Полный текст (740 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وفاظت نَفسه، وفاظ الْمَيِّت نَفسه وأفاظه اللَّه نَفسه.
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر: قَالَ: وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق القَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا نصر بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَصْمَعِيُّ، عَنْ أبي عَمْرو بْن الْعَلَاء، قَالَ: يُقَالُ: فاظ الْمَيِّت وَلا يُقَالُ: فاظت نَفسه، وعَلى قَول من أجَاز فاضت نَفسه تفيض، قَالَ الشَّاعِر:
كَادَت النّفْسُ أَن تفيضَ عَلَيْهِ ... إِذْ ثَوَى حَشْوَ ريطةٍ وبُرُودِ
قَالَ القَاضِي: وَأرى أَن من قَالَ: فاض الْمَيِّت مَكَان فاظ، أَخذه من قَوْلهم: فاظ الْإِنَاء إِذا طفح فَخرج مِنْهُ بعض مَا فِيهِ، وفاض الدمع: إِذا انحدر وسال، فَكَأَن النَّفْس لما ضَاقَ بهَا الْحَيّ لَمْ يحملهَا فَفَاضَتْ وسالت، يُقَالُ: نفس سَائِلَة، قَالَ امْرُؤُ الْقَيْس:
ففاضتْ دُموعُ العَيْنِ منِّي صبَابةً ... عَلَى الَّنْحر حَتَّى بَلَّ دَمْعِيَ مَحْمَلِي
وقَالَ الْأَعْشَى:
مِن ديارٍ بالهَضْبِ هَضْبِ القَلِيبِ ... فَاضَ مَاءُ الشُّئُونِ فَيْضَ الْغُرُوبِ
أنشدنا أَبُو مُحَمَّد بْنُ الْحَسَن بْن عُثْمَان الْبَزَّار، قَالَ: أَنْشدني مُحَمَّد ابْن الرُّومِي مَوْلَى الطاهري. فِي أَبِي جَعْفَر مُحَمَّد بْن جرير الطَّبَرِيّ:
كَانَ بَحْرًا من الْعُلُوم فَلَمَّا ... فاضَ بالنَّفْس غاضَ بحرٌ مَعِينُ
من لَهُ بَعْدَهُ إِذا هُوَ لَا هُوَ ... مَثْلُهُ غَيْرُهُ عَلَيْه أمينُ
وقَالَ ابْنُ السّكيت، وقَالَ الأَصْمَعِيّ: وَجَب الرَّجُل فَهُوَ وَاجِب إِذا مَاتَ، وَأنْشد لقيس بن الخطيم:
أطاعت بَنو عوفٍ أَمِيرا نَهَاهُم ... عَنِ السِّلْمِ حَتَّى كَانَ أوّلَ وَاجِبِ
قَالَ القَاضِي: فعلى هَذَا التَّأْوِيل قَدْ يُحمل الجبلَ الواجبُ الَّذِي فِي الْبَيْت، الَّذِي قدمنَا رِوَايَته عَنْ أَوْس بْن حجر: أَن يَكُون مَعْنَاهُ: الْمَيِّت، وَمَعْنَاهُ عِنْدِي: الْوَاقِع السَّاقِط، وَمن قَوْلهم: وَجَبَتِ الشَّمس إِذا سقط الْقُرْصُ، وقَالَ اللَّه ﵎: " فَإِذا وَجَبت جنوبها ".
تَوْجِيه إِعْرَاب بَيت جرير
وَنحن الْآن مُنْجِزُو مَا وَعَدْنا فِي الْبَيَان عَنِ اخْتِلاف النَّحْوِيين فِي قَول جرير:
تَبْكِي عَلَيْك نُجُوم اللَّيل والقَمَرَا
وَفِي إِعْرَاب نُجُوم اللَّيْل، وَفِي وَجه نَصَبِ قَوْله: والقمرا، فَأَما من رَوَى:
الشَّمْس طالعةٌ لَيست بكاسفةٍ
فَإنَّهُ ينصب: نُجُوم اللَّيْل بإعمال كاسفة، كَمَا يُقَالُ: هِيَ ضاربةٌ عَبْد اللَّه، ويعطف الْقَمَر عَلَى نُجُوم اللَّيْل، وَقَوله: تبْكي صفة لقَوْله الشَّمْس طالعة، وتبكي فِي مَوضِع رفع، كأَنَّه قَالَ: طالعة باكية، وَقَدْ يَكُون تبْكي فِي مَوضِع نَصَبِ عَلَى أَنَّهُ بِمَعْنى الْحَال، إِمَّا من
стр. 247
الشَّمْس أَوْ من التَّاء فِي لَيست، كأَنَّه قَالَ: لَيْسَت فِي حَالَة بكاء، وَقَدْ تكون سادَّةً مسد خبر لَيْسَ، وَنصب نُجُوم اللَّيْل بكاسفة.
وَأشهر الجوابات فِي هَذَا وأعرفها، وأقربها مأخذًا أَن جملَة معنى هَذَا القَوْل: أَن الشَّمْس لَمْ تَقْوَ عَلَى كَسْفِ النُّجُوم وَالْقَمَر لإظلامها وكسوفها، وَقَدْ قَالَ قَائِلُونَ: نَصَبِ نُجُوم اللَّيْل بقوله: تبْكي، وَالْمعْنَى: تبْكي عَلَيْك مُدَّة نُجُوم اللَّيْل وَالْقَمَر، فنصب عَلَى الظّرْف.
وَحكى عَنِ الْعَرَب: لَا أُكَلِّمك سَعْد الْعَشِيرَة أَيّ زَمَانَه، وقَالَ آخَرُونَ: المعني تغلب ببكائها عَلَيْك بكاءَ نُجُوم اللَّيْل، وَفِي هَذَا التَّأْوِيل وَجْهَان، أَحَدهمَا أَن يَكُون أُرِيد بالنجوم وَالْقَمَر الساداتُ الأماثل، كَمَا قَالَ النَّابِغَة فِي مدح النُّعْمَان بْن الْمُنْذر:
ألم تَرَ أَن اللَّه أَعْطَاك سُورةً ... تَرى كُلّ ملكٍ دُونها يَتَذَبْذَبُ
فَإنَّك شمس والملوكُ كواكبُ ... إِذا طلعتْ لَمْ يَبْدُ مِنْهُنَّ كَوْكَبُ
وَقَدْ تَأَول الْمُفَضَّل الضَّبِّيّ قَول الفَرَزْدَق:
أخذْنا بآفاقِ السَّماءِ عَلَيْكُم ... لنا قمراها والنجومُ الطوالِعُ
أَنَّهُ عَنى بالقمر: مُحَمَّدًا وإِبْرَاهِيم صلّى اللَّه عَلَيْهِمَا، وبالنجوم الطوالع: أَئِمَّة الدّين وخلفاء الْمُسْلِمِين، وَإِن كَانَ غَيره قَدْ تَأَول ذَلِكَ أَنَّهُ الشَّمْس وَالْقَمَر وَالْكَوَاكِب، وَمثل هَذَا أَيْضا:
وَمَا لتغلب إِن عدوا مساعيهم ... نجمٌ يُضيءُ وَلا شمسٌ وَلا قَمَرُ
وَهَذَا التَّأْوِيل فِي تبْكي أَي تغلب ببكائها من الْبَاب الَّذِي يُقَالُ فِيهِ: خاصمني فَخَصمته وغالبني فغلبته، كَمَا قَالَ الأخطل:
إِن الفَرَزْدَق صَخْرَة ملمومةٌ ... طَالَتْ فَلَيْس نيالها الأوعالا
يُرِيد: طَالَتْ الأوعال فَلَيْسَتْ تنالها أَنْت، ذهب إِلَى هَذَا أَبُو بَكْر بْن الْأَنْبَارِي، وَمَا علمت أحدا سبقه إِلَيْهِ، وجائزٌ أَن يَكُون الْمَعْنى: أَن الأوعال ليستْ تنَال الصَّخرة وَقَدْ طالتها، وَتَكون من بَاب الفاعلين والمفعولين اللَّذين يفعل كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا لصَاحبه مثل مَا فعل بِهِ، مثل: ضربت وضربني زيدٌ وزيدًا، وَلِهَذَا مَوضِع ييسر فِيهِ.
وَأما من رَوَى: نُجُوم اللَّيْل والقمرا، فَإنَّهُ من بَاب الْمَفْعُول مَعَه، كَقَوْلِهِم: اسْتَوَى المَاء والخشبة، وَمَا صنعت وأباك، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
فكونُوا أنْتُمُ وَبَنِي أَبِيكُمْ ... مَكَانَ الْكُلْيَتَيْنِ من الطَّحَالِ
ويروى: الشَّمْس كاسفةً لَيست بطالعة، فَإنَّهُ استعظم أَن تطلع وَلا تكسف مَعَ الْمُصَاب.
وَمثل: ألم تكسف الشَّمْس فِي الْبَيْت الَّذِي قدمنَا ذكره، مثل هَذَا قَول الشَّاعِر:
أَيَا شَجَرَ الخابُور مَالَكَ مُورقًا ... كأنَّكَ لَمْ تَجْزَع عَلَى ابْن طَرِيف
стр. 248
فَتى لَا يُحِبُّ الزَّادَ إِلا من التُّقَى ... وَلا المالَ إِلا من قَنَاةِ سُيُوفِ
احذر هَؤُلاءِ الْخَمْسَة
حَدَّثَنَا أبي ﵁، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الْخُتلِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يزِيد مولى بني هِشَام، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْقُرَشِيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْهُذلِيّ، عَنْ أَبِي حَمْزَة الثمالِي، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْن عَلِيّ، قَالَ: قَالَ لي أَبِي: يَا بني! انْظُر خَمْسَة لَا تحادِثْهُمْ وَلا تُصَاحِبْهُمْ، وَلا تُرى مَعهم فِي طَرِيق، قُلْتُ: يَا أبه! جُعِلتُ فِدَاكَ، من هَؤُلاءِ الْخَمْسَة؟ قَالَ: إياك ومصاحبةَ الْفَاسِق، فَإنَّهُ يبيعك بأكلةٍ أَوْ أقل مِنْهَا، قُلْتُ: يَا أبه! وَمَا أقل مِنْهَا؟ قَالَ: الطمع فِيهَا ثُمّ لَا ينالها. قُلْتُ: يَا أبه! وَمن الثَّانِي؟ قَالَ: إياك ومصاحبة الْبَخِيل، فَإنَّهُ يخذلك فِي مَاله أحْوج مَا تكون إِلَيْهِ، قُلْتُ: يَا أبه! وَمن الثَّالِث؟ قَالَ: إياك ومصاحبة الْكذَّاب فَإنَّهُ يقرب مِنْك الْبعيد ويباعد مِنْك الْقَرِيب، قُلْتُ: يَا أبه! وَمن الرَّابِع؟ قَالَ: إياك ومصاحبة الأحمق، فَإنَّهُ يحذرك مِمَّنْ يُرِيد أَن ينفعك فيضرك، قُلْتُ: يَا أبه! وَمن الْخَامِس؟ قَالَ: إياك ومصاحبة الْقَاطِع لرحمه، لِأَنِّي وجدته ملعونًا فِي كتاب اللَّه فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع فِي الَّذِين كفرُوا، " فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ " إِلَخ، وَفِي الرَّعْد " الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ " الآيَةَ، وَفِي الْبَقَرَة: " إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا " إِلَى آخر الآيةِ.
وَاحْذَرْ هَؤُلاءِ إِن ...
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن زِيَاد، قَالَ: أَخْبَرَنَا دَاوُد بْن وسيم، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن أَخِي الْأَصْمَعِي، عَنْ عمّه، قَالَ: قَالَ أَبُو عَمْرو بْن الْعَلاء: يَا عَبْد الْملك: كن من الْكَرِيم عَلَى حذرٍ إِن أهنته، وَمن اللَّئِيم إِذا أكرمته، وَمن الْعَاقِل إِذا أحرجته، وَمن الأحمق إِذا مازحته، وَمن الْفَاجِر إِذا عاشرته، وَلَيْسَ من الْأَدَب أَن تجيب من لَا يَسْأَلك، وَلا تسْأَل من لَا يُجيبك، أَوْ تُحَدِّث من لَا يُنْصِت لَك.
قَالَ القَاضِي: وَكَأن قَول البحتري:
وسألتُ من لَا يستجيب فَكنت فِي اس ... تخباره كمجيب من لَا يسْأَل
مأخوذٌ من قَول أبي عَمْرو فِي هَذَا الْخَبَر، وَمَا ذكره من سُؤال من لَا يُجيب، وَإجَابَة من لَمْ يسْأَل.
معنى تعاوره الشُّعَرَاء
حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر بْن إِسْحَاق الحائري الْمَوْصِلِيّ بِالْبَصْرَةِ، قَالَ: كُنْت فِي منزل أَبِي عَبْد اللَّه نفطويه إِذْ دخل عَلَيْه غلامٌ هاشمي نضر الْوَجْه، فَقَالَ لَهُ: يَا أستاذ! قَدْ عملت من الشّعْر بَيْتَيْنِ اسمعهما، فَقَالَ: أنْشد، فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
كم صديقٍ منحته صفو ودي ... فجفاني وملني وقلاني
стр. 249
قل مَا مل ثُمّ عاود وَصلي ... بَعْدَمَا ذمّ صُحْبَة الخلان
قَالَ نفطويه: يَا موصلي! لَيْسَ تجيئون بِمثل هَذِهِ الملاحات. قَالَ أَبُو مُحَمَّد: فأمسكتُ سَاعَة ثُمّ عملتُ هذَيْن الْبَيْتَيْنِ:
أَحْمد اللَّه مَا امتحنت صديقا ... لي إِلا نَدِمت عِنْد امتحاني
لَيْت شعري خصصت بالغدر من ... كُلّ صديقٍ أم ذَاك حكم الزَّمَان
قَالَ القَاضِي: وَقد قَالَ متقدموا الشُّعَرَاء ومتأخروهم فِيمَا تضمنته هَذِهِ الأبيات الْأَرْبَعَة مَا يتعب جمعه ويشق استيعابه، ولعلنا نودع مجَالِس كتَابنَا هَذَا كثيرا مِنْهُ إِن شَاءَ اللَّه تَعَالَى.
وَمِمَّا جَاءَ فِي هَذَا:
ذممتك جاهدًا حَتَّى إِذا مَا ... بلوت سواك عَاد الذَّم حمدا
وَلَم أحمدك من خيرٍ وَلَكِن ... وجدت سواك شرا مِنْك جدا
فعدت إِلَيْك مبتئسًا ذليلا ... لِأَنِّي لَمْ أجد من ذَاك بدا
كذي جوعٍ تحامى أكل ميتٍ ... فَلَمَّا اضْطر عَاد إِلَيْهِ شدا
وَالْبَيْت السائر فِي هَذَا الْمَعْنى:
عتبتُ عَلَى بشرٍ فَلَمَّا جفوته ... وعاشرت أَقْوَامًا بكيتُ عَليّ بشر
رُبمَا نفع الْحمق
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يَحْيَى الصولي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَن أَحْمَد بْن مُحَمَّد الأَنْصَارِيّ، حَدَّثَنَا ابْن الْمُدبر، قَالَ: انْفَرد الرشيد وعِيسَى بْن جَعْفَر بْن المَنْصُور والْفَضْل بْن الرَّبِيع فِي صيد من الموكب، فَلَقوا أَعْرَابِيًا مليحاً فصيحًا فولع بِهِ عِيسَى إِلَى أَن قَالَ لَهُ: يَا ابْن الزَّانِيَة! فَقَالَ: بئس مَا قُلْتُ، قَدْ وَجب عَلَيْك ردهَا أَو الْعِوَض، فارض بِهَذَيْنِ المليحين يحكمان بيني وَبَيْنك، فَقَالَ: قَدْ رضيت، فَقَالا: يَا أَعْرَابِي! خُذْ مِنْهُ دانقين عوضا من شتمك، فَقَالَ: أَهَذا الْحُكْمُ؟ فَقَالا: نعم، فَقَالَ: هَذَا درهمٌ وأمكم جَمِيعًا زانيه، وَقد أرجحت لَكمَا بترك مَا وَجب لي.
فغلب عَلَيْهِم الضحك، وَمَا كَانَ لَهُم سرُور يومهم ذَلِكَ غَيْر الْأَعرَابِي، وَضم الرشيد الْأَعرَابِي إِلَيْهِ وَخص بِهِ، وَكَانَ يَدعُوهُ فِي أكثرالأوقات، فَكَانَ الْأَعرَابِي بعد ذَلِكَ يَقُولُ للرشيد: لَو عرفت لأبقيت، ولربما نفع الْحمق.
المجلِسُ الرَّابِع وَالثَلاثونْ
شكره الله أَربع خِصَال
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدِ بْنِ حَفْصٍ الْعَطَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَمْزَةَ، أَبُو عَبْدِ اللَّهَ الْعَلَوِيُّ الْعَيَّاشِيُّ، ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ دَاوُدَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْن عليّ بْن عَبْد اللَّه بن
стр. 250
جَعْفَر ابْن أَبِي طَالِبٍ الْجَعْفَرِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْخَصِيبِ الْحَنَفِيُّ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، ثَنَا أَيُّوبُ بْنُ بَزَّازٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيَّ أَنَّهُ شَكَرَكَ عَلَى أَرْبَعِ خِصَالٍ كُنْتَ عَلَيْهِنَّ مُقِيمًا قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَنِي اللَّهُ تَعَالَى، فَمَا هُنَّ؟ قَالَ جَعْفَرٌ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، لَوْلا أَنَّ اللَّهَ نَبَّأَكَ بِهِنَّ مَا أَنْبَأْتُكَ عَنْ نَفْسِي كَرَاهِيَةَ التَّزْكِيَةِ.
إِنِّي كَرِهْتُ عِبَادَةَ الأَوْثَانِ لأَنِّي رَأَيْتُهَا لَا تَنْفَعُ وَلا تَضُرُّ، وَكَرِهْتُ الزِّنَا لأَنِّي كَرِهْتُ أَنْ يُؤْتَى إِلَيَّ، وَكَرِهْتُ شُرْبَ الْخَمْرِ لأَنِّي رَأَيْتُهَا مُنْقِصَةً لِلْعَقْلِ، وَكُنْتُ إِلَى أَنْ أَزِيدَ فِي عَقْلِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَنْقِصَهُ، وَكَرِهْتُ الْكَذِبَ لأَنِّي رَأَيْتُهُ دَنَاءَةً.
تَعْلِيق الْمُؤلف
قَالَ القَاضِي: وَفِي هَذَا الْخَبَر من المحاسن لظَاهِر مَا فِيهَا من الْفَضْل لِذَوي اللب وَالْعقل، مَا لَا خَفَاء بِهِ لمن أحسن النّظر لنَفسِهِ، ونصح لَهَا، وحرص عَلَى رشدها وصلاحها، ونزهها عَمَّا يرديها ويشينها.
وَقَدْ أَتَت الشَّرِيعَة بِالدُّعَاءِ إِلَى هَذِهِ الْخِصَال، ووكدتها وحضت عَلَيْهَا وأيدتها، وَذَلِكَ أظهر من أَن يحْتَاج إِلَى ذكر مَا أَتَى بِهِ التَّنْزِيل، وأَنْبَأَ بِهِ الرَّسُول، وَرُوِيَ عَنْ عُلَمَاء أَهْل الْفِقْه والتأويل، وَأولى التَّقَدُّم فِي الْفَهم والتحصيل، وَالْأَمر فِيهِ أوضح من أَن يحْتَاج إِلَى الإطلالة بإحضار مَا رُوِيَ فِيهِ.
وفقنا اللَّه وَإِيَّاكُم لما يرضيه، وعصمنا من الضَّلَالَة وهدانا لصالح الْأَعْمَال وَحميد الفعال، وَهُوَ الْوَلِيّ الْحَمِيد، الْعلي الْمجِيد.
مَا كَانَ زِيَاد يَقُوله للرجل إِذا ولاه عملا
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِم، عَنْ أبي عُبَيْدة، عَنْ يُونُس، قَالَ: كَانَ زيادٌ إِذا وُلّى رَجُلا عملا قَالَ لَهُ: خُذْ عَهْدك وسر إِلَى عَمَلك، وَاعْلَم أنَّكَ مَصْرُوف رَأس سنتك، وَأَنَّك تصير إِلَى أَربع خلال، فاختر لنَفسك، إِنَّا إِن وجدناك أَمينا ضَعِيفا استبدلنا بك لضعفك، وسلمتك من معرتنا أمانتك، وَإِن وجدناك قَوِيا خائنًا استهنَّا بقوتك، وأحسنَّا عَلَى خِيَانَتك أدبك، وأوجعنا ظهرك، وثقلنا غرمك، وَإِن جمعت علينا الجرمين جَمعنَا عَلَيْك المضرتين، وَإِن وجدناك أَمينا قَوِيا زِدْنَا فِي عَمَلك، ورفعنا ذكرك، وكثرنا مَالك، وأوطأنا عقبك.
معنى أوطأنا عقبك
قَالَ القَاضِي: قَول زِيَاد: وأوطأنا عقبك، يُرِيد أَن نشرفك وننوه بك ونرفع من قدرك، فيكثر أتباعك، ويطأ الرِّجَال عقبك، باتبَاعهمْ إياك، وازدحامهم فِي موكبك، وَالْعرب تَقُولُ للرجل إِذا وَصفته بالسؤدد: فلَان موطأ الأعقاب، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
стр. 251
يَا سيِّدًا مَا أَنْتَ مِنْ سيدٍ ... مُوَطَّأَ الأَعْقَابِ رَحَب الذِّرَاعِ
قَوَّالَ معروفٍ وَفَعَّالَهُ ... وَهَّابَ أُمَّاتِ الفصال الرِّبَاع
قَالَ هَذَا فِي الشّعْر: موطأ الأعقاب، وَإِنَّمَا للْإنْسَان عقبان عَلَى أحد وَجْهَيْن، إِمَّا أَن يَكُون رَأْي الْإِثْنَيْنِ جمعا. كَمَا قَالَ اللَّه ﷻ : " وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ، قَالُوا: لَا تَخَفْ، خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بعض " إِلَى قَوْله: إِنَّ هَذَا أَخِي ... ، وَإِمَّا يَكُون جمع العقبين بِمَا حولهما كَمَا قَالَ الْأَعْشَى:
وَالزَّعْفَرَانُ عَلَى تَرَائِبِهَا ... شُرُفَاتُهُ اللَّبَّاتُ وَالنَّحْرُ
فَجَمَعَ اللَّبَّة بِمَا حَوْلَهَا.
وقَالَ: أمات فِي جمع أم، وَهَذَا مَعْرُوف فِي كَلَام الْعَرَب، وَقَدْ زعم بَعضهم أَن أمات تسْتَعْمل فِي الْبَهَائِم وَأُمَّهَات تسْتَعْمل فِي الأناسي، وَالْجُمْهُور عَلَى تَجْوِيز ذَلِكَ فِي الْجَمِيع، وَقَدْ قَالَ الشَّاعِر:
إِذَا الأُمَّهَاتُ قَبَحْنَ الْوُجُوه ... فَرَجْتَ الظَّلامَ بِأُمَّاتِكَا
وَفِي مَوَاضِع من هَذَا الْبَاب خلاف بَيْنَ الْكُوفِيّين والبصريين لَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكره، واللغة الْمَشْهُورَة أُمَّهَات، وَفِي الْوَاحِدَة هَاء مقدرَة، وَرُبمَا أظهرت، كَمَا قَالَ الراجز:
أُمَّهَتِي خِنْدِفُ وَالْيَاسُ أَبِي
واللغة الْعَالِيَة المستفيضة السائرة الَّتِي جَاءَ بهَا الْقُرْآن الْكَرِيم فِي مَوَاضِع كَثِيرَة: أم وَأُمَّهَات، قَالَ اللَّه تَعَالَى: " وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأمه آيَة "، وقَالَ تَعَالَى: " حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ".
مُعَاوِيَة وإعجابه بولده يَزِيد
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الأضَاحِيُّ الْمَعْرُوفُ بِحَرَمِيٍّ، ثَنَا أَبُو سَعِيد عَبْد اللَّه بْن شَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عبد الله بن عَمْرو ابْن مُعَاوِيَةَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَلَسَتْ مَيْسُونُ بِنْتُ بَحْدَلٍ الْكَلْبِيَّةُ تُرَجِّلُ ابْنَهَا يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، وَمَيْسُونُ يَوْمَئِذٍ مُطَلَّقَةٌ، وَمُعَاوِيَةُ وَفَاخِتَةُ بِنْتُ قَرَظَةَ يَنْظُرَانِ إِلَيْهِمَا، وَيَزِيدُ وَأُمُّهُ لَا يَعْلَمَانِ، فَلَمَّا فَرَغَتْ مِنْ تَرْجِيلِهِ نَظَرَتْ إِلَيْهِ فَأَعْجَبَهَا وَقَبَّلَتْ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ بَيْتًا مِنَ شِعْرٍ:
إِذَا مَاتَ لَمْ تُفْلِحْ مُزَيْنَةُ بَعْدَهُ ... فَنُوطِي عَلَيْه يَا مُزَيْنُ التَّمَائِمَا
قَالَ: وَمَضَى يزِيد فَأتبعهُ فَاخِتَةُ بَصَرَهَا، وَقَالَتْ: لَعَنَ اللَّهُ سَوَادَ سَاقَيْ أُمِّكَ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: قَدْ رَأَيْتِهَا؟ أَمَا وَاللَّهِ عَلَى ذَاك لَمَا فَرَّجَتْ عَنْهُ وَرِكَاهَا خيرٌ مِمَّا تَفَرَّجَتْ عَنْهُ وَرِكَاكِ.
وَكَانَ لِمُعَاوِيَةَ مِنْ بِنْتِ قَرَظَةَ عَبْدُ الله، وَكَانَ أَحمَق النَّاسِ، قَالَتْ فَاخِتَةُ: لَا وَاللَّهِ وَلَكِنَّكَ تُؤْثِرُ هَذَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: سَوْفَ أُبَيِّنُ لَكِ ذَلِكَ حَتَّى تَعْرِفِيهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومِي مِنْ مَجْلِسِكِ، يَا غُلامُ! ادْعُ لِي عَبْدَ اللَّهِ، فَدَعَاهُ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: يَا بُنَيَّ! إِنِّي قَدْ أَرَدْتُ أَنْ
стр. 252
أُسْعِفَكَ وَأَنْ أَصْنَعَ بِكَ مَا أَنْتَ أَهْلُهُ، فَسَلْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَسْتَ تَسَلْهُ شَيْئًا إِلا أَعَطَاكَهُ. فَقَالَ: حَاجَتِي أَنْ تَشْتَرِيَ لِي كَلْبًا فَارِهًا وَحِمَارًا، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: يَا بُنَيَّ! أَنْتَ حِمَارٌ وَنَشْتَرِي لَكَ حِمَارًا، قُمْ فَاخْرُجْ، قَالَ: كَيْفَ رَأَيْتِ؟ يَا غُلامُ! ادْعُ لي يزيداً، فَدَعَاهُ.
فَقَالَ: يَا بُنَيَّ! إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ أَرَادَ أَنْ يُسْعِفَكَ وَيُوَسِّعَ عَلَيْكَ وَيَصْنَعَ بِكَ مَا أَنْتَ أَهْلُهُ، فَاسْأَلْهُ مَا بَدَا لَكَ، قَالَ: فَخَرَّ سَاجِدًا ثُمَّ قَالَ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي بَلَّغَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذِهِ الْمُدَّةَ، وَأَرَاهُ فِي هَذَا الرَّأْيَ، حَاجَتِي أَنْ تَعْقِدَ لِيَ الْعَهْدَ مِنْ بَعْدِكَ، وَتُوَلِّيَنِي الْعَامَ صَائِفَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَتُحْسِنَ جَهَازِي وَتُقَوِّيَنِي، فَتَكُونَ الصَّائِفَةُ أَوَّلَ أَسْفَارِي، وَتَأْذَنَ لِي فِي الْحَجِّ إِذَا رَجَعْتُ وَتُوَلِّيَنِي الْمَوْسِمَ، وَتُزِيدَ أَهْلَ الشَّامِ عَشْرَةَ دَنَانِيرَ لِكُلِّ رَجُلٍ، وَتجْعَل ذَلِك بشفاعتي، وتفرض لأَيْتَامِ بَنِي جُمَحَ وَأَيْتَامِ بَنِي سَهْمٍ وَأَيْتَامِ بَنِي عَدِيٍّ، قَالَ: مَالك وَلِبَنِي عَدِيٍّ؟ قَالَ: لأَنَّهُمْ جَالَفُونِي وَانْتَقَلُوا إِلَى دَارِي، قَالَ مُعَاوِيَةُ: قَدْ فَعَلْتُ - إِذَا رَجَعْتَ - ذَلِكَ بِكَ، وَقَبَّلَ وَجْهَهُ وَقَالَ لابْنَةِ قَرَظَةَ: كَيْفَ رَأَيْتِ؟ قَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَوْصِهِ بِي، فَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ، فَفَعَلَ.
قَالَ القَاضِي: قدر روينَا هَذَا الْخَبَر من طَرِيق آخر، وَفِيه: أنَّ عَبْد اللَّه سَأَلَ مَالا وأرضًا، وَأَن يَزِيدَ قَالَ لمُعَاوِيَة: اعْتِقْني من النَّار أعتق اللَّه رقبتك من النَّار، فَقَالَ لَهُ: وَكَيف؟ قَالَ: لِأَنِّي وجدتُ فِي الْأَثر أَنَّهُ " من تقلَّد أَمر الأُمَّةِ ثَلَاثَة أَيَّام حَرّمه اللَّهُ عَلَى النَّار "، فاعهد إِلَيّ من بعْدك.
سيدة النّساء
حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَن أَحْمَد بْن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْعِجْلِيُّ الْبَزَّازُ الْمَعْرُوفُ بِالْمَرَاجِلِيِّ بِسُرَّ مَنْ رَأَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْكُدَيْمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُمَرَ اللَّيْثِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُجَالِدُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: مَرَّ بِي مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَأَنَا فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا شَعْبِيُّ! قُمْ، فَقُمْتُ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِي وَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ الْقَصْرَ فَقَصَّرْتُ، فَقَالَ: ادْخُلْ يَا شَعْبِيُّ، فَدَخَلَ حُجْرَةً فَقَصَّرْتُ، فَقَالَ: ادْخُلْ يَا شَعْبِيُّ، ثُمَّ دَخَلَ بَيْتًا فَقَصَّرْتُ، فَقَالَ: ادْخُلْ فَدَخَلْتُ، فَإِذَا امْرَأَةٌ فِي حَجَلَةٍ، فَقَالَ: أَتَدْرِي مَنْ هَذِهِ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ هَذِهِ سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ، هَذِهِ عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: هَذِهِ لَيْلَى، وتمثَّل:
وَمَا زلتُ فِي ليلى لَدُنْ طَرَّ شَاربي ... إِنِّي الْيَوْم أُخْفِي حُبَّها وأداجنُ
وأحْمِلُ فِي ليلى لقومٍ ضغينةً ... وتُحْمَلُ فِي ليلى عليَّ الضغائنُ
ثُم قَالَ لي: يَا شَعْبِي! إِنَّهَا اشتهتْ عليّ حَدِيثك، فحادثْها، وَخرج وتَرَكنا.
قَالَ: فَجعلت أُنْشِدُها وتُنْشِدُني، وأحادثها وتحادثُني حَتَّى أنشدتها قَول قَيْس بْن ذُرَيْح:
أَلا يَا غُراب البَينْ قَدْ طِرْتَ بالَّذِي ... أُحاذِرُ من لُبْنَى فَهَل أنْتَ واقِعُ
تبْكي عَلَى لُبنى وَأَنت قتلتَها ... وَقَدْ هلكتْ لُبْنَى فَمَا أَنْت صَانِعُ
قَالَ: فَلَقَد رَأَيْتهَا وَفِي يَدهَا غراب تنتفُ ريشَه وتضربُه بقضيبٍ وتَقُولُ لَهُ: يَا مَشُوم.
وغراب يُضرب فِي سوق الطير
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مَزْيَد الْخُزَاعِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَير، قَالَ: قَالَ الْخَلِيل بْن سَعِيد: مررتُ بسوق الطير فَإِذا النّاس قَد اجْتَمعُوا يركبُ بعضُهم بَعْضًا فاطلعت فَإِذا أَبُو السّائب قَابِضا عَلَى غرابٍ يباعُ قَدْ أَخَذَ طرف رِدَائه، وَهُوَ يَقُولُ للغراب يَقُولُ لَك قَيْس بْن ذُرَيْح:
стр. 253
أَلا يَا غُراب البَينْ قَدْ طِرْتَ بالَّذِي ... أُحاذِرُ من لُبْنَى فَهَل أَنْت واقعُ
ثُمّ لَا يَقع ويضربه بردائه والغراب يَصِيح.
وَجَارِيَة تُغنِّي فِي ذَمِّه
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الحكيمي، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَمُوت بْن الْمُزَرّع، قَالَ: كُنْت آتِي أَبَا إِسْحَاق الزيَادي إِذْ مَرَّت بِهِ أمةٌ سَوداء شَوْهاء، فَقَالَ لَهَا: يَا عُنَيْزة! أسمعيني:
مَرَّ بالبَيْن غرابٌ فَنَعَبْ
فَقَالَت: لَا: واللَّهِ، أَو تهب لي قِطْعَة.
فَأخْرج صريرة من جيبه فناولها قِطْعَة أريت أَن فِيهَا ثَلَاث حباتٍ، فَوضعت الجرة على ظهرهَا وَقَعَدت عَلَيْهَا ثُمّ رفعت عقيرتها:
مَرّ بالبَيْنِ غُرَابٌ فنعب ... لَيْت ذَا الناعبَ بالبين كَذَبْ
فلحاك اللَّهُ من طيرٍ فقد ... كنت لَو شئتَ غَنِيًّا أَن تُسَبْ
قَالَ أَبُو بَكْر: فأحْسَنَتْ.
هَذَا الطَّائِر الْمَظْلُوم
وأنشدني الحكيمي لأبي الشيص:
النَّاس يلحون غرا ... ب الْبَيْنِ لما جَهلُوا
ومَا غُرَابُ الْبَين إِلا ... ناقةٌ أَوْ جَمَلِ
وَمَا على ظهر غرا ... ب البَيْنُ تُمطى الرِّحَلُ
وَلا إِذا صَاح غرا ... ب فِي الديار احتملوا
مَا فرق الألاف بِعْ ... د اللَّه إِلا الإبلُ
قَالَ القَاضِي: وأنشدني مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن مقسم، قَالَ: أَنْشدني أَحْمَد بْن يَحْيَى لِأَحْمَد بْن مَيَّة - وَهُوَ أحد الظرفاء - شعرًا:
стр. 254
يسبُّ غرابَ الْبَين ظُلْمًا معاشرُ ... وهم آثروا بُعْدَ الحبيب عَلَى الْقُرْبِ
وَمَا لغرابِ البينِ ذنبٌ فأبتدي ... بِسَبِّ غُرابِ الْبَين لكنه ذنبِي
فيا شَوْقُ لَا تَنْفَدْ وَيَا دَمْعُ فِضْ وزِدْ ... وَيَا حُبُّ راوح بَيْنَ جنبٍ إِلَى جنبِ
وَيَا عاذلي لُمْني ويَا عَائِدي الْحَنِي ... عَصَيتُكُمَا حَتَّى أُغَيَّبَ فِي التُّرْبِ
إِذا كَانَ ربِّي عَالما بسريرتي ... فَمَا النَّاسُ فِي عَيْني بأعظمَ من رَبِّي
حقق اللَّه لَهُم أمنياتهم
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْن الْقَاسِم الكوكبي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ عَجَبًا، كُنَّا بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ أَنَا، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بن الزبير، وَمصْعَب بن الزبير، وَعبد الْملك بن مَرْوَان، قَالَ الْقَوْمُ بَعْدَ أَنْ فَرَغُوا مِنْ حَدِيثِهِمْ: لِيَقُمْ رجلٌ رجلٌ مِنْكُمْ فَلْيَأْخُذْ بِالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ وَيَسْأَلِ اللَّهَ حَاجَتَهُ، فَإِنَّهُ يُعْطَى مِنْ سَعَةٍ.
قُمْ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ فَإِنَّكَ أَوَّلُ مولودٍ وُلِدَ فِي الْهِجْرَةِ، فَقَامَ فَأَخَذَ بِالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عظيمٌ، أَسْأَلُكَ بِحُرْمَةِ وَجْهِكَ وَحُرْمَةِ عَرْشِكَ، وَبِحُرْمَةِ نَبِيِّكَ، أَلا تُمِيتَنِي مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى تُوَلِّيَنِي الْحِجَازَ وَيُسَلَّمَ عَلَيَّ بِالْخِلافَةِ.
وَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ، فَقَالُوا: قُمْ يَا مُصْعَبُ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَقَامَ فَأَخَذَ بِالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ رَبُّ كُلِّ شيءٍ وَإِلَيْكَ يَصِيرُ كُلُّ شيءٍ، أَسْأَلُكَ بِقُدْرَتِكَ عَلَى كُلِّ شيءٍ أَلا تُمِيتَنِي مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى تُوَلِّيَنِي الْعِرَاقَيْنِ، وَتُزَوِّجَنِي سُكَيْنَةَ بنت الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵉، وَعَائِشَةَ بِنْتَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ.
وَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ، فَقَالُوا: قُمْ يَا عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، فَقَامَ وَأَخَذَ بِالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَالأَرَضِينَ السَّبْعِ، ذَاتِ النَّبْتِ بَعْدَ الْقَفْرِ، أَسْأَلُكَ بِمَا سَأَلَكَ الْمُطِيعُونَ لأَمْرِكَ، وَأَسْأَلُكَ بِحُرْمَةِ وَجْهِكَ، وَأَسْأَلُكَ بِحَقِّكَ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِكَ، وَبِحَقِّ الطَّائِفِيِنَ حَوْلَ بَيْتِكَ، أَلا تُمِيتَنِي مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى تُوَلِّيَنِي شَرْقَ الأَرْضِ وَغَرْبَهَا، وَلا يُنَازِعُنِي أحدٌ إِلَّا أتيت بِرَأْسِهِ، ثُمَّ جَاءَ حَتَّى جَلَسَ.
ثُمَّ قَالُوا: قُمْ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، فَقَامَ حَتَّى أَخَذَ بِالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ رحمنٌ رَحِيمٌ، أَسْأَلُكَ بِرَحْمَتِكَ الَّتِي سَبَقَتْ غَضَبَكَ، وَأَسْأَلُكَ بِقُدْرَتِكَ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِكَ، أَلا تُمِيتَنِي مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى تُوجِبَ لِيَ الْجَنَّةَ.
قَالَ الشَّعْبِيُّ: فَمَا ذَهَبَتْ عَيْنَايَ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى رَأَيْتُ كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ قَدْ أُعْطِيَ مَا سَأَلَ مِنَ الدُّنْيَا، وَبُشِّرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بِالْجَنَّةِ.
стр. 255
أسلوب الْحَكِيم
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْقَاسِم الْأَنْبَارِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد الْمُقَدَّمِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرو، حَدَّثَنَا أَبُو عبد الله الْقرشِي، حدثنامحمد بْن الضَّحَّاك الْخُزَاعيّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:
أَمر الحَجَّاج بإحضار الغَضْبَانِ بْن القَبَعْثَرِي، وقَالَ الحَجَّاج: زَعَمُوا أَنَّهُ لَمْ يكذبْ قَطُّ، وَالْيَوْم يكذب، فَلَمَّا دخل عَلَيْه، قَالَ: قَدْ سَمِنْتَ يَا غَضْبَان! قَالَ: أصلح اللَّه الْأَمِير، القَيْدُ والرَّتْعَةُ، والخَفْضُ والدَّعَة، وقِلَّةِ التَّعْتَعَة، وَمن يكن ضيف الْأَمِير يَسْمَن، قَالَ: أتُحِبُّني يَا غَضْبَان؟ قَالَ: أصلح اللَّه الْأَمِير، أَوْ فرقٌ خيرٌ من مَحَبَّتي، قَالَ: لأحملنَّك عَلَى الأَدْهم، قَالَ: مثلُ الْأَمِير حَمَلَ عَلَى الأدهم والكميت الْأَشْقَر، قَالَ: إنَّه حَدِيد، قَالَ: لِأَن يَكُون حديدًا خيرٌ من أَن يَكُون بليدًا.
الرّدُّ الخَالِص
حَدَّثَنَا المظفَّر بْن يحيى بْن أَحْمَد الْمَعْرُوف بِابْن الشرابي، حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاسُ الْمَرْثَدِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الطلحي، قَالَ: أَخْبرنِي أَحْمد بن إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ لِمُعَاوِيَةَ وَهُوَ مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! واللَّهِ لَكَأَنَّ عِمَّتُكَ هَذِهِ خِمْرَةُ هِنْدٍ عِنْدَ بَعْضِ أَزْوَاجِهَا فِيمَا يُوصَفُ لِي. قَالَ: فَلَمْ يُجِبْهُ مُعَاوِيَةُ بِشَيْءٍ.
وَدَخَلَ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدَ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة: مرْحَبًا، هَاهُنَا فأجلسه بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعِيدٍ عَلَى السَّرِيرِ، فَسَاءَلَهُ طَوِيلا، ثُمَّ قَالَ لَهُ: كَيْفَ بِرُّ هَذَا بِكَ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: مَا أَرَدْتُ بِهَذَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: وَمَا أَرَدْتَ بِخِمْرَةِ هِنْدٍ.
لَوْلَا الْحيَاء
حَدَّثَنِي عُثْمَان بْن مُحَمَّد بْن شَاذان القَاضِي، حَدَّثَنَا عَبْد الْملك بْن الْقَاسِم الْحَارِثِيّ، قَالَ: بَلغنِي أَن إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق القَاضِي كَانَ يُؤذِّن، فمرَّ بِهِ غلامٌ حسنُ الْوَجْه، فَأطَال النّظر إِلَيْهِ، ثُمّ قَالَ عِنْد فَرَاغه من أَذَانه:
لَوْلَا الحياءُ وأنني مستورُ ... والعيبُ يلحقُ بالكبير كبيرُ
لَحَلَلْتُ بالأرضِ الَّتِي أَنْتُم بهَا ... ولكانَ منزلُنا هُوَ المهجورُ
شَيْء من الصبوة
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يَحْيَى الصولي، قَالَ: كنتُ عِنْد ثَعْلَب جَالِسا فَجَاءَهُ مُحَمَّد بْن دَاوُد الْأَصْبَهَانِيّ، فَقَالَ لَهُ: أهاهنا شيءٌ من صبوتك، فأنشده:
سقى الله أَيَّامًا لنا وليالينا ... لَهُنَّ بِأَكْنَافِ الشَّبَاب ملاعب
إِذْ الْعَيْش غض وَالزَّمَان بعزةٍ ... وَشَاهد آفاتِ المحبين غائبُ
стр. 256
أحسن الشّعْر
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن عَرَفَة الأَزْدِيّ، قَالَ: استنشدني أَبُو سُلَيْمَان دَاوُد بْن عَلِيّ بعقب قصيدة أنشدتُه إِيَّاهَا ومدحته فِيهَا، وَسَأَلته الْجُلُوس فَأَجَابَنِي، وقَالَ لي فِي شيءٍ مِنْهَا: لَو أبدلتَ مَكَانَهُ؟ فَقلت لَهُ: هَذَا كلامُ الْعَرَب، فَقَالَ: أحسنُ الشّعْر مَا دخل القلبَ بِلَا آذان، هَذَا بعد أَن بدلتُ الْكَلِمَة، فَقَالَ لي إِنْسَان بِحَضْرَتِهِ: مَا أَشد وُلُوعك بِذكر الْفِرَاق فِي شعرك! فَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: وأيُّ شيءٍ أمَضُّ من الْفِرَاق؟ ثُم حكى عَنْ مُحَمَّد بْن حبيب، عَنْ عمَارَة بْن عقيل بْن بِلَال بْن جرير، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: مَا كَانَ أَبوك صانعًا حَيْثُ يَقُولُ:
لَو كنتُ أَعْلَمُ أَن آخِرَ عَهْدِكُمْ ... يوْم الرَّحيلِ فعلتُ مَا لَمْ أفْعَلِ
قَالَ: يَقْلَعُ عينه وَلا يرى مَظْعَنَ أحبابه
تعليقات بلاغية ونحوية
قَالَ القَاضِي: وَلي من أبياتٍ لَمْ يَحْضُرْني حفظهَا فِي هَذَا الْوَقْت أَيْضا هِيَ فِي معنى قَول أَبِي سُلَيْمَان دَاوُد فِي هَذَا الْخَبَر:
تَخْترِقُ الْحُجْبَ بِلَا حَاجِبِ ... وتَدْخُلُ الأُذْنَ بِلَا آذِنِ
والأُذْنُ مَعَ الْآذِن يُؤْثر للمجانسة، وَمَا يدخُل الْقلب أبلغ فِي تَحْقِيق الْمَعْنى وَقَوله:
لَو كنتُ أَعْلَم أَن آخِرَ عَهْدِكُمْ ... يوْم الرَّحيلِ.....................
يرْوى: يوْم الرحيل رفعا ونصبًا، فَمنْ نَصبه فَعَلَى أَنَّهُ ظَرْف، وَالْمعْنَى أَن آخر عهدكم فِي يوْم الرحيل، وَمن رَفَعَهُ جعل يوْم الرحيل نفسَهُ هُوَ آخر الْعَهْد.
وَقَدْ قَرَأت القَرَأَةُ: " قَالَ مَوْعدكُمْ يَوْم الزِّينَة "، فَمَنْ رَفَعَ جَعَلَ الْموعد هُوَ الْيَوْم، وَمن نَصَبِ جعل الْموعد فِي الْيَوْم.
وقَالَ يُونُس: سألتُ رُؤْبَة: أَيْنَ منزلُكَ؟ فَقَالَ: شَرْقِيُّ الْمَسْجِد، وقَالَ جرير:
هَبّتْ شَمَالا فذِكْرَى مَا ذَكَرْتُكُمُ ... إِلَى الصَّفَاةِ الَّتِي شَرْقِيَّ حَوْرَانَا
فنصب، وَالرَّفْع جَائِز وَذَلِكَ عَلَى مَا مضى من بياننا، وَالِاخْتِيَار عِنْدِي رفع قَول رُؤْبة وَنصب قَول جرير فِي بَيته عَلَى مَا قَالا، مَعَ جَوَاز خِلَافه، وَذَلِكَ أَنَّهُ سُئل عَنْ نفس منزله فَأخْبر أَنَّهُ شَرْقي الْمَسْجِد، وَيقدر جَوَابه: منزلي هُوَ شرقيُّ الْمَسْجِد أَوْ شرقيُّ الْمَسْجِد هُوَ منزلي، هَذَا هُوَ عُرْف النّاس فِي السُّؤَال عَنْ مثل هَذَا، وَالْجَوَاب عَنْ: مَا ثوبُك؟ فَيُقَال: خزٌّ أَيّ من خزّ، وَمَا لون فَرَسِك؟ فَيُقَال: أشقرُ، وَلا يُقَالُ فِي الْغَالِب: شُقْرة، والنَّصْبُ فِيهِ عَلَى معنى أَنَّهُ سُئل فِي أَيّ موضعٍ مَنْزِلك؟ فَيُقَال: فِي شرقيِّ الْمَسْجِد، وأمّا شرقيُّ حَوْران فِي بَيت جرير فَمَعْنَاه إِلَى الصفاة الَّتِي هِيَ شَرْقي حوران، وَلَو أُرِيد هَذَا فَالوَجْهُ فِيهِ إظهارُ هِيَ فَيُقَال الَّتِي هِيَ شَرْقي حَوْرَان.
وَقَدْ قَرَأَ يَحْيَى بْن يَعْمَر: " تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ "، وَالْوَجْه إِذا أُوثِرَ هَذَا الْمَعْنَى أَن
стр. 257
يُقَالُ: عَلَى الَّذِي هُوَ أحسن.
يتعلَّقُ بالقضاة حِين يُعْزلون
حَدَّثَنَا ظَاهر بْن مُسْلِم الْعَبْدِيّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عِمْرَانَ الضَّبِّيّ، حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن حلايس، قَالَ: لما عُزل شريكٌ عَنِ الْقَضَاء تعلَّق بِهِ رَجُلٌ ببغدادَ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْد اللَّه! لي عَلَيْك ثلثمِائة دِرْهَم فأعْطِنَاهَا، قَالَ: وَمن أَنا؟ قَالَ: أَنْت شريك بْن عَبْد اللَّه القَاضِي، قَالَ: وَمن أَنَّى هِيَ لَك؟ قَالَ: من ثمن هَذَا الْبَغْل الَّذِي تَحْتك، قَالَ: نعم، تَعَال، فجَاء يمشي مَعَه حَتَّى إِذا بلغ الْجِسْر قَالَ: من هَاهُنَا؟ فَقَامَ إِلَيْهِ أولَئِك الشُّرَط، فَقَالَ: خُذُوا هَذَا فاحبسوه وَلَئِن أطلقتموه لأخبرنَّ أَبَا الْعَبَّاس عَبْد اللَّه بْن مَالك، فَقَالُوا: إِن هَذَا الرَّجُل يتَعَلَّق بِالْقَاضِي إِذا عُزِل فيفتدي مِنْهُ، وَقَدْ تعلق بسلمة الْأَحْمَر حِين عزل عَنْ وَاسِط فَأخذ مِنْهُ أَرْبَعمِائَة دِرْهَم، فَقَالَ: هَكَذَا.
فَكُلِّمَ فِيهِ فَأبى أَن يُطلقه، فَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّه بْن مَالك: إِلَى كم تحبس هَذَا الرَّجُل؟ قَالَ: حَتَّى يَرُدَّ عَلَى سَلَمَة الْأَحْمَر أَرْبَعمِائَة دِرْهَم، قَالَ: فَرد عَلَى سَلَمَة أَرْبَعمِائَة دِرْهَم، فجَاء سلمةٌ إِلَى شريك فتشكّر لَهُ، فَقَالَ: يَا ضَعِيف! كُلّ من سَأَلَك مَالَكَ أَعْطيته إيّاه.
لَعَلَّه الْخضر أَوْ إلْيَاس
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْن جَعْفَر الأَزْدِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أبي الدُّنْيَا، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَاهِلِيُّ الصَّرَّافُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ فُرَافِصَةَ، قَالَ: كَانَ رَجُلانِ يَتَبَايَعَانِ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يُكْثِرُ الْحَلِفَ، فَمَرَّ عَلَيْهِمْ رجلٌ فَقَامَ عَلَيْهِمَا فَقَالَ لِلَّذِي يُكْثِرُ الْحَلِفَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُكْثِرُ الْحَلِفَ، فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُ فِي رِزْقِكَ إِنْ حَلَفْتَ، وَلا يُنْقِصُ مِنْ رِزْقِكَ إِنْ لَمْ تَحْلِفْ، قَالَ: امْضِ لِمَا يَعْنِيكَ، قَالَ: إِنَّ ذَا مِمَّا يَعْنِينِي، فَلَمَّا أَخَذَ يَنْصَرِفُ عَنْهُمَا، قَالَ لَهُ: اعْلَمْ أَنَّ مِنْ آيَةِ الإِيمَانِ أَنْ تُؤْثِرَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلَى الْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ، وَأَلا يَكُونَ فِي قَوْلِكَ فضلٌ عَلَى عَمَلِكَ، وَاحْذَرِ الْكَذِبَ فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ. ثُمَّ انْصَرَفَ..
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ: الْحَقْهُ فَاسْتَكْتِبْهُ هَؤُلاءِ الْكَلِمَاتِ، فَقَامَ فَأَدْرَكَهُ، فَقَالَ: أكْتِبْنِي هَؤُلاءِ الْكَلِمَاتِ رَحِمَكَ اللَّهُ، قَالَ: مَا يُقَدِّرُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أمرٍ يَكُونُ.
قَالَ: فَأَعَادَهُنَّ عَلَيَّ حَتَّى حَفِظْتُهُنَّ، ثُمَّ مَشَى مَعَهُ حَتَّى إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَدَهُ، قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ الْخِضْرُ أَوْ إِلْيَاسُ.
سَبْقُ والبة إِلَى بَيْتَيْنِ جَيِّدين
حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِسْمَاعِيل بْن الْقَاسِم الشَّرْقِي، حَدَّثَنِي الْحُسَيْن بْن سَلام السَّكُونيّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيم بْن جنَاح الْمحَاربي، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نواس يَقُولُ: سبقني والبةُ إِلَى بَيْتَيْنِ من شعرٍ قالهما، وَدِدْتُ أَنِّي سبقته وَأَن بعض أعضائي اختلج مني:
стр. 258
وَلَيْسَ فَتَى الْفِتْيان من رَاحَ واغْتَدَى ... لِشُرْب صبوحٍ أَوْ لشُرْب غَبْوقِ
ولكنْ فَتى الفتيان من رَاح واغْتَدَى ... لِضَرِّ عَدُوٍّ أَوْ لِنَفْعِ صديق
أَسمَاء أَوْقَات الشَّرَاب
قَالَ القَاضِي: شُرب الغَدَاةِ يُقال لَهُ فِي كَلَام الْعَرَب: صَبْوح، ويُقَالُ لشرب نصف النَّهَار: القَيْل، ولِشُرْب العَشِيِّ: الغَبُوق، ولشرب اللَّيْل: الفَحْمة، ولشُرب السَّحَر: الجاشِريَّة.
وَقَول أَبِي نواس: وَأَن بعض أعضائي اختلج مني، أَيّ اقْتُطِع، وَمِنْه سمي المقْتَطَعُ من الْبَحْر إِلَى الْوَادي خليجًا، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
ومُدْرِك أمرٍ كانَ يَأْمُلُ دُونَهُ ... ومختلجٍ من دُونِ مَا كانَ يَأْمُلُ
المجلِسُ الخامِسُ والثَلاثون
طَائِر أَبيض يُرْسل قبل الضَّيْف
حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْفَضْلِ، أَبُو حُمَيْدٍ الْمَكِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الطَّبَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرَةُ بْنُ أَشْرَسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَلاءُ أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ:
سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ ﵎ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ ضَيْفًا إِلَى أَهْلِهِ بَعَثَ طَائِرًا أَبْيَضَ يُسَمَّى ضَيْفًا قَبْلَ ذَلِكَ بِأَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَيَجِيءُ الطَّائِرُ فَيَقُومُ عَلَى عَتَبَةِ بَابِهِ، وَعِظَمُ ذَلِكَ الطَّائِرِ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ عَامًا، قَالَ: فَيُنَادِي: يَا أَهْلَ الدَّارِ! وَلَيْسَ يُجِيبُهُ أَحَدٌ، فَيَسْكُتُ عَنْهُمْ سَاعَةً؟ ثُمَّ يُنَادِي الثَّانِيَةَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ، وَيَسْمَعُ صَوْتَهُ جَمِيعُ أَهْلِ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالأَرْضِ السَّابِعَةِ مَا خَلا الثَّقَلَيْنِ، فَيُجِيبُهُ جِبْرِيلُ مِنْ فَوْقِ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ مِنْ تَحْتِ عَرْشِ الْجَبَّارِ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ رَبِّ الْعَالَمِينَ، مَا حَاجَتُكَ إِلَى أَهْلِ هَذِهِ الدَّارِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي رَسُولا إِلَى أَهْلِهَا وَهُوَ يَقْرَأُ ﵈، وَيَقُولُ إِنَّ فُلانًا يَأْتِيكُمْ ضَيْفًا إِلَى أَرْبَعِينَ صَبَاحًا وَهَذِهِ بَرَكَتُهُ وَرِزْقُهُ مِنَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ جِبْرِيلُ: نَاوِلْنِيهِ لأَقْبِضَهُ، فَيُنَاوِلْهُ جِبْرِيلَ، فَيَقُولُ: مَا هَذِهِ الرُّقْعَةُ فِي مِنْقَارِكَ؟ فَيَقُولُ: إِنَّهَا بَرَاءَةٌ لَهُمْ مِنَ النَّارِ، فَيَقُولُ جِبْرِيلُ، نَاوِلْنِيهَا فَيُنَاوِلُهُ فَيَقْرَؤُهَا وَيَتَعَجَّبُ جِبْرِيلُ مِنْ ذَلِكَ، فَيَقُولُ الطَّائِرُ: أَتَعْجَبُ مِنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ الطَّائِرُ: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنِي أَنْ أُحْصِيَ عَلَيْهِمْ حَسَنَاتِهِمْ وَلا أُحْصِي عَلَيْهِمْ سَيِّئَاتِهِمْ مَا دَامَ الضَّيْفُ فِيهِمْ، فَإِذَا خَرَجَ مَنْ عِنْدِهِمْ خَرَجَ بِذُنُوبِ صَغِيرِهِمْ وَكَبِيرِهِمْ وَرِجَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، وَإِمَائِهِمْ وَعَبِيدِهِمْ، وَحَيِّهِمْ وَمَيِّتِهِمْ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الضَّيْفُ ضَيْفًا بِذَلِكَ الطَّائِرِ.
قَالَ القَاضِي: فِي هَذَا الْخَبَر ترغيب فِي إِضَافَة الضَّيْف وَقَضَاء حق ضيافته، وَدلَالَة عَلَى وجوب حَقه ورفعة منزلَة مُضِيفه، وَلَم تزل الْأُمَم عَلَى اخْتِلاف أديانها وآرائها، وأخلاقها وعاداتها، تستحسن الضِّيَافَة وترغبُ فِيهَا وتتواصى بهَا، وتتحاض عَلَيْهَا، وتتعاير بالرغبة عَنْهَا، والتفريط فِي الْمُسَابقَة إِلَيْهَا، وللعرب من الخصُوصية فِي هَذَا، والحفوف فِيهِ،
стр. 259
والمباذلة والمباهاة، وَحسن الِاقْتِدَاء بهَا عَلَيْه والمضاهاة، مَا بزتْ بِهِ مَنْ سواهَا وأبَرَّت عَلَيْه، حَتَّى أَنَّهَا كَانَتْ تتدين باعتقاد وُجُوبه، وَلُزُوم فَرْضه، وتقصب من أَعْرَاض عَنْهُ وتنبذه، وتسبه وتعيبه، وَترى الْحَمد والذم فِيهِ متوارثًا فِي أعقابها وأحسابها، ثُمّ جَاءَ الإِسْلام بتحسين هَذَا الْبَاب وَالنَّدْب إِلَيْهِ وَالتَّرْغِيب فِيهِ، وروى عَنِ النَّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ "، فَهُوَ مِنْ أَشْرَفِ أَفْعَالِ الإِسْلامِ، وَأَخْلاقِ النَّبِيِّينَ ﵈، وَمَا وَرَدَ فِي هَذَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ أَوَائِلِ السَّلَفِ وَأَمَاثِلِ الْخَلَفِ، وَذَوِي الأَدَبِ وَالْحِكْمَةِ، وَالْبَصَائِرِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَعَنِ الشُّعَرَاءِ قَدِيمِهِمْ وَحَدِيثِهِمْ مَدْحًا وَذَمًّا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى الْمُخْتَارُ مِنْ لَطِيفِهِ وَبَدِيعِهِ، فَضْلا عَنْ أَنْ يُحَاطَ بِجَمِيعِهِ، وَقَدْ مَضَى فِي بَعْضِ مَجَالِسِ كِتَابِنَا هَذَا صَدْرٌ مِنْهُ، وَنَحْنُ نَأْتِي فِيمَا نَسْتَقْبِلُهُ مِنْهَا بِمَا يُوَفِّقُ اللَّهُ تَعَالَى بِقُوَّتِهِ ومشيئته ن.
من بركَة آل الْبَيْت
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُمَر بْن عَلِيّ الْكَاتِب، قَالَ: حَدَّثَنِي حَفْص بْن مُحَمَّد الْكَاتِب، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن مُحَمَّد الْكَاتِب، قَالَ: حَدَّثَنِي حمد بْن الخصيب قبل وزارته، قَالَ: كُنْت كَاتبا للسيدة شُجَاع أمّ المتَوَكل، فَإِنِّي ذَات يوْم فِي مجلسي فِي ديواني إِذْ خرج إليّ خَادِم خَاص وَمَعَهُ كيس، فَقَالَ لي: يَا أَحْمَد! إِن السيدة أم أَمِير الْمُؤْمِنِين تقرئك السَّلام، وَتقول لَك: هَذِهِ ألف دِينَار من طيِّب مَالِي، خُذْها وادفعها إِلَى قوم مستحقين تكتبُ لي أَسْمَاءَهُم وأنسابهم ومنازلهم فَكلما جَاءَنَا من هَذِهِ النَّاحِيَة شيءٌ صَرَفْناه إِلَيْهِم، فَأخذت الْكيس وصرت إِلَى منزلي، ووجهت خلف من أَثِق بهم فعرفتهم مَا أمرت بِهِ، وسألتهم أَن يُسموا لي من يعْرفُونَ من أَهْل السّتْر وَالْحَاجة، فأسْمَوْا لي جمَاعَة، ففرقت فيهم ثلثمِائة دِينَار وَجَاء اللَّيْل وَالْمَال بَيْنَ يَدي لَا أُصِيب مُحِقًّا، وَأَنا أفكر فِي سُرَّ من رَأَى وبُعْد أقطارها وتكاثف أَهلهَا، لَيْسَ بهَا محقٌ يَأْخُذ ألف دِينَار، وبَيْنَ يَدي بعضُ حُرَمي وَمضى من اللَّيْل ساعةٌ وغُلِّقت الدُّرُوبُ وَطَاف العَسَسُ، وَأَنا مفكرٌ فِي أَمر الدَّنَانِير، إِذْ سَمِعْتُ بَاب الدَّار يدقُّ، وسَمِعْتُ البواب يكلم رَجُلا من وَرَائه، فَقلت: لبَعض مَنْ بَيْنَ يديّ: اعرف الْخَبَر، فَعَاد إليّ، فَقَالَ لي: بِالْبَابِ فُلان بْن فُلان العَلَويّ يسألُ الْإِذْن عَلَيْك، فَقلت: مُرْه بِالدُّخُولِ، وَقلت: لمن بَيْنَ يَدي من الْحُرم: كونُوا وَرَاء هَذَا السّتْر، فَمَا قَصَدَنا فِي هَذَا الْوَقْت إِلا لحَاجَة، فَدخل وَسلم وَجلسَ، وقَالَ لي: طَرَقَني فِي هَذَا الْوَقْت طَارق لرَسُول اللَّه صلّى اللَّه عَلَيْه وَآله من ابْنة لرَسُول اللَّه صلّى اللَّه عَلَيْه وَآله، وَلا واللَّه مَا عندنَا وَلا أعْدَدنا مَا يَعُدّ النّاس، وَلَم يَكُنْ فِي جواري من أَقرع إِلَيْهِ غَيْرك، فَدفعت إِلَيْهِ دِينَارا فَشكر وَانْصَرف، وخرجتْ ربَّةُ الْمنزل، فَقَالَت: يَا هَذَا تدفع إِلَيْك السيدةُ ألفَ دِينَار تدفعُها إِلَى مُحِقٍّ أحقّ من ابْن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا قَدْ شكاه إِلَيْك؟ فَقلت لَهَا: فإيش
стр. 260
السَّبِيل؟ قَالَتْ: تدفع الْكيس إِلَيْهِ، قُلْتُ: يَا غُلام! رُدَّه، فردّه فحدّثته بِالْحَدِيثِ وَدفعت الْكيس إِلَيْهِ فَأَخذه وشكر وَانْصَرف، فَلَمَّا ولَّى جَاءَ إبليسُ لَعنه اللَّه، فَقَالَ لي: المتوكلُ وانحرافه عَنْ أَهْل هَذَا الْبَيْت، يُدفع إِلَيْك ألفُ دِينَار تدفعها إِلَى مستحقين تكْتب أَسْمَاءَهُم وأنسابهم ومنازلهم، فإيش تحتج؟ وَقَدْ دفعتَ إِلَى عَلَويٍّ سبعَ مائَة دِينَار. فَقلت لربة الْمنزل: وقعتيني فِيمَا أكره، فإمَّا سَبْعمِائة دِينَار أَوْ زَوَال النعم، وعرَّفتُها مَا عِنْدِي، فَقَالَت: اتكل عَلَى جَدِّهم، فَقلت: دَعِي هَذَا عَنْكِ، المتَوَكل وانحرافه فإيش أحتج إيش أَقُول؟ قَالَتْ: اتكل عَلَى جَدّهم، فَمَا زَالَت بِمثل هَذَا القَوْل وَمثله إِلَى أَن اطمأننت وَسكت وَقمت إِلَى فِرَاشِي، فَمَا استثقلتُ نومًا إِلا وَصَوت الْفُرَانِقِ عَلَى الْبَاب، فَقلت: لبَعض من يَقْرُب مني: مَنْ عَلَى الْبَاب؟ فَعَاد إِلَيّ، فَقَالَ: رَسُول السيدة يَأْمُرك بالركوب إِلَيْهَا السَّاعَة فَخرجت إِلَى صحن الدَّار وَاللَّيْل بحالته والنجوم بحالتها، وَجَاء ثَان وثالث فأدخلتهم، فَقلت: اللَّيْل بحالته! فَقَالُوا: لابد من أَن تركب فركبت فَلم أصل إِلَى الْجَوْسَقِ إِلا وَأَنا فِي موكب من الرُّسُل، فَدخلت الدَّار فَقبض خادمٌ عَليّ يَدي فَأَدْخلنِي إِلَى الْموضع الَّذِي كُنْت أصل، ووقفني، وَخرج خَادِم خَاصَّة من دَاخل فَأخذ بيَدي، وقَالَ: يَا أَحْمَد! إِنَّك تُكلِّم السيدة أم أَمِير الْمُؤْمِنِين فقف حَيْثُ توقف، وَلا تَكَلَّم حَتَّى تُسْأَل، وأدخلني إِلَى دَار لَطِيفَة فِيهَا بيُوت عَلَيْهَا ستورٌ مُسْبَلة، وشمعةٌ وسط الدَّار، فوقَفَنِي عَلَى بابٍ مِنْهَا فوقفت لَا أَتكَلّم، فصاح بِي صائح، قَالَ: يَا أَحْمَد! فَقلت: لبيْك يَا أم أَمِير الْمُؤْمِنِين، فَقَالَت: حسابُ ألف دِينَار، بل حِسَاب سَبْعمِائة دِينَار وبكت، فَقلت فِي نَفسِي: نكبة! علويٌ أَخَذَ المَال وَمضى فَفتح دكاكين التُّجَّار فِي السُّوق وَاشْترى حَوَائِجه، وتحدث فَكتب بِهِ بعض أَصْحَاب الْأَخْبَار، فَأمر المتوكِّل بقتلي وَهِي تبْكي رَحْمَة لي، ثُمّ أمسكتْ عَنِ الْكَلَام، وقَالَتْ: يَا أَحْمَد! حِسَاب ألف دِينَار بل حِسَاب سَبْعمِائة دِينَار، ثُمّ بَكت فَفعلت ذَلِكَ ثَلَاث مَرَّات ثُمّ أمسكتْ، وسَأَلَتْني عَنِ الْحساب، فصدَقْتُها عَنِ الْقِصَّة، فَلَمَّا بلغتُ إِلَى ذكر العَلَويّ بكتْ، وَقَالَت: يَا أَحْمَد! جَزَاك اللَّه خيرا وجزى من فِي مَنْزِلك خيرا، تَدْرِي مَا كَانَ جرى اللَّيْلَة؟ قُلْتُ: لَا، قَالَتْ: كُنْت نَائِمَة فِي فِرَاشِي فَرَأَيْت النَّبيّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: جَزَاك اللَّه خيرا وجزى أَحْمَد بْن الخصيب خيرا، وَمن فِي منزله خيرا، فقد فَرَّجتم فِي هَذِهِ الليلةَ عَنْ ثلاثةٍ من وَلَدِي، مَا كَانَ لَهُم شيءٌ، خُذْ هَذَا الْحلِيّ مَعَ هَذِهِ الثِّيَاب وَهَذِه الدَّنَانِير وادفعها إِلَى العَلَويّ، وَقل لَهُ: نَحْنُ نصرف عَلَيْك مَا جَاءَ من هَذِهِ النَّاحِيَة، وَخذ هَذَا الحليَّ وَهَذِه الثِّيَاب وَهَذَا المَال فادفعه إِلَى
زَوجتك، وَقل: يَا مباركة! جَزَاك الله عناخيراً فَهَذِهِ دلالتك، وَخذ هَذَا يَا أَحْمَد، فدفَعَتْ إليّ مَالا وثيابًا، وخرجتُ يُحملُ ذَلِكَ بَيْنَ يديَّ، وركبتُ منصرفًا إِلَى منزلي، وَكَانَ طريقي عَلَى بَاب العَلويّ، فَقلت: أبدأ بِهِ إِذا كَانَ اللَّه رَزَقنا هَذَا عَليّ يَدَيْهِ، فدقَقْتُ الْبَاب، فَقِيل لي: من هَذَا؟ فَقلت: أَحْمَد بْن الخصيب، فَخرج إليّ فَقَالَ: يَا أَحْمَد هاتِ مَا مَعَك، فَقلت فِي بالي: وَمَا يدْريك مَا معي؟ فَقَالَ لي: انصرفتُ من عنْدك بِمَا أخذتُه مِنْك وَلَم يَكُنْ عندنَا شَيْء فَدخلت عَلَى بِنْت عمي فعرَّفْتُها الْخَبَر، ودفعتُ إِلَيْهَا المَال ففرحَتْ، وَقَالَت: مَا أُرِيد أَن تشتري شَيْئا وَلا آكل شَيْئا، وَلَكِن قُمْ فَصَلِّ أَنْت وادْعُ حَتَّى أؤمِّن عَلَى دعائك، فقمتُ فصلَّيتُ ودعوت وأمّنَتْ ووضعتُ رَأْسِي ونمتُ، فَرَأَيْت جدِّي ﵇ فِي النّوم وَهُوَ يَقُولُ لي: قَدْ شكرتُهم عَلَى مَا كَانَ مِنْهُم إِلَيْك، وهم بارُّوكَ بشيءٍ فاقْبَلْه، فدفعتُ إِلَيْهِ مَا كَانَ معي وانصرفتُ، وصرت إِلَى منزلي فَإِذا ربَّة الْمنزل قلقة قَائِمَة تُصلِّي وَتَدْعُو، فعرفتْ أَنِّي قَدْ جِئْت مُعَافًى، فَخرجت إليّ فسألتني عَنْ خبري، فحدَّثْتها الْحَدِيث عَلَى وَجهه، فَقَالَت لي: ألم أقل لَك: أتكل عَلَى جَدِّهم، رأيتَ مَا فعل؟ فدفعتُ إِلَيْهَا مَا كَانَ لَهَا فأخذتْهُ. وَقل: يَا مباركة! جَزَاك اللَّه عناخيراً فَهَذِهِ دلالتك، وَخذ هَذَا يَا أَحْمَد، فدفَعَتْ إليّ مَالا وثيابًا، وخرجتُ يُحملُ ذَلِكَ بَيْنَ يديَّ، وركبتُ منصرفًا إِلَى منزلي، وَكَانَ طريقي عَلَى بَاب العَلويّ، فَقلت: أبدأ بِهِ إِذا كَانَ اللَّه رَزَقنا هَذَا عَليّ يَدَيْهِ، فدقَقْتُ الْبَاب، فَقِيل لي: من هَذَا؟ فَقلت: أَحْمَد بْن الخصيب، فَخرج
стр. 261
إليّ فَقَالَ: يَا أَحْمَد هاتِ مَا مَعَك، فَقلت فِي بالي: وَمَا يدْريك مَا معي؟ فَقَالَ لي: انصرفتُ من عنْدك بِمَا أخذتُه مِنْك وَلَم يَكُنْ عندنَا شَيْء فَدخلت عَلَى بِنْت عمي فعرَّفْتُها الْخَبَر، ودفعتُ إِلَيْهَا المَال ففرحَتْ، وَقَالَت: مَا أُرِيد أَن تشتري شَيْئا وَلا آكل شَيْئا، وَلَكِن قُمْ فَصَلِّ أَنْت وادْعُ حَتَّى أؤمِّن عَلَى دعائك، فقمتُ فصلَّيتُ ودعوت وأمّنَتْ ووضعتُ رَأْسِي ونمتُ، فَرَأَيْت جدِّي ﵇ فِي النّوم وَهُوَ يَقُولُ لي: قَدْ شكرتُهم عَلَى مَا كَانَ مِنْهُم إِلَيْك، وهم بارُّوكَ بشيءٍ فاقْبَلْه، فدفعتُ إِلَيْهِ مَا كَانَ معي وانصرفتُ، وصرت إِلَى منزلي فَإِذا ربَّة الْمنزل قلقة قَائِمَة تُصلِّي وَتَدْعُو، فعرفتْ أَنِّي قَدْ جِئْت مُعَافًى، فَخرجت إليّ فسألتني عَنْ خبري، فحدَّثْتها الْحَدِيث عَلَى وَجهه، فَقَالَت لي: ألم أقل لَك: أتكل عَلَى جَدِّهم، رأيتَ مَا فعل؟ فدفعتُ إِلَيْهَا مَا كَانَ لَهَا فأخذتْهُ.
قَالَ القَاضِي رمة اللَّه عَلَيْه: وجدتُ ابْن الخصيب مخطِئًا فِي نِسْبَة المتَوَكل إِلَى الانحراف عَنْ أَهْل الْبَيْت، وسأبيِّن فِيمَا يَأْتِي من مجَالِس هَذَا الْكتاب مَا يبطل قَوْله إِن شَاءَ اللَّه تَعَالَى.
وقصة أُخْرَى فِي هَذَا الشَّأْن
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الشُّحَيْمِيُّ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْحَسَنِ الحَرَضِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ يَوْمًا فَقَالَ لِي: بَيْنَا أَنَا ذَاتَ يَوْمٍ قاعدٌ دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَنَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ إِلَيْكَ، قَالَ لَكَ: أَطْلِقِ الْقَاتِلَ الْمَحْبُوسَ، فَقُلْتُ: لَيْسَ عِنْدِي قَاتِلٌ مَحْبُوسٌ، قَالَ: فَأَمَرْتُ أَنْ يُفَتَّشَ، فَذُكِرَ لِي رجلٌ فَأَمَرْتُ بِإِحْضَارَهِ، فَرُفِعَ فِي قِصَّةٍ أَنَّهُ رجلٌ وُجِدَ مَعَهُ سكينٌ أَوْ أَنَّهُمْ وَجَدُوا السِّكِّينَ مَعَهُ؟ فَقُلْتُ لَهُ: مَا قِصَّتُكَ؟ فَقَالَ: أَنَا رَجُلٌ بتريٌ، عَمِلْتُ كُلَّ بليةٍ مِنَ الزِّنَا وَالْفِسْقِ وَالشَّرِّ وَكُنَّا جَمَاعَةٌ فِي دَارٍ فَأَدْخَلْنَا امْرَأَةً فَصَاحَتْ، فَقَالَتْ: يَا قَوْمُ! اتَّقُوا اللَّهَ فَإِنِّي امْرَأَةٌ مِنْ وَلَدِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَمِنْ وَلَدِ فَاطِمَةِ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَدَفَعْتُهُمْ عَنْهَا، فَقَالُوا: أَيَا فَاسِقُ لَمَّا قَضَيْتَ بِحَاجَتِكَ مِنْهَا تَدْفَعُنَا، فَجَاذَبْتُهُمْ وَجَاذَبُونِي حَتَّى قَتَلْتُ رَجُلا مِنْهُمْ وَخلَّصْتُهَا مِنْهُمْ، فَابْتَدَرُونِي وَمَعِيَ السِّكِّينُ وَحُبِسْتُ، قَالَ: قُلْتُ: رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ جَاءَنِي وَأَمَرَنِي بِإِطْلاقِكَ، قَالَ: فَقَالَ: فَإِنِّي تَائِبٌ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ مِنْ كُلِّ شيءٍ كُنْتُ فِيهِ وَلَا أَعُود فِي شَيْء مِنْهُ أَبَدًا فَأَطْلَقْتُهُ.
قَالَ الشُّحَيْمِيُّ: هَذَا مَعْنَى مَا حَدَّثَنِي بِهِ حَفِظْتُهُ مِنْهُ حِفْظًا.
قَالَ القَاضِي: عُمَر بْن الْحَسَن الحَرَضِي هَذَا هُوَ ابْن الأُشْنَاني القَاضِي، والحَرَض فِي كَلَام الْعَرَب الأُشنان والإِناءُ الَّذِي يَجْعَل مِنْهُ الْمُحْرضَة فاتهمه لنا الشحيمي لأَنا حَدَّثَنَا عَنْهُ هَذِهِ الْقِصَّة قبل مَوته بسنين كَثِيرَة.
رَأْي القَاضِي فِي إِطْلَاق سراح الرَّجُل
قَالَ القَاضِي: وَدَفْعُ هَذَا الْمَحْبُوس مَنْ حاول مِنْ أَصْحَابه ركوبَ الْفَاحِشَة - عَلَى مَا
стр. 262
ذكر فِي هَذَا الْخَبَر - حسنٌ فِي الدّين، جميلٌ فِي شَرِيعَة الْمُسْلِمِين، وتخلية إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم سَبيله وَترك تَعَقُّبِه بمكروه أَوْ عُقُوبَة صَوَاب، إِن كَانَت الْقِصَّة جَرَتْ عَلَى مَا حَكَاهُ، مِن عرضٍ لمُسلم أَوْ معاهدٍ يُرِيد بِهِ مَكْرُوها، بِغَيْر حقٍّ فِي نَفسه أَوْ مَاله، فحقٌّ عَلَى الْمُسْلِمِين دَفْعُه عَمَّا قَصَده من ذَلِكَ وَشرع فِيهِ، وحَرْبُه وقتالُه إِن كَانَتْ لَهُ قُوَّة وَفِيه مَنَعَةٌ، وَإِن أَبى دَفَعهُم إِيَّاه بالطَّعْنِ وَالضَّرْب عَلَى نَفسه إِذْ كَانَ قصدهم دَفْعَه عَنْ ظلمه، وإعجازه عَمَّا يرومُه من بَغْيِهِ وعَدْوِه، ودَمُهُ وَمَا ناله من الْجراح فِي نَفسه وإتلافُ أعضائِهِ هدرٌ لَا قِصَاصَ فِيهِ وَلا دِيَة، وَلا إرْشَ وَلا حُكُومَة، وَلا تبعةَ وَلا عُقُوبة، وَلا غُرْم وَلا كَفَّارَة، وَهَذَا هُوَ القَوْل الْمَفْهُوم فِي الشَّرِيعَة والموروث بَيْنَ أهل الملَّة، والمستفيض بَيْنَ أَهْل الْقبْلَة، والمتقبل من مَذَاهِب خَاصَّة عُلماء الأئمَّة، وعامَّةُ الْأمة.
التجمل مَعَ المصائب
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُثْمَان، عَنِ الْعُتْبِي، قَالَ: لما تُوُفّي عَبْد الْملك بْن مَرْوَان أَسف عَلَيْه عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز أسفا مَنعه عَنِ الْعَيْش وَكَانَ نَاعِمًا فاستشعر مِسْحًا تَحت ثِيَابه سبعين لَيْلَة، فَقَالَ لَهُ قَاسِم بْن مُحَمَّد يَوْمًا وَهُوَ يفاكهه: أما علمت أَن من مضى من سَلَفِنا كَانُوا يستحبون اسْتِقْبَال المصائب بالتجمل، ومواجهة النِّعم بالتواضع، فراح عُمَر من عجيَّة يَوْمه ذَلِكَ فِي ثيابٍ موشاة تقوم عَلَيْهِ بثمانمائة دِينَار.
مَالك بْن أَسمَاء يضْرب لِلْحَجَّاج مثلا
حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن الْقَاسِم الكوكبي، قَالَ: حَدَّثَنِي بْن أَبِي سَعِيد، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَر الضَّبِّيّ، قَالَ: عَاصِم بْن الحَدَثَان، حَدَّثَنِي من شهد الحَجَّاج وَهُوَ يُعاتب مَالك بْن أَسمَاء وَكَانَ يَسْتَعْمِلهُ عَلَى الْحيرَة وطَسُّوجِها، فَشَكَاهُ أهل الْحيرَة فَبعث إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا عَدو اللَّه! استعملتُك وشرَّفتك وَأَرَدْت أَن ألحقك بعلية الرِّجَال فأفسدت نِعْمَتك، وأشمت بأختك ضرائرها، وفضحت نَفسك، وأقبلتَ عَلَى الْبَاطِل وَمَا لَا يحب اللَّه من الشُّرب وَقَول الشعرن والانتشار بِهِ وَأَقْبَلت تغني، وَتقول:
حبّذا لَيْلَتي بتلّ بُوَنَّا ... حَيْثُ نُسْقَى شرابنا ونُغَنَّي
بِشرب الكاسِ ثُمت الكاس حَتَّى ... يحسَبَ الجاهلون أنَا جُننّا
أما لأُخْرِجَنّ جنونك من رَأسك، يَا حَرَسيّ أَدْخل مَنْ بِالْبَابِ من أَهْل الْحيرَة، فَدخلت جماعةٌ مِنْهُم شيخ من بني بَقِيلة، فَقَالَ لَهُم، أيُّ أميرٍ أميركم؟ قَالَ الشَّيْخ: خيرُ أميرٍ، غَيْر أَن الْخمر غليت مُنْذُ وَلِينا، قَالَ: وَكَيف ذَاك، قَالَ الشَّيْخ: أَخَذَ ألفَ دِنٍّ فِي شهر، قَالَ الحَجَّاج: قَاتله اللَّه مَا أمكره من شيخ! لجَادَ مَا تخلص إِلَى مَا يُرِيد، قَالَ: ومالكٌ ساكتٌ لَا يتَكَلَّم، فَأدْخل عَلَيْه مِلْحَان بْن قيسٍ الرّاسبيّ وَكَانَ شَيخا كَبِيرا قَدْ شهد مشَاهد الحَرُوريَّة فبُعِثَ إِلَيْهِ من الْبَصْرَة، فَقَالَ لَهُ الحَجَّاج: أمِلْحان؟ قَالَ: نعم ملْحان، قَالَ: أَحْمد
стр. 263
اللَّه الَّذِي خَصَّني بقتلك وأراق دَمَكَ عَلَى يَدي، قَالَ: فَضَحِك ملْحَان، وقَالَ: واللَّه مَا رأيتُ رَجُلا كَالْيَوْمِ أبعدَ من كل خير وَلا أقرب من كُلّ قَبِيح، واللَّه يَا حَجّاج لَو عرفت أَن لَك رياً وخِفْتَ عذَابا ورجوتَ ثَوابًا، مَا اجْتَرأت عَلَى اللَّه هَذِهِ الجرأة، دونَك دمي فأرِقْه، فَالْحَمْد للَّه الَّذِي أكرمني بهوانك، عَلَيْك لعنةُ الله وعَلى من وَلَا، فاستشاط الحجاجُ وَغَضب، وقَالَ: اضْرِب عُنُقه، فضُرب عُنُقه فَتَدَهْدَهَ رأسُه حَتَّى كَاد يصيبُ مَالك بْن أَسمَاء، قَالَ: ثُمّ سكن الحَجَّاج قَلِيلا، ثُمّ قَالَ لمَالِك: تكلم، أما لَك عُذرٌ؟ قَبِلَ اللَّهُ عُذْرَك، فَقَالَ مَالك: أصلح اللَّه الْأَمِير، إِن لي وَلَك مثلا، قَالَ الْحجَّاج: مَا هُوَ قَبّح اللَّه أمثالكم يَا أَهْل الْعرَاق، قَالَ: زَعَمُوا أَن أسدًا وثعلبًا وذئبًا اصطحبوا فَخَرجُوا يتصيَّدُون، فصادوا حمارا وظبيًا وأرنبًا، فَقَالَ الْأسد للذئب: يَا أَبَا جعدة! اقْسمْ بَيْننَا صيدنا، قَالَ: الْأَمر أبين مُنْذُ لَك، الْحمار لَك والأرنب لأبي مُعَاوِيَة، والظبي لي، فخبطه الْأسد فأنْدَرَ رَأسه، ثُمّ أقبل عَلَى الثَّعْلَب، وقَالَ: قَاتله اللَّه مَا أجهله بِالْقِسْمَةِ هَات أَنْت، قَالَ الثعب: يَا أَبَا الْحَارِث! الْأَمر أوضح من ذَلِك، الْحمار الْحمار لغذائك والظَّبْيُ لعشائك وتخلَّلْ بالأرنب فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ الْأسد: مَا أقضاك! من علمك هَذِهِ الْقَضِيَّة؟ قَالَ: رأسُ الذِّئْب النَّادِرُ بَيْنَ عَيْني، وَلَكِن رَأس ملْحَان أبطل حجتي أصلحك اللَّه، قَالَ: أَخْرجُوهُ عني قبَّحه اللَّه وقَبَّح أَمْثَاله.
قَالَ عَاصِم بْن الْحدثَان: ملْحَان الَّذِي يَقُولُ:
وأبيضَ مخباتٍ إِذا اللَّيْل جَنَّهُ ... رَعَى حَذَرَ النَّارِ النُّجُوم الطَّوالِعا
إِذا استثقل الأقوامُ نوما رأيتَهُ ... حذارًا عِقَاب اللَّه لِلَّهِ ضَارِعا
فَطَوْرًا تَبَكَّى سَاجِدًا مُتَضرِّعًا ... وطورًا يُنَاجِي اللَّه وَسْنان رَاكِعَا
صَحِبت فَلم أذْمُمْ وَمَا ذَمَّ صُحْبتي ... وَكَانَ لخلّات المكارم جَامعا
سَخِيًّا شجاعًا يَبْذُل النَّفْس فِي الوغى ... حَيَاةً إِذا لَاقَى العدوَّ المقارعا
فلاقى المنايا مُسْلِمُ بْن خويلد ... فَلم يكُ إذْ لاقَى الْمنية جازعًا
مضى والقَنَا فِي نَحره متقدِّمًا ... إِلَى قِرْنِهِ حَتَّى تكعكع رَاجعا
وأدبرت الأقْرَان عَنْهُم وخافهم ... وَكَانَ قَدِيما للعَدُوِّ مُمَاصِعا
فَمَاتَ حميدا مُسْلِم بْن خويلد ... لأهل التقى والحزم والحلم فاجعا
ومُسْلِم بْن خويلد بْن زَيَّان الرَّاسِبي، قُتِل يوْم النهروان، وَأم مُسْلِم أُخْت وَهْب الرَّاسِبي أعقب السَّجَّاد، عَبْد اللَّه بْن وَهْب ذِي الثفنات وَكَانَ يُقَالُ لَهُ السَّجَّاد.
قَالَ: القَاضِي: حَتَّى تكعكع رَاجعا مَعْنَاهُ ارْتَدَّ رَاجعا ووقف عَنِ الْمُضِيّ والاستمرار عَلَى وتيرته، وَقَوله: وَكَانَ قَدِيما لِلْعَدو مماصعًا: والمماصعة الْمُضَاربَة والمجالدة، يُقَالُ:
стр. 264
ماصعه مماصعةً ومصاعًا مثل ضاربه مُضَارَبَة وضرابًا، وقاتله مقاتلة وقتالا وصارعه مصارعة وصراعًا.
وَمن المصاع، قَول الْأَعْشَى:
إِذا هنّ نازلن أقرانهن ... وَكَانَ الْمِصاعُ بِمَا فِي الْجُوَقْ
يصف جواري يلهون ويتلاعبن تضارباً بحليهن، وقَالَ الْقطَامِي:
تراهم يَغْمزُون من استركوا ... ويجتبنون مَنْ صدق الْمِصَاعَا
وَرُوِيَ عَنْ أَمِير الْمُؤْمِنِين عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب ﵇ فِي التذكية. إِذا مَصَعت بذَنَبِها وَهُوَ من هَذَا، وَجَاء عَنْ بعض أَهْل التَّأْوِيل فِي الْبَرْق: " مَصْعُ ملكٍ " فِي مثل هَذَا الْمَعْنى.
وَفِي المَثَل الَّذِي ضربه مَالك بْن أَسمَاء لِلْحَجَّاج تأديبٌ وتنبيه، وَقِيَاس زتشبيه، وَيعْتَبر بِهِ ذَوُو اللب، وتتمكن حكمته فِي الْقلب.
وَمِمَّا يضارع هَذَا الْمثل مِمَّا أَتَى بِهِ الْحُكَمَاء عَلَى ألسن الْبَهَائِم: مَا ذكرمن أَن الْأسد كَانَ يلازمه ويحضر مَجْلِسه ذئبٌ وثعلب، وَأَن الْأسد وجد عِلَّةً فَتَأَخر عَنْهُ الثَّعْلَب أَيَّامًا فتفقده وَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالَ: مَا فعل الثَّعْلَب فَأَنا لَمْ أره مُنْذُ ثَلَاثَة أَيَّام مَعَ مَا عرض لي من الْمَرَض، فانتهزها الذِّئْب ليُغري بِهِ الْأسد وَيفْسد حَاله عِنْده، ويحمله عَلَى مكروهه، فَقَالَ: أَيهَا الْملك مَا هُوَ إِلا أَن وقف عَلَى عِلَّتِك حَتَّى استبدَّ بِنَفسِهِ وَمضى فِيمَا يَخُصّه من كَسبه ولهوه، وَبلغ الثَّعْلَب هَذَا فَوَافى الْأسد فَلَمَّا دخل عَلَيْه، قَالَ: مَا أخَّرك عنِّي مَعَ علَّتي وحاجتي إِلَى كونك بِالْقربِ مني، قَالَ: أَيهَا الْملك لما وقفت عَلَى الْعِلَّة الْعَارِضَة لَك لَمْ يَسْتقرّ بِي قَرَار، وَجعلت أجول وأجوب الْآفَاق إِلَى أَن وقفت عَلَى مَا يشفى الْملك من مَرضه، فَقَالَ: قَدْ علمت أنَّكَ لَا تفارق نصيحتي وَلا تخرج عَنْ طَاعَتي، فَمَا الَّذِي وقفت عَلَيْه مِمَّا أشْتَفِي بِهِ، قَالَ: تتَنَاوَل خُصَى ذِئْب، فَإنَّهُ يُبرئك حِين يستقرُّ فِي جوفك، قَالَ: أَنَا عَامل عَلَى هَذَا، وَخرج الثَّعْلَب فَجَلَسَ فِي دهليز الْأسد، ووافى الذِّئْب فحين وقف بَيْنَ يَدَيْهِ وثب عَلَيْه، فالتهم خُصْيتيه، فَخرج والدمُ يسيل وَيجْرِي عَلَى فَخذيهِ، فَلَمَّا مرَّ بالثعلب، قَالَ لَهُ: يَا صَاحب السِّروال الْأَحْمَر، إِذا جالست الْمُلُوك فَانْظُر كَيفَ تذكرُ حاشيتهم عِنْدهم.
وَقَدْ روينَا فِي بعض مجالسنا هَذِهِ أَنَّهُ قِيلَ لبَعض الْحُكَمَاء: مِمَّنْ تعلمت الْعقل؟ قَالَ: مِمَّنْ لَا عقل لَهُ، كُنْت أرى الْجَاهِل يفعل الشَّيْء فيضرُّه فأجتنبه.
يَا فَتى! أَلَسْت ظريفًا ؟
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَامر بْن عِمْرَانَ أَبُو عِكْرمة الضَّبِّيّ، عَنْ سُلَيْمَان بْن أَبِي شيخ، قَالَ: بَينا عبيد اللَّه بْن الْحَسَن بْن الْحَسَن ابْن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب ﵉ يطوف بِالْبَيْتِ، إِذْ رَأَى امْرَأَة تَطوف وتنشد:
стр. 265
لَا يقبل اللَّهُ من معشوقةٍ عملا ... يَوْمًا وعاشقها غَضْبَان مهجور
قَالَ القَاضِي: وَفِي غَيْر هَذِهِ الرِّوَايَة يَلِيهِ بيتٌ آخر وَهُوَ:
وَكَيف يَأجُرُها فِي قتل عاشقها ... لَكِن عاشقها من ذَاك مأجور
فَقَالَ عَبْد اللَّه للْمَرْأَة: يَا أمة اللَّه! مثل هَذَا الْكَلَام فِي مثل هَذَا الْموقف؟ فَقَالَت: يَا فَتى أَلَسْت ظريفًا؟ قَالَ: بلَى، قَالَتْ: أَلَسْت راويةً للشِّعر؟ قَالَ: بلَى، قَالَتْ: ألم تسمع الشَّاعِر يَقُولُ:
بيضٌ غَرَائِر مَا هَمَمْنَ بريبةٍ ... كَظَباءِ مَكَّة صَيْدُهُنَّ حَرَامُ
يُحْسَبْنَ مِن لينِ الْحَدِيث زَوَانِيَا ... ويَكُفُّهنّ عَنِ الخَنَا الإِسْلامُ
رَأْي أَبِي زَيْد فِي أَصْحَاب الْحَدِيث
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ: حَدَّثَنَا القَاسِم بْن إِسْمَاعِيل التَّنوخي: سرق أصحابُ الْحَدِيث نعل أَبِي زَيْد سَعِيد بْن أَوْس، فَكَانَ إِذا جَاءَ أَصْحَاب الشّعْر وَالْأَخْبَار رمى ثِيَابه وَلَم يتفقدها، وَإِذَا جَاءَ أَصْحَاب الْحَدِيث ضَمّها إِلَيْهِ، وقَالَ: ضُمَّ يَا ضَمَّام، واحْذَر لَا تنام.
إنَّهُنَّ يكفر العَشِير
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُوسَى الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَيْمُون بن هرون، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ جَدِّهِ الْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ. قَالَ: خَرَجَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الرَّشِيدُ من عِنْد زبيدة - وَقد تغذى عِنْدَهَا وَنَامَ وَشَرِبَ - وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ: قَدْ سَرَّنِي سُرُورُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: مَا أَضْحَكُ إِلا تَعَجُّبًا، أَكَلْتُ عِنْدَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ وَنِمْتُ وَشَرِبْتُ فَسَمِعْتُ رَنَّةً، فَقُلْتُ: مَا هَذَا، قَالُوا: ثلثمِائة أَلْفِ دِينَارٍ وَرَدَتْ مِنْ مِصْرَ، فَقَالَتْ: هَبْهَا لِي يَا ابْنَ عَمِّ، فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهَا فَمَا بَرِحَتْ حَتَّى عَرْبَدَتْ، وَقَالَتْ: أَيَّ خَيْرٍ رَأَيْتُ مِنْكَ؟ قَالَ القَاضِي: قَدْ روى عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي النِّسَاءِ: " إِنَّهُنَّ يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ "، وَفَسَّرَهُ بِمَا ذَكَرْتُ مِنْ إِحْسَانِ الرَّجُلِ إِلَيْهَا وَأَنَّهَا تَرُبُّ مَنْزِلَهَا، وَتَكْشِفُ وَجْهَهَا بَعْدَ الْحَجْرِ وَالْخَطْرِ، وَتَقُولُ لِزَوْجِهَا: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ.
المجلِسُ السَادِسُ وَالثَّلَاثُونَ
خير شَجَرَة فِي الجَنَّة
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الشُّحَيْمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن مُعَاوِيَةَ الضَّبِّيُّ إِمْلاءً بِمِصْرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عُمَرَ بْنِ يُونُسَ الْيَمَامِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يُقَالُ لَهَا خَيْرًا، أَصْلُهَا فِي مَنْزِلِ رجلٍ مِنْ قُرَيْشٍ لَا أُسَمِّيهِ لَكُمْ، وَفَرْعُهَا فِي سَائِرِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لأَخِيهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، فَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِ تِلْكَ الشَّجَرَةَ ".
стр. 266
لحن الرَّاوِي فِي كلمة خير
قَالَ: القَاضِي: هَكَذَا أما علينا الشُّحَيْمي هَذَا الْحَدِيث، وَلَفظ بِهِ كَمَا روينَاهُ، فَقَالَ: يُقَالُ لَهَا خيرا، وَلَم يَكُنْ ذَا علم بطريقة الْإِعْرَاب، وَلَعَلَّه لحن فِيهِ فغيَّره عَنْ صَوَابه، ولحن فِيهِ بعضُ من تقدَّمه من رُواته الَّذِين لَا معرفَة لَهُم بتصاريف الْإِعْرَاب ووجوهه، وَالصَّوَاب فِيهِ عِنْدِي أَن يَكُون اللَّفْظ فِي الْخَبَر أَتَى عَلَى الصِّحَّة وَهُوَ يُقَالُ لَهَا خير، فَلَو كَانَ اللَّفْظ خيراء عَلَى فعلاء، أَوْ فعلى على خيرى، لَكِن وَجها مَعْرُوف الْمَذْهَب فِي الْعَرَبيَّة، غَيْر أَنَّهُ كَانَ غَيْر مَصْرُوف وَلا مُنَون، وَالْمَشْهُور من هَذَا الْخَبَر التَّنْوِين، وَأَن خيرا فِيهِ من الخيرالذي هُوَ ضد الشَّرّ، وَقَدْ جَاءَ عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " إِذا قَالَ الرَّجُلُ لأَخِيهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ الثَّنَاءَ "، وَالْعرب تَقُولُ: جزى اللَّه فلَانا خيرا إِذا دعت لَهُ، وجزاه اللَّه شرًّا إِذا دعت عَلَيْه، كَمَا قَالَ الشَّاعِر فِي الْمَعْنى الأول:
أَلا رَجُلا جزاهُ اللَّه خيرا ... يَدُلُّ عَلَى محصلةٍ تَبِيتُ
وقَالَ أَبُو مَعْبَد:
جزى اللَّهُ رَبُّ الناسِ خير جَزَائِهِ ... رفيقن قَالا خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ
وقَالَ الحطيئة فِي الْمَعْنى الثَّانِي:
جَزَاكِ اللَّهُ شَرًّا من عجوزٍ ... ولَقَّاكِ الْعُقُوقَ من البَنِينا
وَهَذَا الْوَجْه هُوَ الْمَعْرُوف بَيْنَ خَاصَّة النَّاس وعامتهم، وَغير مُمْتَنع عِنْدِي أَن يَكُون خير اسْم الشَّجَرَة ويَعْني بقولِ الْقَائِل: جَزَاك اللَّه خيرا الْخَيْر الْمَعْرُوف، فَيُجْزَى تِلْكَ الشَّجَرَة إِذا كَانَتْ خيرا من الْخُيُور، وَنَظِير ذَلِكَ قَوْلهم: ويلٌ لفُلان، وذُكِر سِيبوَيْه أَنَّهُ قُبُوح، وقَالَ: غَيره نَحْو ذَلِكَ، وَجَاء عَنْ عددٍ من أَهْل التَّأْوِيل أَنَّهُ وادٍ فِي جَهَنَّم، فَتَأمل هَذَا فَإنَّهُ وجْهٌ لطيفٌ حَسَن.
إنَّه شَيْطَان الأحلام
حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْكَلْبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغَلابِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَن أَبِيه، عَن أم الْحُسَيْن بنت جَعْفَر بْن حَسَنِ بْنِ حَسَنٍ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ، عَنْ عَمَّتِهَا زَيْنَبَ بِنْتِ عَلِيٍّ ﵈، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، قَالَتْ:
أُهْدِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عناقٌ مَشْوِيَّةٌ فَبَعَثَ إِلَى فَاطِمَةَ، وَعَلِيٍّ، وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ﵈، فَأَجْلَسَهُمْ مَعَهُ لِيَأْكُلُوا فَأَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَيْهَا الْحَسَنُ فَجَذَبَتْ فَاطِمَةُ يَدَهُ وَبَكَتْ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فِدَاكِ أَبُوكِ! مَا شَأْنُكِ لِمَ تَبْكِينَ؟ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُ فِي مَنَامِي الْبَارِحَةَ كَأَنَّهُ أُهْدِيَ إِلَيْكَ هَذِهِ الْعَنَاقُ وَكَأَنَّكَ جَمَعْتَنَا، فَأَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَيْهَا الْحَسَنُ فَأكل فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، كُفُّوا، ثُمَّ قَالَ: يَا رُؤْيَا! فَأَجَابَهُ شيءٌ:
стр. 267
لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: هَلْ أَرَيْتِ حَبِيبَتِي شَيْئًا؟ قَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، فَقَالَ: يَا أَضْغَاثُ! قَالَ شيءٌ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: هَلْ أَرَيْتِ حَبِيبَتِي شَيْئًا قَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، قَالَ: يَا حَدِيثَ النَّفْسِ! فَأَجَابَهُ شيءٌ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: هَلْ أَرَيْتِ حَبِيبَتِي شَيْئًا؟ قَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، قَالَ: يَا شَيْطَانَ الأَحْلامِ! أَجَابَهُ شيءٌ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: هَلْ أَرَيْتَ حَبِيبَتِي شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ، أَرَيْتُهَا كَذَا وَكَذَا، قَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: الْعَبَثُ، فَقَالَ: لَا تَعُدْ إِلَيْهَا، ثُمَّ تَفَلَ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاثًا، وَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ مَا رَأَيْتِ، ثُمَّ قَالَ: كُلُوا بِسْمِ اللَّهِ.
خبران يرويهما الزُّهْرِيّ عَنْ نَفسه
حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن الْقَاسِم الكوكبي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أَبِي سَعِيد، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَمْرو القَعْنَبي، قَالَ: حَدَّثَنَا صَفْوَان بْن هُبَيْرة التَّمِيمِيّ، عَنِ الصَّدَفيّ، عَنِ الزُّهْرِيّ، قَالَ: أتيتُ عَبْد الْملك بْن مَرْوَان فاستأذنت عَلَيْه فَلم يُؤْذَنْ لي، فَدخل الْحَاجِب، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين إِن بِالْبَابِ رَجُلا شابًّا أَحْمَر، زعم أَنَّهُ من قُرَيْش، قَالَ: صِفْه فوصفه لَهُ، قَالَ: لَا أعرفهُ إِلا أَن يَكُون من وُلِد مُسْلِم بْن شهَاب، فَدخل عَلَيْه، فَقَالَ: هُوَ من بني مُسْلِم فَدخلت، قَالَ: من أَنْت؟ فانتسبت لَهُ وقُلْتُ: إِن أَبِي هلك وَترك عيالا صِبية، وَكَانَ رَجُلا مِتْلافًا لَمْ يتْرك مَالا، فَقَالَ: لي عَبْد الْملك: أَقرَأت الْقُرْآن؟ قُلْتُ: نعم بإعرابه، قَالَ: وَمَا يَنْبَغِي مِنْهُ من وجوهه وعِلَلِه؟ قَالَ: قُلْتُ: نعم، قَالَ: إِنَّمَا فَوق ذَلِكَ فضل إِنَّمَا يُرَاد أَن يعايا ويلغز بِهِ، قُلْتُ: نعم، قَالَ: تعلَّمتَ الْفَرَائِض؟ قُلْتُ: نعم، قَالَ: الصُّلْبُ والجَدُّ واختلافهما؟ قُلْتُ: أَرْجُو أَن أكون قَدْ فعلت، قَالَ: وَكم دَيْنُ أَبِيك؟ قُلْتُ لَهُ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: قَدْ قضى اللَّه دَيْنَ أَبِيك، وَأمر لي: بجائزة ورزق يجْرِي، وَشِرَاء دارٍ قطيعةٍ بِالْمَدِينَةِ، وقَالَ: اذْهَبْ فاطلب الْعلم وَلا تَشَاغَل عَنْهُ بشيءٍ فَإِنِّي أرى لَك عينا حافظة وَقَلْبًا زاكيًا، وائت الأَنْصَار فِي مَنَازِلهمْ، قَالَ الزُّهْرِيّ وَكنت أخذت الْعلم عَنْهُمْ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا خرجت إِلَيْهِم إِذا عِلْم جَمٌّ فأتَّبعْتُهم حَتَّى ذُكرتْ لي امْرَأَة نَحْو قبَاء تروي رُؤيا فأتيتُها، فَقلت: أَخْبِرِينِي برؤياك، قَالَ: فَقَالَت: كَانَ لي ولدان واحدٌ حِين حبا، وَالْآخر يتبعهُ، وَهلك أَبوهُمَا وَترك واهنًا وداجنًا ونَخَلات، فَكَانَ الدَّاجنُ نشرب لَبنهَا وَنَأْكُل تمر النخلات، فَإِنِّي لبين النائِمة واليقظانَة - قَالَ: القَاضِي: هَكَذَا فِي الْخَبَر وَالْمَشْهُور فِي العَربيَّة اليقظى - وَلنَا جديٌ فَرَأَيْت كَأَنّ ابْني الْأَكْبَر قَدْ جَاءَ إِلَى شفرةٍ لنا فَأَخذهَا، وقَالَ يَا أمَّه! قَدْ أضْرَرْتِ بِنَا وحبست اللَّبن عَنَّا، فَأخذ الشَّفْرَة وَقَامَ إِلَى وُلد الدَّاجن فذبحه بِتِلْكَ الشَّفرة، ثُمّ نَصَبِ قدرا لنا ثُمّ قطّعه وَوَضعه فِيهَا، ثُمّ قَامَ إِلَى أَخِيهِ فذبحهُ بِتِلْكَ الشَّفْرَة، واستنبهت مَذْعُورَة وَإِذَا ابْني الْأَكْبَر قَدْ جَاءَ، فَقَالَ: يَا أُمّه! أَيْنَ اللَّبن، فَقلت: يشربه وُلِد هَذِهِ الدَّاجِن، فَقَالَ: مَا لنا فِي هَذَا من شيءٍ، وَقَامَ إِلَى الشَّفْرَة فَأَخذهَا ثُمّ أمرَّها عَلَى حلق الدّاجن ثُمّ نَصَبِ الْقدر، قَالَتْ: فَلم ُأكَلِّمهُ حَتَّى قُمْت إِلَى ابْني الصَّغِير فاحتضنته فأتيتُ بِهِ بعض بيُوت الْجِيرَان فَخَبَّأْته عِنْدهم، ثُمّ أَقبلت مغتمة لما رَأَيْت، ثُمّ صعد عَلَى بعض تِلْكَ النخلات فَأنْزل رطبا ثُمّ قَالَ:
стр. 268
يَا أُمّه! أُدْني فكُلي، قُلْتُ: لَا أُرِيد، ثُمّ مضى فِي بعض حَوَائِجه وَترك الْقدر فَإِنِّي لمنكبَّة عَلَى بُلِيس عِنْدِي إِذْ ذهب بِي النّوم فَإِذا أَنَا بآتٍ قَدْ أَتَانِي، فَقَالَ: مَالك مُغتَمَّة؟ فَقلت: لكذا وَكَذَا، وَلِأَن ابْني صنع كَذَا وَكَذَا، فَنَادَى يَا رُؤْيَاهُ يَا رُؤْيَاهُ! فَجَاءَت امرأةٌ شابةٌ حَسَنَة الْوَجْه طيبَة الرّيح، فَقَالَ: مَا أردتِ من هَذِهِ الْمَرْأَة الصَّالِحَة، قَالَتْ: مَا أردْت مِنْهَا شَيْئا، فَنَادَى: يَا أضْغَاثُ يَا أضْغَاثُ! فَأَقْبَلت امرأةٌ سَوْدَاء الْخلقَة وسخةُ الثِّيَاب دونهَا، فَقَالَ: مَا أردتِ من هَذِهِ الْمَرْأَة؟ قَالَتْ: رَأَيْتهَا صَالِحَة فَأَرَدْت أَن أغُمَّها، قَالَتْ: ثُمّ انْتَبَهت فَإِذا ابْني أقبل، فَقَالَ: يَا أُمّه! أَيْنَ أَخي؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي حَبَا إِلَى بعض الْجِيرَان، قَالَتْ: فَذهب يمشي لَهو أهْدى إِلَى مَوْضِعه حَتَّى أَخذه وَجَاء بِهِ فَقبله، ثُمّ قعد فَأكل وأكلت مَعَه.
قَالَ القَاضِي: قَوْله: فِي الْخَبَر وَترك لي ماهِنًا وداجِنًا، الماهن: الْخَادِم، ويُقَالُ: مَهَن الرَّجُل مِهْنةً ومَهْنَةً، وَفُلَان فِي مِهْنة أَهله ومَهْنَةِ أَهله، وَالْفَتْح عِنْد كثير من أَهْل اللُّغَة أَعلَى، ويُقَالُ: مَهُن مهانةً من الهوان، وَمن المهان بِمَعْنى الْخَادِم، قَول الشَّاعِر:
وهَزئْنَ مِنِّي أَن رأَينَ مُوَيْهِنًا ... تَبدُو عَلَيْه شَتَامَةُ المَمْلُوكِ
وَأما الدَّاجِن فَهِيَ الشاةُ من شِيَاه البيوتِ الَّتِي تُعْلَفُ، وَجُمْهُور الْفُقَهَاء لَا ترى فِي دواجن الشَّاءِ زَكَاة، وَهُوَ مَذْهَب عَامَّة أَهْل الْعرَاق وَبِه نقُول، وَقَدْ أوجب عددٌ من فُقَهَاء الْحجاز الزَّكَاة فِي دواجن الْغنم، كَمَا أوجبهَا الْجَمِيع فِي سوائمها، وَاخْتِلَافهمْ فِي عوامل الْإِبِل وَالْبَقر كختلافهم فِي دواجن الْغنم، وكلامنا فِي هَذَا عَلَى استقصاءِ الْحُجج مرسوم فِيمَا ألفناه من كتبنَا فِي الْفِقْه.
وَقَول الْمَرْأَة: وَإِنِّي لمتكئةٍ عَلَى بلسٍ لي، البَلَسُ: بعضُ مَا يَكُون فِي رَحْلِ الْقَوْم من الْمَتَاع الَّذِي يُتَّكَأُ عَلَيْه، وَهُوَ اسْم أعجمي لَا أعرفهُ فِي الْعَرَبيَّة وَأرَاهُ بالرومية وَقَد اسْتعْمل عَلَى تَولُّدِه قَدِيما وحديثًا فَروِيَ فِي خبرٍ ذكر أَن أَبَا جفر الْجُمَحِيّ نظر بَيْنَ الْحَسَن بْن زَيْد ومُحَمَّد بْن عَبْد الْعَزِيز، فَقَالَ: إنَّه أقامني عَلَى البَلَسِ يَعْنِي الْحسن، فَكَأَنَّهُ اسْم لما يُعَلَّى عَلَيْه من كراسي أَو مَا أشبهه ن.
وَمِمَّا انْتهى إِلَيْنَا من عجائب أَخْبَار الرُّؤْيَا مَا يُتْعب جمعه وتصعب الْإِحَاطَة بِهِ، وَإِذَا عثرنا مِنْهُ عَلَى شيءٍ أتيناه فِي مُسْتَقْبل مجالسنا مِمَّا تيَسّر مِنْهُ، إِذْ لَمْ نَبْن كتَابنَا هَذَا عَلَى استقصاء نوع نوع مِمَّا يشْتَمل عَلَيْه، وَإِنَّمَا نأتي مِنْهُ بِأَبْوَاب ممتزجة، وأجناس موشحة، وَالْخُرُوج من قصَّة إِلَى قصَّة ن.
سَبَب حُدُوث الزلزلة
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن زِيَاد الْمقري، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن الْعَبَّاس بِالْكُوفَةِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الأسباط، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَن، عَنْ حُسَيْن، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْد اللَّه جَعْفَر بْن مُحَمَّد الصَّادِق ﵉ يَقُولُ: لما خلق اللَّه تَعَالَى ذكره الحوتَ الَّذِي عَلَى ظَهره الأَرْض استعظم فِي نَفسه واستكبر، وقَالَ: مَا خلق اللَّه خلقا هُوَ أقوى مني فَعلم اللَّه
стр. 269
ذَلِكَ مِنْهُ، فخلق سَمَكَة أكبر من النملة وأصغر من الجرادة، فَدخلت فِي مِنْخَرَيْهِ فضعف أَرْبَعِينَ خَرِيفًا ثُمّ خرجت، ثُمّ إِذا أَرَادَ اللَّه يوْم زلزلةٍ تراءت لَهُ تِلْكَ السَّمَكَة فاضطرب من خوفها فاضطربت الأَرْض.
قَالَ القَاضِي: رُوينا فِي الزلزلة هَذَا القَوْل وَقَدْ جَاءَ فِي كثير من الْأَخْبَار أَنَّهَا من حَرَكَة الْحُوت واضطرابه من غَيْر ذكر السَّمَكَة المحكي فِي هَذَا الْخَبَر ودخولها فِي أَنفه، وَهِي فِي الْجُمْلَة من الْآيَات الَّتِي يخوف اللَّه بهَا عباده، ويَحُثُّ بهَا إِلَى طَاعَته، والتفكُّر فِي عجائب صَنعته، ومجانبة مَعْصِيَته.
والزلزلةُ يقلُّ حُدُوثُها فِي بعض الأرَضَين وَيكثر فِي بَعْضهَا، كَمَا يكثر الْمَطَر فِي بعض الْبلدَانِ كطبرستان ويقلُّ فِي بَعْضهَا كمصر، وَنَظِير هَذَا مَا يُشَاهد من الجَزْرِ والمدِّ فِي بعض الْأَنْهَار دون بعض وَقَدْ جَاءَ عَنْ بعض السّلف أَنَّهُ قَالَ - وَقَدْ سُئِل عَنِ الجزر والمدّ: إِن اللَّه تَعَالَى وكَّلَ مَلَكًا بقاموس الْبَحْر فَإِذا وضع قدمه فِيهِ فاض، وَإِذَا رَفعهَا غاض.
وَمِمَّنْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ ابْن عَبَّاس، وَأي الْوُجُوه كَانَ مَعْنَاهُ فَهُوَ من عَجِيب آيَات اللَّه تَعَالَى ذكره وبديع صَنعته، وَفِيه دَلِيل ظَاهر عَلَى توحيده ولطيف حكمته، وَظُهُور قدرته.
وَقَدْ ذكر عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنة أَنَّهُ قَالَ: لَوْلَا أَن سُفْيَان الثَّوْرِي أَو الْفُضَيْل بْن عِياض - أَنَا أَشُكُّ - أَخْبَرَنِي عَنِ الجَزْرِ وَالْمدّ لما صدقت، وَرَأَيْت غُلَاما لي وَأَنا مُصْعَد من الْبَصْرَة جَالِسا فِي جَانب السَّفِينَة نَاظرا إِلَى شاطىء دجلة مُنْذُ طُلُوع الشَّمْس إِلَى قريبٍ من زَوَالهَا ثُمّ أقبل علينا، فَقَالَ: لَا إِلَه إِلا اللَّه، مَا أعجب هَذَا! أَنَا أراعي دجلة مُنْذُ غدوةٍ وَالْمَاء بِحَالهِ لَمْ يزدْ وَلَم يَنْقُص، فَعجب من فَقْدِه الجزر والمدَّ إِذْ لم يره ن. وأمّا مَا قَالَه المنجمون وَغَيْرُهُمْ من الفلاسفة فِي هَذَا فإننا لَمْ نؤثر ذكره فِي هَذَا الْموضع وَهَذَا معنى لَا يَقع الْعلم بِهِ إِلا بخبرٍ عَنِ اللَّه تَعَالَى فِي كِتَابه أَوْ عَلَى لِسَان رَسُوله، وَلا ضَرَر عَلَى أحدٍ من الْخلق فِي فَوت الْعلم بِهِ، وَلَو كَانَ مِمَّا يحْتَاج الناسُ إِلَى مَعْرفَته، وكُلِّفُوا عمله، انصب اللَّه تَعَالَى جَدُّه لَهُم دَلِيلا عَلَيْه، وَجَعَل لَهُم سَبِيلا هاديًا إِلَيْهِ، فالاعتبار بِهِ وَاجِب، والإِيمَان بِأَنَّهُ حِكْمَة اللَّه وَصِحَّة تَدْبيره وَحسن تَقْدِيره لَازم، وَإِن ثَبت فِيهِ مَا يُحِيط الْعلمَاء من الْخلق بحقيقته عَمَّن يلْزم احجة بقوله، وَجب التَّسْلِيم لَهُ والدَّيْنُونة بِهِ.
أعرابيُّ ظريف عِنْد أحد العياد
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا الرياشي، عَنِ مُحَمَّد بْن سَلام، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي شيخ من بني ضبة، قَالَ: رَأَيْتُ أعرابيًّا كَبِير السِّنِّ كثير المزاح، بِيَدِهِ مِحْجَنٌ، وَهُوَ يجرُّ رجلَيْهِ حَتَّى وقف عَلَى مِسْعَرِ بْن كِدّام وَهُوَ يصلِّي، فَأطَال الصَّلاة والأعرابي وَاقِف، فَلَمَّا أعيا قعد، حَتَّى إِذا فرغ مِسْعَر من صلَاته سلم الأعرابيُّ عَلَيْه، وقَالَ لَهُ: خُذْ من الصَّلَاة كَفِيلا فتبسن مسعرٌ، وقَالَ: عَلَيْك بِمَا يُجْدِي عَلَيْك نَفْعُه، يَا شيخ كم تَعُد؟
стр. 270
قَالَ: مائَة وبضع عشرَة سنة، قَالَ: فِي بَعْضهَا مَا كفى واعظًا فاعمل لنَفسك، فَقَالَ:
أحبُّ اللَّواتي هُنَّ من وُرْقِ الصِّبا ... وَمن هُنَّ عَنْ أزواجِهن طِماحُ
مُسِرَّاتُ بغضٍ مُظْهِراتُ مودةٍ ... تَرَاهُنَّ كالمرضى وهُنَّ صِحَاحُ
فَقَالَ مِسْعَر: أفٍّ لَك، فَقَالَ: واللَّه مَا بأخيك حَرَكةٌ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سنة، وَلكنه بحرٌ يَجِيش وَيَرْمِي بزبده، فَضَحِك مِسْعَر، وقَالَ: إِن الشّعْر كلامٌ حَسَنُهُ حَسَن وقَبِيحُه قَبِيح ن.
جَزَاء مجالسة الأنذال
حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر الْعُقَيْليّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاق طَلْحَة بن عبد الله الطَّلْحي، قَالَ: أَخْبَرَنَا الزُّبَير بْن أَبِي بَكْر، قَالَ: كَانَ بشكستُ النَّحْويُّ الْمَدَنِيّ وَفد عَلَى هِشَام بْن عَبْد الْملك فَلَمَّا حضر الغَدَاء دَعَاهُ هِشَام، وقَالَ لفتيان من بني أُمَيَّة: تَلاحَنُوا عَلَيْه، فَجعل أحدهم يَقُولُ: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين! رَأَيْت أَبِي فُلان، وَيَقُولُ الآخر: مر بِي أَبَا فُلان، وَنَحْو هَذَا، فَلَمَّا ضجر أَدخل يَده فِي صحفةٍ فغمسها ثُمّ طلى لحيته، وقَالَ لنَفسِهِ: ذُوقي هَذَا جزاؤُك فِي مجالسة الأنذال.
من أَخْبَار خَالِد بْن يَزِيد الْكَاتِب
حَدَّثَنَا يَزِيد بْن الْحَسَن الْبَزَّاز، قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِد الْكَاتِب، قَالَ: دخلتُ عَلَى أَبِي عُبَاد أَبِي الرَّغل بْن أَبِي عُبَاد، وَعِنْده أَحْمَد بْن يَحْيَى وَابْن الْأَعرَابِي فَرفع مجلسي، فَقَالَ لَهُ ابْن الْأَعرَابِي: من هَذَا الْفَتى الَّذِي أَرَاك ترفع من قدره؟ قَالَ: أَوْ مَا تعرفه؟ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا، قَالَ: هَذَا خَالِد الْكَاتِب الَّذِي يَقُولُ الشّعْر، فَقَالَ: أَنْشدني من قَوْلك شَيْئا فَأَنْشَدته:
لَو كَانَ من بشرٍ لَمْ يَفْتِنِ البَشَرا ... وَلَم يَفُقْ فِي الضياء الشَّمْس والقمرا
نور تجسَّم منحلٌ ومعقدٌ ... لَو أدركتْه عيونُ النّاس لانكدرا
فصاح ابْن الْأَعرَابِي، وقَالَ: كفرت يَا خَالِد هَذِهِ صفة الْخَالِق لَيست صفة الْمَخْلُوق، فأنشدني مَا قُلْتُ غَيْر هَذَا، فَأَنْشَدته:
أَرَاك لما لَججْتَ فِي غَضَبِك ... تَتْركُ رَدَّ السَّلامِ فِي كُتُبِك
حَتَّى أتيت عَلَى قولي:
أقولُ للسُّقْم إِلَى بدني ... حبا لشفاً يَكُون من سَببك
فصاح ابْن الْأَعرَابِي، وقَالَ: إِنَّك لفطنٌ وَفَوق مَا وَصَفْتِ بِهِ.
قَالَ القَاضِي: ابْن الْأَعرَابِي هَذَا أولى بِصفة الْكفْر من خَالِد، لِأَن خَالِدا لَمْ يَصِفْ مَنْ ذكَرَهُ فِي شعره إِلا بِصفة المخلوقين، إِذْ النورُ مَخْلُوق متجسَّمُه ومُنْحلَّهُ ومنعقِدُه، وَهُوَ والظلمة من خلق اللَّه تَعَالَى، وَإِنَّمَا يُنكر خَلْقَهُمَا ويَدَّعي أَنَّهُمَا أصلان قديمان الثنوية، وَابْن الْأَعرَابِي إِذْ جعل هَذِهِ الصّفة للخالق دون الْمَخْلُوق جَاهِل بِالدّينِ، ضال عَنْ سَبِيل الْمُؤْمِنِين.
стр. 271
لَا يقبلهَا أَوْ يعرفهُ
حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن جَعْفَر بْن مُوسَى الْبَرْمَكِي، قَالَ: قَالَ خَالِد الْكَاتِب: وقف عَليّ رجلٌ بعد الْعشَاء متلفحٌ برداء عَدَنِيّ أسود وَمَعَهُ غُلام مَعَه صُرَّة، فَقَالَ لي: أَنْت خَالِد؟ قُلْتُ: نعم، قَالَ: أَنْت الَّذِي يَقُولُ:
قَدْ بَكَى العاذلُ لي من رَحْمتي ... فبكائي لبكاءِ العاذل
قُلْتُ: نعم، قَالَ: يَا غُلام ادْفَعْ إِلَيْهِ الَّذِي مَعَك، فَقلت: وَمَا هَذَا، قَالَ: ثلثمِائة دِينَار، قُلْتُ: واللَّه لَا أقبلها أَوْ أعرفك، قَالَ: أَنَا إِبْرَاهِيم بْن الْمهْدي.
الْحبّ أعظم مِمَّا بالمجانين
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْقَاسِم الأنباي، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْمَرْزُبَان، قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيّا بْن مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْب بْن السكن، عَنْ يُونُس النَّحْويّ، قَالَ: لما اخْتَلَط عقل قَيْس الْمَجْنُون وَامْتنع عَنِ الطَّعَام وَالشرَاب مَضَت أُمّه إِلَى ليلى، فَقَالَت لَهَا: يَا هَذِهِ قَدْ لحق ابْني بسببك مَا قَدْ علمت، فَلَو صِرْت معي إِلَيْهِ رَجَوْت أَن يثوب لُبُّهُ ويرجَع عقلُه، إِذا عاينك، فَقَالَت: أما نَهَارا فَلَا أقدر عَلَى ذَلِكَ، لِأَنِّي لَا آمن الحيَّ عَلَى نَفسِي، وَلَكِن أمضي مَعَك لَيْلًا، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل، صَارَت إِلَيْهِ، فَقَالَت: لَهُ: يَا قَيْس إِن أُمَّك تزْعم أَن عقلك ذهب بسَببي، وَأَن الَّذِي لحقك أَنَا أصلُه، فَفتح عَيْنَيْهِ فَنظر إِلَيْهَا، وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
قَالَتْ جُنِنْتَ عَلَى ذِكْرِي فقلتُ لَهَا ... الحبُّ أعظمُ مِمَّا بالمجانين
الحبُّ لَيْسَ يُفِيقُ الدَّهْرَ صاحِبُهُ ... وَإِنَّمَا يُصرعُ المجنونُ فِي الْحِين
كَانَ يظنهُ هجاء
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم الحكيمي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِبْرَاهِيم الزُّهْرِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن الْمُنْذر الخرامي، قَالَ: حَدَّثَنِي معن بْن عِيسَى، قَالَ: دخل ابنُ سَرْجُون السُّلَمِيّ عَلَى مَالك بْن أَنَس وَأَنا عِنْده، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْد اللَّه! إِنِّي قَدْ قُلْتُ أبياتًا من شعرٍ وذكرتُك فِيهَا، فَاجْعَلْنِي فِي حل، قَالَ: أَنْت فِي حلٍّ، قَالَ: أحِبُّ أَن تسمعها، قَالَ: لَا حَاجَة لي بِذَلِك، فَقَالَ: بلَى، قَالَ: هَات، فَقَالَ: قلت:
سلوا مَالك الْمُفْتِي عَنِ اللَّهو والْغِنا ... وحُبّ الْحِسان المعجبات الفوارك
ينبئكم أَنِّي مُصِيب وَإِنَّمَا ... أسلي هموم النَّفس عني بذلك
فَهَل فِي محب يكتم الْحبّ والهوى ... أثامٌ وَهل فِي ضمة المتهالك
فَضَحِك مَالك وسري عَنهُ، وقَالَ: لَا إِن شَاءَ اللَّه، وَكَانَ ظن أَنَّهُ هجاه.
بيتان لأبي الْعَتَاهِيَة من أحسن الشّعْر
حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن إِسْمَاعِيل الْمحَامِلِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي سَعِيد، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن عَليّ ابْن حَمْزَة الْهَاشِمِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن إِبْرَاهِيم، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُوسَى بْن عَبْد
стр. 272
الْملك، قَالَ: جَاءَ أَبُو الْعَتَاهِيَة يُرِيد الدُّخُول عَلَى أَحْمَد بْن يُوسُف فَمَنعه الْحَاجِب فَكتب إِلَيْهِ:
ألم تَرَ أنَّ الفَقْر يُرْجَى لَهُ الْغِنَى ... وأنَّ الْغِنَى يُخْشَى عَلَيْه من الفَقْرِ
قَالَ: فَقلت لَهُ: لَا تَتَعرض لَهُ وأسْكِتْهُ عَنْك، فَوجه إِلَيْهِ بِخَمْسَة آلَاف دِرْهَم، قَالَ عَلِيّ بْن إِبْرَاهِيم: فأعلمت ذَلِكَ عَلَى بْن جَبَلَة، فَقَالَ: بئْسَمَا صنع كَانَ يَنْبَغِي أنْ يَقُول لَهُ:
أحمدُ، إِن الْفقر يُرْجَى لَهُ الْغنى
فيشيد باسمه، قَالَ: القَاضِي قَدْ رُوينا هَذَا الْخَبَر عَنْ أَبِي الْعَتَاهِيَة من غَيْر هَذَا الطَّرِيق، وَبعد بَيته الَّذِي فِيهِ بَيت آخر وَهُوَ:
ألم تَرَ أَن البَحْر يَنْضُبُ مَاؤُهُ ... وَتَأْتِي عَلَى حيتانه نُوَبُ الدَّهْر
من لحن الْعَامَّة
فِي ينضب لُغَتَانِ، ضم عين الْفِعْل وَكسرهَا وماضيه نَضَب بِالْفَتْح، وَإِنَّمَا ذكرت هَذِهِ لأنني أسمع الْعَامَّة يَقُولُونَ فِيهِ: ينضَب بِالْفَتْح وَرُبمَا قَالُوا: نضِب بِكَسْر الضَّاد فِي الْمَاضِي، وَهَذَانِ البيتان لأبي الْعَتَاهِيَة من أحسن الشّعْر وأوضحه، عَلَى أَنَّهُ قَدْ سبقه إِلَى بَيته الأول الْقَائِل:
فَمَا يدْرِي الْفَقِير مَتى غناهُ ... وماد يَدْري الْغَنِيُّ مَتَى يَعِيلُ
وَفِيهِ حِكْمَةٌ وَعِبْرَةٌ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً ".
عذريٌ وَرب الْكَعْبَة
حَدَّثَنَا جَعْفَر بْن مُحَمَّد بن نصير لخواص، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس ابْن مَسْرُوق، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن شبيب، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الصَّمد الْبكْرِيّ، أَخْبَرَنَا ابْن عُيَيْنة، قَالَ: قَالَ سَعِيد بْن عُقْبة الهَمْدانِّي لأعرابي: مِمَّنْ أَنْت، فَقَالَ: من قوم إِذا عشقوا مَاتُوا، قَالَ: عذريٌ وربِّ الْكَعْبَة، فَقلت: ومم ذَاك، قَالَ: فِي نسائنا صباحة، وَفِي فتياننا عفَّة.
أتلف ثَلَاثِينَ ألف ألف دِرْهَم
حَدَّثَنَا يزْدَاد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن يزْدَاد، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل الْبَصْرِيّ، قَالَ: وحَدَّثَنِي ابْن أَبِي زُهَيْر الْعَبْسيّ، عَنْ عِيسَى بْن أَبِي شَيْبَة الْأَصْغَر، قَالَ:
دخل عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي بكرَة عَلَى الحَجَّاج وَفِي إصبعه خَاتَم، فَقَالَ لَهُ: يَا عُبَيْد اللَّه! عَلَى كم ختمت بخاتمك هَذَا؟ قَالَ: عَلَى ثَلَاثِينَ ألف ألف، قَالَ: فَفِيمَ أتْلَفْتها، قَالَ: فِي تَزَوُّج العقائل والمكافأة بالصنائع، وَأكل الْحَار وشُرْبِ القار، قَالَ: أَرَاك ضليعًا، قَالَ: ذَاك أصلحك اللَّه لِأَنِّي لَا آكل إِلا عَلَى نقاء، وَلا أجامع إِلا عَلَى شَهْوَة، فَإِذا كَانَ اللَّيْل رَوَّيْتُ قدميَّ زَنْبقًا، ورأسي بَنَفْسجة يصعد هَذَا ويحدِر هَذَا فَالْتَقَيَا فِي الْمعدة فَعقَد الشَّحْم.
قَالَ القَاضِي: العقائل جمع عقيلة، والعقيلة: دُرَّة الْبَحْر، وَبهَا سميت الْمَرْأَة لكرامتها، قَالَ ابْن قيس الرقيات:
تذهل الشَّيْخ عَن بنيه وتبدي ... عَن خدام العقيلة الْعَذْرَاء
стр. 273
يحْتَاج صَاحب السّلطان إِلَى ثَلَاث
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سهل بْن الْفَضْل الْكَاتِب، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زَيْد، قَالَ: حَدَّثَنِي شيخ مُحدث عَنْ عمّه، قَالَ: خرجتُ من عِنْد يَعْقُوب بْن دَاوُد فَلَمَّا استويتُ عَلَى دابّتي قَامَ إليّ دِهْقَانٌ مَجُوسِيّ وَسَأَلَ أَن أَسْتَأْذن لَهُ يَعْقُوب، فَقلت: إِنَّك لَو كُنْت سَأَلتنِي وَأَنا أَدخل كَانَ أحسن، فَأَما وَأَنا أخرج فَلَا، قَالَ: فَخَطب عَليّ خطْبَة بِالْفَارِسِيَّةِ واضطرني إِلَى أَن دخلتُ عَلَى يَعْقُوب فاستأذنت لَهُ، فَقَالَ: أعرفُه، ثُمّ أرسل من أدخلهُ، فَقَالَ لَهُ الدِّهقان: إِنَّك تعلم أَن من أمثالنا أَن صَاحب السّلطان يَنْبَغِي أَن يَكُون مَعَه خلالٌ ثَلَاث: الصبرُ والعقلُ وَالْمَال، فَأَما مَا لَا ينفذ مِنْهَا فمعي. الصَّبْر وَالْعقل، وَأما مَا تُنْفِده الْأَيَّام فقد فَنِيَ وَهُوَ المَال، فإمَّا أَن تمدَّني بمالٍ فأقيم، وَإِمَّا أَن تَقْضِيَ حَاجَتي، قَالَ: فَقضى حَاجته وَأَعْطَاهُ.
المجلِسُ السَّابع والثَلاثون
من هدي النبوَّة
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْفُلُوسِيُّ أَبُو يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُكَيْنُ بْنُ أَبِي سِرَاجٍ أَبُو عَمْرٍو الْكَلْبِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: نَادَى رجلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ، قَالَ: أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، قَالَ: فَأَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ، قَالَ: سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلأَنْ أَمْشِيَ لأَخٍ لِي مُسْلِمٍ فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ شَهْرًا يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ وَلَوْ شَاءَ أَنْ يمضينه لأَمْضَاهُ مَلأَ اللَّهُ قَلْبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَة رضى، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخٍ لَهُ مُسْلِمٍ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يُثْبِتَهَا لَهُ ثَبَّتَ اللَّهُ قَدَمَهُ يَوْمَ تَزِلُّ الأَقْدَامُ، وَسُوءُ الْخُلُقِ يُفْسِدُ الْعَمَلَ كَمَا يُفْسِدُ الْخَلُّ الْعَسَلَ.
رِوَايَة أُخْرَى للْحَدِيث
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن الْقَاسِم من زَكَرِيَّا الْمُحَارِبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْن إِسْحَاقَ الرَّاشِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاهِرُ بْنُ نُوحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سُكَيْنِ بْنِ أَبِي سِرَاجٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ وَإِنَّ مِنْ أَحَبِّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، سُرُورًا تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً أَوْ تَسُدُّ عَنْهُ جُوعًا، وَلأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ شَهْرَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ لأَمْضَاهُ مَلأَ اللَّهُ قَلْبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رِضًا، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخٍ لَهُ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يُثْبِتَهَا ثَبَّتَ اللَّهُ قَدَمَهُ يَوْمَ تَزِلُّ الأَقْدَامُ، وَسُوءُ الْخُلُقِ يُفْسِدُ الْعَمَلَ كَمَا يُفْسِدُ الْخَلُّ الْعَسَلَ.
стр. 274
تعقيب للمؤلف
قَالَ القَاضِي: وَقَدْ روينَا فِي هَذِهِ الْجُمْلَة وَنَحْوهَا أَخْبَارًا كرهنا الإطالة باستيعابها، واكتفينا بِمَا أَثْبَتْنَاهُ فِي هَذَا الْموضع مِنْهَا، وفيهَا من إِعْلَام النَّبِيّ ﷺ بِمَا ذكره فِيهَا من مَكَارِم الْأَفْعَال، ومحاسن الْأَعْمَال، وحَضِّه عَلَيْهَا، وَوَصفه مَا أَنْبَأَ عَنْهُ من الْفَضْل مِمَّا يَدْعُو كُلّ ذِي بَصِيرَة إِلَى الِانْقِطَاع إِلَيْهِ، والمواظبة عَلَيْه، وَقُوَّة الرَّغْبَة فِيهِ، والمنافسة فِي وفور الحظِّ مِنْهُ، وَهُوَ مؤكدٌ لما اسْتَقر فِي نفوس ذَوي الفطن السليمة حُسْنُه وشرفه، وَاسْتِحْقَاق الْأَخْذ بِهِ من الإجلال والتعظيم، والتشريف والتقديم، مَعَ عَظِيم مَا يُرْجَى لمن تخلَّق بِهِ من أَهْل الإِيمَان بِاللَّه وَرَسُوله، من جزيل الثَّوَاب، والفوز فِي المنقلب والإياب، والأمن من سوء الْحساب، وأليم الْعَذَاب.
يتَصَدَّق بقصب بَيته
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صاعد، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْن بْن الْحَسَن المَرْوَزِيّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْهَيْثَم بْن جميل، يَقُولُ:
كَانَ الْحَسَن بْن صَالِح بْن حَيّ يتَصَدَّق، حَتَّى إِذا لَمْ يبْق فِي يَده شيءٌ وَجَاء سائلٌ نزع خُصًّا كَانَ يَكُون أَمَام بَيته فَأعْطَاهُ السَّائِل، حَتَّى إِذا وجد شَيْئا اشْترى قصبًا وبناه، قَالَ: وَكَانُوا إِذا رَأَوْا بابَهُ بِغَيْر خُص علمُوا أَنَّهُ لَمْ يبْق عِنْده شَيْء.
خبر صَخْر بْن شريد السُّلَمِيّ
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِم، ثُمّ حَدَّثَنَا الأَصْمَعِيّ قَالَ: التقى صَخْرُ بْن عَمْرو بْن الشَّرِيد السُّلَمِيّ وَرجل من بني أَسد، فطعن لأسدي صخرًا فَقِيل لصخر كَيفَ طَعَنَك، قَالَ: كَانَ رُمْحُه أطولَ من رُمْحِي بأُنْبُوب، فضمن صخرٌ مِنْهَا فطال مَرضه، وَكَانَت أُمّه إِذا سُئلت عَنْهُ، قَالَتْ: نَحْنُ بخيرٍ مَا رَأينَا سوادَه بَيْننَا، وَكَانَ امْرَأَته إِذا سُئِلت عَنْهُ، قَالَتْ: لَا حَيٌّ فُيْرجَى وَلا مَيِّتٌ فيُنْعَى، فَقَالَ صَخْر:
أرى أم صخرٍ لَا تَمَلٌّ عِيادتي ... ومَلَّتْ سُلَيْمَي مَضْجَعِي ومكاني
إِذا مَا امرؤٌ سَاوَى بأُمٍّ حَلِيلَة ... فَلَا عَاشَ إِلا فِي شقًا وهوان
لَعَمْري لقَدْ أيقظت من كَانَ نَائِما ... وأسمعتَ مَنْ كَانَتْ لَهُ أذنان
بَصيرًا بوَجْهِ الحَزْمِ لَو أسْتطيعه ... وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ العَيْرِ والنزوان
شرح معنى الضَّمَان والسواد
قَالَ: القَاضِي قَوْله فضمن مَعْنَاهُ سَقِم وبَلِي جِسْمه، يَقُولُ: بفلان ضمانٌ مثل سقامٌ وضمانةٌ مثل زَمَانة، قَالَ ابْن الدُّمَيْنة:
أُمَيْم بقلبي مِنْ هَوَاكِ ضمانةٌ ... وأنتِ لَهَا لَو تَعلمين طبيبُ
стр. 275
ويروي زَمَانَة، وَحكى: بفلان زمنٌ وزمانةٌ وزمنةٌ، وضمنٌ وضمنةٌ وضمانةٌ وضَمَان، وَقَول: أم صَخْر مَا رَأينَا سَوَادَهُ يَعْنِي شخصه، قَالَ الْأسود بْن يَعْفُر:
إِن المنيَّة والْحُتوف كِلاهما ... فَوق المَخَارِمِ يَرْمُقان سَوَادِي
مَعَاني العير
والعَيْر هَا هُنَا الْحمار، وَهُوَ اسمٌ يقعُ عَلَى أَشْيَاء ذَوَات عددٍ. مِنْهَا اسْم جبل، ويُقَالُ: للملَك عَيْرٌ، وللعُودِ الْمُمتدِّ متوسطًا لورق الشَّجر والنبات، وللناتىء فِي الْكَفّ، وللناتىء فِي ظهر الْقدَم، وَلما فِي سَواد الْعين، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
ويمشِي الْقِبِصَّى قبل عيرٍ وَمَا جَرَى ... وَلَم تَدْرِ مَا شَأني وَلم أدر مَا لَهَا
الْقِبِصَّى مشيةٌ فِيهَا تَوَثُّب، وَمن كَلَام الْعَرَب: افْعَل هَذَا قبل عيرٍ وَمَا جرى، ويُقَالُ: للوَتِد عَيْر، وَقَدْ قَالَ أولو الْمعرفَة مِنْ رُواة الشِّعر فِي قَول الْحَارِث بْن حِلْزة:
زَعَمُوا أَن كل من ضرب العي ... ر موالٍ لنا وَأَنا الوَلاءُ
أقوالا وَحمل كُلّ مِنْهُم تَأْوِيله عَلَى وَجه من الْوُجُوه الَّتِي ذَكرنَاهَا، وَلذكر ذَلِكَ موضعٌ غَيْر هَذَا، وأمّا النَّزَوَان فَهُوَ التوثُّب والتحرك صُعُدًا، وذُكِر أَهْل الْعلم بِالْعَرَبِيَّةِ أَنَّهَا حَرَكَة فِيهَا تصعُّد وارتفاع، ذكر نَحْو ذَلِكَ سِيبوَيْه، وَمثل هَذَا الجَوَلان والخَفَقَانُ والبَرَدَان والرَّجفان والعَسَلان والسَّيلان مِمَّا يكثر تعداده.
شعرٌ عَلَى حَائِط
حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُفَيْرٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: قَالَ لي أَبُو عَليّ صديقنا حَدَّثَنِي بعض أَهْل الْمعرفَة، أَنَّهُ بَينا هُوَ فِي بعض بِلَاد الشَّام نزل فِي دَار من دورها فَوجدَ عَلَى بعض الْحِيطَان كتوباً:
دعوا مُقْلَتي تبْكي لفقد حبيبها ... ليطفىء بَرْدُ الدَّمْع حرَّ كُرُوبها
فَفي حلِّ خيطِ الدمع للقلب راحةٌ ... فَطُوبَى لنَفس مُتِّعَتْ بحبيبها
بِمن لَو رأتْهُ القاطعاتُ أكُفَّها ... لما رضِيَتْ إِلا بِقطع قُلُوبِها
قَالَ: فَسَأَلَ عَنْهُ فَأخْبر أَن بعض الْعمَّال ترك هَذِهِ الدَّار وَقَدْ أصَاب ثَلَاثِينَ ألف دِينَار، فَعَلِقَ غُلَاما فأنفق ذَلِكَ المَال كُلَّه عَلَيْه، قَالَ: فَبينا أَنَا جالسٌ وَمر بِنَا ذَلِكَ الْغُلَام، قَالَ: قَالَ: فَمَا رأيتُ غُلَاما أحسنَ مِنْهُ حُسنًا وجمالا.
معنى إِذا سرقت فاسرق دُرَّة
حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْن مُحَمَّد بْن اللَّيْثُ أَبُو نصر المَرْوَزِيّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نصر مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن طَاهِر الْخُزَاعيّ المَرْوَزِيّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْد اللَّه بْن مَنْصُور بن طَلْحَة، يَقُولُ: سَمِعْتُ عمي عَبْد اللَّه بْن طَاهِر، يَقُولُ: سَأَلَني الْمَأْمُون أَمِير الْمُؤْمِنِين، فَقَالَ: يَا أَبَا الْعَبَّاس!
стр. 276
مَا معنى إِذا سرقت فاسرق دُرَّة، وَإِذَا زَنَيْت فازْنِ بحُرَّة، فَقلت: أويخبرني أَمِير الْمُؤْمِنِين، قَالَ: لَيْسَ هَذَا حَثًّا عَلَى الزِّنَا، وَلا عَلَى السَّرِقَة، وَلَكِن إِذا رُمْتَ الزِّنا من الْحُرَّة تَعذَّر عَلَيْك، وَإِذَا رُمْتَ السّرقَة للدُّرة تعذَّر عَلَيْك لِأَنَّهَا مصونة فَلَا تقدر عَلَيْهَا.
بعض أَخْبَار ذِي الرمة وَإِخْوَته ومحبوبته
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن عَرَفَة الأَزْدِيّ، ومُحَمَّد بْن الْقَاسِم الْأَنْبَارِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن يَحْيَى، عَنْ أَبِي زَيْد، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو صَالِح الفَزَاريّ، قَالَ:
ذكر ذُو الرمة فِي مجْلِس فِيهِ عدَّة من الْأَعْرَاب، فَقَالَ: عصمَة بْن مَالك شيخ مِنْهُم قَدْ أَتَى لَهُ مائَة سنة، فَقَالَ، كَانَ من أظرف النّاس، وقَالَ: كَانَ آدم خَفِيف العارضين حسن المضحك حُلْو الْمنطق، وَكَانَ إِذا أنْشد بربر وَحسن صَوته، وَإِذَا واجهك لَمْ تَسْأَم حَدِيثه وَكَلَامه، وَكَانَ لَهُ إخْوَة يَقُولُونَ الشّعْر مِنْهُم مَسْعُود، وَهَمَّام، وخرواش، وَكَانُوا يَقُولُونَ القصيدة فيزيد فِيهَا الأأبيات فيغْلب عَلَيْهَا فتذهب لَهُ، فَأتى يَوْمًا فَقَالَ لي: يَا عصمَة! إِن مية مِنقَرية وَبَنُو منقر أَخبث حَيّ وأبصره بأثر وأعلمه بطرِيق، فَهَل عنْدك من نَاقَة تزدارُ عَلَيْهَا ميَّة؟ فَقلت: نعم، عِنْدِي الجؤذر، قَالَ: عَليّ بهَا فركبناها جَمِيعًا حَتَّى نشرف عَلَى بيُوت الْحَيّ، فَإِذا هُمْ خلوف وَإِذَا بَيت ميَّة خالٍ، فملنا إِلَيْهِ فتقوص النّساء نحونا وَنَحْو بَيت ميّ، فطلعت علينا فَإِذا هِيَ جَارِيَة أملودٌ وَارِدَة الشَّعر، وَإِذَا عَلَيْهَا سِبُّ أصفر وقميص أَخْضَر، فَقُلْنَ أنشدن يَا ذَا الرُّمَّةِ، فَقَالَ: أنشدهن يَا عصمَة، فَنَظَرت إلَيْهِنَّ فأنشدْتُهن:
وقفتُ عَلَى رسْم لمية نَاقَتي ... فَمَا زلتُ أبْكِي عِنْدَهُ وأخاطبه
وأسقيه حَتَّى كَاد ممّا أبثُّه ... تُكَلِّمني أحجارُه وملاعبُه
حَتَّى بلغت إِلَى قَوْله:
هَوَى آلفٍ جَاءَ الْفِراقُ وَلَم تُجِلْ ... جوائلها أسرارُهُ ومَعَاتبه
فَقَالَت ظريفه مِمَّنْ حضر: فلتجل الْآن، فَنَظَرت إِلَيْهَا حَتَّى أتيت عَلَى القصيدة إِلَى قَوْله:
إِذا سَرَحتْ من حُبٍّ مَيٍّ سوارحٌ ... عَلَى الْقلب أبته جَمِيعًا عوازبُه
فَقَالَت الظريفة مِنْهُنَّ: قَتَلْتِهِ قَتَلَكِ اللَّه، فَقَالَت ميٌّ: مَا أصحَّهُ وهنيئًا لَهُ، فتنفس ذُو الرمة نفسا كَاد من حَرِّه يُطَيِّر شعر وَجهه، ومضيت فِي الشّعْر حَتَّى أتيت عَلَى قَوْله:
وَقد حَلَفت بِاللَّه مية مالذي ... أَقُول لَهَا إِلا الَّذِي أَنَا كاذبه
إِذا فَرَمَانِي اللَّه من حَيْثُ لَا أرى ... وَلا زَالَ فِي دَاري عدوٌّ أحاربه
стр. 277
فَقَالَت الظريفة: قتلته قَتلك اللَّه، فَقَالَت ميٌّ: خَفْ عواقب اللَّه يَا غيلَان، ثُمّ أتيتُ عَلَى الشّعْر حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى قَوْله:
إِذا راجَعَتْكَ القولَ ميَّةُ أَوْ بدا ... لَك الوجهُ مِنْهَا أَوْ نَصَا الدِّرعَ سَالِبُهُ
فيا لَك من جُدٍّ أسيلٍ ومنطق ... رخيم وَمن خلقٍ تعلل جادبه
فَقَالَت: تِلْكَ الظريفة: هَا هَذِهِ وَهَذَا القَوْل قد رَاجَعتك، تُرِيدُ واجهتها فَمن لَك أَن يَنضو الدرْع سالبه، فالتفتت إِلَيْهَا مية، فَقَالَت: قَاتلك اللَّه مَا أعظم مَا تجيئين بِهِ، فتحدثنا سَاعَة ثُمّ قَالَت الظريفة للنِّسَاء: إِن لَهما شَأْن فقمن بِنَا، فقمن وَقمت معن فَجَلَست بِحَيْثُ أراهما، فَجعلت ميةُ تَقول لَهُ: كذبت، فَلَبثت طَويلا ثُمّ أَتَانِي وَمَعَهُ قارورةٌ فِيهَا دهن، قَالَ: هَذَا دهنُ طيبٍ أتحفتنا بِهِ مية، وَهَذِه قِلادة للجُؤذُر، واللَّه لَا أَخْرجتُها من يَدي أبدا، فَكَانَ يخْتَلف إِلَيْهَا حَتَّى إِذا انقصى الربيعُ ودعا النّاس الصَّيف أَتَانِي، فَقَالَ: يَا عصمَة! قَدْ رحلت ميُّ فَلم يبْق إِلا الرَّبْعُ والْآثَار، فَاذْهَبْ بِنَا نَنْظُر إِلَى آثَارهم، فخرجنا حَتَّى انتهينا فَوقف، وقَالَ:
أَلا يَا اسْلَمي يَا دَارَ ميٍ عَلَى البلَى ... وَلا زَال مُنْهَلًّا بجرْ عائِك القطْرُ
وَإِن لَم تَكُوني غَيْر شامٍ بقفرةٍ ... تجرُّ بهَا الأذْيال صيفيةٌ كُدْرُ
فَقلت لَهُ: مَا بالُك، فَقَالَ لي: يَا عصمَة إِنِّي لجَلْد، وَإِن كَانَ مني مَا ترى فَكَانَ آخر الْعَهْد بِهِ.
وَالْخَبَر عَلَى لفظ أَبِي عَبْد اللَّه. قَالَ: وَحدثت عَنِ ابْن أَبِي عَدِيّ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا الرُّمة يَقُولُ: بلغت نصف عُمَر الهَرِم أَرْبَعِينَ سنة، وقَالَ ذُو الرمة:
عَلَى حِين راهقتُ الثَّلَاثِينَ وارعوتْ ... لِدَاتي وَكَانَ الحلمُ بِالْجَهْلِ يرجح
إِذا خطرت من ذككر ميَّةَ خطرةٌ ... عَلَى الْقلب كَادَت فِي فُؤَادك تجرحُ
تصرَّفُ أهواء الْقُلُوب وَلا أرى ... نصيبَك من قلبِي لغيرك يُمْنَحُ
وبعضُ الْهوى بالهجر يُمحى فيمَّحى ... وحُبُّك عِنْدِي يَسْتَجدُّ ويَرْبَحُ
وَلما شكوتُ الْحبّ كَيْمَا تثيبني ... بوجْدِيَ قَالَتْ إِنَّمَا أَنْت تمزح
بعادًا وإدلالا عَليّ وَقَدْ رأتْ ... ضمير الْهوى قَدْ كَاد بالجسم يبرحُ
لَئِن كَانَت الدُّنْيَا عَليّ كَمَا أرى ... تباريح من ذكراك لَلْمَوتُ أرْوَحُ
ويروى تباريح من مي فللموت أروح قَالَ القَاضِي: وَهَذِه القصيدة من قصائد ذِي الرمة الطوَال الْمَشْهُورَة المستحسنة وأولها:
أمنزلتي مي سلامٌ عَلَيْكُمَا ... على النأي والنائي يود وَينْصَح
стр. 278
وَمِنْهَا ذكرتك إِذْ مرت بِنَا أمُّ شادنٍ ... أَمَام المطايا تشرَئبُّ وتسْنَح
من المؤلفات الرملَ أدْمَاءُ حرةٌ ... شُعاعُ الضُّحى فِي مَتْنِها يتوضحُ
رأتنا كأنا عامِدُون لصيدها ... ضُحى فَهِيَ تَدْنُو تَارَة وتزحزحُ
هِيَ الشِّبْهُ أعطافًا وجيدًا ومُقلةً ... ومَيَّةُ أبْهى بَعْدُ مِنْهَا وأملحُ
وَهَذِه من أحسن الحائيات الَّتِي أَتَتْ عَلَى هَذَا الروي، ونظيرها كلمة ابْن مُقْبِل الَّتِي أَولهَا:
هَل الْقلب عَنْ أسْماءَ سالٍ فَمُسْمِحُ ... وزاجِرُهُ عَنْهَا الخيالُ الْمُبَرَّحُ
وَقَول جرير:
صَحَا القلبُ عَنْ سَلْمى وَقَدْ بَرِحَت بِهِ ... وَمَا كَانَ يَلْقَى من تُمَاضِرَ أبرحُ
وذُكِر فِي خبر ذِي الرمة بِهَذَا الْإِسْنَاد إخوةُ ذِي الرُّمة فَقيل فِيهِ: مَسْعُود، وَهَمَّام، وخرقاش، فَأَما مَسْعُود فَمنْ مشهوري إخْوَته، وإياه عني ذُو الرمة، بقوله:
أَقُول لمسعودٍ بجرعاءِ مالكٍ ... وَقَدْ هُمّ دَمْعِي أَن تَسُحّ أوائِلُهْ
وَمِنْهُم هِشَام وَهُوَ الَّذِي اسْتشْهد سِيبوَيْه من الْإِضْمَار فِي لَيْسَ بقوله.
فَقَالَ: قَالَ هِشَام بْن عُقْبة أَخُو ذِي الرمة:
هِيَ الشِّفَاء لدائي لَو ظفرتُ بهَا ... ولَيْسَ مِنْهَا شفاءُ الداءِ مَبْذُولُ
وَمِنْهُم أَوْفَى وَهُوَ الَّذِي عناه بعض إخْوَته فِي شعرٍ رثا فِيهِ ذَا الرمة أخاهما:
تَعَزَّيْتُ من أوفى بغيلانَ بعدَهُ ... عَزَاءُ وَجَفْنُ الْعين ملآنُ مُتْرعُ
وَلَم تُنسني أَوْفَى المصيباتِ بعده ... وَلَكِن نَكْءَ القَرْحِ بالقَرْحِ أوجعُ
وَذكره ذُو الرمة، فَقَالَ:
أَقُول لأوفي حِين أبْصر باللوى ... صحيفَة وَجْهي قد تغير حَالهَا
وَقَوله: فَإِذا هم خلوف، يُقَال: لمن تخلف بالحي إِذا ظعنوا وانتجعوا: خُلُوف، قَالَ الشَّاعِر:
فيا لَذَّات يومٍ أزورُ وَحْدي ... ديار الْمُوعِدِيَّ وهُمْ خلوف
يروي فيالذات يوْم ويومٍ، أَزور، فَمنْ عَنَى بقوله فيالذات بِالْإِضَافَة إِلَى الْيَاء الَّتِي هِيَ ضمير الْمُتَكَلّم وأسقطها اكْتِفَاء بكسرة التَّاء الَّتِي هِيَ فِي مَوضِع نَصَبِ لإِقَامَة وزن الشّعْر، فَيوم مَنْصُوب لَا غَيْر عَلَى الظّرْف، وَمن أضَاف قَوْله فيالذات إِلَى الْيَوْم جَازَ لَهُ النصب لِإِضَافَتِهِ إِلَى الْفِعْل وَهِي الَّتِي يسميها كوفيُّو النُّحَاة إِضَافَة غَيْر مُحصنَة، وَجَاز الْجَرّ واختير لِإِضَافَتِهِ إِلَى فعل مُعرب غَيْر مَبْنِيّ.
وَقَدْ يُقَالُ أَيْضا للحي الظاعن: خُلُوف.
وَقَول الرَّاوِي فِي هَذَا الْخَبَر: مي فِي مَوَاضِع فِيهِ، ومية فِي مَوَاضِع أخر، فقد ذكر
стр. 279
النحويون أَن ذَا الرمة كَانَ يسميها تَارَة مية وَتارَة مي، وَهَذَا بَيْنَ فِي كثير من شعره، من ذَلِكَ قَوْله:
ديارُ ميةَ إذْ ميٌّ تساعِفُنا ... وَلا يَرى مثلَها عجمٌ وَلا عَرَبُ
وروى قَوْله:
فِيمَا ميّ مَا يُدريك أَيْنَ مناخنا ... معرقة الألحى يَمَانِية شَجرا
بِالرَّفْع وَالنّصب فَمن رَوَاهُ بِالنّصب فوجهه أَنَّهُ رُخِّم عَلَى قَول من قَالَ: يَا حارِ أقبل وَهُوَ أَقيس وَجْهي التَّرْخِيم، وَمن رَوَاهُ بِالرَّفْع فعلى أَن مي اسمٌ تامٌ غَيْر مرخّم، لِأَنَّهُ منادى مُفْرد وَقَدْ يجوز ترخيمه عَلَى قَول من قَالَ: يَا حارِ.
وَمِمَّا يُبِّين أَنَّهُ كَانَ يقْصد تَسْمِيَتهَا بمي عَلَى غَيْر التَّرْخِيم، قَوْله:
تداويتُ من ميٍّ بِتَكْلِيم ساعةٍ ... فَمَا زَاد إِلا ضَعْفَ مَا بِي كَلامُها
وَقَوله: جاريه أُمْلُود، مَعْنَاهُ: ناعمة كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
أرَيْتَ إِن جاءتُ بِهِ أُمْلُودَا ... مُرَجَّلا ويَلْبَسُ الْبُرُودا
وأمّا قَوْله وَإِذَا عَلَيْهَا سبٌ أصفر، فَإنَّهُ يَكُون الرِّداء والْخِمَار، قَالَ الشَّاعِر:
وأشهدُ من عَوْف حُلُولا كَثِيرَة ... يحجون سِبَّ الزِّبرقان الْمُزَعْفَرا
والسِّبُّ: الْخَيط، والسِّب أَيْضا الكفؤ فِي السباب كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
لَا تسببني فَلَسْتَ بِسِبِّي ... إِن سِبِّي من الرِّجالِ الكريمُ
وقَالَ الأخطل:
بني أَسد لستُم بِسبِّي فأقْصِرُوا ... ولكنما سبي سليمٌ وعامر
قَوْله: أونضا الدِّرْع سالبه، معنى نَضَاهُ: خَلَعَه، يُقَالُ: نضا السَّيْف من غِمده وانتضاه ونضا الثَّوْب عَنْهُ إِذا خلعه، قَالَ: امْرُؤ الْقَيْس:
فَقُمْت وَقد نضَتْ لنومٍ ثِيَابهَا ... لَدَى السِّتْر إِلا لُبْسة المتفضل
وَقَوله ومنطق رخيم، الرخيم الَّذِي فِيهِ تقطع يستحسن وَمثله قَوْله أَيْضا:
لَهَا بشرٌ مثلُ الحَرِير ومنطقٌ ... رَخِيمُ الحَوَاشي لَا هراءٌ وَلا نَزْرُ
وَمن هَذَا قَوْلهم: رخمت الدَّجَاجَة إِذا قطعت بيضها، وَمِنْه ترخيم الْكَلَام فِي الْعَرَبيَّة كَقَوْلِك: يَا حَار وَيَا مالِ، وَقَوله تَعلَّلَ جَادِبُه، الجادب: العائِب، وَمِنْه الْخَبَر " جَدب عمر السمر بعد الْعشَاء " أَيّ عَابَ السَّمَر وَكَرِهَهُ بعد الْعشَاء.
وَقَوله أَلا يَا اسلمي، مَعْنَاهُ: يَا هَذِهِ اسلمي، وعَلى هَذَا الْمَذْهَب قِرَاءَة من قَرَأَ " أَلا يَا اسْجُدُوا " وَمن هَذَا النَّحْو قَول الأخطل:
أَلا يَا اسلمِي يَا هِنْدُ هِنْدُ بني بدرٍ ... وَإِن كَانَ حيانا عَدِيّ آخر الدَّهْرِ
وقَالَ الآخر:
стр. 280
يَا لعنةُ اللَّه والأقوامُ كُلِّهِمُ ... والصَّالحين عَلَى سَمْعَان مِنْ جَارِ
وَهَذَا بَاب وَاسع جدا وَنحن نشبع القَوْل فِيهِ إِذا انتهينا إِلَى الْبَيَان عَنْ قَول اللَّه : " أَلا يَا اسجدوا لله " وَشرح مَا فِيهِ من التَّأْوِيل والقراآت فِي مَوْضِعه فِي كتبنَا فِي علل التَّأْوِيل والتلاوة إِن شَاءَ اللَّه.
وقولُ ذِي الرمَّة: عَلَى حِين راهقتُ الثَّلَاثِينَ بِنصب حِين، هَكَذَا روينَاهُ، وَهُوَ الْوَجْه المتَّفقُ عَلَى صِحَّته فِي الْإِعْرَاب، وَالْمُخْتَار عِنْد كثير من نُظار النُّحاة الْفَتْح لِإِضَافَتِهِ إِلَى مبنيٍ غَيْر مُعْرب، وَذَلِكَ " راهقت " الَّذِي هُوَ فعل مَاض كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
عَلَى حينَ عاتبتُ المَشِيبَ عَلَى الصِّبا ... وقُلْتُ ألَمَّا تَصْحُ والشيبُ وَازِعُ
وعَلى هَذَا الْوَجْه قِرَاءَة من قَرَأَ من القَرَأَةِ " وَمِنْ خزي يَوْمئِذٍ " وَمن قَرَأَ: يومئذٍ " وَمن عَذَاب يَوْمئِذٍ "، وَهَذَا كلُّه مشروح مَعَ تَسْمِيَة من قَرَأَ بِهِ، وحُجج الْمُخْتَلِفين فِيهِ فِي كتبنَا الْمُؤَلّفَة فِي حُرُوف الْقُرْآن وتأويله.
الصُّغْرَى أظرفهن
حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن الْقَاسِم الكوكبي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن زُهَيْر بْن حَرْب بْن أَبِي خَيْثَمَة، قَالَ: أَخْبَرَنَا الزُّبَير بْن بَكَّار، قَالَ: حَدَّثَنِي مُصْعَب عمي، قَالَ: ذكر لي رجلٌ من أَهْل الْمَدِينَة، أَن رَجُلا خرج حاجًّا فَنزل تَحت سرحةٍ فِي بعض الطَّرِيق من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة، فَنظر إِلَى كتاب معلقٍ عَلَى السَّرْحة مَكْتُوب فِيهِ: بِسم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم: أَيهَا الْحَاج القاصدُ بَيت اللَّه، إِن ثَلَاث أخواتٍ خَلَون يَوْمًا فبُحْنَ بأهوائهن وذكرن أشجانهن، فَقَالَت الْكُبْرَى:
عجبْتُ لَهُ إذْ زار فِي النَّومِ مَضّجَعي ... وَلَو زَارَني مُستيقظًا كَانَ أعْجَبَا
وَقَالَت الْوُسْطَى:
وَمَا زَارَنِي فِي النَّوْمِ إِلا خَيَالُهُ ... فقلتُ لَهُ أَهلا وسَهْلا ومَرْحَبَا
وَقَالَت الصُّغْرَى:
بنفسي وَأَهلي من أرى كُلّ ليلةٍ ... ضَجِيعي وريَّاهُ من الْمِسْك أطْيَبَا
وَفِي أَسْفَل الْكتاب مَكْتُوب: رحم اللَّه امْرأ نظر فِي كتَابنَا هَذَا فَقضى بِالْحَقِّ بَيْننَا، وَلم يجر فِي الْقَضِيَّة، قَالَ: فَأخذ الْكتاب فَكتب فِي أَسْفَله:
أحدِّثُ عَنْ حورٍ تَحَدّثْن مرّة ... حَدِيث امرىءٍ سَاس الْأُمُور وجَرَّبا
ثلاثٌ كبكْرَاتِ الهجان عَقَائِل ... نَوَاعم يغلبن اللبيب المهذَّبا
خلون وَقَدْ غَابَتْ عيونٌ كثيرةٌ ... من اللائي قَدْ يهوين أَن يتغيبا
فبحن بِمَا يُخفين من لاعج الْهوى ... مَعًا واتخذن الشّعْر ملهًى وملعبا
стр. 281
عجبت لَهُ أَن زار فِي النَّومِ مَضّجَعي ... وَلَو زَارَني مُستيقظًا كَانَ أعجبا
فَلَمَّا أخْبرت مَا أخْبرت وتضاحكت ... تنفست الْأُخْرَى، وَقَالَت تطربا
وَمَا زَارَنِي فِي النَّوْمِ إِلا خَيَالُهُ ... فقلتُ لَهُ أَهلا وسَهْلا ومَرْحَبَا
وشوقت الْأُخْرَى وَقَالَت مجيبة ... لَهُنَّ بقولٍ كَانَ أشهى وأعجبا
بنفسي وَأَهلي من أرى كُلّ ليلةٍ ... ضَجِيعي وريَّاهُ من الْمِسْك أطْيَبَا
فَلَمَّا تبينت الَّذِي قُلْنَ وانبرى ... لي الْحَكَم لَمْ أترك لذِي القَوْل مَعْتَبا
قضيت لصُغْراهن بالظّرف إنَّني ... رَأَيْت الَّذِي قَالَتْ إِلَى الْقلب أعجبا
قَالَ القَاضِي: السَّرحة الشَّجَرَة، قَالَ عنترة يصف رَجُلا بِعظم الجثة وَكَمَال الْخلقَة وبهاء الصُّورَة:
بطلٌ كأنّ ثيابَهُ فِي سرحةٍ ... تَحذى نِعَالَ السِّبْتِ لَيْسَ بِتَوْأَمِ
وقَالَ بعض الْأَعْرَاب:
يَا سرحة الدَّوح أَيْنَ الحيُّ واكبدا ... رُوحِي تَذُوب وَبَيت اللَّهِ من حَسَرِ
وقَالَ حُمَيد بْن ثَوْر الْهِلَالِي:
أَبى اللَّه إِلا أَن سَرْحَةَ مالكٍ ... إِلَى الْقلب من بَين العضاه تروق
الدَّوْحُ: جمع دَوْحة، وَهُوَ مَا عظم من الشّجر.
المجلِسُ الثَامِن وَالثَلاثونْ
إِذا أحبّ اللَّه عبدا منحه الْقبُول
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِشْكَابَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَشِّرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُة بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:
قَالَ: رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنِّي أَحْبَبْتُ فُلانًا فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، قَالَ: وَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَحَبَّ فُلانًا فَأَحِبُّوهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، قَالَ: وَيُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ، قَالَ: وَلا أَدْرِي لَعَلَّهُ قَالَ فِي الْبُغْضِ مِثْلَ ذَلِكَ.
شرح الْحَدِيث
قَالَ القَاضِي إِن اللَّه ﷻ يحب من عباده من أطاعه، وَيَضَع الْقبُول لمن قَبِل وَصَايَاهُ وَعمل بِمَا يعودُ بمرضاته، فنسأل اللَّه تَعَالَى توفيقنا لطاعته الْمُوجبَة لمحبته، وعصمتنا من مَعْصِيتَه المؤدية إِلَى سَخَطه، فطوبى لمن أطَاع ربه فأحبّه، وويلٌ لمن عَصَاهُ وأغضبه، وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكره: " قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله وَيغْفر لكم ذنوبكم " وقَالَ جلَّ اسْمه: " وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قل فَلم
стр. 282
يعذبكم "، وَمن أحبه ربه أكْرمه وَلَم يُهنه، ونَعَّمه وَلَم يُعذبه، وَلَقَد أحسن لقَائِل:
تعضي الإِله وَأَنت تُظْهِرُ حُبَّهُ ... هَذَا مجالٌ فِي الْقِيَاسِ شَنِيعُ
لَو كَانَ حُبُّك صَادِقا لأطعتَهُ ... إنَّ المحبَّ لِمن أحبَّ مُطِيعُ
ضبط بعض المصادِر الَّتِي أَتَتْ عَلَى فعول
قَوْله فِي هَذَا الْخَبَر: وَيُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ، وَالْقَبُول والوَقود والَولُوع وَالْوُضُوء والطَّهور مصَادر جَاءَت عَلَى فَعُول، وَالظَّاهِر الفاشي فِي المصادر الفعول، وَأكْثر مَا يَأْتِي فِي اللَّازِم من الْفِعْل غَيْر الْمُتَعَدِّي، كالْقُعُود وَالْجُلُوس وَمَا أشبههما، ويَّطرِدُ الْفرق بَيْنَ الِاسْم بِالْفَتْح والمصدر بِالضَّمِّ، وَذَلِكَ كَالسحُورِ والْفُطور والصَّعُود والصُّعود والهَبُوط والْهُبُوط وَمَا أشبه هَذَا، وَقَد اخْتلف فِي الْوقُود وَالْوُضُوء ومجاريهما، وَفِي قِرَاءَة قَوْله: " وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ " ووقود النَّار، وَبَيَان هَذَا مَرْسُوم فِي أوْلَى الْمَوَاضِع بِهِ، وَمن الولوع قَول عُمَر بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي رَبِيعَة:
إِن هَمِّي قَدْ نَفَى النَّوم عَنِّي ... وحديثُ النَّفْس شيءٌ وَلُوعُ
فِي قَوْله: ولوع وَجْهَان: يَكُون مَصْدرًا مبدلا من شَيْء، وَيكون صفة لشيءٍ مثل رَجُل ضَرُوب، وَحكى الفَرَّاءُ عَنِ الْكِسَائِيِّ أَنَّهُ رَوَى: وَجَبَ البيعُ وَجُوبا، وذُكِر الفَرَّاء أَنَّهُ لَمْ يُسْمع فِي هَذَا إِلا الضَّم، فَأَما جُمْهُور أَهْل الْعلم فَلم يعرفوا فِي هَذَا الْبَاب الْفَتْح إِلا فِي الأحرف الْخَمْسَة الَّتِي قدمنَا ذكرهَا عَلَى مَا فِي بَعْضهَا من الاخْتِلاف فِي تَفْصِيله وتصريفه، وَإِذَا ضُم إِلَى هَذَا مَا حكيناه عَنِ الْكسَائي فَهُوَ حرفٌ سادس، وَقَدْ وجدنَا حرفا سابعًا فِي هَذَا محكيًّا، وَهُوَ غَرِيب نَادِر وَذَلِكَ الْجور.
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مَحْمُود الْأَزْهَرِي، عَنْ أَبِي الْعَبَّاس ثَعْلَب، عَنِ ابْن: وَجَرْتُ الصَّبِيَّ آجِرُه وَجُورًا وَوَجُورًا.
بيتان فِي المحبَّة والتفضيل بَيْنَهُمَا
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيد، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَن، عَنْ عَمه، قَالَ: سَمِعت جَعْفَر بْن سُلَيْمَان، يَقُولُ: مَا سَمِعْتُ بأشعر من الْقَائِل:
إِذا رُمْتُ مِنْهَا سَلْوةً قَالَ شافعٌ ... من الحبِّ ميعادُ السُّلُوِّ المَقَابِرُ
فَقلت: أشعر مِنْهُ الأحْوَص حَيْثُ يَقُول:
سَيَبْقَى لَهَا فِي مُضْمَر القَلْبِ والحشا ... سريرة ود يَوْم تُبْلَى السَّرَائِرُ
قَالَ القَاضِي: بيتُ الْأَحْوَص أوفى معنى وتقصير الْبَيْت المقدَّم عَنْهُ فِي الْمَعْنى الَّذِي قَصده الشاعرانِ، أجلى وَأظْهر من أَن يخفى من وُجُوه شتَّى مِنْهَا: أَن الأول، قَالَ: إِذا رُمْت عَنْهَا سلوةً، وَالْآخر أَوْمَأ إِلَى اتِّصَال وُدِّهِ وَامْتِنَاع انْقِطَاعه وتصرُّمه، وقَالَ الأول: إِن الَّذِي يَثْنيه عَنِ السلوة شَافِع يصرفهُ عَنْهَا بعد رومه إِيَّاهَا، وَجعل الأول وَقت السلو حيت
стр. 283
تجنّه وَأَهْلهَا الْقُبُور، وصيره ميعادًا ينتظره من رام السَّلْوه، فَهَذَا نقد متيسر ظَاهر لمتأمّله، وَإِن لَمْ يقل فِي جهبذة هَذَا الشَّأْن وطبقته.
بَيت لأبي طَالِب فِي مدح الرَّسُول
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، أُسْتَاذُ الْهَرَوِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ النَّوْفَلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حِكْمَةَ الْمُقَوِّمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: تَذَاكَرُوا أَيُّ بَيْتٍ مِنَ الشِّعْرِ أَحْسَنُ، قَالَ: فَقَالَ رجلٌ: مَا سَمِعْتُ بَيْتَ شعرٍ أَحْسَنَ مِنْ قَوْلِ أَبِي طَالِبٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ :
وَشَقَّ لَهُ مِنَ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ... فَذُو الْعَرْشِ محمودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ
تَعْلِيق عروضي
قَالَ القَاضِي: قَوْله من اسْمه، يرْوى عَلَى وَجْهَيْن: أَحَدهمَا من اسْمه عَلَى همزَة مَقْطُوعَة لإِقَامَة الْوَزْن وَقَدْ جَاءَ مثله فِي الشّعْر، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
بأَبِي امرؤٌ الشَّام بيني وَبَينه ... أَتَتْنِي ببشرى بُرْدُهُ ورَسَائِلُه
وقَالَ الآخر:
إلّا لَا أرى إثنين أكرمَ شِيمَةً ... عَلَى حِدْثان الدَّهْر مِنِّي ومِنْ جُمْلُ
وقَالَ آخر:
إِذا جَاوز الْإِثْنَيْنِ سِرٌّ فَإِنَّهُ ... بِبَثٍّ وتَكْثِيِر الوشاة قمينُ
ويروي أَلا كُلّ سر جَاوز اثْنَيْنِ إنَّه، فعلى هَذِهِ الرِّوَايَة لَا شَاهد فِيهِ، وَالْوَجْه الثَّانِي فِي رِوَايَة الْبَيْت: وشق لَهُ من اسْمه عَلَى الْوَصْل وَترك الْقطع إِقْرَارا لَهُ عَلَى أَصله فِي إِخْرَاجه عَنْ قِيَاسه، فَإِذا رُوِيَ هَكَذَا فَهُوَ عَلَى الزحاف وزحافه حذف خَامِس جزئه الثَّانِي مفاعِي لن، فَيصير مفاعلن وَيُسمى هَذَا الزحاف الْقَبْض، وَقَدْ يَقع الزحاف فِي هَذَا الْخَبَر بِإِسْقَاط سابعه، وَهُوَ نون مفاعي لن وَيُسمى الْكَفّ، وَالْقَبْض فِي هَذَا أحسن الزحافين عِنْد الْخَلِيل، والكف أحسنهما عِنْد الْأَخْفَش، وَهَذَانِ الزحافان يتعاقبان وَلا يَجْتَمِعَانِ.
من أحسن مَا قِيلَ فِي الرثاء
حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن إِسْمَاعِيل الْمحَامِلِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي سَعِيد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُوسَى الملقي، قَالَ: حَدَّثَنَا سوار، قَالَ: قَالَ الأَصْمَعِيّ: جهدت الْعَرَب أَن تَقُولُ مثل هَذَا الْبَيْت فَمَا قدرت:
لقَدْ سَخَّى ربيعةُ أَن يَوْمًا ... عَلَيْهَا مثل يَوْمك لَا يعودُ
قَالَ القَاضِي: وَقَدْ نحا هَذَا النَّحْو عددٌ من الشُّعَرَاء، إِمَّا اقْتِدَاء وَإِمَّا ابْتِدَاء، وَفِي جمعه طول كرهت الإطناب فِيهِ، وَمن أحسن مَا قِيلَ فِي مَعْنَاهُ:
لَعَمْري لئِن كُنَّا فَقَدْناك سَيِّدًا ... كَرِيمًا لَهُ حقُّ التَّنَاوُشُ والفَزَع
стр. 284
لقَدْ جر نفعا فَقدنَا لَك إننا ... أمِنا عَلَى كُلّ الرَّزايا من الجَزَع
وقَالَ آخر:
لَئِن كَانَت الْأَيَّام أطْولْن لَوْعتي ... لفقدك أَوْ ألْزَمْن قَلْبي التَّفَجُّعَا
لقَدْ أمنتْ نَفسِي المصائِبَ بعدَهُ ... فأصبحتُ مِنْهَا آمِنًا أَن أرَوَّعا
وَهَذَا النَّوْع وَمَا يُضارِعه كثير، كرهنا الإطالة بِذكرِهِ.
أَبْيَات فِي الزّهْد
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْن جَعْفَر الأَزْدِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ الأَزْدِيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَامِد بْن أَحْمَد بْن أُسَيْد، قَالَ: أخذت بيد عَلِيّ بْن جَبَلَة يَوْمًا فأتينا أَبَا الْعَتَاهِيَة فوجدناه فِي الْحمام، فانتظرناه فَلم يلبث أَن جَاءَ، فَدخل عَلَيْه إِبْرَاهِيم بْن مقَاتل بْن سهل وَكَانَ جميلا، فَتَأَمّله أَبُو الْعَتَاهِيَة، وقَالَ مُتمثلا:
يَا حسان الْوُجُوه سَوف تموتو ... ن وتبلى الْوُجُوه تَحت التُّرَاب
فَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيّ بْن جَبَلَة، فَقَالَ: اكْتُبْ:
يَا مُرَبيِّ شَبَابَهُ للتراب ... سَوف يلهو الْبِلَى بعِطْر الشَّبَاب
يَا ذَوِي الأوجُهِ الْحِسانِ المصونا ... ت وأجسامها الْغِضَاض الرِّطَاب
أكثرُوا من نعيمها أَوْ أقلُّوا ... سَوف تُهدونها لعَفْر التُّراب
قَدْ تُصبك الْأَيَّام نصبا صَحِيحا ... بِفِرَاق الإخوان والأصحابِ
قَالَ: فَقَالَ لي أَبُو الْعَتَاهِيَة: قل يَا حَامِد، قُلْتُ: مَعَك وَمَعَ أَبِي الْحَسَن؟ فَقَالَ: نعم، فَقلت:
يَا مقيمين رَحَلوا للذِّهاب ... بشفير الْقُبور حَطُّ الرِّكاب
نَعِّمُوا الأوْجُهَ الْحِسَانَ فَمَا ... صَوْنكموها إِلا لعَفْر التُّرَاب
والْبَسُوا ناعم الثِّيَاب فَفِي الحف ... رة تُعرُّون من جُمَيْع الثِّيَاب
قَدْ ترَوْنَ الشَّبَاب كَيفَ يموتو ... ن إِذا اسْتُنْضِرُوا بمَاءِ الشبابِ
إِسْحَاق الْمَوْصِلِيّ يحكم بَيْنَ شاعرين
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْر بْن عجلَان، قَالَ: حَدَّثَنِي حَمَّاد بْن إِسْحَاق، قَالَ: كَانَ عِنْد الْفَضْل بْن يَحْيَى وَعِنْده مُسْلِم بْن الْوَلِيد الأَنْصَارِيّ ومَنْصُور النمري يُنْشِدانه، فَقَالَ: احكم بَيْنَهُمَا، فَقلت: الْحَكَم عيبٌ عَليّ، والأمير أولى من حكم وَقَدْ سَمِع شعرهما، قَالَ: أقسمتُ عَلَيْك لمَّا فَعَلْت، قُلْتُ: هما صديقان شاعران وَقل من حكم بَيْنَ الشُّعَرَاء فَسلم مِنْهُم، وَلَكِن إِن أحبَّ الأميرُ وصفتُ لَهُ شعرهما، فَقَالَ:
стр. 285
فصفه، فَقلت: أما مَنْصُور النمري فَحسن الْبناء، قريب الْمَعْنى، سهل كَلَامه، صَعب مرامه، سُلَيْم الْمُتُون، كثير الْعُيُون، وأمّا مُسْلِم فمزج كَلَام البَدَوِيِّين، بِكَلَام الحضريّين، وَضَمنَهُ الْمعَانِي اللطيفة، والألفاظ الطريفة، فَلَه جزالة البدويّين ورقَّة الحضريين، قَالَ: أبَيْتَ أَن تحكم فحكمت، مَنْصُور أشعرهما.
آراء للمؤلف فِي النَّقْد بِحَضْرَة الْخَلِيفَة
قَالَ القَاضِي: وَكنت يَوْمًا جَالِسا فِي دَار أَمِير الْمُؤْمِنِين الْقَادِر بِاللَّه وبالحضرة جمَاعَة مِنْ أماثل شعراء زَمَاننَا، وَفِيهِمْ من لَهُ حَظّ من أَنْوَاع الْآدَاب، وَتصرف فِي نقد الشّعْر وَمَعْرِفَة بأعاريضه وقوافيه، وخواصه ومعانيه، وَمَا يمْتَنع مِنْهُ وَيجوز فِيهِ، فأفاضوا فِي هَذِهِ الْوُجُوه إِلَى أَن انْتَهوا إِلَى ذكر أَبِي تَمام وَمُسلم بْن الْوَلِيد، وقَالَ كُلّ وَاحِد مِنْهُم فِي تجميل أوصافهما، وترتيب أشعارهما بِمَا حَضَره، وَلَم أُصْغِ كُلّ الإصغاء إِلَى مَا أتوابه من ذَلِكَ، إِذْ لَمْ يَجْرِ عَلَى قصد التَّحْقِيق، وَظهر مِنْهُم أَوْ من بَعضهم تَشَوُّفٌ إِلَى أَن آتِي بِمَا عِنْدِي فِي ذَلِكَ، فَقلت: أَبُو تَمام لَهُ التَّقَدُّم فِي إحكام الصَّنْعَة وحبك الْأَلْفَاظ الْمُطَابقَة المسْتَعْذَبة، وإبداع الْمعَانِي اللطيفة الْمُسْتَغْرَبة، والاستعارة المتقبلة الغريبة، والتشبيهات الْوَاضِحَة العجيبة، ومُسلم لَهُ الطَّبْع وَقرب المأخذ، فقبلوا بِهَذَا وأعجبوا بِهِ، وأظهروا استحسانه، والاغتباط باستفادته، ثُمّ حضرني بعض من يتعاطى هَذَا الشَّأْن فَسَأَلَنِي إملاءَه عَلَيْه، فَقلت لَهُ: أَنَا قائِل لَك فِي هَذَا قولا وجيزًا مُخْتَصرا يَأْتِي عَلَى الْمَعْنى، وَلَهُ مَعَ الِاخْتِصَار حلاوة، وبهاء وطلاوة، وَهُوَ أَن أَبَا تَمام أصنع، وَمُسلم أطبع، وَكَانَ بعضُ من قَدَّمتُ الْحِكَايَة عَنْهُ من الشُّعَرَاء لما قلتُ فِي ذَلِك الْمجْلس مَا قلته أقبل عليَّ، وقَالَ لي: مَا أحدٌ يُدَانِيك فِي هَذَا الْبَاب، فَلِمَ لَا تكون مِنَّا؟ وَلَم تُؤثر مجالسة غَيرنَا، لغَلَبَة هَذَا الشَّأْن عَلَيْه، وَجرى يَوْمًا بيني وبَيْنَ رجلٌ لَهُ حَظّ من الْعلم وَالْأَدب ذكُر بعض من كُنَّا نجالسه من رُؤَسَاء ذَوي السّلطان وَالْولَايَة، وَأهل الْعلم وَالْأَدب وَالرِّوَايَة، مَعَ وفور حَظه من التدين، والنزاهة والتصون، وَأَنه كَانَ يخالفنا فِي أَشْيَاء، ويمارينا فِيهَا مَعَ ظُهُور صِحَة مذاهبنا، وَفَسَاد اختياراته الْمُفَارقَة لاختيارنا، وتذاكرنا مَا يُظهره من الزراية عَلَى أَبِي تَمام وَابْن الرُّومِي وأَنَّهُ لَا يقف عِنْد التَّسْوِيَة بَينهمَا وبَيْنَ من هُوَ منخفض بدرجات متفاوته عَنْهُمَا، حَتَّى يَحَطَّهُما عَمَّن هُوَ أَدْوَن رُتْبَة وأوفى منزلَة، فَقلت لهَذَا الرَّجُل: كَأَنّ هَذَا الْأَمر يخْتَلف بِحَسب اخْتِلاف الأمزجة، وتركيب الْأَبْنِيَة، وَيلْحق بِمَا يخْتَلف فِيهِ شهوات النّاس ولَذَّاتهم من الْأَطْعِمَة والاشربة، ويُؤْثِرُونه من المراكب والملابس والمواطن، ثُمّ ذكرت لَهُ أَحْوَال النّاس فِي اختيارهم مَا يختارونه من الشّعْر، وَأَن كثيرا مِنْهُم بالطويل أَشد أعجابًا مِنْهُ بِغَيْرِهِ، وَيذْهب غَيره إِلَى مثل هَذَا بالبسيط، وَبَعْضهمْ فِي الْكَامِل، وَبَعْضهمْ فِي الوافر، وَقَدْ كَانَ قُدَامة الْكَاتِب يرى تَقَدُّم أول السَّريع عَلَى غَيره من أَنْوَاع الشّعْر فِي بهائه وتَقَبُّل الطبائع لَهُ،
следующие страницы →