الْأمين قَالَ: بَكِرًا أصابني البارحة، وَهَذَا كَلَام مستفيض فِي الْعَامَّة إِطْلَاقهم إِيَّاه فِي خطابهم وَفِيمَا يَرْوُونَهُ عَنْ غَيرهم، فَأَما أَهْلَ الْعلم بِالْعَرَبِيَّةِ فيذهبون إِلَى أَنَّهُ يُقَالُ فِي أَوْل النَّهَار إِلَى زَوَال الشَّمْسُ لليلة الْمَاضِيَة كَانَ كَذَا وَكَذَا اللَّيْلَة، فَإِذا زَالَت الشَّمْسُ قَالُوا حِينَئِذٍ: البارحة، وَفِي هَذَا الْخَبَر ذَكَرَ الكأس، وَقد ذهب قَوْمٍ إِلَى أَنَّهَا اسْم للخمر وَاسم للإناء، قَالَ اللَّه تَعَالَى ذكره: " يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ، بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ " وَقيل إِنَّها فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه: صفراء، وَقَالَ الْفراء: الكأس: الْإِنَاء بِمَا فِيهِ، فَإِذا أَخذ مَا عَلَيْهِ وَبَقِي فَارغًا رَجَعَ إِلَى اسْمه إِن كَانَ طَبَقًا أَوْ خُوَانًا أَوْ غَيْر ذَلِكَ، وَقَالَ بَعْض أَهْلَ التَّأْوِيل: الكأس الْخمر، قَالَ الله : " إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مزاجها كافوراً " وَقَالَ جلَّ ذكره: " وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كأساً كَانَ مزاجها زنجبيلاً " وَأنْشد أَبُو عُبَيْدة:

стр. 159

ومَا زَالَتِ الكَأسَ تَغْتَالُنَا ... وتَذْهَبُ بالأوَّلِ الأوَّلِ وَقَالَ الْأَعْشَى: وكأسٍ شربتُ عَلَى لَذَّة ... وَأُخْرَى تداويتُ مِنْها بهَا وَقَالَ آخر: ومَنْ لَمْ يَمُتْ عَبْطَةً يمت هَرَمَا ... الْمَوْت كأسٌ والمرءُ ذَائِقُها العبطة: أَن يَمُوت الرَّجُل من غَيْر عِلّة، وَمن هَذَا قَوْلهم: دمٌ عبيط إِذَا كَانَ طريًا قَدْ خَرَجَ من جسم صَحِيح، وَقَالَ أَبُو حَاتِم السِّجِسْتانيّ: لَا يُقَالُ للْمَوْت كأس، قَالَ القَاضِي: وَهَذَا خطأ مِنْهُ، قَدْ يُضَاف الكأس إِلَى الْمنية، وَقد تُوصَف الْمنية بِأَنَّهَا كأس كَمَا تُوصَف بِأَنَّهَا رَحَى، ويضاف إِلَيْهَا الرّحى فَيُقَال: الْمنية رحى دَائِرَة عَلَى الْخلق، وللمنية عَلَى النّاس رَحَى دَائِرَة، وللموت كأسٌ مرّة، وَالْمَوْت كأس كريهة، وَيُقَال شرب فلَان كأس الْمنية، فيضاف الكأس إِلَيْهَا، قَالَ مهلهل: مَا أُرَجِّي العيشَ بَعْدَ نَدَامَي ... قَدْ أَرَاهُمُ سُقُوا بكأس حَلاقِ أَي بكأس الْمنية، لِأَن حلاق من أَسمَاء الْمنية بِمَنْزِلَة حَذَام وقطام، وَرَوَاهُ بكأس خلاق بِالْخَاءِ فَقَالَ: يَعْنِي بكأس تصيبهم من الْمَوْت وَهَذَا أَكثر وَأشهر من أَن يخيل عَلَى عَالم بِالْعَرَبِيَّةِ، وأعجب بذهابه عَلَى أبي حَاتِم مَعَ سَعَة مَعْرفَته، وَلَكنهُمْ بِشْر وَأَنِّي إِنْسَان يُحِيط بِالْعلمِ كُله وَلَا يخفى عَلَيْهِ شَيْءٍ من جَلِيِّه فضلا عَنْ غامضه وخَفيِّه، وَقد قَالَ الشَّاعِر فِي هَذَا الْمَعْنى: أَيْنَ الْقُرُون الَّتِي عَنْ حَظِّها غَفلَتْ ... حَتَّى سَقَاها بكأسِ المَوْت سَاقِيها وَقَالَ السِّجِسْتانيّ: فِي الْبَيْت الَّذِي فِيهِ الْمَوْت إنّما هُوَ الْمَوْت كأس، قَالَ: وَقطع ألف الْوَصْل لِأَنَّهَا فِي مُبْتَدأ النّصْف الثَّانِي وَهَذَا يحْتَمل، وَقَالَ: أنشدناه الْأَصْمَعِي لبَعض الْخَوَارِج، وَقَالَ: لَيْسَ لأمية بْن أبي الصَّلْت، قَالَ القَاضِي: وَقد رَوَت الروَاة هَذَا الشّعْر لأمية بْن أبي الصَّلْت وأمّا الْمَعْنى الَّذِي ذكره السِّجِسْتانيّ من تَجْوِيز قطع ألف الْوَصْل فقد جَاءَ فِي الشّعْر كثيرا كَقَوْل الشَّاعِر: بأبِي امرؤٌ الشَّام بَيْني وبَيْنَه ... أَتَتْنِي ببِشْر بُرْدُه ورَسَائِلُه وَقَالَ آخر: إِذَا جَاوز الْإِثْنَيْنِ سِرٌّ فَإِنَّهُ ... بِبَثٍّ وتَكْثِيِر الْوُشَاةِ قَمِينُ وَقَالَ آخر: أَلا لَا أرى إثْنَين أَحْسَنَ شِيمَةً ... عَلَى حِدْثان الدَّهْر مِنِّي ومِنْ جُمْل وَأحسن هَذَا الْبَاب مَا كَانَ فِي الْأَوَائِل والأركان والأنصاف قَالَ حسان: لتسْمَعُنَّ وشيكًا فِي ديارِهِمُ ... اللَّه أكبر يَا ثَارَاتِ عثمانا الْقُضاة فِي نظر أبي يُوسُف حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن زِيَاد الْمقري، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَن الحَرَّانيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عليّ بْن الْجَعْد، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا يُوسُف القَاضِي يَقُولُ: مَا وُلّي الْقَضَاء أحد أفقه فِي

стр. 160

دين الله وَلَا أَقرَأ لكتاب الله وَلَا أعف عَنِ الْأَمْوَال من ابْن أبي ليلى قَالَ: فَقلت: فابْنُ شُبْرُمة، قَالَ: رَجُلٌ مِكْثار، قَالَ عليّ: وَولى حفصُ بْن غياث الْقَضَاء من غَيْر مشورة أبي يُوسُف فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ فَقَالَ بْن الْوَلِيد وَالْحسن اللؤْلُؤِي تتبّعا قضاياه، فتتبعناها فَلَمّا نظر إِلَيْهَا، قَالَ: هَذِهِ قضايا ابْن أبي ليلى، ثُمَّ قَالَ لَهما: تتبعا الشُّرُوط والسجلات ففعلا، فَلَمّا نظر فِيهَا، قَالَ حَفْصُ بْنُ غياثٍ ونظراؤه يعانون قيام اللَّيْل. كم كَانَ يُصَلِّي بهم لَوْ أكلُوا اللّوْزِيَنج حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مزِيد البوشنجي، قَالَ: سَمِعت سُفْيَان بْن وَكِيع بْن الجرّاح، يَقُولُ: سمعتُ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة، يَقُولُ: دَعَانَا سفيانُ الثّوريّ يَوْمَا فَقدم إِلَيْنَا تَمْرًا ولبنًا خاثرًا فَلَمّا توسّطْنا الْأكل قَالَ: قُوموا بِنَا نُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ شُكْرًا لله تَعَالَى قَالَ سُفْيَان بْن وَكِيع: لَوْ كَانَ قدم إِلَيْهِم شَيئًا من هَذَا اللّوْزينج الْمُحْدَث لقَالَ لَهُمْ: قومُوا بِنَا نصلي التراوح. إغْباب الزِّيَارَة أنشدنا مُحَمَّد بْن أَبِي الْأَزْهَر، قَالَ: أَنْشدني مُحَمَّد بْن يزِيد الْمبرد: عَلَيْكَ بإقْلال الزِّيَارَة إنّها ... تكون إِذَا دَامَتْ إِلَى الْهَجْرِ مَسْلَكًا فإنِّي رأيتُ الْقَطْرَ يُسْلَمُ دَائمًا ... ويُسْألُ بالأيْدِي إِذَا هُوَ أمْسَكَا قَالَ ابْن أبي الْأَزْهَر: فأنشدت هَذِين الْبَيْتَيْنِ أَبَا بِشْر الْبَنْدَنِيجِيّ بِإِسْكَان بني سَعِيد فَقَالَ: هما فِي شعرٍ طَوِيل، وأنشدني القصيدة وَهِي طَوِيلَة، فَقلت لَهُ: أَنْشدني الْمبرد هذَيْن الْبَيْتَيْنِ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سنة، قَالَ: قَدْ قلتهما أَكثر من سبعين سنة، قَالَ القَاضِي: فِي نَحْو هَذَا الْمَعْنى قَول أبي تَمام: وطُول مقَام الْمَرْء فِي الحقِّ مُخْلِقٌ ... لِدِيباجَتَيْه فاغْتَرِبْ يَتَجَدَّدِ فإنِّي رَأَيْتُ الشَّمْسَ زيدتْ مَحبَّةً ... إِلَى النّاس إذْ ليستْ عَلَيْهِمْ بَسْرمَدِ وَمن الْبَيَان الحَسَن فِي هَذَا الْمَعْنى، مَا رَوى عَنِ النَّبيّ ﷺ مِنْ قَوْله: " زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا ". أنشدنا عُمَر بْن الْحَسَن بْن عليّ بْن مَالك الشَّيْبَانيّ، قَالَ: أَنْشدني أَبُو بَكْر الْقُرَشِيّ، قَالَ: أَنْشدني الْحُسَيْن بْن عَبْد الرَّحْمَن: هَل الدَّهْرُ إِلَّا ساعةٌ ثُمَّ تَنْقَضِي ... بِمَا كَانَ فِيهَا من عَنَاء وَمن خَفْضِ فَهَوْنَك لَا تَحْفِلْ بمَشْتَاةِ عَارِضٍ ... وَلَا فَرْحَةٍ سَرَّتْ فكلتاهُما تَمْضِي الْمجْلس الثَّانِي وَالْعشْرُونَ فضل الْعقل حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّازُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ النُّورِ الْحَرَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ

стр. 161

عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا تَقَرَّبَ النَّاسُ إِلَى خَالِقِهِمْ بِأَنْوَاعِ الْبِرِّ فَتَقَرَّبْ إِلَيْهِ بِأَنْوَاعِ الْعَقْلِ، تَسْبِقُهُمْ بِالدَّرَجَاتِ وَالزُّلَفِ عِنْدَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا وَعِنْدَ اللَّهِ فِي الآخِرَةِ ". قَالَ القَاضِي: وَهَذَا مَا يبين بِهِ شَرَف الْعقل وفضله، وَأَن الْأَعْمَال الصَّالِحَة تَزْكو بِهِ ويتضاعف ثَوَاب عاملها بِحَسب حَظِّهم مِنْهُ، وَقد روى عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ الرَّجُل ليَكُون من أَهْلَ الصَّلاة وَأهل الصّيام وَأهل الْجِهَاد - حَتَّى عد سِهَام الْخَيْر - ويجازي إِلَّا عَلَى قَدْرِ عَقْله " وروى عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " مَا اسْتَوْدَعَ اللَّهُ عَبْدًا عَقْلا إِلا اسْتَنْقَذَهُ بِهِ يَوْمَا مَا ". وَمَا روى عَنِ الْعقل وفضله، وَشرف مَنْزِلَته، وعظيم نَفعه، أَكثر من أَن يُحْصى. وَقد حَدَّثَنَا الْحَارِث بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحٌ الْمُرِّيُّ، عَنْ حَسَنٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ الْحِكْمَةَ تَزِيدُ الشَّرِيفَ شَرَفًا، وَتَرْفَعُ الْعَبْدَ الْمَمْلُوكَ حَتَّى تُجْلِسَهُ مَجَالِسَ الْمُلُوكِ ". وَإِن فِي هَذَا مَا يرغب فِي اقتباس الْعلم واكتساب الْحِكْمَة وَرفع الْمَرْء قدره عَنْ طبقَة الْعَوام، ومنزلة الهَمَج الطغام، فكم ذِي علم وَمَعْرِفَة وَحِكْمَة وبصيرة، قد نبه وسَمَا وارتفع وَعلا، وَصَارَ متبوعًا مُعظَمًّا وزَعيمًا مُقَدَّما، وَكم من ذِي قدر وَحسب، ومنصب وَنسب، وَمَال ونشب، وَشرف فِي أَصله، ومنزلة فِي أَهله، قَدْ هدم مَا بِنَاء لَهُ أَهله وشيّدوه، وخفض مَا رَفَعُوهُ، وحطَّ مَا عَلوه وعَمّدُوه، وَقد روينَا أَن بَعْض وُلْدِ رَوْحِ بْن حَاتِم بْن قُبَيصة بْن الْمُهلّب وُجد فِي الْقبَّة الَّتِي بِالْبَصْرَةِ، وَهِي الَّتِي يُقَالُ لَهَا " خضراء روح " عَلَى سوءة، فَقيل لَهُ: وَيْحك أَفِي مَحَلِّ شَرَفك؟! فَقَالَ: ورثنا المجدَ عَنْ آباءِ صِدْقٍ ... أسَأْنَا فِي دِيَارِهِم الصَّنِيعَا وَمِمَّا يستحسن فِي هَذَا الْمَعْنى قَول الْقَائِل: إنَّ الْفَتى من يَقُولُ هأنذا ... لَيْسَ الفَتَى من يَقُولُ كَانَ أبي وَللَّه در الْقَائِل: لَسْنَا وإنْ أَحْسَابُنَا كَرُمَتْ ... أبدا عَلَى الأحساب نَتّكِلُ نَبْنِي كَمَا كَانَتْ أوائلُنا تبني ... ونفعل مثل مَا فَعَلُوا وَقد رُوينا أنَّ زَيْدَ بْن عليّ تَمثّل بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ، وَلَقَد كَانَ رضوَان اللَّه عَلَيْهِ من أَعْلَام الْأَبْرَار وَالْأَئِمَّة الأخيار، سلك سَبِيل سلفه، واقتفى آثَارهم فارتفع واعتلى، وَأم أنوارهم فاستبصر واهتدى، وَرفع قواعدَ بنيانهم، وشيد وثيق أركانهم، واتّبع سبيلهم فِي نصْرَة حزب الإِسْلام وأوليائه، ومحاربة حَرْبِ الدِّين وأعدائه، وغَضِب لله ﷻ من طغيان

стр. 162

المترفين وعدوان الْمُسْرِفين، فَجَاهد فِي سَبِيل ربه بِنَفسِهِ وَمن أطاعه من أَهله الْمُتَّقِينَ، وأوليائه من أماثل الْمُسلمين، وإخوانه فِي الملَّة والدِّين، وَأبْدى صفحته، وبذل فِي ذَاتَ اللَّه مَاله وصحبته، فَقضى اللَّه تَعَالَى لَهُ بالتوفيق والسعادة، وَختم لَهُ بالفوز وَالشَّهَادَة، وَنَقله إِلَى دَار كرامته، وَجعل أعداؤه بغرض الانقلاب إِلَى دَار عَذَابه ونقمته. حَدَّثَنَا ابْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاذِ الْمُؤِّدب خَلَف بْن أَحْمَد، قَالَ سَمِعت المازنيِّ ينشد: وَلرُبَّ ذِي مالٍ ترَاهُ مُبَاعدا ... كَالْكَلْبِ ينبحُ من وَرَاء البابِ وَترى الأديب وَإِن دَهَتْه خَصَاصَةٌ ... لَا يُسْتَخَفُّ بِهِ عَلَى الأبوابِ وَلَقَد أحسن ابنُ الرُّومِي فِي قَوْله: فَلا تفتخر إِلَّا بِمَا أَنت فاعلٌ ... وَلَا تحسبن المَجْد يُوَرثُ كالنّسَب وَلَيْسَ يَسُود المرءُ إِلَّا بِفِعْلِهِ ... وَإِن عَدَّ آبَاء كرامًا ذَوِي حَسَب إِذَا الْعُود لَمْ يُثْمِرْ وَإِن كَانَ شُعْبَةً ... من الْمُثْمِرات اعْتَدَّه النّاسُ فِي الحَطَب وَهَذَا بَاب يَتَّسِع وَيكثر جمعه، وَلنَا فِيهِ رِسَالَة تشْتَمل عَلَى جملَة كَثِيرَة مِنْهُ. خبر سَعْد الْعَشِيرَة حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبرنِي عمي، عَنْ أَبِيه، عَنِ ابْن الْكَلْبِيّ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: وَفَدَ سعدُ الْعَشِيرَة فِي مائَة من وَلَده إِلَى بَعْض مُلُوك حِمْير، وَكَانَ سعدٌ قَدْ عُمّر مائَة وَخمسين سنة، فَلَمّا دَخَلَ عَلَى الْملك قَالَ لَهُ: مَا مَعَك يَا سَعْد؟ قَالَ: عشيرتي، قَالَ: أَنْت سَعْدُ الْعَشِيرَة. فَسُمِّيَ سَعْد الْعَشِيرَة، قَالَ لَهُ الْملك: إِنَّهُ قَدْ بَلغنِي عَنْكَ رجاحةُ لُبِّ، ورصانةُ حِلم، وأصالة رَأْي، ونفاذٌ فِي الْأُمُور، مَعَ مَا جَرّبت من تصرف الدُّهور، فَهَل أَنْت مخبري عَمَّا أسائِلُك عَنْهُ؟ فَقَالَ: أَيهَا الْملك: إِن عَقْلِي وقلبي مضغتان مني، حَرَاهما الدَّهْر كَمَا حَرَى سَائِر جسمي، وَلَكِنِّي أَبُو روية ثاقبة مَا خذلتني مُنْذُ أيدتني، فَلْيقل الْملك أسمع، فَإِن أوفّق للصَّوَاب فبِيُمْنِ الْملك، وَإِن يَخُنِّي الجوابُ، فبمَا ثَلَمَتْهُ مِنِّيَ الأحْقابُ، قَالَ لَهُ: يَا سَعْد! مَا صلاحُ الْملك؟ قَالَ: أَيهَا الْملك! مَعْدَلةٌ شائعة، وهيبة وازعة، ورعية طَائِعَة، فَإِن فِي المعدَلة حَيَاة الْأَنَام، وَفِي الهيبة نفي الظلام، وَفِي طَاعَة الرّعية التآلف والالتئام. قَالَ لَهُ الْملك: يَا سَعْد! فَمن أَحْمَدُ الْمُلُوك إيَالا، وَأَحْسَنهمْ عِنْدَ الرّعية حَالا؟ قَالَ: من كثرتْ فِي اصطناع الْمَعْرُوف رغبته، ومالت إِلَى الأضياف رَحمته، وتخول بالمراعاة رَعيته، واعتدلت بهيبته رأفته، قَالَ: يَا سَعْد! يُسْتَدرك عَنْهُ الْمُلُوك حُسْنُ المكانة؟ وتُستبدل مِنْهُ الفظاظة بالليانة؟ قَالَ: بالمبالغة فِي طَاعَته، والانتهاء إِلَى مَشِيئَته، ومجانية مسخطته، والتقرب إِلَيْهِ بموافقته، قَالَ: فَبِمَ تُؤْمَن سطوة الْملك ويُحتجب من بَوَادِر

стр. 163

عُقُوبَته؟ قَالَ: بِالنَّصِيحَةِ غَيْر المَمْذُوقة، وَأَدَاء الْأَمَانَة غَيْر المشوبة بالخيانة، وَقطع لِسَان العتاب بالحيطة بالمغيب، والتحفظ عَنْ إفشاء الْكَلِمَة فِي الطعْن عَلَيْهِ، فَإِن الْكَلَام إِذَا لَفَظَهُ اللِّسَان لَمْ تَمْلِك إِعَادَته إِلَى الْقلب، وَلم يُؤْمن مِنْهُ عَثْرةٌ غَيْر مُقَالة، وكبوة غَيْر مغتفرة، قَالَ: فَأَيْنَ يُوجد الرَّأْي الْأَصِيل، وَالصَّوَاب الألِيل؟ قَالَ: عِنْدَ الناصح اللبيب، الحازم الأريب، الَّذِي إعلانه ككمنونه، ومبتذله كمصونه، قَالَ: فَبِمَ يدْرك عَلَمُ الْأَمر فِي الولاج المَأزول والرأي المستور فِي مُسْتَقر التامور؟ قَالَ: بِإِحْدَى خلتين، إِمَّا بالعشيرة المماطلة، والتجربة المصاولة، أَوْ بالمحبة الْبَالِغَة، والبصيرة الثاقبة، قَالَ: من أَحَق النّاس بالمعاونة عَلَى دهره وأحراهم بالمساعدة عَلَى أمره؟ قَالَ: من جعلك سندًا لظهره، وَألقى إِلَيْكَ مقاليد أمره، وَجعل رجاءك عَامر صَدره، قَالَ: بِمَ تتأكد محبَّة الْخَاصَّة، ويستعطف رضَا الْعَامَّة؟ قَالَ: ببسط يَد العَدْل، أَوْ إِطْلَاق عقل الْبَذْل، والتجافي عَنِ العثار، مَا لَمْ يخرج ذَلِكَ إِلَى انتشار، قَالَ: فَبِمَ تحسن أحدوثة الْملك؟ قَالَ: بإرجائه الْعقُوبَة فِي سُلْطَان الْغَضَب، وتعجيل مُكَافَأَة المحسن قَبْلَ الطّلب، وتسليط الْحلم والأناة عَلَى الطيش والنزق واستصلاح أولى الانقياد لاستجلاب أولى الرهَق. معنى الْأَلْفَاظ اللُّغَوِيَّة قَالَ القَاضِي: قَول سَعْد الْعَشِيرَة فِي عقله وَقَلبه: حراهما الدَّهْر كَمَا حرى سَائِر جسمي مَعْنَاهُ نقصهما، يُقَالُ: حرى الشَّيء يحرى أَي نقص، كَمَا قَالَ الْقَائِل: فِي جَسَدٍ يَنْمِي وعَقلٍ يَحْرِي وَفِي قَوْله: فبمَا ثَلَمتَه مني الأحقاب يَعْنِي السنين، قَالَ اللَّه : " لابثين فِيهَا أحقابا " وَالْوَاحد حُقْب، قَالَ اللَّه تَعَالَى: " أَو أمضي حقبا " وَقيل إِن الحقب ثَمَانُون عَاما، وَقيل لَهُ: حقبة من الدَّهْر يُراد بِهِ الْمدَّة الطَّوِيلَة، قَالَ متم بْن نُوَيرة: يرثى أَخَاهُ مَالِكًا: وكُنّا كَنُدْمَانَيْ جَذيِمة حِقْبَةً ... من الدَّهْر حَتَّى قيل لن يَتَصَدَّعَا وَقَوله: أَحْمَد الْمُلُوك إيالا: يَعْنِي الْإِصْلَاح وَالتَّدْبِير والسياسة، وَيُقَال فلَان حَسَن الإيالة إِذَا وُصِف بِالْإِحْسَانِ فِي سياسة أمره، وَقَوله: الولاج المأزول يَعْنِي المَدْخل الضَّيِّق، وَيُقَال: أصَاب الْقَوْم أزل أَي شدَّة وضيق. قَالَ الشَّاعِر: وَإِن أفْسَد المَالُ الجماعاتِ والأزْل فَأَما الإزل بِكَسْر الْهمزَة: فالكذب، كَمَا قَالَ ابنُ دارة: يَقُولُونَ إزلٌ حُبٌّ ليلى وودُّها ... وَقد كَذَبوا مَا فِي مَوَدَّتِها إزْلُ وَقَوله: التامور يُرِيد الْقلب، ويعبر بالتّامور عَنِ النَّفس وَهُوَ الدَّم، يُقَالُ نفس سَائِلَة أَي دم، وَالنّفاس وَالنُّفَسَاء من هَذَا.

стр. 164

الْوَلِيد يُوَافق الحَجَّاج عَلَى عسفه بآل الْمُهلب حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاق إِسْمَاعِيل بْن يُونُس، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَة بْن دراج، قَالَ: قَالَ الْأَصْمَعِي: كتب الحَجَّاج إِلَى الْوَلِيد بْن عَبْد الْملك يذكر عَسْفَهُ آل الْمُهلب ومطالبته إيَّاهُم بِمَا اختانوا من الْأَمْوَال، فَوَقع فِي كِتَابه بِخَطِّهِ: لَيْسَ للخائن حُرْمَة تبْعَث الْأَحْرَار عَنْ ترفيههم، فإياك وتضييع حق قَدْ وَجب، وَأَمَانَة مَال خطير يزين الدّولة ويُحَصِّن الْخلَافَة، وَيُؤْخَذ من خائن لَمْ يَشكر عَلَيْهِ، وَيدْفَع إِلَى نَاصح يحْتَاج إِلَيْهِ، فَلَمّا قَرَأَ الحَجَّاج كِتَابه أنشأ يَقُولُ متمثلا بِشعر من بني كلاب: وَإِنِّي لَصَوَّانٌ لنَفْسي وإنّني ... عَلَى الهول أَحْيَانًا بهَا لَرحُومُ وَإِنِّي لأزري فِي خلال كَثِيرَة ... عَلَى الْمَرْء أَن يختال وَهُوَ لئيمُ أَنَا أشعر أم أَنْت ؟ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مزِيد البوشنجي، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْر بْن بكار، قَالَ: أَخْبرنِي ثَابت بْن الزُّبَيْر بْن هِشَام، قَالَ: قَدِمَ الْمَأْمُون من خُرَاسَان وَمَعَهُ شَاعِر، فَلَقِيَهُ أَبُو الْعَتَاهِيَة فَقَالَ لَهُ: من أشعر أَنَا أم أَنْت؟ قَالَ: أَنْت أشعر وَأولى بالتقدمة ووقّره، فَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة: كم تَقول فِي اللَّيْلَة من بَيت شعر؟ قَالَ: رُبمَا أَقمت عَلَى القصيدة لَا تكون ثَلَاثِينَ بَيْتا شهرا، قَالَ: فَأَنا أشعر مِنْك، رُبمَا دَعَوْت الْجَارِيَة فأمليتُ عَلَيْهَا خمس مائَة بَيت، قَالَ: فحمي الْخُرَاساني فَقَالَ: لَوْ كنت أرْضى مِثل شِعرك لقلتُ فِي اللَّيْلَة خَمْسَة آلَاف بَيت، قَالَ: مثل أَي شعر؟ مثل قَوْلك: أَلا يَا عُتْبةَ السَاعَةْ ... أمُوت السّاعَةَ الساعهْ قَالَ: فاستضحك الْقَوْم مِنْهُ. وَحَدَّثَنَا ابْن دُرَيْد قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِم، قَالَ: قيل لأبي مهدية: يُعْجِبك قَول الشَّاعِر: أَلا يَا عتبَة السَاعَةْ ... أمُوت السّاعَةَ الساعهْ قَالَ: لَا، وَلكنه يَغُمُّني، قَالَ: فَقيل لَهُ: فَمَا يُعْجِبك؟ قَالَ: يُعجبنِي: جَاءَ زهيرٌ عارضًا رُمْحَه ... إِن بني عَمِّكَ فيهم رِمَاحُ هَلْ أحْدَثَ الدَّهْر لَنَا نكبةً ... أَوْ فُلَّ يَوْمَا لزهيرٍ سلاحُ بَدْء أَمر أبي الْعَتَاهِيَة حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن القَاسِم الكوكبي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن صَدَقة، قَالَ: أَخْبرنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الأسَدِيُ، قَالَ: أَخْبرنِي إِبْرَاهِيم بْن سَلام، قَالَ: كَانَ أَبُو الْعَتَاهِيَة يعْمل الفخار، وَكَانَ أَبُو الْعَتَاهِيَة معتوهًا، وَكَانَ يعرف بإبراهيم الْمَجْنُون، قَالَ: فجَاء إنسانٌ يَوْمَا فصاح: أَيْنَ إِبْرَاهِيم الْمَجْنُون؟ فَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة:

стр. 165

لَا ذنبَ إِن كَانَ ذَا جُنُونا ... كَذَا أَرَادَ اللَّه أَن أكونا وَانْطَلق يَقُولُ الشّعْر واشتهر بِهِ وبإحسانه فِيهِ. يَقُولُ شعرًا وَهُوَ لَا يدْرِي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مَحْمُود الْكَاتِب، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُوس بْن مهْدي بالكرخ، قَالَ: نزلت على ابْن أبي الْبَغْل عِنْدَ تقلده الإشراف عَلَى أَعمال الْجَبَل، فزارته مغنيةٌ كَانَ بهَا لَهِجًا عَلَى قِلَّة إعجابه بِالنسَاء، فَإنّا لَلَيْلةٌ وَنَحْنُ قُعُودٌ بِالْبُسْتَانِ نَشْرَبُ وَقَدْ طَلَعَ الْقَمَرُ، فَهَبَّتْ رِيحٌ عَظِيمَةٌ فَقَلَبَتْ صَوَانِيَنَا الَّتِي كَانَ فِيهَا شَرَابُنَا فَشِيلَتْ وَأَقْبَلَ الْغِلْمَانُ يَسْقُونَنَا، فَسَكِرَ ابْن أبي الْبَغْل عَلَى ضَعْفِ شُربه، وَقَامَ إِلَى مرقده وأخَذَنَا مَعَه والمغنية، فَلَمّا حصلنا فِيهِ استدعى قدحًا وَلنَا مثله، وَأَنْشَأَ يَقُولُ: مغموسةٌ فِي الْحُسَن معشوقةٌ ... تقتلُ ذَا الصَّبِّ وتُحْيِيهِ باتَ يُرِينِيهَا هِلالُ الدُّجَى ... حَتَّى إِذَا غَاب أَرتْنِيهِ وَطرح الشّعْر عَلَى الْمُغنيَة فلقنته وغنتنا بِهِ، وشربنا الْقدح وانصرفنا، فَلَمّا كَانَ من غدٍ وحضرنا الْمَائِدَة وَهِي مَعَنَا فاتحناه بِمَا كَانَ مِنْهُ، فَحلف أَنَّهُ لَمْ يعقل بِمَا جرى وَلَا بالشعر، واستدعى دفتره فَأثْبت الْبَيْتَيْنِ فِيهِ. طَرَأَ الواغل برغم هروبهم إِلَى الصَّحرَاء حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الْمَعْرُوف بحرمي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بْن عبد الرَّحْمَن الْبَصْرِيّ وَيعرف بالمخضوب، بِمَكَّة سنة خمسين وَمِائَتَيْنِ، قَالَ: حَدثنِي ابْن عَائِشَة: أنَّ ثَلَاثَة فتيَان من فتيَان أَهْلَ الْبَصْرَة وَكَانُوا يتنادمون، فتطربوا يَوْمَا إِلَى الصَّحرَاء وَالْخلْوَة فِيهَا مِمَّن يَغُلُّ عَلَيْهِمْ فِي شرابهم ويَنْبذ عَلَيْهِمْ، فَخَرجُوا فِي غِبِّ مطرٍ إِلَى ظهر الْبَصْرَة فَأخذُوا فِي شرابهم ولهوهم يتناشدون حَتَّى كَرُبَت الشَّمْسُ أَن تغيب، فَإِذا بأعرابي كالنجم المنقض يهوى حَتَّى جلس بَينهم، فَقَالَ بَعضهم لبَعض: قَدْ علمنَا أنَّ مثل هَذَا الْيَوْم لَا يتم لَنَا ثُمَّ قَالَ لَهُ أحدهم: أيُّهَا الواغلُ الثقيلُ عَلَيْنَا ... حِين طَابَ الحديثُ لِي ولِصَحْبي ثُمَّ قَالَ الآخر: خَلِّ عَنَّا فَأَنت أثقل والل ... هـ عَلَيْنَا من فَرْسَخَيْ دِيرِ كَعْبِ ثُمَّ قَالَ الثَّالِث: ومِن النّاس من يَخِفُّ ومنْهُمْ ... كَرَحَى البَزْرِ رُكِّبَتْ فَوق قَلْبِي فَقَالَ الأَعْرَابِي: لست بالبارح العشية والل ... هـ لشجٍّ وَلَا لِشِدَّة ضَرْبِ أَوْ ترَوْنَ بالْكِبَار مُشَاشي ... وتُعِلُّون بَعْدَ ذَاكَ بقَعْبِ

стр. 166

وَطرح قِعْبا كَانَ معلّقا فضحكوا من ظَرْفِهِ وحَمَلوه مَعَهم إِلَى الْبَصْرَة فَلم يَزَلْ نديمًا لَهُمْ. الواغل والوارش قَالَ القَاضِي: الواغل الَّذِي يَغِلُ عَلَى الشِّرْب من غَيْر أَن يَدْعُوَهُ النّاس، قَالَ امْرُؤ الْقَيْس: فاليوم أشربُ غَيْر مُسْتَحْقبٍ ... إِثْمًا من اللَّه وَلَا وَاغِلِ وَيُقَال للَّذي يفعل مثل هَذَا فِي الطَّعَام وارش. احتكم يَا أَبَا السِّمْط حَدَّثَنَا يزْدَاد بْن عَبْد الرَّحْمَن الْكَاتِب، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى يَعْنِي عِيسَى بْن إِسْمَاعِيل الْبَصْرِيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْقُتَبي، قَالَ: قَدِمَ معنُ ابْن زَائِدَة بَغْدَاد فَأَتَاهُ النّاس وَأَتَاهُ ابْن أبي حَفْصة، فَإِذا الْمجْلس غَاصٌ بأَهْله، فَأخذ بعضَادَتَيِ الْبَاب ثُمَّ قَالَ: وَمَا أحْجَم الأعْدَاءُ عَنْكَ تَقِيَّةً ... عَلَيْكَ ولكنْ لَمْ يَرَوا فِيك مَطْمَعَا لَهُ راحتان الْجُود والحَتْفُ فيهمَا ... أبَى اللَّه إِلَّا أَن يَضُرَّ ويَنْفَعَا فَقَالَ معن: احتكم يَا أَبَا السِّمْط؟ فَقَالَ: عشرَة آلَاف، فَقَالَ معن: ربحتُ وَالله عَلَيْكَ تسعين ألفا. مُكَافَأَة بغا عَلَى شجاعته حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن عليّ بْن الْحُسَيْن بن عبد الْأَعْلَى الْكَاتِب، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي عليّ بْن الْحُسين بْن عَبْد الْأَعْلَى، قَالَ: كَانَ عَبْد اللَّه بْن طَاهِر قَدْ أهْدى للمعتصم شُهْرُبين مُلَمّعين ذَكَرَ أنَّ خُرَاسَان لَمْ تُخرج مثلهمَا، فَسَأَلَهُ بغا أَن يحملهُ عَلَى أَحدهمَا فَأبى وَقَالَ: تَخَير غَيرهمَا مَا شِئْت فخُذه، قَالَ: فخرجنا وَلم يَأْخُذ شَيئًا فَلَمّا كُنَّا بطبرستان عرض لَهُ قَوْمٍ من أَهلهَا، فَقَالُوا: أعز اللَّه الْأَمِير! إِن فِي بَعْض الْغِياض سَبُعًا قَد استكلب عَلَى النَّاس وأقناهم، فَقَالَ: إِذَا أردْت الرحيل غَدا فكُونوا مَعي حَتَّى تَقِفُوني عَلَى مَوْضِعه، قَالَ: فَلَمّا رحلنا من غَد حضر جمَاعَة مِنْهُم فَانْفَرد مَعَهم فِي عشْرين فَارِسًا من غلمانه، وَمَعَهُ قوسه ونشابتان فِي منطقته، قَالَ: فصاروا بِهِ إِلَى الغيضة فثار السَّبع فِي وَجهه من بَينهم، قَالَ: فحرك فرسه من بَين يَدَيْهِ وَأخذ نشابة من النشابتين فَرَمَاهُ فِي استه، فَمر السهْم فِيهَا إِلَى الريش، وَركب السَّبع رَأسه، قَالَ: وَعَاد بغا إِلَيْهِ فَمَا أجترأ أحد عَلَى النُّزُول إِلَيْهِ حَتَّى نزل بغا فَوَجَدَهُ مَيتا، قَالَ: فشبرناه فَكَانَ من رَأسه إِلَى رَأس ذَنبه سِتَّة عشر شبْرًا، ووجدناه أحَصَّ الشّعْر إِلَّا مَعْرِفَتَه، قَالَ: فكتبنا بِخَبَرِهِ إِلَى المعتصم، فلحقنا جوابُ كتَابنَا بُحلوان يذكر فِيهِ أَنَّهُ قَدْ تفاءلت بقتل السَّبع، وَرَجا أَن يكون من عَلَامَات الظفر ببابك، وَأَنه قَدْ وجّه إِلَى بُغا بالشهربين اللَّذين كَانَ طلب أَحدهمَا فَمَنعه، وبسبع خلع من خَاصَّة خلعه وثيابه، وَخمْس مائَة ألف دِرْهَم صلَة لَهُ وَجَزَاء عَلَى قَتله السَّبع، قَالَ: وَإِنَّمَا أَرَادَ المعتصم بذلك إضراؤه عَلَى طَاعَته ومجاهدة عدوه.

стр. 167

قَالَ القَاضِي: قَوْله فِي السَّبع وَجَدْنَاهُ أحَصّ: لَا شعر عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِر: قَدْ حصَّتِ البَيْضة رَأْسِي فَمَا ... أُطْعَمُ نَوْمًا غَيْر تِهْجَاعِ أول مَا ظهر من فهم سُلَيْمَان ﵇ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن زِيَاد الْمقري، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَن بْن سُفْيَان، قَالَ: حَدَّثَنَا صَفْوَان بْن صَالح، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْوَلِيد، قَالَ: أَخْبَرَنَا سَعِيد بْن بشير، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُجَاهِد، عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس، قَالَ: لمّا تزوج دَاوُد ﵇ بِتِلْكَ الْمَرْأَة، وولدتْ لَهُ سُلَيْمَان بْن دَاوُد بَعْدَمَا تَابَ الله عَلَيْهِ، غُلَاما طَاهِرا نقيًا فهما عَاقِلا عَالما، وَكَانَ من أجمل النّاس وأعظمه وأطوله، فَبلغ مَعَ أَبِيهِ حَتَّى كَانَ يشاوره فِي أُمُوره ويدخله فِي حكمه، فَكَانَ أول مَا عرف دَاوُد من حكمته وتفرس فِيهِ النُّبُوة أنَّ امْرَأَة كَانَتْ كُسِيت جمالا، فَجَاءَت إِلَى القَاضِي تخاصمُ عِنْدَهُ، فَأَعْجَبتهُ فَأرْسل إِلَيْهَا يخطبها، فَقَالَت: مَا أُرِيد النِّكَاح فَرَاوَدَهَا عَلَى الْقَبِيح، فَقَالَت: أَنَا عَنِ الْقَبِيح أبعد، فَانْقَلَبت مِنْهُ إِلَى صَاحب الشرطة فأصابها مِنْهُ مثل الَّذِي أَصَابَهَا من القَاضِي، فَانْقَلَبت إِلَى صَاحب السُّوق فَكَانَ مِنْهُ مثل ذَلِك، فَانْقَلَبت مِنْهُ إِلَى حَاجِب دَاوُد فأصابها مِنْهُ مَا أَصَابَهَا من الْقَوْم، فرفضت حَقّهَا ولزمت بَيتهَا فَبينا القَاضِي وَصَاحب الشرطة وَصَاحب السُّوق والحاجب جُلُوس يتحدثون فَوَقع ذكرهَا، فتصادق القوم بَينهم وشَكَا كلُّ وَاحِد مِنْهُم إِلَى صَاحبه مَا أَصَابَهُ من الْعجب بهَا، قَالَ بَعضهم: وَمَا يمنعكم وَأَنْتُم وُلَاة الْأَمر أَن تتلطفوا بهَا حَتَّى تستريحوا مِنْهَا فَاجْتمع رأيُ الْقَوْم عَلَى أَن يشْهدُوا أنَّ لَهَا كَلْبًا وَأَنَّهَا تضطجع فترسله عَلَى نَفسهَا حَتَّى ينَال مِنْهَا مَا ينَال الرَّجُل من الْمَرْأَة، فَدَخَلُوا عَلَى دَاوُد ﵇، فَذكرُوا لَهُ أنَّ امْرَأَة لَها كلب تُسَمِّنُه وترسله عَلَى نَفسهَا حَتَّى يفعل بهَا مَا يفعل الرَّجُل بِالْمَرْأَةِ فكرهنا أَن نرفع أمرهَا إِلَيْكَ حَتَّى تَتَحقّق، فمشينا حَتَّى دَخَلنَا منزلا قَرِيبا مِنْهَا فِي السَّاعَة الَّتِي بلغنَا أَنَّهَا تفعل ذَلِكَ، فَنَظَرْنَا إِلَيْهَا كَيْفَ حَلّتْه من رباطه ثُمَّ اضطجعت لَهُ حَتَّى نَالَ مِنْهَا مَا ينَال الرَّجُل من الْمَرْأَة، ونظرنا إِلَى الميلِ يدْخل فِي الْمُكْحلة وَيخرج مِنْهَا، فَبعث دَاوُد ﵇ فَأتى بهَا فرجَمَها، فَخرج سُلَيْمَان يَوْمئِذٍ وَهُوَ غلامٌ حِين ترعرع وَمَعَهُ الغلمان وَمَعَهُ حصانه يلْعَب، فَجعل مِنْهُم صَبيا قَاضِيا آخر عَلَى الشرطة وَآخر عَلَى السُّوق وَآخر حاجبًا وَآخر كَالْمَرْأَةِ، ثُمَّ جَاءُوا يشْهدُونَ عِنْدَ سُلَيْمَان مثل مَا شهد أُولَئِكَ عِنْدَ دَاوُد ﵇ يريدونَ رَجْم ذَلِكَ الصَّبِي كَمَا رُجِمَت الْمَرْأَة، قَالَ سُلَيْمَان عِنْدَ شَهَادَتهم: فَرِّقُوا بَينهم، ثُمَّ دَعَا بِالصَّبِيِّ الَّذِي جعله قَاضِيا، فَقَالَ: أيقنت الشَّهَادَة؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا كَانَ لَوْن الْكَلْب؟ قَالَ: أسود، قَالَ: نَحُّوه، ونادى بِالَّذِي جعل على الشرطة، فَقَالَ لَهُ: أيقنت الشَّهَادَة؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا كَانَ لَوْن الْكَلْب؟ قَالَ أَحْمَر، قَالَ: نَحُّوه، ثُمَّ دَعَا بِصَاحِب السُّوق فَقَالَ: أيقنت الشَّهَادَة؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا كَانَ لون الْكَلْب؟ قَالَ: أَبيض قَالَ: نَحُّوه، ثُمَّ دَعَا بِالَّذِي

стр. 168

جعله حاجبًا، فَقَالَ: أيقنت الشَّهَادَة؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا كَانَ لَوْن الْكَلْب؟ قَالَ: أغبش، قَالَ: أردتم أَن تَغُشُّوني حَتَّى أرْجُمَ امْرَأَة من الْمُسلمين، فَقَالَ للصبيان: ارجمُوهُم، وخلّي سَبِيل الصَّبِي الَّذِي جعله امْرَأَة وَرجع إِلَى حصانه، فَدَخَلُوا عَلَى دَاوُد ﵇ فأخبروه الْخَبَر، فَقَالَ دَاوُد: عليّ بالشهود السَّاعَة وَاحِدًا وَاحِدًا فَأتى بهم فَسَأَلَ القَاضِي: مَا كَانَ لون الْكَلْب؟ قَالَ: أسود، ثُمَّ أَتَى بِصَاحِب الشرطة فَسَأَلَهُ فَقَالَ: أَبيض، ثُمَّ أَتَى بِصَاحِب السُّوق فَسَأَلَهُ فَقَالَ: كَانَ أَحْمَر، ثُمَّ أَتَى بالحاجب فَسَأَلَهُ فَقَالَ: كَانَ أغبش، فَأمر بهم دَاوُد ﵇ فَقتلُوا مَكَان الْمَرْأَة، فَكَانَ هَذَا أَوْل مَا استبان لداود ﵇ من فهم سُلَيْمَان ﵇. وَقد حدث فِي أيّام الدّولة العباسية فِي وَدِيعَة أودعها بَعْض الشُّهُود بواسط، فأبدلها واختان صَاحبهَا فِيهَا مَا يضارع هَذِهِ الْقِصَّة من بَعْض جهاتها، نَحن نأتي بهَا فِيمَا نستأنفُه من مجَالِس كتَابنَا هَذَا إِن شَاءَ اللَّه. الْمجْلس الثَّالِث وَالْعشْرُونَ من مَكَارِم الْأَخْلَاق حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى الْمَحَارِمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الرَّاشِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاهِرُ بْنُ نُوحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سكين ابْن أَبِي سِرَاجٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، " أَنَّ رَجُلا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَإِنَّ مِنْ أَحَبِّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى سُرُورًا يَدْخُلُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ يَكْشِفُ عَنْ كَرْبِهِ أَوْ يَسُدُّ عَنْهُ جُوعًا، وَلأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ شَهْرَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ لأَمْضَاهُ مَلأَ اللَّهُ قَلْبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رِضًا، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخٍ لَهُ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يُثْبِتَهَا ثَبَّتَ اللَّهُ قَدَمَهُ يَوْمَ تَزُولُ الأَقْدَامُ، وَسُوءُ الْخُلُقِ يُفْسِدُ الْعَمَلَ كَمَا يُفْسِدُ الْخَلُّ الْعَسَلَ ". قَالَ القَاضِي: قَالَ أَبُو الْعَبَّاس بْن سَعِيد فِي سكين، يُقَالُ سُكَيْنُ بْن أبي سراج وسكين بْن سراج، قَالَ القَاضِي: وَفِي هَذَا الْخَبَر ترغيبٌ فِي أَنْوَاع من أَفعَال الْخَيْر وأبواب الْبر وَمَكَارِم الْأَخْلَاق، وذَمٌّ لسوء الْخلق وتكريهٌ لَهُ، وكل فصل من فُصُول هَذَا الْخَبَر قَدْ أَتَى فِي مَعْنَاهُ أَخْبَار، وَرويت فِي مجالسه آثَار عَنِ النَّبيّ ﷺ وَعَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَمن تقدمنا من الْأَئِمَّة الماضين وَالسَّلَف الصَّالِحين، والخاصة من عُلَمَاء الْمُسلمين وحكماء أَهْلَ الدِّين، وَكِتَابنَا هَذَا مُتَضَمّن لكثير مِنْهُ مُتَفَرقًا فِي الْمجَالِس المرسومة فِيهِ، وحقيق عَلَى من كَرُمَتْ نَفسه عَلَيْهِ، وحُبِّبَتْ مَنَافِعهَا إِلَيْه، أَن يسْعَى فِي اكْتِسَاب مَا يزينها ويصلحها، ويهذب أخلاقه ويُنَقحها، ويهجر مَذْمُوم الْخَلَائق ويطرحها، نسْأَل اللَّه المعونة عَلَى ذَلِكَ بفضله وَطوله، وقوته وَحَوله.

стр. 169

خبر عَمْرو بْن المسبح أرمى عَرَبِيّ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا السكن بْن سَعِيد، عَنِ الْعَبَّاس بْن هِشَام، قَالَ: حَدَّثَنِي جميل بْن مُرَاد الطَّائِي من بني معن، عَنْ أشياخه، قَالَ: كَانَ عَمْرو بْن المسبح أرمي عربيٍّ عَلَى وَجه الأَرْض فَأدْرك امْرَأَ الْقَيْس وَله يَقُولُ امْرُؤ الْقَيْس: رُبَّ رامٍ من بَنِي ثُعَلٍ وعاش حَتَّى أدْرك النَّبيّ ﷺ وَهُوَ ابْن خمسين وَمِائَة سنة فَسَأَلَهُ عَنِ الصَّيْد، فَقَالَ " كل مَا أصْمَيْت ودَعْ مَا أنْمَيْت " وَفِيه يَقُولُ رجلٌ من طييء: نَعَبَ الْغُرَابُ ولَيْتَهُ لَمْ يَنْعَبِ ... بالبين من سَلْمَى وأمِّ الحَوْشَبِ ويروى زعب الْغُرَاب وَهِي لُغَة، قَالَ القَاضِي: وَكَأن زعب فِي هَذِهِ اللُّغَة من رفع الشَّيء وَأَخذه وَمِنْه قَول النَّبيّ ﷺ لعبد بن عَمْرو: " وأرغب لَك من المَال " قَالَ الشَّاعِر: لَيْت الْغُرَاب رَمَى حِمَاطَةَ قَلْبهِ ... عَمْروٌ بأسهمه الَّتِي لَمْ تُلْغَبِ ويروى تغلب، واللغاب عيب فِي السِّهَام، وَهُوَ اخْتِلَاف فِي الريش الَّتِي يراش بهَا واللُّؤام خِلَافه وَهُوَ مَحْمُود، وَذكر ابْن الْكَلْبِيّ أنَّ عمرا هَذَا كَانَ يمر بِهِ السِّرْبُ من القطا يطير فِي السَّمَاء، فَيَقُول: أيتها تُرِيدُونَ؟ فيشار لَهُ إِلَى وَاحِدَة فيصرعها، قَوْله: كُلْ مَا أصْمَيْتَ ودع مَا أنميت، يُقَالُ: أصمى الرَّجُل الصَّيْد إِذَا أَصَابَهُ فَمَاتَ بِحَضْرَتِهِ، وأنماه إِذا أَصَابَهُ فتحامل فعاب عَنْهُ ثُمَّ مَاتَ وأشواه إِذَا أخطأه وَيُقَال: هَذَا شَوًى إِذَا لَمْ يصب المقتل، قَالَ الشَّاعِر: وَكنت إِذَا الْأَيَّام أحْدَثنَ نكبةً ... أَقُول شَوًى مَا لَمْ يُصِبْن صَمِيمي وَيُقَال: أشوي إِذَا أَخطَأ الصميم وَأصَاب الْأَطْرَاف كاليدين وَالرّجلَيْنِ، قَالَ امْرُؤ الْقَيْس: سَلِيمُ الشّظَى عَبْل الشّوى شَنِج النّسَا ... لَهُ حَجَبَاتٌ مُشْرِفَات عَلَى الفَال وَقد يُقَالُ لجلدة الرَّأْس شواة وَتجمع شوا، وَقَالَ بَعْض أَهْلَ التَّأْوِيل فِي قَوْله عزَّ ذكره " نَزَّاعَةً لِلشَّوَى " أنَّ مَعْنَاهُ الْأَطْرَاف، وَقيل: فَرْوَة الرَّأْس، وَقيل الْهَام، وَقيل العصب والعقب، وَقد اخْتلف الْفُقَهَاء فِي أكل الصَّيْد إِذَا أَتَاهُ راميه وَغَابَ عَنْ عينه فأحلّه بَعضهم، وحَرّمه بَعضهم عَلَى ظَاهر الْخَبَر الَّذِي ذَكرْنَاهُ، وَقدر آخَرُونَ لغيبته مدَّة عَلَى اخْتِلَاف مِنْهُم فِي قَدْرِهَا، قَالَ القَاضِي: وَأرى أَنَّهُ قيل للرامي فِي الْموضع الَّذِي وَصفنَا لإصابته الصميم، وأصمى أَصله عِنْدِي أصْمم فاسُتثْقِل التَّضْعِيف فَقيل أصمى، وأشْبِعت فَتحة الْمِيم الأولى فَصَارَت ألفا مَكَان الْمِيم الثَّانِيَة وبدلا مِنْهَا، وَالْعرب تَقول: تمطى فلَان من المطا وَهُوَ الظّهْر وَأَصله تمطط، وَيَقُولُونَ تقضى من القضة وَأَصله تقضض، قَالَ الراجز: دَانِي جَنَاحَيْه من الطّور فَمَرّ ... تَقَضَى البَازِي إِذَا البَازِي كَسَر

стр. 170

وَهَذَا الْبَاب كثيرٌ جدا، وَمَا وجدت أحدا سبقني إِلَى مَا قلتُ فِي الصميم وَهُوَ بَيِّن، وَمن الشوى بِمَعْنى فَرْوَة الرَّأْس، قَول الشَّاعِر: إِذَا هِيَ قَامَت تقشعر شواتها ... ويشرق بَين اللَّيْث مِنْهَا إِلَى الصُّقْل وَقَالَ الْأَعْشَى: قَالَت قُتَيْلَةُ مَا لَهُ ... قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَوَاتُهُ وَذكر عَنْ أبي عَمْرو بْن الْعَلَاء أَنَّهُ قَالَ: من رَوَاهُ هَكَذَا فقد صَحّف، وَزعم أَنَّهُ سَرَاتُه بِالسِّين وَالرَّاء يَعْنِي أَعْلَاهُ، وَمَا ذكره أَبُو عَمْرو أولى بالتصحيف، وَرِوَايَة الْبَيْت بالشين وَالْوَاو، وَقد ثَبت وَصحت فِي تَأْوِيلهَا وعُرفت، وَقَول أَبِي عَمْرو فِي السراة صَحِيح لَوْ أَتَى بِهِ الشَّاعِر، وَمن السّراة قَول امْرِئ الْقَيْس: كَأَن سَرَاتَهُ وجِدَّةَ مَتْنِهِ ... مَدَكُّ عروسٍ أَوْ صَرَايَةَ حنظل وَقد روى أنَّ أَبَا عَمْرو لمّا تبين صِحَة الرِّوَايَة بالشين رَجَعَ إِلَيْهَا، وَقد ذكرنَا كلَاما فِي هَذَا الْفَصْل أشْبع من هَذَا فِي كتَابنَا الَّذِي أمللناه فِي شرح مُخْتَصر الْجرْمِي فِي النَّحْو. لَمْ يُسْمع بأسرة دخلت الإِسْلام كهؤلاء وَحَدَّثَنَا ابْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا السكن بْن سَعِيد، عَنِ الْعَبَّاس بْن هِشَام، عَنْ أَبِيه، قَالَ: حَدَّثَنِي الْوَلِيد بْن عَبْد اللَّه الْجعْفِيّ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَشْيَاخ قومه قَالُوا: كَانَتْ عِنْدَ أبي سَبْرة وَهُوَ يزِيد بْن مَالك بْن عَبْد اللَّه بْن الذُّؤَيب بْن سَلَمَة بْن عَمْرو بْن ذهل بْن مُرّان بْن جُعْفي امْرَأَة مِنْهُم فَولدت لَهُ سَبْرة وعَزيزًا ثُمَّ مَاتَت فورّثت ابناها إبِلا، ثُمَّ تزوج أَبُو سُبْرَة أُخْرَى فجفا ابنيه ونحاهما فِي إبلهما الَّتِي ورثاها عَنْ أمهما، فَلَمّا بلغهما مهاجرة النَّبيّ ﷺ قَالَ سُبْرَة لمولى لأمه كَانَ يرْعَى عَلَيْهِ: ابغني نَاقَة كِنَازًا ذاتَ لبن، فَقَالَ القَاضِي: هِيَ الْكَثِيرَة اللَّحْم المجتمعة الْجِسْم، فَأَتَاهُ بهَا فركبها وَهُوَ يَقُولُ لِأَبِيهِ: أَلا أبْلِغا عني يَزِيدَ بْن مَالِكٍ ... ألمّا يَأنِ للشّيخ أَن يَتَذَكّرا رَأَيْت أبَانَا صَدَّ عَنّا بِوَجْهِهِ ... وأمسَك عنّا مَالَه وَتَنَمّرا ثُمَّ توجّه إِلَى النَّبيّ ﷺ فَأسلم وَأَقْبل أَخُوهُ عَزِيز، فَقَالَ للْمولى: أَيْنَ أخي؟ قَالَ: نَدَّت لَهُ نَاقَة فَذهب فِي طلبَهَا، فَنظر فِي الْإِبِل فَلم يرَ شَيئًا، فَقَالَ للْمولى: لَتُخْبِرنّي، فَأخْبرهُ وأنشده الْبَيْتَيْنِ، فَدَعَا بِنَاقَة فركبها وَهُوَ يَقُولُ: أَلا أبلغا عنّي معاشر مذْحج ... فَهَل لي من بَعْد ابْن أُمِّيَ مِعْبَرُ وَلحق بِالنَّبِيِّ صلّى اللَّه عَلَيْهِ فَأسلم، ثُمَّ أقبل أَبُو سُبْرَة فَقَالَ للْمولى: أَيْنَ ابناي؟ فَأخْبرهُ خبرهما وأنشده شعرهما، فَركب وَهُوَ يَقُولُ: وسبرة كَانَ النَّفس لَوْ أنَّ حَاجَة ... تُرَدُّ وَلَكِن كَانَ أمرا تَيَسّرا

стр. 171

وَكَانَ عَزِيزٌ خَلّتي فرأيتهُ ... تولّى وَلم يقبل عَلَيَّ وأدْبرا ثُمَّ لحق بهما وَخلف عِنْدَ الْمولى غُلَاما لَهُ يُقَال لَهُ شَنْفر، فَمَكثَ الْمولى أَيَّامًا ثُمَّ لحق بهم وَأنْشد يَقُولُ: بُدِّلْت أنيابًا حِيالا وشَنْفَرَا ... بأهْلِي لَا أرْضَى بِهِمْ من أُولَئِك قَالَ القَاضِي: الأنياب جمع نَاب وَهِي النَّاقة المسنة، والحيال: جمع حَائِل وَهِي الَّتِي حَالَتْ عَنْ أَن تشْتَمل عَلَى حمل، فَأتى أَبُو سُبْرَة النَّبيّ ﷺ وَمَعَهُ ابناه فأسلموا، فَقَالَ النَّبيّ ﷺ لعَزِيز: مَا اسْمُك؟ قَالَ: عَزيز، قَالَ: لَا عَزِيز إِلَّا اللَّه، أَنْت عَبْد الرَّحْمَن، وَقَالَ أَبُو سَبْرة للنَّبِي ﷺ : إِن بِظهْر كَفّي سَلْعة قَدْ مَنَعَتْني من خطام رَاحِلَتي، فَدَعَا النَّبيّ ﷺ بقدح فَجعل يَضْرِبُ بِهِ عَلَى السَّلْعة ويَمْسَحُها فَذَهَبت، ودعا لَهُ ولابنيه وأقطعه جروان وَاديا فِي بِلَاد قومه، قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: فَلم يسمع لأهل بَيت أجابوا إِلَى الإِسْلام طَوْعًا بِمثل هَؤُلاءِ. خبر مقتل عَمْرو ذِي الْكَلْب حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عُبَيْد، عَنِ الذمارِي، قَالَ: دَخَلَ عَمْرو بْن معدي كرب الزَّبِيديّ عَلَى عُمَر ﵁ يَوْمَا، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا ثَوْر! أَخْبرنِي بِأَعْجَب مَا رَأَيْت، فَقَالَ: إِنِّي أخْبرك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنِّي خرجت يَوْمَا أُرِيد حَيا من أَحيَاء الْعَرَب حَتَّى إِذَا مَا كنت بواد يُقَالُ لَهُ بطن شريان إِذَا أَنَا بِرَجُل مفترس أسدًا قَدْ أَدخل رَأسه فِي جَوْفه، وَهُوَ يلغ فِي دَمه كَمَا يفترس الْأسد النّاس والبهائم ويلغ فِي دِمَائِهِمْ، فهالني ذَلِكَ وراعني وظننته شَيْطَانا ثُمَّ عاتبت نَفسِي، فَصحت بِالرجلِ فوَاللَّه مَا نهنه صياحي بِهِ حَتَّى صحت بِهِ صَيْحَة أُخْرَى فَلم يبل، فَصحت الثَّالِثَة فَرفع رَأسه وَنظر إليَّ وَعَيناهُ كالجمرتين، ثُمَّ أعَاد رَأسه فِي جَوف الْأسد احتقارًا لي، فوقفت أنظر إِلَيْهِ تَعَجبا مِنْهُ، فَأَقْبَلت حَيَّة كَانَ عَلَى طريقها تكون شبْرًا أَوْ نَحوه فتعثرت بِهِ فلدغته لدغة فِي مَنْكِبه كَمَا كَانَ باركا عَلَى الْأسد، فصاح مِنْهَا صَيْحَة ثُمَّ أطرق فَلم أره يَتَحَرَّك كَمَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، فدنوت مِنْهُ فَإِذا سيف لَهُ وقوسٌ موضوعان، وَفرس مشدود فَأخذت سلاحه، فَلم يَتَحَرَّك فأممته ودنوت مِنْهُ وَضربت بيَدي إِلَى ذِرَاعَيْهِ فتبعتني وَالله يَده من الْكَفّ فَوَقَعت، فَقلت: إِن هَذَا للعجب، لَا أَبْرَح حَتَّى أعلم علمه عِنْدَ بَعْض من يمر فأسأله فَإِذا كلب رابض نَاحيَة، فَأَقْبَلت السبَاع والنسور فحماه الْكَلْب فَلَمَّا جنني اللَّيْل انصرفت وَتركته عَلَى هَيئته فَمضى لذَلِك زمن، فَبينا أَنَا بسوق عكاظ فِي أيّام الْمَوْسِم فِي أجمع مَا كَانَ النَّاس، إِذَا امْرَأَة تَنْشُدُ الرَّجُلَ فَعرفت النَّعْت وَالصّفة، فقلتُ: أَنَا صَاحب الرَّجُل، وَهَذَا سَيْفه وقوسه، قَالَ: فَقَالَت: يَا عَمْرو! إِنَّهُ لَا يجمل بمثلك الْكَذِب وَأَنت فَارس قَوْمك، فأسألك باللاتِ والْعُزّى إِلَّا صَدَقْتني، فخبرتها الْخَبَر، فَقَالَت: صدقت، وَإِنَّمَا كَانَ يفعل ذَلِكَ لِأَن أسدًا مرّة عدا عَلَى أَخ كَانَ لَهُ يُقَالُ لَهُ صَخْر فَأَكله، فآلى عَلَى نَفسه أَلا

стр. 172

يلقى أسدًا إِلَّا افترسه وولغ فِي دَمه، وَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ كلب، فَسمى عمرا ذَا الْكَلْب، وَأَنا أُخْته الْجنُوب، وبكته فِي شعر تَقول فِيهِ: وكلّ حَيّ وَإِن طالَتْ سَلامَتُهم ... يَوْمَا طريقهمُ فِي الشَّرِّ مركُوب أبلغ هُذيلا وخصِّص فِي سَرَاتِهِمُ ... عَنِّي مقَالا وبعضُ القَوْل تكذيبُ بِأَن ذَا الْكَلْب عمرا خيرهُم نَسَبًا ... بِبَطن شريان يَعْوِي عِنْدَهُ الذِّيبُ تمشي النسور إِلَيْهِ وَهِي لاهية ... مَشْيَ العذارى عَلَيْهِن الجَلابِيبُ الطاعنُ الطَّعْنَةَ النَّجْلاءَ يتبعُها ... مُثْعَنْجِرٌ من نَجِيعِ الجَوْفِ أُثْغُوبُ أَيهمَا أَجود ؟ حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن أَحْمَد الْكَلْبِيّ، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زَكَرِيّا، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن بكار، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْن يزِيد، عَنْ صَالح بْن كيسَان، وحَدثني الْحَسَن بْن أَحْمَد، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زَكَرِيّا، قَالَ: وَحَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن ضحاك، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَام بْن مُحَمَّد، عَنْ عوَانَة، قَالَ: وَفد عُبَيْد اللَّه بْن الْعَبَّاس عَلَى مُعَاوِيَة بْن أبي سُفْيَان، فَلَمّا كَانَ بِبَعْض الطَّرِيق عارضته سَحَابَة فأمَّ أبياتًا من الشِّعرَ، فَإِذا هُوَ بأعرابي قَدْ قَامَ إِلَيْهِ فَلَمّا رَأَى هَيئته وبهاءه، وَكَانَ من أحسن النَّاس شارة وَأَحْسَنهمْ هَيْئَة، قَامَ إِلَى عُنَيْزة لَهُ ليذبحها فجاذبته امْرَأَته ومانعته، وَقَالَت: أكَلَ الدهرُ مَالَك وَلم يُبْق لَك ولبناتك إِلَّا هَذِهِ الْعُنَيْزة يتمتعون مِنْهَا ثُمَّ تُرِيدُ أَن تَفْجَعَهُنّ بهَا، فَقَالَ: وَالله لأذبحنّها، فذبْحُها أحسن من اللُّؤم، قَالَت: إِذن وَالله لَا تبقي لبناتك شَيئًا فَأخذ الْعُنَيْزة - وأضجعها، وَقَالَ: قَرِينَتِي لَا تُوقِظي بُنَيَّهْ ... إِن توقظيها تنتحب عَلَيْهِ وتنزع الشَّفْرَة من يَدَيَّه ... أبْغِضْ بِهَذَا وبذا إِلَيَّه ثمَّ ذبح الشَّاة وأضرم نَارا وَجعل يقطع من أطايبها وَيُلْقِيه عَلَى النّار ثُمَّ يناوله عُبَيْد اللَّه ويحدثه فِي خلال ذَلِكَ بِمَا يُلْهيه ويضحكه، حَتَّى إِذا أصبح عبيد اللَّه وانجلت السحابة وهَمَّ بالرحيل قَالَ لقيِّمِه: مَا مَعَك؟ قَالَ: خمس مائَة دِينَار، قَالَ: ألقها إِلَى الشَّيْخ، قَالَ: القَيِّم جعلتُ فِداك، إِن هَذَا يُرضيه عُشْر مَا سميت وَأَنت تَأتي مُعَاوِيَة وَلَا تَدْرِي عَلَى مَا توافقه عَلَى ظَاهره أم على بَاطِنه، قَالَ: وَيحك إِنَّا نزلنَا بِهَذَا وَمَا يملك من الدُّنْيَا إِلَّا هَذِهِ الشَّاة فَخرج لَنَا من دُنْيَاهُ كلهَا، وَإِنَّمَا جُدْنا لَهُ بِبَعْض دُنْيَانَا فَهُوَ أَجود منا، ثُمَّ ارتحل فَأتى مُعَاوِيَة فَقضى حَوَائِجه، فَلَمّا انْصَرف وَقرب من رَحل الأَعْرَابِي قَالَ لوَكِيله: انْظُر مَا حَال صاحبنا، فعوَّل إِلَيْهِ فَإِذا إبل وَحَال حَسَنَة وَشاء كثير، فَلَمّا بصر الأَعْرَابِي بعبيد اللَّه قَامَ إِلَيْهِ فأكب عَلَى أَطْرَافه يقبلهَا، ثُمَّ قَالَ: بِأبي أَنْت وَأمي، قَدْ مدحتك وَمَا أَدْرِي من أَي خَلْقٌ اللَّه أَنْت ثُمَّ أنْشدهُ:

стр. 173

توسَّمْتُه لمّا رَأَيْتُ مَهَابَةً ... عَلَيْهِ وَقلت: المَرْءُ من آلِ هاشمِ والا فمِنْ آل الْمُرَار فإنَّهُم ... مُلُوك وَأَبْنَاء الْمُلُوك الأكارم فَقُمْت إِلَى عنز بَقِيَّة أعنزٍ ... فأذبحها فعل امرئٍ غَيْر نادم فعوَّضني مِنْهَا غِنَايَ وإنَّمَا ... يُسَاوي لُحيم العَنْزَ خمس دَرَاهِم أفدتُ بهَا ألفا من الشَّاء حُلَّبا ... وعبدًا وَأُنْثَى بَعْدَ عَبْد وخادم مباركة من هاشمي مبارك ... خِيَار بني حَوَّاء من نسل آدم فَللَّه عينا من رَأْي لعُنَيزة ... أفادت وراشت بَعْدَ عَشْر قوادم فَقلت لعِرْسِي فِي الْخَلَاء وصِبْيَتِي ... أحقٌّ ترى هَذَا أم أَحْلَام نَائِم قَالَ عُبَيْد اللَّه: قَدْ أصبتُ وَأَنا من وُلَد الْعَبَّاس وَأَنا من آل المرار، فبلغت مُعَاوِيَة، فَقَالَ: لله درُّ عُبَيْد اللَّه، من أَي بَيْضَة خَرَجَ، وَفِي أَي عُش درج، عُبَيْد اللَّه معلِّم الْجُود، وَهُوَ وَالله كَمَا قَالَ الحطيئة: أُولَئِكَ قومٌ إِن بَنَوْا أحسَنُوا الْبِنا ... وَإِن عاهدُوا أوْفَوْا وَإِن عَقَدُوا شَدُّوا وَإِن كَانَت النُّعْمى عَلَيْهِمْ جَزَوْا بهَا ... وَإِن انْعَمُوا لَا كدَّرُوها وَلَا كدوا مطايب الْجَزُور وأطايب الْفَاكِهَة قَالَ القَاضِي: فِي هَذَا الْخَبَر: وَجعل يقطع من أطايبها، وَالصَّوَاب من مطايبها هَكَذَا يُقَالُ فِي اللَّحْم، وَالْعرب تَقول: مطايب الْجَزُور وأطايب الْفَاكِهَة، والمطايب من الْجمع الَّذِي لَا وَاحِد لَهُ عَلَى منهاج لَفظه، وَقِيَاسه مثل ملامح ومشابه وَهَذَا كثير. وَقد حكى الْفراء أَنَّهُ سَأَلَ بَعْض الْعَرَب عَنِ الْوَاحِد فِي مطايب الْجَزُور، فَحكى عَنْهُ مَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يكن عِنْدَهُ فِيهِ شَيْءٍ يحفظه، وَأَنه أَخذ يتَكَلَّف فِيهِ قولا يَسْتَخْرِجهُ وَجعل يَقُولُ: مطيبة وَأَنه ضحك من هَذَا من قَوْله مطيبة، وَقَول الحطيئة أَحْسنُوا الْبُنا هَكَذَا رَأَيْته بِضَم الْبَاء. وَقد حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ: حَدَّثَنَا القَاسِم بْن إِسْمَاعِيل، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد الْقُرَشِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِي، قَالَ: أتيت شُعْبَة يَوْمَا وَعِنْده حَمَّاد بْن سَلَمَة وهما يتكلمان فِي حَدِيث، فَقَالَ لَهُ شُعْبَة: يَا أَبَا سَلَمَة! هَذَا الْفَتى الَّذِي ذكرته لَك، فَقَالَ لي حَمَّاد بْن سَلَمَة كَيْفَ تنشد قَول الحطيئة: أُولَئِكَ قَوْمٍ ... ، فابتدأت القصيدة من أَولهَا: أَلا طرقتنا بَعْدَمَا هجعتْ هنْد ... وَقد سِرْنَ خَمْسًا واتْلأبَّ بِنَا نَجْد إِلَى أَن بلغت الْبَيْت: أُولَئِكَ قومٌ إِن بَنَوْا أحسَنُوا الْبِنا ... وَإِن عاهدُوا أوْفَوْا وَإِن عَقَدُوا شَدُّوا فَقَالَ لي حَمَّاد بْن سَلَمَة: يَا بني! إِن الْعَرَب تَقول: بَنَى يَبْني بِناءً فِي الْعمرَان، وَيَقُولُونَ

стр. 174

فِي الشّرف: بِنَا يبنو بنَاءً فَأَنْشد هَذَا: أُولَئِكَ قَوْمٍ إِن بنوا أَحْسنُوا إِلَيْنَا، فَعرفت قَدْر حَمَّاد بْن سَلَمَة من ذَلِكَ الْيَوْم، فَمَا كَنت أنْشدهُ إِلَّا مَا كنت أتقنه. قَالَ القَاضِي: وَالْبناء فِي الرباع والمساكن مَمْدُود مكسور الْبَاء فِي لُغَات عَامَّة الْعَرَب، وبهذه اللُّغَة جَاءَ الْقُرْآن، قَالَ اللَّه تَعَالَى: " وَالسَّمَاءَ بِنَاءً "، وَذكر الْفراء أنَّ من الْعَرَب من يقصر الْبناء هَا هُنَا. أَعْرَابِي يشرب بجزَّة صوف فتعاتبه امْرَأَته حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عُبَيْد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نصر، عَنِ الْأَصْمَعِي، قَالَ: شرب أَعْرَابِي بجزة صوف، فَلَامَتْهُ امْرَأَته وعتبت عَلَيْهِ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ: عَتَبَتْ عَلَيَّ لأنْ شَرِبْتُ بصُوفِ ... فلئنْ عَتَبْتِ لأشْرَبَنْ بخَرُوفِ وَلَئِن عتبتِ لأشربنَّ بنَعْجَةٍ ... ذَرْءًا وَمن بَعْدَ الخروف سَحُوفِ الذرء: الَّتِي فِي رَأسهَا بَيَاض، والسحوف: سَمِينَة. وَلَئِن عتبت لأشربن بلَقْحَةٍ ... صَهباء مالِئَةَ الإناءِ صَفُوفِ وَلَئِن عتبتِ لأشربنَّ بصاهل ... مَا فِيهِ من هجن وَلَا تَقْرِيفِ الهجين: الَّذِي أمه من غَيْر جنس أَبِيهِ، والمقرف مثله. وَلَئِن عتبتِ لأشربنَّ بواحدي ... ويكونُ صبري بَعْدَ ذَاك حَلِيفِي فَلَقَد شربتُ الْخمر فِي حَانُوتِها ... صفراءَ صَافِيَة بِأَرْض الرِّيفِ وَلَقَد شهِدت الْخَيل تُقْرَعُ بالقَنَا ... وأجبْتُ صَوْتَ الصَّارِخ المَلْهُوفِ قَالَ أَبُو بَكْر بْن الأنبَاريّ: إِنِّي وجدت بِغَيْر هَذَا الْإِسْنَاد أنَّ امْرَأَته أَجَابَتْهُ فَقَالَت: مَا إِن عتبت لِأَن شَرِبْتَ بصُوفِ ... أَوْ أَن تَلَذَّ بلَقْحَةٍ وخَرُوفِ فاشربْ بِكُل نفيسة أُوتِيتَها ... ومَلكتَها من تَالِدٍ وطريفِ وارفع بطرفك عَنْ بُنَيَّ فَإِنَّهُ ... من دونه شغب وجذع أُنُوفِ فطنة قَاض حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن زِيَاد الْمقري، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِدْرِيس الْحداد، قَالَ: حَدَّثَنَا هَارُون الْحمال، عَنْ يزِيد بْن هَارُون، قَالَ: تقلد الْقَضَاء بواسط رَجُل ثِقَة كثير الحَدِيث مَا أَظُنهُ إِلَّا أُكْرِه عَلَى الْقَضَاء وَالله أعلم - فجَاء رَجُل فاستودع بَعْض الشُّهُود كيسًا مَخْتُومًا ذَكَرَ أَنَّ فِيهِ ألف دِينَار، فَلَمّا حصل الْكيس عِنْدَ الشَّاهِد، وطالت غيبَة الرَّجُل، قَدَّر أَنَّهُ قَدْ هلك، فَهَمَّ بإنفاق المَال، ثُمَّ دَبّر ففتق الْكيس من أَسْفَله وَأخذ الدَّنَانِير وَجعل مَكَانهَا

стр. 175

دَرَاهِم وَأعَاد الْخياطَة كَمَا كَانَتْ، وقُدِّر أنَّ الرَّجُل وافى وطالب الشَّاهِد بوديعته فَأعْطَاهُ الْكيس بختمه، فَلَمّا حصل فِي منزله فضَّ خَتْمه فصادف فِي الْكيس دَرَاهِم فَرجع إِلَى الشَّاهِد، وَقَالَ لَهُ: عافاك اللَّه، اردُدْ عليّ مَالِي فَانِي استودعتُك دَنَانِير وَالَّذِي وجدت دَرَاهِم مَكَانهَا، فَأنْكر ذَلِكَ واستعدى عَلَيْهِ القَاضِي الْمُقدم ذكره، فَأمر بإحضار الشَّاهِد مَعَ خَصمه، فَلَمّا حضرا سَأَلَ الْحَاكِم: مُذْ كم أودعتُه هَذَا الْكيس؟ قَالَ: مذ خمس عشرَة سنة، فَأقبل عَلَى الشَّاهِد، فَقَالَ: مَا تَقول؟ قَالَ: صدق هُوَ عِنْدِي مُنْذُ خمس عشرَة سنة، فَأخذ القَاضِي الدَّرَاهِم وَقَرَأَ شكلها فَإِذا هِيَ دَرَاهِم مِنْهَا مَا قَدْ ضُرب مُنْذُ سَنتين وَثَلَاثَة وَنَحْو ذَلِكَ فَأمره أَن يدْفع الدَّنَانِير إِلَيْهِ فدفعَها إِلَيْهِ أَوْ مَكَانهَا وأسْقَطَه، فَقَالَ لَهُ: يَا خائن ونادى مناديه: أَلا إِن فلَان بْن فلَان القَاضِي قَدْ أسقط فلَان بْن فلَان الشَّاهِد، فاعلموا ذَلِكَ وَلَا يغتَرِرْ بِهِ أحد بَعْدَ الْيَوْم، فَبَاعَ الشَّاهِد أملاكه بواسط، وَخرج مِنْهَا هَارِبا فَلا يَعْلَمُ عَنْهُ خبر، وَلَا أحسَّ مِنْهُ أثر. رأيُ أَبِي يُوسُف القَاضِي فِيمَن يشْهدُونَ عِنْدَهُ حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مَنْصُور الْحَارِثِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن قَال حَدَّثَنِي بعض أَصْحَابنَا، قَالَ: قَالَ الرشيد لأبي يُوسُف القَاضِي: بَلغنِي أنَّكَ تَقول إِن هَؤُلاءِ الَّذِين يشْهدُونَ عنْدك وَتقبل أَقْوَالهم متصنعة، فَقَالَ: نَعَمْ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَ وَكَيف ذَلِكَ؟ قَالَ: لأنَّ من صَحَّ سَتْرُه وخلصت أَمَانَته لَمْ يعرفنا وَلم نَعْرَفْه، وَمن ظهر أمره وانكشف سِتْرُه لَمْ يأتنا وَلم نقبله، وبَقِيتْ هَذِهِ الطَّبَقَة وهم هَؤُلاءِ الْمُتَصَنِّعة الَّذِينَ أظهرُوا السّتْر وأبطنوا غَيره، فَتَبَسَّمَ الرشيد وَقَالَ: صدقت. نوع الشُّهُود الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ إِسْمَاعِيل بْن حَمَّاد بْن أبي حنيفَة حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن عليّ أَبُو مُحَمَّد الخطبي، قَالَ: لمّا وُلّي إِسْمَاعِيل بْن حَمَّاد بْن أبي حنيفَة الْقَضَاء، قَالَ: يجب أَن يكون بَيْنَ أَيْدِينَا قَوْم نَتَمَنْدَلُ بهم ويتمنْدَلُون هُمْ بالعامة، وَلَا يجب أَن يَكُونُوا من أكَابِر النّاس وَمن أعاليهم، وَلَا سوقتهم وسِفْلتهم، فَاخْتَارَ متوسطي التُّجَّار فجعلهم شُهُودًا. معنى السوقة الصَّحِيح قَالَ القَاضِي: قَول ابْن حَمَّاد من سوقتهم وسفلتهم، يدلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يظنّ أنَّ السوقة أَهْلَ الْأَسْوَاق، وَلم يَعْلَمُ أنَّ السوقة هُم الَّذِينَ يسوقهم الْمُلُوك بسياستهم وَأَن النّاس مُلُوك وسوقة أَي رعية، كَمَا قَالَ زُهَيْر: يَا حَار لَا أُرْمَيَنْ مِنْكُمْ بداهيةٍ ... لَمْ يَلْقها سُوقَةٌ قبلي وَلَا مَلِكُ وَقَالَت حُرقة بِنْت النُّعْمَان بْن الْمُنْذر: فَبينا نسوسُ النّاس وَالْأَمر أمرنَا ... إِذَا نَحْنُ فيهم سوُقةٌ نتنصف

стр. 176

مَا قيل فِي نوح بْن دراج الْقَضَاء حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عليّ الْعَدوي، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَن بْن عليّ بْن رَاشد، قَالَ: قيل لِشَرِيك بْن عَبْد اللَّه: قَدْ تقلد الْقَضَاء نوح بْن دَرّاج، قَالَ: ذهبت العَرَبُ الَّذِينَ كَانُوا إِذَا غضبوا كَفَرُوا. النّسَب الْقصير حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن الْحَسَن الصَّواف، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن الصَّلْت الْحمانِي، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْر بْن عليّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِد بْن الْحَارِث، عَنْ أَبِيه، قَالَ: قَالَ الفرزدق بْن غَالب: خرجت من الْبَصْرَة أُرِيد الْعمرَة، فَرَأَيْت عسكرًا فِي الْبَريَّة، فَقلت: عَسْكَر من هَذَا؟ قَالُوا: عَسْكَر الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄، قَالَ: فَقلت: لأقضينّ حق رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيهِ، فَأَتَيْته فسلّمت، فَقَالَ: من الرَّجُل؟ فَقلت: الفرزدق بْن غَالب، فَقَالَ: هَذَا نسب قصير، فَقلت: أَنْت أقصر مني نسبا، أَنْت ابْن رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لي: أَبُو من؟ فَقلت: أَبُو فراس، قَالَ: يَا أَبَا فراس كَيْفَ خَلّفْتَ النّاس وَمن أَيْنَ والى أَيْنَ؟ قَالَ: قلت: من الْبَصْرَة أُرِيد الْعُمْرة، وَمَا سَأَلت عَنْهُ من أَمر النّاس فقلوبهم مَعَك وَسُيُوفهمْ مَعَ بني أُميَّة وَالْقَضَاء ينزل من السَّمَاء قَالَ: فاغرورقت عَيناهُ، وَقَالَ: هَكَذَا النّاس فِي كلِّ زمَان، أَتبَاع لذِي الدِّينَار وَالدِّرْهَم، وَالدّين لَغو عَلَى ألسنتهم فَإِذا فُحصوا بالابتلاء قَلَّ الدَّيّانون. قَالَ القَاضِي: معنى مَا ذَكَرَ من قصر النّسَب فِي هَذَا الْخَبَر، أنَّ النبيه الَّذِي بِغَيْر نَظِير لَهُ يُشَارِكهُ فِي نسبه وَمَا يعرف بِهِ فَلا يحْتَاج إِلَى زِيَادَة فِي انتسابه وإطالته، وَهُوَ مستغن بقصير مَا يعرف بِهِ عَنْ كَثِيره، كَمَا قَالَ الشَّاعِر: أحبُّ من النِّسوانِ كُلِّ قصيرةٍ ... لَهَا نَسَبٌ فِي الْعَالمين قَصِيرُ وَمن هَذَا النّسَب نسب الرُّسُل والأنبياء والملوك وَالْخُلَفَاء، وَقد قَالَ النسابة الْبكْرِيّ لرؤبة بْن العجاج لمّا انتسب لَهُ: مَه قَصّرْت وعَرَّفت. وَحكى لي بَعْض أَصْحَابنَا، أَنَّهُ وجد بِخَط صاحبنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن جُمْهُور: سألتُ أَبَا جَعْفَر مُحَمَّد بْن جرير بْن يزِيد الطَّبَريّ أَن يزيدني فِي نسبه، فَقَالَ متمثلا قَول رؤبة: قَدْ يرفعُ العجّاجُ بَيْتا فادْعُني ... بِاسْمٍ إِذَا الأنسابُ طالَتْ يَكْفِني الْمجْلس الرَّابِع وَالْعشْرُونَ من يكن فِي حَاجَة أَخِيه حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْحَمَّالُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي، قَالَ: ابْنُ نَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: " مَنْ يَكُنْ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ يَكُنِ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ ". قَالَ القَاضِي: فِي هَذَا الْخَبَر مَا يرغب فِي قَضَاء حاجات الإخوان، إِذْ سَعْيهمْ فِيهَا يعود

стр. 177

عَلَيْهِمْ بمعونة اللَّه لَهُمْ فِي حَاجتهم، ويرجى بِهِ إدراكهم مِنْهَا مَا لَا يبلغونه بسعيهم، دون مَعُونَة اللَّه لَهُمْ عَلَيْهِ وتيسيره إِيَّاه، وَقد جَاءَ فِي هَذَا الْمَعْنى وَنَحْوه أَخْبَار كَثِيرَة، وَقد مضى بَعْض ذَلِكَ فبمَا مضى فِي كتَابنَا، فَلَعَلَّنَا نأتي فِيما بَعْدَ بِمَا يَحْضُرنا مِنْهُ إِن شَاءَ اللَّه. إِسْلَام سَادِن الصَّنَم حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا السكن، عَن الْعَبَّاس ابْن هِشَام، عَنْ أَبِيه، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو كبران الْمُرادي، عَنْ يحيى بْن هاني بْن عُرْوَة، عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أبي سُبْرَة الْجعْفِيّ، قَالَ: كَانَ لسعد الْعَشِيرَة صنم يُقَالُ لَهُ فراس وَكَانُوا يعظمونه، وَكَانَ سادنه رَجُلا من بني أنس اللَّه بْن سَعْد الْعَشِيرَة، يُقَالُ لَهُ ابْن دقشة، قَالَ عَبْد الرَّحْمَن: فَحَدثني رَجُل من بني أنس اللَّه يُقَالُ لَهُ ذُبَاب، قَالَ: كَانَ لِابْنِ وقشة رَئِيٌّ من الجنّ يُخبرهُ بِمَا يكون، قَالَ: فَأَتَاهُ ذَاتَ يَوْمَ وَأَنا عِنْدَهُ فَأخْبرهُ بِشَيْء فَنظر إليَّ وَقَالَ لي: يَا ذُبَاب، اسْمَع الْعجب العجاب، بعث اللَّه أَحْمَد بِالْكتاب، يَدْعُو بِمَكَّة فَلا يُجاب، قَالَ: فَقلت مَا تَقول؟ فَقَالَ: مَا أَدْرِي هَكَذَا قَالَ لي، فَلم يكن إِلَّا قَلِيل حَتَّى سمعنَا بِظُهُور النَّبيّ ﷺ فثُرت إِلَى الصَّنَم فحطمته، ثُمَّ أتيتُ النَّبيّ ﷺ ، فَقلت: تَبِعْتُ رَسُول الله إِذْ جَاءَ بِالْهدى ... وخَلّفْت فَرَّاسًا بدار هَوَانِ شَدَدْتُ عَلَيْهِ شَدَّةً فتركتُهُ ... كَأَن لَمْ يكن والدهر ذُو حَدَثَانِ فَلَمّا رَأَيْت اللَّه أظهر دينَهُ ... أجبتُ رَسُول الله حِين دَعَاني فأصبحتُ لِلْإِسْلَامِ مَا عشتُ ناصرًا ... وألقيتُ فِيهِ كَلْكَلِي وجِراني فَمن مُبلغٍ سَعْد الْعَشِيرَة أنّنِي ... شَرِيتُ الَّذِي يَبْقَى بآخَرَ فَانِ مناظرة ابْن عَبَّاس للحَرُورية حَدَّثَنَا عليّ بْن مُحَمَّد بْن الجهم، أَبُو طَالِب الْكَاتِب، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عَبْد اللَّه أَحْمَد بْن يُوسُف بْن الضَّحَّاك الْفَقِيه، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَر بْن عليّ الفلاسي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن سُدّي، قَالَ: حَدَّثَنَا عِكْرمة بْن عمار، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو رميل، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاس، قَالَ: لمّا خَرَجَت الحرورية اعتزلوا فِي دَار، وَكَانُوا سِتَّة آلَاف، فقلتُ لعليٍّ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! أَبْرِدْ بِالصَّلَاةِ لعلِّي أكلِّمُ هَؤُلاءِ الْقَوْم، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافهُم عَلَيْكَ، قلت: كَلا فَلبِست أحسن مَا يكن من اليمنة وترجّلْتُ وَدخلت عَلَيْهِمْ فِي دَار نصف النَّهَار وهم يَأْكُلُون، فَقَالَ: مرْحَبًا بك يَا ابْن عَبَّاس، فَمَا جَاءَ بك؟ فَقلت لَهُمْ: أتيتكم من عِنْدَ أَصْحَاب النَّبيّ ﷺ والمهاجرين وَالْأَنْصَار، وَمن عِنْدَ ابْن عَم رَسُول الله ﷺ وصهره، وَعَلَيْهِم نزل الْقُرْآن، وهم أعلم بتأويله مِنْكُمْ، وَلَيْسَ فِيكُم مِنْهُم أحد لأبلغكم مَا يَقُولُونَ وأبلغهم مَا تَقولُونَ، فَقَالَ بَعضهم: لَا تخاصموا قُريْشًا فَإِن اللَّه قَالَ: " بَلْ هُمْ

стр. 178

قوم خصمون " فانتحى لي نَفَرٌ مِنْهُم فَقَالُوا: لنكِّلمنه، فَقلت: هاتوا مَا نقمتم عَلَى أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَابْن عَمه، قَالُوا: ثَلَاثًا، قلت: مَا هن؟ قَالُوا: أما إِحْدَاهُنَّ فإنّه حكّم الرِّجَال فِي أَمر اللَّه تَعَالَى، وَقد قَالَ الله : " إِن الحكم إِلَّا لله " مَا شَأْن الرِّجَال وَالْحكم؟ قلت: هَذِهِ وَاحِدَة، قَالُوا: وأمّا الثَّانِيَة فَإِنَّهُ قَاتل وَلم يَسْبِ وَلم يغنم، فَإِن كَانُوا كفَّارًا فقد حلَّ سِباهم وقتالهم، وَلَئِن كَانُوا مُؤمنين فَمَا حَلَّ قِتَالهمْ وَلَا سباهم، قلت: هَذِهِ ثِنْتَانِ فَمَا الثَّالِثَة؟ قَالُوا: إِنَّه محا نَفسه من إمرة الْمُؤمنِينَ فَإِن لَمْ يكن أَمِير الْمُؤمنِينَ فَهُوَ أَمِير الْكَافرين، قَالَ: قلت: هَلْ عنْدكُمْ من غَيْر هَذَا؟ قَالُوا: حَسبنَا هَذَا، قلت: أَرَأَيْتُم إِن قَرَأت عَلَيْكُمْ من كتاب اللَّه وَسنة نبيه ﷺ مَا يَرُدُّ قَوْلكُم هَذَا ترجعون؟ قَالُوا: نَعَمْ، قلت أما قَوْلكُم حَكّم الرِّجَال فِي أَمر اللَّه تَعَالَى، فَأَنا أَقرَأ عَلَيْكُمْ من كتاب اللَّه أَن قَدْ صير اللَّه حكمه إِلَى الرِّجَال فِي ثُمْن رُبْع دِرْهَم، وَأمر اللَّه الرِّجَال أَن يحكموا فِي أرنب، قَالَ اللَّه تَعَالَى: " يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ، وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عدل مِنْكُم " وَكَانَ من حكم اللَّه أنَّه صيره إِلَى الرِّجَال يحكمون فِيهِ وَلَو شَاءَ لحكم فِيهِ فَجَاز حكم الرِّجَال، أنْشدكُمْ بِاللَّه أحكم الرِّجَال فِي صَلَاح ذَاتَ الْبَين وحقن دِمَائِهِمْ أفضل أم حكمهم فِي أرنب؟ وَفِي الْمَرْأَة وَزوجهَا: " وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَينهَا فَابْعَثُوا حكما من أَهله وَحكما من أَهلهَا إِن يريدا إصلاحاً يوفق الله بَينهمَا "، نشدتكم الله فَحكم الرِّجَال فِي إصْلَاح ذَاتَ بَينهم وحقن دِمَائِهِمْ أفضل أم حكمهم فِي بضع امْرَأَة؟ أخرجت من هَذِهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ. وأمّا قَوْلكُم قَاتلَ وَلم يَسِبْ وَلم يَغْنَم أفتَسْبُون أمكُم عَائِشَة فتستحلون مِنْهَا مَا تستحلون من غَيرهَا وَهِي أمكُم، فَإِن قُلْتُمْ: إِنَّا نستحل مِنْهَا مَا نستحل من غَيرهَا لَقَدْ كَفرْتُمْ، وَلَئِن قُلْتُمْ لَيست بأمِّنا لَقَدْ كَفَرْتُم لقَوْله تَعَالَى: " النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وأزواجه أمهاتهم " فَأنْتم بَين ضلالتين فَأتوا مِنْهُمَا مخرجا، أخرجت من هَذَا؟ قَالُوا: نَعَمْ. وأمّا قَوْلكُم محا نَفسه من إمرة الْمُؤمنِينَ فَأَنا آتيكم بِمَا ترصون بِهِ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَة صَالح الْمُشْركين فَقَالَ لعليّ: " اكْتُب يَا عليّ: هَذَا مَا صَالح عَلَيْهِ مُحَمَّد رَسُول الله قَالُوا: لَا نعلم أنَّكَ رَسُول الله، وَلَو نعلم أَنَّك رَسُول اللَّه مَا قَاتَلْنَاك، فَقَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : امْحُ يَا عليّ، اللَّهُمّ إِنَّك تعلم أَنِّي رَسُول الله، أمْحُ يَا عليّ واكتب: هَذَا مَا صَالح عَلَيْهِ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه، وَوَاللَّه، لرَسُول اللَّه خَيّر من عليّ لَقَدْ محا نَفسه، وَلم يكن مَحْوُه ذَلِكَ يَمْحُوه من النُّبُوَّة، أخَرَجْتُ من هَذِهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَرجع مِنْهُم أَلفَانِ وَخرج سَائِرهمْ فقتُلوا عَلَى ضَلَالَة، قَتلهمْ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار. خبر الأصدقاء الثَّلَاثَة حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَصْحَابنَا أنَّ عَبْد

стр. 179

الْملك بْن مَرْوَان كتب إِلَى الحَجَّاج: أنفذ مَعَ عَبْد اللَّه بْن كَعْب أَرْبَعَة آلَاف إِلَى خُرَاسَان فَفعل، فشخص فِي المعسكر ثَلَاثَة كَانُوا متؤاخين متصاحبين عَلَى اللَّذَّات ومعاقرة الشَّرَاب، يُقَالُ لَهُمْ: أَوْس بْن حَارِثَة وأنيس بْن خَالِد وَبشر بْن غَالب، وَكَانُوا إِذَا نزلُوا منزلا انفردوا دون النّاس فَخَلَوْا بشرابهم ولذاتهم، فَلم يزَالُوا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى دخلُوا سجستان ونزلوا رزداق راوند وخزازي..قَالَ أَحْمَد بْن يحيى: الصَّوَاب مَا ذكره وَهُوَ رزداق، ورستاق خطأ - فَمَاتَ أَوْس - قَالَ القَاضِي: أصل هَذَا الْكَلَام بِالْفَارِسِيَّةِ وعُرِّب فَقيل: رزداق ورستاق، وَهُوَ أَكثر فِي كَلَام من تَقَدَّمَ وَمن تَأَخّر فِيمَا وَردت الْأَخْبَار عَنْهُمْ بِهِ فَعظم حزنهما عَلَيْهِ وجزعهما لَهُ، وَقَالَ أنيس يرثيه: تَخَطّى إِلَى الموتَ من بَيْنَ من أرى ... فأتلفَ نُدْماني لَقَدْ جَار واعْتَدَى أثْلَبَني فَتى كَانَ النديمَ حياتَهُ ... لَنَا دُونَ خَلْق اللَّه كَانَ أَبَا الرِّضَا حَلِيمًا أديبًا ماجدًا ذَا سَمَاحَةٍ ... بَعيدا عَن الْفَحْشَاء وَالشَّر والخنا أَمينا جوادًا غَيْرَ كَزٍّ مخالفٍ ... وَلَا جاعلا ربًّا من المَال مَا حَوَى يخَوَّنَه الدَّهْر الخَئُونُ برِيبةٍ ... فَأصْبح رهنا للصفائح والصّفَا أناديه يَا أوسُ بْنُ حَارِثَة الَّذِي ... بِهِ كنتُ أنْفِي الهَمَّ عني والأذى أجبني لقد أنفذت بالوجد عَبرتي ... عَلَيْكَ أما ترثي لباكٍ إِذَا بَكَى وَقد كنت ذَا رأيٍ وسَمْع وفِطْنَة ... سَرِيعا إِلَى الدَّاعِي مجيباً الندا فَلَيْسَ لَنَا إِذَا مَاتَ أَوْس منادِمٌ ... سِوى قَبره حَتَّى يحل بِنَا الرَّدَى وَقَالَ فِيهِ أَيْضا: وردنا خُزازى إِذْ وردنا ثَلَاثَة ... كأنا جَمِيعًا أَيهَا النّاس واحدُ أنيسٌ وأوسُ الْحَارِثِيّ بْنُ خَالِد ... وَنصر أخوهم والمنايا رواصدُ فَكُنَّا وَلَا نبغي من النّاس رَابِعا ... كأنا أثاف لَا نَريمُ رواكدُ فَلَمّا رمانا النّاس بالأعين الَّتِي ... مَتَى يَرْمُقوا شَيئًا بهَا فَهو بائدُ رمتني بَنَات الدَّهْر منا بأسْهُمٍ ... ونبل المنايا للرِّجَال قواصدُ فأردَيْنَ أَوْسًا لهفَ نَفْسِي لفقده ... سَقي قبرَه صَوْبُ الغَمامِ الرَّواعدُ فَمَاتَ أنيس فَعظم حزن نصر عَلَيْهِ، واتصل بكاؤه وجزعه لَهُ، وَقَالَ يرثيه: أنيس فدته النَّفس مَيْتًا فقدتُهُ ... فنفسي لَهُ حَرَّى عَلَيْهِ تَقَطّعُ أنيس فدتك النفسُ أصبحتُ مُفردًا ... وحيدًا فَمَا أَدْرِي أخي كَيْفَ أصنعُ

стр. 180

أنيس فَدْتكَ النَّفس خُلّفْتَ حَسْرةً ... عليّ فعيني الدَّهْر مَا عشتُ تُدْمُع أنيس فدتك النَّفس مَاذا رزئته ... لَقَدْ خفت أَن أَقْْضِي وشيكًا فأسْرعُ فَكيف بقائي بَعْدَ أوسٍ أخي الفدى ... وَبعد أنيس لستُ فِي الْعَيْش أطمعُ ثُمَّ جعل يجلس بَيْنَ قبريهما فيشرب قدحًا وَيصب فِي كلّ قبر قدحاً، وَيَقُول: خليلي هبا مَا قَدْ رَقَدْتُما ... أجَدَّكُما لَا تقضيان كَرَاكُما ألم تعلما مَا إِن راوند كُلّها ... وَلَا بخزازي لي صديق سواكما أصبُّ عَلَى قبريكما من مدامة ... فإلا تَذُوقا أرْوِ مِنْهَا ثَرَاكُما مُقيم عَلَى قَبْريكما لستُ بارحًا ... طوال اللَّيَالِي أَوْ يُجيب صَدَاكما أجدكما مَا ترثيان لموجع ... حَزِين عَلَى قبريكما إِذْ بكاكما جرى النّوم بَيْنَ اللّحم والعظم مِنْكُمَا ... كأنّكُما كَأسَيْ عُقَارٍ سَقَاكُمَا ألم ترحمَاني أنني صِرْت مُفْردًا ... وأنِّيَ مُشْتَاقٌ إِلَى أَن أرَاكُما أناديكما بالجهر مني صَبَابَة ... كأنكما لَمْ تسمعا من دَعَاكُما فَإِن كنتما لَا تسمعاني فَمَا الَّذِي ... خليلي عَن سمع الدُّعَاء عداكما سأبكيكما حَتَّى الْمَمَات فَمَا الَّذِي ... يَرُدَّ عَلَى ذِي عَوْلَةٍ إِن بَكَاكُمَا فَلم يزل يشرب ويردد هَذَا الشّعْر حَتَّى مَاتَ، فَدفن إِلَى جانبهما، فقبورهم هُنَاكَ تسمى قُبُور الْإِخْوَة. تَعْلِيق لغَوِيّ قَالَ القَاضِي: قَول أنيس فِي شعره: كأنا أثاف لَا تريم رواكد، الأثافي أثافي الْقدر، وَهِي مَا تنصب عَلَيْهِ من حِجَارَة أَوْ غَيرهَا، والواحدة أثفية، وَمثله أُمْنِية وأماني وأوقية وأواق، وَقد يُخَفف هَذَا فَيُقَال أماني وأواقي، وروى عَنْ بَعْض الْمُتَقَدِّمين أَنَّهُ قَرَأَ " لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أماني " بِالتَّخْفِيفِ، وَقيل: هُوَ فِي تخفيفه وتشديده بِمَنْزِلَة قراقر وقراقير فِي جمع قُرْقُور، وَالْعرب تَقول فِي دعائها عَلَى الرَّجُل: رَمَاه اللَّه بثالثة الأثافي يُرِيدُونَ الْجَبَل، لأَنهم يجْعَلُونَ للقدر أثفيتين ويسندونهما إِلَى الْجَبَل فيغنيهم عَنْ أثفية أُخْرَى، وَقيل: إِنَّهُم يخففون الأثافي من هَذَا الْبَاب أَكثر من تخفيفهم غَيره لِكَثْرَة اسْتِعْمَاله، وَمن قَالَ هَذَا وَنَحْوه: الْأَخْفَش وَقَوله: لَا تريم، أَي لَا تَبْرَح، يُقَالُ: لَا أريم وَمَا أريم، وَلَا يسْتَعْمل إِلَّا فِي النَّفْي لَا يُقَالُ: مَا رمت كَمَا يُقَال مَا زلت، وَلَا يُقَالُ زلت فِي الأبيات، قَالَ الشَّاعِر: لَمِنْ طَلَلٌ برامة مَا يريم ... عَفَا وخَلا لَهُ حُقْبٌ قديم
следующие страницы →