← Адаб

Адаб · id 7301

الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي

المعافى بن زكريا

Полный текст (740 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

مَا قيل فِي نوح بْن دراج الْقَضَاء حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عليّ الْعَدوي، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَن بْن عليّ بْن رَاشد، قَالَ: قيل لِشَرِيك بْن عَبْد اللَّه: قَدْ تقلد الْقَضَاء نوح بْن دَرّاج، قَالَ: ذهبت العَرَبُ الَّذِينَ كَانُوا إِذَا غضبوا كَفَرُوا. النّسَب الْقصير حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن الْحَسَن الصَّواف، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن الصَّلْت الْحمانِي، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْر بْن عليّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِد بْن الْحَارِث، عَنْ أَبِيه، قَالَ: قَالَ الفرزدق بْن غَالب: خرجت من الْبَصْرَة أُرِيد الْعمرَة، فَرَأَيْت عسكرًا فِي الْبَريَّة، فَقلت: عَسْكَر من هَذَا؟ قَالُوا: عَسْكَر الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄، قَالَ: فَقلت: لأقضينّ حق رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيهِ، فَأَتَيْته فسلّمت، فَقَالَ: من الرَّجُل؟ فَقلت: الفرزدق بْن غَالب، فَقَالَ: هَذَا نسب قصير، فَقلت: أَنْت أقصر مني نسبا، أَنْت ابْن رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لي: أَبُو من؟ فَقلت: أَبُو فراس، قَالَ: يَا أَبَا فراس كَيْفَ خَلّفْتَ النّاس وَمن أَيْنَ والى أَيْنَ؟ قَالَ: قلت: من الْبَصْرَة أُرِيد الْعُمْرة، وَمَا سَأَلت عَنْهُ من أَمر النّاس فقلوبهم مَعَك وَسُيُوفهمْ مَعَ بني أُميَّة وَالْقَضَاء ينزل من السَّمَاء قَالَ: فاغرورقت عَيناهُ، وَقَالَ: هَكَذَا النّاس فِي كلِّ زمَان، أَتبَاع لذِي الدِّينَار وَالدِّرْهَم، وَالدّين لَغو عَلَى ألسنتهم فَإِذا فُحصوا بالابتلاء قَلَّ الدَّيّانون. قَالَ القَاضِي: معنى مَا ذَكَرَ من قصر النّسَب فِي هَذَا الْخَبَر، أنَّ النبيه الَّذِي بِغَيْر نَظِير لَهُ يُشَارِكهُ فِي نسبه وَمَا يعرف بِهِ فَلا يحْتَاج إِلَى زِيَادَة فِي انتسابه وإطالته، وَهُوَ مستغن بقصير مَا يعرف بِهِ عَنْ كَثِيره، كَمَا قَالَ الشَّاعِر: أحبُّ من النِّسوانِ كُلِّ قصيرةٍ ... لَهَا نَسَبٌ فِي الْعَالمين قَصِيرُ وَمن هَذَا النّسَب نسب الرُّسُل والأنبياء والملوك وَالْخُلَفَاء، وَقد قَالَ النسابة الْبكْرِيّ لرؤبة بْن العجاج لمّا انتسب لَهُ: مَه قَصّرْت وعَرَّفت. وَحكى لي بَعْض أَصْحَابنَا، أَنَّهُ وجد بِخَط صاحبنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن جُمْهُور: سألتُ أَبَا جَعْفَر مُحَمَّد بْن جرير بْن يزِيد الطَّبَريّ أَن يزيدني فِي نسبه، فَقَالَ متمثلا قَول رؤبة: قَدْ يرفعُ العجّاجُ بَيْتا فادْعُني ... بِاسْمٍ إِذَا الأنسابُ طالَتْ يَكْفِني الْمجْلس الرَّابِع وَالْعشْرُونَ من يكن فِي حَاجَة أَخِيه حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْحَمَّالُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي، قَالَ: ابْنُ نَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: " مَنْ يَكُنْ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ يَكُنِ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ ". قَالَ القَاضِي: فِي هَذَا الْخَبَر مَا يرغب فِي قَضَاء حاجات الإخوان، إِذْ سَعْيهمْ فِيهَا يعود

стр. 177

عَلَيْهِمْ بمعونة اللَّه لَهُمْ فِي حَاجتهم، ويرجى بِهِ إدراكهم مِنْهَا مَا لَا يبلغونه بسعيهم، دون مَعُونَة اللَّه لَهُمْ عَلَيْهِ وتيسيره إِيَّاه، وَقد جَاءَ فِي هَذَا الْمَعْنى وَنَحْوه أَخْبَار كَثِيرَة، وَقد مضى بَعْض ذَلِكَ فبمَا مضى فِي كتَابنَا، فَلَعَلَّنَا نأتي فِيما بَعْدَ بِمَا يَحْضُرنا مِنْهُ إِن شَاءَ اللَّه. إِسْلَام سَادِن الصَّنَم حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا السكن، عَن الْعَبَّاس ابْن هِشَام، عَنْ أَبِيه، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو كبران الْمُرادي، عَنْ يحيى بْن هاني بْن عُرْوَة، عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أبي سُبْرَة الْجعْفِيّ، قَالَ: كَانَ لسعد الْعَشِيرَة صنم يُقَالُ لَهُ فراس وَكَانُوا يعظمونه، وَكَانَ سادنه رَجُلا من بني أنس اللَّه بْن سَعْد الْعَشِيرَة، يُقَالُ لَهُ ابْن دقشة، قَالَ عَبْد الرَّحْمَن: فَحَدثني رَجُل من بني أنس اللَّه يُقَالُ لَهُ ذُبَاب، قَالَ: كَانَ لِابْنِ وقشة رَئِيٌّ من الجنّ يُخبرهُ بِمَا يكون، قَالَ: فَأَتَاهُ ذَاتَ يَوْمَ وَأَنا عِنْدَهُ فَأخْبرهُ بِشَيْء فَنظر إليَّ وَقَالَ لي: يَا ذُبَاب، اسْمَع الْعجب العجاب، بعث اللَّه أَحْمَد بِالْكتاب، يَدْعُو بِمَكَّة فَلا يُجاب، قَالَ: فَقلت مَا تَقول؟ فَقَالَ: مَا أَدْرِي هَكَذَا قَالَ لي، فَلم يكن إِلَّا قَلِيل حَتَّى سمعنَا بِظُهُور النَّبيّ ﷺ فثُرت إِلَى الصَّنَم فحطمته، ثُمَّ أتيتُ النَّبيّ ﷺ ، فَقلت: تَبِعْتُ رَسُول الله إِذْ جَاءَ بِالْهدى ... وخَلّفْت فَرَّاسًا بدار هَوَانِ شَدَدْتُ عَلَيْهِ شَدَّةً فتركتُهُ ... كَأَن لَمْ يكن والدهر ذُو حَدَثَانِ فَلَمّا رَأَيْت اللَّه أظهر دينَهُ ... أجبتُ رَسُول الله حِين دَعَاني فأصبحتُ لِلْإِسْلَامِ مَا عشتُ ناصرًا ... وألقيتُ فِيهِ كَلْكَلِي وجِراني فَمن مُبلغٍ سَعْد الْعَشِيرَة أنّنِي ... شَرِيتُ الَّذِي يَبْقَى بآخَرَ فَانِ مناظرة ابْن عَبَّاس للحَرُورية حَدَّثَنَا عليّ بْن مُحَمَّد بْن الجهم، أَبُو طَالِب الْكَاتِب، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عَبْد اللَّه أَحْمَد بْن يُوسُف بْن الضَّحَّاك الْفَقِيه، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَر بْن عليّ الفلاسي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن سُدّي، قَالَ: حَدَّثَنَا عِكْرمة بْن عمار، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو رميل، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاس، قَالَ: لمّا خَرَجَت الحرورية اعتزلوا فِي دَار، وَكَانُوا سِتَّة آلَاف، فقلتُ لعليٍّ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! أَبْرِدْ بِالصَّلَاةِ لعلِّي أكلِّمُ هَؤُلاءِ الْقَوْم، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافهُم عَلَيْكَ، قلت: كَلا فَلبِست أحسن مَا يكن من اليمنة وترجّلْتُ وَدخلت عَلَيْهِمْ فِي دَار نصف النَّهَار وهم يَأْكُلُون، فَقَالَ: مرْحَبًا بك يَا ابْن عَبَّاس، فَمَا جَاءَ بك؟ فَقلت لَهُمْ: أتيتكم من عِنْدَ أَصْحَاب النَّبيّ ﷺ والمهاجرين وَالْأَنْصَار، وَمن عِنْدَ ابْن عَم رَسُول الله ﷺ وصهره، وَعَلَيْهِم نزل الْقُرْآن، وهم أعلم بتأويله مِنْكُمْ، وَلَيْسَ فِيكُم مِنْهُم أحد لأبلغكم مَا يَقُولُونَ وأبلغهم مَا تَقولُونَ، فَقَالَ بَعضهم: لَا تخاصموا قُريْشًا فَإِن اللَّه قَالَ: " بَلْ هُمْ

стр. 178

قوم خصمون " فانتحى لي نَفَرٌ مِنْهُم فَقَالُوا: لنكِّلمنه، فَقلت: هاتوا مَا نقمتم عَلَى أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَابْن عَمه، قَالُوا: ثَلَاثًا، قلت: مَا هن؟ قَالُوا: أما إِحْدَاهُنَّ فإنّه حكّم الرِّجَال فِي أَمر اللَّه تَعَالَى، وَقد قَالَ الله : " إِن الحكم إِلَّا لله " مَا شَأْن الرِّجَال وَالْحكم؟ قلت: هَذِهِ وَاحِدَة، قَالُوا: وأمّا الثَّانِيَة فَإِنَّهُ قَاتل وَلم يَسْبِ وَلم يغنم، فَإِن كَانُوا كفَّارًا فقد حلَّ سِباهم وقتالهم، وَلَئِن كَانُوا مُؤمنين فَمَا حَلَّ قِتَالهمْ وَلَا سباهم، قلت: هَذِهِ ثِنْتَانِ فَمَا الثَّالِثَة؟ قَالُوا: إِنَّه محا نَفسه من إمرة الْمُؤمنِينَ فَإِن لَمْ يكن أَمِير الْمُؤمنِينَ فَهُوَ أَمِير الْكَافرين، قَالَ: قلت: هَلْ عنْدكُمْ من غَيْر هَذَا؟ قَالُوا: حَسبنَا هَذَا، قلت: أَرَأَيْتُم إِن قَرَأت عَلَيْكُمْ من كتاب اللَّه وَسنة نبيه ﷺ مَا يَرُدُّ قَوْلكُم هَذَا ترجعون؟ قَالُوا: نَعَمْ، قلت أما قَوْلكُم حَكّم الرِّجَال فِي أَمر اللَّه تَعَالَى، فَأَنا أَقرَأ عَلَيْكُمْ من كتاب اللَّه أَن قَدْ صير اللَّه حكمه إِلَى الرِّجَال فِي ثُمْن رُبْع دِرْهَم، وَأمر اللَّه الرِّجَال أَن يحكموا فِي أرنب، قَالَ اللَّه تَعَالَى: " يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ، وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عدل مِنْكُم " وَكَانَ من حكم اللَّه أنَّه صيره إِلَى الرِّجَال يحكمون فِيهِ وَلَو شَاءَ لحكم فِيهِ فَجَاز حكم الرِّجَال، أنْشدكُمْ بِاللَّه أحكم الرِّجَال فِي صَلَاح ذَاتَ الْبَين وحقن دِمَائِهِمْ أفضل أم حكمهم فِي أرنب؟ وَفِي الْمَرْأَة وَزوجهَا: " وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَينهَا فَابْعَثُوا حكما من أَهله وَحكما من أَهلهَا إِن يريدا إصلاحاً يوفق الله بَينهمَا "، نشدتكم الله فَحكم الرِّجَال فِي إصْلَاح ذَاتَ بَينهم وحقن دِمَائِهِمْ أفضل أم حكمهم فِي بضع امْرَأَة؟ أخرجت من هَذِهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ. وأمّا قَوْلكُم قَاتلَ وَلم يَسِبْ وَلم يَغْنَم أفتَسْبُون أمكُم عَائِشَة فتستحلون مِنْهَا مَا تستحلون من غَيرهَا وَهِي أمكُم، فَإِن قُلْتُمْ: إِنَّا نستحل مِنْهَا مَا نستحل من غَيرهَا لَقَدْ كَفرْتُمْ، وَلَئِن قُلْتُمْ لَيست بأمِّنا لَقَدْ كَفَرْتُم لقَوْله تَعَالَى: " النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وأزواجه أمهاتهم " فَأنْتم بَين ضلالتين فَأتوا مِنْهُمَا مخرجا، أخرجت من هَذَا؟ قَالُوا: نَعَمْ. وأمّا قَوْلكُم محا نَفسه من إمرة الْمُؤمنِينَ فَأَنا آتيكم بِمَا ترصون بِهِ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَة صَالح الْمُشْركين فَقَالَ لعليّ: " اكْتُب يَا عليّ: هَذَا مَا صَالح عَلَيْهِ مُحَمَّد رَسُول الله قَالُوا: لَا نعلم أنَّكَ رَسُول الله، وَلَو نعلم أَنَّك رَسُول اللَّه مَا قَاتَلْنَاك، فَقَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : امْحُ يَا عليّ، اللَّهُمّ إِنَّك تعلم أَنِّي رَسُول الله، أمْحُ يَا عليّ واكتب: هَذَا مَا صَالح عَلَيْهِ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه، وَوَاللَّه، لرَسُول اللَّه خَيّر من عليّ لَقَدْ محا نَفسه، وَلم يكن مَحْوُه ذَلِكَ يَمْحُوه من النُّبُوَّة، أخَرَجْتُ من هَذِهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَرجع مِنْهُم أَلفَانِ وَخرج سَائِرهمْ فقتُلوا عَلَى ضَلَالَة، قَتلهمْ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار. خبر الأصدقاء الثَّلَاثَة حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَصْحَابنَا أنَّ عَبْد

стр. 179

الْملك بْن مَرْوَان كتب إِلَى الحَجَّاج: أنفذ مَعَ عَبْد اللَّه بْن كَعْب أَرْبَعَة آلَاف إِلَى خُرَاسَان فَفعل، فشخص فِي المعسكر ثَلَاثَة كَانُوا متؤاخين متصاحبين عَلَى اللَّذَّات ومعاقرة الشَّرَاب، يُقَالُ لَهُمْ: أَوْس بْن حَارِثَة وأنيس بْن خَالِد وَبشر بْن غَالب، وَكَانُوا إِذَا نزلُوا منزلا انفردوا دون النّاس فَخَلَوْا بشرابهم ولذاتهم، فَلم يزَالُوا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى دخلُوا سجستان ونزلوا رزداق راوند وخزازي..قَالَ أَحْمَد بْن يحيى: الصَّوَاب مَا ذكره وَهُوَ رزداق، ورستاق خطأ - فَمَاتَ أَوْس - قَالَ القَاضِي: أصل هَذَا الْكَلَام بِالْفَارِسِيَّةِ وعُرِّب فَقيل: رزداق ورستاق، وَهُوَ أَكثر فِي كَلَام من تَقَدَّمَ وَمن تَأَخّر فِيمَا وَردت الْأَخْبَار عَنْهُمْ بِهِ فَعظم حزنهما عَلَيْهِ وجزعهما لَهُ، وَقَالَ أنيس يرثيه: تَخَطّى إِلَى الموتَ من بَيْنَ من أرى ... فأتلفَ نُدْماني لَقَدْ جَار واعْتَدَى أثْلَبَني فَتى كَانَ النديمَ حياتَهُ ... لَنَا دُونَ خَلْق اللَّه كَانَ أَبَا الرِّضَا حَلِيمًا أديبًا ماجدًا ذَا سَمَاحَةٍ ... بَعيدا عَن الْفَحْشَاء وَالشَّر والخنا أَمينا جوادًا غَيْرَ كَزٍّ مخالفٍ ... وَلَا جاعلا ربًّا من المَال مَا حَوَى يخَوَّنَه الدَّهْر الخَئُونُ برِيبةٍ ... فَأصْبح رهنا للصفائح والصّفَا أناديه يَا أوسُ بْنُ حَارِثَة الَّذِي ... بِهِ كنتُ أنْفِي الهَمَّ عني والأذى أجبني لقد أنفذت بالوجد عَبرتي ... عَلَيْكَ أما ترثي لباكٍ إِذَا بَكَى وَقد كنت ذَا رأيٍ وسَمْع وفِطْنَة ... سَرِيعا إِلَى الدَّاعِي مجيباً الندا فَلَيْسَ لَنَا إِذَا مَاتَ أَوْس منادِمٌ ... سِوى قَبره حَتَّى يحل بِنَا الرَّدَى وَقَالَ فِيهِ أَيْضا: وردنا خُزازى إِذْ وردنا ثَلَاثَة ... كأنا جَمِيعًا أَيهَا النّاس واحدُ أنيسٌ وأوسُ الْحَارِثِيّ بْنُ خَالِد ... وَنصر أخوهم والمنايا رواصدُ فَكُنَّا وَلَا نبغي من النّاس رَابِعا ... كأنا أثاف لَا نَريمُ رواكدُ فَلَمّا رمانا النّاس بالأعين الَّتِي ... مَتَى يَرْمُقوا شَيئًا بهَا فَهو بائدُ رمتني بَنَات الدَّهْر منا بأسْهُمٍ ... ونبل المنايا للرِّجَال قواصدُ فأردَيْنَ أَوْسًا لهفَ نَفْسِي لفقده ... سَقي قبرَه صَوْبُ الغَمامِ الرَّواعدُ فَمَاتَ أنيس فَعظم حزن نصر عَلَيْهِ، واتصل بكاؤه وجزعه لَهُ، وَقَالَ يرثيه: أنيس فدته النَّفس مَيْتًا فقدتُهُ ... فنفسي لَهُ حَرَّى عَلَيْهِ تَقَطّعُ أنيس فدتك النفسُ أصبحتُ مُفردًا ... وحيدًا فَمَا أَدْرِي أخي كَيْفَ أصنعُ

стр. 180

أنيس فَدْتكَ النَّفس خُلّفْتَ حَسْرةً ... عليّ فعيني الدَّهْر مَا عشتُ تُدْمُع أنيس فدتك النَّفس مَاذا رزئته ... لَقَدْ خفت أَن أَقْْضِي وشيكًا فأسْرعُ فَكيف بقائي بَعْدَ أوسٍ أخي الفدى ... وَبعد أنيس لستُ فِي الْعَيْش أطمعُ ثُمَّ جعل يجلس بَيْنَ قبريهما فيشرب قدحًا وَيصب فِي كلّ قبر قدحاً، وَيَقُول: خليلي هبا مَا قَدْ رَقَدْتُما ... أجَدَّكُما لَا تقضيان كَرَاكُما ألم تعلما مَا إِن راوند كُلّها ... وَلَا بخزازي لي صديق سواكما أصبُّ عَلَى قبريكما من مدامة ... فإلا تَذُوقا أرْوِ مِنْهَا ثَرَاكُما مُقيم عَلَى قَبْريكما لستُ بارحًا ... طوال اللَّيَالِي أَوْ يُجيب صَدَاكما أجدكما مَا ترثيان لموجع ... حَزِين عَلَى قبريكما إِذْ بكاكما جرى النّوم بَيْنَ اللّحم والعظم مِنْكُمَا ... كأنّكُما كَأسَيْ عُقَارٍ سَقَاكُمَا ألم ترحمَاني أنني صِرْت مُفْردًا ... وأنِّيَ مُشْتَاقٌ إِلَى أَن أرَاكُما أناديكما بالجهر مني صَبَابَة ... كأنكما لَمْ تسمعا من دَعَاكُما فَإِن كنتما لَا تسمعاني فَمَا الَّذِي ... خليلي عَن سمع الدُّعَاء عداكما سأبكيكما حَتَّى الْمَمَات فَمَا الَّذِي ... يَرُدَّ عَلَى ذِي عَوْلَةٍ إِن بَكَاكُمَا فَلم يزل يشرب ويردد هَذَا الشّعْر حَتَّى مَاتَ، فَدفن إِلَى جانبهما، فقبورهم هُنَاكَ تسمى قُبُور الْإِخْوَة. تَعْلِيق لغَوِيّ قَالَ القَاضِي: قَول أنيس فِي شعره: كأنا أثاف لَا تريم رواكد، الأثافي أثافي الْقدر، وَهِي مَا تنصب عَلَيْهِ من حِجَارَة أَوْ غَيرهَا، والواحدة أثفية، وَمثله أُمْنِية وأماني وأوقية وأواق، وَقد يُخَفف هَذَا فَيُقَال أماني وأواقي، وروى عَنْ بَعْض الْمُتَقَدِّمين أَنَّهُ قَرَأَ " لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أماني " بِالتَّخْفِيفِ، وَقيل: هُوَ فِي تخفيفه وتشديده بِمَنْزِلَة قراقر وقراقير فِي جمع قُرْقُور، وَالْعرب تَقول فِي دعائها عَلَى الرَّجُل: رَمَاه اللَّه بثالثة الأثافي يُرِيدُونَ الْجَبَل، لأَنهم يجْعَلُونَ للقدر أثفيتين ويسندونهما إِلَى الْجَبَل فيغنيهم عَنْ أثفية أُخْرَى، وَقيل: إِنَّهُم يخففون الأثافي من هَذَا الْبَاب أَكثر من تخفيفهم غَيره لِكَثْرَة اسْتِعْمَاله، وَمن قَالَ هَذَا وَنَحْوه: الْأَخْفَش وَقَوله: لَا تريم، أَي لَا تَبْرَح، يُقَالُ: لَا أريم وَمَا أريم، وَلَا يسْتَعْمل إِلَّا فِي النَّفْي لَا يُقَالُ: مَا رمت كَمَا يُقَال مَا زلت، وَلَا يُقَالُ زلت فِي الأبيات، قَالَ الشَّاعِر: لَمِنْ طَلَلٌ برامة مَا يريم ... عَفَا وخَلا لَهُ حُقْبٌ قديم

стр. 181

وَقَالَ الْأَعْشَى: أَبَانَا فَلا رِمْتَ مِنْ عِنْدَنا ... فإنّا بخيرٍ إِذَا لَمْ تَرِم وَقَالَ أَيْضا: أَفِي الطَّوْفِ خِفْتِ عَلَيَّ الرَّدَى ... وَكم من ردٍ أَهله لَمْ يَرِم وَقَول نصر بْن غَالب فِي أنيس أَيْضا: لَقَدْ خفت أنْ أَقْْضِي وشيكًا أسكن الْيَاء فِي أقضى وَحكمهَا أَن تنصب بِأَن ليسلم بَيته من الانكسار، وَقد يَجْعَل هَذَا عَلَى لُغَة من يَقْرَأ الْفِعْل الْمُضَارع عَلَى الرّفْع بَعْدَ أَن وَلَا ينصبه وَقد جَاءَت فِي الشّعْر أَبْيَات عَلَى هَذَا فِي الصَّحِيح غَيْر المعتل، من ذَلِكَ قَول الشَّاعِر: وَإِنِّي لأجتاز القِرى طَاوِيَ الحَشَا ... مُحَاذَرَةً من أَن يُقَالُ لئيمُ وروى بَعضهم عَن مُجَاهِد أنَّه قَرَأَ: " لِمَنْ أَرَادَ أَن يتم الرضَاعَة " وَالْأَشْهر عَنْهُ: من أَرَادَ أَن يتمَّ الرضَاعَة، وعَلى تَوْجِيه الْفِعْل إِلَيْهَا وَقِرَاءَة الْجُمْهُور من السّلف وَالْخلف الَّتِي لَا نستجيز تَعَدِّيها " من أَرَادَ أَن يتمَّ الرضَاعَة " لوجُوب الحجَّة بنقلها لصحتها فِي الْعَرَبيَّة ومقاييسها، وَمِمَّا أسكنت ياؤه من معتل هَذَا الْبَاب قَول الْأَعْشَى: فَتى لَوْ يُنادي الشَّمْسُ ألقتْ قِنَاعها ... أَو القَمَر السّاري لألْقَى المَقَالدا وَجَاء مثله فِي الْوَاو، وَذَلِكَ قَول الفرزدق: فَإِن حَرَامًا أَن أسبَّ مُقَاعِسا ... بآبائي الشُّمِّ الكرامِ الخضارمِ وَلَكِن نَصَفًا لَوْ سببتُ وسَبّني ... بَنو عَبْد شمسٍ من منافٍ وهاشمِ أُولَئِكَ أكفائي فجئتني بمثلهم ... وأعبدُ أَن أهجو كُلَيْبًا بدارمِ وَمثل هَذَا كثير وشواهده وَذكر علله من جِهَة النَّحْو وَالْإِعْرَاب وَاسع جدا، وَله مَوضِع هُوَ أولى بِهِ، وَقد أضيفت جملَة هَذَا الشّعْر وَالْخَبَر الَّذِي تضمنه فِي رِوَايَة أُخْرَى إِلَى قُس بْن سَاعِدَة وَأَنه أنْشد هَذَا فِي نديميه، وَقد روينَاهُ فِي أَخْبَار قُسِّ وأقاصيصه. الصمصامة سيف عَمْرو بْن معدي كرب حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر الْعقيلِيّ أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم بْن إِسْحَاق بْن الْحَارِث، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زَكَرِيّا، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه، قَالَ: أَخْبرنِي أَحْمَد بْن أبي مُحَمَّد اليزيدي، قَالَ: كَانَ أبي ربّى الرشيد ومُوسَى ابْني المهديّ وأدَّبهما قَالَ: فَدخلت عَلَى مُوسَى وَقد اسْتخْلف وَكَانَ يجلني ويكرمني، فَسلمت فَرد عَليّ السّلام واستقعدني فَقَعَدت، وَإِذا بَيْنَ يَدَيْهِ سيف عريض كَأَنَّهُ بقلة، فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا سيف عَمْرو بْن معدي كرب الصمصامة، فاستحسنته، فَقَالَ لي أَمِير الْمُؤمنِينَ: قَدْ كنت سَأَلت أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمهْدي ﵁ أَن يهب لي هَذَا السَّيْف فضنَّ بِهِ عَنْي ومنعنيه، فآليت إِن بَلغنِي اللَّه

стр. 182

تَعَالَى أملي أَن أمتحنه، وَقد عزمت على أَن أَدْعُو غلامي طرخان الحريري وَهُوَ جيد الذِّرَاع، وَأَن يحضر لي صَخْرَة سَوْدَاء طولانية من حِجَارَة القصارين، وأتقدم إِلَيْهِ أَن يجمع يَدَيْهِ فِي السَّيْف ثُمَّ يضْرب بِهِ الرَّأْس الدَّقِيق من الصَّخْرَة، فَإِن سلم سلم وَإِن يقطع يقطع، قَالَ: فَلم نزل نطلب إِلَيْهِ ونسأله إعفاء السَّيْف من المحنة ونقول: شرفٌ من شَرَف الْعَرَب وَسيف لَا يُوجد مثله، فَأبى ودعا غُلَامه طرخان وأحضر الصَّخْرَة، قَالَ أَحْمَد، قَالَ أبي: فَقلت لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! فَإِذا لَمْ تُطِعْنِي فاعمل لَهُ حَدِيثا يبْقى على الدَّهْر، يدْخل من بِالْبَابِ من الشُّعَرَاء حَتَّى يحضروا السَّيْف ومحنته، فَإِن سلم وصفوه وَإِن يقطع رثوه، فَأمر بإحضار الشُّعَرَاء، وَكَانَ بِالْبَابِ مِنْهُم أَبُو الهول وَأَبُو الغول التَّمِيمِي وَسلم الخاسر، فَقيل لَهُم: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ أحْضركُم لمحنة هَذَا السَّيْف فَمن أحسن الْوَصْف لَهُ وَالْقَوْل فِيهِ فصلته عشرَة آلَاف دِرْهَم وخلعة وحملان، ثمَّ أحضر طرخان وَالسيف بَين يَدي مُوسَى، فحسر عَنْ ذِرَاعَيْهِ وهزّه وَجمع يَدَيْهِ فِي قَائِمَة ثُمَّ ضَرَب بِهِ الصَّخْرَة فَمضى فها باترًا لَهَا وَلم يصبهُ شَيْءٍ، فَأَما أَبُو الهول فَلم يصف شَيئًا، وأمّا سلم فَلم يرض مَا قَالَ، وأمّا أَبُو الغول فوصف فَأحْسن وَأخذ الصِّلَة عشرَة آلَاف دِرْهَم والْحُملان وَالْخلْع وَانْصَرف، وَأمر لأبي الهول وَسلم الخاسر بِخَمْسَة آلَاف خَمْسَة آلَاف وانصرفا، فَكَانَ الشّعْر لأبي الغول حَيْثُ يَقُولُ: حَازَ صمصامة الزَّبِيديّ من بِي ... ن جَمِيع الْأَنَام مُوسَى الْأمين سيف عَمْرو وَكَانَ فِيمَا علمنَا ... خيرُ مَا أغمدتْ عَلَيْهِ الجفون أَخْضَر اللَّوْن بَيْنَ حَدَّيْه بردٌ ... من رياحٍ تَمِيسُ فِيهِ المَنُون أوقدتْ فَوْقه الصَّوَاعِق نَارا ... ثُمَّ شابته بالزُّعاف القيون فَإِذا مَا سللته بهر الشم ... س ضِيَاء فَلم تكد تَسْتَبِين مَا يُبَالِي إِذَا الضّريبة حانت ... أشمالٌ سَطَتْ بِهِ أم يَمِينُ نتيجةُ الرِّفْق ونتيجة التعذيب حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن الْمَرْزُبَان النَّحْويّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عليّ بْن جَعْفَر بْن بنان المخزمي، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَر بْن شبة، قَالَ: حَدَّثَنِي عليّ بْن مُحَمَّد الْمَدَائِنِي، عَنْ أبي المضرحي، قَالَ: أَمر الْحجَّاج مُحَمَّد بْن الْمُنْتَشِر بْن أخي مَسْرُوق بْن الأجدع أَن يَعذِّبَ أزْدَاد مَرْذ بْن الهربز، فَقَالَ أزداد مرذ: يَا مُحَمَّد! إِن لَك شرفًا قَدِيما، وَإِن مثلي لَا يعْطى عَلَى الذُّلِّ شَيئًا، فاستأد وارفق بِي، فاستأدى فِي جُمُعَة ثَلَاثمِائَة ألف، فَغَضب الحَجَّاج وَأمر معبدًا صَاحب الْعَذَاب أَن يعذبه فدق يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ فَلم يعطهم شَيئًا، قَالَ: فَإِنِّي لأسير بَعْدَ ثَلَاثَة أيّام إِذ أَنَا بأزداد مرذ مُعْتَرضًا عَلَى بغل قَدْ دُقّتْ يَدَاهُ وَرجلَاهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّد! فَكرِهت أَن آتيه فَيبلغ الحَجَّاج، وتذممت من تَركه إِذْ دَعَاني، فدنوتُ مِنْهُ فَقتل: حَاجَتك؟ فَقَالَ: إِنَّك قَدْ

стр. 183

وليت مني مثل هَذَا فأحسنت إِلَيّ، ولي عِنْد فُلَانَة مائَة ألف دِرْهَم، فَانْطَلق فَخذهَا، قفلت: لَا وَالله لَا آخذ تدرهماً وَأَنت عَلَى هَذِهِ الْحَال، قَالَ: فَإِنِّي أحَدثك حَدِيثا سمعته من أَهْلَ دينك، يَقُولُونَ: إِذَا أَرَادَ الله بالعباد خَبرا أمطرهم فِي أَوَانه، وَاسْتعْمل عَلَيْهِمْ خيارهم، وَجعل المَال عِنْدَ سمحائهم، وَإِذا أَرَادَ بهم شرا أمطروا فِي غير أَوَانه، وَاسْتعْمل عَلَيْهِم شرارهم، وَجعل المَال فِي أشحائهم. وَمضى وأتيت منزلي فَمَا وضعت ثِيَابِي حَتَّى جَاءَنِي رَسُول الحَجَّاج، فَأَتَيْته وَقد اخْتَرَطَ سَيْفه فَهُوَ فِي حجره، فَقَالَ: ادنُ، فدنوت قَلِيل، ثُمَّ قَالَ: ادن، فَقلت: لَيْسَ بِي دُنُوٌّ، وَفِي حجر الْأَمِير مَا أرى، فأضحكه اللَّه تَعَالَى لي وأغمد السَّيْف فَقَالَ: مَا قَالَ لَك الْخَبيث، فَقلت: وَالله مَا غششتك مُنْذُ استنصحتّني، وَلَا كذبتك مذ صدقتني، وَلَا خُنْتُك مُنْذُ ائتمنتني، وأخبرته بِمَا قَالَ: فَلَمّا أردتُ ذَكَرَ الرَّجُل الَّذِي عِنْدَهُ المَال صرف وَجهه، وَقَالَ لَا تسمه، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ سمع عَدو اللَّه الْأَحَادِيث. كَيْفَ يكون بَارِدًا وَله هَذَا الشّعْر حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن الفَضْل بْن حبَان الْحلْوانِي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْر بْن ضباب، قَالَ: سمعتُ بَعْض أَصْحَابنَا بالرَّقة يَقُولُ: كَبر خَالِد الْكَاتِب حَتَّى دق عظمه ورَق جلده فوسوس، فرأيته ببغدّاد وَالصبيان يتبعونه ويصيحون بِهِ: يَا بَارِد يَا بَارِد! فأسند ظَهره إِلَى قصر المعتصم، وَقَالَ: كَيْفَ أكون بَارِدًا وَأَنا الَّذِي أَقُول: بَكَى عاذلي من رَحْمَتي فرحمته ... وَكم من مبعدٍ من مثله ومعينِ ورَقّتْ دموعُ الْعين حَتَّى كَأَنَّهَا ... دُموعي لَا دموعُ جفوني السَّيِّد الحميريُّ يستكمل هَدِيَّة حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن زِيَاد الْمقري، قَالَ: أَخْبَرَنَا الصَّائِغ بِمَكَّة، قَالَ: أَخْبَرَنَا يحيى بْن مَعِين، قَالَ: أَخْبرنِي مُحَمَّد بْن كناسَة: أَن واليًا كَانَ بِالْكُوفَةِ أهْدى إِلَى السَّيِّد بْن مُحَمَّد الْحِمْيريّ رِدَاءً عَدَنِيًّا، فَكتب إِلَيْهِ السَّيِّد فِي شعر وجَه بِهِ إِلَيْهِ: وَقد أتَانا رداءٌ من هَدِيَتِكُمْ ... فَلا عَدِمْناك طُولَ الدَّهْر من والِ نَعَم الرداءُ جَزَاك اللَّه صَالِحَة ... لَوْ أَنَّهُ كَانَ مُوصولا بسربال فَلَمَّا قَرَأَ اشعر أهْدى إِلَيْهِ خلعة تَامَّة. معاتبات فِي عدم قَضَاء الْحَاجة حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم الحكيمي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن أبي خَيْثَمَة، قَالَ: أنشدت لسَعِيد بْن سُلَيْمَان المساحقي القَاضِي فِي هَارُون بْن زَكَرِيّا كَاتب الْعَبَّاس بْن مُحَمَّد:

стр. 184

أزورك رِفهًا كلّ يومٍ وليلةٍ ... ودرُّك مخزونٌ عليّ قصير لأيّ زمَان أرتجيك وخَلة ... إِذَا أَنْت لَمْ تَنْفع وَأَنت وَزِيرُ فَإِن الْفَتى ذَا اللب يطْلب مَاله ... وَفِي وَجهه للطالبين بشيرُ حَدَّثَنَا أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الْخُتلِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْص النَّسَائيّ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن، قَالَ: كتب رَجُل إِلَى يحيى ابْن خَالِد بْن برمك فِي حَاجَة وَكَانَ وعده فمطله إِيَّاهَا فَأرْسل إِلَيْهِ بِهَذِهِ الأبيات: لَوْلَا المماتُ وَأَن الْعُمر مُنْتَقصٌ ... لما اكْتَرثتُ بِمَا تَأتي من الْعِلَلِ إِمَّا اعتزمتَ عَلَى تَنفيذ وَعْدِك لي ... فامنع حَياتِي من الآفاتِ والأجلِ وَمَا تَذَكّرَ قَوْمٌ مَا فعلتَ بهم ... عِنْدَ الْوُرود على مَعْرُوفك الخَضِلِ إِلَّا استعنتُ بوجهِ الأَرْض أنكتُهُ ... وأضمُّ بَعْضِي إِلَى بعضيِ من الخَجَلِ قَالَ: فَقضى حَاجته وَأحسن جائزته، وَوَقع مَا قَالَه بألطف الْموقع عِنْدَهُ. عُبَيْد اللَّه بْن جَعْفَر يهب ثِيَابه لبَعض الفتيان حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن جَعْفَر الأَزْدِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن عَبْد الْأَعْلَى الشَّيْبَانِيّ، وَأحمد بْن عُبَيْد اللَّه الغنوي، أنَّ عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر كَانَ فِي سفر لَهُ، فمرَّ بفتيانٍ يُوقدون تَحت قِدْرٍ لَهُمْ، فَقَامَ إِلَيْهِ أحدُهُم، فَقَالَ: أَقُول لَهُ حِين ألفيتُه ... عَلَيْكَ السلامُ أَبَا جعفرٍ فَوقف وَقَالَ: وَعَلَيْك السّلام وَرَحْمَة اللَّه، فَقَالَ: وهذي ثِيَابِي فقد أخلقت ... وَقد عضني زمن مُنكر قَالَ: فَهَذِهِ ثِيَابِي مَكَانهَا - وَعَلِيهِ جُبَّة خَز وعمامة خَز ومطرف خَز - ونعينك على زمنك، فَقَالَ: فَأَنت كريم بني هَاشم ... وَفِي الْبَيْت مِنْهَا الَّذِي يذكر قَالَ: يَا ابْن أخي، ذَاك رَسُول الله ﷺ . قَالَ القَاضِي: وهذي ثِيَابِي، وَيُقَال: هاتا أَيْضا، قَالَ الشَّاعِر: فهذي سيوفٌ يَا صُدَيُّ بْن مالكٍ ... كثيرٌ وَلَكِن أَيْنَ بِالسَّيْفِ ضاربُ وَقَالَ آخر فِي هاتا: إِن كنتِ كارهةً لعيشتنا ... هاتا فحُلِّي فِي بني بدر وروى عَنْ أبي عَبْد الرَّحْمَن السُّلَميّ أَنَّهُ قَرَأَ " وَلا تَقْرَبَا هَذِه الشَّجَرَة "، وأمّا هَذَا فَفِيهِ ثَلَاث لُغَات. هَذَا وَهِي أفصحهن وأشهرهن، وهذّاء بمدَّة بعْدهَا همزَة مَكْسُورَة، وهذَّائِهِ بِمدَّة بعْدهَا همزَة ثُمَّ هَاء مكسورتان وكسرة الْهَاء مشبعة، قَالَ الشَّاعِر فِي هَذِهِ اللُّغَة:

стр. 185

هذَّائِهِ الدِّفَّة خَيْرُ دفترٍ ... فِي كفِّ خيرِ عَالمٍ مُصَوِّرِ وَآخَرُونَ يروون هَذِه الْقِصَّة عَن الْمَنْصُور. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَن بْن خضر، عَنْ أَبِيه، قَالَ: دَخَلَ رَجُل عَلَى الْمَنْصُور، فَقَالَ: أقولُ لَهُ حِين واجهتهُ ... عَلَيْكَ السّلام أَبَا جَعْفَر فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور: وَعَلَيْك السّلام، فَقَالَ: فأنتَ المهذَبُ من هاشمٍ ... وَفِي الْفَرْع مِنْهَا الَّذِي يذكرُ فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور: ذَاك رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: فهذي ثِيَابِي قد أُخْلِقَتْ ... وَقد عَضّنِي زَمَنٌ منْكَرُ فَألْقى إِلَيْهِ الْمَنْصُور ثِيَابه وَقَالَ: هَذَه بدلهَا. الْمجْلس الْخَامِس وَالْعشْرُونَ الرزق عَلَى قدر النَّفَقَة حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ نُصَيْرٍ الْحَرْبِيُّ الْحَمَّالُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ كَاتِبُ الْوَاقِدِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: أَوْصَلْتُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ رُقْعَةً أَشْكُو فِيهَا غَلَبَةَ الدَّيْنِ وَحَالا قَدْ دُفِعْتُ إِلَيْهَا، فَوَقَّعَ عَلَى ظَهْرِ رُقْعَتِي: فِيكَ يَا شَيْخُ خَلَّتَانِ: الْحَيَاءُ وَالسَّخَاءُ، أَمَّا السَّخَاءُ فَهُوَ الَّذِي أَخْرَجَ مَا فِي يَدَيْكَ، وَأَمَّا الْحَيَاءُ فَهُوَ الَّذِي قَطَعَكَ عَنْ إِطْلاعِنَا عَلَى حَالِكَ، وَقَدْ أَمَرْتُ لَكَ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَإِنْ كَانَتْ فِيهَا بُلْغَةٌ فَذَاكَ، وَإِنْ يَكُنْ غَيْرَ ذَلِكَ فَهَذِهِ ثَمَرَةُ مَا جَنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ، فَأَنْتَ حَدَّثْتَنِي وَأَنْتَ قَاضٍ لأَبِي الرَّشِيدِ، عَنْ مُحَمَّدِ بن إِسْحَاق الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ مَفَاتِيحَ الرزق متوجهة نَحْو الْعَرْش فَيُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى النَّاسِ أَرْزَاقَهُمْ عَلَى قَدْرِ نَفَقَاتِهِمْ، فَمَنْ كَثَّرَ كُثِّرَ لَهُ، وَمَنْ قَلَّلَ قُلِّلَ لَهُ ". قَالَ الْوَاقِدِيُّ: فَكُنْتُ أُنْسِيتُ هَذَا الْحَدِيثَ حَتَّى حَدَّثَنِي بِهِ الْمَأْمُونُ فَكَانَ أَحْظَى عِنْدِي مِنَ الصِّلَةِ. ابْن هرمة يرثي الحكم بْن الْمطلب حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَان، قَالَ: أَخْبرنِي رَجُل من قُرَيْش بِمَكَّة، أَحْسبهُ قَالَ: من وُلِدَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف، قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْد بْن مغوث الْحِمصِي عَنْ أَبِيه، قَالَ: كنت فِيمَن حضر الحكم بْن الْمطلب بْن عَبْد اللَّه بْن الْمطلب بْن حنظب بن الْحَارِث ابْن عَبْد بْن عُمَر بْن مَخْزُوم وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ بمنبج، قَالَ: وَلَقي من الْمَوْت شِدَّة، فَقَالَ رجلٌ مِمَّن حضر وَهُوَ فِي غشية لَهُ: اللَّهُمّ هوّن عَلَيْهِ فَإِنَّهُ كَانَ وَكَانَ، فَلَمّا أَفَاق قَالَ: من الْمُتَكَلّم؟ قَالَ: الْمُتَكَلّم أَنَا. فَقَالَ: إِن ملك الْمَوْت يَقُولُ لَك: إِنِّي بكلِّ

стр. 186

سخي رَفِيق، قَالَ: وكأنما كَانَتْ فَتِيلَة أطفئت، فَلَمّا بلغ مَوته ابْن هرمة قَالَ: سَأَلَا عَنِ الْجُود وَالْمَعْرُوف أَيْن هما ... فَقلت إنَّهُمَا مَاتَا مَعَ الحَكَمِ مَاتَا مَعَ الرَّجُل الموفي بِذِمَّتِهِ ... يَوْمَ الْحفاظ إِذَا لَمْ يُوفَ بالذممِ مَاذَا بمنبَج لَوْ تُنشَرْ مَقَابِرُها ... من التَهَدُّمِ بِالْمَعْرُوفِ والكَرَمِ قَالَ ابْن دُرَيْد: فَسَأَلت أَبَا حَاتِم عَنْ قَوْله: لَوْ تنشر مقابرها لَمْ جزم؟ فَقَالَ: قَالَ قَوْمٍ من النَّحْوِيين: كَرَاهَة لِكَثْرَة الحركات، كَمَا قَالَ الراجز: إِذَا اعوجَجْنَ قلتُ صاحبْ قَوِّمِ ... بالدَّوِّ أَمْثَال السّفِينِ الْعُوَّمِ وَقَالَ: لَوْ قَالَ: لَوْ نبشتْ مقابرها لاستراح من اللّبْس وَكَانَ كلَاما فصيحًا. قَالَ القَاضِي: وَقد بَينا فِيمَا مضى من هَذِهِ الْمجَالِس هَذَا النَّحْو ممّا سُكِّن فِي الشّعْر مَعَ اسْتِحْقَاقه التحريك، وَذكرنَا مَا أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ فِي هَذَا الْمَعْنى وَالِاخْتِلَاف فِي رِوَايَته واستجازته، مَا يُغني عَنْ إِعَادَته، فَأَما قَول أَبِي حَاتِم فِي معنى نبشت فِي لفظ الْفِعْل الْمَاضِي وَإِسْكَان عينه، فَهُوَ كَمَا قَالَ: وَهُوَ مطرد فِي الْقيَاس وَقد جَاءَ مِنْهُ شَيْءٍ كثير، وَمن ذَلِكَ قَول أبي النَّجْم: لَوْ عُصْرَ مِنْهُ الْمسك والبانُ انْعَصَر وَمثله: رُجْمَ بِهِ الشيطانُ فِي ظلمائِهِ وُفُود جرير عَلَى عَبْد الْملك بْن مَرْوَان حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن عَمْرو الْوراق، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن طهْمَان قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرو بْن أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ، عَنْ أبي عَمْرو الشَّيْبَانيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَرْوَان بْن أبي حَفْصَة، قَالَ: جلس عَبْد الْملك بْن مَرْوَان يَوْمَا للنَّاس عَلَى سَرِير، وَعند رِجْلِ السرير مُحَمَّد بْن يُوسُف أَخُو الحَجَّاج بْن يُوسُف، وَجعل الْوُفُود يدْخلُونَ عَلَيْهِ وَمُحَمّد بْن يُوسُف يَقُولُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! هَذَا فلَان، هَذَا فلَان، إِلَى أَن دَخَلَ جرير بْن الخَطَفَي فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! هَذَا جرير بْن الخطفي، قَالَ: فَلا حَيّاه اللَّه، الْقَاذِف للمُحْصَنَات والعاضِه لأعراض النّاس - قَالَ أَبُو بَكْر بْن الأنبَاريّ: العاضه: الْمُغتاب، وَيُقَال: العاضه: النّمّام، وَيُقَال: السَّاحر، قَالَ القَاضِي: وَمِنْه الْخَبَر عَنِ النَّبيّ ﷺ : أَنَّهُ لعن العاضهة والمستعضهة، يَعْنِي الساحرة والمستسحرة، قَالَ الراجز: الماءُ مِنْ عِضَاهِهِنَّ زَمْزَمَهْ وَقيل فِي قَول اللَّه تَعَالَى: " الَّذِينَ جعلُوا الْقُرْآن عضين " أَقْوَال مِنْهَا: هَذَا، وَهُوَ أنَّ

стр. 187

الْمُشْركين قَالُوا: هُوَ سحر، وَقيل: إِنَّهُم عَضَوْه بِأَن آمنُوا بِبَعْضِه وَكَفرُوا بِبَعْضِه، وَقيل، بل اقتسموه بَينهم استهزاء فَقَالُوا: لفُلَان هَذِهِ السُّورَة وَلفُلَان هَذِهِ السُّورَة، فعضوه كَمَا تعضى الشَّاة وكما تجزأ أَعْضَاء الْجَزُور فتقسم وتوزّع بَيْنَ مقتسميها وَهَذَا فِيمَا يتَضَمَّن عَنْهُ بِمَشِيئَة اللَّه وعونه كتَابنَا الْمُسَمّى الْبَيَان الموجز عَنْ عُلُوم الْقُرْآن المعجز ونأتي عَلَى مَا جَاءَ فِيهِ عَنْ أَهْلَ الْعلم، وَأَصْحَاب التَّأْوِيل والمفسرين، وَعَن أَصْحَاب الْمعَانِي النَّحْوِيين، وَمن العضه السحر، مَا أنشدنيه عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن جَعْفَر الأَزْدِيّ، قَالَ: أنشدنا أَحْمَد بْن يحيى: أعُوذُ بِرَبِّي من النافثا ... فِي عُقَد العَاضِهِ الْمُعْضِهِ وَقَالَ: يَعْنِي بهما السَّاحر، وَقَالَ أَبُو مُوسَى الحَامض: المعضه الَّذِي يَأْتِي بِالْأَمر الْعَظِيم ثُمَّ يَبْهَت - فَقَالَ جرير: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ دخلتُ فاشْرأب النّاس نحوي، وَدخل قومٌ بعدِي فَلم يشرئب النّاس إِلَيْهِم، فقدرت أَن ذَلِكَ لذكر جميلٍ ذَكرنِي بِهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَقَالَ عَبْد الْملك: لمّا ذُكِرْت لي قُلتُ: لَا حيّاهُ اللَّه القاذفُ للمحصنات العاضهُ لأعراض النّاس، فَقَالَ جرير: وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا هجوتُ أحدا حَتَّى أجزه عِرضي سَنَةً، فَإِن أمسك أَمْسَكت، وَإِن أَقَامَ استعنتُ عَلَيْهِ وهجوتُه، فَقَالَ لَهُ: هَذَا صديقك أَبُو مَالك سَلِّم عَلَيْهِ - يَعْنِي الأخطل - فاعتنقه وَقَالَ: وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا هجاني أحدٌ كَانَ هجاؤُه عليّ أشدَّ من هجائه، إِلَّا أَنِّي كنتُ أَظن أنَّه يُرْشى عَلَى هجائي، فَقَالَ لَهُ الأخطل: كذبتَ وأُتُنِ أمِّك، قَالَ لَهُ جرير: صدقتُ وَخَنَازِير أمك، فَقَالَ عَبْد الْملك: أحضروا جَامِعَة فأحضرت وغمز الْوَلِيد الْغُلَام أَن ناجز بهَا، فَقَالَ عَبْد الْملك للأخطل: أنْشِدْ، فَأَنْشد: تأبّد الربُع من سلمى بأجْفار ... وأقْفرتْ من سُلَيمي دِمْنَةَ الدَّارِ حَتَّى خَتمهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْد الْملك: قضينا لَك أنَّك أشعر من مضى وَمن بَقِي. واستأذنت قيس عَبْد الْملك فِي أَن ينشد جريرٌ فَأبى، وَلم يزل جرير مُقيما دهرًا يلْتَمس إنشاد عَبْد الْملك وَقيس تشفع لَهُ، وَعبد الْملك يَأْبَى إِلَى أَن أذن لَهُ يَوْمَا، فأنشده: أتصحُو بل فؤادُك غَيْر صَاح ... عَشِيَّة هَمَّ صَحْبُك بالرواح فَقَالَ عبد الْملك: بل فُؤَادك يَا بن اللخناء - قَالَ أَبُو بَكْر: اللخناء: المنتنة الرّيح، فَلَمّا انْتهى إِلَى قَوْله: تَعَزَّتْ أم حَزْرَة ثُمَّ قَالَتْ ... رَأَيْتُ الْمُوردين ذَوي اللقاحِ تُعَلِّلُ وَهِي سَاغِبةٌ بَنِيها ... بِأَنْفَاسِ من الشبم القراح قَالَ أبوبكر: الشبم: الْبَارِد، والقراح: المَاء الَّذِي لَيْسَ مَعَه لبن، والساغبة الجائعة، قَالَ القَاضِي: وَمن دُعَاء الْعَرَب: حلبتَ قَاعِدا وشربتَ بَارِدًا، يُرِيدُونَ كنت ذَا غنم تحلبها وَأَنت قَاعد وَلَا إبل لَك تحلبها قَائِما، وشربت بَارِدًا أَي مَاء مَحْضا، قَالَ عبد الْملك: لَا

стр. 188

أروى اللَّه عَيمتَها، قَالَ القَاضِي: العَيْمة: شَهْوَة اللَّبن، يُقَالُ: عَمت إِلَى اللَّبن أعيم عيمة، وَمن دُعَاء الْعَرَب: مَا لَهُ عَامَ وغام وآم، فغام: قرم إِلَى اللَّبن وَلم يقدر عَلَيْهِ، وآم: مَاتَت امْرَأَته، كَمَا قَالَ الشَّاعِر: وأُبنا وَقد آمتْ نِسَاءٌ كثيرةٌ ... ونسْوَانُ سَعْدٍ لَيْسَ فيهنَّ أيِّمُ معنى آمت نسَاء مَاتَ أَزوَاجهنَّ، وغام: عَطش فَلم يقدر عَلَى المَاء، فَلَمّا انْتهى إِلَى قَوْله: ألستُمْ خَيْر من ركب المَطَايا ... وأندى العَالمين بُطُون رَاحِ قَالَ عَبْد الْملك: من مَدْحنَا فليمدحْنا هَكَذَا. فَلَمّا خَتمهَا أمره بإعادتها، فَلَمّا أنْشد: أتَصْحُو أم فؤادُك غَيْرُ صَاحِ لَمْ يقل لَهُ مَا قَالَ فِي الْمرة الأولى، ولمّا خَتمهَا أَمر لَهُ بِمِائَة نَاقَة بأداتها ورعاتها، فَقَالَ جرير: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! اجْعَلْهَا من إبل كلب، وإبل كلب إبل كرام. قَالَ القَاضِي: وَقد كتبنَا هَذَا الْخَبَر عَنْ أبي بَكْر بْن الأنبَاريّ فِي مجْلِس آخر: فَأتى بِهِ بِزِيَادَة فِي هَذِهِ القصيدة وَأنْشد فِيهِ كلمة جرير كلهَا وَفسّر غريبها، وَإِذا عثرنا عَلَيْهِ رسمناه فِيمَا نستقبله من مجالسنا هَذِهِ إِن شَاءَ اللَّه. الرشيد يحبس مُحَمَّد بْن اللَّيْث ثُمَّ يُطلقهُ ويكرمه حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن زَيْدُ أَبُو عليّ الْكَاتِب الْمَعْرُوف بالحكيمي، قَالَ: سمعتُ أَحْمَد بْن يُوسُف الْكَاتِب يَقُولُ: حَدَّثَنِي ثُمَامَة بْن أَشْرَس، قَالَ: أول مَا أنكر يحيى بْن خَالِد من أمره، أنَّ مُحَمَّد بْن اللَّيْث أبي الرّبيع الْكَاتِب كتب إِلَى الرشيد رِسَالَة يَعِظُه فِيهَا وَيذكر فِيهَا يحيى بْن خَالِد وَيَقُول: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن يحيى بْن خَالِد لَا يُغني عَنْكَ من اللَّه شَيئًا، وَقد جعلته فِيما بَيْنك وَبَين اللَّه ، فَكيف أَنْت إِذا وقفت بَيْنَ يَدَيْهِ فسألك عَمَّا عملت فِي عباده وبلاده، فَقلت: أَي رب! استكفيت يحيى بْن خَالِد أُمُور عِبَادك، أتراك تحتج بِحجَّة يرضاها؟ مَعَ كَلَام فِيهِ توبيخ وتقريع، فَلَمّا قَرَأَهَا الرشيد دَعَا يحيى بْن خَالِد وَقد تَقَدَّمَ إِلَى يحيى خبر هَذِهِ الرسَالَة، فَقَالَ لَهُ: أتعرف مُحَمَّدًا بْن اللَّيْث؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فأيُّ الرِّجَال هُوَ؟ قَالَ: مُتّهم على الْإِسْلَام. فَأمر الرشيد بِمُحَمد بْن اللَّيْث فَوضع فِي المطبق فَأَقَامَ دهرًا، فَلَمّا تنكر الرشيد للبرامكة ذكره فَأمر بِإِخْرَاجِهِ فأحضر، فَقَالَ لَهُ بَعْدَ مُخَاطبَة طَوِيلَة: يَا مُحَمَّد! أتحبني، قَالَ: لَا وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَ: أوتقول هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وضعت فِي رِجلي الأكْبَالَ وحلت بيني وَبَين الْعِيَال بِلَا ذَنْب وَلَا حَدَثٍ أحدثتُ سوى قَول حَاسِد يكيدُ الْإِسْلَام وَأَهله، وَيُحب الْإِلْحَاد وَأَهله، فَكيف أُحِبَّكَ؟ قَالَ: صدقت، وَأمر بِإِطْلَاقِهِ، ثُمّ قَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّد بْن اللَّيْث أتحبني، قَالَ لَا وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَلَكِن قَدْ ذهب بَعْض مَا كَانَ فِي قلبِي، فَأمر أَن يدْفع إِلَيْهِ من

стр. 189

سَاعَته مائَة ألف دِرْهَم فأحضرت، فَقَالَ: يَا مُحَمَّد أتحبني؟ قَالَ: أما الْآن فَنعم، قَدْ أَنْعَمت وأحسنت، فَقَالَ: انتقم الله لَك مِمَّن ظلمك وَأخذ بحقِّك مِمَّن بغى عَلَيْكَ، فَكَانَ هَذَا أول مَا ظهر من الرشيد فِي أَمر يحيى بْن خَالِد ثُمَّ تَزَيّد الْأَمر بَعْدَ ذَلِكَ. خبرُ وضَّاحِ الْيمن حَدَّثَنَا أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الْخُتلِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْص النَّسَائيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن حِبّان بْن صَدَقة، عَنْ مُحَمَّد بْن أبي السّري، عَنْ هِشَام بْن مُحَمَّد بْن السَّائِب، قَالَ: كَانَتْ عِنْدَ يزِيد بْن عَبْد الْملك بْن مَرْوَان أم الْبَنِينَ بِنْت فلَان، وَكَانَ لَهَا من قلبه مَوضِع قَالَ: فَقدم عَلَيْهِ من نَاحيَة مصر بجوهر لَهُ قيمَة وَقدر، قَالَ: فَدَعَا خصِيًّا لَهُ فَقَالَ: اذْهَبْ بِهَذَا إِلَى أم الْبَنِينَ وَقل لَهَا: أُتيتُ بِهِ الساعةَ فبعثتُ بِهِ إِلَيْكَ، قَالَ: فَأَتَاهَا الْخَادِم فَوجدَ عِنْدهَا وَضَّاحَ الْيمن وَكَانَ من أجمل الْعَرَب وأحسنها وَجها، فعشقته أم الْبَنِينَ فأدخلته عَلَيْهَا، فَكَانَ يكون عِنْدهَا فَإِذا أحسّت بِدُخُول يزِيد بْن عَبْد الْملك عَلَيْهَا أدخلته فِي صندوق من صناديقها، فَلَمّا رَأَتْ الْغُلَام قَدْ أقبل أدخلته فِي الصندوق فَرَآهُ الْغُلَام وَرَأى الصندوق الَّذِي دخل فِيهِ، فَوضع الْجَوْهَر بَيْنَ يَديهَا وأبلغها الرسَالَة، ثُمَّ قَالَ: يَا سيِّدتي هَبِي لي مِنْهُ لُؤْلؤة، قَالَتْ: لَا، وَلَا كَرَامَة، فَغَضب وَجَاء إِلَى مَوْلَاهُ فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! إِنِّي دخلت عَلَيْهَا وَعِنْدهَا رَجُل، فَلَمّا رأتني أدخلته صندوقًا فَهُوَ فِي الصندوق الَّذِي من صفته كَذَا وَكَذَا وَهُوَ الثَّالِث أَو الرَّابِع، فَقَالَ لَهُ يزِيد: كذبت يَا عَدو اللَّه، جئوا فِي عُنُقه فوجأوا عُنُقه وَنَحْوه عَنهُ، قَالَ: فأمهل قَلِيلا ثُمَّ قَامَ فَلبس نَعله وَدخل عَلَى أم الْبَنِينَ وَهِي تمتشط فِي خزانتها، فجَاء حَتَّى جلس عَلَى الصندوق الَّذِي وصف لَهُ الْخَادِم، فَقَالَ: يَا أم الْبَنِينَ! مَا أحبب إِلَيْكَ هَذَا الْبَيْت؟ قَالَتْ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! أدخلهُ لحاجتي وَفِيه خزانتي فَمَا أردْت من شَيْءٍ أَخَذته من قُرب، قَالَ: فَمَا فِي هَذِهِ الصناديق الَّتِي أَرَاهَا؟ قَالَتْ: حُلِيِّي وأثَاثي، قَالَ: فهبي لي مِنْهُ صندوقًا، قَالَتْ: كلهَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَ: لَا أُرِيد إِلَّا وَاحِدًا وَلَك عليّ أُعْطِيك زِنَته وزنة مَا فِيهِ ذَهبًا، قَالَتْ: فَخذ مَا شِئْت، قَالَ: هَذَا الَّذِي تحتي، قَالَتْ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! عَدِّ عَنْ هَذَا وَخذ غَيره، فَإِن لي فِيهِ شَيئًا يَقع بمحبتي، قَالَ: مَا أُرِيد غَيره، قَالَتْ: هُوَ لَك، قَالَ: فَأَخذه ودعا الفراشين فحملوا الصندوق فَمضى بِهِ إِلَى مَجْلِسه فَجَلَسَ وَلم يَفْتَحهُ وَلم ينظر مَا فِيهِ، فَلَمَّا جنه اللَّيْل دَعَا غُلَاما لَهُ أعجميا، فَقَالَ لَهُ: اسْتَأْجر أجراء غرباء لَيْسُوا من أهل الْمصر، قَالَ: فجَاء بهم فَأَمرهمْ فَحَفروا لَهُ حُفْرة فِي مَجْلِسه حَتَّى بلغ المَاء، ثُمَّ قَالَ: قَدِّموا لي الصندوق فألقي فِي الحفرة ثُمَّ وضع فَمه عَلَى شَفْرِهْ فَقَالَ: يَا هَذَا! قَدْ بلغنَا عَنْكَ الْخَبَر فَإِن يكن حَقًا فقد قَطعنَا أَثَره وَإِن يكن بَاطِلا فَإِنَّمَا دفنّا خَشَبًا، ثُمَّ أهالوا عَلَيْهِ التُّرَاب حَتَّى اسْتَوَى، قَالَ: فَلم ير وضاح الْيمن حَتَّى السَّاعَة، قَالَ: فَلا وَالله مَا بَان لَهَا فِي وَجهه وَلَا فِي خلائقه وَلَا فِي شَيْءٍ حَتَّى فرق الْمَوْت بَيْنَهُمَا.

стр. 190

جَنّهُ وجنَّ عَلَيْهِ قَالَ القَاضِي: فِي هَذَا الْخَبَر: فَلَمّا جنّه اللَّيْل، والفصيح من كَلَام الْعَرَب: جن عَلَيْهِ اللَّيْل وأجنه اللَّيْل، قَالَ اللَّه جلّ اسْمه " فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كوكباً " وَفِيه لُغَة أُخْرَى وَهُوَ جَنّه كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَر، وَقد روى عَن بعض الماضين من الْقُرَّاء " جَنّهُ المَأْوى " وَهَذَا وَجه شَاذ فِي الْقِرَاءَة، واللغة، وَفِي هَذَا الْخَبَر أَيْضا وجهٌ من اللُّغَة لَيْسَ بِالظَّاهِرِ السائر وَهُوَ قَوْله: ثُمَّ أهالوا عَلَيْهِ التُّرَاب، واللغة الفاشية الصَّحِيحَة الْعَالِيَة: هِلْتُ عَلَيْهِ التُّرَاب أهِيله، قَالَ اللَّه جلّ ثَنَاؤُهُ: " وَكَانَتِ الْجِبَالُ كثيباً مهيلاً ". من أدب آل الْبَيْت حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ شَاذَانَ أَبُو الْحَسَنِ الْبَزَّازُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ بِالْقَلْزُمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْيَمَانِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يُوسُفَ الْمَدَائِنِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ ﵃، فَقلت: يَا ابْن رَسُولِ اللَّهِ أَوْصِنِي، فَقَالَ: يَا سُفْيَانُ! لَا مُرُوءَةَ لِكَذُوبٍ، وَلا رَاحَةَ لِحَسُودٍ، وَلا خَلَّةَ لِبَخِيلٍ، وَلا أَخَا لِمَلُولٍ، وَلا سُؤْدُدَ لسيء الْخلق، قلت يَا ابْن رَسُولِ اللَّهِ، زِدْنِي، قَالَ: يَا سُفْيَانُ! كُفَّ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ تَكُنْ عَابِدًا، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَاصْحَبِ النَّاسَ بِمَا تُحِبُّ أَنْ يَصْحَبُوكَ بِهِ تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَلا تَصْحَبِ الْفَاجِرَ فَيُعَلِّمَكَ مِنْ فُجُورِهِ، وَشَاوِرْ فِي أمورك الَّذين يَخْشَوْنَ اللَّهَ تَعَالَى، فَقُلْتُ: يَا ابْن رَسُولِ اللَّهِ: زِدْنِي، قَالَ: يَا سُفْيَانُ! مَنْ أَرَادَ عِزًّا بِلا عَشِيرَةٍ وَهَيْبَةً بِلا سُلْطَانٍ، فَلْيَخْرُجْ مِنْ ذُلِّ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ ، قلت: يَا ابْن رَسُولِ اللَّهِ زِدْنِي قَالَ: يَا سُفْيَانُ أَدَّبَنِي أَبِي بِثَلاثٍ وَأَتْبَعَنِي بِثَلَاث، قلت يَا ابْن رَسُول الله! مَا الثَّلاثُ الَّتِي أَدَّبَكَ بِهِنَّ أَبُوكَ؟ قَالَ: قَالَ لِي أَبِي: مَنْ يَصْحَبْ صَاحِبَ السَّوْءِ لَا يَسْلَمْ، وَمَنْ يَدْخُلْ مَدَاخِلَ السَّوْءِ يُتَّهَمْ، وَمَنْ لَا يَمْلِكْ لِسَانَهُ يَنْدَمْ. ثُمَّ أَنْشَدَنِي: عَوِّدْ لِسَانَكَ قَوْلَ الْخَيْرِ تَحْظَ بِهِ ... إِنَّ اللِّسَان لِمَا عَوَّدْتَ مُعْتَادُ مُوَكَّلٌ بِتَقَاضِي مَا سَنَنْتَ لَهُ ... فِي الْخَيْرِ وَالشَّر فانظركيف تَرْتَادُ قَالَ: فَقُلْتُ: فَمَا الثَّلاثُ الأُخَرُ؟ قَالَ: قَالَ أَبِي: إِنَّمَا يُتَّقَى حَاسِدُ نِعْمَةٍ، أَوْ شَامِتٌ بِمُصِيبَةٍ، أَوْ حَامِلُ نَمِيمَةٍ. وُفُود كَثِيرَة عزَّة عَلَى عَبْد الْملك وَحَدِيثه مَعَه حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن عليّ بن المزربان النَّحْويّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن هَارُون النَّحْوِيّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن أبي يَعْقُوب الدينَوَرِي، قَالَ: أَخْبرنِي نصر بْن مَنْصُور، عَنِ الْعُتْبِي، قَالَ: كَانَ عَبْد الْملك بْن مَرْوَان يحب النّظر إِلَى كُثَيِّر إِذَا دخل عَلَيْهِ آذنه يَوْمَا، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! هَذَا كُثَيِّر بِالْبَابِ، فَاسْتَبْشَرَ عَبْد الْملك، وَقَالَ: أَدْخِلْه يَا غُلَام،

стр. 191

فَدخل كُثير وَكَانَ دميمًا حَقِيرًا تَزْدَريه الْعين فسلّم بالخلافة، فَقَالَ عَبْد الْملك: تَسْمَع بالْمُعَيْديِّ خيرٌ من أَن ترَاهُ، فَقَالَ كثير: مهلا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَإِنَّمَا الرَّجُل بأصغريه - قَالَ القَاضِي: الْعَرَب تَقول: تسمع بالمعيديِّ لَا أَن ترَاهُ، وَأَن تسمع بالمعيدي خَير من أَن ترَاهُ، وَهُوَ مَثَلٌ سَائِر - بِلِسَانِهِ وَقَلبه، فَإِن نَطَق نَطَقَ بِبَيَان، وَإِن قَاتل قَاتل بحنان، وَأَنا الَّذِي أَقُول يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: وَجَرَّبْتُ الأمورَ وَجَرَّبَتْنِي ... فقد أبدتْ عَريكَتي الأمُورُ وَمَا يَخْفَ الرِّجَالُ عَلَيَّ إِنِّي ... بِهِم لأخُو مُثَاقَبَة خَبِيرُ تَرى الرَّجُل النّحيفَ فتزدريه ... وَفِي أثوابه أسدٌ يَزِيرُ ويُعْجِبكَ الطّرِيرُ فتبتليه ... فيُخْلِفُ ظَنّكَ الرَّجُل الطّريرُ وَمَا عِظَمُ الرِّجَال لَهُمْ بِزَيْنٍ ... وَلَكِن زَيْنُهَا كَرَمٌ وخيرُ بُغَاثُ الطّيْر أطْوَلُها جُسُومًا ... وَلم تَطِلِ الْبُزَاةُ وَلَا الصُّقُورُ وروى بغاث الطّير أَكْثَرهَا فِرَاخًا ... وأمُّ الصَّقْر مِقْلاتٌ نَزُور وَفِي بغاث الطير لُغَتَانِ: بَغَاث وبِغَاث بِالْفَتْح وَالْكَسْر، فَأَما الضَّم فخطأ عِنْدَ أَهْلَ الْعلم باللغة، فقد أجَاز بَعضهم الضَّم، والمقلات الَّتِي لَا يعِيش لَهَا وُلِدَ، والقلت بِفَتْح اللَّام: الْهَلَاك، وَمن ذَلِكَ مَا روى عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " الْمُسَافر وَمَا مَعَه عَلَى قَلَتٍ إِلَّا مَا وَقَى اللَّه " وَمِنْه قَول الشَّاعِر فَلم أر كالتّجْمِيرِ مَنْظَرَ نَاظِرٍ ... وَلَا كَلَيَالِي الحَجِّ أقْلَتْن ذَا هَوَى ويروى: أفلتن بِالْفَاءِ، فَأَما القلت بِسُكُون اللَّام: فالنقرة فِي الْجَبَل أَو الْحجر يجْتَمع فِيهَا المَاء، تجمع قلات، قَالَ الشَّاعِر: كأنَّ عَيْنَيْهِ من الْغُئُورِ ... قَلَتَان فِي جَوْف صَفًا مَنْقُورِ ثُمَّ رَجعْنَا إِلَى شعر كُثَيِّر: لَقَدْ عَظُم البَعِير بِغَيْر لُبٍّ ... فَلَم يَسْتَغْنِ بالْعِظَمِ البَعِيرُ فيركب ثُمَّ يضْرب بالهراوى ... فَلا عُرْفٌ لَدَيْهِ وَلَا نَكِيرٌ قَالَ القَاضِي فيروى: يُجَرِّرهُ الصَّبِيُّ بكلِّ سَهْبٍ ... ويَحْبِسهُ عَلَى الْخَسْف الْجَرِير قَالَ القَاضِي: الْجَرِير: الْحَبل، وَبِه سمي الرَّجُل: قَالَ الشَّاعِر: يرى فِي كف صَاحبه خَلاء ... فيُفْزِعهُ ويُجْبِنُه الجريرُ

стр. 192

رَجعْنَا إِلَى شعر كُثَيِّر: وعُودُ النّبْعِ يَنْبَتُ مُسْتَمِرًّا ... وَلَيْسَ يَطُول والقَصْبَاء خُور قَالَ القَاضِي: النبع من كريم الشّجر وتتخذ مِنْهُ القسيّ، قَالَ الشَّاعِر: ألم تَرَ أنَّ النّبْعَ يَصْلُب عُودُهُ ... وَلَا يَسْتَوِي والخَرْوَعُ المَتَقصِّفُ وَقَالَ الْأَعْشَى: ونَحْنُ أُنَاسٌ عُودُنا عُودُ نَبْعَةٍ ... إِذَا افتخرَ الحَيّان بَكْرٌ وتَغْلِبُ قَالَ: فَاعْتَذر إِلَيْهِ عبد الْملك وَرفع مَجْلِسه، ثُمَّ قَالَ: يَا كثير! أَنْشدني فِي إخْوَان دهرك هَذَا، فأنشده: خَيْرُ إخوانِك الْمُشَارِكُ فِي المر ... روأين الشّريكُ فِي الْمُرِّ أَيْنَا الَّذِي إِن حضرت سرك فِي الح ... ي وَإِن غبتَ كَانَ أُذْنًا وعَيْنًا ذَاك مثل الحسام أخلصه الق ... ين وجلاه الْجلاء فاداد رَيْنَا قَالَ القَاضِي: ويروى: جلاه التلام يُرِيد التلامذة والتلاميذ وهم الصياقلة هَا هُنَا، وَيُقَال التلام المدوس وَهُوَ حجر يُجلى بِهِ، رَجَعَ الشَّاعِر: أنتَ فِي معشر إِذَا غبت عَنْهُمْ ... بَدَّلُوا كلّ مَا يَزينك شَيْنَا فَإِذا مَا رأوك قَالُوا جَمِيعًا ... أَنْت من أكْرم الرِّجَال عَلَيْنَا فَقَالَ لَهُ عَبْد الْملك: يغْفر اللَّه لَك يَا كُثَيِّر، فَأَيْنَ الإخوان؟ قَالَ: غَيْر أَنِّي أَنَا الَّذِي أَقُول: صَدِيقُك حِينَ تَسْتَغْنِي كثيرٌ ... ومَالَكَ عِنْدَ فقركِ من صِدِيقِ فَلا تُنْكِر عَلَى أحدٍ إِذَا مَا ... طَوَى عَنْكَ الزِّيَارة عِنْدَ ضِيقِ وكنتُ إِذَا الصّديق أَرَادَ غيظيعلى حَنَقٍ وأشْرَقني برِيقِي غفرتُ ذُنُوبَه وصفحت عنهمخافة أَن أكونَ بِلَا صَدِيقِ خُرُوج عَبْد الْملك بِنَفسِهِ إِلَى حَرْب مُصْعَب وتمثله بِشعر لكثير حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يزِيد، قَالَ: أَخْبرنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن طَاهِر، عَنْ أَبِيه، عَنْ جَدّه، قَالَ: وفَدَ كُثَيِّر على عبد الْملك وَهُوَ يُرِيد الْخُرُوج إِلَى مُصْعَب، فَقَالَ لَهُ لمّا خَرَجَ: يَا ابْن أبي جُمُعَة! ذكرتُك بِشَيْء من شعرك السَّاعَة، فَإِن أصبته فلك حُكْمُك، قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أردتَ الخروجَ فبكتْ عاتكةُ بِنْت يزِيد وَحَشَمُها - يَعْنِي امْرَأَته - فذكَرْتَ قولي: إِذَا مَا أَرَادَ الغَزْوُ لَمْ تَثْنِ هَمّه ... حَصَانٌ عَلَيْهَا نَظْمُ دُرٍّ يَزِينها

стр. 193

نَهَتهُ فلمّا لَمْ تَرَ النّهْي عَاقَه ... بكتْ فَبكى مِمّا عراها قَطِينُها فَقَالَ: أصبت وَالله، احْتَكِم، قَالَ: مائَة نَاقَة من نُوقك المختارة، قَالَ: هِيَ لَك، فَلَمّا كَانَ الْغَد نظر عَبْد الْملك إِلَى كُثَيِّر يسيرُ فِي عُرْض النّاس ضَارِبًا بذقنه عَلَى صَدره يفكر، فَقَالَ عليّ بِكَثِير فجيء بِهِ، قَالَ: فَإِن أصبت مَا كنتَ تفَكُر فِيهِ فَلِي حُكْمي؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: الله، قَالَ: اللَّه، قَالَ: قلت فِي نَفسك: مَا أصنع بِالْمَسِيرِ مَعَ هَذَا الرَّجُل، لَيْسَ على نِحِلَتي وَلَا عَلَى مذهبي يسير إِلَى رَجُل كَذَلِك وَكِلَاهُمَا عِنْدِي ظَالِم من أَهْلَ النَّار، ويلتقي الْحَيَّانِ فيصيبني سهم غَرْبٌ فَأَكُون قَدْ خسرتُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، قَالَ: وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا أَخْطَأت حَرْفًا فاحتكم، قَالَ حكمي أحْسِنَ صِلَتك وأصرفك إِلَى أهلك، فَفعل ذَلِكَ معنى الغرب قَالَ القَاضِي: يُقَالُ: أَصَابَهُ سهم غَرَب وَغرب والتحريك أعلاهما، وَهُوَ أَن يُصِيبهُ السهْم عَلَى حِين غَفلَة مِنْهُ، والغرب أَيْضا عِلّة تعرض للعين، والغرب دلو عَظِيمَة، وَمِنْه الْخَبَر: " بالغَرْب فَفِيهِ نصف الْعُشْر " وَيجمع غروبا، كَمَا قَالَ الْأَعْشَى: من ديارْ بالهَضْبِ هَضْبِ القَلِيبِ ... فَاضَ مَاءُ الشُّؤونِ فَيْضَ الْغُرُوبِ والغرب مُقَابل الشرق، والغَرَب بِالتَّحْرِيكِ ضرب من الشّجر مَعْرُوف، والغرب بِالْفَتْح أَيْضا من أَسمَاء الْفِضَّة، قَالَ الْأَعْشَى: إِذَا انكب أَزْهَر بَيْنَ السُّقاة ... وَلِعُوا بِهِ غَرَبًا أَوْ نُضَارا قَالَ أَبُو عُبَيْدة: الغرب: الْفِضَّة، والنُّضَار: الذَّهَبَ، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الغرب: الْخشب، والنضار: الأثْل، وكل ناعم فَهُوَ نضار، وَقيل للأصمعي: إِنَّهُم لَمْ يَكُونُوا يشربون فِي آنِية الْخشب يَعْنِي الأكاسرة، وَيُقَال لِلْفِضَّةِ: اللُّجَين، والقطعة مِنْهُ سبيكة ودبلة، وَالذَّهَب: نضر وعقيان وعسجد، وَيُقَال لَهُ: الزخرف، والغرب أَيْضا: مَا سَالَ من الْحَوْض والبئر من المَاء، كَمَا قَالَ ذُو الرمة: فَأدْرك الْمُتَبَقّي من ثَمِيلَتِهِ ... وَمن ثمائلها واستنشئ الغرب قَوْله: واستنشئ الغرب مَعْنَاهُ أَنَّهُ شم من قَوْلهم: شممت مِنْهُ نشوة طيبَة أَي ريحًا طيبَة، يَقُولُ: شممن المَاء من شدَّة الْعَطش، يَعْنِي حمر الْوَحْش. /بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْمَجْلِسُ السَّادِسُ وَالْعِشرُونَ أَصْلُ الْمُعَانَقَةِ وَالْمُصَافَحَةِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَبُو سَعِيدٍ الْخُوَارِزْمِيُّ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّوِيلُ، حَدثنَا مُحَمَّد بن حَاتِم الجرجائي، حَدثنَا سَلمَة ابْن صَالِحٍ الأَحْمَرُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، قَالَ: " سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، عَنْ مُعَانَقَةِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ إِذَا لَقِيَهُ؟ قَالَ: كَانَ تَحِيَّةُ الأُمَمِ وَخَالِصُ وُدِّهِمُ

стр. 194

الْعِنَاقَ، وَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ عَانَقَ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ إِبْرَاهِيمُ ﷺ ، فَإِنَّهُ خَرَجَ يَرْتَادُ لِمَاشِيَتِهِ بجبلٍ مِنْ جِبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، إِذْ سَمِعَ صَوْتَ مقدسٍ يُقَدِّسُ اللَّهَ ، فَذُهِلَ عَمَّا كَانَ يَطْلُبُ، فَقَصَدَ ذَلِكَ الصَّوْتَ، فَإِذَا هُوَ بِشَيْخٍ طُولُهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: يَا شَيْخُ! مَنْ رَبُّكَ؟ قَالَ: مَنْ فِي السَّمَاءِ، قَالَ: فَمَنْ رَبُّ مَنْ فِي الأَرْضِ؟ قَالَ: الَّذِي فِي السَّمَاءِ، قَالَ: ألها رب غَيره؟ قَالَ: فَمَنْ رَبُّ مَنْ فِي الأَرْضِ؟ قَالَ: الَّذِي فِي السَّمَاءِ، قَالَ: أَلَهَا رَبٌّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: مَالهَا رَبٌّ غَيْرُهُ، وَهُوَ رَبُّ مَنْ فِيهَا وَرَبُّ مَنْ تَحْتَهَا وَمَنْ فَوْقَهَا، لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: أَيْنَ قِبْلَتُكَ؟ فَأَوْمَأَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَسَأَلَهُ عَنْ طَعَامِهِ، قَالَ: أَجْمَعُ مِنْ هَذَا التَّمْرِ فِي الصَّيْفِ فَآكُلُهُ فِي الشِّتَاءِ، فَقَالَ: مَا بَقِيَ مَعَكَ مِنْ قَوْمِكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: لَا أعلم أحدٌ بَقِيَ مِنْ قَوْمِي غَيْرِي، قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ﵇: أَيْنَ مَنْزِلُكَ؟ قَالَ: فِي تِلْكَ الْمَغَارَةِ قَالَ: أَفَتُرِينَا بَيْتَكَ، قَالَ: بَيْنِي وَبَيْنَهُ وادٍ لَا يُخَاضُ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَيْفَ تَعْبُرُهُ؟ قَالَ: أَمْشِي عَلَيْهِ ذَاهِبًا وَأَمْشِي عَلَيْهِ جَائِيًا، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: فَانْطَلِقْ بِنَا لَعَلَّ الَّذِي ذَلَّلَهُ لَكَ أَنْ يُذَلِّلَهُ لِي، قَالَ: فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ حَتَّى انْتَهَيَا إِلَيْهِ، فَمَشَيَا عَلَيْهِ، كُلُّ وَاحِدٍ يَتَعَجَّبُ مِمَّا أُوتِيَ صَاحِبُهُ، فَلَمَّا دَخَلا الْمَغَارَةَ إِذَا قِبْلَتُهُ قِبْلَةُ إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَيُّ يومٍ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى أَشَدُّ؟ قَالَ الشَّيْخُ: يَوْمُ الدِّينِ، يَوْمَ يَضَعُ كُرْسِيَّهُ، يَوْمَ تُؤْمَرُ جَهَنَّمُ فَتَزْفُرُ زَفْرَةً فَلا يَبْقَى نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَلا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ إِلا تَهُمُّهُ نَفْسُهُ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: يَا شَيْخُ! ادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ يُؤَمِّنِّي وَإِيَّاكَ مِنْ هَوْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَقَالَ الشَّيْخُ: وَمَا تَصْنَعُ بِدُعَائِي، إِنَّ لِي فِي السَّمَاءِ دَعْوَةً مَحْبُوسَةً مُنْذُ ثَلاثِ سِنِينَ، قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم: ألأا أُخْبِرُكَ بِمَا حَبَسَ دَعْوَتَكَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا حَبَسَ دَعَوَاتِهِ لِحُبِّ صَوْتِهِ، ثُمَّ يُجِيبُهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا عَجَّلَ لَهُ الْحَاجَةَ وَأَلْقَى الْيَأْسَ فِي صَدْرِهِ لِبُغْضِ صَوْتِهِ، مَا دَعْوَتُكَ يَا شَيْخُ الَّتِي فِي السَّمَاءِ مَحْبُوسَةٌ؟ قَالَ: مر بِي هَاهُنَا شَابُّ فِي رَأْسِهِ ذُؤَابَةٌ مُنْذُ ثَلَاث سِنِينَ وَمَعَهُ غنمٌ كَأَنَّهَا حَشَفٌ، وبقرٌ كَأَنَّهَا حَفِيَتْ ... قَالَ الْقَاضِي: هَكَذَا فِي الْحَدِيثِ وَأَحْسَبُهُ حَفِلَتْ أَيْ جُمِعَ اللَّبَنُ فِي ضُرُوعِهَا وَأُخِّرَ حِلابُهَا، قُلْتُ: لِمَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: لِخَلِيلِ الرَّحْمَنِ إِبْرَاهِيمَ، قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ لَكَ فِي الأَرْضِ خليلٌ فَأَرِنِيهِ قَبْلَ خُرُوجِي مِنَ الدُّنْيَا، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكَ، فَاعْتَنَقَا، فيومئذٍ كَانَ أَصْلُ الْمُعَانَقَةِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ السُّجُودُ هَذَا لِهَذَا وَهَذَا لِهَذَا، ثُمَّ جَاءَ الصِّفَاحُ مَعَ الإِسْلامِ فَلَمْ يَسْجُدُوا وَلَمْ يُعَانِقُوا، وَلا تَتَفَرَّقُ الأَصَابِعُ حَتَّى يَغْفِرَ اللَّهُ لِكُلِّ مُصَافِحٍ. التَّعْلِيق عَلَى الْخَبَر الإصْر، الذِّرَاع قَالَ القَاضِي: الْحَمد للَّه الَّذِي وضع عَنَّا الآصار، والآصار: جمعُ إصْر، وَهُوَ الْعَهْد، وَأَصله الثُّقْل، قَالَ اللَّهُ : " رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ من قبلنَا " يَعْنِي التَّشْدِيد فِي الْعِبادة، والتثقيل فِي الشَّرِيعَة، وقَالَ تَعَالَى ذكره: " وأخذتم على ذَلِكُم إصري " أَيْ عَهْدي، وَقَالَ جلّ ثَنَاؤُهُ: " وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي

стр. 195

كَانَت عَلَيْهِم " يَعْنِي التثقيل فِيمَا كُلِّفُوهُ وكُتب عَلَيْهِم، وَقد قرىء: آصَارهم عَلَى الجَمْع. وَفِي هَذَا الْخَبَر: أَن الرَّجُل الَّذِي لَقِيَه إِبْرَاهِيمُ ﵇ كَانَ طولُه ثمانيةَ عَشَرَ ذِرَاعا، فجَاء بِهِ عَلَى التَّذْكِير والأغلبُ فِيهِ التَّأْنِيث، وَفِي تذكيره خلاف بَيْنَ اللُّغَويين، وَقَدْ أجَازه بَعضهم وَحَكَاهُ، وَقَد استقصينا القَوْل فِي هَذَا فِي مَوضِع غَيْر هَذَا، وشرحناه وأوضحنا الْبَيَان عَنْهُ وبينَّاه. حكم المصافحة والمعانقة وَالْقِيَام للزائر وَقَدْ جَاءَ عَنِ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ أَنَّهُ ندب إِلَى المصافحة وَكَانَ يَفْعَلهَا، وَأَنه سُئِل: أينحني الرجلُ لصَاحبه، فَقَالَ: لَا، قِيلَ أفيعانقه؟ قَالَ: لَا، قِيلَ: أفيصافحه؟ قَالَ: نعم. وَقَدْ ذكر اسْتِعْمَال الْقيام والمصافحة عَنْ بعض السّلف، وليسا عِنْدِي بمحظورين، أَولا أحد من أَهْل الْقُدْوة حَرّم ذَلِكَ، غَيْر أَن الْأَخْذ بِمَا أدَّب بِهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ أمته أولى بذوي الْأَلْبَاب، وأليقُ بِوَجْه الْحق وَالصَّوَاب. أصل الْيمن، مَا هُوَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ دُرَيْدٍ، حَدَّثَنَا السَّكَنُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُمَارَةَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الأَنْصَارِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو غَزِيَّةَ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي قُرْظَةُ الْمَازِنِيُّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيِّ، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى الْمَدِينَةِ فِي أَيَّامِ الْمَنْصُورِ، قَالَ: خَرَجْتُ وافدًا إِلَى مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ فِي جَمَاعَةٍ لَيْسَ فِيهِمْ يمانٍ غَيْرِي، فَلَمَّا كُنَّا بِبَابِهِ دُفعنا إِلَى ابْن هُبَيْرة وَهُوَ عَلَى شُرَطِهِ وَمَا وَرَاء بَابه، فَتقدم الوفدُ رَجُلا رَجُلا كلهم يخْطب ويُطنب فِي أَمِير الْمُؤْمِنِين وَابْن هُبيرة، فَجعل يبحثهم عَنْ أنسابهم، فَكرِهت ذَلِكَ، وَقلت: إِن عَرَفني زادني ذَلِكَ عِنْده شرًّا، وكرهتُ أَن أَتكَلّم فأُطْنب، فجعلتُ أتأخر رجاءَ أَن يَمَلَّ كلامَهم فُيمْسِك، حَتَّى لَمْ يبْق غَيْرِي، ثُمّ تقدمْتُ فتكلمت بِدُونِ كَلَامهم وَإِنِّي لقادر عَلَى الْكَلَام، فَقَالَ: مِمَّن أَنْت؟ فَقلت: من أَهْل الْيمن، قَالَ: من أيِّها؟ قُلْتُ: من مذْحج، قَالَ: إِنَّك لتطمح بِنَفْسِك، اختصر. قُلْتُ: من بني الْحَارِث بْن كَعْب، قَالَ: يَا أَخا بني الْحَارِث! إِن النّاس ليزعمون أنّ أَبَا الْيمن قردٌ، فَمَا تَقُولُ فِي ذَلِكَ؟ قُلْتُ: وَمَا أَقُول أصلحك اللَّهُ، إِن الحجَّة فِي هَذَا لغير مشكلة، فَاسْتَوَى قَاعِدا، وقَالَ: وَمَا حجتك؟ قُلْتُ: تنظر إِلَى القرد أَبَا من يُكنَّى، فَإِن كَانَ أَبُو الْيمن فَهُوَ أبوهم، وَإِن كَانَ يكنى أَبَا قَيْس فَهُوَ أَبُو مَنْ كُنِّيَ بِهِ. فَنَكس ونكت بظفره إِلَى الأَرْض، وَجعلت اليمانة تَعضّ عَلَى شفاهها تظن أَن قَدْ هَوِيتُ، والقيسيَّةُ تكَاد أَن تَزْدردني، وَدخل بهَا الْحَاجِب إِلَى أَمِير الْمُؤْمِنِين ثُمّ رَجَعَ، فَقَامَ ابْن هُبَيْرة فَدخل ثُمّ لَمْ يلبث أَن خرج، فَقَالَ الْحَارِثِيّ: فَدخلت ومَرْوَان يضْحك، فَقَالَ: إيهٍ عَنْك وَعَن ابْن هُبَيْرة فَقلت: قَالَ: كَذَا فَقلت كَذَا، فَقَالَ: وَايْم اللَّه لقَدْ حَجَجْتَه، أَوْ لَيْسَ أَمِير

стр. 196

الْمُؤْمِنِين الَّذِي يَقُولُ: تمسَّك أَبَا قَيس بِفضل هَنَاتِها ... فَلَيْس عَلَيْهَا إِن هلكتَ ضمانُ فَلم أر قردًا قبلهَا سَبَقَتْ بِهِ ... جيادَ أَمِير الْمُؤْمِنِين أتَانُ قَالَ زِيَاد: فخرجتُ واتَّبعني ابنُ هُبَيْرة فَوضع يَده بَيْنَ مِنكبي، ثُمّ قَالَ: يَا أَخا بني الْحَارِث، واللَّهِ مَا كَانَ كَلَامي إيّاك إِلا هفوة، وَإِن كُنْت لأربأ بنفسي عَن ذَلِك، وَلَقَد سرّني إِذْ لُقِّنْتَ عليَّ الحجَّة ليَكُون ذَلِكَ لي أدبًا فِيمَا أسْتقبل، وَأَنا لَك بِحَيْثُ تُحِب، فاجعلْ مَنْزِلك عليَّ، ففعلتُ فأكرمني وَأحسن منزلي. قَالَ ابْن دُرَيْد: والبيتان ليزِيد بْن مُعَاوِيَة، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ حمل قردًا عَلَى أتانٍ وحشية فَسبق بَينهَا وبَيْنَ الْخَيل. وعَلى ذكر القرد حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن كَامِل، قَالَ: حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَجِيحٍ أَبِي مُضَرَ، وَقَالَ: هُوَ نَجِيحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ: خَطَبَ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر فَقَالَ مِنْ خُطْبَتِهِ: يَزِيدُ الْقِرْدُ وَشَارِبُ الْخَمْرِ، قَالَ: فَبَلَغَتْ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَة، فَمَا بَات لَيْلَتِهِ حَتَّى جَهَّزَ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَجَلَسَ وَالشَّمْعُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ مُعَصْفَرَةٌ وَهُوَ يَرْتَجِزُ، وَيَقُولُ: أَبْلِغْ أَبَا بَكْرٍ إِذَا الأَمْرُ انْبَرَى وَأَخَذَ الْجَيْشُ عَلَى وَادِي الْقُرَى عِشْرُونَ أَلْفًا بَيْنَ كَهْلٍ وَفَتَى أَجَمْعَ سكرانٍ مِنَ الْقَوْمِ تَرَى فِي أول لِقَاء بَيْنَ أَبِي نواس وَأبي الْعَتَاهِيَة حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْمَرْزُبَان، ثَنَا أَحْمَد بْن مَنْصُور المَرْوَزِيّ، حَدَّثَنَا عُمَر بْن يَحْيَى، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْن إِبْرَاهِيم الْمَوْصِلِيّ، قَالَ: اجْتمع عِنْدِي أَبُو نواس وأَبُو الْعَتَاهِيَة، وكل وَاحِد مِنْهُمَا لَا يعرفُ صاحبَه، فعرَّفْتُ أَبَا الْعَتَاهِيَة أَبَا نُوَاس فسلَّم عَلَيْه، وَجَعَل أَبُو نواسٍ ينشدُ من شغشاف شعره، فَانْدفع أَبُو الْعَتَاهِيَة فَأَنْشد، فَقَالَ لَهُ أَبُو نواس: هَذَا وَالله الْمُطْمِعُ الْمُمْتَنع، فَقَالَ لَهُ أَبُو الْعَتَاهِيَة: هَذَا القولُ مِنْك - واللَّه - أحسنُ من كلِّ مَا أنشدتَ، كَيفَ الْبَيْت الَّذِي مدحتَ بِهِ الرشيدَ أَو الرَّبِيعَ: قَدْ كنتُ خفتُك ثُمّ آمَنَنِي ... مِنْ أنْ أَخَافَكَ خَوْفُك اللَّهَ لوددتُ أَنِّي كُنْت سبقتُك إِلَيْهِ. قَالَ أَبُو بَكْر بْن الْأَنْبَارِي: وأنْشدني أَبِي هَذِهِ الأبيات لأبي نُوَاس فِي الْفَضْل بْن الرَّبِيع بِغَيْر هَذَا الْإِسْنَاد: مَا من يدٍ فِي النّاس واحدةٍ ... إِلا أَبُو الْعَبَّاس مَوْلَاهَا نَام الثقاتُ وَطَالَ نومُهُمُ ... وسَرَى إِلَى نَفسِي فأحْيَاها

стр. 197

قَدْ كنتُ خفتُك ثُمّ آمَنَنِي ... مِنْ أنْ أَخَافَكَ خَوْفُك اللَّهَ فغفوت عني عَفْو مقتدرٍ ... حلت لَهُ نقمٌ فألْغَاها هِشَام بْن عَبْد الْملك يسترضي الأَبْرَش الْكَلْبِيّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْن جَعْفَر الأَزْدِيّ، ثَنَا أَبُو بَكْر بْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْن بْن عَبْد الرَّحْمَن، عَنْ أبي عَبْد الرَّحْمَن الطَّائِي، عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس، قَالَ: حَدَّثَنِي الأبرشُ بْن الْوَلِيد الْكَلْبِيّ، قَالَ: دخلت عَلَى هِشَام بْن عَبْد الْملك فَسَأَلته حَاجَة فَامْتنعَ عَليّ، فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! لَا بُد مِنْهَا، فإنّا قَدْ ثَنَيْنَا عَلَيْهَا رِجْلا، قَالَ: ذَلِكَ أضعفُ لَك أَن تَثْنِيَ رِجْلَك عَلَى مَا لَيْسَ عنْدك، فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين! مَا كنتُ أظنُّ أَنِّي أمدُّ يَدي إِلَى شَيْء مِمَّا قِبَلك إِلا نلتُه، قَالَ: وَلِمَ؟ قُلْتُ: لِأَنِّي رأيتُك لذَلِك أَهلا ورأيتُني مُستحقَّهُ مِنْك، قَالَ: يَا أبرشُ! مَا أَكثر من يرى أَنَّهُ يستحقُّ أمرا لَيْسَ لَهُ بِأَهْل، فَقلت: أُفٍّ لَك لَكِن إِنَّك - واللهِ مَا علمتُ - قليلُ الْخَيْر نَكِدُهُ، واللَّه إنْ نُصِيبُ مِنْك الشيءَ إِلا بعد مَسْأَلَة، فَإِذا وصل إِلَيْنَا مَننْتَ بِهِ، واللَّه إنْ أصبْنَا مِنْك خيرا قَطُّ، قَالَ: لَا، واللَّه، ولكنّا وجدنَا الأعرابيَّ أقلَّ شيءٍ شُكرًا، قُلْتُ: واللَّه إِنِّي لأكْره للرجل أَن يُحْصِيَ مَا يُعطي. وَدخل عَلَيْه أَخُوهُ سَعِيدُ بْن عَبْد الْملك وَنحن فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: مَه يَا أَبَا مُجاشِع، لَا تقل ذَلِكَ لأمير الْمُؤْمِنِين، قَالَ: فَقَالَ هِشَام: أَتَرْضَى بِأبي عُثْمَان بيني وَبَيْنك؟ قُلْتُ: نعم، قَالَ سعيدٌ: مَا تقولُ يَا أَبَا مُجاشِع؟ فَقلت: لَا تَعْجَلْ، صَحِبْتُ - واللَّهِ - هَذَا وَهُوَ أرْذَلُ بني أَبِيهِ، وَأَنا يومئذٍ سَيِّدُ قَومي وأكثرُهُمْ مَالا وأوجَهُهُمْ جاهًا، أُدْعَى إِلَى الأمورِ الْعِظَام من قِبَلِ الْخُلَفَاء، وَمَا يَطْمع هَذَا يومئذٍ فِيمَا صَار إِلَيْهِ، حَتَّى إِذا صَار إِلَى الْبَحْر الأخْضَر غَرَفَ لنا مِنْهُ غَرْفَةً ثُمّ قَالَ: حسبُ. فَقَالَ هِشَام: يَا أبرشُ! اغْفِرها لي، فواللَّهِ لَا أعودُ لشيءٍ تكرههُ أبدا، صدق يَا أَبَا عُثْمَان. قَالَ: فواللَّه مَا زَالَ مُكرمًا لي حَتَّى مَاتَ. الفَرَزْدَق يُؤّجَّل ثَلَاثًا حَدَّثَنَا أَبِي ﵀، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الحنلى، أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْص النَّسَائيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن بشر، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن عَمْرو الزُّهْرِيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرو بْن خَالِد الْعُمَاني، قَالَ: قدم الفرزدق الْمَدِينَة فِي سنةٍ جدبةٍ حَصْباء، فَمشى أهلُ الْمَدِينَة إِلَى عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز، وَهُوَ يَوْمئِذٍ أميرها فَقَالُوا لَهُ: أصلح اللَّه الْأَمِير، إنّ الفرزدقَ قدِم مدينتنا هَذِهِ فِي هَذِهِ السّنة الجَدْبة الَّتِي قَدْ خَلَتْ أموالها، ولَيْسَ عِنْد أحدٍ مِنْهُم مَا يُعطيه، فَلَو أَن الْأَمِير بعث إِلَيْهِ فأرضاه وتقدّم إِلَيْهِ أَلا يَعْرض لأحدٍ بمدحٍ وَلا هجاء، قَالَ: فَبعث إِلَيْهِ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز، فَقَالَ: يَا فرزدقُ! إِنَّك قَدِمْتَ مدينتنا فِي هَذِهِ السّنة الجدبة، ولَيْسَ عِنْد وَاحِد مِنَّا مَا يُعطي شَاعِرًا، وَقَدْ أمرت لَك بأَرْبعَة آلَاف دِرْهَم، فخُذْها وَلا تَعْرِض

стр. 198

لأحدٍ بمدحٍ وَلا هجاء. قَالَ: فَأَخذهَا الفرزدق ومرّ بِعَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن عُثْمَان وَهُوَ جَالس فِي سقيفَةِ دَاره وَعَلِيهِ مطرفٌ وعمامةُ خَز حَمْرَاء وجبة خَزٍّ حَمْرَاء، فَقَالَ: أعَبْدَ اللَّهِ أنتَ أحقُّ ماشٍ ... وساعٍ بالجَمَاعير الكبارِ فلِلْفَارُوقِ أمُّكَ وابنُ أرْوَى ... أَبوك وَأَنت مُنْصَدِعُ النهارِ هما قمرُ السَّماءِ وَأَنت نجمٌ ... بِهِ فِي اللَّيْل يُدْلِجُ كلُّ سارِ قَالَ: فَخلع عَلَيْه جُبَّتَه والْمِطْرَفُ والْعِمامة ودعا لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم. قَالَ: فَخرج رجلٌ كَانَ عندعبد اللَّه بْن عَمْرو بْن عُثْمَان، وَقَدْ حضر الفَرَزْدَق عِنْدَمَا أَعْطَاه عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَتقدم إِلَيْهِ فَأخْبر عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز الْخَبَر، فَبعث إِلَيْهِ عُمَر: ألم أتقدّم إِلَيْك يَا فرزدقُ أَلا تَعْرِض لأحدٍ بمدحٍ وَلا هجاء، اخْرُج فقد أَجَّلْتُك ثَلَاثًا، فَإِن وجدتُك بعد ثَلَاث نَكَّلْتُ بك، قَالَ: فَخرج الفرزدق وَهُوَ يَقُولُ: أَأَوْعَدَنِي وأَجَّلَنِي ثَلَاثًا ... كَمَا وعدت لمهاكها ثَمُودُ؟ قَدْ يُصْلِحُ العشقُ الفتيانَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ، ثَنَا عِيسَى بْن مُحَمَّد بْن ناظرة السدُوسِي، قَالَ: حَدَّثَنِي قُبَيْصةُ بْن مُحَمَّد المهلبي، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْيَمَان ابْن عُمَر مَوْلَى ذِي الرِّيَاسَتين قَالَ: كَانَ ذُو الرِّياستين يَبْعثُني وأحداثًا من أَحْدَاث أَهله إِلَى شيخ بخراسان لَهُ أدبٌ وَحُسْنُ معرفةٍ بالأمور، وَيَقُولُ لنا: تعلَّموا مِنْهُ الْحِكْمَة فَإِنه حَكِيم، فكنّا نأتِيه، فَإِذا انصرفنا من عِنْده سَأَلَنا ذُو الرياستين وَاعْترض مَا حفظناه فنُخْبِرُه، فصرنا ذَات يوْم إِلَى الشَّيْخ فَقَالَ لنا: أَنْتُم أدباءُ وَقَدْ سَمِعْتُمْ الْحِكْمَة، وَلكم خيراتٌ ونعمٌ، فَهَل فِيكُم عاشق؟ فَقُلْنَا: لَا، فَقَالَ: اعشقوا فَإِن الْعِشْق يُطلق اللسانَ الغبيَّ، وَيفتح حِيلَة البليد والبخيل، وَيبْعَث عَلَى التنظُّفِ، وتحسين اللِّباس، وتَطْيِيبِ المَطْعم، وَيَدْعُو إِلَى الْحَرَكَة والذكاء. وَيُشْرِفُ الهِّمَة، وإيّاكُم والحرامَ. فانصرفنا من عِنْده إِلَى ذِي الرياستين، فَسَأَلْنَاهُ عمّا افدناه فِي يَوْمنَا ذَلِكَ، فهِبْناهُ أَن نُخْبِره، فغرم علينا، فَقُلْنَا لَهُ: أَمَرَنَا بِكَذَا وَكَذَا، وقَالَ لنا كَذَا وَكَذَا، قَالَ: صدق واللَّهِ، أتعلمون من أَيْن أَخذ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ ذُو الرياستين: إِن بهْرَام جُور كَانَ لَهُ ابنٌ وَكَانَ قَدْ رَشَّحَه لِلْأَمْرِ من بعده، فَنَشَأَ الْفَتى ناقصَ الْمُرُوءَة، خاملَ النَّفْس، سيىء الْأَدَب، فغَمَّهُ ذَلِكَ، وَوَكَّلَ بِهِ من المؤدبين والمنجمين والحكماء من يُلازمه ويعلَّمه، وَكَانَ يسألهم عَنْهُ فيحكون لَهُ مَا يَغُمُّه، من سوء فهمه وَقلة أدبه، إِلَى أَن سَأَلَ بعضَ مؤدِّبيه يَوْمًا، فَقَالَ لَهُ الْمُؤَدب قَدْ كُنّا نَخَاف سُوءَ أدبه فحَدَثَ من أمْرِه مَا صِرنْا إِلَى الْيَأْس من فلاحه، قَالَ: وَمَا

стр. 199

ذَاك الَّذِي حدَّث؟ قَالَ: رَأَى أَمَةَ فلانٍ الْمَرْزُبَانِ فعشِقها حَتَّى غلبتْ عَلَيْه، فَهُوَ لَا يَهْذِي إِلا بهَا، وَلا يتشاغلُ إِلا بذكرها، فَقَالَ بهْرَام: الْآن رجوتُ فَلاحَه. ثُمّ دَعَا بِأبي الْجَارِيَة، فَقَالَ: إِنِّي مُسِرٌّ إِلَيْك سِرًّا فَلَا يَعْدُوَنَّكَ، فضمِن لَهُ سِرَّه، فَأعلمهُ أَن ابنَهُ قَدْ عشق ابْنَته، وَأَنه يُرِيد أَن يُنكحها إيّاه، وأمرَهُ أَن يأمرها بإطماعه فِي نَفسهَا، ومراسلته من غَيْر أَن يَرَاهَا، أَوْ تقع عينه عَلَيْهَا، فَإِذا استحكم طمعُهُ فِيهَا تَجنَّتْ عَلَيْه وهجرته، فَإِن استعتبها أعلمتْهُ أَنَّهَا لَا تصلْح إِلا لملكٍ وَمَنْ همَّتُه همَّةُ مَلِك، وَأَنه يمْنَعهَا من مواصلته أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلْمُلْكِ، ثمَّ ليعلمه خَبَرهَا وَخَبره، لايطلعها عَلَى مَا أسرّ إِلَيْهِ. فَقبل أَبوهَا ذَلِكَ مِنْهُ، وَفعلت الْمَرْأَة مَا أمرهَا بِهِ أَبوهَا، فَلَمَّا انْتَهَت إِلَى التجني عَلَيْه، وَعلم الْفَتى السَّببَ الَّذِي كرهته، أَخَذَ فِي طَلَبِ الْأَدَب وَالْحكمَة، والْعِلم والفروسيَّة، والرِّماية وضَرْب الصَوَالِجة، حَتَّى مَهَر فِي ذَلِكَ، ثُمّ رفع إِلَى أَبِيهِ أَنَّهُ يحْتَاج من الدوابِّ والآلات والمطاعم والملابس والندماء إِلَى فَوق مَا يُقَدَّرُ لَهُ، فسُرَّ بِذَلِك وَأمر لَهُ بِهِ. ثُمّ دَعَا مُؤدِّبه فَقَالَ لَهُ: إِن الموضعَ الَّذِي وَضَع ابْني نفْسَه من حُبِّ هَذِهِ الْمَرْأَة لَا يُزْري بِهِ، فتقدَّم إِلَيْهِ أَن يرفَع إليَّ أمْرَها، ويسألَنِي أَن أزّوِّجَه إِيَّاهَا فَفعل، فَرفع الْفَتى ذَلِكَ إِلَى أَبِيهِ، فَدَعَا بأبيها فزوَّجه إِيَّاهَا، وَأمر بتعجيلها إِلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: إِذا اجْتَمَعْتَ وَهِي فَلَا تُحْدِثْ شَيْئا حَتَّى أصيرَ إِلَيْك، فَلَمَّا اجْتمعَا صَار إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا بُني! لَا يَضَعَنَّ مِنْها عنْدك مراسلَتُها إياك وليستْ فِي حِبَالِك، فإنِّي أَنَا أمَرْتُها بِذَلِك، وَهِي أعظمُ النّاس مِنَّةً عَلَيْك بِمَا دَعَتْك إِلَيْهِ من طلب الْحِكمة، والتَخَلُّق بأخلاق الْمُلُوك، حَتَّى بلغتَ الحدَّ الَّذِي تَصْلُح مَعَه لِلْمُلْكِ من بعدِي، فزِدْها من التشريف وَالْإِكْرَام بِقدر مَا تَستحقُّ مِنْك، فَفعل الْفَتى وعاش مَسْرُورا بالجارية، وعاش أَبوهُ مسرورٌ بِهِ، وَأحسن ثوابَ أَبِيهَا، وَرفع مرتبتهُ وشَرَفه، بصيانته سِرَّهُ وطاعتِه، وأحسنَ جَائِزَة المؤدِّبِ بامتثاله مَا أمرَهُ بِهِ، وَعقد لِابْنِهِ عَلَى الْمُلْك من بعده. قَالَ الْيَمَانِيّ مَوْلَى ذِي الرياستين، ثُمّ قَالَ لَهُم ذُو الرياستين: سَلُوا الشَّيْخ الْآن لِمَ حَمَلَكْم عَلَى الْعِشق؟ فَسَأَلْنَاهُ، فحدثنا حَدِيث بهْرَام جور وَابْنه. الْآن ظرف ولَطُف قَالَ القَاضِي: وَقَدْ حَكى لي بعضُ ذَوي الْفَضْل وَالْأَدب أَنَّهُ أُخْبِر عَنْ فَتى من خاصَّةِ أَهله أَنَّهُ عَشِق، عَلَى وَجه الزِّرَاية عَلَيْه، فَقَالَ: الْآن ظَرُف ولَطُف ونَظُف. من التلطف فِي ترقية الْمَرْء إِلَى الْمَعَالِي وَمِمَّا يضارع خبر بهْرَام جور فِي السياسة وَالتَّدْبِير والتلطُّفِ والاحتيال، فِي ترقية الْمَرْء من الدناءة إِلَى معالي الْأَحْوَال، مَا حَدَّثَنِي بِهِ بعضُ إِخْوَاننَا من أَهْل الْأَدَب عَمَّن ذكره من نُظرائه، أَن بعض الْحُكَمَاء حَضَّ أصحابَه عَلَى طلب الْعلم، وذَكَر لَهُم عِظَمَ فَضله وشَرَفَ

стр. 200

أَهله، وقصَّ عَلَيْهِم فِيهِ قصصا، وَضرب لَهُم أَمْثِلَة، فَكَانَ مِمَّا قَالَه لَهُم: إنّ الرَّجُل قَدْ يبلغُهُ الْكِبَر، فَتَكِلُّ أدواتُه، وتضعُف آلاته، وتنقطعُ لَذَّاته، فَلَا يحفلُ بشيءٍ من أمْر الدُّنْيَا إِلا بِأَن يُثْنَى عَلَيْه بالمعرفة، ويُعَظَّمَ بِأَن يُشارَ إِلَيْهِ بِالْعلمِ وَالْحكمَة، فجِدُّوا فِي طلب الْعلم، وَلا تيأسوا من إِدْرَاكه. فقد بَلغنِي أَن رَجُلا قَرَأَ فِي صحيفَة: أَنَّهُ من أَرَادَ شَيْئا وسعى فِي طلبه ناله أَوْ شَيْئا مِنْهُ، فَقَالَ فِي نَفسه: أريدُ أَتزوّج فُلانة - يَعْنِي مَلِكَةً كَانَتْ فِي زَمَانه، وَأخذ فِي طلب ذَلِكَ، فتوجَّه إِلَى بلادها وأتى قصرهَا، وَرَأى الْحَاشِيَة المحيطة ببابها، وَكَانَ يَأْتِي الْبَاب فِي كُلّ يوْم فيجلسُ فِي فنائه، وَصَارَ بَينه وبَيْنَ الْحَاشِيَة بعضُ الأنْسِ لِكَثْرَة ترداده، وَكَانَ يُحَدِّثهُمْ ويحدثونه، وَرُبمَا سَأَلُوهُ عَنْ حَاجَة إِن كَانَتْ لَهُ فَلَا يُجِيبهُمْ بِشَيْء، إِلا أَنَّهُ بَعْدُ قَالَ: لي حاجةٌ إِلَى الملكة، فَقَالُوا لَهُ: أخْبِرنا بهَا فإنّ وَرَاءَنَا خدمًا وَمن بعدهمْ جوارٍ ووصائفَ بحضرتها، وَمن قِبَلِهِنَّ تَنْتَهِي الْأَخْبَار إِلَيْهَا، فَقَالَ: لَا أذكر حَاجَتي إِلا لَهَا، فأمسكوا عَنْهُ، وَكَانَت الملكةُ تشرِفُ من بعض مُسْتشرفاتها عَلَى فنَاء قصرهَا، وَترى من يَحْضُرُ ببابها، فأرسلتْ بعد سنةٍ من مصير ذَلِكَ الرَّجُل إِلَى حضرتها إِلَى مَنْ بِالْبَابِ: إِنِّي أرى منذُ سَنة رجلا غَرِيبا يَأْتِي فِي كُلّ يوْم، فانظروا مَا شَأْنه، فَإِن كَانَ مَظْلُوما نصرناهُ، وَإِن كَانَ مُسْتميحًا أعطيناه، وَإِن خطب عملا يصلُحُ لمثله ولّيناه، فأرسلوا إِلَيْهَا بِمَا خاطبهم بِهِ إِذْ سَأَلُوهُ عَنْ حَاله، فَأمرت بإدخاله إِلَيْهَا، فَلَمَّا وقف بَيْنَ يَديهَا سَأَلْتُهُ عَنْ حَاجته، فَقَالَ: لَا أذكرها وأحدٌ يسمعُ مَا أذكرهُ، فَأمرت جواريها بالتباعد، ثُمّ قالَتْ لَهُ: قُل، فَقَالَ: قصدتُ الملكة خاطبًا لَهَا، أتزوِّجُني نَفسهَا؟ فَقَالَت: إِنَّك لست بملكٍ وَلَا من وَلَد الْمُلُوك، وَمَتى تزوجتُك سقطَت منزلتي، وَزَالَ ملكي، وَلَكِن مالذي جَرَّأك عَلَى أَن خاطبتني بِهَذَا؟ فَأَخْبرهَا بِمَا خطر لَهُ حِين قَرَأَ الصَّحِيفَة، فَقَالَت لَهُ: فإنني أرى أَن تطلب الْحِكْمَة، وتتعلم الْعلم حَتَّى تصير رَأْسا فِيهِ، وتشتهر فِي النّاس منزلتك مِنْهُ، فَإِن منزلَة الْعلم أشرفُ من منزلَة الْمُلْك، فَإِذا صرتَ فَردا فِي الْحِكْمَة حَسُن مِنْك أَن تَخْطُبنِي وحَسُن بِي أَن أتزوَّجك، وَأَن أسمع أَهل مملكتي فَأَقُول لَهُم: قَدْ طالَتْ أيّامُ مُلكي وَلَيْسَ فِي أَهْل بَيْتِي من يقوم بِهِ بعدِي، وَقَدْ رَأَيْت أَن أَتزوّج إِلَى هَذَا وأرجع إِلَى رَأْيه فِي حَياتِي، لفضل علمه وَظُهُور حكمته، وَيقوم مقَامي بعد وفاتي، فَلَا ينكرُ ذَلِكَ أحدٌ من رعيتي. وَفِي هَذِهِ الْمَدِينَة دارٌ يجْتَمع فِيهَا أَهْل الْحِكْمَة ورؤساء الفلاسفة، ويجتمع النّاس إِلَيْهِم للْقِرَاءَة عَلَيْهِم والتعلُّمِ مِنْهُم، وَأَنا أتقدَّم إِلَى الْمُتَقَدّم مِنْهُم بالتقديم لَك والإقبال عَلَيْك، فاجتهدْ فِي التَّعَلم، واقطعْ ليلك ونهارك باقتباسه، فَإِذا بلغتَ مِنْهُ رُتْبَة عالية فَحِينَئِذٍ تنالُ مَا أَنْت راغبٌ فِيهِ من جِهتي، فَفعل ذَلِكَ وَصَارَ إِلَى الدّار وَأَقْبل عَلَى التعلُّمِ، وَكَانَ ذَا ذكاءٍ وفطنة، وَكَانَ يأخذُ فِي الْمدَّة الْيَسِيرَة مَا يأخذُ غَيره فِي الْمدَّة الطَّوِيلَة، إِلَى أَن لحق بِمن

стр. 201

هُنَالك من متقدِّمي الْحُكَمَاء، ثُمّ تقدَّمهم إِلَى أَن صَار فَردا فيهم، واشتهر فِي النّاس فضلُه، وعَظَّموه لِسَعَةِ علمه وَظُهُور حكمته، وَصَارَ مَقْصُودا للاستفادة مِنْهُ، فخطر ببال الملكة ذكره، فسألتْ عَنْهُ فأُخْبِرت بِمَا انْتهى إِلَيْهِ أمره، فَأمرت باستدعائه فَحَضَرَ، فَقَالَت لَهُ: قَدْ بَلَغني مَا أصبتُه من الْحِكْمَة، فَهَل لَك فِيمَا كُنْت سألتنيه؟ فَقَالَ: لَا حاجَة لي فِي ذَلِكَ، فَقَالَت: وَلِم، وَقَدْ كنتَ حَرِيصًا عَلَيْه؟ فَقَالَ: رغبتُ فِي هَذَا وَأَنا أرى أَنَّهُ أفضلُ مَا يبلغهُ الإِنْسَان فِي دُنْيَاهُ، فَلَمَّا نِلتُ مَا نلتُه من الْحِكْمَة، وعلمتُ مَا علمتُ من أفانين الْعلم، تبينتُ مَا بَيْنَ الْعلم والْمُلْك من الْفَضْل، فرغبتُ بعلمي عَنْ مُلْكِ الدُّنْيَا، فَقَالَت لَهُ: لهَذَا أمرتُك بِمَا أمرتُك بِهِ، ورأيتُ أنَّكَ إِن لَمْ تبلغ الْغَايَة فِي الْعلم لَمْ تَعُد إليَّ، وَإِن عَلَتْ طبقتُك فِيهِ رغبتَ بِنَفْسِك عَنْ أُمُور الدُّنْيَا، وعلمتَ أَن مَا ظفرتَ بِهِ أفضلُ مِمَّا كنتَ التمسته. وصَرَفَتْه وَلَمْ تَزَلْ مُكْرِمةً لَهُ. ودرسٌ من أفلاطون للحث عَلَى التعلّم وَقَدْ حكى لي بعضُ المَفَلْسِفين بأنّ فَتى كَانَ يحضرُ مجلسَ أفلاطون ويحبُّه ويعظمه، ويُؤثر اسْتِمَاع كَلَامه، وَلا يقرأُ عَلَيْه شَيْئا، وَلا يتَعَلَّم مِنْهُ كَمَا يتَعَلَّم غَيره، وَأَن هَذَا الْفَتى قَالَ لأفلاطون يَوْمًا: قَدْ أحببتُ أَيهَا الحكيمُ أَن تحضرَ الْيَوْم منزلي وتأكل من طَعَامي، وتكرمني بالْمُشَاربة والمنادمة، فَأَجَابَهُ، فَلَمَّا صَار إِلَى منزله أكلا وأخذا فِي تنَاول - الشَّراب واستماع الملاهي، ثُمّ إِن أفلاطون بَصق فِي وَجهه - يَعْنِي الْفَتى - فارتاع لذَلِك، وقَالَ: مَا هَذَا أَيهَا الْحَكِيم؟ فَقَالَ: إنّه عُرِض لي هَذَا الَّذِي نفثته كَمَا يعرض لسَائِر النّاس فيلقونه فِي أَهْون الْأَمَاكِن وأخّسِّها، ورأيتُ مَنْزِلك وفرشك وآنيتَك، فَلم أر موضعا أخَسَّ من نَفسك، فنبذتُ هَذَا الْأَذَى فِيهِ، فَقَالَ: قَدْ وَعَظْتَ أَيهَا الحكيمُ فأبلغْتَ، ونصحتَ فأحسنتَ، وَأَنا مُنْذُ الْآن أسعى فِي تشريف نَفسِي بدراسة الْعِلم وَطلب الْحِكْمَة. ثُمّ صَار من أشدِّ حاضري مجْلِس أفلاطون حِرصًا عَلَى اكْتِسَاب الْحِكْمَة، وَأَحْسَنهمْ للْعلم أخذا. المجِلسُ السّابع وَالْعِشروُن مَذَق فمُذِق لَهُ حَدَّثَنَا أَبِي ﵀، ثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " بَيْنَا رجلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يَتَّجِرُ بِالْخَمْرِ فِي الْبَحْرِ إِذْ فَكَّرَ فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ: إِنِّي آتِي قَوْمًا لَا مَعْرِفَةَ لَهُمْ بِجَيِّدِ الْخَمْرِ مِنْ رَدِيئِهِ، فَلَوْ أَنِّي مَزَجْتُ الْخَمْرَ أُضْعِفَ لِيَ فِي الثَّمَنِ، فَأَمْهَلَ حَتَّى اسْتَعْذَبُوا الْمَاءَ، فَعَمَدَ إِلَى أَوَانِيهِ فَنَصَّفَهَا مِنَ الْخَمْرِ ثُمَّ مَزَجَهُ بِالْمَاءِ حَتَّى مَلأَهَا، ثُمَّ أَتَى الْمَوْضِعَ فَبَاعَ بِضِعْفِ مَا كَانَ يَبِيعُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَأَى فِي طَرِيقِهِ قِرْدَةً

стр. 202

فَاسْتَحْسَنَهَا فَاشْتَرَاهَا. وَحَمَلَهَا مَعَهُ فِي سفينته، فَلَمَّا لججوا عدث الْقِرْدَةُ عَلَى كِيسِهِ فَأَخَذَتْهُ وَصَعِدَتِ الدَّقَلَ، فَأَقْعَتْ عَلَيْهِ وَالْكِيسُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا، فَصَاحَ بِهَا أَهْلُ السَّفِينَةِ، فَقَالَ لَهُمْ: لَا تَفْعَلُوا فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ تَقْذِفَ بِنَفْسِهَا وَالْكِيسَ فِي الْبَحْرِ، فَتَرَكُوهَا فَفَتَحَتِ الْكِيسَ ثُمَّ أَقْبَلَتْ تُخْرِجُ دِينَارًا فَتَرْمِي بِهِ فِي السَّفِينَةِ وَدِينَارًا فِي الْبَحْرِ، وَدِرْهَمًا فِي السَّفِينَةِ وَدِرْهَمًا فِي الْبَحْرِ، حَتَّى أَتَتْ عَلَى جَمِيعِ مَا فِي الْكِيسِ ثُمَّ نَزَلَتْ فِي السَّفِينَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: " مَذَقَ فَمُذِقَ لَهُ ". قَالَ القَاضِي: فِي هَذَا الْخَبَر مَا أوجب مجانبة الْغِشِّ، وتدليس الْعَيْب فِي البيع، وظلم النّاس فِي أَمْوَالهم، وبخسهم أشياءهم، وتخويف لِذَوي الْأَلْبَاب بتعجيل الْعقُوبَة لَهُم، وَسُوء الْعَاقِبَة فِي أَمْوَالهم، وسلبهم مَا طمعوا أَن يتمتعوا بِهِ فِي دنياهم، وينتفعوا بِهِ فِي مَعَايشهمْ مَعَ التَّعَرُّض للإثم فِي معادهم، وحلول مَا لَا قبل لَهُم بِهِ من عُقُوبَة رَبهم. وَقَول النَّبيّ ﵌: " مَذَقَ فَمُذِقَ لَهُ " أَيّ مزج سلْعَته بغَيْرهَا غِشًّا للنَّاس إرادةَ تثمير مَاله وغِشِّ غَيره، فجُوزي بسلبه الْفَضْل الَّذِي ظَلَم بِأَخْذِهِ، فسُمِّيتُ مجازاته مَذْقًا، إِلْحَاقًا لَهَا بالممذُوقِ فِي حَقِيقَة اللُّغَة من جِهَة التَّسْمِيَة، وَهَذَا ضرب من فصيح كَلَام الْعَرَب، ومُسْتَحْسَنِ خطابها، كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى: " وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ "، فسَمَّى المبتدأَ باسم الْجَزَاء، وَإِن كَانَ الابتداءُ لَا يُسمى عُقُوبَة فِي انْفِرَاده، طلبا للائتلاف، واتفاق أَلْفَاظ الْجُمْلَة فِي الخَطَّاب، وَهَذَا كثير فِي الْقُرْآن وألفاظ الشَّرِيعَة، ومنثور كَلَام الْعَرَب ومنظومه، من ذَلِكَ قَول عَمْرو بْن كُلْثُوم: أَلا لَا يَجْهَلنْ أحدٌ علينا ... فنجهلَ فوقَ جهلِ الجاهلينا وأصلُ المَذْقِ فِيمَا ذكرنَا: الخَلْطُ والمزج، يُقَالُ: لَبَنٌ صرفٌ وصريفٌ وممذوقٌ، ويُقَالُ لَهُ أَيْضا: مَذْق، فيسمى باسم الْمصدر، كَمَا قَالَ الشَّاعِر: لَمْ يَسْقِها مذقٌ وَلا نَصِيفُ ... وَلا تُمَيْراتٌ وَلا تَعْجيفٌ لَكِن غَذَاهَا المّذْقُ والصَّرِيفُ وَقَد اسْتعَار هَذَا الْمَعْنى بعضُ الْمُحدثين، فَقَالَ: وأراك تَشْرَبُني وتَمْذُقُني ... وَلَقَد عهدتُك شاربي صِرْفا وقَالَ صَالِح بْن عَبْد القدوس، وَبَعْضهمْ يرويهِ لسابق الْبَرْبَرِي: إِن الْكَرِيم إِذا أحبَّكَ قلبُهُ ... أَعْطَاك مِنْهُ مَوَدَّة لَا تُمْذَقُ وقَالَ أَبُو مَعْدَان مَوْلَى آل أَبِي الْحَكَم: جَرِّعَانِي ممذوقةٌ وامْزُجَاها ... لَيْسَ صِرْف الشَّرَاب كالممذوقِ وَهَذَا النَّحْو كثير وَاسع.

стр. 203

يصارح الحَجَّاج بِرَأْيهِ فِي أَخِيهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُريد، أَنْبَأَنَا عَبْد الرَّحْمَن، عَنْ عَمه، قَالَ: بَلغنِي أَن طاووساً كَانَ يَقُولُ: بَينا أَنَا جَالس مَعَ الحَجَّاج بِمَكَّة إِذْ مرّ رَجُلٌ يُلَبّي حول الْبَيْت، فَرفع صَوته بِالتَّلْبِيَةِ، فَقَالَ الحَجَّاج: عليَّ بِالرجلِ، فأُتِي بِهِ، قَالَ: مِمَّن الرَّجُل؟ قَالَ: من الْمُسْلِمِين، فَقَالَ: لَيْسَ عَنْ هَذَا سألتُك، قَالَ: فَعَمَّ سَأَلت، قَالَ: عَنِ الْبَلَد، قَالَ: من أَهْل الْيمن، قَالَ: كَيفَ تركتَ مُحَمَّد بْن يُوسُف؟ قَالَ: تركته عَظِيما جسيمًا، رَكَّابًا خَرَّاجًا ولاجًا، قَالَ: لَيْسَ عَنْ هَذَا سألتُك، قَالَ: فَعَمَّ سَأَلت؟ قَالَ: عَنْ سيرته؟ قَالَ: تركته ظَلُومًا غَشُومًا، مُطيعًا للمخلوق، عَاصِيا للخالق، قَالَ: فَمَا الَّذِي حملك عليَّ بِهَذَا فِيهِ، وَأَنت تعرف مَكَانَهُ مني؟ قَالَ: أتراه مَكَانَهُ مِنْك أعز بمكاني من اللَّه وَأَنا قَاضِي دَيْنَهُ، ووافدُ بَيته، ومصدق نبيِّه ﵌، فَسكت الحَجَّاج فَمَا أحار جَوَابا، وَقَامَ الرَّجُل فَدخل الطّواف. فاتَّبَعْتُه فَإِذا هُوَ فِي الْمُلْتزم، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذُ بك، اللَّهُمَّ فَاجْعَلْ لي فِي الْكَهْف إِلَى جُودِك، والرِّضا بضمانك، مندوحةً عَمَّن سواك الباخلين، وغِنًى عَمَّا فِي أَيدي الْمُسْتأْثِرِين، اللَّهُمَّ فَرَجَكَ الْقَرِيب، ومعروفَك الْقَدِيم، وعادتَك الْحَسَنَة، فَلَمَّا كَانَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، رأيتُهُ وَاقِفًا عَلَى الْموقف فدنوتُ مِنْهُ، فَسَمعته يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِن كنتَ لَمْ تقبلْ حَجِّي وتَعَبِي ونَصَبِي، فَلَا تَحْرمَنِي الأجرَ عَلَى مصيبتي بِتَرْكِكَ القبولَ مني، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ غَدَاة جمعٍ أَفَاضَ مَعَ النّاس، فسمعتُه يَقُولُ: يَا سَوْءَتاهُ مِنْك يَا رب وَإِن غفرت. ثمَّ لَمْ أره بعد ذَلِكَ. معنى المندوحة والمستأثرين قَالَ القَاضِي: قَوْله: مَنْدُوحة، المندوحة: السَّعَةُ والْفُسْحة، كَمَا قَالَ تَمِيم بن أبي مُقْبل: سَرَّ عَامر قومِي وَمن يَكُ قَوْمُهُ ... كقومي يكنْ لَهُ بِهم مُنْتَدَح يَعْنِي غُنْيةً ومُتَّسَعًا. وَقَوله: عَمَّا فِي أَيدي المستأثرين، المستأثرون: هم الَّذين يستبِدُّون بِمَا فِي أَيْديهم، يُقَالُ: اسْتَأْثر فُلان بِمَا عِنْده أَيّ استبدَّ بِمَا فِي يَده وتَفَرَّد بِهِ، قَالَ أعشى بني قَيْس بْن ثَعْلَبَة: تَمَزَّزْتُها غيرَ مستأثرٍ ... عَلَى الشّرْبِ أَوْ منكرٌ مَا عُلِمْ ويروى: غَيْر مستدبرٍ ... عَنِ الشّرْبِ وَمن أَمْثَال الْعَرَب: إِذا اسْتأْثَر اللَّهُ بشيءٍ فَالْهُ عَنْهُ. وَفِي الْخَبَر: " أَو اسْتأْثرتَ بِهِ فِي علم الغَيْب عنْدك ".

стр. 204

ويُقَالُ فِي الذَّمِّ: استأَثَر فلانٌ بِمالِهِ أنْ يُخرجَهُ فِي حَقِّه. وَفِي الْمَدْح: " آثرَ بِمَا عِنْده " إِذا آثر غَيره عَلَى نَفسه، وَإِذَا آثر غَيره مَعَ حَاجته كَانَ أولى بالمدح والثَّناء، وأبعدَ من الذَّمِّ والْهِجاء، قَالَ اللَّه جلّ اسْمه: " وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المفلحون "، فَبيْنَ المؤثرين والمستأثرين مَا بَيْنَ الأجواد والباخلين، والمانعين والباذلين، وَأهل هَاتين المنزلتين فِي اسْتِحْقَاق الْحَمد والذم، والتفريط والقَصْد، عَلَى رُتْبه من التَّفَاوُتِ بِحَسب مَا تقرَّر فِي الدّين، وَثَبت فِي عُرْفِ الْمُسْلِمِين، وَقَدْ قَالَ اللَّه : " وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِك قواماً "، وقَالَ تَعَالَى ذكرُه: " وَلا تَجْعَلْ يدك مغلولةً إِلَى عُنُقك ول تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا، إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ، إِنَّهُ كَانَ بعباده خَبِيرا بَصيرًا "، وقَالَ تقدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ: " وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا، إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ، وَكَانَ الشَّيْطَانُ لرَبه كفوراً ". فقد أبان لنا ربُّنا بفضله وإنعامه علينا فِي هَذَا الْبَاب قَصْدَ السَّبِيل، وأوضح لنا محجَّة الاقتصاد والتَّعْدِيل، وبيّن أَن بَيْنَ الْإِسْرَاف والتبذير طَرِيقا أَمَمًا، وصِراطًا قِيَمًا، فإيّاه نسألُ تَوْفِيقًا لسُنَن أولى الْفَضْل، وهدايتنا سَوَاء السَّبيل، وَهُوَ حَسْبُنا وَنعم الْوَكِيل. وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ النَّبِيِّ ﵌، أَنَّهُ قَالَ: " لَا يَعِيلُ أحدٌ عَلَى قَصْدٍ، وَلا يَغْنَى أحدٌ عَلَى سرفٍ كَبِير ". معنى يعيل هَاهُنَا: يفْتَقر، يُقَالُ: عَال الرَّجُل يَعيلُ عَيْلَةً إِذا افْتقر، قَالَ الشَّاعِر: فَمَا يَدْرِي الفقيرُ مَتَى غِنَاهْ ... وَلا يدْرِي الغنيُّ مَتَى يَعِيلُ وَجَاء عَنِ النَّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ الْمُؤْمِنَ آخذٌ عَنْ رَبِّهِ أَدَبًا حَسَنًا، فَإِذَا وَسَّعَ عَلَيْه وَسَّعَ، وَإِذَا أَمْسَكَ عَلَيْهِ أَمْسَكَ ". حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْبَزَّازُ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمَّارُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشِيرٍ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الضَّالُّ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الضَّالَّ لأَنَّهُ خَرَجَ يُرِيدُ مَكَّةَ فَضَلَّ الطَّرِيقَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَمْزَةَ الضُّبَعِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: " إِنَّ الْمُؤْمِنَ آخِذٌ عَنْ رَبِّهِ أَدَبًا حَسَنًا، فَإِذَا وَسَّعَ عَلَيْه وَسَّعَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِذَا أَمْسَكَ عَلَيْهِ أَمْسَكَ ". تشدد الْقُضَاة فِي الْحق، وَتَقْدِير الْخُلَفَاء لَهُم حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَزْيَدٍ الْبُوشَنْجِيُّ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ، قَالَ: حَدثنِي عمر ابْن أَبِي بَكْرٍ الْمَوْصِلِيُّ، عَنْ نُمَيْرٍ الْمَدَنِيِّ، قَالَ: قَدِم عَلَيْنَا أَمِيرُ الؤمنين الْمَنْصُورُ الْمَدِينَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ

стр. 205

عِمْرَانَ الطَّلْحِيُّ عَلَى قَضَائِهِ وَأَنَا كَاتِبُهُ، فَاسْتَعْدَى الْحَمَّالُونَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي شَيْءٍ ذَكَرُوهُ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْهِ كِتَابًا بِالْحُضُورِ مَعَهُمْ أَوْ إِنْصَافِهِمْ، فَقُلْتُ: تُعْفِينِي مِنْ هَذَا فَإنَّهُ يَعْرِفُ خَطِّي، فَقَالَ: اكْتُبْ، فَكَتَبْتُ ثُمَّ خَتَمَهُ وَقَالَ: لَا يَمْضِي بِهِ وَاللَّهِ غَيْرُكَ، فَمَضَيْتُ بِهِ إِلَى الرَّبِيعِ وَجَعَلْتُ أَعْتَذِرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ بِالْكِتَابِ، ثُمَّ خَرَجَ الرَّبِيعُ فَقَالَ لِلنَّاسِ - وَقد حَضَره وُجُوهُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالأَشْرَافُ وَغَيْرُهُمْ -: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلامَ وَيَقُولُ لَكُمُ: " إِنِّي قَدْ دُعِيتُ إِلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ، فَلا أَعْلَمَنَّ أَحَدًا قَامَ إِلَيَّ إِذَا خَرَجْتُ أَوْ بَدَأَنِي بِالسَّلامِ "، ثُمَّ خَرَجَ وَالْمُسَيَّبُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَالرَّبِيعُ وَأَنَا خَلْفَهُ، وَهُوَ فِي إزارٍ ورداءٍ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّاسِ فَمَا قَامَ إِلَيْهِ أَحَدٌ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى بَدَأَ بالقبر فَسلم عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الرَّبِيعِ فَقَالَ: يَا رَبِيعُ! وَيْحَكَ أَخْشَى إِنْ رَآنِي ابْنُ عِمْرَانَ تَدْخُلُ قَلْبَهُ هيبةٌ فَيَتَحَوَّلُ عَنْ مَجْلِسِهِ، وَبِاللَّهِ لَئِنْ فَعَلَ لاولي لِي وِلايَةً أَبَدًا، فَلَمَّا رَآهُ وَكَانَ متكأً أَطْلَقَ رِدَاءَهُ عَنْ عَاتِقِهِ ثُمَّ احْتَبَى بِهِ، وَدَعَا بِالْخُصُومِ الْحَمَّالِينَ، ثُمَّ دَعَا بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ ادَّعَى عَلَيْهِ الْقَوْمُ فَقَضَى لَهُمْ عَلَيْهِ، فَلَمَّا دَخَلَ الدَّارَ قَالَ لِلرَّبِيعِ: اذْهَبْ فَإِذَا قَامَ وَخَرَجَ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْخُصُومِ فَادْعُهُ، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا دَعَاكَ إِلا بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ جَمِيعًا، فَدَعَاهُ فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ سلّم، فَقَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ عَنْ دِينِكَ وَعَنْ نَبِيِّكَ وَعَنْ حَسَبِكَ وَعَنْ خَلِيفَتِكَ أَحْسَنَ الْجَزَاءِ، قَدْ أَمَرْتُ لَكَ بِعَشَرَةِ آلافِ دِينَارٍ فَاقْبِضْهَا، فَكَانَتْ عَامَّةُ أَمْوَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ من تِلْكَ الصِّلَةِ. الْبر بالْقُصَّادِ وَكَيف يَكُون حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن الْقَاسِم الكوكبي، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد اللَّه الْفَضْل بْن الْحَسَن الْأَهْوَازِي، قَالَ: قدِم إِلَى الأهواز رجلٌ من وُلِد الْحَسَن بْن سهل، حسن الْهَيْئَة وَالْأَدب، فَأخْبرنَا جماعةٌ من العراقَّيين أَنَّهُ كَانَ فِي نعمةٍ واسعةٍ فزالَتْ عَنْهُ، وَكَانَ قَصْدُه لِأَحْمَد بْن دِينَار، فَقبله أَحْمَد وقَالَ: الْزَمْني ووَعَدَهُ الإِحْسَان، وأجرى عَلَيْه وعَلى غُلام كَانَ مَعَه نُزُلا من خُبْز ولحمٍ وتَوَابِلَه مِقْدَار ثَلَاثَة دَرَاهِم، وقَالَ لَهُ: تمهَّلْني فإنّي فِي شغلٍ، فَإِذا انْكَشَفَ وَجْهي بَلَغْتُ لَك مَا تحبّ، فطال مقَامه وأُخْلِقَتْ أثوابُه، فَكتب إِلَيْهِ: صَحِبتكُمُ عَامَيْن فِي حالِ عسرةٍ ... أُرَجِّي نَداكُمْ والظُّنُونُ فُنُونُ فَمَا نلتُ مِنْكُم طائلا غَيْر أَنني ... تعلمتُ حَال الْفقر كَيفَ تكون فوصلت الرقعة إِلَى أَحْمَد بْن دِينَار، وَكَانَ يَعْقُوب بْن إِسْحَاق اليزيدي حَاضرا، فَقَالَ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: لرجلٍ من وُلِد الْحَسَن بْن سهل، قَالَ لَهُ: وَهُوَ مقيمٌ عنْدك نَحوا من حَوْلين، قَالَ: قريب من ذَلِكَ، فَانْصَرف أَبُو يُوسُف ووجّه إِلَى الرَّجُل فَأحْضرهُ وَدفع لَهُ بِمِائَة دِينَار، وقَسَّط لَهُ عَلَى جمَاعَة من الْوُجُوه أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم، وَكتب لَهُ إِلَى بزازٍ كَانَ

стр. 206

يعامله بكسوةٍ بِأَلف دِرْهَم، ووجّه من اكترى لَهُ زَوْرقًا إِلَى مَدِينَة السَّلام، وزوَّدَهُ زادًا كَبِيرا حسنا، وقَالَ لَهُ: اخْرُج لَا تَلْقَ مَنْ قَصَدْته، فَقَالَ: واللَّه لأضْرِبَنّ جُودَك عَلَى نائلٍ يَكُون مِنْهُ، ولأَفْرِدَنَّ الشُّكْر لَك دونه، ولأتجهنَّ إِلَى اللَّه تَعَالَى فِي صيانتك عَنْ كلِّ دناءةٍ ومعرةٍ كَمَا صُنْتني عَنْهَا، وَانْصَرف. وَبلغ الخبرُ ابْن دِينَار، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ وحشةٍ عظيمةٍ صَارَت بَيْنَهُمَا. من سخاء الْمهْدي حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الْعَبَّاس العسكري، حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي سَعْد، وحَدَّثَنِي أَبِي ﵀، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمد الْخُتلِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه ابْن هَارُون، ومُوسَى الفَرْوِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْد الْملك بْن عَبْد الْعَزِيز، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلَني المهديُّ أميرُ الْمُؤْمِنِين، فَقَالَ: يَا ماجشون! مَا قُلْتُ حِين فُقد أَصْحَابك، يَعْنِي الْفُقَهَاء، قَالَ: قُلْتُ: يَا مَنْ لباكٍ عَلَى أَصْحَابه جَزِعَا ... قَدْ كنتُ أَحْذَرُ ذَا مِنْ قَبْلِ أَن يَقَعَا إِن الزَّمَان رأى إلْفَ السُّرور بِنَا ... فدَبَّ بالهَجْرِ فِيمَا بينَنَا وسَعَى فليصْنَعِ الدَّهْر بِي مَا شاءَ مُجْتَهدًا ... فَلَا زيادَةَ شيءٍ فَوق مَا صَنَعَا فَقَالَ: واللَّهِ لأُغْنِيَنَّك، فَأَجَازَهُ بِعشْرَة آلَاف دِينَار فَقدم بهَا الْمَدِينَة فَأكلهَا فِي السخاء وَالْكَرم. الْأَقْوَال فِي " بَيْنَ " قَالَ القَاضِي: فِيمَا بينَنَا بِالنّصب، هَكَذَا رُوِي عَلَى الظَّرْف، وَقَدْ حكى بعضُ النحْويِّين عَنِ الْعَرَب، أَتَانِي سِوَاءَك ودُونَك، وذُوكِرْت بروايته بالجرّ هَلْ تَجُوز؟ وَمَا وَجه جَوَازهَا؟ ووجهُ الجرِّ فِي هَذَا أَن يَكُون معنى البَيْن هَاهُنَا: الْوَصْل، وَالْمعْنَى فدب فِي وصلنا، فَيكون لَهَا وَجْهَان: أَحَدُهُمَا أَن تكون مَا حَشْوًا زَائِدا كَمَا قِيلَ مثل هَذَا فِي قَوْله تَعَالَى: " فَبِمَا رحمةٍ من الله "، " فبمَا نقضهم ميثاقهم "، وَرُوِيَ مثل هَذَا فِي قَول الشَّاعِر: فَلَو أنَّ نَفْسًا أَخْرَجَتْها مخافةٌ ... لأخرجَ نفسِي اليومَ مَا قَالَ خالِدُ الْمَعْنى: قَولُ خَالِد وقِيلُ خَالِد، فقولٌ وقالٌ، مثل عيبٍ وعَاب، وذمٍّ وذامٌ، وقيلٌ وقالٌ: مثل: قيرٍ وقَار. وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن تكون مَا بِمَعْنى شيءٍ أتتْ للإبهام فِي النَّوْع أَو الْقدر ويبدل مِنْهَا مَا بعْدهَا، كأَنَّه قَالَ فِي الْبَيْت: فدبّ فيّ شَيْء مَا، ثُمّ فسّره بقوله: بَيْننَا وجرّه عَلَى البَدَل مِنْهُ، وَمثل مَا هَاهُنَا قَول ذِي الرُّمة: أشْبَهْنَ من بَقَرِ الخَلْصَاءِ أعْيُنَها ... وهُنّ أحسنُ مِنْهَا بَعْدَهَا صُوَرا الْمَعْنى: أحسن مِنْهَا صُوُرا، وَمن الْبَين بِمَعْنى الْوَصْل قَول الشَّاعِر: لقَدْ كَذَّبَ الواشِين بيني وَبَينهَا ... فقرت بِذَاكَ البَيْنِ عَيْني وعينُها

стр. 207

وقَالَ الآخر: لَعَمْرُك لَوْلَا البينُ لانقطع الْهوى ... وَلَوْلَا الهَوَى مَا حَنَّ للبينِ آلفُ وَمِمَّا أَتَى بِالرَّفْع فِي بَيْنَ بِالْفِعْلِ قَول الشَّاعِر: إِذَا هِيَ قامتْ تَقْشعرُّ شُواتُها ... ويُشْرِقُ بَيْنَ اللّيْتِ مِنْهَا إِلَى الصُّقْلِ وَقَد اخْتلفت الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَول اللَّه تَعَالَى: " لَقَدْ تقطع بَيْنكُم "، فَقَرَأَ ذَلِكَ كثيرٌ من قُرَّاء الْمَدِينَة وَالشَّام وبعضُ أَهْل الْكُوفَة " بينَكُم " بِالنّصب، وَقَرَأَ كثير من أَهْل الْحجاز وَالْعراق وَغَيْرُهُمْ " بَيْنَكُمْ " بِالرَّفْع والنَّصْب، وَاحْتج كلُّ واحدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ بِهِ، وَهُوَ قَوْله: كأنّ رماحَهُمْ أشْطَانُ بئرٍ ... بعيدٍ بَيْنُ جَالَيْهَا جَرُورِ وَقَدْ عَابَ بعضُ أَهْل الْعَرَبيَّة مِمَّنْ يتكلّم فِي الْقرَاءَات واخْتَار مِنْهَا قِرَاءَة لنَفسِهِ، وَهِي الْقِرَاءَة بِالنّصب فِي هَذَا الْحَرْف، وَزعم أَن من اخْتَارَهَا حَذَف الْمَوْصُول وَأبقى الصِّلَة واسْتُنْكِرَ هَذَا إِذْ كَانَت الصِّلَة تَمامًا للموصول، وَكَأن الذَّاهب إِلَيْهِ أَتَى بِبَعْض جملَة الِاسْم دون بَاقِيهَا كالدَّال من زَيْد، وَلَيْسَ هَذَا كالصفة الْقَائِمَة مقَام الْمَوْصُوف لِأَن كُلّ واحدٍ من الْمَوْصُوف وَالصّفة كلمة تَامَّة فِي نَفسهَا، وَجَعَل الْمَعْنى هَذَا الْقَائِل: لقَدْ تقطع مَا بَيْنكُم، وَكَأن العائب لهَذِهِ الْقِرَاءَة يعرف للنصب فِيهَا وَجها غَيْر الَّذِي ذكره فطعن فِيهِ وَأنْكرهُ. وَفِي هَذَا عِنْدِي - بعد الَّذِي قدمت ذكره فِي أول هَذَا الْفَصْل - وَجه آخر لَمْ أر أحدا قبلي أَتَى بِهِ، وَهُوَ أَن يَكُون تَأْوِيل الْكَلَام لقَدْ تقطع مَا كُنْتُم تَزْعُمُونَ بَيْنكُم وضلَّ عَنْكُم، كأَنَّه قَالَ: الَّذِي كُنْتُم تَزْعُمُونَ تقطع بَيْنكُم فَلم يَنْتَظِم لكم ويَصْلُحْ بِهِ أمرُكم، وَهَذَا قَوْله تَعَالَى: " وتقطعت بهم الْأَسْبَاب ". يتَخَلَّص من الْولَايَة بِبَيْت شعر حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، أَنْبَأَنَا أَبُو عُثْمَان، قَالَ: حَدَّثَنِي الْعُتْبِي: قَالَ: وُلّي عمرُ بْن عَبْد الْعَزِيز رَجُلا فكره الْولَايَة، فَكتب إِلَى عُمَر: بِسم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحيم، لعبد اللَّه عُمَر أَمِير الْمُؤْمِنِين، أما بعد: فاسْقِنِي شَرْبَةً أَلَذُّ عَلَيْها ... ثُمّ عِدَّ مِثْلَ شَرْبَتِي لِهِشَامِ فَكتب إِلَيْهِ عُمَر: اعتزلْ عَمَلي، فاعتزل ثمَّ كتب إِلَيْهِ: عسلاً سَائِلًا وَمَاءً قُرَاحًا ... إنَّني لَا أُحِبُّ شُرْبَ الْمُدَامِ فَكتب إِلَيْهِ عُمَر: عُدْ إِلَى عَمَلك، فَكتب إِلَيْهِ: لَا حَاجَة لي فِي عَمَلكُمْ. أَنْت أسْوَدُ أم حَاتِم حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْقَاسِم الْأَنْبَارِي، أَنْبَأَنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّد بْن سَلام، قَالَ: قِيلَ لأوس بْن حَارِثَة، وَهُوَ أَوْس بْن سَعْد الطَّائِي: أنتَ أسْوَدُ أم حَاتِم؟ وَكَانَ أوسُ يَمْشي فِي ثَلَاثِينَ من وَلَده، فَقَالَ: لَو أنني وَوَلَدِي لحاتم لأنْهَبَنَا فِي غَدَاة.

стр. 208

وَقيل لحاتم: أَنْت أسود أم أَوْس؟ فَقَالَ: بعضُ وَلَدِ أوسٍ أسْودُ منّي. يُصْلِح بَيْنَ عَبْد الْملك وزَوْجِه فينالُ حُكمه حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن أَحْمَد الْكَلْبِيّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زَكَرِيّا، حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن الضَّحَّاك الْمِصْرِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْهَيْثَم بْن عَدِيّ الطَّائِي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي. أَن عَبْد الْملك بْن مَرْوَان كَانَ من أَشد النّاس حُبًّا لامْرَأَته عَاتِكَة بِنْت يَزِيد بْن مُعَاوِيَة، وأمُّها أم كُلْثُوم بِنْت عَبْد اللَّه بْن عَامر بْن كُرَيْز، قَالَ: فَغَضِبَتْ عَلَيْه - يَعْنِي عَلَى عَبْد الْملك - وَكَانَ بَيْنَهُمَا بَاب فحجبتْه وأغلقَتْ ذَلِكَ الْبَاب، فشقَّ عَلَى عَبْد الْملك فَشَكا إِلَى خاصته، فَقَالَ لَهُ عُمَر بْن بِلَال الْأَسدي: مَالِي عَنْك إِن رَضِيَتْ؟ قَالَ: حُكْمُك، قَالَ: فَأتى عمر ابْن بِلَال بَابَها باكيًا، فخرجتْ إِلَيْهِ حاضنتها ومواليها وجواريها، فَقُلْنَ: مَا لَك؟ فَقَالَ: فزعتُ إِلَى عَاتِكَة ورجوتُها، فقد عَلِمَتْ مَكَاني من أَمِير الْمُؤْمِنِين مُعَاوِيَة وَمن يَزِيد بعده، فَقُلْنَ: مَالك؟ قَالَ: كَانَ لي ابْنَانِ لَمْ يكن لي غَيرهمَا فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحبه، فَقَالَ أَمِير الْمُؤْمِنِين: أَنَا قاتلٌ الآخر، فَقلت: أَنَا الْوَلِيّ وَقَدْ عفوتُ. فَقَالَ: لَا أَعُود النّاس هَذِهِ الْعَادة. ورجوت اللَّه تَعَالَى أَن يحيا ابْني هَذَا، فدخلْنَ عَلَيْهَا فذكرن لَهَا ذَلِكَ، فَقَالَت: فَمَا أصنع مَعَ غَضَبي عَلَيْه، وَمَا أظهرت لَهُ؟ فَقُلْنَ: إِذا واللَّه يقتل ابْنه. فَلم يزلن بهَا حَتَّى دَعَتْ بثيابها فلبستْها، ثُمّ خرجت إِلَيْهِ من الْبَاب، فَأَقْبَلَ خَدِيج الْخَادِم، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين! عَاتِكَة قَدْ أقبلتْ، فَقَالَ: وَيلك! مَا تَقُولُ؟ قَالَ: قَدْ - وَالله - طَلَعَتْ. قَالَ: فأقبلتْ فسلَّمتْ فَلم يردَّ، فَقَالَت: أمَا - واللَّه لَوْلَا عُمَرُ بْن بِلَال مَا جئتُ قطُّ، فَلَا بدَّ أَن تَهَبَ لي ابنَه، فَإنَّهُ الوليُّ وَقَدْ عَفَا. قَالَ: إِنِّي أكرهُ أَن أُعوِّدَ النّاس هَذِهِ الْعَادة. فَقَالَت: نَشَدْتُك اللَّه يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين، فقد عرفتَ مَكَانَهُ من أَمِير الْمُؤْمِنِين مُعَاوِيَة وَمن يَزِيد. فَلم تزل بِهِ حَتَّى أخذت رجله فقبّلتها، فَقَالَ: هُوَ لَك. فَلم يبرحا حَتَّى اصطلحا. قَالَ: ثُمّ رَاح عُمَر بْن بِلَال إِلَى عَبْد الْملك، فَقَالَ لَهُ: رَأينَا ذَلِكَ الْأَمر، حاجتُكَ؟ قَالَ: مزرعةً بعَبِيدِها وَمَا فِيهَا، وألْفَ دينارٍ، وفَرَائضَ لوَلَدي وأهلِ بَيْتِي، وإلْحاقَ عُمَّالِي. قَالَ: ذَلكَ لَك. المجِلسُ الثَامِن وَالْعِشرُونْ أَنْت صَاحب الْجُبَيْذة بالْأَمْس ؟ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْنِ الْحُسَيْنِ الْمُسْتَعِينِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٌ، حَدَّثَنَا هَرْثَمُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنْ بَنَانٍ، عَنْ قُعَيْنٍ، عَنْ أَبِي سَهْمٍ، قَالَ:

стр. 209

كُنْتُ بِالْمَدِينَةِ فَمَرَّتْ بِيَ امرأةٌ فَأَخَذْتُ بِكَشْحِهَا، وَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ يُبَايِعُ النَّاسَ، فَأَتَيْتُهُ فَلَمْ يُبَايِعْنِي، فَقَالَ: أَنْتَ صَاحِبُ الْجُبَيْذَةِ بِالأَمْسِ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَا أَعُودُ، قَالَ: فَبَايَعَنِي. تَعْلِيق لغَوِيّ الكشحُ والجبيذة قَالَ القَاضِي: الكَشْحُ: الخاصرة، كَمَا قَالَ زُهَيْر: وَكَانَ طَوَى كَشْحًا عَلَى مُسْتَكَنِّهِ ... فَلَا هُوَ أبداها وَلم يتندم وَقَوله: الْجُبيذة: تصغيرُ جَبْذَة، والجَذْبةُ، يُقَالُ: جَبَذْتُ الشَّيْء وجَذَبْته إِذا شددتُه إِلَيْك، وَنَحْو هَذَا من كَلَام الْعَرَب: صاعقةٌ وصَاقِعَة، وَمَا أطْيَبَهُ وَمَا أيْطَبَه، ويبتغي بِي الدَّم ويتبغّي فِي كثير من الْكَلَام أَتَى كَذَلِك، وَسمي اللغويُّون هَذَا النَّوْع " بَاب الْقلب "، وَقَدْ جمع بَعضهم هَذَا الضَّرْب أَوْ مَا انْتهى إِلَيْهِ مِنْهُ. وسيلةٌ مُؤَكدَة حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد: أَنْبَأَنَا أَبُو حَاتِم، عَنِ الْعُتْبِي، قَالَ: قَالَ بعض خلفاء بني أُمَيَّة - وَلَمْ يسمه - مَا توسل إليّ أحدٌ بوسيلة، وَلا تذرع بذريعةٍ هِيَ أقرب إِلَى مَا يحبُّ منَّي من يدٍ سبقتْ منِّي إِلَيْهِ أُتْبِعُها لِيُحْسِنَ حفظهَا، لِأَن مَنْع الْأَوَاخِر يقطعُ لسانَ شكر الْأَوَائِل، وَمَا سمحتْ نَفسِي بِرَدِّ بِكر الْحَوَائِج. تشدُّد شريك بْن عَبْد اللَّه فِي إحقاق الْحق حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْخُزَاعِيَّ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، عَنْ عُمَرَ بْنَ الْهَيَامِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَتَتْهُ امْرَأَة يَوْمًا - يَعْنِي شَرِيكًا - مِنْ وَلَدِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ صَاحِبِ النَّبيّ ﷺ وَهُوَ فِي مجْلِس الْحكم، فَقَالَت: أَنَا بِاللَّه ثُمّ بِالْقَاضِي، امرأةٌ مِنْ وَلَدِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه صَاحب النَّبِيّ ﵌، وردَّدت الْكَلَام، فَقَالَ: إيهًا عَنْك، الْآن من ظلمك؟ قَالَتْ: الْأَمِير عِيسَى بْن مُوسَى، كَانَ لي بستانٌ عَلَى شاطىء الْفُرات، لي فِيهِ نخلٌ، ورثْتُه عَنْ آبَائِي، وقاسمتُ إخوتي، وبنيتُ بيني وَبينهمْ حَائِطا، وجعلتُ فِيهِ رَجُلا فارسيًّا فِي بيتٍ يحفظُ لي النَخْلَ ويقومُ بِبُسْتاني، فَاشْترى الأميرُ عِيسَى من إخوتي جَمِيعًا وسَامَنِي فأرْغَبَنِي فَلم أبِعْهُ، فَلَمَّا كَانَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَة بعث خَمْسمِائَة فاعلٍ فاقتلعُوا الْحَائِط، فأصبحتُ لَا أعرف من نَخْلي شَيْئا وَاخْتَلَطَ بِنَخْل إخوتي. قَالَ: يَا غُلام! طينَة، فختم لَهَا خَاتمًا، ثُمّ قَالَ لَهَا: امْضِي بِهِ إِلَى بَابه حَتَّى يحضرَ معكِ. فَجَاءَت الْمَرْأَة بالطينة فَأَخذهَا الحاجبُ وَدخل عَلَى عِيسَى، فَقَالَ لَهُ: أعْدِيَ شريكٌ عَلَيْك، قَالَ لَهُ: أدْعُ لي صاحبَ الشرطة، فَدَعَا بِهِ، فَقَالَ: امْضِ إِلَى شريك فَقل لَهُ: يَا سُبْحَانَ اللَّه! مَا رأيتُ أعجبَ من أمْرِك، امرأةٌ ادَّعتْ دَعْوى لَمْ تصحَّ، أَعْدَيْتها عليَّ؟ فَقَالَ: إِن رَأَى الأميرُ أَن يُعفِيَني فَلْيفعل، فَقَالَ: امضِ وَيْلَك.

стр. 210

فَخرج فَأمر غلمانه أَن يتقدّموا إِلَى الْحَبْس بفراشٍ وَغير ذَلِكَ من آلَة الْحَبْس، فَلَمَّا جَاءَ وقف بَيْنَ يَدي شريكٍ القَاضِي فأدّى الرسَالَة، فَقَالَ لصَاحبه: خُذْ بِيَدِهِ فضعْهُ فِي الْحَبْس، قَالَ: قَدْ - واللَّه يَا أَبَا عَبْد اللَّه - عرفتُ أنَّكَ تفعلُ بِي هَذَا، فقدَّمتُ مَا يُصْلحني إِلَى الْحَبْس. قَالَ: وَبلغ عِيسَى بْن مُوسَى ذَلِكَ فوجَّه بحاجبه إِلَيْهِ، فَقَالَ: هَذَا من ذَاكَ، رسولُ أَيّ شيءٍ أَنْت؟ فأدَّى الرسَالَة، فألحقه بِصَاحِبِهِ فحُبس. فَلَمَّا صلّى الأميرُ الْعَصْر بعث إِلَى إِسْحَاق بْن صَباح الأَشْعَثيّ وَإِلَى جمَاعَة مو وُجُوه الكوفةِ من أصدقاءِ شريك، فَقَالَ: أمضوا إِلَيْهِ وأبلغوه السَّلَام وأَعْلمُوه أَنَّهُ قَد استخفَّ بِي، فإنّي لستُ كالعَامَّة. فمضَوْا وَهُوَ جالسٌ فِي مَسْجده بعد الْعَصْر، فَدَخَلُوا إِلَيْهِ فأبلغوه الرسَالَة، فَلَمَّا انْقَضى كلامُهم، قَالَ لَهُم: مَالِي لَا أَرَاكُم جئْتُمْ فِي غَيره من النّاس؟! من هَاهُنَا من فتيَان الحيِّ؟ فابتدرُوهُ، فَقَالَ: يأخذْ كلُّ وَاحِد مِنْكُم بيدِ رجلٍ من هَؤُلاءِ فيذهبْ بِهِ إِلَى الْحَبْس، لابتم - واللَّه - إِلا فِيهِ، قَالُوا: أجادٌ أَنْت؟ قَالَ: حقًّا، حَتَّى لَا تعودوا تَحملُوا رسالةَ ظَالِم، فحبسهم. فَركب عِيسَى بْن مُوسَى فِي اللَّيْل إِلَى بَاب الحَبْس فَفتح الْبَاب وأخذهُم جَمِيعًا، فَلَمَّا كَانَ من الغَدِ وَجلسَ شريكٌ للْقَضَاء، جَاءَ السَّجَّان وَأخْبرهُ، فَدَعَا بالْقِمَطْرِ فختمها ووَجَّه بهَا إِلَى منزله، وقَالَ لغُلامه: الْحقْني بثَقَلي إِلَى بَغْدَاد، واللَّه مَا طلبنا هَذَا الأمرَ مِنْهُم، ولكنْ أكرهُونا عَلَيْه، وَلَقَد ضَمِنُوا لنا الإعزازَ فِيهِ. وَمضى نَحْو قنطرة الْكُوفَة يُرِيد بَغْدَاد، وَبلغ عِيسَى بْن مُوسَى الخبرُ، فَركب فِي موكبه فَلحقه وَجَعَل يناشده اللَّه وَيَقُولُ: يَا أَبَا عَبْد اللَّه! تَثَبَّتْ، انْظُر إخوانَك تحبسْهم؟ دَعْ أعْوَاني، قَالَ: نعم، لأنَّهُم مَشَوْا لَك فِي أمرٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِم المشْيَ فِيهِ، ولستُ ببارح أَوْ يُردُّوا جَمِيعًا إِلَى الْحَبْس، وإِلا مضيتُ من فوري إِلَى أَمِير الْمُؤْمِنِين فاستعفيتُه فِيمَا قَلَّدني. فَأمر بردهمْ جَمِيعًا إِلَى الْحَبْس، وَهُوَ - واللَّه - واقفٌ مَكَانَهُ حَتَّى جَاءَ السَّجَّان، فَقَالَ: قَدْ رجعُوا إِلَى الْحَبْس، فَقَالَ لأعوانه: خُذُوا بلجامه قُودُوه بَيْنَ يَدَيَّ إِلَى مجْلِس الْحُكْم، فَمَرُّوا بِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى دخل الْمَسْجِد، وَجلسَ مجْلِس الْقَضَاء، ثُمّ قَالَ: الجَرِيرِيَّةُ الْمُتَظَلِّمةُ من هَذَا؟ فَجَاءَت، فَقَالَ: هَذَا خَصْمُكِ قَدْ حضر، فَلَمَّا جلس مَعهَا بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ: يَخْرجُ أُولَئِكَ من الْحَبْس قبل كُلّ شيءٍ، ثُمّ قَالَ: مَا تقولُ فِيمَا تَدَّعِيه هَذِهِ؟ قَالَ: صَدَقَتْ، فَقَالَ: تَرُدُّ جميعَ مَا أُخِذَ مِنْهَا إِلَيْهَا وتَبْنِي حائطَها فِي أسْرع وَقت، كَمَا هدم، قَالَ: أَفْعَلُ، أَبقِيَ لَكِ شيءٌ؟ قَالَ: تَقُولُ المرأةُ: نعم، وبيتُ الفارسيّ ومَتاعُه، قَالَ: وبيتُ الفارسيّ ومتاعُه، فَقَالَ شريك: أبَقِيَ شيءٌ تَدّعينه عَلَيْه؟ قَالَتْ: لَا، وجَزَاكَ اللَّهُ خيرا، قَالَ: قُومي، وَزَبرها، ثُمّ وثب من مَجْلِسه فَأخذ بيد عِيسَى بْن مُوسَى فأجْلَسَه فِي مَجْلِسِه، ثُمّ قَالَ: السَّلام عَلَيْك أَيهَا الْأَمِير، تأمرُ بِشَيْء؟ قَالَ: بأيِّ شيءٍ آمُر؟ وَضحك.

стр. 211

من بلاغة خَالِد بْن صَفْوَان وحُسْنِ كَلَامه حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْخُتُلِّيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو حَفْص النَّسَائيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْنُ عَمْرٍو، عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ، قَالَ: خَرَجَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَمَعَهُ مَسْلَمَةَ أَخُوهُ إِلَى مَصَانِعَ قَدْ هُيِّئَتْ لَهُ وَزُيِّنَتْ بِأَنْوَاعِ النَّبْتِ، وَتَوَافَى إِلَيْهِ بِهَا وُفُودُ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ، قَالَ: فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَقَدْ بُسِطَ لَهُ فِي مَجَالِسَ مشرفةٍ، مطلةٍ عَلَى مَا شُقَّ لَهُ مِنَ الأَنْهَارِ الْمُحِفَّةِ بِالزَّيْتُونِ فِي سَائِرِ الأَشْجَارِ، فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ! هَلْ فِيكُمْ مِثْلُ هَذِهِ الْمَصَانِعِ؟ قَالُوا: لَا، غَيْرَ أَنَّ فِينَا قَبْرَ نَبِيِّنَا الْمُرْسل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، ثُمّ الْتَفَتَ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَقَالَ: أَفِيكُمْ مِثْلُ هَذِهِ الْمَصَانِعِ؟ قَالُوا: لَا، غَيْرَ أَنَّ فِينَا تِلاوَةَ كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَقَالَ: أَفِيكُمْ مِثْلُ هَذِهِ الْمَصَانِعِ؟ قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ خَالِدُ بْنُ صَفْوَانَ: فَقَالَ: أَصْلَحَ اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ هَؤُلاءِ قَدْ أَقَرُّوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَهُ لسانٌ وبيانٌ لأَجَابَ عَنْهُمْ، فَقَالَ لَهُ هِشَامٌ: أَفَعِنْدَكَ غَيْرُ مَا قَالُوا؟ قَالَ: نَعَمْ، أَصِفُ بِلادِي، وَقَدْ رَأَيْتُ بِلادَكَ نَفْسَهَا، فَقَالَ: هَاتِ، فَقَالَ: يَعْدُو قَانِصُنَا فَيَجِيءُ هَذَا بالشَّبُّوط والشِّيم، وَيَجِيء هَذَا بالظَّبْي والظَّلِيم، وَنحن أكثرُ النّاس عاجًا وساجًا، وخزًّا وديباجاً، وخريدة مغناجاً، وبرذرناً هِمْلاجًا، وَنحن أَكثر النّاس فَيْدًا ونقدًا، وَنحن أوسعُ الناسِ بَرِّيَّةً، وأريفهم بحريَّة، وَأَكْثَرهم ذُرِّيَّة وأبعدُهُم سَريَة، بُيُوتنَا ذهب، ونهرنا عجب، أَوله رُطب، وآخرهُ عِنَب، وأوسطُه قَصَب. فأمّا نهرهُ العجبُ، فَإِن الماءَ يُقبل وَلَهُ عُبَاب وَنحن نيامٌ عَلَى فُرُشِنا، حَتَّى يدْخل بأرضنا، فيغْسِل آنيتَها، وَيَعْلُو مَتْنَها، فنبلغ مِنْهُ حاجتنا، وَنحن عَلَى فرشنا، لَا نُنافِسُ فِيهِ من قِلَّة، وَلا نُمنَعُ مِنْهُ لِذِلَّة، يأتينا عِنْد حاجتنا إِلَيْهِ، وَيذْهب عَنَّا عِنْد ريِّنا مِنْهُ، وغناءنا عَنْهُ. النخلُ عندنَا فِي منابته، كالزَّيتون عنْدكُمْ فِي مَنَازِله، فَذَلِك فِي أَوَانه، كَهَذا فِي إبّانه، ذَاك فِي أفنانه، كَهَذا فِي أغصانه، يخرجُ أَسْفَاطًا عِظامًا وأوساطًا، ثُمّ ينغلقُ عَنْ قضبان الْفِضَّة منظومة بالزبرجد الْأَخْضَر، ثُمّ يصير أصفر وأحمر، ثُمّ يصير عسلا فِي شَنِّه، مرتتجًا بِقَرَبِه، وَلا إِنَاء حولهَا الْمُذَاب، ودونها الحراب، لَا يقربهَا الذُّبَاب، مَرْفُوعَة عَنِ التُّرَاب، من الرَّاسِخاتِ فِي الوَحْل، الْمُلْقَحَاتِ بالفَحْل، الْمُطْعِمَات فِي المَحْل. وأمّا بيوتُنا الذَّهَب فَإنَّا لنا عَلَيْهِنَّ خَرْجًا فِي السنين والشهور نَأْخُذهُ فِي أوقاته، وَيدْفَع اللَّه عَنْهُ آفاته، وننفقه فِي مرضاته. قَالَ: فَقَالَ هِشَام: وأنّي لَكُمُ هَذَا يَا ابْن صَفْوَان وَلَمْ تسبقوا إِلَيْهِ، وَلَمْ تغلبُوا عَلَيْه؟ فَقَالَ: ورثناه عَنِ الْآبَاء ونَغْمُرُه للأبناء، ويدفعُ لنا عَنْهُ ربُّ السَّمَاء، فمثلُنا فِيهِ كَمَا قَالَ أَوْسُ بْن مَغْراء الشَّاعِر: فمهما كَانَ مِنْ خيرٍ فإنَّا ... وَرِثْنَاهُ أَوَائِلَ أوَّلِينَا

стр. 212

ونحنُ مُوَرِّثُوه كَمَا وَرِثْنا ... عَنِ الْآبَاء إِن مِتْنا بنينَا قَالَ: فَقَالَ هِشَام: للَّهِ دَرُّكَ يَا ابْن صَفْوَان، لقَدْ أُوتيتَ لِسَانا وعِلْمًا وبيانًا، فأكرمَهُ وأحسنَ جائزته وقَدَّمه عَلَى أَصْحَابه. السَّبَب فِي عزل شريك بْن عَبْد اللَّه القَاضِي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْقَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْمَرْزُبَان، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْر العامري، حَدَّثَنَا مُصْعَب بْن عَبْد اللَّه الزُّبَيْريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: تقدَّم إِلَى شريك بْن عَبْد اللَّه وَكيل لمُؤْنِسَةَ مَعَ خصمٍ لَهُ، فَجعل يستطيل عَلَى خَصْمه إدْلالا بموضعه من مُؤْنِسَة. فَقَالَ لَهُ شريكٌ: كُفَّ لَا أَبا لَك فَقَالَ: أتقولُ هَذَا لي وَأَنا وكيلُ مُؤنسة؟! فأمَرَ بِهِ فصُفِعَ عَشْرَ صفعاتٍ فَانْصَرف يجْرِي وَدخل عَلَى مُؤْنِسَة وشَكَا لَهَا، فكتبتْ مُؤنِسَة إِلَى المهديِّ فعزل شَرِيكًا. وَكَانَ قبلَ هَذَا بيسيرٍ قَدْ دخل شريكٌ عَلَى الْمهْدي، فَقَالَ لَهُ: مَا يَنْبَغِي لَك تَقَلُّدُ الْحِكم بَيْنَ الْمُسْلِمِين، قَالَ: وَلِمَ؟! قَالَ: لخلافك عَلَى الْجَمَاعَة، وقولك بِالْإِمَامَةِ. قَالَ: أما قَوْلك: لخلافك عَلَى الْجَمَاعَة، فَعَن الْجَمَاعَة أخذتُ ديني، فَكيف أخرج عَنْهُمْ وهم أُصَلِّي فِي ديني؟ وأمّا قَوْلك: بِالْإِمَامَةِ، فَمَا أعرف إِمَامًا إِلا كتاب اللَّه وَسنة رَسُوله ﵌، وَأما قولُك: مثلك لَا يَنْبَغِي لَهُ الحكم بَين المسليمن، فَهَذَا شيءٌ أَنْتُم فعلتموه فَإِن كَانَ خطأ فاستغفروا اللَّهَ مِنْهُ، وَإِن كَانَ صَوَابا فأمسكوا عَلَيْه. قَالَ: مَا تقولُ فِي عليِّ بْن أَبِي طَالِب؟ قَالَ: مَا قَالَ عَنْهُ جَدَّاك الْعَبَّاسُ وعبدُ اللَّه قَالَ: وَمَا قَالا عَنْهُ؟ قَالَ: أما الْعَبَّاسُ فَمَاتَ وعليُّ عِنْده أفضل الصَّحَابَة، وَقَدْ كَانَ يرى كبراء الْمُهَاجِرين يسألونه عَمَّا ينزل من النَّوَازِل، وَمَا احْتَاجَ هُوَ إِلَى أحدٍ حَتَّى لحق بِاللَّه تَعَالَى، وَأما عَبْد اللَّه فَإنَّهُ كَانَ يَضْربُ بَيْنَ يَدَيْهِ بسيفين، وَكَانَ فِي حروبه رَأْسا مُتَّبعًا وَقَائِدًا مُطَاعًا، فَإِن كانتْ إمامةُ عليٍّ جَوْرًا لَكَانَ أوَّلَ من يقعدُ عَنْهَا أَبوك لعلمه بدين اللَّهِ تَعَالَى وفقهه فِي أَحْكَام اللَّه. فَسكت المهديُّ وأطرق، وَلَمْ يَمْضِ بعد هَذَا الْمجْلس إِلا قليلٌ حَتَّى عَزَل شريك. لَطِيفَة بَيْنَ خَالِد بْن عَبْد اللَّه وأعرابي قَصده حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن الْقَاسِم الكوكبي، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن كثير الْعَبْدِيّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْملك بْن قُرَيْب الْأَصْمَعِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَر بْن الْهَيْثَم، قَالَ: بَيْنَمَا خَالِد بْن عَبْد اللَّه بظَهْرِ الْكُوفة مُتَنَزِّهًا إذْ حَضَره أعرابيُّ، فَقَالَ: يَا أَعْرَابِي! أَيْنَ تُرِيدُ؟ فَقَالَ: هَذِهِ الْقرْيَة - يَعْنِي الْكُوفَة - قَالَ: وماذا تحاولُ بهَا؟ قَالَ: قصدتُ خَالِد بْن عَبْد اللَّه متعرِّضًا لمعروفه، قَالَ: فَهَل تعرِفُه؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَل بَيْنك وَبَينه قرَابَة؟ قَالَ: لَا، ولكنْ لِمَا بَلَغنِي من بَذْله

стр. 213

المعروفَ، وَقَدْ قُلْتُ فِيهِ شعرًا أتقرَّبُ بِهِ إِلَيْهِ، قَالَ: فأنشِدْني مِمَّا قُلْتُ فِيهِ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ: إليكَ ابنَ كُرْزِ الخَيْر أقبلتُ رَاغِبًا ... لتجبُرَ منّي مَا وَهى وتبدَّدا إِلَى الْمَاجِد الْبُهْلولِ ذِي الْحلم والنَّدى ... وأكرمِ خَلْقِ اللَّهِ فرعا ومَحْتَدَا إِذا مَا أناسٌ قصَّرُوا فِي فَعَالِهمْ ... نَهَضْتَ فَلم يُلْفَى هُنَالك مَقْعَدَا فيا لَك بحرًا يَغْمُرُ النَّاسَ مَوْجُهُ ... إِذا يُسْأَلُ المعروفُ جاشَ وأزْبدا بلوتُ ابْن عَبْد اللَّهِ فِي كُلّ موطنٍ ... فألفيتُ خير النّاس نَفْسًا وأمْجدا فَلَو كَانَ فِي الدُّنْيَا من النّاس خالدٌ ... لجودٍ بِمَعْرُوف لَكُنْت مُخَلَّدا فَلَا تَحْرِمَنِّي مِنْك مَا قَدْ رجوتُهُ ... فيصبحَ وَجْهي كَالِحَ اللَّونِ أرْبَدا فحفظ خَالِد الشّعْر، وقَالَ لَهُ: انْطَلِقْ، صَنَعَ اللَّه لَك. فَلَمَّا كَانَ من غدٍ وَدخل الناسُ إِلَى خالدٍ واسْتوى السِّماطانِ بَيْنَ يَدَيْهِ، تقدَّمَ الأَعْرابي وَهُوَ يَقُولُ: إليكِ ابنَ عبدِ الْقَيْس، فَأَشَارَ إِلَيْهِ خالدٌ بِيَدِهِ أَن اسْكُتْ. ثُمّ أنْشد خَالِد بَقِيَّة الشّعْر، وقَالَ لَهُ: يَا أعرابيُّ! قَدْ قِيلَ هَذَا الشّعْر قبل قَوْلك، فتحَّير الأعرابيُّ وَورد عَلَيْه مَا أدْهَشَه، وقَالَ: واللَّه مَا رأيتُ كَالْيَوْمِ سَبَبًا لخيبةٍ وحِرْمان، فانصرفَ وأتْبَعَهُ خالدٌ برسولٍ ليسمعَ مَا يَقُولُ، فَسَمعهُ الرسولُ يَقُولُ: أَلا فِي سَبِيل اللَّهِ ماكنت أَرْتَجِي ... لديْهِ وَمَا لاقَيْتُ من نَكَدِ الجَدِّ دخلْتُ عَلَى بحرٍ يجودُ بمالِهِ ... ويُعطي كثيرَ المالِ فِي طلب الحَمْدِ فحالَفَني الجَدُّ المشومُ لِشِقْوتِي ... وقارنني نَحْسِي وفارَقَني سَعْدِي فَلَو كَانَ لي رزقٌ لَدَيْهِ لَنِلْتُهُ ... وَلكنه أمرٌ من الْوَاحِد الفَرْدِ فَقَالَ لَهُ الرسولُ: أجب الْأَمِير، فَلَمَّا انْتهى إِلَى خالدٍ، قَالَ لَهُ: كَيفَ قُلْتُ فأنشده، ثُمّ استعاده فَأَعَادَهُ ثَلَاثًا إعجابًا مِنْهُ بِهِ، ثُمّ أَمر لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم. تَعْلِيق نحْوي قَوْله: فَلم يُلْفَى، وَالْوَجْه: لَمْ يُلْفَ، وَلكنه اضْطُرَّ فجَاء بِهِ عَلَى الأَصْل، كَمَا قَالَ الشَّاعِر: أَلَمْ يأتِيكَ والأَنْبِاء تَنْمِي ... بِمَا لاقتْ لَبُونُ بني زيَادِ وَقَد استقصينا هَذَا الْبَاب فِي غَيْر هَذَا الْموضع. اعفني من أَربع حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن الأَزْدِيّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا بعض أَصْحَابنَا، قَالَ: كَانَ عبد الملك بْن مَرْوَان إِذا دخل عَلَيْه رجلٌ من أفقٍ

стр. 214

من الْآفَاق، قَالَ لَهُ: اعْفني من أَربع، وقُلْ بعدَها مَا شئتَ أَلا تكْذِبْني فَإِن الكَذُوب لَا رَأْي لَهُ، وَلا تُجِبْنِي فِيمَا لَا أسألُك عَنْهُ، فَإِن فِي الَّذِي أَسأَلك عَنْهُ شغلا عَمّا سِوَاه، وَلا تحملْني عَلَى الرّعية، فَإِنَّهُم إِلَى مَعْدَلَتِي ورأفَتي أحْوَج. الزَّرع وَالْجَرَاد حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن عليّ بْن الْمَرْزُبَان النَّحْويّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَن الأَسَديّ أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن صَالِح بْن شيخ بْن عُمَيْرة، حَدثنَا عبد الرحمن بْن أَخِي الْأَصْمَعِي، عَنْ عمّه الْأَصْمَعِي، قَالَ: قِيلَ لأعرابيٍّ: أَكَانَ لَك زَرْعٌ؟ قَالَ: نعم، وَلَكِن أَتَانَا رجلٌ من جَراد، تَنَبَّل مناجل الحَصاد، فسُبحان مهلك القويِّ الأكُول، بالضَّعيفِ المأكُول. المتفضِّلُ جَاوز حدَّ الْمنصف حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد بْن عِيسَى بْن خَلَف السُّكري، حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى زَكَرِيّا بْن يَحْيَى بْن خَلاد الْمِنْقَرِيّ الْبَصْرِيّ الصَّيْرفيّ، ثَنَا الْأَصْمَعِي، عَمَّن أخبرهُ: أَن أَبَا جَعْفَر المَنْصُور حِين عَفَا عَنْ أَهْل الشَّام، قَالَ لَهُ رجلٌ، يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين! الانتقامُ عدلٌ والتجاوزُ فَضْل، والْمُتفضِّلُ قَدْ جَاوز حَدَّ الْمُنْصِف، فَنحْن نُعِيذُ أَمِير الْمُؤْمِنِين بِاللَّه من أَن يَرْضى لنَفسِهِ بأوْكَسِ النَّصِيبين، وأَلا يرتفعَ إِلَى أَعلَى الدَّرَجتين. المجِلسُ التَاسِع والْعِشروُن النّاس سَوَاء كأسنان الْمشْط حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُفَضَّلِ بْنِ حَيَّانَ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو حَمْزَةَ إِدْرِيسُ بْنُ يُونُسَ الْفَرَّاءُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ بْنِ سَاجٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : " النَّاسُ سَوَاءٌ كَأَسْنَانِ الْمُشْطِ، وَإِنَّمَا يَتَفَاضَلُونَ بِالْعَافِيَةِ، وَالْمَرْءُ كثيرٌ بِأَخِيهِ، وَلا خَيْرَ لَكَ فِي صُحْبَةِ مَنْ لَا يَرَى لَكَ مِثْلَ مَا تَرَى لَهُ ". قَالَ القَاضِي: وَقَدْ تضمَّن هَذَا الْخَبَر بألفاظه اللطيفة الجامعة، ومعانية الشَّرِيفَة النافعة، حِكَمًا متقبَّلةً فِي الْعقل، ثَابِتَة فِي الْفَضْل، راجحةً فِي ميزَان الْعدْل. وَقَوله ﵇: " الناسُ سواءٌ كأسْنان الْمُشْط " من أَبْيَنِ الْكَلَام النَّبيه، وَأحسن التَّمْثِيل والتشبيه، وَقَدْ قَالَ الشَّاعِر: سواسيةٌ كأسْنان الْحِمَار فنحا هَذَا النحوَ فِي الْعبارَة من التَّساوي والتشاكُل، والاشتباه والتماثُل. فأمّا قَول هَذَا الشَّاعِر: سواسية.. فَإِن بعض عُلَمَاء أَهْل اللُّغة ذكر أَن السَّواسية هُمُ المتساوون فِي الشَّبَه، وَأَن هَذَا القَوْل إِنَّمَا يُستعمل فِي الذَّم، وقولُ النَّبِيّ ﷺ : " النَّاسُ سواءٌ كَأَسْنَانِ الْمشْط، وَإِنَّمَا يتفاضلون بالعافية "، تَأْدِيب لَهُم وحَضٌّ لَهُم عَلَى تفكُّرِهِم فِي أنفسهم، وَأَنَّهُمْ يتساوون فِي الأَصْل، ويتفقون فِي الخَلْقَ والْجِبِلّ، ويتفاوتون فِي منَازِل

стр. 215

الْفَضْل، ليرجعوا إِلَى الْمعرفَة بِأَنْفسِهِم، ويتنزهوا عَنِ المنافسة الَّتِي تُفْسِدُ ذاتَ بَيْنهم، ويجتنبوا البَغْيَ والتفاخُرَ، والاستطالة بالتكاثر، وليشكُرِ الْمُفَضَّل مِنْهُم ربه ، إِذْ أَبَانَهُ بِالْفَضْلِ عَلَى من سواهُ، وخصّه بنعمته دون كثير مِمَّنْ عداهُ، وَيُؤَدِّي حق مَوْلَاهُ فِيمَا أولاه وأبلاه، فَإِن النّاس عَلَى مَا جَاءَ فِي الْأَثر مُعَافى ومُبْتلى، وَقَدْ أحسن الَّذِي يَقُولُ: الناسُ أشكالٌ وشَتَّى فِي الشِّيَمْ ... وكُلُّهُمْ يجمَعُهُ بيتُ الأَدَمْ وَقَوله ﵇: " المَرْءُ كثيرٌ بأَخيه " من بليغ الْكَلَام ونفيس الْحِكَم، لِأَن الْمَرْء يشد أَخَاهُ ويؤازره، ويُعَضِّدُه ويناصره، وَقَدْ أَتَى الْخَبَر فِي الأُمَّةِ الهادية أَنَّهَا كالْبُنْيان يَشُدُّ بعضُه بَعْضًا. وَجَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ ذَكَرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَنَاصُرِهِمْ وَتَوَاصُلِهِمْ، أَنَّهُمْ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى عَضْوٌ مِنْ أَعْضَائِهِ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى. وَقَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ بُرْدَةَ، حَدثنَا أَبُو شهَاب، عَن الْحسن، وَعَمْرو، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الْمُسْلِمُونَ كرجلٍ وَاحِدٍ، إِذَا اشْتَكَى عضوٌ مِنْ أَعْضَائِهِ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ ". وَفِي استقصاء مَا جَاءَ فِي التعاطف والتواصل، والمصافاة والتباذل، من الرِّوَايَات والْآثَار، والحكايات وَالْأَخْبَار، وتُنُوشد من منظوم الأَشْعَار، طولٌ لَيْسَ هَذَا من مَوْضِعه، واشتهارهُ عِنْد الْعَامَّة والخاصة، يُغني عَنِ الإسهاب فِيهِ، والإطناب فِي ذكره، وإحضار جُمَيْع مَا قِيلَ فِيهِ، وَمَا خَالفه، وَإِنِّي لأستحسنُ مَا أنشدتُه عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْمُعْتَزّ وَهُوَ: للَّهِ أخوانٌ صَحِبْتُهُمُ ... لَا يملِكُونَ لسلوةٍ قَلْبَا لَوْلَا تستطيعُ نفوسُهُمْ بَعُدتْ ... أجْسامُهُمْ فتعانقتْ حُبَّا وَقَوله فِي الْخَبَر: " وَلا خَيْرَ لَكَ فِي صُحْبَةِ مَنْ لَا يَرَى لَكَ مِثْلَ مَا ترى لَهُ ". من أفْصح لفظٍ، وأوضحِ معنى. وتأويله عِنْدِي: أَنَّهُ لَا خير لامرىء فِي صُحْبَةِ مَنْ لَا يَرَى لِأَخِيهِ من المناصحة والمكافأة والمخالصة، وَأخذ نَفسه لَهُ بالإنصاف والمساعدة، والإسعاف والمرافدة، مثل الَّذِي يرَاهُ لَهُ أَخُوهُ من ذَلِكَ، وَمن كَانَ لِأَخِيهِ الصَّادِقِ فِي مؤاخاته بِهَذِهِ الْمنزلَة فَهُوَ بالعدو أشبه مِنْهُ بالولي. وَقَد اخْتلف ذَوُو الْفُحْص والتفتيش من أَصْحَاب الْمعَانِي، فِي قَول الشَّاعِر: وَإِنِّي لأستحيي أَخِي أَن أرَى لَهُ ... عَلَيَّ مِنَ الحَقّ الَّذِي لَا يرَى ليَا فَقَالَ بَعضهم: مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يرى أَن لي عَلَيْه حَقًا حسب مَا أرى لَهُ من وجوب حَقه عَلَى، ووجَّهُوه إِلَى نَحْو مَا تأوَّلنَاه. وقَالَ بعض الْمُحَقِّقين من هَذِهِ الطَّائِفَة والمتحققين بتحصيل مَعَانِيهَا:
следующие страницы →