Полный текст (740 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
من بلاغة خَالِد بْن صَفْوَان وحُسْنِ كَلَامه
حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْخُتُلِّيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو حَفْص النَّسَائيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْنُ عَمْرٍو، عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ، قَالَ:
خَرَجَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَمَعَهُ مَسْلَمَةَ أَخُوهُ إِلَى مَصَانِعَ قَدْ هُيِّئَتْ لَهُ وَزُيِّنَتْ بِأَنْوَاعِ النَّبْتِ، وَتَوَافَى إِلَيْهِ بِهَا وُفُودُ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ، قَالَ: فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَقَدْ بُسِطَ لَهُ فِي مَجَالِسَ مشرفةٍ، مطلةٍ عَلَى مَا شُقَّ لَهُ مِنَ الأَنْهَارِ الْمُحِفَّةِ بِالزَّيْتُونِ فِي سَائِرِ الأَشْجَارِ، فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ! هَلْ فِيكُمْ مِثْلُ هَذِهِ الْمَصَانِعِ؟ قَالُوا: لَا، غَيْرَ أَنَّ فِينَا قَبْرَ نَبِيِّنَا الْمُرْسل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، ثُمّ الْتَفَتَ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَقَالَ: أَفِيكُمْ مِثْلُ هَذِهِ الْمَصَانِعِ؟ قَالُوا: لَا، غَيْرَ أَنَّ فِينَا تِلاوَةَ كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَقَالَ: أَفِيكُمْ مِثْلُ هَذِهِ الْمَصَانِعِ؟ قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ خَالِدُ بْنُ صَفْوَانَ: فَقَالَ: أَصْلَحَ اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ هَؤُلاءِ قَدْ أَقَرُّوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَهُ لسانٌ وبيانٌ لأَجَابَ عَنْهُمْ، فَقَالَ لَهُ هِشَامٌ: أَفَعِنْدَكَ غَيْرُ مَا قَالُوا؟ قَالَ: نَعَمْ، أَصِفُ بِلادِي، وَقَدْ رَأَيْتُ بِلادَكَ نَفْسَهَا، فَقَالَ: هَاتِ، فَقَالَ: يَعْدُو قَانِصُنَا فَيَجِيءُ هَذَا بالشَّبُّوط والشِّيم، وَيَجِيء هَذَا بالظَّبْي والظَّلِيم، وَنحن أكثرُ النّاس عاجًا وساجًا، وخزًّا وديباجاً، وخريدة مغناجاً، وبرذرناً هِمْلاجًا، وَنحن أَكثر النّاس فَيْدًا ونقدًا، وَنحن أوسعُ الناسِ بَرِّيَّةً، وأريفهم بحريَّة، وَأَكْثَرهم ذُرِّيَّة وأبعدُهُم سَريَة، بُيُوتنَا ذهب، ونهرنا عجب، أَوله رُطب، وآخرهُ عِنَب، وأوسطُه قَصَب.
فأمّا نهرهُ العجبُ، فَإِن الماءَ يُقبل وَلَهُ عُبَاب وَنحن نيامٌ عَلَى فُرُشِنا، حَتَّى يدْخل بأرضنا، فيغْسِل آنيتَها، وَيَعْلُو مَتْنَها، فنبلغ مِنْهُ حاجتنا، وَنحن عَلَى فرشنا، لَا نُنافِسُ فِيهِ من قِلَّة، وَلا نُمنَعُ مِنْهُ لِذِلَّة، يأتينا عِنْد حاجتنا إِلَيْهِ، وَيذْهب عَنَّا عِنْد ريِّنا مِنْهُ، وغناءنا عَنْهُ.
النخلُ عندنَا فِي منابته، كالزَّيتون عنْدكُمْ فِي مَنَازِله، فَذَلِك فِي أَوَانه، كَهَذا فِي إبّانه، ذَاك فِي أفنانه، كَهَذا فِي أغصانه، يخرجُ أَسْفَاطًا عِظامًا وأوساطًا، ثُمّ ينغلقُ عَنْ قضبان الْفِضَّة منظومة بالزبرجد الْأَخْضَر، ثُمّ يصير أصفر وأحمر، ثُمّ يصير عسلا فِي شَنِّه، مرتتجًا بِقَرَبِه، وَلا إِنَاء حولهَا الْمُذَاب، ودونها الحراب، لَا يقربهَا الذُّبَاب، مَرْفُوعَة عَنِ التُّرَاب، من الرَّاسِخاتِ فِي الوَحْل، الْمُلْقَحَاتِ بالفَحْل، الْمُطْعِمَات فِي المَحْل.
وأمّا بيوتُنا الذَّهَب فَإنَّا لنا عَلَيْهِنَّ خَرْجًا فِي السنين والشهور نَأْخُذهُ فِي أوقاته، وَيدْفَع اللَّه عَنْهُ آفاته، وننفقه فِي مرضاته.
قَالَ: فَقَالَ هِشَام: وأنّي لَكُمُ هَذَا يَا ابْن صَفْوَان وَلَمْ تسبقوا إِلَيْهِ، وَلَمْ تغلبُوا عَلَيْه؟ فَقَالَ: ورثناه عَنِ الْآبَاء ونَغْمُرُه للأبناء، ويدفعُ لنا عَنْهُ ربُّ السَّمَاء، فمثلُنا فِيهِ كَمَا قَالَ أَوْسُ بْن مَغْراء الشَّاعِر:
فمهما كَانَ مِنْ خيرٍ فإنَّا ... وَرِثْنَاهُ أَوَائِلَ أوَّلِينَا
стр. 212
ونحنُ مُوَرِّثُوه كَمَا وَرِثْنا ... عَنِ الْآبَاء إِن مِتْنا بنينَا
قَالَ: فَقَالَ هِشَام: للَّهِ دَرُّكَ يَا ابْن صَفْوَان، لقَدْ أُوتيتَ لِسَانا وعِلْمًا وبيانًا، فأكرمَهُ وأحسنَ جائزته وقَدَّمه عَلَى أَصْحَابه.
السَّبَب فِي عزل شريك بْن عَبْد اللَّه القَاضِي
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْقَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْمَرْزُبَان، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْر العامري، حَدَّثَنَا مُصْعَب بْن عَبْد اللَّه الزُّبَيْريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: تقدَّم إِلَى شريك بْن عَبْد اللَّه وَكيل لمُؤْنِسَةَ مَعَ خصمٍ لَهُ، فَجعل يستطيل عَلَى خَصْمه إدْلالا بموضعه من مُؤْنِسَة.
فَقَالَ لَهُ شريكٌ: كُفَّ لَا أَبا لَك فَقَالَ: أتقولُ هَذَا لي وَأَنا وكيلُ مُؤنسة؟! فأمَرَ بِهِ فصُفِعَ عَشْرَ صفعاتٍ فَانْصَرف يجْرِي وَدخل عَلَى مُؤْنِسَة وشَكَا لَهَا، فكتبتْ مُؤنِسَة إِلَى المهديِّ فعزل شَرِيكًا.
وَكَانَ قبلَ هَذَا بيسيرٍ قَدْ دخل شريكٌ عَلَى الْمهْدي، فَقَالَ لَهُ: مَا يَنْبَغِي لَك تَقَلُّدُ الْحِكم بَيْنَ الْمُسْلِمِين، قَالَ: وَلِمَ؟! قَالَ: لخلافك عَلَى الْجَمَاعَة، وقولك بِالْإِمَامَةِ.
قَالَ: أما قَوْلك: لخلافك عَلَى الْجَمَاعَة، فَعَن الْجَمَاعَة أخذتُ ديني، فَكيف أخرج عَنْهُمْ وهم أُصَلِّي فِي ديني؟ وأمّا قَوْلك: بِالْإِمَامَةِ، فَمَا أعرف إِمَامًا إِلا كتاب اللَّه وَسنة رَسُوله ﵌، وَأما قولُك: مثلك لَا يَنْبَغِي لَهُ الحكم بَين المسليمن، فَهَذَا شيءٌ أَنْتُم فعلتموه فَإِن كَانَ خطأ فاستغفروا اللَّهَ مِنْهُ، وَإِن كَانَ صَوَابا فأمسكوا عَلَيْه.
قَالَ: مَا تقولُ فِي عليِّ بْن أَبِي طَالِب؟ قَالَ: مَا قَالَ عَنْهُ جَدَّاك الْعَبَّاسُ وعبدُ اللَّه قَالَ: وَمَا قَالا عَنْهُ؟
قَالَ: أما الْعَبَّاسُ فَمَاتَ وعليُّ عِنْده أفضل الصَّحَابَة، وَقَدْ كَانَ يرى كبراء الْمُهَاجِرين يسألونه عَمَّا ينزل من النَّوَازِل، وَمَا احْتَاجَ هُوَ إِلَى أحدٍ حَتَّى لحق بِاللَّه تَعَالَى، وَأما عَبْد اللَّه فَإنَّهُ كَانَ يَضْربُ بَيْنَ يَدَيْهِ بسيفين، وَكَانَ فِي حروبه رَأْسا مُتَّبعًا وَقَائِدًا مُطَاعًا، فَإِن كانتْ إمامةُ عليٍّ جَوْرًا لَكَانَ أوَّلَ من يقعدُ عَنْهَا أَبوك لعلمه بدين اللَّهِ تَعَالَى وفقهه فِي أَحْكَام اللَّه.
فَسكت المهديُّ وأطرق، وَلَمْ يَمْضِ بعد هَذَا الْمجْلس إِلا قليلٌ حَتَّى عَزَل شريك.
لَطِيفَة بَيْنَ خَالِد بْن عَبْد اللَّه وأعرابي قَصده
حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن الْقَاسِم الكوكبي، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن كثير الْعَبْدِيّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْملك بْن قُرَيْب الْأَصْمَعِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَر بْن الْهَيْثَم، قَالَ: بَيْنَمَا خَالِد بْن عَبْد اللَّه بظَهْرِ الْكُوفة مُتَنَزِّهًا إذْ حَضَره أعرابيُّ، فَقَالَ: يَا أَعْرَابِي! أَيْنَ تُرِيدُ؟ فَقَالَ: هَذِهِ الْقرْيَة - يَعْنِي الْكُوفَة - قَالَ: وماذا تحاولُ بهَا؟ قَالَ: قصدتُ خَالِد بْن عَبْد اللَّه متعرِّضًا لمعروفه، قَالَ: فَهَل تعرِفُه؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَل بَيْنك وَبَينه قرَابَة؟ قَالَ: لَا، ولكنْ لِمَا بَلَغنِي من بَذْله
стр. 213
المعروفَ، وَقَدْ قُلْتُ فِيهِ شعرًا أتقرَّبُ بِهِ إِلَيْهِ، قَالَ: فأنشِدْني مِمَّا قُلْتُ فِيهِ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
إليكَ ابنَ كُرْزِ الخَيْر أقبلتُ رَاغِبًا ... لتجبُرَ منّي مَا وَهى وتبدَّدا
إِلَى الْمَاجِد الْبُهْلولِ ذِي الْحلم والنَّدى ... وأكرمِ خَلْقِ اللَّهِ فرعا ومَحْتَدَا
إِذا مَا أناسٌ قصَّرُوا فِي فَعَالِهمْ ... نَهَضْتَ فَلم يُلْفَى هُنَالك مَقْعَدَا
فيا لَك بحرًا يَغْمُرُ النَّاسَ مَوْجُهُ ... إِذا يُسْأَلُ المعروفُ جاشَ وأزْبدا
بلوتُ ابْن عَبْد اللَّهِ فِي كُلّ موطنٍ ... فألفيتُ خير النّاس نَفْسًا وأمْجدا
فَلَو كَانَ فِي الدُّنْيَا من النّاس خالدٌ ... لجودٍ بِمَعْرُوف لَكُنْت مُخَلَّدا
فَلَا تَحْرِمَنِّي مِنْك مَا قَدْ رجوتُهُ ... فيصبحَ وَجْهي كَالِحَ اللَّونِ أرْبَدا
فحفظ خَالِد الشّعْر، وقَالَ لَهُ: انْطَلِقْ، صَنَعَ اللَّه لَك.
فَلَمَّا كَانَ من غدٍ وَدخل الناسُ إِلَى خالدٍ واسْتوى السِّماطانِ بَيْنَ يَدَيْهِ، تقدَّمَ الأَعْرابي وَهُوَ يَقُولُ: إليكِ ابنَ عبدِ الْقَيْس، فَأَشَارَ إِلَيْهِ خالدٌ بِيَدِهِ أَن اسْكُتْ.
ثُمّ أنْشد خَالِد بَقِيَّة الشّعْر، وقَالَ لَهُ: يَا أعرابيُّ! قَدْ قِيلَ هَذَا الشّعْر قبل قَوْلك، فتحَّير الأعرابيُّ وَورد عَلَيْه مَا أدْهَشَه، وقَالَ: واللَّه مَا رأيتُ كَالْيَوْمِ سَبَبًا لخيبةٍ وحِرْمان، فانصرفَ وأتْبَعَهُ خالدٌ برسولٍ ليسمعَ مَا يَقُولُ، فَسَمعهُ الرسولُ يَقُولُ:
أَلا فِي سَبِيل اللَّهِ ماكنت أَرْتَجِي ... لديْهِ وَمَا لاقَيْتُ من نَكَدِ الجَدِّ
دخلْتُ عَلَى بحرٍ يجودُ بمالِهِ ... ويُعطي كثيرَ المالِ فِي طلب الحَمْدِ
فحالَفَني الجَدُّ المشومُ لِشِقْوتِي ... وقارنني نَحْسِي وفارَقَني سَعْدِي
فَلَو كَانَ لي رزقٌ لَدَيْهِ لَنِلْتُهُ ... وَلكنه أمرٌ من الْوَاحِد الفَرْدِ
فَقَالَ لَهُ الرسولُ: أجب الْأَمِير، فَلَمَّا انْتهى إِلَى خالدٍ، قَالَ لَهُ: كَيفَ قُلْتُ فأنشده، ثُمّ استعاده فَأَعَادَهُ ثَلَاثًا إعجابًا مِنْهُ بِهِ، ثُمّ أَمر لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم.
تَعْلِيق نحْوي
قَوْله: فَلم يُلْفَى، وَالْوَجْه: لَمْ يُلْفَ، وَلكنه اضْطُرَّ فجَاء بِهِ عَلَى الأَصْل، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
أَلَمْ يأتِيكَ والأَنْبِاء تَنْمِي ... بِمَا لاقتْ لَبُونُ بني زيَادِ
وَقَد استقصينا هَذَا الْبَاب فِي غَيْر هَذَا الْموضع.
اعفني من أَربع
حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن الأَزْدِيّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا بعض أَصْحَابنَا، قَالَ: كَانَ عبد الملك بْن مَرْوَان إِذا دخل عَلَيْه رجلٌ من أفقٍ
стр. 214
من الْآفَاق، قَالَ لَهُ: اعْفني من أَربع، وقُلْ بعدَها مَا شئتَ أَلا تكْذِبْني فَإِن الكَذُوب لَا رَأْي لَهُ، وَلا تُجِبْنِي فِيمَا لَا أسألُك عَنْهُ، فَإِن فِي الَّذِي أَسأَلك عَنْهُ شغلا عَمّا سِوَاه، وَلا تحملْني عَلَى الرّعية، فَإِنَّهُم إِلَى مَعْدَلَتِي ورأفَتي أحْوَج.
الزَّرع وَالْجَرَاد
حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن عليّ بْن الْمَرْزُبَان النَّحْويّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَن الأَسَديّ أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن صَالِح بْن شيخ بْن عُمَيْرة، حَدثنَا عبد الرحمن بْن أَخِي الْأَصْمَعِي، عَنْ عمّه الْأَصْمَعِي، قَالَ: قِيلَ لأعرابيٍّ: أَكَانَ لَك زَرْعٌ؟ قَالَ: نعم، وَلَكِن أَتَانَا رجلٌ من جَراد، تَنَبَّل مناجل الحَصاد، فسُبحان مهلك القويِّ الأكُول، بالضَّعيفِ المأكُول.
المتفضِّلُ جَاوز حدَّ الْمنصف
حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد بْن عِيسَى بْن خَلَف السُّكري، حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى زَكَرِيّا بْن يَحْيَى بْن خَلاد الْمِنْقَرِيّ الْبَصْرِيّ الصَّيْرفيّ، ثَنَا الْأَصْمَعِي، عَمَّن أخبرهُ:
أَن أَبَا جَعْفَر المَنْصُور حِين عَفَا عَنْ أَهْل الشَّام، قَالَ لَهُ رجلٌ، يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين! الانتقامُ عدلٌ والتجاوزُ فَضْل، والْمُتفضِّلُ قَدْ جَاوز حَدَّ الْمُنْصِف، فَنحْن نُعِيذُ أَمِير الْمُؤْمِنِين بِاللَّه من أَن يَرْضى لنَفسِهِ بأوْكَسِ النَّصِيبين، وأَلا يرتفعَ إِلَى أَعلَى الدَّرَجتين.
المجِلسُ التَاسِع والْعِشروُن
النّاس سَوَاء كأسنان الْمشْط
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُفَضَّلِ بْنِ حَيَّانَ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو حَمْزَةَ إِدْرِيسُ بْنُ يُونُسَ الْفَرَّاءُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ بْنِ سَاجٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : " النَّاسُ سَوَاءٌ كَأَسْنَانِ الْمُشْطِ، وَإِنَّمَا يَتَفَاضَلُونَ بِالْعَافِيَةِ، وَالْمَرْءُ كثيرٌ بِأَخِيهِ، وَلا خَيْرَ لَكَ فِي صُحْبَةِ مَنْ لَا يَرَى لَكَ مِثْلَ مَا تَرَى لَهُ ".
قَالَ القَاضِي: وَقَدْ تضمَّن هَذَا الْخَبَر بألفاظه اللطيفة الجامعة، ومعانية الشَّرِيفَة النافعة، حِكَمًا متقبَّلةً فِي الْعقل، ثَابِتَة فِي الْفَضْل، راجحةً فِي ميزَان الْعدْل.
وَقَوله ﵇: " الناسُ سواءٌ كأسْنان الْمُشْط " من أَبْيَنِ الْكَلَام النَّبيه، وَأحسن التَّمْثِيل والتشبيه، وَقَدْ قَالَ الشَّاعِر:
سواسيةٌ كأسْنان الْحِمَار
فنحا هَذَا النحوَ فِي الْعبارَة من التَّساوي والتشاكُل، والاشتباه والتماثُل.
فأمّا قَول هَذَا الشَّاعِر: سواسية.. فَإِن بعض عُلَمَاء أَهْل اللُّغة ذكر أَن السَّواسية هُمُ المتساوون فِي الشَّبَه، وَأَن هَذَا القَوْل إِنَّمَا يُستعمل فِي الذَّم، وقولُ النَّبِيّ ﷺ : " النَّاسُ سواءٌ كَأَسْنَانِ الْمشْط، وَإِنَّمَا يتفاضلون بالعافية "، تَأْدِيب لَهُم وحَضٌّ لَهُم عَلَى تفكُّرِهِم فِي أنفسهم، وَأَنَّهُمْ يتساوون فِي الأَصْل، ويتفقون فِي الخَلْقَ والْجِبِلّ، ويتفاوتون فِي منَازِل
стр. 215
الْفَضْل، ليرجعوا إِلَى الْمعرفَة بِأَنْفسِهِم، ويتنزهوا عَنِ المنافسة الَّتِي تُفْسِدُ ذاتَ بَيْنهم، ويجتنبوا البَغْيَ والتفاخُرَ، والاستطالة بالتكاثر، وليشكُرِ الْمُفَضَّل مِنْهُم ربه ، إِذْ أَبَانَهُ بِالْفَضْلِ عَلَى من سواهُ، وخصّه بنعمته دون كثير مِمَّنْ عداهُ، وَيُؤَدِّي حق مَوْلَاهُ فِيمَا أولاه وأبلاه، فَإِن النّاس عَلَى مَا جَاءَ فِي الْأَثر مُعَافى ومُبْتلى، وَقَدْ أحسن الَّذِي يَقُولُ:
الناسُ أشكالٌ وشَتَّى فِي الشِّيَمْ ... وكُلُّهُمْ يجمَعُهُ بيتُ الأَدَمْ
وَقَوله ﵇: " المَرْءُ كثيرٌ بأَخيه " من بليغ الْكَلَام ونفيس الْحِكَم، لِأَن الْمَرْء يشد أَخَاهُ ويؤازره، ويُعَضِّدُه ويناصره، وَقَدْ أَتَى الْخَبَر فِي الأُمَّةِ الهادية أَنَّهَا كالْبُنْيان يَشُدُّ بعضُه بَعْضًا.
وَجَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ ذَكَرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَنَاصُرِهِمْ وَتَوَاصُلِهِمْ، أَنَّهُمْ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى عَضْوٌ مِنْ أَعْضَائِهِ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى.
وَقَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ بُرْدَةَ، حَدثنَا أَبُو شهَاب، عَن الْحسن، وَعَمْرو، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الْمُسْلِمُونَ كرجلٍ وَاحِدٍ، إِذَا اشْتَكَى عضوٌ مِنْ أَعْضَائِهِ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ ".
وَفِي استقصاء مَا جَاءَ فِي التعاطف والتواصل، والمصافاة والتباذل، من الرِّوَايَات والْآثَار، والحكايات وَالْأَخْبَار، وتُنُوشد من منظوم الأَشْعَار، طولٌ لَيْسَ هَذَا من مَوْضِعه، واشتهارهُ عِنْد الْعَامَّة والخاصة، يُغني عَنِ الإسهاب فِيهِ، والإطناب فِي ذكره، وإحضار جُمَيْع مَا قِيلَ فِيهِ، وَمَا خَالفه، وَإِنِّي لأستحسنُ مَا أنشدتُه عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْمُعْتَزّ وَهُوَ:
للَّهِ أخوانٌ صَحِبْتُهُمُ ... لَا يملِكُونَ لسلوةٍ قَلْبَا
لَوْلَا تستطيعُ نفوسُهُمْ بَعُدتْ ... أجْسامُهُمْ فتعانقتْ حُبَّا
وَقَوله فِي الْخَبَر: " وَلا خَيْرَ لَكَ فِي صُحْبَةِ مَنْ لَا يَرَى لَكَ مِثْلَ مَا ترى لَهُ ". من أفْصح لفظٍ، وأوضحِ معنى.
وتأويله عِنْدِي: أَنَّهُ لَا خير لامرىء فِي صُحْبَةِ مَنْ لَا يَرَى لِأَخِيهِ من المناصحة والمكافأة والمخالصة، وَأخذ نَفسه لَهُ بالإنصاف والمساعدة، والإسعاف والمرافدة، مثل الَّذِي يرَاهُ لَهُ أَخُوهُ من ذَلِكَ، وَمن كَانَ لِأَخِيهِ الصَّادِقِ فِي مؤاخاته بِهَذِهِ الْمنزلَة فَهُوَ بالعدو أشبه مِنْهُ بالولي.
وَقَد اخْتلف ذَوُو الْفُحْص والتفتيش من أَصْحَاب الْمعَانِي، فِي قَول الشَّاعِر:
وَإِنِّي لأستحيي أَخِي أَن أرَى لَهُ ... عَلَيَّ مِنَ الحَقّ الَّذِي لَا يرَى ليَا
فَقَالَ بَعضهم: مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يرى أَن لي عَلَيْه حَقًا حسب مَا أرى لَهُ من وجوب حَقه عَلَى، ووجَّهُوه إِلَى نَحْو مَا تأوَّلنَاه.
وقَالَ بعض الْمُحَقِّقين من هَذِهِ الطَّائِفَة والمتحققين بتحصيل مَعَانِيهَا:
стр. 216
بل الْمَعْنى إِنِّي أستحيي أَخِي أَن أرى لَهُ عِنْدِي مِنْ فضلٍ سابقٍ مِنْهُ، مَالا يرى لي عِنْده من فضل، فَيكون قَدْ ثَبَّت عِنْدِي حقَّا لَمْ أُثَبِّتْ لنَفْسي عِنْده من الْحق مثلَه.
وَهَذَا أصح التَّأْويلَيْنِ، وأصوب المعنين، وَقَوله: وَإِنِّي لأستحيي أَخِي أَن أرى لَهُ ... ، يشهدُ بِصِحَّة هَذَا التَّأْوِيل، لِأَن قَائِلا لَو قَالَ لآخر: إِنِّي لأستحييك أَن آتِي من حسن عشرتك مَا لَا يَأْتِي مثله فِي معاشرتي، لَكَانَ من الْكَلَام الركيك الَّذِي يستهجن وَلا يُسْتَحسن، وَلَو قَالَ لَهُ: إِنِّي لأستحييك أَن تعاشرني من النُّبْل مَا لَا أعاشرك بِمِثْلِهِ، لَكَانَ من أبين الْكَلَام وأفْصَحِه، وَأحسن معنى وأوضحه.
فأمّا قَول النَّبيّ ﷺ : فِي الْخَبَر: " وَلا خيرَ لَكَ فِي صُحْبَةِ مَنْ لَا يرى لَك مِثْلَ مَا ترَاهُ لَهُ "، فَهُوَ جارٍ علىعكس هَذِهِ الطَّرِيقَة بِحَسب مَا بَيناهُ، وَإِنَّمَا يَصحُّ حملُه عَلَى النَّحْو الَّذِي حملنَا عَلَيْه تَفْسِير الْبَيْت، لَو كَانَ قِيلَ فِيهِ: وَلا خير لمن صُحبته فِي صحبتك إِذا لَمْ تَرَ لَهُ من الْحق مثل الَّذِي يرى لَك، عَلَى مَا تقدم من تلخيصنا.
خبر من فتح الْقُسْطَنْطِينِيَّة
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، أَنْبَأَنَا أَبُو حَاتِم، عَنِ الْعُتْبِي، قَالَ: كتب مَسْلَمَةَ بْن عَبْد الْملك إِلَى أَبِيهِ، وَهُوَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ:
أرِقتُ وصحراءُ الطُّوانَةِ مَنْزِلِي ... لبرقٍ تلالا نَحْو عمْرَة يلمح
أزوال أمرا لم يَكُنْ ليُطِيقَهُ ... من الْقَوْم إِلا الْقُلَّبِيُّ الصَّمَحْمحُ
فَكتب الْقَعْقَاع بْن خُلَيْد الْعَبْسيّ إِلَى عَبْد الْملك:
فأبْلغ أميرَ الْمُؤْمِنِين بأنَّنا ... سِوَى مَا يَقُولُ الْقُلَّبِيُّ الصَّمَحْمحُ
أكلْنا لحومَ الْخَيل رَطْبًا ويابسًا ... وأكبادُنا من أكْلنا الخيلَ تَقْرَحُ
ونحْسُبها نَحْو الطوانة ظُلّعا ... وَلَيْسَ لَهَا حَوْلَ الطوانة مسرح
فليت الفَزَارِيّ الَّذِي غشَّ نفسَهُ ... وَخَانَ أميرَ الْمُؤْمِنِين يُسَرَّحُ
وَكَانَ أصابتُهم مجاعةٌ حَتَّى أكلُوا الخيْلَ، فكتم ذَلِكَ مَسْلَمَةَ بْن عَبْد الْملك، وَكتب مَعَ رَجُل من بني فَزَارَة، فَذَلِك معنى قَوْله:
فليت الفَزَاريّ الَّذِي غش نَفسه
معنى بعض الْكَلِمَات ووزنها
قَالَ القَاضِي: الْقُلَّبِيُّ: الَّذِي يعرف تَقَلُّبَ الْأُمُور وتدبيرها، ويتصفَّحُها فَيعلم بمجاريها، يُقَالُ: رجلٌ قُلَّبِيٌّ حُوَّليٌّ: لمحاولته وتقلبه، وتدبيره، ويُقَالُ لَهُ أَيْضا: حُوَّلٌ قُلَّب، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
حُوَلّ قلبٌ معنٌ مفنٌ ... كُلّ داءٍ لَهُ لَدَيْهِ دَوَاءُ
وَقَوله: الصَّمَحْمح: أَرَادَ بِهِ وَصفه بالشدة وَالْقُوَّة، وبَيْنَ أَهْل الْعلم بِكَلَام الْعَرَب
стр. 217
اخْتِلاف فِي معنى الصَّمحمح من جِهَة اللُّغَة وَفِي وَزنه من الْفِعْل عَلَى الطَّرِيقَة القياسية، فَأَما اللُّغويون فَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ، فَذهب سِيبوَيْه وَمن قَالَ بقوله: إنَّه الشديدُ الغليظ الْقصير وَهُوَ صفة، ويُقَالُ أَيْضا للغليظ الشَّديد: دَمَكْمَك، وقَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ: الصَّمحمح: المحلوق الرَّأْس، وَأنْشد:
صمحمحٌ قَدْ لاحَهُ الهَوَاجِرُ
وقَالَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن يَحْيَى: الصَّمحمح: الأصلع.
وَاخْتلف النحويون فِي وزن صمحمح من الْفِعْل، فَقَالَ سِيبوَيْه وَمن يسْلك سَبيله من الْبَصرِيين: هُوَ فَعَلْعل، وقَالَ الفَرَّاءُ وأتباعُه من الكوفيِّين: هُوَ فَعَلَّل مثل: سفرجل، وَكَذَلِكَ دَمَكْمَك، ولكلِّ فريقٍ مِنْهُم اعتلالٌ فِي قَوْله، وطعنٌ فِي مَذْهَب خَصْمه.
فَأَما الفراءُ فَإنَّهُ احْتج بِأَن قَالَ: لَو جَازَ أَن يَكُون صمحمح عَلَى فعلعل لتكرير لفظ الْعين وَاللَّام، لجَاز أَن يَكُون صَرْصَر عَلَى فَعْفَع، وسَجْسَج لتكرير لفظ الْفَاء، فَلَمَّا بَطَل أَن يَكُون صَرْصَر عَلَى فَعْفَع بَطل أَن يكون صمحمج عَلَى فعلعل.
وَالَّذِي قَالَه سِيبوَيْه هُوَ الصَّحِيح الَّذِي يشهدُ القياسُ بتصويبه، وَذَلِكَ أَن مُوَافقَة الْحَرْف المتكرر الْحَرْف الْمُتَقَدّم فِي صورته يُوجب مُوَافَقَته فِي الْحَكَم عَلَى وَزنه إِذا استوفى فِي وزن الْكَلِمَة الَّتِي هِيَ فَاء الْفِعْل وعينه ولامه، مَا لم يلجىء إِلَى خلاف هَذَا حجةٌ كالقصور عَنِ استكمال هَذِهِ الْحُرُوف، وَالْحَاجة إِلَى إتْمَام الْكَلِمَة بِاخْتِصَار حُرُوف الْفِعْل، فَلهَذَا قُضِيَ عَلَى " صَرْصَر " بِأَنَّهُ " فَعْلَل "، وَلَمْ يَجُزْ حمله عَلَى " فَعْفَع " لِأَنَّهُ لَو حُمِل عَلَى هَذَا بَطل التَّمامُ لعدم اللّام، وَإِذَا جعلت عين الْفِعْل فِي صمحمح مكررة لَمْ يفْسد الْكَلَام، وَتمّ مَعَ إِقَامَة الْقيَاس واستقام، وَقَدْ قَالَ بعض من احتجَّ بِهَذَا من أَصْحَاب سِيبوَيْه: أَلا ترى أَنَا نجْعَل إِحْدَى الرَّاءين فِي احمرَّ زَائِدَة، وَلا نجْعَل إِحْدَى الرَّاءين فِي مَرَّ وكَرَّ زَائِدَة لأنّا لَو جعلنَا أَحَدهمَا زَائِدَة بَطل عين الْفِعْل أَوْ لامه.
وَقَالُوا: مِمَّا يُبطل قَول الفَرَّاء، قَوْلهم: " خُلَعْلَع " وَهُوَ الْجُعَلُ، لَو سلكنا بِهِ مَذْهَب " سَفَرْجل " لَمْ يَكُنْ لَهُ نظيرٌ فِي كَلَام الْعَرَب، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامهم مثل سُفَرْجَل، قَالُوا: وَفِي خُرُوجه عَن أبينة كَلَام الْعَرَب دليلٌ عَلَى زِيَادَة الْحَرْف فِيهِ.
وَزعم الفَرَّاء أَن اخْلَوْلق: افْعَوْعل، فكرَّر العينَ وَلَمْ يَجعله افعولل أَو افعلَّل، وقَالَ بعض من احْتج لسيبويه بِهَذَا، وَأنكر قَول الفَرَّاء إِن قَالَ قائلٌ: لَيْسَ فِي الْأَفْعَال افعلَّل، قِيلَ لَهُ: يلْزم الفَرَّاء أَن يَجْعَلهَا افعلل وَلا يَجعله افعوعل وَلا يُكَرر الْعين، إِذا كَانَ قَدْ أنكر تَكْرِير الْعين فِيمَا ذكرنَا.
وَفِي استقصاء القَوْل فِي هَذِهِ الْكَلِمَة ونظيرها وذُكِر اخْتِلاف النَّحْوِيين فِي أصل الْبَاب الَّذِي يشْتَمل عَلَيْهَا طولٌ يضيق عَنْهُ قدْرُ مجلسٍ بأسره من مجَالِس هَذَا الْكتاب، وَلَهُ مَوضِع
стр. 218
هُوَ أولى بِهِ يُؤتي بِهِ فِيهِ إِن شَاءَ اللَّه تَعَالَى.
تصميم قَاضِي الرقة عَلَى إنصاف الْمَظْلُوم
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَبِي الازهر، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد اللَّه الزُّبَير بْن بَكَّار بْن عَبْد اللَّه بْن مُصْعَب بْن ثَابِت بْن عَبْد اللَّه بْن الزُّبَير بْن الْعَوَّام بْن أَسد، قَالَ: حَدَّثَنِي عمي مُصْعَب بْن عَبْد الله، قَالَ: كَانَ عُبَيْد اللَّه بْن ظَبْيان قَاضِي الرَّقَّةِ، وَكَانَ الرشيد إِذْ ذَاك بهَا، فجَاء رَجُل فاستعدى إِلَيْهِ من عِيسَى بْن جَعْفَر، فَكتب إِلَيْهِ ابنُ ظبْيَان: " أما بعد، أبقى اللَّه الْأَمِير وَحفظه، وأتمَّ نعْمَته عَلَيْه، أَتَانِي رجلٌ يذكر أَنَّهُ فُلان بْن فُلان، وَأَن لَهُ عَلَى الْأَمِير - أبقاه اللَّه - خمس مائَة ألف دِرْهَم - فَإِن رَأَى الْأَمِير - أبقاه اللَّه - أَن يحضر مَعَه مجْلِس الحكم أَوْ يوكَّل وَكيلا يُناظر خَصْمَهُ فعل ".
قَالَ: وَدفع الْكتاب إِلَى الرَّجُل، فَأتى بَاب عِيسَى بْن جَعْفَر فَدفع الْكتاب إِلَى حَاجِبه فأوصله إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: كُلْ هَذَا الْكتاب.
فَرجع إِلَى القَاضِي فَأَخْبَرَه، فَكتب إِلَيْهِ: أبقاك اللَّه وحفظك وأمتع بك، حضر رجلٌ يُقَالُ لَهُ فُلان بْن فُلان، فَذكر أَن لَهُ عَلَيْك حقًّا فَصِرْ مَعَه إِلَى مجْلِس الْحَكَم أَوْ وكيلك إِن شَاءَ اللَّه.
وَوجه بِالْكتاب مَعَ عونين من أعوانه، فحضرا بَاب عِيسَى بْن جَعْفَر ودفعا الْكتاب إِلَيْهِ، فَغَضب وَرمى بِهِ، فَانْطَلقَا إِلَيْهِ فَأَخْبَرَاهُ.
فَكتب إِلَيْهِ: حفظك اللَّه وأبقاك وأمتع بك، لَا بُد أَن تصيرَ أَنْت وخصمك إِلَى مجْلِس الْحُكْم، فَإِن أَنْت أبيتَ رفعتُ أَمرك إِلَى أَمِير الْمُؤْمِنِين إِن شَاءَ الله.
وَوجه الْكتاب مَعَ رجلَيْنِ من أَصْحَابه الْعُدُول، فقعدوا عَلَى بَاب عِيسَى بْن جَعْفَر حَتَّى خرج، فقاما إِلَيْهِ ودفعا إِلَيْهِ كتاب القَاضِي، فَلم يقرأه وَرمى بِهِ، فأبلغاه ذَلِكَ.
فختم قِمَطْرَهُ وَانْصَرف وَقعد فِي بَيته، وَبلغ الخبرُ الرشيدَ فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ عَنْ أمره، فَأَخْبَرَه بالقصة حرفا حرفا، فَقَالَ لإِبْرَاهِيم بْن عُثْمَان: صِرْ إِلَى بَاب عِيسَى بْن جَعْفَر فاختم عَلَيْه أبوابَه كُلَّها، وَلا يخرُجَنَّ أحدٌ وَلا يدخلن أحدٌ عَلَيْه حَتَّى يَخْرُج إِلَى الرَّجُل من حقِّه أَوْ يصير مَعَه إِلَى الْحَاكِم.
قَالَ: فأحاط إِبْرَاهِيم بداره ووكَّل بهَا خمسين فَارِسًا وأغلقت أبوابه، وَظن عِيسَى أَنَّهُ قَدْ حدَّث للرشيد رأيٌ فِي قَتله، فَلم يَدْر مَا سَبَب ذَلِكَ، وَجَعَل يكلم الأعوان من خلف الْبَاب، وارتفع الصياحُ من دَاره، وصَرَخ النساءُ، فأمرهن أَن يَسْكُتن، وقَالَ لبَعض غِلمان إِبْرَاهِيم: أُدْعُ لي أَبَا إِسْحَاق لأكلمه، فأعلموه مَا قَالَ: فجَاء حَتَّى صَار إِلَى الْبَاب، فَقَالَ لَهُ عِيسَى ويْلك مَا حالُنا؟ فَأَخْبَرَه خبرَ ابنِ ظَبيان، فَأمر أَن تحضر خَمْسمِائَة ألف دِرْهَم من سَاعَته ويُدفع بهَا إِلَى الرَّجُل.
стр. 219
فجَاء إِبْرَاهِيم إِلَى الرشيد فَأَخْبَرَه، فَقَالَ: إِذا قبض الرَّجُل مَاله فافتح أبوابه.
يُخَوِّف جَارِيَة بإهدائها لأصمعي
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم بْن خَلاد، قَالَ: قَالَ الْأَصْمَعِي: دخلت عَلَى جَعْفَر بْن يَحْيَى بْن خَالِد يَوْمًا من الأيَّام، فَقَالَ: يَا أصْمَعيُّ! هَلْ لَك من زَوْجَة؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فجارية؟ قُلْتُ: جاريةٌ للمِهْنة، قَالَ: فَهَل لَك أَن أهبَ لَك جَارِيَة نظيفة؟ قُلْتُ: إِنِّي لمحتاجٌ إِلَى ذَلِكَ.
فَأمر بِإِخْرَاج جاريةٍ إِلَى مَجْلِسه، فخرجتُ جاريةٌ فِي غَايَة الْحَسَن وَالْجمال والهيئة والظَّرْف، فَقَالَ لَهَا: قَدْ وهبتُكِ لهَذَا، وقَالَ: يَا أصْمَعِيُّ! خُذْها. فشكرتُهُ. فَبَكَتْ الجاريةُ وَقَالَت: يَا سيِّدي! تدفَعُني إِلَى هَذَا الشَّيْخ مَعَ مَا أرى من سَمَاجته وقُبْح منظره؟ وجَزِعَت جزعًا شَدِيدا.
فَقَالَ: يَا أَصْمَعيُّ! هَلْ لَك أَن أعَوِّضَك مِنْهَا ألف دِينَار؟ قُلْتُ: مَا أكرهُ ذَلِكَ، فَأمر لي بِأَلف دِينَار، وَدخلت الجاريةُ، فَقَالَ: يَا أصمعيُّ! إِنِّي أنكرتُ عَلَى هَذِهِ الْجَارِيَة أمرا فأردتُ عقوبتها بك ثُمّ رحمتُها مِنْك. قُلْتُ: أَيهَا الْأَمِير! فألا أعلمتَني قبل ذَلِكَ فإنِّي لَمْ آتِك حَتَّى سَرَّحْتُ لِحْيتي وأصلحتُ عِمَّتِي، وَلَو عرفتُ الْخَبَر لصِرْت إِلَيْك عَلَى هيئةِ خِلْقَتِي، فواللَّه لَو رأتْني كَذَلِك لما عاودت شَيْئا تنكره أبدا مَا بقيت.
الْمَرْء فِي رُتْبَة السّلطان
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عُبَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمَدَائِنِي، قَالَ: زَعَمُوا أَن رجلا من بني كنَانَة أَتَى نَصْرَ بْن سَيَّار وَهُوَ عَلَى خُرَاسَان، وَكَانَ لَهُ صديقا فَوَجَدَهُ قد غير عَنِ الْعَهْد، فَلَمَّا رَأَى الْإِعْرَاض قَالَ:
قُلْ لنصرٍ والمرءُ فِي رُتْبَة السل ... طان أعْمَى مَا دَامَ يُدْعى أميرَا
فَإِذا زَالَت الإِمارةُ عنهُ ... واستوى والرجالٌ عادَ بَصيرَا
فَبَلغهُ، فَقَالَ: أقسمتُ عَلَيْك إِلا أنْشَدْتني الْبَيْتَيْنِ، فأنشده فَقَالَ: صدقت لَعَمْرو اللَّه، وأثبَته فِي صحابته، وَأحسن جائزته، وَجعله فِي سُمَّاره.
تَأْكِيد الضَّمِير الْمَرْفُوع الْمُتَّصِل - الْمَفْعُول مَعَه
قَالَ القَاضِي: هَكَذَا فِي كتابي: واستوى وَالرِّجَال بِالْوَاو، وَرفع الرِّجَال عطفا عَلَى الضَّمِير الَّذِي فِي اسْتَوَى، والفصيح من كَلَام الْعَرَب فِي مثل هَذَا أَن يُؤكِّدُوه ثُمّ يَعْطِفُوا عَلَيْه فيقولوا: فاسْتوى هُوَ والرِّجال، وَقَدْ جَاءَ فِي الشّعْر غيرُ مؤكَّد، قَالَ جرير:
ورَجَا الأُخَيْطِلُ من سفاهةِ رَأْيِهِ ... مَا لَمْ يكنْ وأبٌ لَهُ لِينَالا
والبصريُّون من النَّحْوِيين يستقبحون ترك التوكيد فِيهِ، وَالْأَمر فِيهِ عِنْد الْكُوفِيّين أيسرُ، عَلَى أَنهم يختارون التوكيد ويُؤْثرونه، وَقَدْ أنْشد الفَرَّاء:
стр. 220
ألم تَرَ أنَّ النّبْعَ يَصْلُب عُودُهُ ... وَلَا يَسْتَوِي والخَرْوَعُ المَتَقصِّفُ
وَلَو قيل: فَاسْتَوَى وَالرِّجَال بِمَعْنى مَعَ الرِّجَال كَانَ حسنا، وَهَذَا من الْبَاب الَّذِي يُسمى بَاب الْمَفْعُول مَعَه، كَقَوْلِهِم: اسْتَوَى الماءُ والخَشَبَة، وَجَاء البَرْدُ والطَّيَالِسَة، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
فكونُوا أنْتُمُ وَبَنِي أَبِيكُمْ ... مَكَانَ الْكُلْيَتَيْنِ من الطُّحَالِ
وَقَد يُقَالُ: اسْتَوَى الماءُ بالخشبة، وَرُوِيَ هَذَا الْبَيْت: واستوى بِالرِّجَالِ، وَجَاء فِي الْخَبَر: ذكر التَّبِيع فِي وُلِد الْبَقر، فَقِيل: هُوَ الَّذِي اسْتَوَى قرناه بأذنيه، وَمن هَذَا النَّحْو قَوْلهم: مَا صنعتَ وأباك.
وَهَذَا بَاب يَتَّسِع القَوْل فِيهِ من قِبَلِ صناعَة النَّحو ومذاهب أَهله، وَلَيْسَ هَذَا من مَوَاضِع شَرحه، وَقَدْ ذَكرْنَاهُ فِي مَوْضِعه من كتبنَا فِي النَّحْو وعلوم الْقُرْآن الْكَرِيم، وَفِي رسالةٍ أفردناها.
حَمَّاد الراوية يحاول أَن يغتنم غنيمَة
حَدَّثَنَا المظفَّر بْن يحيى بْن أَحْمَد الْمَعْرُوف بِابْن الشرابي، ثَنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه المَرْثدي، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِسْحَاق الطَّلْحي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم، قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِد بْن كُلْثُوم وَغَيره، عَنْ حَمَّاد الراوية، قَالَ: كُنْت عِنْد الْوَلِيد يَوْمًا فَدخل عَلَيْه رَجُلان كأنَّهما كَانَا مُنَجِّمَيْن، فَقَالا: قَدْ نَظَرْنا فِيمَا أَمَرْتَنا بِهِ فوجدناك تملِكُ سَبْعَ سِنِين مُؤَيَّدًا مَنْصورًا، تستقيمُ لَك النّاس، ويزكُو لَك الخَرَاجُ.
قَالَ حَمَّاد: فاغتنمتُها وأردتُ أَن أخدعَه كَمَا خَدَعاه، فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين! كَذَبَا، نَحْنُ أعْلمُ بالروايةِ والْآثَار وضَرُوبِ الْعُلُومِ مِنْهُمَا، وَقَدْ نَظرنَا فِي هَذَا وَنظر الناسُ فِيهِ قَدِيما فوجدناك تملكُ أَرْبَعِينَ سنة فِي الْحَال الَّتِي وَصفا.
قَالَ: فَأَطْرَقَ الْوَلِيدُ ثُمّ رفع رَأسه إليّ، فَقَالَ: لَا مَا قَالَه هَذَانِ يكسرني، وَلَا مَا قُلْتَه يَقَرُّنِي، واللَّه لأَجْبِيَنَّ هَذَا المَال من حِلِّهِ جبايةَ من يعيشُ لِلْأَبَد، ولأصرفَّنهُ فِي حقِّه صَرْف من يموتُ فِي غدٍ.
كَلِمَات حكيمة للخليل بْن أَحْمَد
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن الْمقري، أَنْبَأَنَا عَبْد اللَّه بْن مَحْمُود المَرْوَزِيّ بمرو، أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْن أَكْثَم، أَنْبَأَنَا النَّضْر بْن شُمَيْل، قَالَ: سمعنَا الْخَلِيل بْن أَحْمَد، يَقُولُ: التواني إضاعةٌ، والحزمُ بضَاعَة، والإنصافُ رَاحَة، واللجاجةُ وقاحة.
المجلِسُ الثَلاثون
حديثُ سَوادِ بْنِ قَارِب
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغَلابِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ حُجْرٍ الشَّامِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَنْصُور الْأَنْبَارِي، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَقَّاصِيِّ، عَنْ
стр. 221
مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ.
قَالَ: بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ جَالسٌ وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ إِذْ مَرَّ بِهِ رجلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَتَعْرِفُ هَذَا الْمُسَلِّمَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: هَذَا سَوَادُ بْنُ قَارِبٍ الَّذِي أَتَاهُ رَئِيُّهُ مِنَ الْجِنِّ بِظُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ.
فَدَعَا عُمَرُ الرَّجُلَ فَقَالَ: أَنْتَ سَوَادُ بْنُ قَارِبٍ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَ: أَنْتَ كَمَا كُنْتَ عَلَيْهِ مِنْ كَهَانَتِكَ؟ قَالَ: فَغَضِبَ الرَّجُلُ غَضَبًا شَدِيدًا، ثُمَّ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! مَا اسْتَقْبَلَنِي أحدٌ بِهَذَا مُنْذُ أَسْلَمْتُ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا كُنَّا عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ أَعْظَمُ مِمَّا كُنْتَ عَلَيْهِ مِنْ كَهَانَتِكَ، فَأَخْبِرْنِي بِإِتْيَانِكَ رَئِيُّكَ بِظُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينِ! بَيْنَا أَنَا نائمٌ ذَاتَ لَيْلَةٍ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ إِذْ أَتَانِي رَئِيِّي فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ ثُمَّ قَالَ: قُمْ يَا سَوَادُ بْنُ قَارِبٍ وَافْهَمْ وَاعْقِلْ، قَدْ بُعِثَ رسولٌ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ وَإِلَى عِبَادَتِهِ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وَأَخْبَارِهَا ... وَشَدِّهَا الْعِيسَ بِأَكْوَارِهَا
تَهْوِي إِلَى مَكَّةَ تَبْغِي الْهُدَى ... مَا مُؤْمِنُو الْجِنِّ كَكُفَّارِهَا
فَارْحَلْ إِلَى الصَّفْوَةِ مِنْ هاشمٍ ... بَيْنَ رَوَابِيهَا وَأَحْجَارِهَا
فَقُلْتُ: دَعْنِي أَنَامُ، فَإِنِّي أَمْسَيْتُ نَاعِسًا.
فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ أَتَانِي فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: قُمْ يَا سَوَادُ بْنُ قَارِبٍ فَافْهَمْ وَاعْقِلْ إِنْ كُنْتَ تَعْقِلُ، إِنَّهُ قَدْ بُعِثَ رسولٌ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ وَإِلَى عِبَادَتِهِ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وَتَطْلابِهَا ... وشَدَّهَا الْعِيسَ بِأَقْتَابِهَا
تَهْوِي إِلَى مَكَّةَ تَبْغِي الْهُدَى ... مَا صَادِقُو الْجِنِّ كَكُذَّابِهَا
فَارْحَلْ إِلَى الصَّفْوَةِ مِنْ هاشمٍ ... لَيْسَ قدامها كَأَذْنَابِهَا
قَالَ الْقَاضِي: وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى:
وَاسْمُ بِعَيْنَيْكَ إِلَى بَابِهَا
فَقُلْتُ: دَعْنِي أَنَامُ، فَإِنِّي أَمْسَيْتُ نَاعِسًا.
فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّالِثَةُ أَتَانِي فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: قُمْ يَا سَوَادُ بْنُ قَارِبٍ فَافْهَمْ وَاعْقِلْ إِنْ كُنْتَ تَعْقِلُ، قَدْ بُعِثَ رسولٌ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ، يَدْعُو إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَى عِبَادَته، ثمَّ أنشأ يقولك
عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وَتَحْسَاسِهَا ... وَشَدِّهَا الْعِيسَ بِأَحْلاسِهَا
стр. 222
تَهْوِي إِلَى مَكَّةَ تَبْغِي الْهُدَى ... مَا خير الْجِنِّ كَأَنْجَاسِهَا
فَارْحَلْ إِلَى الصَّفْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ ... وَاسْمُ بِعَيْنَيْك إِلَى رَاسِهَا
فَلَمَّا أَصْبَحْتُ شَدَدْتُ عَلَى رَاحِلَتِي رَحْلَهَا وَصِرْتُ إِلَى مَكَّةَ، فَقِيلَ لِي: قَدْ سَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَصِرْتُ إِلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ فَعَقَلْتُ نَاقَتِي، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌، فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيَّ قَالَ: هَاتِ يَا سَوَادُ بْنُ قَارب فَقلت:
أَتَانِي رئيي بَعْدَ هدءٍ ورقدةٍ ... وَلَمْ يَكُ فِيمَا بَلَوْتُ بِكَاذِبِ
ثَلاثَ ليالٍ قَوْلُهُ كُلَّ ليلةٍ ... أَتَاكَ رسولٌ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ
فَشَمَّرْتُ مِنْ ذَيْلِ الإِزَارِ وَوَسَّطْتُ ... بِيَ الذِّعْلِبُ الْوَجْنَاءُ بَيْنَ السَّبَاسِبِ
فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ ... فَإِنَّكَ مأمونٌ عَلَى كُلِّ غَائِبِ
ةأنك أَدْنَى الْمُرْسَلِينَ وَسِيلَةً ... إِلَى اللَّهِ يَا ابْن الأَكْرَمِينَ الأَطَايِبِ
فَمُرْنَا بِمَا نَأْتِيهِ يَا خَيْرَ مَنْ مَشَى ... وَإِنْ كَانَ فِيمَا جَاءَ شَيْبُ الذَّوَائِبِ
وَكُنْ لِي شَفِيعًا يَوْمَ لَا ذُو شفاعةٍ ... سِوَاكَ بمغنٍ عَنْ سَوادِ بْنِ قَارِبِ
قَالَ: فَفَرِحَ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ وَأَصْحَابُهُ فَرَحًا شَدِيدًا.
قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ ﵁ فَالْتَزَمَهُ وَقَبَّلَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَقَالَ: لقَدْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَ هَذَا الْخَبَرَ مِنْكَ، فَأَخْبِرْنِي هَلْ يَأْتِيكَ رَئِيُّكَ الْيَوْمَ؟ قَالَ: أَمَا مُنْذُ قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى فَلا، وَنعم الْبغوض كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْجِنِّ.
قَالَ القَاضِي: قَدْ رُوِّينَا خبر سَواد بْن قَارب هَذَا من طُرُق عِدَّة، وَفِي بعض أَلْفَاظه اخْتِلاف، ومعانيها مُتَقَارِبَة، وَقَوله: فارْحل إِلَى الصفوة من هَاشِم: صفوة الشَّيْء: خِيارُه وأخْلصه، يُقَالُ: هَذِهِ صَفْوة الْمَتَاع وصِفوته، وَالْكَسْر أفْصح اللُّغَات فِيهِ، فَإِذا نزعت الْهَاء فِيهِ، فَقِيل: هَذَا صَفْوُ الشَّيْء بِالْفَتْح لَا غَيْر.
وَقَوله: الذعلِبُ: السَّريعةُ، والوَجْنَاءُ: صفةٌ لَهَا بغلظ الوَجْنة وسَعَتها وَهُوَ من عَلَامَات النجابة.
وَفِي هَذَا الْخَبَر: مَا دلَّ عَلَى نُبُوَّة النَّبِيّ ﵌، وصِحة دَعوته، وَهُوَ أحدُ الْأَخْبَار الَّتِي تقدَّمت بالتبشير برسالته، والإشارةُ إِلَى صفته، والإيماء إِلَى نجومه ومخرجه، وَهُوَ بابٌ واسعٌ كَبِير جدا يُتْعب إحصاؤه، وَقَدْ ضمنته العلماءُ كتبَهُمْ وأخْبارهم.
وَقَوله فِي هَذَا الْخَبَر: بَيْنَ السَّباسِب، وَهِي الأفضية الواسعةُ من الأَرْض، وَهِي مَا كَانَ مِنْهَا قَفْرًا أملس، وَاحِدهَا سَبْسَب، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
نعم قَدْ تركناهُ بأرضٍ بعيدةٍ ... مُقيمًا بهَا فِي سبسبٍ وأَكَامِ
стр. 223
ويُقَالُ فِي هَذَا بَسَابِس.
كَلِمَات حكيمة
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، أَنْبَأَنَا أَبُو حَاتِم، عَنِ الْعُتْبِي، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رجلٌ من حَنْظَلة يَقُولُ: إِنَّهُ لَيَنْبَغِي لَكَ أَنْ يَدُلَّكَ عَقْلُكَ عَلَى تَرْك القَوْل فِي أَخِيك، فَفِيهِ خلالٌ ثَلَاث: أما واحدةٌ فلعلَّك أَن تذكُرَهُ بِمَا هُوَ فِيك، أَوْ لَعَلَّك تذكره بأمرٍ قَدْ عافاك اللَّه مِنْهُ، فَمَا هَذَا جزاءُ الْعَافِيَة أَن تَجْحد الشُّكْر عَلَيْهَا.
أَوْ لعلَّك تذكُرُه بِمَا فِيك أعظمُ مِنْهُ، فَذَلِك أشَدُّ اسْتحكامًا لمقْتِه إياك، أما كُنْت تسمع: ارْحم أَخَاك وأحْمَدِ الَّذِي عَافَاك.
عَجِيبَة من الْعَجَائِب الزاغ أَبُو عَجْوَة
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عَليّ مُحرز ابْن أَحْمَد الْكَاتِب، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَليّ مُحرز ابْن أَحْمَد الْكَاتِب، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن مُسْلِم السَّعْديّ، قَالَ: وَجَّه إليَّ يَحْيَى بْن أَكْثَم يَوْمًا فصرتُ إِلَيْهِ، فَإِذا عَنْ يَمِينه قمطرٌ مجلَّدة، فَجَلَست فَقَالَ لي: افْتَحْ هَذَا القمطر، فَفَتحهَا فَإِذا شيءٌ قَدْ خرج مِنْهَا، رَأسه رَأس إنسانٍ، وَهُوَ من سُرَّتِهِ إِلَى أَسْفَل خِلْقَةٌ " زاغ "، وَفِي ظَهره وصَدْره سَلْعَتَان، فكبَّرتُ وهلَّلتُ وفَزِعْت، ويَحْيَى يضْحك، فَقَالَ لي بلسانٍ فصيح طَلْق ذَلِق:
أَنَا الزاغُ أَبُو عَجْوه ... أَنَا ابنُ اللَّيْثِ واللبوه
أحب الراح والريحا ... ن والنَّشْوةَ والقَهْوَة
فَلَا عَدْوَى يَدِي تُخْشَى ... وَلا تُحْذَرُ لي سَطْوَه
وُلي أشياءُ تُسْتَطْرَفْ ... بِيَوْم الْعُرْسِ والدعوة
فَمِنْهَا سلعةٌ فِي الظه ... ر لَا تسترها الفَرْوَة
وأمّا السّلْعَة الْأُخْرَى ... فَلَو كَانَ لَهَا عُرْوة
لما شكّ جَمِيع النا ... س فِيهَا أنَّها رِكْوَةْ
ثُمّ قَالَ: يَا كهلُ! أنشِدْني شِعرًا غَزِلا: فَقَالَ لي يَحْيَى: قَدْ أنْشَدَك الزاغُ فأنْشِدْه، فأنشدْتُه:
أَغَرَّكِ أنْ أَذْنَبْتِ ثُمّ تَتَابَعَتْ ... ذنوبٌ فَلم أهْجُرْكِ ثُمّ ذُنُوبُ
وَأَكْثَرت حَتَّى قلتِ لَيْسَ بصارِمِي ... وَقَدْ يُصْرَمُ الإِنْسَانُ وَهُوَ حَبِيبُ
فصاح: زاغ زاغ زاغ، ثُمّ طَار، ثُمّ سقط فِي القمطر، فَقلت ليحيى: أعزَّ اللَّه القَاضِي، وعاشقٌ أَيْضا؟! فَضَحِك، قلت: أَيهَا القَاضِي: ماهذا؟ قَالَ: هُوَ مَا ترَاهُ، وجَّه بِهِ صاحبُ الْيمن إِلَى أَمِير الْمُؤْمِنِين، وَمَا رَآهُ بعدُ وَكتب كتابا لَمْ أَفْضُضْهُ، وأظن أَنَّهُ ذكر فِي الْكتاب
стр. 224
شَأْنَهُ وحَالَه.
عَدْلُ سَوَّار القَاضِي وانتصارُ الرشيد لَهُ
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَبِي الْأَزْهَر، حَدَّثَنَا الزُّبَير، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَلام، قَالَ: كَانَ حَمَّاد بْن مُوسَى صاحبَ أمرِ مُحَمَّد بْن سُلَيْمَان وَالْغَالِب عَلَيْه، فحبس سَوَّارُ القَاضِي رجلا فِي بعض مَا يَحْبِس فِيهِ الْقُضاة، فَبعث حمادٌ فَأخْرج الرَّجُل من الْحَبْس فجَاء خَصْمُه إِلَى سَوَّار حَتَّى دخل، فَأَخْبَرَه أَن حَمَّادًا قَدْ أخرج الرَّجُل من الْحَبْس.
وَركب سَوَّارٌ حَتَّى دخل عَلَى مُحَمَّد بْن سُلَيْمَان وَهُوَ قاعدٌ للنَّاس، وَالنَّاس عَلَى مَرَاتِبهمْ، فَجَلَسَ بِحَيْثُ يرَاهُ مُحَمَّد بْن سُلَيْمَان، ثُمّ دَعَا آخر من نظرائه، فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ للْأولِ، فَأجَاب مثل جَوَاب الأول فأقعده مَعَ صَاحبه، فَفعل ذَلِكَ بجماعةٍ مِنْهُم، ثُمّ قَالَ لَهُم: انْطَلقُوا إِلَى حَمَّاد بْن مُوسَى فضعوه فِي الْحَبْس، فنظروا إِلَى مُحَمَّد بْن سُلَيْمَان فأعلموه مَا أَمرهم بِهِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِم: أَن افعلوا مَا يَأْمُركُمْ بِهِ، فَانْطَلقُوا إِلَى حَمَّاد فوضعوه فِي الْحَبْس، وَانْصَرف سَوَّارٌ إِلَى منزله، فَلَمَّا كَانَ بالعشيِّ أَرَادَ مُحَمَّد بْن سُلَيْمَان الرّكُوب إِلَى سَوَّار، فجاءتْه الرُّسُل فَقَالُوا: إِن الأميرَ عَلَى الرّكُوب إِلَيْك، فَقَالَ: لَا، نحنُ بالركوب أولى إِلَى الْأَمِير.
فَركب إِلَيْهِ فَقَالَ: كنتُ عَلَى الْمَجِيء إِلَيْك أَبَا عَبْد اللَّه، قَالَ: مَا كنت لأجشم الْأَمِير ذَاك، قَالَ: بَلغنِي مَا صنع هَذَا الجاهلُ حَمَّاد، قَالَ: هُوَ مَا بلغ الْأَمِير، قَالَ: فَأحب أَن تَهَبَ لي ذَنْبَه، قَالَ: أفعلُ أَيهَا الْأَمِير، اردُدَ الرَّجُل إِلَى الْحَبْس، قَالَ: نعم، بالصَّغَرِ لَهُ والقماءة.
فَوجه إِلَى الرجل فحبسه وَأطلق حَمَّادًا، وَكتب بِذَلِك صاحبُ الْخَبَر إِلَى الرشيد، فَكتب إِلَى سوارٍ يُجرِّيه ويَحْمَدُهُ عَلَى مَا صنع، وَكتب إِلَى مُحَمَّد بْن سُلَيْمَان كتابا غليظًا يذكُرُ فِيهِ حَمَّادًا وَيَقُولُ: الرَّافِضِيُّ ابنُ الرَّافِضِيّ، واللَّهِ لَوْلَا أَن الوعيدَ أَمَام العقوبةِ مَا أدَّبْتُه إِلا بِالسَّيْفِ، ليَكُون عِظَةً لغيره ونَكَالا.
يفتاتُ عَلَى قَاضِي الْمُسْلِمِين فِي رَأْيه، ويركبُ هَوَاهُ لموضعِهِ مِنْك، ويَعْرِضُ فِي الْأَحْكَام استهانةً بِأَمْر اللَّهِ تَعَالَى، وإقداماً على أَمِير لمؤمنين، وَمَا ذَاك إِلا بك، وَبِمَا أرْخيتَ من رَسَنِه، فَأَنا للَّه لَئِن عَاد إِلَى مثلهَا ليجِدنِّي أغضبُ لدين اللَّه تَعَالَى، وأنتقمُ من أعدائه لأوليائه.
أبياتٌ فِي مَا يلاقيه المحبُّون
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْقَاسِم الْأَنْبَارِي، أَنْبَأَنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن يَحْيَى، قَالَ: قَالَ: أَبُو سَعِيد عَبْد اللَّه بْن شبيب، أَنْشدني عَلِيّ بْن طَاهِر ابْن زَيْد بْن حسن بْن عَلِيّ بْن أبي طَالِب ﵇ لبَعض الْمُحدثين:
أَلا رُبَّ مشغوفٍ بِمن لَا يَنَالُه ... غَدَاةَ تُسَاقُ الْمُنْشَآتُ إِلَى البحرِ
غَدَاةَ تَوَافَى أهلُ جمعٍ وصحبةٍ ... لَدَى الجَمْرةِ القصوى أولو الجمجم الْغُبْرِ
стр. 225
ولِلرَّمْيِ أَن تُبْدِي الْحِسانُ أكُفَّها ... وتَفْتَرُّ بِالتَّكْبِيرِ عَنْ شَنَب غُرِّ
فيا رُبَّ باكٍ شجوَهُ ومعولٍ ... إِذا مَا رَأَى الأطنابَ تُنْزَعُ للنَّفْرِ
تَفْسِير الشنب والغرّ
قَالَ أَبُو بَكْر: الشَّنب: الثغر الْبَارِد، والشّنب: بردُ الأسْنان، والْغُرُّ: الْبيض.
قَالَ القَاضِي: وَمن الشنب قولُ ذِي الرُّمَّة:
لمياءُ فِي شَفَتَيْها حوةٌ لعسٌ ... وَفِي اللَّثَاتِ وَفِي أنْيابِها شَنَبُ
فَسَّره أهلُ اللُّغَة أَنَّهُ بردٌ وعذوبةٌ فِي الْأَسْنَان، وَقَوله فِي هَذَا الشّعْر:
وتَفتَرُّ بِالتَّكْبِيرِ ... عَنْ شنبٍ غُرِّ
يُقَالُ: شَنَبٌ وَهُوَ نعتٌ مُوَحَّدُ اللَّفْظ، كأَنَّه قَالَ: عَنْ بَارِد، ثُمّ قَالَ: غُرّ، فَأتى بِلَفْظ الْجمع، لِأَنَّهُ أَرَادَ بالشَّنب جُمَيْع الثغر فَهُوَ عدد، وَلَفظه مُوحد، وعَلى هَذَا الْوَجْه قَرَأَ من قَرَأَ: " ثِيَاب سندسٍ خضرٍ " لِأَن السُّنْدُسَ جمعٌ فِي جنسه واحدٌ فِي لَفظه.
عَاقِبَة الاستخفاف
حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَحْمد الختلين قَالَ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد بْن خَالِد الحَنّاط، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْد اللَّه الْخُرَاساني، يَقُولُ: من استخف بالعلماء ذَهَبتْ آخرتُه، وَمن استخفَّ بإخوانه قلَّتْ معونته، وَمن استخفّ بالسُّلْطان ذهبتْ دُنْياه.
عِفَّةُ جرير، وفجور الفَرَزْدَق
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْن مُحَمَّد بْن عَرَفَة الأَزْدِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي عبيد الله ابْن إِسْحَاق بْن سَلام وأَحْمَد بْن يَحْيَى، وأَبُو الْعَبَّاس الْأَحول، كلُّ بِسَنَده: أَن جَرِيرًا قَدِم عَلَى عُمَر بْن عبد الْعَزِيز وَهُوَ يتولَّى الْمَدِينَة، فأنزله فِي دارٍ وَبعث إِلَيْهِ بجاريةٍ تَخْدُمُه، فَقَالَت لَهُ: إِنِّي أَرَاك شَعِثًا فَهَل لَك فِي الْغُسْل؟ فَجَاءَتْهُ بغِسْل وَمَاء، فَقَالَ: تَنَحَّيْ عَنِّي ثُمّ اغْتسل.
ثُمّ قدِم الفَرَزْدَق فأنزله دَارا وَبعث إِلَيْهِ بجاريةٍ فعرضت عَلَيْه مثل ذَلِكَ، فَوَثَبَ عَلَيْهَا فخرجتْ إِلَى عُمَر، فنفاه عَنِ الْمَدِينَة وأجَّلَهُ ثَلَاثًا، فَفِي ذَلِكَ يَقُولُ:
توعَّدَنِي وأجَّلني ثَلاثًا ... كَمَا لَبِثَتْ لِمهلَكِهَا ثَمُودُ
وَبلغ ذَلِكَ جَرِيرًا، فَقَالَ:
نَفَاكَ الأَغَرُّ ابنُ عَبْد الْعَزِيز ... بِحَقِّكَ تُنْفى عَنِ المسجدِ
وشَبَّهْتَ نفسَكَ أشْقَى ثَمُودَ ... فَقَالُوا: ضَلَلْتَ وَلَم تهتدِ
وَقَدْ أُخِّرُوا حِين حَلَّ العَذَابُ ... ثَلاثَ ليالٍ إِلَى الموعدِ
تَعْلِيق لغَوِيّ
قَالَ القَاضِي: الْغِسْل: مَا يُغْسل بِهِ الرأسُ والجَسَدُ من خِطْمِيٍّ وَغَيره، والغَسْلُ مصدر
стр. 226
غَسَلْت، وأمّا الْغُسْل بِالضَّمِّ فقد اخْتلف أَهْل الْعلم بِالْعَرَبِيَّةِ فِيهِ، فَقَالَ بَعضهم: هُوَ المَاء، وقَالَ بَعضهم: الغَسْل والْغُسْل لُغَتَانِ بِمَعْنى وَاحِد، كالرَّهْبِ والرَّعْبِ، والرُّهْب والرُّعْب، وَمثله من الْأَسْمَاء الْأَعْيَان: الحَشُّ والْحُشُّ والرَّفْغُ والرُّفُغ.
وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَة: بحقك تنفى، وَقد رَوَاهُ رَاوُون: وَحَقُّك، واخْتُلِف فِي مَوضِع تُنْفَى من الْإِعْرَاب، فَقَالَ بعضُهم: مَوْضِعه رفعٌ عَلَى أصل إِعْرَاب الْمُضارع، إذْ لَمْ يأتِ هاهُنا أَن فتنْصَبَه، وقَالَ آخَرُونَ: مَوْضِعه نصبٌ وأضمروا أَن وأعملوها مضمرة، لِأَن الْمَعْنى: وحقُّك أَن تُنْفى، وَقَد اختُلف نَحْو هَذَا الاخْتِلاف فِي بَيت طَرَفة، حَيْثُ يَقُولُ:
أَلا أَيُّهَذَا الزَّاجِرِي أحْضُرُ الوَغَى ... وَأَن أشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْت مُخْلِدِي
فروى: أحضرُ بِالرَّفْع والنَّصب عَلَى نَحْو مَا وَصفنَا، وروى عَلَى الْوَجْهَيْنِ أَيْضا قَول الشَّاعِر:
يَا لَيْتَني مِتُّ قبل أعْرِفكمْ ... وصَاغَنَا اللَّهُ صِيغَة ذَهَبَا
وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى ذكره: " قُلْ أفغير الله يأمروني أعبد " فَزعم الْكُوفِيُّونَ أَن الْمَعْنى: تأمروني أَن أعْبُدَ، وَأنكر البَصْريون هَذَا وَقَالُوا: تأمروني كَلَام أَتَى اعتراضًا بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ، وَالْمعْنَى: أفغير اللَّهِ أعبدُ، كَقَوْلِك: زيدا أرى لقِيت، وَنَحْو هَذَا قَول جرير يهجو عُمَر بْن لَجأ:
أَبِالأَرَاجِيزِ يَا ابْنَ اللُّؤْمِ تُوعِدُني ... وَفِي الأَرَاجِيزِ خِلْتُ اللُّؤْمَ والخَوَرَا
الْمَعْنى: وَفِي الأراجيز اللؤمُ والخَوَرُ فِيمَا خلت.
وَهَذَا عندنَا من الكَلِم الَّذِي اخْتُصِرت فَائِدَته من الصِّيغَة اللُّغَوِيَّة، وأُلغِيَ عمله من الْجِهَة النحوية.
وَلِهَذَا الْفَصْل وَمَا ذكرنَا فِيهِ، موضعٌ من كلامنا فِي مَعَاني الْقُرْآن وأبواب الْعَرَبيَّة، وَهُوَ أَوْلَى بِهِ.
الحَدِيث الْحسن، أبقى للذات
حَدَّثَنَا عُمَر بْن الْحَسَن بْن عَلِيّ بْن مَالك الشَّيْبَانِيّ، حَدَّثَنَا الغَلابِي، حَدَّثَنَا ابْن سَلام، حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مَعْبَد، قَالَ: بعث عَبْد الْملك بْن مَرْوَان إِلَى الشَّعْبِيّ، فَقَالَ: يَا شَعْبِي! عَهْدِي بك وَأَنَّك الْغُلَام فِي الْكُتَّاب فَحَدِّثْنِي، فَمَا بَقِيّ شيءٌ الْآن إِلا وَقَدْ مَلِلْتُه سوى الْحَدِيث الْحَسَن، وَأنْشد:
ومِلِلْتُ إِلا من لِقاء محدثٍ ... حَسَن الْحَدِيث يَزيدُني تَعْليمَا
قَالَ القَاضِي: ونظيرُ هَذَا قَول ابْن الرُّومِي:
وَلَقَد سئمتُ مآربِي ... فَكَأَن طيِّبُها خبيثُ
إِلَّا الحديثُ فإنّه ... مثل اسْمه أبدا حديثُ
стр. 227
كَيفَ عَاد الزُّهْرِيّ إِلَى قَول الْحَدِيث
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الصُّولِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: أَتَيْتُ الزُّهْرِيَّ بَعْدَ أَنْ تَرَكَ الْحَدِيثَ فَأَلْفَيْتُهُ عَلَى بَابِهِ، فَقُلْتُ: إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُحَدِّثَنِي، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنِّي قَدْ تَرَكْتُ الْحَدِيثَ؟ فَقُلْتُ: إِمَّا أَنْ تُحَدِّثَنِي وَإِمَّا أَنْ أُحَدِّثَكَ، فَقَالَ: حَدِّثْنِي، فَقُلْتُ: حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، يَقُولُ: " مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْجَهْلِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا حَتَّى أَخَذَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُعَلِّمُوا ".
قَالَ: فَحَدَّثَنِي أَرْبَعِينَ حَدِيثًا.
المجلِسُ الْحَادِي وَالثَلاثون
أَنَا خَيْركُم بَيْتا، وخيركُم نَفْسًا
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن عَلِيِّ بْنِ بَطْحَا فِي آخَرِينَ، وَاللَّفْظُ لإِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الطَّائِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو فُضَيْلٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ: " أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نَسْمَعُ مِنْ قَوْمِكَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ مِنْهُمْ: إِنَّمَا مَثَلُ محمدٍ كَمَثَلِ نبتٍ فِي كِبًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: أَيُّهَا النَّاسُ! مَنْ أَنَا؟ قَالُوا: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: أَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عبد الْمطلب - مَا سمعناه اسمى قَبْلَهَا - إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ خَلْقَهُ فَجَعَلَنِي مِنْ خَيْرِ خَلْقِهِ، ثُمَّ فَرَّقَهُمْ فِرْقَتَيْنِ فَجَعَلَنِي مِنْ خَيْرِ الْفِرْقَتَيْنِ، ثُمَّ جَعَلَهُمْ قَبَائِلَ فَجَعَلَنِي مِنْ خَيْرِهِمْ قَبِيلَةً، ثُمَّ جعلهم بُيُوتًا فجعلني من خَيْرَهُمْ بَيْتًا، فَأَنَا خَيْرُكُمْ بَيْتًا وَخَيْرُكُمْ نَفْسًا ".
قَالَ القَاضِي: قَدْ أبان رَسُول الله ﵌ فِي هَذَا الْخَبَر مَا فَضله اللَّه تَعَالَى بِهِ عَلَى الْعَالمين، وأرغم بِهِ أعدائه الضَّالِّين المكذبين، وَلَقَد شَرّفه اللَّه تَعَالَى بفضله عَلَى سَائِر الْمُسْلِمِين، وكَرَّمه بِأَن ختم بِهِ النَّبيين، وَرفع دَرَجَته فِي عليّين، فهناه اللَّه مَا أَعْطَاه، وزاده فِيمَا منحه وأولاه، وتابع لَدَيْهِ مواهبه وعطاياه، وأسعدنا بِشَفَاعَتِهِ يوْم نَلْقاه، وكافأه عَنَّا وحاطه وأجزل مثوبته، وَرفع فِي أَعلَى عليين مَنْزِلَته، بِمَا أدّاه إِلَيْنَا من رسَالَته، وأفاضه علينا من نصيحته، وعَلَّمناه من كِتَابه وحكمته.
وَمعنى قولِ مَنْ قَالَ: نبتٌ فِي كبا، الْكِبَا بِالْقصرِ: المَزْبلة، والْكِبَاءُ بِالْمدِّ: الْعُودُ والبَخُور، قَالَ المرقِّشُ الأَصْغر:
فِي كلِّ يوْم لَهَا مقطرةٌ ... فِيهَا كباءٌ مُعَدٌّ وحَمِيم
والمقطرة: هِيَ الَّتِي يَجْعَل فِيهَا الْقُطُر فيُتبخر بِهِ، والْقُطُر: الْعود الَّذِي بِمَبْخَرتِه كَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْس:
كأنّ الْمُدَامَ وصَوْبَ الغَمَامِ ... وريحَ الْخُزَامَى ونَشْرَ الْقُطُرْ
يُعَلُّ بِهِ بردُ أنْيابها ... إِذا طَرَّبَ الطائرُ المستحر
стр. 228
من حسن مُعَاوِيَة وذكائه
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ دُرَيْدٍ، أَنْبَأَنَا الرِّيَاشِيُّ، عَنِ ابْنِ سَلامٍ، قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ لابْنِ أَبِي أَحْمَدَ: أَصَبْتَ لَنَا مَالا أَبْتَاعُهُ؟ فَأَتَاهُ فَقَالَ: قَدْ أَصَبْتُ لَكَ مَالا، قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: البَلْدَةُ، قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِهَا، قَالَ: النُّخَيْلُ، قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ، قَالَ: وَدْعَانُ، قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ، قَالَ: الْغَابَةُ، قَالَ: نَعَمْ، اشْتَرِهَا، قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! سَمَّيْتُ لَكَ أَمْوَالا تَعْرِفُهَا فَكَرِهْتَهَا، وَأَخْبَرْتُكَ بِمَا لَا تَعْرِفُ فَاخْتَرْتَهُ، قَالَ: نَعَمْ، سَمَّيْتَ لِيَ الْبَلْدَةَ فَتَبَلَّدَتْ عَلَّيَ، وَسَمَّيْتَ النُّخَيْلَ فَكَانَ مُصَغَّرًا، وَسَمَّيْتَ لِي وَدْعَانَ فَنَهَتْنِي نَفْسِي عَنْهَا، وَسَمَّيْتَ لِيَ الْغَابَةَ فَعَلِمْتُ أَنَّ بِهَا كَثْرَةَ الْمَاءِ، وَقَدْ قَالَ الأَوَّلُ:
إِنْ كُنْتَ تَبْغِي الْعِلْمَ أَوْ مِثْلَهُ ... أَوْ شَاهِدًا يُخْبِرُ عَنْ غَائِبِ
فَاعْتَبِرِ الأَرْضَ بِأَسْمَائِهَا ... وَاعْتَبِرِ الصَّاحِبَ بِالصَّاحِبِ
أعِزَّ أمْرَ اللَّه يُعزَّك اللَّه
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مَزْيَد الْخُزَاعِيّ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَب بْن عَبْد اللَّه، عَنْ عَمْرو بْن الْهَيَّاج بْن سَعِيد، حَدَّثَنِي مُجالد بْن سَعِيد، قَالَ:
كنتُ من صحابة شَرِيك فأتيتُه يَوْمًا وَهُوَ فِي منزله باكرًا، فَخرج إليَّ فِي فَرْوٍ مَا تَحْتَهُ قميصٌ وَعَلِيهِ كِسَاء، فَقلت: قَدْ أضْحَيْتَ عَنْ مجْلِس الْحَكَم، قَالَ: غسلتُ ثِيَابِي أمس فَلم تَجِفَّ فَأَنا أنْتَظر جُفُوفَها، اجلسْ فجلستُ، فَجعلنَا نتذاكرُ بَاب العَبْدِ يتزوَّجُ بِغَيْر إِذن موَالِيه، فَقَالَ: مَا عنْدك فِيهِ؟ وَمَا تَقُولُ؟ وَكَانَت الخيرزان قَدْ وجَّهت رَجُلا نصرانيًّا عَلَى الطِّراز بِالْكُوفَةِ وكتبت إِلَى عِيسَى بْن مُوسَى أَلا يعْصِيَ لَهُ أمرا، فَكَانَ النَّصْرانُّي مُطَاعًا فِي الْكُوفَة، فَخرج علينا ذَلِكَ اليومَ من زُقَاقٍ يخرجُ إِلَى النَّخَعِ وَمَعَهُ جماعةٌ من أَصْحَابه، عَلَيْه جُبَّةُ خَزٍّ وطيلسان، عَلَى بِرْذَوْنٍ فَارِه، وَإِذَا رجلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ مكتوفٌ وَهُوَ يَقُولُ: واغَوْثَاهُ بِاللَّه، أَنَا بِاللَّه ثُمّ بِالْقَاضِي، وَإِذَا آثَار السِّيَاطِ فِي ظَهره، فَسلم عَلَى شَرِيك وَجلسَ إِلَى جَانِبه، فَقَالَ الرَّجُل الْمَضْرُوب: أَنَا بِاللَّه ثُمّ بك أصلحك اللَّه، أَنَا رَجُل أعمل لهَذَا الوَشْيَ، أُجْرَةُ مثلي مائةُ دِرْهَم فِي الشَّهْر، أَخَذَنِي هَذَا مُنْذُ أَرْبَعَة أشهرٍ واحتبسني فِي طرازٍ يُجْرِي عليَّ فِيهِ الْقُوت، وُلّي عيالٌ قَدْ ضَاعُوا، فأفلتُّ مِنْهُ الْيَوْم هَارِبا فلحقني فَفعل بظهري مَا ترى.
فَقَالَ: قمّ يَا نَصْرانيُّ واجلسْ مَعَ خَصْمِك، قَالَ: أصلحك اللَّه يَا أَبَا عَبْد اللَّه هَذَا من خَدَمِ السيدة، مُرْ بِهِ إِلَى الحَبْس، قَالَ: قُمْ وَيلك فاجلسْ مَعَه كَمَا يُقَالُ لَك، فَجَلَسَ.
فَقَالَ لَهُ: مَا هَذِهِ الْآثَار الَّتِي بِظهْر هَذَا الرَّجُل؟ مَنْ أثَّرها بِهِ؟ قَالَ: أصلح اللَّه القَاضِي، إِنَّمَا ضربتُه أسْوَاطًا بيَدي، وَهُوَ يستحقُّ أَكثر من هَذَا، مُرْ بِهِ إِلَى الْحَبْس.
فَألْقى شريكٌ كساءُهُ وَدخل دَاره وَأخرج سَوْطًا رَبَذِيًّا، ثُمّ ضرب بِيَدِهِ إِلَى مجامع أَثوَاب النَّصْرانُّي، وقَالَ للرجل: انْطَلِقْ إِلَى أهلك، ثُمّ رفع السَّوْط فَجعل يضْرب بِهِ النَّصْرانُّي
стр. 229
وَيَقُولُ: بأصْبَحيٍّ قُدَّ من قَفَا جمل.
لاتضرب - واللَّه - الْمُسْلِمِين بعْدهَا أبدا، فَهَمَّ أصحابُ النَّصْرانُّي أَن يخلِّصُوه من يَده فَقَالَ: مَنْ هَاهُنَا من فتيَان الْحَيّ؟ خُذُوا هَؤُلاءِ فاذهبوا بهم إِلَى الْحَبْس، فهرب الْقَوْم جَمِيعًا وأَفْردُوا النَّصْرانُّي، فضُرب أسواطًا فَجعل النَّصْرانُّي يَعْصِرُ عَيْنَيْهِ ويبكي وَيَقُولُ: سَتَعْلم.
فَألْقى السَّوطَ فِي الدهليز، وقَالَ: يَا أَبَا حَفْص! مَا تقولُ فِي العَبْد يتزوَّجُ بِغَيْر إذْن موَالِيه، وأخذْنا فِيمَا كُنّا فِيهِ كأَنَّه لَمْ يصنعْ شَيْئا، وَقَامَ النَّصْرانُّي إِلَى البرذون ليركبه فاستعصى عَلَيْه، وَلَم يَكُنْ لَهُ من يأخذُ ركابه، فَجعل يضْرب البرذون، فَقَالَ لَهُ شريك: ارُفق بِهِ وَيلك، فَإنَّهُ أطوعُ لله مِنْك، فَمضى.
فالتفتَ إِلَى شريكٌ، فَقَالَ: خُذْ بِنَا فِيمَا كُنّا فِيهِ، قُلْتُ: مَا لنا وَلذَا؟ قَدْ - وَالله - فعلت الْيَوْم فَعْلةً ستكونُ لَهَا عَاقِبَة مَكْرُوهَة، فَقَالَ: أعز أَمر الله تَعَالَى يُعِزَّكَ اللَّهُ، خُذْ فِيمَا نحنُ فِيهِ.
وَذهب النَّصْرانُّي إِلَى عِيسَى بْن مُوسَى فَدخل عَلَيْه، فَقَالَ: من بك، وَغَضب الأعوان وَصَاحب الشرطة، فَقَالَ شريكٌ فعل بِي كَيْت وَكَيْت، قَالَ: لَا واللَّه، مَا أتعرض لِشَرِيك، فَمضى النَّصْرَانِي إِلَى بَغْدَاد فَمَا رَجَعَ.
قَالَ القَاضِي: الأصبحيات: سياطٌ مَعْرُوفَة، وَاحِدهَا أصبحي، وَهِي منسوبةٌ إِلَى ذِي أصبح ملك من مُلُوك الْيمن.
صلَة الرَّحِم تخفف الْحساب
حَدثنَا الْحسن بن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن سَعِيد الْكَلْبِيّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْميُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: وَقَعَ بَيْنَ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَبَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ كلامٌ فِي صدر يَوْم، فأغلط فِي الْقَوْلِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَنٍ، ثُمَّ افْتَرَقَا وَرَاحَا إِلَى الْمَسْجِدِ فَالْتَقَيَا عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ: كَيْفَ أَمْسَيْتَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، قَالَ: بِخَيْرٍ، كَمَا يَقُولُ الْمُغْضَبُ، فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ! أمَا عَلِمْتَ أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ تُخَفِّفُ الْحِسَابَ؟ فَقَالَ: لَا تَزَالُ تَجِيءُ بِالشَّيْءِ لَا نَعْرِفُهُ، قَالَ: فَإِنِّي أَتْلُو عَلَيْكَ بِهِ قُرْآنًا، قَالَ: وَذَلِكَ أَيْضًا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَهَاتِهِ، قَالَ: قَوْلُ اللَّهِ : " الَّذين يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سوء الْحساب ".
قَالَ: فَلا تَرَانِي بَعْدَهَا قَاطِعًا رَحِمًا.
أبياتٌ فِي وصف الْهوى
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ، حَدَّثَنَا ابْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الوضاح، عَنِ الْوَاقِدِيّ، عَنْ أَبِي الجحَاف، قَالَ: إِنِّي لفي الطّواف وَقَدْ مضى أَكثر اللَّيْل وخفّ الحاجُّ إذْ بامرأةٍ شابةٍ قَدْ أقبلتْ كأَنَّها شمسٌ، عَلَى قضيبٍ غُرِسَ فِي كَثِيب، وَهِي تَقُولُ:
стр. 230
رَأَيْتُ الْهوى حُلْوًا إِذا اجْتمع الوَصْلُ ... ومُرًّا عَلَى الْهِجْرَانِ لَا بل هُوَ القَتْلُ
وَمن لَمْ يَذُقْ للهَجْر طعْمًا فَإنَّهُ ... إِذا ذاق طَعْم الْحُبِّ يَدْر مَا الوَصْلُ
وَقَدْ ذُقْتُ من هذَيْن فِي الْقُرْبِ والنَّوى ... فأبْعَدُهُ قتلٌ وأقْرَبُهُ خَبْلُ
هُوَ أشعر النّاس
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يَحْيَى، قَالَ: قَالَ بعض أَصْحَاب العتابي: رَأَيْت العَتَّابِيّ ينظر فِي كتابٍ ويلتفتُ إليَّ وَيَقُولُ: هُوَ واللَّهِ أشعرُ النّاس، فَقلت: وَمن هُوَ؟ قَالَ: أما تعرفُه؟ هُوَ الَّذِي يَقُولُ:
إِذا نَحْن أَثْنَيْنَا عَلَيْك بِصَالح ... فَأَنت الَّذِي نُثْنِي وَفَوق الَّذِي نُثْنِي
وَإِن جَرَتِ الألفاظُ يَوْمًا بمدحةٍ ... لغيرك إنْسَانًا فَأَنت الَّذِي نَعْنِي
فَقلت لَهُ: من هُوَ؟ قَالَ: أَوْ مَا تعرفه؟ هُوَ الَّذِي يَقُولُ:
تَسَتَّرْتُ من دَهْرِي بِظلِّ جَنَاحِه ... فَصِرْتُ أرَى دَهْرِي وَلَيْسَ يَرَانِي
فَلَوْ تَسَلِ الأَيَّامُ مَا اسْمِيَ لما دَرَتْ ... وَأَيْنَ مَكَاني مَا عَرَفْنَ مكانِي
ويروى: فَلَو تسْأَل الْأَيَّام بِي مَا عرفنني، ويُروى: مَا دَرَيْن بِي، فَقلت: من هُوَ؟ قَالَ: هُوَ الَّذِي يَقُولُ:
إِن السَّحابَ لَتَسْتَحْيِي إِذا نَظَرَتْ ... إِلَى نَدَاكِ فَقَاسَتْهُ بِمَا فِيها
حَتَّى تَهُمَّ بإقلاعٍ فيجمعها ... خوف الْعُقُوبَةِ من عِصْيان مُنْشِيها
فَقلت: لمن هُوَ؟ قَالَ: لأبي نواس.
جميلَة من هُذَيْل
حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن أَبِي خميصة الْأَضَاحِي وَيعرف بِأبي عَبْد اللَّه، الحَرَمِيّ، ويزدادُ بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن يزْدَاد المَرْوَزِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَير بْن بكارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَان بْن دَاوُد الْمَخْزُومِيّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيل بْن يَعْقُوب الثَّقَفيّ، عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي الزِّنَاد، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قدمت الْمَدِينَة امرأةٌ من هُذَيل من نَاحيَة مَكَّة، وَكَانَت جميلَة وَمَعَهَا صبي، فَرغب الناسُ فِيهَا فخطبوها، فَكَادَتْ تذْهب بعقول أَكْثَرهم، فَقَالَ فِيهَا عبيد الله ابْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة بْن مَسْعُود:
أُحِبُّك حبًّا لَو شَعَرت بِبَعْضِهِ ... لَجُدْتِ وَلَم يَصْعُبْ عَلَيْك شَدِيدُ
أُحِبك حُبًّا لَا يحبُّك مثَلَهُ ... قريبٌ وَلا فِي العاشقين بعيدُ
وحبك يَا أم الصَّبيِّ مُدَلِّهِي ... شهيدي أَبُو بَكْر فَنِعْمَ شَهِيدُ
ويَعْرِفُ وَجْدي قاسمُ بنُ محمدٍ ... وعُروةُ مَا ألْقى بكم وسَعِيدُ
стр. 231
ويَعْلَمُ مَا ألْقى سُلَيْمَانُ عِلْمَهُ ... وخارجةٌ يُبْدي بِنَا ويُعيدُ
مَتَى تسْألي عَمَّا أَقُول وتُخْبَرِي ... فلِلَّهِ عِنْدِي طارفٌ وتَلِيدُ
فُقَهَاء الْمَدِينَة السَّبْعَة
أَبُو بكر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث بْن هِشَام، وَالقَاسِم بن مُحَمَّد ابْن أَبِي بَكْر الصِّدِّيق ﵁، وعُرْوَة بْن الزُّبَير، وسَعِيد بن الْمسيب ابْن حون، وسُلَيْمَان بْن يَسَار مَوْلَى مَيْمُونَة بنت الْحَارِث الْهِلَالِيَّة، وخارجة ابْن يَزِيد بْن ثَابِت، وهَؤُلاءِ السِّتةُ وَهُوَ سابعهم " فقهاءُ الْمَدِينَة السَّبْعَة " الَّذِين أُخِذَ عَنْهُمُ الرَّأْي والسُّنَن، قَالَ: فَقَالَ لَهُ سَعِيدُ بْن الْمُسَيِّب: أما أَنْت - واللَّهِ - فقد أَمِنْت أَن تسألنا وَمَا طمعتَ إِن سَأَلْتَنَا أَن نَشْهد لَك بزُورٍ - والْحَدِيث عَلَى لفظ الحَرَمِيّ - وَحَدِيث يزْدَاد نَحوه.
جَارِيَة لِلْحَجَّاج تَشُكُّ فِي عِفَّة جرير
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن عَرَفَة الأَزْدِيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن أَحْمَد الْمُزَني، قَالَ: قَالَتْ جَارِيَة لِلْحَجَّاج: يدْخل عَلَيْك جريرٌ فيشبِّبُ بالْحُرم، قَالَ: مَا علمتُه إِلا عفيفًا، قَالَتْ: فأَخْلِني وإياه، فأخلاهما.
فَقَالَت: يَا جرير! فَنَكس رَأسه وقَالَ: هأنذا، فَقَالَت: بِاللَّهِ أَنْشدني قَوْلك:
أوانِسُ، أمَّا مَنْ أردن عفاءه ... فعانٍ، وَمن أطْلقْنَ فَهُوَ طَلِيقُ
دَعَوْنَ الهَوَى ثُمّ ارْتَمَيْن قلوبَنا ... بأسْهُمِ أعداءٍ وهنَّ صَدِيقُ
فَقَالَ: مَا أعرف هَذَا، ولكنّي الْقَائِل:
ومَنْ يأمنُ الحَجَّاجَ أمَّا نَكَالُهُ ... فصعبٌ وأمّا عِقْدُه فَوَثِيقُ
وخِفْتُك حَتَّى اسْتَنْزَلَتْنِي مَخَافَتِي ... وَقَدْ كَانَ دُوني من عِمَايَةَ نِيقُ
عمايةُ: جَبل، ونيق: أَعْلَاهُ.
يُسِرُّ لَك البغضاءَ كلُّ منافقٍ ... كَمَا كُلُّ ذِي دينٍ عَلَيْك شفيق
فَقَالَت: لَيْسَ عَنْ هَذَا سألتُك يَا بغيضُ، بِاللَّهِ أَنْشدني قَوْلك:
نَام الخلي وَمَا رقدت بحيلة ... ليل التَّمامِ تَقَلُّبَا وسُهُودَا
مَا ضرَّ أهْلُكِ أَن يقولَ أميرُهُمْ ... قولا، إِذا نَزَل الْمُلِمُّ، سدِيدًا
رَمَتِ الرُّماةُ فَلم تُصِبْكَ سِهَامُهُم ... وَرَأَيْت سهمك للرماةصيودا
فَقَالَ: مَا أعرف هَذَا، ولكنّي الْقَائِل:
دَعَا الحَجَّاجُ مثلَ دُعاءِ نوحٍ ... فَأَسْمع ذَا المعارج فاسْتَجَابا
صبرت النفسَ يَا ابْن أَبِي عقيلٍ ... مُحَافظَة فَكيف ترى الثوابا
стр. 232
وَلَو لَمْ يَرْضَ رَبُّكَ لَمْ يُنزِّلْ ... مَعَ النَّصْر الملائكةَ الْغِضَابا
فَقَالَت: لَيْسَ عَنْ هَذَا أَسأَلك يَا بغيض، أَنْشدني قَوْلك:
إِن الْعُيُونَ الَّتِي فِي طَرْفها مرضٌ ... قتلننا ثُمَّ لَمْ يحيين قَتْلَانَا
يَصْرَعْنَ ذَا اللُّبِّ حَتَّى لَا حَرَاكَ بِهِ ... وهُنَّ أضْعَف خلق اللَّه أرْكَانَا
فَقَالَ: مَا أعرف هَذَا، وَلَكِنِّي الْقَائِل:
رَأَى الحَجَّاجُ عَافِيَة ونَصْرا ... عَلَى رَغْم الْمُنَافِقِ والحَسُود
دَعَا أهلَ الْعِراق دعاءَ نوحٍ ... وَقَدْ ضَلُّوا ضَلالَةَ قومِ هُود
فَقَالَت: لَيْسَ عَنْ هَذَا سألتُكَ يَا بغيضُ، بِاللَّهِ أَنْشدني قَوْلك:
نَام الخليُّ وَمَا تنامُ هُمُومِي ... وكأنَّ لَيْلِي باتَ لَيْلَ سَلِيمِ
كُنَّا نواصلكُمْ بحبْل مودةٍ ... فَلَقَد عجبتُ لحبْلِنا المَصْرُومِ
وَلَقَد تَوَكَّلُ بالسُّهادِ لِحُبِّكُمْ ... عينٌ تبيتُ قليلةَ التَّهْوِيمِ
إِن امْرَأً مَنَع الزِّيَارَة مِنْكُم ... حقًّا لَعَمْرُو أبيكِ غيرُ كريمِ
فَقَالَ: مَا أعرفُ هَذَا وَلَكِنِّي الْقَائِل:
وثِنْتَانِ فِي الحَجَّاجِ لَا تَرْكُ ظالمٍ ... سَوِيًّا وَلا عِنْد الْمُرَاشَاة قابِلُ
وَمن غَلَّ مالَ اللَّهِ غُلّتْ يمينُه ... إِذا قِيلَ أدُّوا لَا يَغُلَّنَّ عَامِلُ
وهما حَيْثُ يراهما الحَجَّاج، فَقَالَ: للَّهِ دَرُّك يَا ابْن الخَطَفَي، أبيتَ إِلا كَرَمًا وتَكَرُّمًا.
الحَجَّاج يُفضِّل شِعر جرير
حَدَّثَنَا المظفر بْن يَحْيَى، حَدَّثَنَا الْعَبَّاس المَرْوَزِيّ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاق الطَّلْحي، قَالَ: أَخْبَرَنِي إِسْحَاق بْن سَعْدان، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْد اللَّه الثَّقَفيّ، عَنْ خَاله مُحَمَّد بْن يَحْيَى، قَالَ: أنْشد الفَرَزْدَق الحَجَّاج:
وَمَا يأْمنُ الْحَجَّاجَ وَالطَّيْرُ تَتَّقِي ... عُقُوبَتَهُ إِلا ضَعِيفُ الْعَزَائِمِ
فَقَالَ الحَجَّاج: وَيحك يَا فَرَزْدق، واللَّهِ إِن الْحِبالَ لَتُوضَعُ للطير فتَتَنَحَّى عَنْهُ، مَا قَالَ جرير أحسنُ من هَذَا، حيثُ يَقُولُ:
فَمَا يأمنُ الْحَجَّاجَ أما عِقابُهُ ... فَمُرٌّ وأمّا عَقْدة فوثيقُ
يُسِرُّ لَك الشحناء كلُّ مُنَافِق ... كَمَا كلُّ ذِي دينٍ عَلَيْك شفيقُ
براعةُ بشّارٍ فِي الشكاية إِلَى الْأَحْرَار
حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم بْن الْحَارِث الْعُقَيْليّ، ثَنَا مُحَمَّد بْن زَكَرِيّا الغَلابِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن عُمَر بْن حبيب العَدَويّ، عَنِ الْأَصْمَعِي، قَالَ: لَمْ يقلْ أحدٌ قطُّ فِي التَفَرُّجِ
стр. 233
بالمفاوضة إِلَى الْأَحْرَار، والتشكِّي إِلَى أَهْل الْحِفاظ والأقْدار، وذَوِي الرِّقَابِ والأخْطار، مثل قَول بشار حَيْثُ يَقُولُ:
وأبْثَثْتُ عَمْرًا بعضَ مَا فِي جَوَانحي ... وجَرَّعْتُه من مُرِّ مَا أَتَجَرَّعُ
وَلا بُدَّ من شكوى إِلَى ذِي حفيظةٍ ... إِذا جَعَلَتْ أسْرَارُ نَفْسِيَ تطْلُعُ
لُؤْلؤةُ ابْن جَعْفَر
حَدَّثَنَا أَبِي رَحْمَة اللَّه، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الْخُتَلَّي، أَنْبَأَنَا أَبُو حَفْصٍ النَّسَائِيُّ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّد بْن حاتِم الجَرْجَرائي، سَمِعْتُ أَيُّوب بْن سيارٍ، يُحدِّث: أَن رَجُلا من أَهْل الْمَدِينَة بَعث بابْنتِهِ إِلَى عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر، فَقَالَ: إِنَّا نُرِيد أَن نُخْدِرَها، وَقَدْ أحببتُ أَن تمسح بيدِكَ عَلَى نَاصِيَتها وتَدْعُوَ لَهَا بِالْبركَةِ.
قَالَ: فأقعدها فِي حجره، وَمسح ناصِيتها، ودَعَا لَهَا بِالْبركَةِ، ثُمّ دَعَا مَوْلَى لَهُ فَسَارَّهُ بشيءٍ، فَذهب الْمولى ثُمّ جَاءَ فَأَتَاهُ بشيءٍ فَصَرَّهُ عَبْد اللَّه ابْن جَعْفَر فِي خِمار الفتاة ثُمّ دَفعهَا إِلَى الرَّسُول.
قَالَ: فنظروا فَإِذا لؤلؤةٌ فأُخْرجت إِلَى السُّوقِ لتُباع فعُرِفَتْ وَقيل: لؤلؤةُ ابْن جَعْفَر حَبَا بِها ابنةَ جَارِه، قَالَ: فبيعتْ بِثَلَاثِينَ ألفِ دِرْهَم.
ملكي خير من ملككما
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَر الأَزْدِيّ، ثَنَا أَبُو بَكْر بْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنِي الْمُفَضَّل بْن غَسَّان، حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِر الدِّمِشْقي، حَدَّثَنَا هِشَام بْن يَحْيَى الغساني، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: خرج عبد اللك بْن مَرْوَان مِنَ الصَّخْرة فَأدْرك سُلَيْمَان بْن قَيْس الغساني وَابْن هُبَيْرة الْكِنْديّ وهما يمشيان فِي صحن بَيت المَقْدِس.
قَالَ: فَمَا عَلِما حَتَّى وضع يَدَه الْيُمنى عَلَى مِنكَبِ سُلَيْمَان، وَيَده الْيُسْرَى عَلَى منْكب ابْن هُبَيْرة الْكِنْديّ، ثُمّ قَالَ: أفْرِجَا لملكٍ لَيْسَ كملك غَسّانَ وَلا كنْدة، قَالَ: فالتفتا فَإِذا أميرُ الْمُؤْمِنِين، فأرادا أَن يَفْخَرا بمُلكهما، فَقَالَ: عَلَى رَسْلكما، أَلَيْسَ مَا كَانَ فِي الإِسْلام خيرا مِمَّا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة؟ قَالا: بلَى، قَالَ: فمُلكِي خيرٌ من مُلككم؟، قَالَ: ثُمّ مَشَيَا مَعَه حَتَّى أَتَيَا منزله فَدخل، فَأذن لَهما، فَقَالَ لَهما: إِن الشَّاعِر يَقُولُ:
جاءتْ لتصْرَعَنِي فقلتُ لَهَا: ارْفُقِي ... وعَلى الرَّفيق من الرفيق ذِمامُ
وَقَدْ صحبتماني من حَيْثُ رَأَيْتُمَا، ولكما بِذَلِك عَليّ حقٌّ وذِمَام، فَإِن أحببتما أَن تَرْفَعَا مَا كانتْ لَكمَا من حاجةٍ السَّاعة، وَإِن أحببتُما أَن تَنْصرفا فتذكَّرا عَلَى مهلكما فعلتما.
قَالَ: فَمَا رفعا إِلَيْهِ حَاجَة إِلا قَضَاهَا
المأمونُ يسألُ عَنِ الْعِشْق
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن زِيَاد الْمُقْرِي، أَنْبَأَنَا أَحْمَد بْن يَحْيَى ثَعْلَب، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَالِيَة
стр. 234
الشَّامي، قَالَ: سَأَلَ أَمِير الْمُؤْمِنِين الْمَأْمُون يَحْيَى بْن أَكْثَم عَنِ الْعِشْق مَا هُوَ؟ فَقَالَ: هُوَ سوانح تَسْنَحُ للمرءِ فيهيمُ بهَا قَلْبُه، وتُؤْثرها نَفسه، قَالَ: فَقَالَ لَهُ ثُمامة: اسْكُتْ يَا يَحْيَى، إِنَّمَا عَلَيْك أَن تُجيب فِي مَسْأَلَة طلاقٍ، أَوْ فِي محرمٍ صَادَ ظَبْيًا أَوْ قَتَلَ نَمْلة، فَأَما هَذِهِ فَمَسائِلُنا نَحْنُ، فَقَالَ لَهُ المأمونُ: قُلْ يَا ثُمَامة، مَا الْعِشْق؟ فَقَالَ ثُمامةُ: العشقُ جليسٌ ممتع، وأليفٌ مُؤنس، وصاحبٌ ملك، مسالكه لَطِيفَة، ومذاهبه غامضة، وَأَحْكَامه جائرة، ملك الْأَبدَان وأرواحَها، والقلوبَ وخواطرها، والعيونَ ونَواضِرَها، والعقولَ وآراءَها، وأُعْطِيَ عِنانَ طاعتها، وقَوْدَ تَصَرُّفِها، توارى عَنِ الْأَبْصَار مَدْخَلُه، وعَمِيَ فِي الْقُلُوب مسلكه.
فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: أَحْسَنت - واللَّهِ - يَا ثُمَامَة، وَأمر لَهُ بِأَلف دِينَار.
عَبْدُ اللَّهِ بْن طَاهِر يُصْلح زَوْجَهُ ببيتي شعر
حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر بْن إِسْحَاق الجابري الْمَوْصِلِيّ بِالْبَصْرَةِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يَاسر الْكَاتِب، كَاتب ابْن طولون، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن إِسْحَاق، قَالَ: اشْترى عَبْد اللَّه بْن طَاهِر جَارِيَة بخمسةٍ وَعشْرين ألفا عَلَى ابْنة عَمِّه، فوجِدَتْ عَلَيْه، وقعدتْ فِي بعض المقاصير، فمكثتْ شَهْرَيْن لَا تُكَلِّمه، فَعمل هذَيْن الْبَيْتَيْنِ:
إِلَى كَمْ يكونُ العَتْبُ فِي كل ساعةٍ ... وَكم لَا تملين القطيعة والهَجْرَا
رُويدَكِ إنّ الدَّهْر فِيهِ كفايةٌ ... لِتَفْرِيقِ ذاتِ البَيْنِ فانتظري الدهرا
قَالَ: وقَالَ لِلْجَارِيَةِ: اجلسي عَلَى بَاب المقصَورة فَغَنِّي بِهِ، قَالَ: فَلَمَّا غنت الْبَيْت لأوّل لَمْ تَرَ شَيْئا، فَلَمَّا غَنَّت الثَّانِي فَإِذا هِيَ قَدْ خرجتْ مشقوقة الثَّوْب حَتَّى أكبَّتْ عَليّ رِجْلِهِ فقَبَّلَتْها.
الجوابُ من جنس السُّؤال
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يَحْيَى الصولي، ثَنَا يَمُوت بْن الْمُزَرَّع قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَاتِم السّجِسْتانيّ، يَقُولُ: كَانَ رجلٌ يحبُّ الكلامَ وَيخْتَلف إِلَى حُسَيْن النَّجّار، وَكَانَ ثقيلاً متشادقاً لَا يدْرِي مَا يَقُولُ، فآذى حُسَيْنًا ثمَّ فطن لَهُ، فَكَانَ يعد لَهُ الجوابَ من جنس السُّؤَال فَيَنْقَطِع ويسكت، فَقَالَ لَهُ يَوْمًا: مَا تقولُ - أسْعَدَك اللَّه - فِي جَدٍّ يُلاشِي التوهيمات فِي عُنْفُوان الْقُرْبِ من دَرْكِ المطالب؟ فَقَالَ لَهُ حُسَين: هَذَا من وجُود فَوْتِ الكَيْفُوفِيَّة عَلَى غَيْر طَرِيق الحسوبية، وبمثله يَقع إِلَيْنَا قي الْمُجانَسَةِ عَلَى غَيْر تلاقٍ وَلا افْتِرَاق.
فَقَالَ الرجلُ: هَذَا محتاجٌ إِلَى فِكْر واسْتخراج، فَقَالَ حُسَيْن: افتكرْ، فإنّا قَد استرحْنا.
المجلِسُ الثَاني وَالثَلاثون
زوجاتُ الرسولِ يسألْنَهُ النَّفَقَة
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الطُّوسِيُّ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنِ سَعِيدٍ الْمُسَاحِقِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُوسَى بْنِ
стр. 235
عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: اسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌ فَوَجَدَ النَّاسَ مَحْجُوبِينَ بِبَابِهِ لَمْ يُؤْذَنْ لأحدٍ مِنْهُمْ، فَأَذِنَ لأَبِي بَكْرٍ فَدَخَلَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ، فَوَجَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ جَالِسًا وَحَوْلَهُ نِسَاؤُهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﵌ واجمٌ، فَقَالَ عُمَرُ وَاللَّهِ لأُمَازِحَنَّ النَّبِيَّ ﵌، وَلأَقُولَنَّ شَيْئًا يُضْحِكُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ رَأَيْتَ بِنْتَ خَارِجَةَ سَأَلَتْنِي آنِفًا النَّفَقَةَ، فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَوَجَأْتُ فِي عُنُقِهَا. فَضَحِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﵌، ثُمَّ قَالَ: فَهُنَّ حَوْلِي كَمَا تَرَى يَسْأَلُنَّنِي النَّفَقَةَ، قَالَ: فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَائِشَةَ فَوَجَأَ فِي عُنُقِهَا، وَقَامَ عُمَرُ إِلَى حَفْصَةَ فَوَجَأَ فِي عُنُقِهَا، وَكِلاهُمَا يَقُولُ: لِمَ تَسْأَلْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، فَقُلْنَ: وَاللَّهِ لَا نَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ أَبَدًا مَا لَيْسَ عِنْدَهُ.
تَعْلِيق وَشرح لغَوِيّ
قَالَ القَاضِي: قَول الرَّاوِي فِي هَذَا الْخَبَر " ورسولُ اللَّه ﵌: واجم، الواجم: الحزين، والوجُومُ: الْحزن والفتور، يُقَالُ: وَجِم يَجِمُ وُجُومًا فَهُوَ واجم، مثل وقف يقف وقوفًا فَهُوَ وَاقِف.
قَالَ الْأَعْشَى مَيْمُون بْن قَيْس:
هُرَيْرَةَ وَدِّعْهَا وإنْ لَام لائِمُ ... غَدَاة غدٍ أمْ أَنْتَ لِلْبَيْنِ واجمُ
وَقَول عُمَر: فَوَجَأْتُ عُنقها، مَعْنَاهُ أَنَّهُ صَكَّ عُنُقَها بِيَدِهِ أَوْ غَيرهَا، وَمن الْعَرَب من يتْرك الْهَمْز فِيهِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
وَكنت أذلّ مِنْ وتدٍ بقاعٍ ... يوجيء رَأسه بالفهر واجي
وَقيل: إِن الشَّاعِر اضطُرَّ فَترك الْهَمْز لإِقَامَة الْوَزْن فِي الْبَيْت، كَمَا قَالَ الآخر:
سَالَتْ هذيلٌ رَسُولَ اللَّهِ فاحِشَةً ... ضَلَّتْ هذيلٌ بِمَا سالَتْ وَلَم تُصِبِ
يُرِيد: سَأَلت.
وقَالَ آخر:
فارعَيْ فَزارَةُ ... لَا هَنَاكِ المرْتَعُ
يُرِيد: هَنَّأك.
خبر صَخْر بن شريد السُّلَمِيّ
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، أَنْبَأَنَا أَبُو حَاتِم، أَنْبَأَنَا الْأَصْمَعِي، قَالَ: التقى صَخْرُ بْن عَمْرو بْن الشَّرِيد السُّلَمِيّ ورجلٌ من بني أَسد، فطعن الأَسَديّ صَخرًا، فَقِيل لصخر: كَيفَ طَعَنَك؟ قَالَ: كَانَ رُمْحُه أطولَ من رُمْحِي بأُنْبُوب، فَمَرض صخرٌ مِنْهَا فطال مرضُه، فكانتْ أمُّهُ إِذا سُئلت عَنْهُ، قَالَتْ: نَحْنُ بخيرٍ مَا رَأينَا سوادَه بَيْننَا، وَكَانَت امْرَأَته
стр. 236
إِذا سُئِلت عَنْهُ، قَالَتْ: لَا حَيٌّ فيُرجَى، وَلا ميتٌ فيبكى، فَقَالَ صَخْر:
أرى أمَّ صخرٍ مَا تَمَلٌّ عِيادتي ... ومَلَّتْ سُلَيْمَي مَضْجَعِي ومَكَاني
إِذا مَا امرؤٌ سَوَّى بأُمٍّ حَلِيلَة ... فَلَا عَاشَ إِلا فِي شقًا وهوان
لَعَمْري لقَدْ أيقظتَ لَو كَانَ نَائِما ... وأسمعتَ لَو كَانَتْ لَهُ أذُنَانِ
بَصيرًا بِوَجْهِ الحَزْم لَو يَسْتَطِيعُهُ ... وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الْعِيرِ والنَّزَوانِ
قَالَ القَاضِي، ويروى: أَهُمُّ بأمرِ الحزم لَو أستطيعه.
وَقَول أم صَخْر، مَا رَأينَا سوَاده: أَيّ شَخْصَه، قَالَ الشَّاعِر:
بَين المخارِم يَرْتَقِبْنَ سَوَادِي
أَيّ شخصي.
خبر عَنْ تَحْلِيل النَّبِيذ، والاستطراد إِلَى حكمه
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن مَزْيَد الْخُزَاعِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ جَدِّي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ، قَالَ: حَضَرْتُ شَرِيكًا فِي مَجْلِسِ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ، وَعِنْدَهُ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَالْجُرَيْرِيُّ رجلٌ مِنْ وَلَدِ جُرَيْرٍ، وَكَانَ خَطِيبًا لِلسُّلْطَانِ، فَتَذَاكَرُوا الْحَدِيثَ فِي النَّبِيذِ الأَحْمَرِ وَاخْتِلافِهِمْ فِيهِ، فَقَالَ شَرِيكٌ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْن الخَطَّاب ﵁، قَالَ: إِنَّا نَأْكُلُ مِنْ لَحْمِ هَذِهِ الإِبِلِ وَنَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنَ النَّبِيذِ مَا يَقْطَعُهَا فِي أَجْوَافِنَا وَبُطُونِنَا، فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ: مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ، إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ، فَقَالَ شَرِيكٌ: أَجَلْ وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُهُ، شَغَلَكَ عَنْ ذَلِكَ الْجُلُوسُ عَلَى الطَّنَافِسِ فِي صُدُورِ الْمَجَالِسِ وَسَكَتَ.
فَتَذَاكَرَ الْقَوْمُ الْحَدِيثَ فِي النَّبِيذِ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ: أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! حَدِّثِ الْقَوْمَ بِمَا سَمِعْتَ فِي النَّبِيذِ، فَقَالَ: كَلا، الْحَدِيثُ أَعَزُّ عَلَى أَهْلِهِ مِنْ أَنْ يُعَرَّضَ لتكذيبٍ عَلَى مَنْ يَرُدُّ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ أَوْ عَلَى عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ.
تَحْقِيقُ الْمَسْأَلَةِ
قَالَ الْقَاضِي: مَا أَسْكَرَ مِنَ الأَنْبِذَةِ فَهُوَ خمرٌ مُحَرَّمٌ شُرْبُ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ الأَوْدِيُّ:
كُلُّ شَرَابٍ مسكرٍ كَثِيرُهْ ... مِنْ عِنَبٍ أَوْ غيْرِهِ عَصِيرُهْ
فَإنَّهُ محرمٌ يَسِيرُهْ ... إِنِّي لَكُمُ من شَرِّهِ نَذِيرُهْ
ويحقق هَذَا مَا رَوَاهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنِ النَّبيّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: " أَنْهَاكُمْ عَنْ قَلِيلِ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ ".
وَقَدْ ذكرنَا فِي كتبنَا الْفِقْهِيَّة الدليلَ من الْكتاب والسُّنَّة وَالْقِيَاس، عَلَى تَحْرِيم الأَنْبذةِ الَّتِي
стр. 237
أحَلَّها من أَحلَّها من مُتَفَقِّهة العراقين. وذُكِر من ذَلِكَ شَيْخُنا أَبُو جَعْفَر ﵁ فِي كتبه فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُخَالفين فِيهِ، ونَقْضِ مَا اعتلُّوا بِهِ مَا تشرّف بِهِ النَّاصح لنَفسِهِ، النَّاظِر لدينِهِ، المحقِّق فِي نظره عَلَى مَوضِع الصَّوَاب مِنْهُ، فَأَما الرِّوَايَة الَّتِي حدَّث بهَا شريكٌ عَنْ عُمَر ﵁ فَإِنَّهَا مَعْرُوفَة وَلها نَظَائِر مروية عَنْهُ، وَهِي فِي تَأْوِيلهَا غَيْر مخالفةٍ لما ذهب إِلَيْهِ مُخَالفونا، مُخطئون عندنَا فِي تَأْوِيل بَعْضهَا، فَكيف يُظَنُّ بعمر غَيْر مَا أضفنا من القَوْل إِلَيْهِ، وحَمَلْنا تَأْوِيل الرِّوَايَات عَنْهُ عَلَيْه، وَقَدْ ثَبت عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي ابْنه: إِن عُبَيْد اللَّه شرب شَرَابًا وَإِنِّي سائلٌ عَنْهُ، فَإِن كَانَ مُسْكِرًا حَدَدْتُه، فَسَأَلَ عَنْهُ فَكَانَ مُسْكرًا فَحَدَّه، فَلم يسْأَل أيُّ سائلٍ عَنْهُ: إِن كَانَ فِي نوعٍ مخصوصٍ أَوْ نيئًا غَيْر مطبوخ، وَلا قَالَ أيُّ سائلٍ عَنْ عُبَيْد اللَّه: هَلْ تَمَادى فِي شُرْب مَا شَرِبَهُ حَتَّى أسكره؟ أم اقْتصر عَلَى الْقَلِيل مِنْهُ؟ ووقف عِنْد مقدارٍ لَا يبلغ إِلَى السُّكْر بِهِ؟ وَقَدْ نُقِل عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَحدُّ فِي الرَّائحة، فَأخذ بِهَذَا جمهورُ المتفقهين من أَهْل الْمَدِينَة.
وَلَيْسَ كتَابنَا هَذَا من مَوَاضِع الإطناب فِي هَذَا الْبَاب ومحاجّاة الْخُصُوم فِيهِ.
خَلَع عَلَيْه حَتَّى اسْتَغَاثَ
وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن عَرَفَة الأَزْدِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن إِسْحَاق بْن سَلام، قَالَ: أَتَى الْكُمَيْتُ بابَ مَخْلَد بْن يَزِيد بْن الْمُهَلّب يمدحه، فصادف عَلَى بَابه أَرْبَعِينَ شَاعِرًا، فَقَالَ للآذن: استأذنْ لي عَلَى الْأَمِير.
فَاسْتَأْذن لَهُ عَلَيْه فإذِن لَهُ، فَقَالَ لَهُ: كم رأيتَ بِالْبَابِ من شاعرٍ؟ قَالَ: أربعينَ شَاعِرًا، قَالَ: فَأَنت جَالِبُ التَّمْرِ إِلَى هَجَر، قَالَ: فَإِنَّهُم جَلَبُوا دَقَلا وَجَلَبْتُ أَزَاذًا، قَالَ: فهاتِ أَزاذَك، فَأَنْشد:
هَلا سألتِ منازلا بالأبْرَقِ ... دَرَسَتْ فَكيف سُؤَالُ من لَم يَنْطِقِ
لعبتْ بهَا رِيحَانِ ريحُ عجاجةٍ ... بالسَّافِياتِ من التُّراب الْمُعْنِقِ
والهَيْفُ رأئحةٌ لَهَا ينتاحُها ... طَفَلُ العَشِيِّ بِذِي حَنَاتِمَ شُرَّقِ
الحَنَاتِمُ: جرارٌ خُضْر شَبَّه الغَيْمَ بهَا، والهَيْفُ: الرِّيحُ الحَارَّة، قَالَ القَاضِي: من الهَيفِ قولُ ذِي الرُّمَّة:
وصَوَّحَ البَقْلَ مازيٌ يجيءُ بِهِ ... هيفٌ يمانيةٌ فِي مَرِّهَا نَكَبُ
والحَنَاتِمُ: وَاحِدهَا حَنْتَمة وحَنْتَم، قَالَ الشَّاعِر فِي الحَنْتم:
وأَقْفَر من حضارةٍ وِرْدُ أهْلِهِ ... وَقَدْ كَا يَسْقِي فِي قلالٍ وحَنْتَمِ
وقَالَ فِي الحناتم:
يَمْشُون حولَ مكدمٍ قَدْ كَدَّحَتْ ... مَتْنَيْهِ حَمْلُ حناتمٍ وقِلالِ
стр. 238
قَوْله: كَدَّحَتْ متنيه حملُ حناتم، كَقَوْل الشَّاعِر:
أرَى مَرَّ السِّنِينِ أَخَذْنَ مِنِّي ... كَمَا أخذَ السِّرارُ من الْهِلالِ
وَلِهَذَا نَظَائِر تُذكَرُ وتُشْرح عِلَلُها فِي مَوَاضِع أُخَر.
تمامُ شِعر الْكُمَيْت:
تصلُ اللِّقاحُ إِلَى النَّتَاجِ مَزِيَّةً ... لِحُقوق كوكبها وَإِن لَمْ يَحْقُقِ
غَيَّرْنَ عهدَك بالديار وَمن يَكُنْ ... رَهْنَ الْحَوَادِث من جديدٍ يَخْلُقِ
إِلا خَوالِدَ فِي المحلَّةِ بيتُها ... كالطَّيلَسَانِ من الرمادِ الأوْرَقِ
مُتَبَجِّحًا تَرَكَ الولائدُ رأسَهُ ... مثلَ السِّوَاكِ ودَمُّهُ كالْمُهْرقِ
دارُ الَّتِي تركتْك غيرَ ملومةٍ ... دنا فارع بهَا عَلَيْك وأشفق
قَدْ كنتُ قبلُ تَتُوقُ من هجرانِها ... فاليومَ إذْ شحط المزارُ بهَا تَقِ
والحبُّ فيهِ حلاوةٌ ومرارة ... سائلْ بِذَلِك من تَطَعَّمَ أَوْ ذُقِ
مَا ذاقَ بُؤسَ معيشةٍ ونعيمَها ... فِيمَا مضى أحدٌ إِذا لَمْ يعشقِ
من قَالَ رَبِّ أَخا الهموم وَلَم يبتْ ... غَرَضَ الْهُمُومِ ونَصْبِهِنَّ يؤرَّقِ
حَتَّى بلغ إِلَى قَوْله:
بَشَّرْتُ نَفْسِي إذْ رأيتُك بِالغنَى ... ووثِقْتُ حِين سَمِعْتُ قَوْلك لي: ثِقِ
فَأمر بِالْخِلَعِ عَلَيْه، فخُلِع عَلَيْه حَتَّى اسْتَغَاثَ، فَقَالَ: أَتَاك الْغَوْث، ارْفَعُوا عَنْهُ.
اعتذارٌ بليغٌ لَدَى الْمَأْمُون
حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن القَاسِم بْن جَعْفَر الكوكبي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الفَضْل الْعَبَّاس بْن الفَضْل الرَّبَعيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي وإِبْرَاهِيم بْن عِيسَى، قَالا: دخل مُحَمَّد بْن عَبْد الْملك بْن صَالِح عَلَى الْمَأْمُون - وَقَدْ كَانَتْ ضِياعُه حِيزَتْ وقُبضت - فَقَالَ: السَّلام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته، مُحَمَّد بْن عَبْد الْملك بَيْنَ يَديك، سليلُ نِعْمَتك، وَابْن دَوْلتك، وغُصْنٌ من أغْصان دَوْحتك، أتأذنُ لي فِي الْكَلَام؟ قَالَ: نعم.
فَتكلم فَقَالَ: الحمدُ للَّه ربِّ الْعَالمين، وَلا إِلَه إِلا اللَّهُ ربُّ الْعَرْش الْعَظِيم، وَصلى اللَّهُ عَلَى مَلَائكَته المقربين، وعَلَى مُحَمَّد خَاتَمِ النَّبِيِّين، ونستميحُ اللَّه لحياطةِ ديننَا ودنيانا، ورعايةِ أقصانا وأدنانا ببقائك يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين، ونسألُ اللَّهَ أَن يَمُدَّ فِي عمرك وَفِي أثرك من أعمارنا وآثارنا، وَأَن يَقِيكَ الأَذَى بأسْماعنا وأَبْصارنا، فَإِنّ الحقّ لَا تَعْفُو دياره، وَلا يتهدَّمُ مَسَارُه، وَلا يَنْبتُّ حبلُه، وَلا يَزُول ظِلُّه، مَا دمت ظلّ اللَّه فِي رَعيته، والأمين عَلَى عباده وبلاده.
يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين! هَذَا مقامُ العائذ بظلِّك، الهاربُ إِلَى كَنَفِك وفَضْلِك، الفقيرُ إِلَى
стр. 239
رحْمتك وعَدْلك، من تَعَاوُرِ الغوائب، وسهام المصائب، وكَلَبِ الدَّهْر، وَذَهَاب الوَفْر، وَفِي نظرِ أَمِير الْمُؤْمِنِين مَا فَرَّج كُرْبةَ المكروب، وبَرَّد غليل الملهوف.
ثُمّ إنَّه تقدَّم من رَأْي أَمِير الْمُؤْمِنِين فِي الضِّياع الَّتِي أفادناها نعمُ آبَائِهِ الطاهرين، ونَوافِلُ أسْلافه الرَّاشدين، مَا اللَّهُ وليُّ الْخِيَرةِ فِيهِ لأمير الْمُؤْمِنِين، وَإِن عَبْد الْملك بْن صَالِح قَدِم الجزيرة حِين قدمهَا والحربُ لاقِح، والسيفُ مَشْهور، وَالشَّام قَدْ نَفِل أديمه، وتحطمتُ قُرُونُه، والسفيانيُّ قَد استعرتْ ناره، وكَثُرَتْ أنصاره، وَلبس للحرب لباسها، وأعَّد لَهَا أحَلاسها، وكُلُّنا يومئذٍ فِي ثَوب الْقِلَّةِ والصَّغار، بَيْنَ حربٍ دائرةٍ رحاها، وفتنةٍ تُصَرِّفُ بأنيابها، فكأنَّا نُهْزَةُ دواعيها، وغَرضُ راميها، إِذا ثارت عجاجةٌ من عجاجها لَمْ تَنْجَلِ إِلا عَنْ شِلْو مَأْكُول، أَوْ دمٍ مَطْلُول، أَوْ منزلٍ مَهْدوم، أَوْ مالٍ مَكْلُوم، أَوْ قلبٍ يَجِف، أَوْ عين تَذْرِف، أَوْ حرمةٍ حَرَّى، أَوْ طَرِيدَة وَلْهى، قَدْ أتْعَسَ اللَّهُ جَدَّها، تهتفُ بسِّيدها أَمِير الْمُؤْمِنِين مِنْ تَحت رَحَا الدَّهْر، وكَلْكَل الفَقْر، وَتَدْعُو اللَّه بإلباس الصَّبْر، وإعداد النَّصْر، فَالْحَمْد للَّه المتطول عَلَى أوليائك يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين، إعزازَ نصرك، الْمُبَلِّغهم الْيَوْم الَّذِي كَانُوا يأْمُلُون، والأمَدَ الْأَقْصَى الَّذِي كَانُوا ينتظرون.
ثُمّ إِنِّي قمتُ هَذَا الْمقَام متوسِّلا إِلَيْك بآبائك الطَّاهرين، بالرشيد خير الهداة الرَّاشِدين، والمَهْدِيِّ ربيع السِّنين، والمنصورِ نَكَالِ الظَّالمين، ومحمدٍ خير المحمَّدين بعد خَاتم النَّبِيين والمرسليين، وبعليٍّ زَيْن العابدين، وَبِعَبْد اللَّه تَرْجُمانِ الْقُرآن ولسان الدّين، وبالعباس وَارِث سيِّد الْمُرْسلين، مُزْدَانًا إِلَيْك بِالطَّاعَةِ الَّتِي أفرغ اللَّه عَلَيْهَا غُصْني، واحتنكتْ بهَا سِنِّي، وسِيطَ بهَا لحمي وَدمِي، مُتَعَوِّذًا من شماتة الأعداءِ، وحلول الْبلَاء، ومقارنة الشِّدَّة بعد الرخَاء.
يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين! قَدْ مضى جَدُّكَ المنصورُ وعَمُّكَ صالِحُ بنُ عليٍّ وَبَينهمَا من الرَّضاعِ والنَّسَبِ مَا قَدْ علم أميرُ الْمُؤْمِنِين، فَكَانَ ذَلِكَ لَهُ خصُوصًا ولبني أَبِيهِ عُمُوما، فَسبق بِهِ بني أَبِيهِ، وَفَاتَ بِهِ أقربيه، وَهُوَ صَاحب الجعديّ الناجم فِي مصر، حِين اجتثَّ اللَّه أصْله، وأيْبَس فَرْعَه، وصرعَهُ مَصْرَعَه، وَهُوَ صاحبُ عَبْد اللَّه بْن عَلِيّ حِين دَعَا الشَّيْطَانُ أولياءَهُ فَأَجَابُوهُ، وَرفع لَهُم لواءَ الضَّلالَةِ فاتَّبعُوه. وَهُوَ صاحبُ عِيسَى بْن مُوسَى حِين رمى الْخلَافَة بِبَصَرِه، وسَمَا إِلَيْهَا بنظره، وَمَشى إِلَيْهَا البَخْتَرِيّ، وَلبس لباسَ وُلاةِ العهود، حَتَّى أثبت اللَّه الحقَّ فِي نِصابه، وأقرَّهُ فِي قِرابه.
يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين! الدَّهْرُ ذُو اغتيال، وَقَدْ تقلَّب بِنَا حَالا بعد حَال، فليرحم أميرُ الْمُؤْمِنِين الصِّبْيةَ الصِّغَار، والعجائزَ المحجوباتِ الْكِبَار، واللاتي سقاهُنَّ الدَّهْر كَدرًا بعد صفوٍ، ومُرًّا بعد حلْو، وهَنيئًا نِعَمُ آبَائِك اللَّاتِي غَذَتْنا صغَارًا وكبارًا، وشبابًا وأمشاجًا فِي الأصلاب، ونُطَفًا فِي الْأَرْحَام، وقَرّبْنا بِحَيْثُ قَرَّبنا اللَّه مِنك فِي القَرابة والرَّحِم، فَإِن رقابَنا قَدْ ذَلَّتْ لِسَخَطك، وَإِن وُجُوهنا قَدْ عَنَتْ لموْجَدَتِك، فأقلنا عَثْرَة عاثرنا، وعَلى اللَّه المليِّ
стр. 240
الْجَزَاء، وَإِن الْحق فِي يدك، فهبْ لنا مَا قصّرنا فِيهِ من تَرْك الرِّمَمِ البالية، للأُمَمِ الخالية، مِنَّا فِي طَاعَة آبَائِك، فقد مَضَوْا مُتَمَسِّكِينَ بأقوى وسائلها، معتصمين بأقوى حبائلها، يوالون فِيهَا الْبعيد الجنيب، ويُنَادون فِيهَا الْقَرِيب الحبيب، عَلَى ذَلِكَ مَضَوْا وَبَقينَا حَتَّى يَرِثَنا اللَّه ، وَهُوَ خيرُ الْوَارِثين.
يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين! إِن اللَّه سَهَّل بك الْوُعُور، وجَلَّى بك أَن تجور، ومَلأَ من خَوفِك القلوبَ والصُّدُور، وَجَعَل اسْمك حبلا كثيفًا، وجَبَلا منيفًا، يردعُ بك الْفَاسِق، ويقمع بك الْمُنَافِق، فَارْتَبَطَ نِعَم اللَّه عَنْك بِالْعَفو وَالْإِحْسَان، فَإِن كلَّ إمامٍ مسؤل عَنْ رَعيته، وَإِن النعم لَا تَنْقَطِع بالمزيد فِيهَا حَتَّى ينقطعَ الشُّكْرُ عَلَيْهَا.
يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين! إنَّه لَا عَفْوَ أفضلُ من عَفْو إمامٍ قادرٍ عَلَى مذنبٍ عَاثِر، وَقَدْ قَالَ اللَّه : " وليعفو وَلْيَصْفَحُوا، أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ الله لكم ".
حاط اللَّهُ أَمِير الْمُؤْمِنِين بسَتْرِهِ الضَّافي، وصُنْعِه الْكَافِي، ثُمّ قَالَ:
أميرَ الْمُؤْمِنِين أَتَاك ركبٌ ... لَهُم قُرْبَى ولَيْسَ لَهُم بلادُ
همُ الصَّدْر الْمُقدم من قُرَيْش ... وَأَنت الرأسُ يتبعك العبادُ
فقد طابت لَك الدُّنْيَا ولذتْ ... وأرجُو أَن يطيب لَك المَعَادُ
فَقَالَ الْمَأْمُون: يفعلُ ذَلِكَ بِمَشِيئَة اللَّه، وأسأله التَّوْفِيق فِي الرِّضَا عَنْك، والإجابة إِلَى مَا سَأَلت، وَأَن يُعقب ذَلِكَ محبوبًا بِمَنِّهِ، وَجَمِيل عَادَته فِي مثله.
وَأمر بردِّ ضيَاعه، وَأحسن جائزته، وَقضى حاجاته.
المجلِسُ الثالِث وَالثلاثُونْ
لَا حَلِيم إِلا ذُو عَثْرَة
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَوْهِبُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْحَارِث، عَن دراج بن السَّمْحِ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الطُّوسِيُّ الْعَنْبَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ، وَمُحَمّد بْنُ إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ دَرَّاجٍ أَبِي السَّمْحِ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : قَالَ: " لَا حَلِيمَ إِلا ذُو عَثْرَةٍ، وَلا حَكِيمَ إِلا ذُو تَجْرِبَةٍ ".
قَالَ القَاضِي: وَهَذَا الخبرُ من بليغ الْحِكْمَة الَّتِي أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعلمهَا أُمته، والعاثُر إِذا كَانَ لبيبًا، والمجرِّب إِذا كَانَ مُحنَّكًا أريبًا، فَتبين هَذَا مغبة عثرته، وتهذَّب هَذَا بعواقب تجربته، استشعرا الحذار، وأنعما الِاعْتِبَار، واستصحبا الاستبصار، فتحرزا من
стр. 241
العثار، وتنزَّها عَنْ تورُّطِ الْخبط والاغترار، وَقَدْ قَالَ بعض الْعلمَاء الربانيين، وَمن بَصَّره اللَّه رُشْده فِي الدُّنْيَا وَالدّين:
لقَدْ عثرتُ عَثْرَة لأُختبرْ ... سَوف أكيسُ بعْدهَا واسْتَمِرّ
وَفِي قَول اللَّه : " إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طائفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هم مبصرون ". مَا يُؤَيّد هَذَا وَيشْهد لَهُ.
جعلنَا اللَّه وإيّاكُم مِمَّنْ يُؤثر حَظه من الخليقة الْحسنى، والطريقة المثلى، عَلَى حَظِّ نَفسه من الْهوى.
بَنو أُمَيَّة وتنقُّصها لعليّ
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَن بْن خضر، عَنْ سَعِيد بْن عُثْمَان الْقُرشي، قَالَ: سَمِع عامرُ بْن عَبْد اللَّه بْن الزُّبَير ابْنه ينالُ من عَلِيّ بْن أبي طَالِب ﵇، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ! لَا تَنْتَقِصْهُ، فَإِن بَنِي أُمَيَّة تَنَقَّصَتْهُ ثَمَانِينَ عَاما فَلم يَزِدْهُ اللَّه تَعَالَى بِذَلِك إِلا رِفْعةً، إِن الدّين لَمْ يَبْنِ شَيْئا فهدَّمتْه الدُّنْيَا، وَإِن الدُّنْيَا لَمْ تَبْنِ شَيْئا إِلا رجعتْ عَلَى مَا بنتْ فهدَّمته.
التخلُّص البارع
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مَزْيَد الْخُزَاعِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْر بْن بَكَّار، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم التَّمِيمِي، قَالَ: سَمِعْتُ الْفَضْل بْن الرَّبِيع يحدث عَن أَبِيه، قَالَ: كُنَّا وقوفًا عَلَى رَأس المَنْصُور وَقَدْ طرحت للمهدي وسَادَة، إِذْ أقبل صَالِح ابْنه فَوقف بَيْنَ السماطين وَالنَّاس عَلَى مقادير أسنانهم ومواضعهم، وَقَدْ كَانَ يرشحه لبَعض أُمُوره، فَتكلم فأجاد، وَمد المَنْصُور يَده إِلَيْهِ ثُمّ قَالَ: يَا بني إليَّ واعتنقه، وَنظر فِي وُجُوه أَصْحَابه: هَلْ يذكر أحدٌ فَضله، ويصف مقامة؟ فكلهم كره ذَلِكَ، فَقَامَ شَبَّة بْن عقال بْن معية بْن نَاجِية التَّمِيمِيّ، فَقَالَ: للَّه در خطيب قَامَ عنْدك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! ماأفصح لِسَانه، وَأحسن بَيَانه، وأمضى جنانه، وأبل رِيقه وَكَيف لَا يَكُون كَذَلِك وأمير الْمُؤْمِنِين أَبوهُ وَالْمهْدِي أَخُوهُ، وهما كَمَا قَالَ زُهَيْر بْن أَبِي سلمي:
يطْلب شأو امرأين قدما حسنا ... نالا الْمُلُوك وبذا هَذِهِ السِّوقَا
هُوَ الْجواد فَإِن يلْحق بشأوهما ... على تكاليفه فَمثله لَحقا
أَو يسبقاه عَلَى مَا كَانَ من مهلٍ ... فَمثل مَا قدما من صالحٍ سبقا
قَالَ الرَّبِيع: فَأَقْبَلَ عَليّ أَبُو عُبَيْد اللَّه فَقَالَ: واللَّه مَا رَأَيْت مثل هَذَا تخلص، أرْضى أَمِير الْمُؤْمِنِين، ومدح الْغُلَام، وَسلم من الْمهْدي.
قَالَ: والتفت إِلَى المَنْصُور فَقَالَ: يَا ربيع! لَا ينصرفن التَّمِيمِيّ إِلا بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم.
стр. 242
قصَّة عَجِيبَة فِي البراعة فِي علم النُّجُوم
حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْعَبَّاس البرتي، قَالَ: حُدِّثْتُ أَن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن طَاهِر كَانَ مولودًا بحدِّ السرطان، فَلَمَّا أَن كَانَ ذَات لَيْلَة جمع أَهْل بَيته، فَقَالَ: إِنِّي مولودٌ بِحَدّ السرطان، وَإِن طالع السّنة السرطان، وَإِن الْقَمَر اللَّيْلَة ينكسف فِي السرطان وَهِي لَيْلَة الْأَحَد، فَإِن نجوت فِي هَذِهِ اللَّيْلَة فسأبقى سِنِين، وَإِن تكن الْأُخْرَى فَإِنِّي ميتٌ لَا محَالة. فَقَالُوا لَهُ: بل يُطِيل اللَّه تَعَالَى.
قَالَ: فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَة دَعَا غُلَاما لَهُ، كَانَ قَدْ علمة النُّجُوم، فأصعده إِلَى قبَّة لَهُ فَأعْطَاهُ بَنَادِق واصطرلابًا، وقَالَ لَهُ: خُذ الطالع فَكلما مضى من انكساف الْقَمَر دقيقة فاقذف إِلَى ببندقة حَتَّى أَعْلَم ذَلِكَ.
وَجلسَ محمدٌ مَعَ أَصْحَابه فَجعل الْغُلَام كلما مضى من انكساف الْقَمَر دقيقة رمى إِلَيْهِ ببندقة، فَلَمَّا انكسف من الْقَمَر ثُلثه قَالَ لأَصْحَابه: مَا تَقولُونَ فِي رَجُل قَاعد مَعكُمْ يقْضِي ويمضي وَقَدْ ذهب ثلث عمره، وَقَالُوا لَهُ: بل يُطِيل اللَّه تَعَالَى عمرك أَيهَا الْأَمِير.
فَلَمَّا مضى من الْقَمَر ثُلُثَاهُ عمد إِلَى جواريه فَأعتق مِنْهُنَّ من أحبّ، ووقف من ضيَاعه مَا وقف، وقَالَ لَهُم: " مَا تَقولُونَ فِي رَجُل معلم يقْضِي ويمضي، وَقَدْ ذهب ثلثا عمره، فَقَالُوا لَهُ: بل يُطِيل اللَّه عمرك أَيهَا الْأَمِير، فَلَمَّا مضى من الثَّالِث دقيقتان قَالَ لَهُم مُحَمَّد إِذا استغرق الْقَمَر فأمضوا إِلَى أَخِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْن طَاهِر، ثُمّ قَامَ فاغتسل وَلبس أَكْفَانه وَتحفظ وَدخل إِلَى بيتٍ لَهُ وردَّ عَلَيْه الْبَاب واطضجع، فَلَمَّا استغرق الْقَمَر فِي الانكساف فاضت نَفسه، فَدَخَلُوا إِلَيْهِ فَإِذا هُوَ ميت، فَانْطَلقُوا إِلَى عُبَيْد اللَّه أَخِيهِ ليعلموه فَإِذا عُبَيْد اللَّه أَخُوهُ فِي طيارة عَلَى الْبَاب قَدْ سبقهمْ، فَقَالَ لَهُم: أمات أَخِي؟ قَالُوا: نعم، فَقَالَ: مَا زلت آخذ لَهُ الطالع حَتَّى استغرق الْقَمَر فِي الْكُسُوف، فَعلمت أَنَّهُ قَدْ قبض، ثُمّ دخل فأكبَّ عَلَى أَخِيه باكيًا طَويلا ثُمّ خرج وَهُوَ يَقُولُ:
هد ركن الْخلَافَة الموطود ... زَالَ عَنْهَا السرادق الْمَمْدُود
حط فسطاطها الْمُحِيط عَلَيْهَا ... هوت أطنابها فَمَال العمود
يَا كسوفين لَيْلَة الْأَحَد النح ... س أضلتكما النُّجُوم السُّعْود
أحد كَانَ حَده، من نحوسٍ جمعت ... حَدهَا إِلَيْهِ الأحود
أحدٌ كَانَ حَده مثل حد السي ... ف وَالنَّار شب فِيهَا الْوقُود
كسف الْبَدْر والأمير جَمِيعًا ... فانجلى الْبَدْر والأمير عميد
عاود الْبَدْر نوره لتجلي - يه وَنور الْأَمِير لَا يعود
стр. 243
أظلمت بعده الْخلَافَة والدن ... يَا عَلَيْهَا كآبة وجمودُ
لأمور قَدْ كَانَ دبر مِنْهَا ... مبرما وَقَدْ مضى وَمِنْهَا عنيد
قَدْ بكاه الْعرَاق والشرق والغر ... ب فمنهما تهائمٌ ونجود
وَبكى حاسدوه حزنا عَليّ ... هـ وَبكى بعده الْعَدو الحقود
يَا ابْن عَبْد الْإِلَه لَمْ يَك للمو ... ت إِلَى مَنْ سواك عَنْك محيد
قَالَ: فَلَمَّا حمل عَلَى السرير أنشأ يَقُولُ:
تداوله الأكف عَلَى سري ... أَلا للَّه مَا حمل السرير
أكف لَو تمد إِلَيْهِ حَيا ... إِذا رجعت وأطولها قصير
تباشرت الْقُبُور بِهِ وأضحى ... تبكيه الأرامل وَالْفَقِير
الْكُسُوف والخسوف
قَالَ الْقَاضِي: وَرَدَ هَذَا الْخَبَرُ عَلَى مَا وَصَفْنَاهُ. وَقِيلَ فِيهِ الْكُسُوفُ وَالانْكِسَافُ بِالْكَافِ وَاللُّغَةُ الْجَيِّدَةُ: خَسَفَ الْقَمَرُ بِالْخَاءِ، قَالَ اللَّهِ " وَخسف الْقَمَر ط، وَجَاء عَنِ النَّبيّ ﷺ : " أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يُكْسَفَانِ لِمَوْتِ أحدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، وَإِنَّمَا هُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلاةِ " فِي خبرٍ ذُكِرَ فِيهِ أَنَّ الشَّمْسَ انْكَسَفَتْ عَلَى عَهْدِهِ.
وَقَد اخْتلف اللغويون فِي هَذَا فَقَالَ بَعضهم: يُقَالُ: كسفت الشَّمْس إِذا لحق الْكُسُوف بَعْضهَا وخسفت إِذا استغرق الْكُسُوف جَمِيعهَا.
وقَالَ بَعضهم: يُقَالُ: كسفت الشَّمْس وَخسف الْقَمَر، وَقيل: هما لُغَتَانِ بِمَعْنى وَاحِد، وقَالَ أَوْس بْن حجر فِي عَبْد اللَّه بْن فَضَالَة:
ألم تكسف الشَّمْس شمس النها ... ر والنجم للجبل الْوَاجِب
ويروى: الْبَدْر فِيمَا أروي.
وَالصَّلَاة عِنْد الْكُسُوف سنة مَعْرُوفَة، وَقَد اخْتلف فِي صفتهَا وَعدد ركعاتها، والجهر والمخافتة فِي الْقِرَاءَة فِيهَا، وَكَانَ مَالك يرى الِاجْتِمَاع لَهَا فِي كسوف الشَّمْس دون الْقَمَر، وَكَانَ غَيره يرى الِاجْتِمَاع للصَّلَاة فِي الخسوفين مَعًا، وقَالَ جرير يرثي عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز:
الشَّمْس طالعةٌ لَيست بكاسفةٍ ... تبْكي عَلَيْك نُجُوم اللَّيْل والقمرا
وَقَد اخْتلف الروَاة فِي رِوَايَة هَذَا الْبَيْت، فَرَوَاهُ البصريون: الشَّمْس طالعة لَيست بكاسفةٍ، وَرَوَاهُ الْكُوفِيُّونَ الشمسُ كاسفةٌ لَيست بطالعةٍ، وَرَوَاهُ بعض الروَاة: ويبكي عَلَيْك نُجُوم اللَّيْل والقمرا، وَرَوَاهُ بَعضهم: يبكي عَلَيْك نُجُوم اللَّيْل والقمرا.
стр. 244
وَقد اخْتلف أَصْحَاب الْمعَانِي وَأهل الْعلم من الروَاة وذووا الْمعرفَة بالإعراب من النُّحَاة فِي تَفْسِير وُجُوه هَذِهِ الرِّوَايَات وقياسها فِي الْعَرَبيَّة.
وَفِي ذكر ذَلِكَ طولٌ لَا يحْتَملهُ هَذَا الْموضع، وَقَدْ ذَكرْنَاهُ فِي مَوضِع هُوَ أولى بِهِ، عَلَى أنني سأذكر عِنْد آخر تَفْسِير مَا فِي هَذَا الْخَبَر طرفا يشرف عَلَى جملَة هَذَا الْبَاب إِن شَاءَ اللَّه.
القَوْل فِي فاضت نَفسه وفاظت
وَقَول الرَّاوِي فِي هَذَا الْخَبَر: فَلَمَّا استغرق الْقَمَر فِي الإنكساف فاضت نَفسه، مَعْنَاهُ أَنَّهُ مَاتَ وَفَارق الْحَيَاة وَخرجت نَفسه، وَفِي هَذِهِ اللَّفْظَة لُغَتان محكيتان عَنِ الْعَرَب بالظاء وَالضَّاد عَلَى مَا سنبينه إِن شَاءَ اللَّه.
وَقد يُقَال: فاذ وفاز فِي هَذَا الْمَعْنى فِي أحرف كَثِيرَة.
وَقَد اخْتلف أَهْل الْعلم بِالْعَرَبِيَّةِ فِي مَوَاضِع مِمَّا يَأْتِي فِيهِ فاظ وفاض، وَأَنا أذكر مَا حضرني من جملَة القَوْل فِيهِ مِمَّا حُكيَ عَنِ الْعَرَب، وَمَا أروى من مَذَاهِب اللغويين فِيهِ، غَيْر مستقصٍ لجَمِيع مَا روينَاهُ لِسَعَتِهِ وغيبة كثيرٍ مِنْهُ، وَمن يقف عَلَى مَا أثْبته من هَذَا الْبَاب هَاهُنَا يشرف عَلَى مَعْرفَته، ويشرك الْعلمَاء بِهِ فِي إِدْرَاك جملَته أَوْ معظمه، إِن شَاءَ اللَّه.
فمما روينَاهُ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاه مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَن الطُّوسيّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدة، عَنِ الْكسَائي، قَالَ: يُقَالُ: فاظت فسه وفاض الميتُ نَفْسَهُ، وأفاظ اللَّه تَعَالَى نَفْسَهُ، قَالَ: وَبَعض بني تَمِيم يَقُولُ: فاضت نَفسه بالضاد.
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْقَاسِم الْأَنْبَارِي، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: قَالَ أَبُو الْحَسَن وأَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بْن الْحَكَم، عَنْ أَبِي الْحَسَن اللحياني، قَالَ: يُقَالُ: فاظ الْمَيِّت بالظاء، وفاض الْمَيِّت بالضاد.
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن الْأَنْبَارِي: قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّد عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن وسيم، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوب بْن السّكيت، قَالَ: يُقَالُ: فاظ الْمَيِّت يفوظ، وفاظ يفيظ.
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الجهم، عَنِ الفَرَّاء، قَالَ: يُقَالُ: فاظ الْمَيِّت نَفسه بالظاء وَنصب النَّفْس، قَالَ أَبُو بَكْر، وأنشدني أَبِي، قَالَ: أَنْشدني أَبُو عِكْرمَة الضَّبِّيّ:
وفاظ ابْن حَضْرَة عانيًا فِي بُيُوتنَا ... يمارس قدا فِي ذِرَاعَيْهِ مصحبًا
" الْمُصْحَب ": الَّذِي عَلَيْه وَبَرُه.
وقَالَ رُؤْبة:
لَا يَدْفِنُونَ مِنْهُمُ من فَاظَا
قَالَ القَاضِي: وقَالَ ابْن السِّكِّيت فِي كتَاب الْأَلْفَاظ، ويُقَالُ: فاظ الرَّجُل وفاظت نَفسه تفيظ فيظاًوفووظاً، وَقَالَ رؤبة:
لَا يفنون مِنْهُمُ من فَاظَا
стр. 245
أَيّ من هلك.
وقَالَ الْكسَائي: فَاظَ هُوَ نَفْسُه، وأَفَظْتُهُ أَنَا نَفْسَه، قَالَ: وقَالَ أَبُو عُبَيْدة: وَمن الْعَرَب من يَقُولُ فاضت نَفسه بالضاد، وَأنْشد لبَعض الرُّجَّاز:
اجْتمع النّاس وَقَالُوا عُرْسُ ... زَلَحْلَحَاتٌ مائراتٌ مُلْسُ
فَفُقِّئتْ عينٌ وفاضَتْ نفسُ ... إِذا قصاعٌ كالأكُفِّ خَمْسُ
قَالَ: وقَالَ الْكسَائي: ناسٌ من تَمِيم يَقُولُونَ: فاضت نَفسه تفيض.
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن الْأَنْبَارِي، قَالَ: وحَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عُبَيْد، عَنْ أبي عُبَيْدة، قَالَ: أَتَيْنَا رَجُلا من بني مَخْزُوم، وَكَانَ مَوْلَى ضاحية بني تَمِيم، فَوَافى دُكَيْنُ الراجز، فَقَالَ: للبواب: إِنِّي أُلاع إِلَى السجْن أدْخِلني، فَأبى البواب أَن يُدْخِلَه، فَوقف دُكَيْن الراجز عَلَى دكانٍ وَقَد انْصَرف بعضُ الْقَوْم، وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
اجْتمع النَّاس وقَالُوا عُرْسُ ... إِذا قصاع كالأكَفِّ خَمْسُ
زَلَحْلَحاتٌ قَدْ جُمِعْنَ مُلْسُ ... فَفُقِّئَتْ عينٌ وفاظت نفسُ
فَقَالَ لَهُ البواب: من أَنْت لَا حيَّاك اللَّه؟ قَالَ: أَنَا دُكَيْنُ الراجز، فَأدْخلهُ.
قَالَ أَبُو بَكْر، قَالَ لي أَبِي، قَالَ أَحْمَد بْن عُبَيْد: أُلاع مَعْنَاهُ: أتوقَّدُ حِرصًا عَلَيْه، ويحترق فُؤَادِي طلبا لَهُ، قَالَ القَاضِي: من هَذَا قَول الْأَعْشَى:
ملمعٍ لاعَةِ الْفُؤَاد عَلَى الجح ... ش فَلاهُ عَنْهَا فَبِئْسَ الفَالي
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: الزَّلَحْلحات: الَّتِي تجول وَتذهب فكَأَنَّها لَا تَقَرُّ فِي مَوضِع وَاحِد - وَجرى بَيْنَ الْأَصْمَعِي وَأبي عُبَيْدة فِي هَذَا الْبَاب تَشَاجُرٌ ومُنَازَعة - وفاظت نفس، فَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْعَرَب لَا تَقُولُ: فاظت نَفسه وَلا فاضت نَفسه، وَإِنَّمَا يَقُولُونَ: فاظ الرَّجُل إِذا مَاتَ وطَنَّ الضِّرس.
وقَالَ أَبُو عُبَيْدة: كذب الْبَاهِلِيّ - يَعْنِي الْأَصْمَعِي -: مَا هُوَ إِلا فاظت نفس.
قَالَ القَاضِي: قَول الْأَصْمَعِي: وطنَّ الضِّرس إخبارٌ مِنْهُ، لِأَن الرِّوَايَة الصَّحِيحَة فِي تَمام هَذَا الْبَيْت: وَطن الضرس مَكَان وفاظت نفس، وَقَدْ أَتَى فِي هَذَا أَربع رِوَايَات: فاظت نفسٌ وفاضت نفسٌ، وَطن الضرس وطَنَّتْ ضرس، وَاسْتشْهدَ بِهَذِهِ الرِّوَايَة من رَأَى تَأنيث الضِّرس عَلَى معنى تَأْنِيث السِّنِّ.
وقَالَ أَبُو حَاتِم فِي الضرس: رُبمَا أنَّثوه عَلَى معنى السِّنِّ، قَالَ: وَأنكر الْأَصْمَعِي تأنيثه، قَالَ: وأنشدنا قَول دُكَيْن الراجز: ففقئت عينٌ وطنت ضِرسُ إِنَّمَا هُوَ: وطَنّ الضرس، قَالَ: فَلم يفهمهُ الَّذِي سَمعه، وَأَخْطَأ سَمعه.
قَالَ أَبُو بَكْر: قَالَ أَصْحَاب الْكسَائي والفَرَّاء وَمن نقل عَنْهُمَا، فَقَالَ: فاضت نَفسه
стр. 246
وفاظت نَفسه، وفاظ الْمَيِّت نَفسه وأفاظه اللَّه نَفسه.
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر: قَالَ: وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق القَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا نصر بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَصْمَعِيُّ، عَنْ أبي عَمْرو بْن الْعَلَاء، قَالَ: يُقَالُ: فاظ الْمَيِّت وَلا يُقَالُ: فاظت نَفسه، وعَلى قَول من أجَاز فاضت نَفسه تفيض، قَالَ الشَّاعِر:
كَادَت النّفْسُ أَن تفيضَ عَلَيْهِ ... إِذْ ثَوَى حَشْوَ ريطةٍ وبُرُودِ
قَالَ القَاضِي: وَأرى أَن من قَالَ: فاض الْمَيِّت مَكَان فاظ، أَخذه من قَوْلهم: فاظ الْإِنَاء إِذا طفح فَخرج مِنْهُ بعض مَا فِيهِ، وفاض الدمع: إِذا انحدر وسال، فَكَأَن النَّفْس لما ضَاقَ بهَا الْحَيّ لَمْ يحملهَا فَفَاضَتْ وسالت، يُقَالُ: نفس سَائِلَة، قَالَ امْرُؤُ الْقَيْس:
ففاضتْ دُموعُ العَيْنِ منِّي صبَابةً ... عَلَى الَّنْحر حَتَّى بَلَّ دَمْعِيَ مَحْمَلِي
وقَالَ الْأَعْشَى:
مِن ديارٍ بالهَضْبِ هَضْبِ القَلِيبِ ... فَاضَ مَاءُ الشُّئُونِ فَيْضَ الْغُرُوبِ
أنشدنا أَبُو مُحَمَّد بْنُ الْحَسَن بْن عُثْمَان الْبَزَّار، قَالَ: أَنْشدني مُحَمَّد ابْن الرُّومِي مَوْلَى الطاهري. فِي أَبِي جَعْفَر مُحَمَّد بْن جرير الطَّبَرِيّ:
كَانَ بَحْرًا من الْعُلُوم فَلَمَّا ... فاضَ بالنَّفْس غاضَ بحرٌ مَعِينُ
من لَهُ بَعْدَهُ إِذا هُوَ لَا هُوَ ... مَثْلُهُ غَيْرُهُ عَلَيْه أمينُ
وقَالَ ابْنُ السّكيت، وقَالَ الأَصْمَعِيّ: وَجَب الرَّجُل فَهُوَ وَاجِب إِذا مَاتَ، وَأنْشد لقيس بن الخطيم:
أطاعت بَنو عوفٍ أَمِيرا نَهَاهُم ... عَنِ السِّلْمِ حَتَّى كَانَ أوّلَ وَاجِبِ
قَالَ القَاضِي: فعلى هَذَا التَّأْوِيل قَدْ يُحمل الجبلَ الواجبُ الَّذِي فِي الْبَيْت، الَّذِي قدمنَا رِوَايَته عَنْ أَوْس بْن حجر: أَن يَكُون مَعْنَاهُ: الْمَيِّت، وَمَعْنَاهُ عِنْدِي: الْوَاقِع السَّاقِط، وَمن قَوْلهم: وَجَبَتِ الشَّمس إِذا سقط الْقُرْصُ، وقَالَ اللَّه ﵎: " فَإِذا وَجَبت جنوبها ".
تَوْجِيه إِعْرَاب بَيت جرير
وَنحن الْآن مُنْجِزُو مَا وَعَدْنا فِي الْبَيَان عَنِ اخْتِلاف النَّحْوِيين فِي قَول جرير:
تَبْكِي عَلَيْك نُجُوم اللَّيل والقَمَرَا
وَفِي إِعْرَاب نُجُوم اللَّيْل، وَفِي وَجه نَصَبِ قَوْله: والقمرا، فَأَما من رَوَى:
الشَّمْس طالعةٌ لَيست بكاسفةٍ
فَإنَّهُ ينصب: نُجُوم اللَّيْل بإعمال كاسفة، كَمَا يُقَالُ: هِيَ ضاربةٌ عَبْد اللَّه، ويعطف الْقَمَر عَلَى نُجُوم اللَّيْل، وَقَوله: تبْكي صفة لقَوْله الشَّمْس طالعة، وتبكي فِي مَوضِع رفع، كأَنَّه قَالَ: طالعة باكية، وَقَدْ يَكُون تبْكي فِي مَوضِع نَصَبِ عَلَى أَنَّهُ بِمَعْنى الْحَال، إِمَّا من
стр. 247
الشَّمْس أَوْ من التَّاء فِي لَيست، كأَنَّه قَالَ: لَيْسَت فِي حَالَة بكاء، وَقَدْ تكون سادَّةً مسد خبر لَيْسَ، وَنصب نُجُوم اللَّيْل بكاسفة.
وَأشهر الجوابات فِي هَذَا وأعرفها، وأقربها مأخذًا أَن جملَة معنى هَذَا القَوْل: أَن الشَّمْس لَمْ تَقْوَ عَلَى كَسْفِ النُّجُوم وَالْقَمَر لإظلامها وكسوفها، وَقَدْ قَالَ قَائِلُونَ: نَصَبِ نُجُوم اللَّيْل بقوله: تبْكي، وَالْمعْنَى: تبْكي عَلَيْك مُدَّة نُجُوم اللَّيْل وَالْقَمَر، فنصب عَلَى الظّرْف.
وَحكى عَنِ الْعَرَب: لَا أُكَلِّمك سَعْد الْعَشِيرَة أَيّ زَمَانَه، وقَالَ آخَرُونَ: المعني تغلب ببكائها عَلَيْك بكاءَ نُجُوم اللَّيْل، وَفِي هَذَا التَّأْوِيل وَجْهَان، أَحَدهمَا أَن يَكُون أُرِيد بالنجوم وَالْقَمَر الساداتُ الأماثل، كَمَا قَالَ النَّابِغَة فِي مدح النُّعْمَان بْن الْمُنْذر:
ألم تَرَ أَن اللَّه أَعْطَاك سُورةً ... تَرى كُلّ ملكٍ دُونها يَتَذَبْذَبُ
فَإنَّك شمس والملوكُ كواكبُ ... إِذا طلعتْ لَمْ يَبْدُ مِنْهُنَّ كَوْكَبُ
وَقَدْ تَأَول الْمُفَضَّل الضَّبِّيّ قَول الفَرَزْدَق:
أخذْنا بآفاقِ السَّماءِ عَلَيْكُم ... لنا قمراها والنجومُ الطوالِعُ
أَنَّهُ عَنى بالقمر: مُحَمَّدًا وإِبْرَاهِيم صلّى اللَّه عَلَيْهِمَا، وبالنجوم الطوالع: أَئِمَّة الدّين وخلفاء الْمُسْلِمِين، وَإِن كَانَ غَيره قَدْ تَأَول ذَلِكَ أَنَّهُ الشَّمْس وَالْقَمَر وَالْكَوَاكِب، وَمثل هَذَا أَيْضا:
وَمَا لتغلب إِن عدوا مساعيهم ... نجمٌ يُضيءُ وَلا شمسٌ وَلا قَمَرُ
وَهَذَا التَّأْوِيل فِي تبْكي أَي تغلب ببكائها من الْبَاب الَّذِي يُقَالُ فِيهِ: خاصمني فَخَصمته وغالبني فغلبته، كَمَا قَالَ الأخطل:
إِن الفَرَزْدَق صَخْرَة ملمومةٌ ... طَالَتْ فَلَيْس نيالها الأوعالا
يُرِيد: طَالَتْ الأوعال فَلَيْسَتْ تنالها أَنْت، ذهب إِلَى هَذَا أَبُو بَكْر بْن الْأَنْبَارِي، وَمَا علمت أحدا سبقه إِلَيْهِ، وجائزٌ أَن يَكُون الْمَعْنى: أَن الأوعال ليستْ تنَال الصَّخرة وَقَدْ طالتها، وَتَكون من بَاب الفاعلين والمفعولين اللَّذين يفعل كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا لصَاحبه مثل مَا فعل بِهِ، مثل: ضربت وضربني زيدٌ وزيدًا، وَلِهَذَا مَوضِع ييسر فِيهِ.
وَأما من رَوَى: نُجُوم اللَّيْل والقمرا، فَإنَّهُ من بَاب الْمَفْعُول مَعَه، كَقَوْلِهِم: اسْتَوَى المَاء والخشبة، وَمَا صنعت وأباك، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
فكونُوا أنْتُمُ وَبَنِي أَبِيكُمْ ... مَكَانَ الْكُلْيَتَيْنِ من الطَّحَالِ
ويروى: الشَّمْس كاسفةً لَيست بطالعة، فَإنَّهُ استعظم أَن تطلع وَلا تكسف مَعَ الْمُصَاب.
وَمثل: ألم تكسف الشَّمْس فِي الْبَيْت الَّذِي قدمنَا ذكره، مثل هَذَا قَول الشَّاعِر:
أَيَا شَجَرَ الخابُور مَالَكَ مُورقًا ... كأنَّكَ لَمْ تَجْزَع عَلَى ابْن طَرِيف
стр. 248
فَتى لَا يُحِبُّ الزَّادَ إِلا من التُّقَى ... وَلا المالَ إِلا من قَنَاةِ سُيُوفِ
احذر هَؤُلاءِ الْخَمْسَة
حَدَّثَنَا أبي ﵁، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الْخُتلِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يزِيد مولى بني هِشَام، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْقُرَشِيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْهُذلِيّ، عَنْ أَبِي حَمْزَة الثمالِي، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْن عَلِيّ، قَالَ: قَالَ لي أَبِي: يَا بني! انْظُر خَمْسَة لَا تحادِثْهُمْ وَلا تُصَاحِبْهُمْ، وَلا تُرى مَعهم فِي طَرِيق، قُلْتُ: يَا أبه! جُعِلتُ فِدَاكَ، من هَؤُلاءِ الْخَمْسَة؟ قَالَ: إياك ومصاحبةَ الْفَاسِق، فَإنَّهُ يبيعك بأكلةٍ أَوْ أقل مِنْهَا، قُلْتُ: يَا أبه! وَمَا أقل مِنْهَا؟ قَالَ: الطمع فِيهَا ثُمّ لَا ينالها. قُلْتُ: يَا أبه! وَمن الثَّانِي؟ قَالَ: إياك ومصاحبة الْبَخِيل، فَإنَّهُ يخذلك فِي مَاله أحْوج مَا تكون إِلَيْهِ، قُلْتُ: يَا أبه! وَمن الثَّالِث؟ قَالَ: إياك ومصاحبة الْكذَّاب فَإنَّهُ يقرب مِنْك الْبعيد ويباعد مِنْك الْقَرِيب، قُلْتُ: يَا أبه! وَمن الرَّابِع؟ قَالَ: إياك ومصاحبة الأحمق، فَإنَّهُ يحذرك مِمَّنْ يُرِيد أَن ينفعك فيضرك، قُلْتُ: يَا أبه! وَمن الْخَامِس؟ قَالَ: إياك ومصاحبة الْقَاطِع لرحمه، لِأَنِّي وجدته ملعونًا فِي كتاب اللَّه فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع فِي الَّذِين كفرُوا، " فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ " إِلَخ، وَفِي الرَّعْد " الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ " الآيَةَ، وَفِي الْبَقَرَة: " إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا " إِلَى آخر الآيةِ.
وَاحْذَرْ هَؤُلاءِ إِن ...
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن زِيَاد، قَالَ: أَخْبَرَنَا دَاوُد بْن وسيم، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن أَخِي الْأَصْمَعِي، عَنْ عمّه، قَالَ: قَالَ أَبُو عَمْرو بْن الْعَلاء: يَا عَبْد الْملك: كن من الْكَرِيم عَلَى حذرٍ إِن أهنته، وَمن اللَّئِيم إِذا أكرمته، وَمن الْعَاقِل إِذا أحرجته، وَمن الأحمق إِذا مازحته، وَمن الْفَاجِر إِذا عاشرته، وَلَيْسَ من الْأَدَب أَن تجيب من لَا يَسْأَلك، وَلا تسْأَل من لَا يُجيبك، أَوْ تُحَدِّث من لَا يُنْصِت لَك.
قَالَ القَاضِي: وَكَأن قَول البحتري:
وسألتُ من لَا يستجيب فَكنت فِي اس ... تخباره كمجيب من لَا يسْأَل
مأخوذٌ من قَول أبي عَمْرو فِي هَذَا الْخَبَر، وَمَا ذكره من سُؤال من لَا يُجيب، وَإجَابَة من لَمْ يسْأَل.
معنى تعاوره الشُّعَرَاء
حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر بْن إِسْحَاق الحائري الْمَوْصِلِيّ بِالْبَصْرَةِ، قَالَ: كُنْت فِي منزل أَبِي عَبْد اللَّه نفطويه إِذْ دخل عَلَيْه غلامٌ هاشمي نضر الْوَجْه، فَقَالَ لَهُ: يَا أستاذ! قَدْ عملت من الشّعْر بَيْتَيْنِ اسمعهما، فَقَالَ: أنْشد، فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
كم صديقٍ منحته صفو ودي ... فجفاني وملني وقلاني
стр. 249
قل مَا مل ثُمّ عاود وَصلي ... بَعْدَمَا ذمّ صُحْبَة الخلان
قَالَ نفطويه: يَا موصلي! لَيْسَ تجيئون بِمثل هَذِهِ الملاحات. قَالَ أَبُو مُحَمَّد: فأمسكتُ سَاعَة ثُمّ عملتُ هذَيْن الْبَيْتَيْنِ:
أَحْمد اللَّه مَا امتحنت صديقا ... لي إِلا نَدِمت عِنْد امتحاني
لَيْت شعري خصصت بالغدر من ... كُلّ صديقٍ أم ذَاك حكم الزَّمَان
قَالَ القَاضِي: وَقد قَالَ متقدموا الشُّعَرَاء ومتأخروهم فِيمَا تضمنته هَذِهِ الأبيات الْأَرْبَعَة مَا يتعب جمعه ويشق استيعابه، ولعلنا نودع مجَالِس كتَابنَا هَذَا كثيرا مِنْهُ إِن شَاءَ اللَّه تَعَالَى.
وَمِمَّا جَاءَ فِي هَذَا:
ذممتك جاهدًا حَتَّى إِذا مَا ... بلوت سواك عَاد الذَّم حمدا
وَلَم أحمدك من خيرٍ وَلَكِن ... وجدت سواك شرا مِنْك جدا
فعدت إِلَيْك مبتئسًا ذليلا ... لِأَنِّي لَمْ أجد من ذَاك بدا
كذي جوعٍ تحامى أكل ميتٍ ... فَلَمَّا اضْطر عَاد إِلَيْهِ شدا
وَالْبَيْت السائر فِي هَذَا الْمَعْنى:
عتبتُ عَلَى بشرٍ فَلَمَّا جفوته ... وعاشرت أَقْوَامًا بكيتُ عَليّ بشر
رُبمَا نفع الْحمق
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يَحْيَى الصولي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَن أَحْمَد بْن مُحَمَّد الأَنْصَارِيّ، حَدَّثَنَا ابْن الْمُدبر، قَالَ: انْفَرد الرشيد وعِيسَى بْن جَعْفَر بْن المَنْصُور والْفَضْل بْن الرَّبِيع فِي صيد من الموكب، فَلَقوا أَعْرَابِيًا مليحاً فصيحًا فولع بِهِ عِيسَى إِلَى أَن قَالَ لَهُ: يَا ابْن الزَّانِيَة! فَقَالَ: بئس مَا قُلْتُ، قَدْ وَجب عَلَيْك ردهَا أَو الْعِوَض، فارض بِهَذَيْنِ المليحين يحكمان بيني وَبَيْنك، فَقَالَ: قَدْ رضيت، فَقَالا: يَا أَعْرَابِي! خُذْ مِنْهُ دانقين عوضا من شتمك، فَقَالَ: أَهَذا الْحُكْمُ؟ فَقَالا: نعم، فَقَالَ: هَذَا درهمٌ وأمكم جَمِيعًا زانيه، وَقد أرجحت لَكمَا بترك مَا وَجب لي.
فغلب عَلَيْهِم الضحك، وَمَا كَانَ لَهُم سرُور يومهم ذَلِكَ غَيْر الْأَعرَابِي، وَضم الرشيد الْأَعرَابِي إِلَيْهِ وَخص بِهِ، وَكَانَ يَدعُوهُ فِي أكثرالأوقات، فَكَانَ الْأَعرَابِي بعد ذَلِكَ يَقُولُ للرشيد: لَو عرفت لأبقيت، ولربما نفع الْحمق.
المجلِسُ الرَّابِع وَالثَلاثونْ
شكره الله أَربع خِصَال
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدِ بْنِ حَفْصٍ الْعَطَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَمْزَةَ، أَبُو عَبْدِ اللَّهَ الْعَلَوِيُّ الْعَيَّاشِيُّ، ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ دَاوُدَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْن عليّ بْن عَبْد اللَّه بن
стр. 250
جَعْفَر ابْن أَبِي طَالِبٍ الْجَعْفَرِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْخَصِيبِ الْحَنَفِيُّ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، ثَنَا أَيُّوبُ بْنُ بَزَّازٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيَّ أَنَّهُ شَكَرَكَ عَلَى أَرْبَعِ خِصَالٍ كُنْتَ عَلَيْهِنَّ مُقِيمًا قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَنِي اللَّهُ تَعَالَى، فَمَا هُنَّ؟ قَالَ جَعْفَرٌ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، لَوْلا أَنَّ اللَّهَ نَبَّأَكَ بِهِنَّ مَا أَنْبَأْتُكَ عَنْ نَفْسِي كَرَاهِيَةَ التَّزْكِيَةِ.
إِنِّي كَرِهْتُ عِبَادَةَ الأَوْثَانِ لأَنِّي رَأَيْتُهَا لَا تَنْفَعُ وَلا تَضُرُّ، وَكَرِهْتُ الزِّنَا لأَنِّي كَرِهْتُ أَنْ يُؤْتَى إِلَيَّ، وَكَرِهْتُ شُرْبَ الْخَمْرِ لأَنِّي رَأَيْتُهَا مُنْقِصَةً لِلْعَقْلِ، وَكُنْتُ إِلَى أَنْ أَزِيدَ فِي عَقْلِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَنْقِصَهُ، وَكَرِهْتُ الْكَذِبَ لأَنِّي رَأَيْتُهُ دَنَاءَةً.
تَعْلِيق الْمُؤلف
قَالَ القَاضِي: وَفِي هَذَا الْخَبَر من المحاسن لظَاهِر مَا فِيهَا من الْفَضْل لِذَوي اللب وَالْعقل، مَا لَا خَفَاء بِهِ لمن أحسن النّظر لنَفسِهِ، ونصح لَهَا، وحرص عَلَى رشدها وصلاحها، ونزهها عَمَّا يرديها ويشينها.
وَقَدْ أَتَت الشَّرِيعَة بِالدُّعَاءِ إِلَى هَذِهِ الْخِصَال، ووكدتها وحضت عَلَيْهَا وأيدتها، وَذَلِكَ أظهر من أَن يحْتَاج إِلَى ذكر مَا أَتَى بِهِ التَّنْزِيل، وأَنْبَأَ بِهِ الرَّسُول، وَرُوِيَ عَنْ عُلَمَاء أَهْل الْفِقْه والتأويل، وَأولى التَّقَدُّم فِي الْفَهم والتحصيل، وَالْأَمر فِيهِ أوضح من أَن يحْتَاج إِلَى الإطلالة بإحضار مَا رُوِيَ فِيهِ.
وفقنا اللَّه وَإِيَّاكُم لما يرضيه، وعصمنا من الضَّلَالَة وهدانا لصالح الْأَعْمَال وَحميد الفعال، وَهُوَ الْوَلِيّ الْحَمِيد، الْعلي الْمجِيد.
مَا كَانَ زِيَاد يَقُوله للرجل إِذا ولاه عملا
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِم، عَنْ أبي عُبَيْدة، عَنْ يُونُس، قَالَ: كَانَ زيادٌ إِذا وُلّى رَجُلا عملا قَالَ لَهُ: خُذْ عَهْدك وسر إِلَى عَمَلك، وَاعْلَم أنَّكَ مَصْرُوف رَأس سنتك، وَأَنَّك تصير إِلَى أَربع خلال، فاختر لنَفسك، إِنَّا إِن وجدناك أَمينا ضَعِيفا استبدلنا بك لضعفك، وسلمتك من معرتنا أمانتك، وَإِن وجدناك قَوِيا خائنًا استهنَّا بقوتك، وأحسنَّا عَلَى خِيَانَتك أدبك، وأوجعنا ظهرك، وثقلنا غرمك، وَإِن جمعت علينا الجرمين جَمعنَا عَلَيْك المضرتين، وَإِن وجدناك أَمينا قَوِيا زِدْنَا فِي عَمَلك، ورفعنا ذكرك، وكثرنا مَالك، وأوطأنا عقبك.
معنى أوطأنا عقبك
قَالَ القَاضِي: قَول زِيَاد: وأوطأنا عقبك، يُرِيد أَن نشرفك وننوه بك ونرفع من قدرك، فيكثر أتباعك، ويطأ الرِّجَال عقبك، باتبَاعهمْ إياك، وازدحامهم فِي موكبك، وَالْعرب تَقُولُ للرجل إِذا وَصفته بالسؤدد: فلَان موطأ الأعقاب، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
следующие страницы →