← Адаб

Адаб · id 7301

الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي

المعافى بن زكريا

Полный текст (740 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

عجبت لَهُ أَن زار فِي النَّومِ مَضّجَعي ... وَلَو زَارَني مُستيقظًا كَانَ أعجبا فَلَمَّا أخْبرت مَا أخْبرت وتضاحكت ... تنفست الْأُخْرَى، وَقَالَت تطربا وَمَا زَارَنِي فِي النَّوْمِ إِلا خَيَالُهُ ... فقلتُ لَهُ أَهلا وسَهْلا ومَرْحَبَا وشوقت الْأُخْرَى وَقَالَت مجيبة ... لَهُنَّ بقولٍ كَانَ أشهى وأعجبا بنفسي وَأَهلي من أرى كُلّ ليلةٍ ... ضَجِيعي وريَّاهُ من الْمِسْك أطْيَبَا فَلَمَّا تبينت الَّذِي قُلْنَ وانبرى ... لي الْحَكَم لَمْ أترك لذِي القَوْل مَعْتَبا قضيت لصُغْراهن بالظّرف إنَّني ... رَأَيْت الَّذِي قَالَتْ إِلَى الْقلب أعجبا قَالَ القَاضِي: السَّرحة الشَّجَرَة، قَالَ عنترة يصف رَجُلا بِعظم الجثة وَكَمَال الْخلقَة وبهاء الصُّورَة: بطلٌ كأنّ ثيابَهُ فِي سرحةٍ ... تَحذى نِعَالَ السِّبْتِ لَيْسَ بِتَوْأَمِ وقَالَ بعض الْأَعْرَاب: يَا سرحة الدَّوح أَيْنَ الحيُّ واكبدا ... رُوحِي تَذُوب وَبَيت اللَّهِ من حَسَرِ وقَالَ حُمَيد بْن ثَوْر الْهِلَالِي: أَبى اللَّه إِلا أَن سَرْحَةَ مالكٍ ... إِلَى الْقلب من بَين العضاه تروق الدَّوْحُ: جمع دَوْحة، وَهُوَ مَا عظم من الشّجر. المجلِسُ الثَامِن وَالثَلاثونْ إِذا أحبّ اللَّه عبدا منحه الْقبُول حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِشْكَابَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَشِّرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُة بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ: رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنِّي أَحْبَبْتُ فُلانًا فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، قَالَ: وَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَحَبَّ فُلانًا فَأَحِبُّوهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، قَالَ: وَيُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ، قَالَ: وَلا أَدْرِي لَعَلَّهُ قَالَ فِي الْبُغْضِ مِثْلَ ذَلِكَ. شرح الْحَدِيث قَالَ القَاضِي إِن اللَّه ﷻ يحب من عباده من أطاعه، وَيَضَع الْقبُول لمن قَبِل وَصَايَاهُ وَعمل بِمَا يعودُ بمرضاته، فنسأل اللَّه تَعَالَى توفيقنا لطاعته الْمُوجبَة لمحبته، وعصمتنا من مَعْصِيتَه المؤدية إِلَى سَخَطه، فطوبى لمن أطَاع ربه فأحبّه، وويلٌ لمن عَصَاهُ وأغضبه، وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكره: " قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله وَيغْفر لكم ذنوبكم " وقَالَ جلَّ اسْمه: " وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قل فَلم

стр. 282

يعذبكم "، وَمن أحبه ربه أكْرمه وَلَم يُهنه، ونَعَّمه وَلَم يُعذبه، وَلَقَد أحسن لقَائِل: تعضي الإِله وَأَنت تُظْهِرُ حُبَّهُ ... هَذَا مجالٌ فِي الْقِيَاسِ شَنِيعُ لَو كَانَ حُبُّك صَادِقا لأطعتَهُ ... إنَّ المحبَّ لِمن أحبَّ مُطِيعُ ضبط بعض المصادِر الَّتِي أَتَتْ عَلَى فعول قَوْله فِي هَذَا الْخَبَر: وَيُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ، وَالْقَبُول والوَقود والَولُوع وَالْوُضُوء والطَّهور مصَادر جَاءَت عَلَى فَعُول، وَالظَّاهِر الفاشي فِي المصادر الفعول، وَأكْثر مَا يَأْتِي فِي اللَّازِم من الْفِعْل غَيْر الْمُتَعَدِّي، كالْقُعُود وَالْجُلُوس وَمَا أشبههما، ويَّطرِدُ الْفرق بَيْنَ الِاسْم بِالْفَتْح والمصدر بِالضَّمِّ، وَذَلِكَ كَالسحُورِ والْفُطور والصَّعُود والصُّعود والهَبُوط والْهُبُوط وَمَا أشبه هَذَا، وَقَد اخْتلف فِي الْوقُود وَالْوُضُوء ومجاريهما، وَفِي قِرَاءَة قَوْله: " وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ " ووقود النَّار، وَبَيَان هَذَا مَرْسُوم فِي أوْلَى الْمَوَاضِع بِهِ، وَمن الولوع قَول عُمَر بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي رَبِيعَة: إِن هَمِّي قَدْ نَفَى النَّوم عَنِّي ... وحديثُ النَّفْس شيءٌ وَلُوعُ فِي قَوْله: ولوع وَجْهَان: يَكُون مَصْدرًا مبدلا من شَيْء، وَيكون صفة لشيءٍ مثل رَجُل ضَرُوب، وَحكى الفَرَّاءُ عَنِ الْكِسَائِيِّ أَنَّهُ رَوَى: وَجَبَ البيعُ وَجُوبا، وذُكِر الفَرَّاء أَنَّهُ لَمْ يُسْمع فِي هَذَا إِلا الضَّم، فَأَما جُمْهُور أَهْل الْعلم فَلم يعرفوا فِي هَذَا الْبَاب الْفَتْح إِلا فِي الأحرف الْخَمْسَة الَّتِي قدمنَا ذكرهَا عَلَى مَا فِي بَعْضهَا من الاخْتِلاف فِي تَفْصِيله وتصريفه، وَإِذَا ضُم إِلَى هَذَا مَا حكيناه عَنِ الْكسَائي فَهُوَ حرفٌ سادس، وَقَدْ وجدنَا حرفا سابعًا فِي هَذَا محكيًّا، وَهُوَ غَرِيب نَادِر وَذَلِكَ الْجور. حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مَحْمُود الْأَزْهَرِي، عَنْ أَبِي الْعَبَّاس ثَعْلَب، عَنِ ابْن: وَجَرْتُ الصَّبِيَّ آجِرُه وَجُورًا وَوَجُورًا. بيتان فِي المحبَّة والتفضيل بَيْنَهُمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيد، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَن، عَنْ عَمه، قَالَ: سَمِعت جَعْفَر بْن سُلَيْمَان، يَقُولُ: مَا سَمِعْتُ بأشعر من الْقَائِل: إِذا رُمْتُ مِنْهَا سَلْوةً قَالَ شافعٌ ... من الحبِّ ميعادُ السُّلُوِّ المَقَابِرُ فَقلت: أشعر مِنْهُ الأحْوَص حَيْثُ يَقُول: سَيَبْقَى لَهَا فِي مُضْمَر القَلْبِ والحشا ... سريرة ود يَوْم تُبْلَى السَّرَائِرُ قَالَ القَاضِي: بيتُ الْأَحْوَص أوفى معنى وتقصير الْبَيْت المقدَّم عَنْهُ فِي الْمَعْنى الَّذِي قَصده الشاعرانِ، أجلى وَأظْهر من أَن يخفى من وُجُوه شتَّى مِنْهَا: أَن الأول، قَالَ: إِذا رُمْت عَنْهَا سلوةً، وَالْآخر أَوْمَأ إِلَى اتِّصَال وُدِّهِ وَامْتِنَاع انْقِطَاعه وتصرُّمه، وقَالَ الأول: إِن الَّذِي يَثْنيه عَنِ السلوة شَافِع يصرفهُ عَنْهَا بعد رومه إِيَّاهَا، وَجعل الأول وَقت السلو حيت

стр. 283

تجنّه وَأَهْلهَا الْقُبُور، وصيره ميعادًا ينتظره من رام السَّلْوه، فَهَذَا نقد متيسر ظَاهر لمتأمّله، وَإِن لَمْ يقل فِي جهبذة هَذَا الشَّأْن وطبقته. بَيت لأبي طَالِب فِي مدح الرَّسُول حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، أُسْتَاذُ الْهَرَوِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ النَّوْفَلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حِكْمَةَ الْمُقَوِّمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: تَذَاكَرُوا أَيُّ بَيْتٍ مِنَ الشِّعْرِ أَحْسَنُ، قَالَ: فَقَالَ رجلٌ: مَا سَمِعْتُ بَيْتَ شعرٍ أَحْسَنَ مِنْ قَوْلِ أَبِي طَالِبٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ : وَشَقَّ لَهُ مِنَ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ... فَذُو الْعَرْشِ محمودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ تَعْلِيق عروضي قَالَ القَاضِي: قَوْله من اسْمه، يرْوى عَلَى وَجْهَيْن: أَحَدهمَا من اسْمه عَلَى همزَة مَقْطُوعَة لإِقَامَة الْوَزْن وَقَدْ جَاءَ مثله فِي الشّعْر، كَمَا قَالَ الشَّاعِر: بأَبِي امرؤٌ الشَّام بيني وَبَينه ... أَتَتْنِي ببشرى بُرْدُهُ ورَسَائِلُه وقَالَ الآخر: إلّا لَا أرى إثنين أكرمَ شِيمَةً ... عَلَى حِدْثان الدَّهْر مِنِّي ومِنْ جُمْلُ وقَالَ آخر: إِذا جَاوز الْإِثْنَيْنِ سِرٌّ فَإِنَّهُ ... بِبَثٍّ وتَكْثِيِر الوشاة قمينُ ويروي أَلا كُلّ سر جَاوز اثْنَيْنِ إنَّه، فعلى هَذِهِ الرِّوَايَة لَا شَاهد فِيهِ، وَالْوَجْه الثَّانِي فِي رِوَايَة الْبَيْت: وشق لَهُ من اسْمه عَلَى الْوَصْل وَترك الْقطع إِقْرَارا لَهُ عَلَى أَصله فِي إِخْرَاجه عَنْ قِيَاسه، فَإِذا رُوِيَ هَكَذَا فَهُوَ عَلَى الزحاف وزحافه حذف خَامِس جزئه الثَّانِي مفاعِي لن، فَيصير مفاعلن وَيُسمى هَذَا الزحاف الْقَبْض، وَقَدْ يَقع الزحاف فِي هَذَا الْخَبَر بِإِسْقَاط سابعه، وَهُوَ نون مفاعي لن وَيُسمى الْكَفّ، وَالْقَبْض فِي هَذَا أحسن الزحافين عِنْد الْخَلِيل، والكف أحسنهما عِنْد الْأَخْفَش، وَهَذَانِ الزحافان يتعاقبان وَلا يَجْتَمِعَانِ. من أحسن مَا قِيلَ فِي الرثاء حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن إِسْمَاعِيل الْمحَامِلِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي سَعِيد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُوسَى الملقي، قَالَ: حَدَّثَنَا سوار، قَالَ: قَالَ الأَصْمَعِيّ: جهدت الْعَرَب أَن تَقُولُ مثل هَذَا الْبَيْت فَمَا قدرت: لقَدْ سَخَّى ربيعةُ أَن يَوْمًا ... عَلَيْهَا مثل يَوْمك لَا يعودُ قَالَ القَاضِي: وَقَدْ نحا هَذَا النَّحْو عددٌ من الشُّعَرَاء، إِمَّا اقْتِدَاء وَإِمَّا ابْتِدَاء، وَفِي جمعه طول كرهت الإطناب فِيهِ، وَمن أحسن مَا قِيلَ فِي مَعْنَاهُ: لَعَمْري لئِن كُنَّا فَقَدْناك سَيِّدًا ... كَرِيمًا لَهُ حقُّ التَّنَاوُشُ والفَزَع

стр. 284

لقَدْ جر نفعا فَقدنَا لَك إننا ... أمِنا عَلَى كُلّ الرَّزايا من الجَزَع وقَالَ آخر: لَئِن كَانَت الْأَيَّام أطْولْن لَوْعتي ... لفقدك أَوْ ألْزَمْن قَلْبي التَّفَجُّعَا لقَدْ أمنتْ نَفسِي المصائِبَ بعدَهُ ... فأصبحتُ مِنْهَا آمِنًا أَن أرَوَّعا وَهَذَا النَّوْع وَمَا يُضارِعه كثير، كرهنا الإطالة بِذكرِهِ. أَبْيَات فِي الزّهْد حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْن جَعْفَر الأَزْدِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ الأَزْدِيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَامِد بْن أَحْمَد بْن أُسَيْد، قَالَ: أخذت بيد عَلِيّ بْن جَبَلَة يَوْمًا فأتينا أَبَا الْعَتَاهِيَة فوجدناه فِي الْحمام، فانتظرناه فَلم يلبث أَن جَاءَ، فَدخل عَلَيْه إِبْرَاهِيم بْن مقَاتل بْن سهل وَكَانَ جميلا، فَتَأَمّله أَبُو الْعَتَاهِيَة، وقَالَ مُتمثلا: يَا حسان الْوُجُوه سَوف تموتو ... ن وتبلى الْوُجُوه تَحت التُّرَاب فَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيّ بْن جَبَلَة، فَقَالَ: اكْتُبْ: يَا مُرَبيِّ شَبَابَهُ للتراب ... سَوف يلهو الْبِلَى بعِطْر الشَّبَاب يَا ذَوِي الأوجُهِ الْحِسانِ المصونا ... ت وأجسامها الْغِضَاض الرِّطَاب أكثرُوا من نعيمها أَوْ أقلُّوا ... سَوف تُهدونها لعَفْر التُّراب قَدْ تُصبك الْأَيَّام نصبا صَحِيحا ... بِفِرَاق الإخوان والأصحابِ قَالَ: فَقَالَ لي أَبُو الْعَتَاهِيَة: قل يَا حَامِد، قُلْتُ: مَعَك وَمَعَ أَبِي الْحَسَن؟ فَقَالَ: نعم، فَقلت: يَا مقيمين رَحَلوا للذِّهاب ... بشفير الْقُبور حَطُّ الرِّكاب نَعِّمُوا الأوْجُهَ الْحِسَانَ فَمَا ... صَوْنكموها إِلا لعَفْر التُّرَاب والْبَسُوا ناعم الثِّيَاب فَفِي الحف ... رة تُعرُّون من جُمَيْع الثِّيَاب قَدْ ترَوْنَ الشَّبَاب كَيفَ يموتو ... ن إِذا اسْتُنْضِرُوا بمَاءِ الشبابِ إِسْحَاق الْمَوْصِلِيّ يحكم بَيْنَ شاعرين حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْر بْن عجلَان، قَالَ: حَدَّثَنِي حَمَّاد بْن إِسْحَاق، قَالَ: كَانَ عِنْد الْفَضْل بْن يَحْيَى وَعِنْده مُسْلِم بْن الْوَلِيد الأَنْصَارِيّ ومَنْصُور النمري يُنْشِدانه، فَقَالَ: احكم بَيْنَهُمَا، فَقلت: الْحَكَم عيبٌ عَليّ، والأمير أولى من حكم وَقَدْ سَمِع شعرهما، قَالَ: أقسمتُ عَلَيْك لمَّا فَعَلْت، قُلْتُ: هما صديقان شاعران وَقل من حكم بَيْنَ الشُّعَرَاء فَسلم مِنْهُم، وَلَكِن إِن أحبَّ الأميرُ وصفتُ لَهُ شعرهما، فَقَالَ:

стр. 285

فصفه، فَقلت: أما مَنْصُور النمري فَحسن الْبناء، قريب الْمَعْنى، سهل كَلَامه، صَعب مرامه، سُلَيْم الْمُتُون، كثير الْعُيُون، وأمّا مُسْلِم فمزج كَلَام البَدَوِيِّين، بِكَلَام الحضريّين، وَضَمنَهُ الْمعَانِي اللطيفة، والألفاظ الطريفة، فَلَه جزالة البدويّين ورقَّة الحضريين، قَالَ: أبَيْتَ أَن تحكم فحكمت، مَنْصُور أشعرهما. آراء للمؤلف فِي النَّقْد بِحَضْرَة الْخَلِيفَة قَالَ القَاضِي: وَكنت يَوْمًا جَالِسا فِي دَار أَمِير الْمُؤْمِنِين الْقَادِر بِاللَّه وبالحضرة جمَاعَة مِنْ أماثل شعراء زَمَاننَا، وَفِيهِمْ من لَهُ حَظّ من أَنْوَاع الْآدَاب، وَتصرف فِي نقد الشّعْر وَمَعْرِفَة بأعاريضه وقوافيه، وخواصه ومعانيه، وَمَا يمْتَنع مِنْهُ وَيجوز فِيهِ، فأفاضوا فِي هَذِهِ الْوُجُوه إِلَى أَن انْتَهوا إِلَى ذكر أَبِي تَمام وَمُسلم بْن الْوَلِيد، وقَالَ كُلّ وَاحِد مِنْهُم فِي تجميل أوصافهما، وترتيب أشعارهما بِمَا حَضَره، وَلَم أُصْغِ كُلّ الإصغاء إِلَى مَا أتوابه من ذَلِكَ، إِذْ لَمْ يَجْرِ عَلَى قصد التَّحْقِيق، وَظهر مِنْهُم أَوْ من بَعضهم تَشَوُّفٌ إِلَى أَن آتِي بِمَا عِنْدِي فِي ذَلِكَ، فَقلت: أَبُو تَمام لَهُ التَّقَدُّم فِي إحكام الصَّنْعَة وحبك الْأَلْفَاظ الْمُطَابقَة المسْتَعْذَبة، وإبداع الْمعَانِي اللطيفة الْمُسْتَغْرَبة، والاستعارة المتقبلة الغريبة، والتشبيهات الْوَاضِحَة العجيبة، ومُسلم لَهُ الطَّبْع وَقرب المأخذ، فقبلوا بِهَذَا وأعجبوا بِهِ، وأظهروا استحسانه، والاغتباط باستفادته، ثُمّ حضرني بعض من يتعاطى هَذَا الشَّأْن فَسَأَلَنِي إملاءَه عَلَيْه، فَقلت لَهُ: أَنَا قائِل لَك فِي هَذَا قولا وجيزًا مُخْتَصرا يَأْتِي عَلَى الْمَعْنى، وَلَهُ مَعَ الِاخْتِصَار حلاوة، وبهاء وطلاوة، وَهُوَ أَن أَبَا تَمام أصنع، وَمُسلم أطبع، وَكَانَ بعضُ من قَدَّمتُ الْحِكَايَة عَنْهُ من الشُّعَرَاء لما قلتُ فِي ذَلِك الْمجْلس مَا قلته أقبل عليَّ، وقَالَ لي: مَا أحدٌ يُدَانِيك فِي هَذَا الْبَاب، فَلِمَ لَا تكون مِنَّا؟ وَلَم تُؤثر مجالسة غَيرنَا، لغَلَبَة هَذَا الشَّأْن عَلَيْه، وَجرى يَوْمًا بيني وبَيْنَ رجلٌ لَهُ حَظّ من الْعلم وَالْأَدب ذكُر بعض من كُنَّا نجالسه من رُؤَسَاء ذَوي السّلطان وَالْولَايَة، وَأهل الْعلم وَالْأَدب وَالرِّوَايَة، مَعَ وفور حَظه من التدين، والنزاهة والتصون، وَأَنه كَانَ يخالفنا فِي أَشْيَاء، ويمارينا فِيهَا مَعَ ظُهُور صِحَة مذاهبنا، وَفَسَاد اختياراته الْمُفَارقَة لاختيارنا، وتذاكرنا مَا يُظهره من الزراية عَلَى أَبِي تَمام وَابْن الرُّومِي وأَنَّهُ لَا يقف عِنْد التَّسْوِيَة بَينهمَا وبَيْنَ من هُوَ منخفض بدرجات متفاوته عَنْهُمَا، حَتَّى يَحَطَّهُما عَمَّن هُوَ أَدْوَن رُتْبَة وأوفى منزلَة، فَقلت لهَذَا الرَّجُل: كَأَنّ هَذَا الْأَمر يخْتَلف بِحَسب اخْتِلاف الأمزجة، وتركيب الْأَبْنِيَة، وَيلْحق بِمَا يخْتَلف فِيهِ شهوات النّاس ولَذَّاتهم من الْأَطْعِمَة والاشربة، ويُؤْثِرُونه من المراكب والملابس والمواطن، ثُمّ ذكرت لَهُ أَحْوَال النّاس فِي اختيارهم مَا يختارونه من الشّعْر، وَأَن كثيرا مِنْهُم بالطويل أَشد أعجابًا مِنْهُ بِغَيْرِهِ، وَيذْهب غَيره إِلَى مثل هَذَا بالبسيط، وَبَعْضهمْ فِي الْكَامِل، وَبَعْضهمْ فِي الوافر، وَقَدْ كَانَ قُدَامة الْكَاتِب يرى تَقَدُّم أول السَّريع عَلَى غَيره من أَنْوَاع الشّعْر فِي بهائه وتَقَبُّل الطبائع لَهُ،

стр. 286

وَألف كتابا فِي نقد الشّعْر وأتى بِهَذَا الْمَعْنى فِيهِ، وَذهب غَيره إِلَى إِيثَار الْخَفِيف، وذُكِر أَن الألحان أحسن موقعًا فِيهِ مِنْهَا فِيمَا سواهُ، قَالَ: وَلذَلِك صَار مُحْتملا من الزَّحاف مَا لَا يحْتَملهُ غَيره، فَقلت لهَذَا الرَّجُل: إِن نقد الشّعْر عَلَى التَّحْقِيق عزيزٌ جدا، وَإِن النَّاقِد الَّذِي يُعْتَمدُ فِي النَّقْد عَلَيْه، ويُرجع فِي صِحَّته إِلَيْهِ، لَا يَكُون كَامِلا حَتَّى يَكُون مفرِّقًا عَلَى الصِّحَّة بَيْنَ المطبوع عَلَى المنظوم الْمُؤلف، وبَيْنَ النَّظْمِ الْمُتَكَلّف، وَالطَّرِيق المتعسَّف، وَيكون ناقدًا فِي فقه اللُّغَة غَيْر مقصر عَلَى تأدية مسموعها، وَحفظ مَنْصُوصِها ومَسْطُورها، ومضطلعاً بلطيف الْإِعْرَاب وَقِيَاس النَّحْو، حَافِظًا للأمثال المضروبة، مهتديًا بأعلام الْعقل المنصوبة، حَاصِرًا لمجاري الْعُرْفِ وَالْعَادَة، آخِذا من كُلّ علم وأدب بحظٍّ، وضاربًا فِي صناعات الْفِكر بِسَهْم، وَيكون نَاظرا مِدْرهًا، قَدْ أَنَس بجملة من أساليب المتفلسفين، وصناعة الْمُتَكَلِّمين، وجدال المتناظرين، وَيكون مَعَ هَذَا معتدلا بَعيدا من الْهوى والتعصب لنَوْع دون نوع، وشخص دون شخص، وبحسب تَكَامل هَذِهِ الْخلال، واجتماع هَذِهِ الْخِصَال، تتكامل لناقد الشّعْر نَقده، وبحسب مَا يعْدم مِنْهَا يقل حَظه، وبقدر مَا تَمكُّن هَذَا النَّاقِد من النَّقْد بَيْنَ الرجحان، والتساوي وَالنُّقْصَان، كَمَا يُميِّز وازن الذَّهَب وَالْفِضَّة بَيْنَ الزائِد والمعتدل والناقص بالعيان، ويتجلى الْمَعْنى لأَحَدهمَا بِبَصَرِه وَالْآخر ببصيرته. بعض النَّاس يَدعِي من الآراء مَا لَيْسَ لَهُ وَكَانَ بعض من مضى لسبيله من أَهْل زَمَاننَا شكا لبَعض من يُحَاضِرُه فِي مجْلِس بعض وُلَاة هَذَا الزَّمَان، وَحكى عَنْهُ أَنَّهُ يُعَارضهُ فِي أَشْيَاء يَأْتِي بهَا من الْآدَاب، يَدَّعيها لنَفسِهِ، وَكَانَ مِمَّا حكى أَنَّهُ وصف أَبَا تَمام والبحتري، فَقَالَ: أَبُو تَمام أَعلَى، والبحتري أحلى، وادَّعى لنَفسِهِ هَذَا القَوْل، وَقَدْ كَانَ عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد الأَزْدِيّ حكى أَنَّهُ سَمِع رَجُلا فِي مجْلِس ثَعْلَب يَقُولُ هَذَا، فَاسْتَحْيَيْت من هَذَا الْمُخَاطب إِلَى أَن أَقُول لَهُ هَذَا كَلَام قَدْ سبقتما إِلَيْهِ، وَلَيْسَ هُوَ لَك وَلا لَهُ، وكِلاكُما مدعٍ مِنْهُ مَا لَا حقَّ لَهُ فِيهِ، وخطر بقلبي، قَول الْقَائِل: تَجمعُوا فِي فلانٍ فكلُّهم يَدَّعِيه ... والأُمُّ تضحكُ مِنْهُم لعلمها بِأَبِيهِ وَحكى لي بعض كُتَّابِ ابْن الْفُرات: أَن ابْن الْفُرَات أنْشد هَذَا، قَالَ: فَقلت لَهُ: لَو قَالَ: لجهلها بِأَبِيهِ، كَانَ أَجود، فأعجبه ذَلِكَ فناظرتُ الحاكي فِي هَذَا، وبَصَرْت مَا أَتَى بِهِ هَذَا الشَّاعِر وَلَم أوثر إطالةَ كتابي بحكايته، وَكَانَ بعض أَصْحَابنَا حكى لي عَنْ هَذَا الْمُخَاطب الشاكي إِلَى أَنَّهُ أدعى مثل هَذِهِ الدَّعْوَى فِي شيءٍ أَنَا ذاكرٌ مَا رُوِيَ لي فِيهِ. دَابَّة وَمَا أشبههَا لَا تقع فِي شعر حَدَّثَنَا صديقنا الْحَسَن بْن خالويه، قَالَ: كتب الْأَخْفَش إِلَى صديق لَهُ من الْكتاب يستعير مِنْهُ دَابَّة، ودابة لَا تقع فِي شعر لِأَنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ ساكنين، فَكتب إِلَيْهِ: أردتُ الركُوب إِلَى حاجةٍ ... فمرْ لي بفاعلةٍ من دَبَبْتُ

стр. 287

وَكَانَ الْمَكْتُوب إِلَيْهِ ظريفًا فَأَجَابَهُ: بريذيننا يَا أخي غامزٌ ... فكنْ سيِّدي فَاعِلا من عَذَرْتُ فَحكى صاحبنا هَذَا أَن هَذَا الرَّجُل ادّعى هَذِهِ الْقِصَّة وَهَذَا الشّعْر لنَفسِهِ. قَالَ: القَاضِي: فَأَما امْتنَاع دُخُول دَابَّة وخاصة وَمَا أشبههَا فِي الشّعْر لِئَلَّا يلتقي فِيهِ ساكنان، فَهَذَا هُوَ الأَصْل فِي هَذَا الْبَاب، وَإِنَّمَا يجْتَمع فِي الشّعْر سَاكن ومُسَكَّن كَقَوْل امرىء الْقَيْس: لَا وَأَبِيك ابْنة العامِرِيّ ... لَا يَدعي القَومُ أَنِّي أفر إِذا ركبُوا الْخَيل واستلأموا ... تحرقتِ الأرضُ واليومُ قر وَقَول الْأَعْشَى: إِذا أَنَا سَلَّمْتُ لَمْ يُرْجِعُوا ... تحيَّتَهم وهُمْ غَيْر صُرّ وَهَذَا كثير وتفسيرهذا لَهُ مَوضِع لَمْ نر إطالة كتَابنَا هَذَا بِذكرِهِ، وَقَدْ بَيناهُ فِي أولى الْمَوَاضِع، وَقَدْ جَاءَ فِي الشّعْر اجْتِمَاع الساكنين فِي مزاحف للمتقارب، وَذَلِكَ: فَقَالُوا الْقصاص وَكَانَ القصا ... ص حَقًا وعدلا عَلَى الْمُسْلِمِينا وَقَدْ رُوِيَ وَكَانَ الْقصاص عَلَى الأَصْل وَالْوَجْه الجائِز الْمَعْرُوف، وَقَدْ كَانَ بَعضهم أَتَى فِي الشّعْر بالدواب وخفف الْبَاء فَلم يلتق ساكنان، وَبَعْضهمْ يكره التقاء الساكنين فِي منثور الْكَلَام ويهرب مِنْهُ إِلَى الْهَمْز، فِيمَا لَا أصل للهمز فِيهِ، وَقَدْ قَرَأَ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ " وَلا الضأْلين " بِالْهَمْز، وَهَذِه قراءةٌ مُخَالفَة لقِرَاءَة سائِر الأئمَّة، وَلما نَقله من فِي نَقْلِه الحجَّة من الأئمَّة، وَكَذَلِكَ سَبِيل الْقِرَاءَة الَّتِي رويناها. أَمْثِلَة مِمَّا همز وَلا أصل للهمز فِيهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يزِيد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَان الْمَازِنِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيد بْن أَوْس، قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرو بْن عُبَيْد يقْرَأ: فيومئذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إنسٌ وَلَا جَان "، مهموزًا، فَظَنَنْت أَنَّهُ قَدْ لحن، حَتَّى سَمِعْتُ الْعَرَب تَقُولُ: امْرَأَة شأبة، وَهَذِه دأبة عَلَى أَن كُثَيِّرًا قَدْ قَالَ: وأنتَ ابنُ لَيْلَى خَيْرُ قومِكَ مَأَثُرًا ... إِذا مَا احْمَأَرَّتْ بالدِّماءِ العَوَامِلُ فَعلمت أَنَّهُ مَا قَرَأَ إِلا بِأَصْل. قَالَ مُحَمَّد بْن يَزِيد: فَقلت للمازني: أَفَتُحبُّ أَنْت هَذِهِ الْقِرَاءَة؟ قَالَ: أختارها، والتقاء الساكنين اللَّذين أَولهمَا من حُرُوف الْمَدّ واللّين مِنْهَا مَا هُوَ بِمَنْزِلَة حَرَكَة من فصيح كَلَام الْعَرَب الْجَارِي مجْرى فصيح اللُّغَة. وَقَدْ روينَا خَبرا فِي معنى الْخَبَر الَّذِي ريوناه عَنِ ابْن خالويه وَالشعر الَّذِي تَضَمَّنه.

стр. 288

نحوي يحادث جَارِيَته حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعْد الكراني، قَالَ: حَدَّثَنِي يَقْدُم بْن مُحَمَّد، قَالَ: قَالَ عَوَانَة: كَانَ رجلٌ يتكلَّف النَّحْو وَكَانَت لَهُ جَارِيَة تسمى زَهْرة، فناداها: يَا فَعْلة من زَهَرْتُ، هَاتِي فَيْعَلاني من طَلَسْتُ، يُرِيد طَيْلَسانه. رَجُل يعاب من لَا يصطنعه حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زَكَرِيّا الغَلابِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سهل الرَّازيّ، قَالَ: لما دخل الْمَأْمُون بَغْدَاد تلقَّاه أَهلهَا، فَقَالَ لَهُ رجلٌ من الموَالِي: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! بَارك اللَّه لَك فِي مَقْدَمِك، وَزَاد فِي نِعَمك، وشكرك عَنْ رعيتك، فقد فُقْت مَنْ قَبْلَك، وأتْعبتَ من بعْدك، وأيْأسْت أَن يُعتاض مِنْك، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مثلك، وَلا علم شبهك، أما فِيمَن مضى فَلَا يعرفونه، وأمّا فِيمَن بقى فَلَا يرتجونه، فهم بَيْنَ دعاءٍ لَك، وثناءٍ عَلَيْك، وتمسكٍ بك، أخصب جَانِبك، واحْلَوْلى لَهُم ثوابك، وكَرُمَتْ مقدرتُك، وحَسُنت مَبَرَّتُك، ولانت نَظْرتُك، فجبرت الْفَقِير، وفككت الْأَسير، وَأَنت كَمَا قَالَ الشَّاعِر: مَا زِلتَ للبَذْل للنوال وإط ... لَاق لعانٍ بجُرْمِهِ غَلقٍ حَتَّى تمنَّى الْبُزَاةُ أَنهم ... عنْدك أمْسَوْا فِي الْقِدِّ والحَلَقْ فَقَالَ الْمَأْمُون: مثلك يُعَاب من لَا يصطنعه، ويُعَرُّ مَنْ يجهل قدره، فاعذرني فِي سالفك، فَإنَّك ستجدنا فِي مُسْتأنفنا. بِالْإِحْسَانِ فِي البديهة تفاضلت الْعُقُول حَدَّثَنَا عَبْد الْبَاقِي بْن قَانِع، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زَكَرِيّا الغَلابِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مهْدي بْن سَابق، قَالَ: دخل الْمَأْمُون ديوَان الْخراج فَمر بِغُلَام جميل عَلَى أُذُنه قلمٌ فأعجبه مَا رَأَى من حُسْنه، فَقَالَ: من أَنْت يَا غُلَام؟ قَالَ: الناشىء فِي دولتك وخريج أدبك يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين المتقلب فِي نِعْمَتك، والمؤمل لخدمتك الْحَسَن بْن رَجَاء، فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: يَا غُلام بِالْإِحْسَانِ فِي البديهة تفاضلت الْعُقُول، ثمَّ أَمر أَن يرفع عَنْ مرتبته فِي الدِّيوَان، وَأمر لَهُ بِمِائَة ألف دِرْهَم. تامُّ الْآلَات فِي كُلّ شَيْء حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن من زِيَاد الْمُقْرِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَان سَعِيد بْن عَبْد اللَّه بْن سَعِيد المهرقاني بِالْبَصْرَةِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعَبَّاس بْن الْفرج الرياشي، عَنِ الأَصْمَعِيّ، عَنْ أبي عَمْرو بْن الْعَلَاء أَنَّهُ قَالَ: كَانَ عَمْرو بْن معدي كرب يحدث بِحَدِيث، فَقَالَ فِيهِ: لقِيت فِي الْجَاهِلِيَّة خَالِد بْن الصَّقْعب وضَربتُه وقَدَوْتُه، وخالدٌ فِي الحَلَقة، فَقَالَ لَهُ رَجُل: إِن خَالِدا فِي الْحلقَة، فَقَالَ لَهُ: اسْكُتْ يَا سيىء الْأَدَب، إِنَّمَا أَنْت محدثٌ فاسمعْ أَوْ فَقُمْ، وَمضى فِي حَدِيثه فَلم يقطعهُ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُل: أَنْت شجاعٌ فِي الْحَرْب وَالْكذب مَعًا، قَالَ: كَذَلِك أَنَا تامُّ الْآلَات.

стр. 289

المجلِسُ التَاسِع والثَلاثون حكم الْحُدَاء والإنشاد حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ صَاعِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ قَارِمٍ الْعَمِّيُّ بِبَغْدَادَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَرْبٍ اللَّيْثِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ابْنُ صَاعِدٍ ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الْبَصْرَةِ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ فَحَدَّثَنَاهُ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا تَقُولُ فِي الْحُدَاءِ؟ طَافَ الْخَيَالانِ وَهَاجَا سَقَمَا ... خَيَالُ تَكْنَى وَخَيَالُ تَكْتَمَا قَامَتْ تُرِيكَ رَهْبَةً أَنْ تَصْرِمَا ... سَاقًا بِخُنْدَاةٍ وَكَعْبًا أَدْرَمَا فَقَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ كَانَ يُحْدَى بِنَحْوِ هَذَا أَوْ مِثْلِ هَذَا مَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَعِبْهُ. قَالَ القَاضِي: هَذَا الْخَبَر قَدْ كتبناه عَنْ عِدَّة من الشُّيُوخ، وَفِيه دلاله عَلَى الرُّخْصة فِي هَذَا الْفَنّ من الإنشاد والْحُداء والنَّصْبِ، ولشيخنا أَبِي جَعْفَر وَلنَا فِي هَذَا الْبَاب كَلَام وَاسع، وَقَوله: بخنداة بِعني السَّاق الممتلئة الْحَسَنَة، والأدرم: الأملس الَّذِي لَيْسَ لحجمه نُتُوء. المتَوَكل لم يكن منحرفاً عَن أهل الْبَيْت حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْر الْعُقَيْليّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَن بْن رَاهَوَيْه الْكَاتِب، قَالَ: حكى عَلِيّ بْن الجهم عَن المتَوَكل وَقَدْ بلغه أَن رَجُلا أنكر عَلَى رَجُل ينتمي إِلَى التَّشَيُّع قولا أغرق فِيهِ من مدح أَمِير الْمُؤْمِنِين عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب ﵇ فَغَضب المتَوَكل، وقَالَ: الناسبُ هَذَا الْمَدْح إِلَى الْغُلُوِّ جاهلٌ، وَهُوَ إِلَى التَّقْصِير أقرب، وَهل أحد بعد رَسُول اللَّهِ ﷺ من أَئِمَّة الْمُسْلِمِين أحقُّ بِكُل ثناءٍ حسنٍ من عليٍّ؟ وأتى من هَذَا الْمَعْنى بِمَا ذكر ابنُ رَاهَوَيْه أَنَّهُ ذهب عَنْهُ حفظه. قَالَ القَاضِي: وَكنت رويتُ فِي الْمجْلس الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ من مجَالِس كتَابنَا هَذَا عَنْ أَحْمَد بْن الخصيب خَبرا نسب فِيهِ المتَوَكل إِلَى الانحراف عَنْ أَهْل الْبَيْت ﵈، فخطأتُ الخصيب فِي قَوْله هَذَا، ووعدت أَن آتِي فِيمَا أستقبله من الْمجَالِس بِمَا يشْهد لما قُلْتُه، فعثرتُ عَلَى هَذَا الْخَبَر فأوردتُه، ولعلِّي آتِي بِكَثِير مِمَّا رَوَى مَعْنَاهُ إِذا وقعْتُ عَلَيْه، فَإِن المتَوَكل أفضل من أَن لَا يعلم أَن تَعْظِيمه أَهْل الْبَيْت من أعظم مفاخره بعد تَعْظِيمه رَسُول اللَّهِ ﷺ ، إِذْ هُوَ من آله دينا ونسبًا، وَلَو كَانَ المتَوَكل من عَامَّة بني هَاشِم دون خلفائهم لَكَانَ حَقِيقا بتعظيمه للْإِمَام الْعدْل الْهَاشِمِي ابْن الهاشميين أَبِي سِبْطَيْ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْحَسَن والْحُسَيْن ﵉. ابْن عَبَّاس كَانَ يَأْخُذ بركابي الْحَسَن والْحُسَيْن وَقَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يحيى الصولي، قَالَ: حَدَّثَنَا الْغلابِي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَائِشَةَ، قَالَ:

стр. 290

حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ حُسَيْنٍ الْفَزَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُطْرِيٌّ الْخَشَّابُ، عَنْ مُدْرِكِ بْنِ عُمَارَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ آخِذًا بِرِكَابِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ فَقِيلَ لَهُ: تَأْخُذُ بِرِكَابِهِمْ وَأَنْتَ أَسَنُّ مِنْهُمَا، فَقَالَ: إِنَّ هَذَيْنِ ابْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَوَلَيْسَ مِنْ سَعَادَتِي أَنْ آخُذَ بِرِكَابِهِمَا، وَالْمُتَوَكِّلُ لِمِنْ أَحَقِّ النَّاسِ بِأَنْ يُتَقَبَّلَ مَا فَعَلَهُ جَدُّهُ، وَأَوْلَى مَنْ تَأَسَّى بِمَا أَتَاهُ وَلَمْ يَعْدُهُ، وَإِنَّمَا كَانَ انْحِرَافُهُ عَمَّنْ نَازَعَهُ خِلافَتَهُ وَسَعَى فِي تَشْعِيثِ سُلْطَانِهِ، وَالْقَدْحِ فِي مُلْكِهِ، وَكَيْفَ يَظُنُّ ذُو لُبٍّ بِالْمُتَوَكِّلِ الانْحِرَافَ عَنْ عَشِيرَتِهِ وَأُسْرَتِهِ وَفَصِيلَتِهِ، وَلَحْمَتِهِ الَّذِينَ شَرُفَ بِهِمْ وَوَرِثَ الْمَجْدَ عَنْهُمْ. خبر زَيْد بْن مُوسَى الْمَعْرُوف بالنَّار وَقَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَنْصُورٍ الْحَارِثِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الغَلابِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَجَاءُ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: لَمَّا أُدْخِلْتُ عَلَى الْمَأْمُونِ وَبَّخَنِي، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى أَخِيهِ أَبِي الْحَسَنِ، فَجِيءَ بِي إِلَى الرِّضَا فَتُرِكْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ سَاعَةً وَاقِفًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ، فَقَالَ: يَا زَيْدُ سَوْءَةً لَكَ، مَا أَنْتَ قائلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ سَفَكْتَ الدِّمَاءَ وَأَخَفْتَ السَّبِيلَ، وَأَخَذْتَ الْمَالَ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ؟ لَعَلَّكَ غَرَّكَ حَدِيثَ حَمْقَى أَهْلِ الْكُوفَةِ أنَّ النَّبيّ ﷺ قَالَ: إِنَّ فَاطِمَةَ أَحْصَنَتْ فرجهَا فَحرم الله زريتها عَلَى النَّارِ، وَيْلَكَ! إِنَّمَا هَذَا لِمَنْ خَرَجَ مِنْ بَطْنِهَا الْحَسَنُ وَالْحُسَيْن فَقَط لَا لي وَلَك، وَاللَّهِ مَا نَالُوا ذَلِكَ إِلا بِطَاعَةِ اللَّهِ فَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَنَالَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَا نَالُوهُ بِطَاعَةِ اللَّهِ إِنَّكَ إِذًا لأَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ. زَيْدٌ هَذَا امْرُؤٌ يُعْرَفُ بِزَيْدِ النَّارِ، وَلَهُ أخبارٌ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ وَلَدِهِ قَدِمَ مِنْ بِلادِ الْعَجَمِ إِلَى الْعِرَاقِ وَنُوزِعَ فِي نَسَبِهِ، وَكَانَ لَهُ حججٌ فِي دَعوته كَانَت مِنِّي معونةٌ لَهُ، فَهَذَا الَّذِي حَكَى لَنَا عَنِ الرِّضَا هُوَ اللائِقُ بِفَضْلِهِ وَدِيَانَتِهِ وَنُبْلِهِ وَنَبَاهَتِهِ، وشرفه ونزاهته، وَقد اتبع فِي سَبِيلَ سَلَفِهِ، وَاهْتَدَى بِالْمُصْطَفِينَ مِنْ آبَائِهِ الْمُكَرَّمِينَ بِالنُّبُوَّةِ وَالإِمَامَةِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ أَوْضَحَ هَذَا الْمَعْنَى كِتَابُ اللَّهِ ، قَالَ اللَّهُ ﵎: " فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ، إِنَّهُ لَقَوْلُ رسولٍ كَرِيمٍ، وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شاعرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ، وَلا بِقَوْلِ كاهنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ تنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ، لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنْكُم من أحدٍ عَنهُ عاجزين "، فَانْظُرْ إِلَى مَا قَالَهُ فِي خَيْرِ النَّاسِ عِنْدَهُ وَأَسْعَاهُمْ فِي مرضاته، وأعلمهم بِطَاعَتِهِ، وَأَتْقَاهُمْ لَهُ، وأَوْرَعِهِمْ عَنْ مَحَارِمِهِ، وَأَعْرَفِهِمْ بِهِ، وَأَحْفَظِهِمْ لِحُدُودِهِ، وَأَعْلَمِهِمْ بِشَرَائِعِهِ، وَأَفْقَهِهِمْ فِي دِينِهِ، وَأَنْصَحِهِمْ لِخُلُقِهِ، وَأَكْرَمِهِمْ عَلَيْهِ، إِعْلامًا مِنْهُ لِعِبَادِهِ، أَنَّهُ لَا مُحَابَاةَ لَدَيْهِ فَذَكَرَ أَمْكَنَ الرُّسُلِ عِنْدَهُ، قَصْدًا إِلَى تَحْذِيرِ خَلْقِهِ، وَتَخْوِيفِ عِبَادِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: " وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولتكونن من الخاسرين "

стр. 291

فَخَصَّهُ بِخِطَابِهِ وَهُوَ يُرِيدُ غَيْرَهُ، تَشْرِيفًا لَهُ وَتَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ، وَدَلالَةً عَلَى خَطَرِ مَا ذَكَرَهُ لَهُ، كَمَا خصّه بقوله: " يَا أَيهَا النَّبِي إِذا طلّقْتُم النِّسَاء " وَهَكَذَا قَصَّ عَلَيْنَا فِي أَمْرِ غَيْرِهِ مِنْ عِلْيَةِ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، فَذَكَرَ تَعَالَى جَدُّهُ فِي السُّورَةِ الَّتِي يَذْكُرُ فِيهَا الأَنْعَامَ خَلِيلَهُ إِبْرَاهِيمَ ﵇ ثُمَّ، قَالَ: " وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ ويوسف ومُوسَى وهرون وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كلٌ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ، وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صراطٍ مُسْتَقِيمٍ، ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ". الْأسد فِي سفينة نوح وَقَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن جَعْفَر بْن المنادين قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن مُحَمَّد بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ أَبُو عُثْمَانَ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، قَالَ: لَمَّا أُمِرَ نوحٌ ﵇ أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فَكَانَ فِيمَا حَمَلَ مَعَهُ الأَسَدُ، فَجَاعَ فَزَأَرَ زَأْرَةً خَافَ أَهْلُ السَّفِينَةِ أَنْ يَأْكُلَهُمْ، فَشَكَوْهُ إِلَى نُوحٍ فَشَكَاهُ نُوحٌ إِلَى اللَّهِ ، فَأَلْقَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ الْحُمَّى، وَكَانَ نوح يمر بَعْدَ ذَلِكَ فَيَرْكُلُهُ بِرِجْلِهِ، وَيَقُولُ لَهُ: أَرِنَا مَا أَنْتَ بسرا، قَالَ: فَيَقُولُ: لَهُ الأَسَدُ لَا رَبَّاهُ، قَالَ ابْنُ الْمُنَادِي، قَالَ لَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ: قَدْ أَكدتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ يَحْيَى بْنَ معِين فَاسْتَحْسَنَهُ وَاسْتَغْرَبَهُ، وَقَالَ: مَعَ كَثْرَةِ كِتَابَتِي عَنْ عَفَّانَ لَمْ أَكْتُبْ هَذَا، فَأَيْنَ كَتَبْتَ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ؟ فَقُلْتُ: بِالْبَصْرَةِ. لَا يحب اللَّه من الظُّلم شَيْئا وَحَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ أَيْضًا، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ، قَالَ: حَدثنَا الْأَعْمَش، عَن مُجَاهِد، لَمَّا أَمَرَ نُوحٌ بِإِخْرَاجِ مَنْ فِي السَّفِينَةِ مَرَّ بِالأَسَدِ، وَقَدْ أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ الْحُمَّى فَضَرَبَهُ لِيُقِيمَهُ، قَالَ: أَبَا يَحْيَى: مَا أَدْرِي بِيَدِهِ أَمْ بِرِجْلِهِ، فَخَمَشَهُ الأَسَدُ فَبَاتَ سَاهِرًا فَشَكَا ذَلِكَ نُوحٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: إِنِّي لَا أُحِبُّ مِنَ الظُّلْمِ شَيْئًا. قَضِيَّة رَجُل يسب السّلف كُنْت بحلوان سنة خمس وَثَلَاثِينَ وثلثمائة فاتفق أَن شَيخا كَانَ يُجَالِسُنَا بِهَا مِنْ أَهْلِ الدِّينَوَرِ يُعْرَفُ بِأَبِي الْحَسَن بْن ظُفْرَان ويُؤْنِسُنا، وَكَانَ مُحَدِّثًا قَدْ حلب الدَّهْر أَشْطُره، وخالط الرؤساءَ وَصَحب السّلطان وَتعلق بأربه وَتصرف فِي أَعماله، وَكُنَّا نعجب بمعاشرته وَحَدِيثه، وذُكِر لأبي الْحَسَن بْن طَاهِر الْكَاتِب فَعرفهُ وذُكِر أَن لَهُ ابْنا هُوَ خَلِيفَته وَصَاحبه عَلَى الْبَرِيد وَالْخَبَر بالدِّينَوَر.

стр. 292

فحدثنا أَبُو الْحَسَن بْن ظفران هَذَا من حفظه، بِمَا أَن موردٌ مَعْنَاهُ بِلَفْظ دون لَفظه عَمَّن حدّثه، قَالَ: كَانَ بالدّينَور شيخٌ يتشيَّع ويميل إِلَى مَذْهَب أَهْل الْإِمَامَة، وَكَانَ لَهُ أَصْحَاب يَجْتَمعُونَ إِلَيْهِ، وَيَأْخُذُونَ عَنْهُ، ويدرسون عَنهُ، يُقَالُ: لَهُ بشر الجَعَّاب فَرفع صاحبُ الْخَبَر بالدِّينَوَر إِلَى المتَوَكل أَن بالدينور رَجُلا رافضيًّا يُحْضِرُ جمَاعَة من الرَّافِضة ويتدارسون الرَّفْض، ويسبُّون الصَّحابة، ويشتمون السَّلف، فَلَمَّا وقف المتَوَكل عَلَى كِتَابه أَمر وزيره عُبَيْد اللَّه بْن يَحْيَى بِالْكِتَابَةِ إِلَى عَامله عَلَى الدينور بإشخاص بشر هَذَا والفرقة الَّتِي تجالسه، فَكتب عُبَيْد اللَّه بْن يَحْيَى ذَلِكَ، فَلَمَّا وصل إِلَى الْعَامِل كِتَابه وَكَانَ صديقا لبشر الجعّاب، حسن المصافاة لَهُ، شَدِيد الإشفاق عَلَيْه، هَمَّهُ ذَلِكَ وشق عَلَيْه، فاستدعى بشرا وأقرأه مَا كُوتِب بِهِ فِي أمره وَأمر أَصْحَابه، فَقَالَ لَهُ بشر: عِنْدِي فِي هَذَا رَأْي إِن استعملته كُنْت غير مستبطىءٍ فِيمَا أمرت بِهِ، وَكنت بمنجاة مِمَّا أَنْت خَائِف عَليّ مِنْهُ، قَالَ: وَمَا هُوَ، قَالَ: بالدينور شيخ خَفَّاف اسْمه بشر وَمن الْمُمكن المتيسر أَن تجْعَل مَكَان الجعّاب الخَفّاف، وَلَيْسَ بِمَحْفُوظ عِنْدهم وَمَا نسبت إِلَيْهِ من الحرفة والصناعة، فسُر الْعَامِل بقوله وَعمد إِلَى العَيْنِ من الجَعَّاب فَغير عَيْنِهَا وَغير اسْتِوَاءَ خَطِّها وانبساطه، وَوصل الْبَاء بِمَا صَارَت بِهِ فَاء، وَكَانَ أخبرهُ عَنْ بشر الْخفاف أَنَّهُ رجلٌ فِي غَايَة البله والغفلة، وَأَنه هُزَأَة عِنْد أهل بَلَده وضُحكَة، وَذَلِكَ أَن أَهْل سَواد الْبَلَد يَأْخُذُونَ مِنْهُ الْخِفاف التَّامَّة والمقطوعة بنسيئة، ويَعِدُونَه بأثمانها عِنْد حُصُول الغَلَّة، فَإِذا حصلت وحازوا مَالهم مِنْهَا ماطلوه بِدِينِهِ، ولووه بِحقِّهِ، وَاعْتَلُّوا بأنواع الْبَاطِل عَلَيْه، فَإِذا انْقَضى وَقت البيادر، ودنا الشتَاء واحتاجو إِلَى الْخِفَاف وَمَا جرى مجْراهَا وافوا بشر هَذَا وَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ وخدعوه، وابتدوا يَعِدُونه الوفاءَ ويُؤكدون مواعيدهم بالأيمان الكاذبة، والمعاهدة الْبَاطِلَة ويضمنون لَهُ أَدَاء الدُّيُون الْمَاضِيَة والمستأنفة، فَيحسُن ظَنُّه بهم ويستسلم إِلَيْهِم، ويستأنف إعطائهم من الْخِفاف وَغَيرهَا مَا يريدونه، فَإِذا حضرت الغَلَّةَ أجْرَوْه عَلَى الْعَادة وَحَمَلُوهُ عَلَى مَا تقدم من السّنة ثُمّ لَا يزالون عَلَى هَذِهِ الوتيرة من أَخذ سلفه فِي وَقت حاجاتهم، وَدفعه عَنْ حَقه فِي أبان غلاتهم، فَلَا يَنْتبه من رقدته وَلا يفيقُ من سُكْره وغفلته، فأنفذ صَاحب الْخَبَر كِتَابه وَأَشَارَ بِتَقْدِيم هَذَا الخَفَّاف أَمَام القَوْل، والإقبال عَلَيْه بالمخاطبة وتخصيصه بِالْمَسْأَلَة، سَاكِنا إِلَى أَنَّهُ يَأْتِي من ركاكته وعِيِّه وفهاهته بِمَا يضْحك الْحَاضِرين ويحسم الِاشْتِغَال بالبحث عَنْ هَذِهِ الْقِصَّة، ويتخلَّص من هَذِهِ البلية، فَلَمَّا ورد كتاب صَاحب الْخَبَر أَعْلَم عُبَيْد اللَّه بْن يَحْيَى المتَوَكل بِهِ وبحضور الْقَوْم فَأمره أَن يجلس ويستحضرهم ويخاطبهم فِيمَا حُكِي عَنْهُمْ، وَأمر فعُلِّقَتْ بَينه وَبينهمْ سَبَنيَّة ليقف عَلَى مَا يجْرِي ويسمعه ويشاهده، ففُعل ذَلِكَ، وَجلسَ عُبَيْد اللَّه واستدعى المحضرين فقدموا إِلَيْهِ يقدمهم بشر الْخفاف، فَلَمَّا جَلَسُوا أقبل عُبَيْد اللَّه عَلَى بشر، فَقَالَ: أَنْت بشر الخَفَّاف فَقَالَ: نعم، فسكنتْ نفوسُ الْحَاضِرين مَعَه إِلَى تَمام هَذِهِ

стр. 293

الْحِيلَة، وإتمام هَذِهِ المدالسة، وَجَوَاز هَذِهِ المغالطة، فَقَالَ: إنَّه رفع إِلَى أَمِير الْمُؤْمِنِين من أَمركُم شَيْء أنكرهُ فَأمر بالكشف عَنْهُ، وسؤالكم بعد إحضاركم عَنْ حَقِيقَته، فَقَالَ لَهُ بشر: نَحْنُ حاضرون، فَمَا الَّذِي تَأْمُرنَا بِهِ؟ قَالَ: بلغ أَمِير الْمُؤْمِنِين أَنَّهُ يجْتَمع إِلَيْك قوم فيخوضون مَعَك فِي الترفض وَشتم الصَّحَابَة، فَقَالَ بشر: مَا أعرف من هَذَا شَيْئا، قَالَ: فقد أمرت بامتحانكم والفحص عَنْ مذاهبكم فَمَا تَقُولُ فِي السّلف، قَالَ: لعن اللَّه السَّلَف، فَقَالَ لَهُ عُبَيْد اللَّه: وَيلك تدي مَا تَقُولُ؟ فَقَالَ: نعم، لعن اللَّه السّلف، فَخرج خَادِم من بَيْنَ يَدي المتَوَكل، فَقَالَ لِعبيد اللَّه: يَقُولُ لَك أَمِير الْمُؤْمِنِين: سَلْهُ الثَّالِثَة فَإِذا أَقَامَ عَلَى هَذَا فَاضْرب عُنُقه، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أَسأَلك فِي هَذِهِ الْمرة فَإِن لَمْ تَثُبْ وَترجع عَمَّا قُلْتُ أمرت بقتلك، فَمَا تَقُولُ الْآن فِي السّلف؟ فَقَالَ: لعن اللَّه السَّلف، قَدْ خَرَب بَيْتِي، وأبطل معيشتي، وأتلف مَالي وأفقرني وَأهْلك عيالي، قَالَ: وَكَيف، قَالَ: أَنَا رجلٌ أُسَلِّف الأَكَرةَ وَأهل الرُّسْتاق الخَفَّاف والتَّمَشْكان، عَلَى أَن يُوفوني الثّمن مِمَّا يحصل لَهُم من غلاتهم، فأصير إِلَيْهِم عِنْد حُصُول الْغلَّة فِي بيادرهم، فَإِذا أحرزوا الغلت، دفعوني عَنْ حَقي وامتنعوا من تَوْفِيَتي مَالِي، ثُمّ يعودون عِنْد دُخُول الشِّتَاء فيعتذرون إليّ، ويحلفون لي أَنهم لَا يُعاوِدُونَ مَطْلي وظُلمي، وَأَنَّهُمْ يؤدون إليّ الْمُتَقَدّم والمتأخر من مَالِي، فأجيبهم إِلَى مَا يلتمسونه وأعطيهم مَا يطلبونه، فَإِذا جَاءَ وَقت الغَلَّة عَادوا إِلَى مثل مَا كَانُوا عَلَيْه من ظُلمي وكَسَرُوا مَالِي، فقد اختلت حَالي، وافتقرْتُ أَنَا وعيالي، قَالَ: فسُمع ضحكٌ عالٍ من وَرَاء السَّبَنِيَّة، وَخرج الْخَادِم، فَقَالَ: استحلل هَؤُلاءِ الْقَوْم وخل سبيلهم، فَقَالُوا: أَمِير الْمُؤْمِنِين فِي حِلٍّ وسَعَة، فصرفهم فَلَمَّا توسطوا صحن الدَّار، قَالَ بعض الْحَاضِرين: هَؤُلاءِ قومٌ مُجَّان يحتالون وَصَاحب الْخَبَر فطنٌ مُتَيقِّظ، لَا يكْتب إِلا بِمَا يُعلمهُ ويثق بِصِحَّتِهِ، وَيَنْبَغِي أَن يُسْتَقصى الفحصُ عَنْ هَذَا وَالنَّظَر فِيهِ، فَأمر بردهمْ، فَلَمَّا أمروا بِالرُّجُوعِ، قَالَ بعض الْجَمَاعَة التابعة لبَعض: لَيْسَ هَذَا من ذَلِك الَّذِي تقدم، فَيجب أَن نتولى نَحْنُ الْكَلَام، ونسلكَ طَرِيق الْجِدِّ والديانة، وَرَجَعُوا فَأمروا بِالْجُلُوسِ ثُمّ أقبل عُبَيْد اللَّه عَلَيْهِم، فَقَالَ لَهُم: إِن الَّذِي كتب فِي أَمركُم مَا كتب لَيْسَ مِمَّنْ يُقْدِم عَلَى الكَتْبِ بِمَا لَمْ يَقْتُلْهُ عِلمًا ويُحيط بِهِ خُبْرًا، وَقَدْ أَمر أَمِير الْمُؤْمِنِين باستئناف امتحانكم وإنعام التفتيش عَنْ أَمركُم، فَقَالُوا لَهُ: افْعَل مَا أمرت بِهِ، فَقَالَ: من خيرُ النّاس بعد رَسُول اللَّه ﷺ ؟ قُلْنَا: أَمِير الْمُؤْمِنِين عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب، فَقَالَ لخادم بَيْنَ يَدَيْهِ: قَدْ سَمِعْتُ مَا قَالُوا فَأخْبر أَمِير الْمُؤْمِنِين بِهِ، فَمضى ثُمّ عَاد، فَقَالَ: يَقُولُ لَكُمْ أَمِير الْمُؤْمِنِين: هَذَا مذهبي، فَقُلْنَا: الْحَمد لله الَّذِي وَافق أَمِير الؤمنين فِي دينه ووفقنا لاتباعه وموافقته عَلَى مذْهبه، ثُمّ قَالَ لَهُم: مَا تَقولُونَ فِي أَبِي بَكْر ﵁؟ فَقَالُوا: رَحْمَة اللَّه عَليّ أَبِي بَكْر، نقُول فِيهِ خيرا، قَالَ: فَمَا تَقولُونَ فِي عُمَر قُلْنَا: رَحْمَة اللَّه عَلَيْه وَلا نُحِبُّه، قَالَ: وَلِمَ؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ أخرج مَوْلَانَا الْعَبَّاس من الشُّورى، قَالَ: فسمعنا من وارء السَّبَنِيَّةِ ضحكًا أَعلَى من الضحك الأول ثُمّ أَتَى الْخَادِم، فَقَالَ لِعبيد اللَّه عَنِ المتَوَكل: أتبعهم صِلَةً فقد لَزِمَهُم فِي طريقهم مؤونة واصرِفْهم، فَقَالُوا: نَحْنُ فِي غِنًى وَفِي الْمُسْلِمِين من هُوَ أحقُّ بِهَذِهِ الصِّلة وإليها أحْوج. وَا عَلَيْه من ظُلمي وكَسَرُوا مَالِي، فقد اختلت حَالي، وافتقرْتُ أَنَا وعيالي، قَالَ: فسُمع ضحكٌ عالٍ من وَرَاء السَّبَنِيَّة، وَخرج الْخَادِم، فَقَالَ: استحلل هَؤُلاءِ الْقَوْم وخل سبيلهم، فَقَالُوا: أَمِير الْمُؤْمِنِين فِي حِلٍّ وسَعَة، فصرفهم فَلَمَّا توسطوا صحن الدَّار، قَالَ بعض الْحَاضِرين: هَؤُلاءِ قومٌ مُجَّان يحتالون وَصَاحب الْخَبَر فطنٌ مُتَيقِّظ، لَا يكْتب إِلا بِمَا يُعلمهُ ويثق بِصِحَّتِهِ، وَيَنْبَغِي أَن يُسْتَقصى الفحصُ عَنْ هَذَا وَالنَّظَر فِيهِ، فَأمر بردهمْ، فَلَمَّا أمروا بِالرُّجُوعِ، قَالَ بعض الْجَمَاعَة التابعة لبَعض: لَيْسَ هَذَا من ذَلِك الَّذِي تقدم، فَيجب أَن نتولى نَحْنُ الْكَلَام، ونسلكَ طَرِيق الْجِدِّ والديانة، وَرَجَعُوا فَأمروا بِالْجُلُوسِ ثُمّ أقبل عُبَيْد اللَّه عَلَيْهِم، فَقَالَ لَهُم: إِن الَّذِي كتب فِي أَمركُم مَا كتب لَيْسَ مِمَّنْ يُقْدِم عَلَى الكَتْبِ بِمَا لَمْ يَقْتُلْهُ عِلمًا ويُحيط بِهِ خُبْرًا، وَقَدْ أَمر أَمِير الْمُؤْمِنِين باستئناف امتحانكم وإنعام التفتيش عَنْ أَمركُم، فَقَالُوا لَهُ: افْعَل مَا أمرت بِهِ، فَقَالَ: من خيرُ النّاس بعد رَسُول اللَّه ﷺ ؟ قُلْنَا: أَمِير الْمُؤْمِنِين عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب، فَقَالَ لخادم بَيْنَ يَدَيْهِ: قَدْ سَمِعْتُ مَا قَالُوا فَأخْبر أَمِير الْمُؤْمِنِين بِهِ، فَمضى ثُمّ عَاد، فَقَالَ: يَقُولُ لَكُمْ أَمِير الْمُؤْمِنِين: هَذَا مذهبي، فَقُلْنَا: الْحَمد لله الَّذِي وَافق أَمِير الؤمنين فِي دينه ووفقنا لاتباعه وموافقته عَلَى مذْهبه، ثُمّ قَالَ لَهُم: مَا تَقولُونَ فِي أَبِي بَكْر ﵁؟ فَقَالُوا: رَحْمَة اللَّه عَليّ أَبِي بَكْر، نقُول فِيهِ خيرا، قَالَ: فَمَا تَقولُونَ فِي عُمَر قُلْنَا: رَحْمَة اللَّه عَلَيْه وَلا نُحِبُّه، قَالَ: وَلِمَ؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ أخرج مَوْلَانَا الْعَبَّاس من الشُّورى،

стр. 294

قَالَ: فسمعنا من وارء السَّبَنِيَّةِ ضحكًا أَعلَى من الضحك الأول ثُمّ أَتَى الْخَادِم، فَقَالَ لِعبيد اللَّه عَنِ المتَوَكل: أتبعهم صِلَةً فقد لَزِمَهُم فِي طريقهم مؤونة واصرِفْهم، فَقَالُوا: نَحْنُ فِي غِنًى وَفِي الْمُسْلِمِين من هُوَ أحقُّ بِهَذِهِ الصِّلة وإليها أحْوج. قَالَ القَاضِي: فَهَذِهِ الْحِكَايَة تُبِّينُ أَن المتَوَكل عَلَى خلاف مَا توهمه ابْن الخصيب، وبمعزلٍ مِمَّا نسبه فِي هَذَا الْمَعْنى إِلَيْهِ، واللَّه تَعَالَى أَعْلَم بالضمائر، وخفيات السَّرائر، وَهُوَ الْمجَازِي كُلّ مُحْسن ومسيء بِعَمَلِهِ. اعتذار الْحَسَن بْن وَهْب عَنِ الْإِعْطَاء حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مُوسَى الْبَرْبَرِي، قَالَ: كتب رجلٌ إِلَى الْحَسَن بْن وَهْب يستميحه وَكَانَ مضيقًا، فَكتب إِلَيْهِ الْحَسَن: الْجُود طَبْعِي ولكنْ لَيْسَ لي مالٌ ... فَكيف يحتال من بالرَّهْن يحتالُ وشهوتي فِي العطايا وانبساطُ يَدي ... وَلَيْسَ مَا أشتهي يَأْتِي بِهِ الْحَال فهاك خطي فزُرْني بحيثُ لي نشبٌ ... وَحَيْثُ يمكنُ إحسانٌ وإفضالُ المجلِسُ الأربَعُونْ لن يدْخل الجَنَّة شحيح أَوْ بخيل حَدَّثَنَا رِضْوَانُ بْنُ أَحْمَدَ بن جالينوس الصَّيْد نائي، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي شَجَرَةَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: " أَفَتَقُولُونَ أَوْ يَقُولُ قَائِلُكُمْ: الشَّحِيحُ أَعْذَرُ مِنَ الظَّالِمِ وَأَيُّ ظُلْمٍ أَظْلَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الشُّحِّ، مَا أَسْرَعَ فِي نَفْضِ الإِسْلامِ شيءٌ إِسْرَاعَ الشُّحِّ، وَحَلَفَ اللَّهُ بِعِزَّتِهِ وَجَلالِهِ، لَا يُدْخِلُ الْجَنَّةَ شَحِيحًا وَلا بَخِيلا ". قَالَ القَاضِي: فِي هَذَا الْخَبَر مَا يبعثُ عَنِ التَّنَزُّهِ عَنِ الشُّحِّ، وَالرَّغْبَة عَنِ الدناءةِ وَالْبخل، وَيَدْعُو إِلَى السَّماحة والبَذْلِ، ويحثُّ عَلَى السَّخاء، وَيبْعَث عَلَى الْعَطاء، وَقَدْ جَاءَ عَنِ النَّبيّ ﷺ بِمثل هَذَا الْخَبَر أَخْبَار كَثِيرَة، وَعَن السّلف وَالْخلف، وأتى فِيهِ من أَخْبَار الْعَرَب وجواهر كَلَامهَا، ومنظوم أشعارها، مِمَّا يقف النَّاظر فِي مجَالِس كتَابنَا هَذَا عَلَى الْكثير المستحسن مِنْهُ، وَلا يحْتَمل هَذَا الْمَكَان الْإِتْيَان بِجَمِيعِهِ فِي مجْلِس وَاحِد لطوله. تَعْزِيَة بليغة حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِم، قَالَ: عزي رجلٌ بعضَ مُلُوك العَجم، فَقَالَ: أَغْنَاك اللَّه عَنِ الْحَاجة إِلَى الصَّبْر بِحسن العزاء، وَلا أنساك مصيبتك بأعظم مِنْهَا وَلا حَرمك جزيل الثَّوَاب عَلَيْهَا.

стр. 295

مُخَارق يهاجم إِسْحَاق الْمَوْصِلِيّ فيدافع هَذَا عَنْ نَفسه حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن القَاسِم الكوكبي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْفَضْلِ الرَّبَعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم المَوْصِليّ، قَالَ: قَالَ لي عَلِيّ بْن هِشَام: قَدْ عَزَمْتُ عَلَى الصَّبُوح فاغْدُ عَليّ، فعانقني عائق عَنِ البكور إِلَيْهِ، فجئتُ فِي وَقت الظّهْر وَعِنْده مُخَارِق، فَقَالَ لي: يَا أَبَا إِسْحَاق أَيْنَ كُنْت؟ فَقلت: شغلني - أعز اللَّه الْأَمِير - مَا لَمْ أجد من الْقيام بِهِ أبدا، ثُمّ دَعَا بِطَعَام وَجَلَسْنَا عَلَى شرابنا فغنى مُخارق صَوتا من الطَّوِيل شعر المؤقل، والغناء لأبي سَعِيد مَوْلَى فَايِد وَهُوَ: وَقَدْ لامني فِي حب مَكْنُونَةَ الَّتِي ... أهيمُ بهَا أهلُ الصَّفَاءِ فأكثرُوا يَقُولُونَ لي مَهْلا وصبرًا فَلم أجدْ ... جَوَابًا سوى أَن قُلْتُ كَيفَ التصبر أأصبرُ عَنْ نَفسِي وَقَدْ حيل دُونها ... ووافقني مِنْهَا الَّذِي كُنْت أحذرُ فَأَخْطَأَ فِيهِ، فَقلت: أَخْطَأت وَيلك! ثُمّ غنَّى صَوتا من الْبَسِيط شعره لحميد بْن ثَوْر، والغناء للهُذَلي وَهُوَ: يَا مُوقِد النَّار بالعلياء من إضمٍ ... قد هجت لي سُقُمًا يَا مُوقِد النَّارِ يَا رُبَّ نارٍ هدتني وَهِي مُوقَدَة ... بالنِّدِّ والعَنْبر الْهِنديِّ والغَارِ تَشُبُّها إِذْ خَبَتْ أيدٍ مخضبةٌ ... من ثيباتٍ مصوناتٍ وأبْكارِ قلوبُهن وَلَم يَبْرَحْن شاخصةٌ ... ينظرن من أَيْنَ يَأْتِي الطَّارِقُ السَّاري فَأَخْطَأَ فِيهِ، فَقلت: أَخْطَأت وَيلك! ثُمّ تغنى صَوتا ثَالِثا من الْكَامِل، شعره لكُثَيّر، والغناء لمعْبَد: إِنِّي لأسْتَحِي أَن أبُوح بحاجتي ... فَإِذا قَرَأت صحيفتي فتهمني وَعَلَيْك عهدُ اللَّه إِن أنبأتِهِ ... أحدا وَلا أظهرتِه بتَكَلُّمِ فَأَخْطَأَ فِيهِ، فَقلت: أَخْطَأت وَيلك! فَغَضب، قَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاق يَأْمُرك الْأَمِير بالبكور فتأتي ظهرا، وتغنيت أصواتًا كُلَّها يُحبها ويطرب إِلَيْهَا فخطأتني فِيهَا، وتزعم أنَّكَ لَا تضرب بِالْعودِ إِلا بَيْنَ يَدَي خليفةٍ أَوْ ولِيِّ عهد، وَلَو قَالَ لَك بعضُ البرامكة مثل هَذَا لبكَّرْتَ وضَرَبْتَ وغَنّيت، فَقلت: مَا ظننتُ أَن هَذَا يَجْري، وواللَّه مَا أُبْديه انتقاصًا لمجلس الْأَمِير أعثره اللَّه، وَلَكِن اسْمَع يَا جَاهِل، ثُمّ أَقبلت عَلَى ابْن هِشَام، فَقلت: دَعَاني - أصلح اللَّه الْأَمِير - يَحْيَى بْن خَالِد يَوْمًا، وَقَالَ لي: بكر فَإِنِّي علىالصبوح، وَقَدْ كُنْت يَوْمئِذٍ فِي دارٍ بأُجْرة، فَجَاءَنِي من اللَّيْل صاحبُ الدَّار فأزعجني إزعاجًا شَدِيدا. فَجرتْ مني يمينٌ غَلِيظَة أَنِّي لَا أُصْبح حَتَّى أتحوَّل، فَلَمَّا أصبحتُ خرجت أَنا وغلماني حَتَّى اكتريتُ منزلا وتحولتُ ثُمّ صرتُ إِلَى يَحْيَى وَقت الظّهْر، فَقَالَ لي: أَيْنَ كُنْت إِلَى السَّاعَة؟ فحدثُته بقصَّتي

стр. 296

وقعدنا عَلَى شربنا وأخذنا فِي غنائنا، فَلم ألبث أَن دَعَا يحيى بداوة وَقِرْطَاس فَوَقع شيءاً لَمْ أدْرِ مَا هُوَ، ثُمّ دفع الرُّقْعة إِلَى جَعْفَر فَوَقع فِيهَا شَيْئا وَدفعهَا إليّ، وَإِذَا يَحْيَى قَدْ كتب: يُدفع إِلَى إِسْحَاق ألف ألفٍ يبتاعُ بهَا منزلا، وَإِذَا جَعْفَر قَدْ كتب يُدفع إِلَى إِسْحَاق ألف ألف يَصْرفها فِي نفقاته ومُرُوءته، فَقلت فِي نَفسِي هَذَا حُلم، فَلم ألبث أَن جَاءَ خَادِم أَخذهَا من يَدي، فَلَمَّا كَانَ فِي وَقت الِانْصِرَاف استأذنتُ وَخرجت، فَإِذا أَنَا واللَّه بِالْمَالِ وَإِذَا الوكلاء ينتظروني حَتَّى أقبضهُ مِنْهُم فعلام يَلُومُنِي هَذَا الْجَاهِل؟ ثُمّ قُلْتُ لمخارق: هَات الْعود فَأَخَذته ورددت الْأَصْوَات الَّتِي أَخطَأ فِيهَا، وغنيت صَوتا من الطَّوِيل بِشعر لِابْن ياسين، والغناء فِيهِ لي وَهُوَ: إلهي مَنَحْتَ الْوُدَّ مِنِّي بخيلةً ... وَأَنت على تَغْيِير ذَاك قَدِيرُ شفاءُ الْهوى بَثُّ الجوى واشتكاؤه ... وَإِن امْرأ أخْفَى الْهوى لصَبُورُ فطرب لذَلِك طَربا شَدِيدا ثُمّ قَالَ: حُقَّ لَك، ثُمّ أقبل عَلَى مُخَارق، فَقَالَ: يَا فَاسق! مَا أَنْت وَالْكَلَام، وَأمر لي بِمِائَة ألف دِرْهَم وخِلعة، وَأمر لِمُخَارق بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم، فَبلغ ذَلِكَ إِسْحَاق بْن خَلَف فَأَنْشَأَ يَقُولُ: إِن جئتَ ساحته تبغي سماحته ... تَلْقَاكَ رَاحَتُهُ بالوَبْلِ والدِّيَمِ مَا ضرَّ زَائِره الرَّاجي لنائله ... إِن كَانَ ذَا رحمٍ أَوْ غَيْر ذِي رحِمِ فَعَالُه كرمٌ وَقَوله نغمٌ ... بقوله نعمٌ قَدْ لجَّ فِي نِعَم قَالَ القَاضِي: قَول حُمَيد بْن ثَوْر: النِّدُّ والعنبر الْهِنْدِيّ، زعم بعضُ عُلَمَاء اللُّغَة أَن النِّد أعجمي، وَهَذَا حُمَيد بْن ثَوْر أَتَى بِهِ فِي شعره، وَقَدْ رُوِيَ شعرٌ فِي خبر لمُعَاوِيَة نِسْبَة بعضُ الرُّواةِ إِلَى عَبْد الرَّحْمَن بْن حَسَّان، وَبَعْضهمْ إِلَى أَبِي دهبل، فَذكر بعض من رَوَاهُ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ: تجْعَل النِّدَّ والألوة والمس ... ك صَلالَها عَلَى الكانون وقَالَ العَرْجيُّ: تَشُبُّ مُتُون الْحُمْر بالنِّد تَارَةً ... وبالعنبر الْهِنْدِيّ وَالْعرْف سَاطِع وَقَالَ الأحْوَص: إِذا خَبَتْ أُوقِدَتْ بالنِّدِّ واشْتَعَلتْ ... وَلَم يكنْ عِطْرُها مسكٌ وأظْفَارُ وَقَوله: تَشُبُّها إِذا خَبَت، معنى تشبها: تُلْهِبُها وتُضْرِمُها، قَالَ الأحْوَص بْن مُحَمَّد الأَنْصَارِيّ: أمِن خليدَة وَهْنًا شَبَّتِ النَّارُ ... ودُوننا من ظلام اللَّيْل أسْتَارُ باتَتْ تُشَبُّ وبتنا الليلَ نَرْقبها ... تَعْنِي قلوبٌ بهَا مَرْضى وأبْصَارُ يُقَالُ: شبت النَّار والرحب شَبَّهُما الإِنْسَان يَشُبُّهَا شبوبًا وشَبًا، وشبَّ الصبيُّ يَشِبُّ

стр. 297

شَبَابًا وشَبِيبةً، وشَبَّ الفرسُ يَشِبُّ شِبَابًا وشُبُوبًا، وَقَوله: إِذا خبت يَعْنِي إِذا خمدت، يُقَال: خبت النَّار تخبو خَبُوًا إِذا سكنت، قَالَ الشَّاعِر: وَمنا ضِرَار وابنماه وحاجبٌ ... مُؤَجِّجُ نيرانِ المكارمِ لَا الْمُخْبِي وقَالَ آخر: أَمن زَيْنب ذِي النَّارُ ... قُبَيْلَ الصُّبْحِ مَا تَخْبُو إِذا مَا خَمدَت يَلْقَى ... علينا المندَلُ الرَّطْبُ وقَالَ الْقطَامِي: وَكُنَّا كالحريقِ أصَاب غابا ... فيخبُو تَارةً ويَهِبُّ سَاعَا وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى: " كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا " أَقْوَال، قِيلَ: إِن الْمَعْنى كلما سكنت، وَقيل الْمَعْنى كلما التهبت وتوقَّدت، وَجعلُوا هَذِهِ الْكَلِمَة من الأضداد، وَقيل: بل الْمَعْنى بِهَذِهِ الْجُلُود، والتأويل كلما خَبَت جُلُودهمْ. وَشرح هَذَا يَأْتِي فِي كتَابنَا الْمُسَمّى " الْبَيَان الموجز عَنْ عُلُوم الْقُرْآن المعجز " إِن شَاءَ الله. وَقَول: كُثَيِّر: إِنِّي أسْتَحيك، اللُّغَة الفصيحة إِنِّي أستحييك، قَالَ: قَالَ تَعَالَى: " إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يضْرب مثلا "، وقَالَ عز ذكره: " إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ، وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ " وللعرب فِيهِ لُغَة أُخْرَى بعد هَذَا وَهِي اسْتَحى يستحي كَمَا قَالَ الشَّاعِر: أَلا يَسْتَحي منَّا رجالٌ وتَتَّقِي ... محارمَنَا لَا يَبُوءُ الدَّمُ بالدَّمِ وَنسب إسحاقُ الشّعْر الَّذِي ختم مَجْلِسه بِالْغنَاءِ فِيهِ إِلَى أَنَّهُ من الطَّوِيل، وَهُوَ كَمَا قَالَ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يبين أَيّ نوع من الطَّوِيل هُوَ، فَرَأَيْت أَن أبيِّنَه وَأَقُول: إنَّه النَّوْع الثَّالِث مِنْهُ، وَهُوَ مَقْبُوض العَرُوض مَحْذُوف الضَّرْب مَا كَانَ مُطلقًا، وَمِنْه: أقيمُوا بَنِي النُّعْمَانِ عنَّا صُدُورَكُمْ ... وإِلا تُقِيمُوا صاغرين الرؤسا فَإِذا صُرِّع أَلْحقْتَ عَرُوضَه بضَرْبِه، فَصَارَت محذوفة بِمَنْزِلَتِهِ وَكَانَت فِي الْإِطْلَاق أتم وأطول مِنْهُ، فَمنْ مصرع هَذَا النَّوْع قَول امرىء الْقَيْس: لمن طللٌ أبْقرتُهُ فَشَجاني ... كخط الزَّبُورِ فِي عسيبٍ يَمَانِ وقَالَ أَيْضا: أجَارَتَنَا إِن الْخُطُوبَ تَنُوبُ ... وَإِنِّي مقيمٌ مَا أَقَامَ عَسِيبُ وَقبض فَعُولن الَّذِي قبل الضَّرْب من هَذَا الشّعْر، عَذْبٌ فِي الأسْمَاع من إِيرَاده سالما. ابْن بيض يتَحَقَّق لَهُ حلمه حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن بنان، قَالَ: حَدثنَا عَمْرو الْكُوفِي، قَالَ: دخل حَمْزَة بْن بَيْض عَلَى يَزِيد بْن الْمُهَلّب يوْم جُمُعَة وَهُوَ يتأهَّبُ للمضيِّ إِلَى

стр. 298

الْمَسْجِد، وجاريةٌ تُعَمِّمُهُ فَضَحِك، فَقَالَ: لَهُ يَزِيد: ممَّ تَضْحك، فَقَالَ: للَّه رُؤْيَا رأيتُها إِن أذن لي الأميرُ قَصَصْتُها، قَالَ: قل، فَأَنْشَأَ يَقُولُ: رأيتُك فِي الْمَنَام سَنَنْتَ خزًّا ... عَلَيَّ بَنَفسَجًا وقَضَيْتَ دَيْنِي فَصَدِّقْ مَا هُدِيتَ الْيَوْم رُؤْيا ... رأتها فِي الْمَنَام كَذَاك عَيْنِي قَالَ: كم دينُك؟ قَالَ: ثَلَاثُونَ ألفا، قَالَ: قَدْ أمرتُ لَك بهَا وبمثلها، ثمَّ قَالَ: يَا غلْمَان! فتشوا الخزائن فجيؤه مِنْهَا بِكُل خَزٍّ بنفسجٍ تَجدُونها، فَجَاءُوا بِثَلَاثِينَ جُبَّة، فَنظر إِلَيْهِ يُلَاحظ الْجَارِيَة، فَقَالَ: يَا جَارِيَة عاوني عَمَّك عَلَى قَبْض الْجِبَاب، فَإِذا وصلت إِلَى منزله فَأَنت لَهُ، فَأَخذهَا والجباب وَالْمَال وَانْصَرف. قَالَ: سننت خَزًّا أَيّ أَلقيته وصَبَبْتَهُ عَليّ، يُقَالُ صَبَّ عَلَيْه ثَوْبه كَمَا قَالَ أَبُو نواس: صببت على الْأَمِير ثيابَ مَدْحِي ... فَقَالَ الناسُ أحسنَ بل أَجَاد ويُقَالُ: سننتُ عَليَّ قَمِيصِي، وسننتُ المَاء عَلَى وَجْهي بِالسِّين الْمُهْملَة، وشننت عَليّ المَاء إِذا أفَضْتَه على جسدك، بالشين النعجمة، وَكَذَلِكَ شَنَّ عَلَيْه الدِّرْع، وشنَّ عَلَيْهِم الْغَارة، وَقيل فِي قَوْله تَعَالَى: " من حمأٍ مسنون " أَيّ مَصْبوب عَلَى قصد، وَقيل: متغير الرَّائِحَة، وَهَذَا مسنون وسَنِين، وَلِهَذَا الْبَاب مَوضِع هُوَ مُسْتَقْصى فِيهِ، وَالسّنة مُشْتَقَّة من خذا الأَصْل لِأَنَّهَا شيءٌ جَار عَلَى وَجهه، وَمِنْه سُنَّةُ الطَّرِيق وسَنَنُه، قَالَ لبيد: من معشر سننت لَهُم آباؤهم ... وَلكُل قوم سنةٌ وإمامُها وسُنَّة الْوَجْه كأَنَّها الشيءُ المصبوبُ الْجَارِي عَلَى طَريقَة مَقْصُودَة: كَمَا قَالَ ذُو الرمة: تُرِيكَ سُنَّةَ وجهٍ غيرَ مقرفةٍ ... مَلْساء لَيْسَ بهَا خالٌ وَلا نَدَبُ يروي غَيْر مقرفة وَغير بِالنّصب والجر، فَمن رَوَاهُ نصبا فَهُوَ الْوَجْه الظَّاهِر فِي الصِّحَّة الَّذِي لَا شُبْهَة فِيهِ وَلا مَرِيَّة إِذْ هُوَ صفةٌ لمنصوب، وَهُوَ السّنة المنصوبة بالفهل وَهُوَ تريك، وَمن رَوَاهُ جَرًّا فَإنَّهُ أتبعه إِعْرَاب وجْه المخفوض يالإضافة، عَلَى الطَّرِيقَة الَّتِي يجيزُها من يجيزُها للمجاورة، ويجعلها بِمَنْزِلَة قَوْلهم " حُجْرُ ضَبٍّ خربٍ "، وَهَذَا وَجه ضَعِيف مَرْغُوب عَنهُ، وكثيرمن النَّحْوِيين لَا يُجِيزهُ، وَمن محقيقيهم من يُلَحِّن الْمُتَكَلّم بِهِ، وينسب مجيزه من النُّحَاة إِلَى الْخَطَأ والمتكلم بِهِ من العَرَبِ وَإِن كَانَ قدوة حجَّة فِي اللُّغَة إِلَى الْغَلَط، وَهَذَا يَتَّسِع القولُ فِيهِ، وَقَد استقصينا بَيَانه فِي كتَابنَا " الشافي فِي طَهَارَة الرجلَيْن " وَغَيره من كُتبنا ومسائلنا. توصي لَهُ بِثلث مَالهَا نَظِير بَيت شعر حَدَّثَنَا أَحْمَد بْنُ الْعَبَّاسِ الْعَسْكَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي سَعْد، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الزُّهْرِيّ، قَالَ: حَدثنِي أَبُو بركَة الْأَشْجَعِيّ، قالك حَضَرَتِ امْرَأَةً مِنْ بَنِي نُمَيْرٍ الْوَفَاةُ، فَقِيلَ لَهَا: أَوْصِي، فَقَالَتْ: نَعَمْ، خَبِّرُونِي مَنِ الْقَائِلِ:

стр. 299

لَعَمْرُكَ مَا رِمَاحُ بَنِي نميرٍ ... بِطَائِشَةِ الصُّدُورِ وَلا قِصَارُ قَالَ: فَقِيلَ لَهَا: زِيَادٌ الأَعْجَمُ، قَالَتْ: فأُشْهِدُكُمْ أَنَّ لَهُ ثُلُثَ مَالِي، قَالَ: فَحُمِلَ إِلَيْهِ مِنْ ثُلْثِهَا أَرْبَعَةُ آلافِ دِرْهَمٍ. من جُود عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن جَعْفَر الأَزْدِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حُدِّثْتُ مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُد بْن مُحَمَّد، عَنْ سوَادَة بْن أَبِي الْأسود، عَنْ شهر بْن حَوْشَب. أَن رَجُلا عَطِبَتْ راحلتُه فَأتى أَمِير الْمَدِينَة فَسَأَلَهُ فَلم يحملهُ، فَقِيل لَهُ: ائْتِ ابْن جَعْفَر فَأَتَاهُ فَقَالَ: أَبَا جعفرٍ إِن الحجيج تَرَحَّلُوا ... وَلَيْسَ لَرَحْلي فاعلمنّ بَعيرُ أَبَا جَعْفَر من أهل بَيت نبوةٍ ... صَلاتهمُ للْمُؤْمِنين طهورُ أَبَا جَعْفَر ضنّ الْأَمِير بِمَالِه ... وَأَنت عَلَى مَا فِي يَديك أَمِير قَالَ: فَأمر لَهُ براحلة وَنَفَقَة وَكِسْوَة سابغة. إِبْلِيس يعلم الْغناء حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْر الْعُقَيْليّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن رَاهَوَيْه الْكَاتِب، قَالَ: قَالَ: لي شيخٌ من الْكتاب قَدْ أَتَى عَلَيْه نَحْو ثَمَانِينَ سنة، انصرفتُ من ديواني وَأَنا حدثٌ من أحسن النّاس وَجها فلقيني شيخٌ فِي مَوضِع كَانَ زيُّه زِيَّ الرهبان فعلق بِكُمِّي، ثُمّ رفع صَوته وغنى غناء مَا سمعتُ قطُّ أَشْجى وَلا أحسن مِنْهُ فَقَالَ: انْظُر إليّ يَا طوالوالحن، ثُمّ خَلَّى كُمّي وَانْصَرف، وأحسبُه إِبْلِيس. من أَخْبَار ابْن جُدْعَان حَدَّثَنِي عَبْد الْبَاقِي بْن قَانِع، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زَكَرِيّا، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَائِشَةَ، قَالَ: أَتَى رَجُل عَبْد اللَّه بْن جُدْعَان فَأعْطَاهُ شَيْئا يَسِيرا فلامه الرَّجُل، وَلابْن جُدْعَان جارٌ من قُرَيْش لَهُ مالٌ لَا يُعطي أحدا شَيْئا، فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن جُدْعَان: ألام وأُعطِي والبَخِيلُ مُجَاوِرِي ... لَهُ مِثْلُ مَالِي لَا يُلامُ وَلا يُعْطِي قَالَ القَاضِي: ابْن جُدْعَان التَّيْميّ من مشهوري أجواد قُرَيْش، وَفِيه يَقُولُ أُمَيَّة بن أبي الصَّلْت: علم جدعَان بن عَم ... رٍو أَنَّهُ يَوْمًا مُدَابِرْ ومسافرٌ سَفَرًا بعي ... داً لَا يؤوب لَهُ الْمُسَافِر فقدروه بِفَنائِهِ ... للضيف مترعةٌ زوافِر وَلَهُ أَخْبَار كثيرةٌ، لَعَلَّنَا نأتي بهَا فِيمَا نستقبله من هَذِهِ الْمجَالِس.

стр. 300

الْعلم من ظُهُور الدفاتر حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن زِيَاد الْمُقْرِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَليفَة الْفضل ابْن الْحُبَاب: أَن أَبَا زَيْد الأَنْصَارِيّ، رَأَى رَجُلا حسن الْعلم، كثير الراوية، جيد الْحِفْظ لمُلح الْأَخْبَار، لَا يتَمَثَّل إِلا بِحسن، وَلا يستشهد إِلا بجيد، فَقَالَ: كَأَنّ عِلْمَهُ واللَّه من ظُهُور الدفاتر. أَعْرَابِي يسْأَل عُمَر حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَليّ بن إِسْمَاعِيل الخطي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ بْنِ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ الْمُسَيَّبِ بن شريك بن عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ: يَا عُمَرَ الْخَيْرِ جُزِيتَ الْجَنَّةْ ... اكْسُ بُنَيَّاتِي وَأُمَّهُنَّهْ أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَتَفْعَلَنَّهْ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ يَكُونُ مَاذَا؟ قَالَ: إِذًا أَبَا حفصٍ لأذهبته قَالَ: فَإِذَا ذَهَبْتَ يَكُونُ مَاذَا؟ قَالَ: تَكُونُ عَنْ حَالِي لِتُسْأَلَنَّهْ ... يَوْمَ تَكُونُ الأَعْطِيَاتُ يَمْنَهْ وَالْوَاقِفُ الْمَسْئُولُ بَيْنَهُنَّهْ ... إِمَّا إِلَى نارٍ وَإِمَّا جَنَّةْ قَالَ: فَبَكَى عُمَرُ حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا غُلامُ أَعْطِهِ قَمِيصِي هَذَا لِذَلِكَ الْيَوْمِ لَا لِشِعْرِهِ، أَمَا وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُ. نموُّ النَّبات مُرْتَبِط بِطَاعَة اللَّه حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن الْهَيْثَم الشَّبي، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَوْذَة بْن خَليفَة، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْف الْأَعرَابِي، عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ، قَالَ: أَصَابُوا فِي خزائِن كسْرَى سَلَّةً فِيهَا حِنْطَة كأمثال اللُّؤْلُؤ مَكْتُوب فِيهَا: هَذَا نَبَتَ فِي سنةٍ كَانَ يعْمل فِيهَا بِطَاعَة الله. بكاء الشُّعَرَاء عَلَى الشَّبَاب حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن سُلَيْمَان الْأَخْفَش، قَالَ: حَدَّثَنِي السكرِي، عَنِ المهلبي، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاق الْمَوْصِلِيّ، أحِسبه عَنِ ابْن سَلام، عَنْ يُونُس، قَالَ: مَا بَكت الأعرابُ فِي أشعارها شَيْئا مَا بَكت الشَّبَاب وَمَا بلغتْ كُنْهَهُ، فاتَّبع هَذَا الْكَلَام النَّمرِيّ، فَقَالَ: مَا كنتُ أُوفِي شَبابي كُنْهُ عِزَّتِهِ ... حَتَّى انْقَضَى فَإِذا الدُّنْيَا لَهُ تَبَعُ قَالَ يَزِيد: وسمعتُ أَحْمَد بْن المعَذَّلِ يتعجَّبُ من بَيت النَّمرِيّ بعد هفا وَيَقُولُ: أما ترى حَيْثُ اشْترط النَّمرِيّ حَيْثُ يَقُولُ: مَا واجه الشيبَ من عين وَإِن وَمِقَتْ ... إِلا لَهَا نبوةٌ عَنْهُ ومُرْتَدَعُ

стр. 301

فتح أول الِاسْم فِي النِّسْبَة وَعلة ذَلِكَ قَالَ القَاضِي: النَّمرِيّ منسوبٌ إِلَى النَّمِرِ بْن قاسط، وَإِنَّمَا فتح الْمِيم فِي النِّسْبَة، وَهِي فِي الِاسْم قبل إِضَافَته مَكْسُورَة، فِرَارًا من ثقل الكسرةِ إِلَى خفَّة الفتحة، لِمَا اجْتمع فِي الِاسْم من الكسرات والياءات، وَقَدْ أَتَى هَذَا كثيرا فاشيًا فِي ثَلَاثَة أسماءٍ عِنْد النَّسب، أحدُهُن النَّمرِيّ كَمَا فسرناه والشَّقِرِيّ فِي النّسَب إِلَى بني شَقِرَة من بني تَمِيم، والسُّلَمِيّ فِي النّسَب إِلَى بني سَلَمَة من الْأَنْصَار، والشقرة الْوَاحِدَة من شقائق النُّعْمَان، والسَّلِمة حجارةٌ سُود. وَفِي عِلّة تَغْيِير الكسرة ونقلها فِي النّسَب إِلَى الفتحة حَيْثُ ذكرنَا، وعَلى مَا بَينا، وجهٌ آخر لَمْ أجد أحدا تقدمني فِي استخراجه، وَهُوَ أنَّهم يسكنُون أَوسط مَا كَانَ فَعْل وَإِن كَانَ أَصله الْحَرَكَة تَخْفِيفًا مثل مَلْك وكَتْف وَكَانَ تخفيفه إِذا اتَّصل بِهِ يَاء النّسَب أولى وَكَانُوا إِلَى تسكينه أحْوج، فخفَّفوه وفتحوا ثَانِيَة عوضا مِمَّا حذفوه، وَلِأَنَّهُ قَد ازْدَادَ بياء النّسَب ثِقَلا، ولزمت الكسرة مَا قبل الْيَاء الأولى مِنْهَا. ممازحة حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ: حَدَّثَنَا عونُ بْن مُحَمَّد الْكِنْديّ، قَالَ: خرجتُ مَعَ مُحَمَّد بْن أَبِي أُمِّيّه إِلَى نَاحيَة الجسر بِبَغْدَاد، فَرَأى فَتى من أَوْلَاد الْكُتَّاب جميلا فمازحه فَغَضب وتهدّده، فَطلب من غُلَامه دَوَاتَهُ وَكتب من وقته: دون بَاب الْجِسر دارٌ لِهَوًى ... لَا أسمِّيهِ ومَنْ شَاءَ فَطنْ قَالَ كالمازح واسْتَقْلَمَنِي ... أَنْت صَبٌّ عاشقٌ لي أَوْ لِمَنْ؟ قلتُ سَلْ قَلْبك يُخْبرك بِهِ ... فَتَحايَا بَعْدَمَا كَانَ مَجَنْ حُسْنُ ذَاك الوجهِ لَا يُسْلِمُني أبدا مِنْهُ إِلَى غَيْر حَسَن ثُمّ دفع الرقعة إِلَيْهِ فَاعْتَذر وَحلف أَنَّهُ لَمْ يعرفهُ. يعاف المشرب الْمُشْتَرك حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مَنْصُور الْحَارِثِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاق الطَّلْحي، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن الْقَاسِم، قَالَ: عَشِق التَّيْميّ جَارِيَة عِنْد بعض النخاسين، فَشَكا وجده ومحبَّته إِلَى أَبِي عِيسَى الرشيد، فَقَالَ أَبُو عِيسَى لِلْمَأْمُونِ: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين! إنَّ التَّيْميّ يجدُ بجاريةٍ لبَعض النخَّاسين، وَقَدْ كتب إليّ بَيْتَيْنِ يسألني فيهمَا، فَقَالَ: لَهُ: وَمَا كتب إِلَيْك؟ فأنشده: يَا أَبَا عِيسَى إِلَيْك الْمُشْتَكَى ... وأخُو الصَّبر مَتَى عيلَ شكا لَيْسَ لي صبرٌ عَلَى هجرانها ... وأعاف المشربَ المشتركا قَالَ: فَأمر لَهُ بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم فاشتراها. أَبْيَات لحسان فِي مدح الْخمر وذمها حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سهل بْن الْفَضْل الْكَاتِب، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زَيْد، قَالَ: حَدَّثَنِي

стр. 302

هَارُون بْن عَبْد اللَّه الزُّهْرِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُف بْن عَبْد الْعَزِيز بن المجاشون، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ حَسَّان بْن ثَابِت: أتيت جَبَلَة بْن الأَبْهم، الغساني وَقَدْ مَدَحْتُه، وَكَانَ حَسَّانُ قَد اشْتَكَى، فَقَالَ: لَهُ: يَا أَبَا الْوَلِيد مَا تشْتَهي، قَالَ: مَا لَا تقدرون عَلَيْه، قَالَ نتكلَّفُه لَك، قَالَ: رطباتٌ محلقماتٌ من بَنَات ابْن طَابَ، قَالَ: هَذَا مِمَّا لَا نقدر عَلَيْهِ ببلادنا هَذِه، فَقَالَ: يَا أَبَا الْوَلِيد: إِن الْخمر قد شغفتني فاذممها لعَلي أرفضها، فَقَالَ: لَوْلَا ثلاثٌ هُنّ فِي الكأس لَمْ يكنْ ... لَهَا ثمن من شاربٍ حِين يشربُ لَهَا نزقٌ مثل الْجُنُون ومصرع ... دنيُّ وَأَن العقلَ يَنْأى ويعزُبُ فَقَالَ: أفسَدْتها فحسِّنْها، فَقَالَ: وَلَوْلَا ثلاثٌ هنّ فِي الكأس أَصبَحت ... كأنفسِ مالٍ يُسْتفادُ ويُطْلَبُ أمانُّيها وَالنَّفس تظهر طيبها ... على حزنها والهم يُسْلَى فَيذْهب قَالَ: لَا جرم لَا أدعها أبدا. نصيحةُ أَب لِابْنِهِ حَدَّثَنَا أَبِي ﵁، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الْخُتلِي، قَالَ: حَدَّثَنِي الْقَاسِم بْن الْحسن الزُّبَيْديّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سهل بْن مُحَمَّد، قَالَ حَدَّثَنِي الْعُتْبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِي خَالِد عَنْ سُفْيَان بْن عَمْرو بْن عُتْبَة، قَالَ: لما بلغت خمسَ عشرةَ سنَة، قَالَ لي أَبِي: أَيّ بنيَّ! قَد انقطعتْ عَنْك شرائع الصِّبا، فاختلطْ بِالْخَيرِ تكن من أَهله، وَلا تزايله فَتَبِينَ مِنْهُ كُله، وَلا يغرَّنَّك من اغْترَّ بِاللَّه فِيك فمدحك بِمَا تعلم خِلَافه من نَفسك، وَاعْلَم أَنَّهُ يَا بني لَا يَقُولُ أحدٌ فِي احدٍ من الْخَيْر مَا لَا يعلم إِذا رَضِيَ، إِلا قَالَ فِيهِ مثله من الشَّرِّ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ إِذا سخط، فاستأنسْ بالوحدة من جلساء السَّوء تسلم من عواقبهم، وَلا تنقل حُسْن ظنِّي بك إِلَى غَيره، قَالَ: سُفْيَان فَمَا زَالَ كَلَام أَبِي لي قِبْلةً أنتقل مَعهَا وَلا أنتقل عَنْهَا وَمَا شيءٌ أَحْمَد مَغَبَّةً من قبولٍ من نَاصح معروفٍ نُصْحَه. فليغننا أصواتًا بَدَلا من الْعَطاء حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم الطَّبَرِيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن مهويه، قَالَ: وجدتُ فِي كتاب أَبِي بِخَطِّهِ، قالك لما بُويِعَ إِبْرَاهِيم بْن الْمهْدي بِبَغْدَاد قل المَال عِنْده فَكَانَ يلجأ إِلَيْهِ أَعْرَاب من أَعْرَاب السَّوادِ وَغَيْرُهُمْ، فاحتبس عَلَيْهِم العَطاء فَجعل إِبْرَاهِيم يُسَوِّفُهُم بِالْمَالِ وَلا يرَوْنَ لذَلِك حَقِيقَة، إِلَى أَن اجْتَمعُوا يَوْمًا فَخرج رَسُول إِبْرَاهِيم إِلَيْهِم يصرِّح لَهُم أَنَّهُ لَا مَال عِنْده، فَقَالَ قومٌ من غَوْغاء أَهْل بَغْدَاد: فأخرجوا إِلَيْنَا خليفَتَنا فليُغَنِّ لأهل هَذَا الْجَانِب ثَلَاثَة أصوات، وَلأَهل ذَلِكَ الْجَانِب ثَلَاثَة أصوات، فَيكون عَطاء لَهُم،

стр. 303

فأنشدني دعبل فِي ذَلِكَ: يَا مَعْشَرَ الْأَعْرَاب لَا تغلطوا ... خُذُوا عَطَاياكم وَلا تسْخطوا فَسَوف يعطيكُم حُنَيْنِيَّةً ... لَا تَدْخُل الكيسَ وَلا تُربط والمَعْبَدِيَّاتُ لقوادكم ... وَمَا بِهَذَا أحدٌ يُغْبَطُ فَهَكَذَا يرزقُ أجْنادَهُ ... خليفةٌ مصحفُهُ البَرْبَطُ قَالَ القَاضِي: البَرْبط الْعُود، وَأَصله بِالْفَارِسِيَّةِ وَالْعرب تسميه الْمِزْهَر، وَقَدْ زعم بَعضهم أَن هَذَا الضَّرْب من آلَات الملاهي تُسَمى الْعود فِي سالف الْأُمَم وغابرها، وَأَن من أَسْمَائِهِ عِنْد الْعَرَب الْكِرَانُ والبَرْبَطُ والْمُوتَر، وَلنَا فِي هَذَا قولٌ لَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكره. المجلِسُ الحَادي وَالأربَعوُنْ وجوب ضبط الْعلم وَتَقْيِيد الْحِكْمَة حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَمِّهِ شُعَيْبٍ، أَنَّ شُعَيْبًا حَدَّثَهُ وَمُجَاهِدًا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو: حَدَّثَهُمَا أَنَّهُ، قَالَ لرَسُول اللَّه ﷺ : أَكْتُبُ مَا سَمِعْتُ مِنْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: عِنْدَ الْغَضَبِ وَعِنْدَ الرِّضَا، قَالَ: نَعَمْ، إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ أَقُولَ إِلا حَقًّا. قَالَ القَاضِي: فِي هَذَا الْخَبَر دلَالَة وَاضِحَة عَلَى أَنَّهُ من الصَّوَاب ضبط الْعلم وَتَقْيِيد الْحِكْمَة، بالْكِتاب حفظا لَهما وحِرْزًا من تَشَذُّ بهما، وعتادًا يُرجع إِلَيْهَا، ويفزع الناسِي إِلَيْهِمَا فيذكر مَا نَسيَه مِنْهُ، ويستدل عَلَى مَا عزب عَنْهُ، وعَلى فَسَاد قَول من ذهب إِلَى كَرَاهِيَة ذَلِكَ، وَقد جَاءَ عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابِ "، وَجَاء فِي الْأَثر: أَن سُلَيْمَان بْن دَاوُد، قَالَ لبَعض من أسره من الشَّيَاطِين: مالكلام؟ قَالَ: ريح، قَالَ: فَمَا يُقَيّده، قَالَ: الْكتاب، وَفِي إِحْضَار مَا ورد فِي هَذَا الْمَعْنى وإيراد الْحجَج فِيهِ طول لَا حَاجَة بِنَا إِلَى ذكره فِي هَذَا الْموضع. نصائح غَالِيَة للأحنف بْن قَيْس حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرو، عَنِ الثَّوْرِي، قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُل من أهل الْبَصْرَة، عَنْ رَجُل من بني تَمِيم، قَالَ حضرت مجْلِس الْأَحْنَف بْن قَيْس وَعِنْده قومٌ مجتمعون فِي أمرٍ لَهُم، فَحَمدَ اللَّه تَعَالَى وَأثْنى عَلَيْه، ثُمّ قَالَ: إِن مِنَ الكَرَمِ مَنْعَ الْحُرَم، مَا أقرب النِّقْمةَ من أَهْل الْبَغي، لَا خير فِي لذةٍ تُعْقِبُ نَدَمًا، لن يَهْلِكَ وَلنْ يَفْتَقِر مَنْ زَهِد، ربَّ هزلٍ قَدْ عَاد جِدًّا، مَنْ أمِن الزَّمَان خانه، وَمن تَعظَّم عَلَيْه مهانه، دَعُوا الْمُزَاح فَإنَّهُ يُورث الضغائِن، خير القَوْل مَا صدقه الْفِعْل، وَاحْتَملُوا لمن أدَلَّ عَلَيْكُم، واقبول عُذْر

стр. 304

من اعتذر إِلَيْكُم، أطع أَخَاك وَإِن عصاك، وصِلْهُ وَإِن جفاك، أنْصِف من نَفسك قبل أَن يُنتصف مِنْك، وَإِيَّاك ومشاورة النّساء، وَاعْلَم أَن كُفْرَ النِّعمة لُؤْم، وصُحبة الْجَاهِل شُؤْم، ومِن الْكَرم الْوَفَاء بالذِّمم، مَا أقبح القطيعةَ بعد الصِّلة، والجفاءَ بعد اللُّطُف، وأقبح العداوةَ بعد الود، لَا تكونن عَلَى الْإِسَاءَة أقوى مِنْك عَلَى الْإِحْسَان، وَلا إِلَى الْبُخْل أسْرع إِلَى البَذْل، وَأعلم أَن لَك من دنياك مَا أصلحت بِهِ مثواك، فأنْفِق فِي حقّ، وَلا تكونَنّ خَازِنًا لغيرك، وَإِذَا كَانَ الغَدْرُ فِي النّاس مَوْجُودا فالثقَة بِكُل أحدٍ عجز، أعْرف الحقَّ لمن عَرَفَه لَك، وَاعْلَم أَن قطيعة الْجَاهِل تعدلُ صلَة الْعَاقِل. قَالَ: فَمَا رَأَيْت كلَاما أبلغ مِنْهُ. فَقُمْت وَقَدْ حفظته. قَالَ القَاضِي: هَذَا لَعَمْري من أشرف الْكَلَام وأبلغه وَأحسنه، وأبلغ الخَطَّاب وأبينه، فرحم اللَّه أَبَا بَحر كَيفَ أَشَارَ بالرَّشَد، وَهدى إِلَى الْقَصْد، وَمَا فصل من فُصُول خطبَته هَذِهِ إِلا وَقَدْ وَردت الآثارُ بِمَا يؤيِّده، مَعَ مَا فِي الْعُقُول مِمّا يدعُو إِلَيْهِ ويؤكده، ومجالسنا هَذِهِ تَتَضَمَّن كثيرا مِمَّا ورد فِي مَعْنَاهُ، إِن شَاءَ اللَّه، وأيَّد بعونه وتوفيقه. بِمَ سُدت قَوْمك ؟ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا نصر بْن عَلِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَصْمَعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ المهيبي رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ لِعَرَابَةَ الأَوْسِيِّ: بِمَ سُدْتَ قَوْمَكَ؟ قَالَ: كُنْتُ أُعْطِي سَائِلَهُمْ، وَأَعْفُو عَنْ جَاهِلِهِمْ، وَأَسْعَى فِي مَصَالِحِهِمْ، فَمَنْ فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِي فَهُوَ مِثْلِي، وَمَنْ زَادَ عَلَيْهِ فَهُوَ خيرٌ مِنِّي وَمَنْ قَصَّرَ عَنْهُ فَأَنَا خَيْرٌ مِنْهُ. كَيفَ قَالَ فِيك ذُو الرمة هَذِهِ الْأَشْعَار ؟ حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن الْقَاسِم الكوكبي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو المهلهل الْحُدَاني، قَالَ: ارتحلتُ إِلَى الرمال فِي طلب مي صاحبةِ غيلانَ ذِي الرُّمَّة، فَمَا زلتُ أطلب مَوضِع بَيتهَا حَتَّى أرْشِدتُ إِلَى الْبَيْت، فَإِذا خيمة كبيرةٌ عَلَى بَابهَا عَجُوز هتماء فسَلّمْتُ عَلَيْهَا، ثُمّ قُلْتُ لَهَا: أَيْنَ منزلُ مَيّ؟ قَالَتْ: مَيُّ ذِي الرُّمة، قُلْتُ: نعم، قَالَتْ: أَنَا مي، فعجبت ثُمّ قُلْتُ لَهَا: الْعجب كُلّ الْعجب من ذِي الرُّمَّة وَكَثْرَة مَا قَالَ فِيك، ولستُ أرى من الشَّاهِد وَالْوَصْف شَيْئا، فَقَالَت: لَا تَعْجَبَنَّ يَا هَذَا مِنْهُ، فَإِنِّي سأقوم بِعُذْرِهِ عَنْك، قَالَ: ثُمّ قَالَتْ: يَا فُلَانَة، قَالَ: فَخرجت من الْخَيْمَة جاريةٌ ناهدةٌ عَلَيْهَا برقع، فَقَالَت: أسْفري عَنْك، فَلَمَّا أسفرت تحيَّرتُ لِمَا رَأَيْت من جمَالهَا وبراعتها وفصاحتها، فَقَالَت لي عَلِقَ ذُو الرمة بِي وَأَنا فِي سِنِّها، فَقلت: عَذَرَهُ اللَّهُ ورَحِمَه، أنشديني مَا قَالَ فِيك، قَالَ: فَجعلت تُنْشد وأكتب أَنَا مَا كنتُ مُقيما عِنْدهَا، ثُمّ ارتحلتُ. فَكَانَت مِمَّا أنْشَدتني قَوْله: خليليّ لَا ربعٌ بِوَهْبِينَ مخبرٌ ... وَلا ذُو حجَى يَسْتَنْطِقُ الدَّار يُعذِرُ

стр. 305

فَسِيرَا فقد طَال الوقوفُ ومَلّه ... حراجيَجُ أمثالُ الحَنِيَّاتِ ضُمَّرُ فيا صَاح لَو كَانَ الَّذِي بِي من الْهوى ... بِهِ لَمْ أذرْه أَن يُعَزَّى ويُنظَرُ خَليليَ هَلا عُجْتَ إذْ أَنَا واقفٌ ... أَغِيضُ البكا فِي دَارِ مَيٍّ وأزْفُرُ القصيدة ... قَوْله: عجوزٌ هَتْماء: الهَتَمُ: سقوطُ الْأَسْنَان من فَوق وَمن أَسْفَل، يُقال: امْرَأَة هتماء وَرجل أهتم، ويُقَالُ: ضربه فهتم فَاه، قَالَ الفَرَزْدَق: إنّ الأَرَاقِمَ لنْ يَنَال قَدِيمُها ... كلبٌ عوى مُتَهَتِّمُ الأسْنانِ مرثية من أحسن المراثي حَدَّثَنَا أبي ﵁، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الْخُتلِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا القَاسِم بْن الْحَسَن، قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيّا بْن أَبِي خَالِد البلديّ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم الْوَرَّاق، عَنِ الأَصْمَعِيّ، قَالَ: خرجت إِلَى مَقَابِر الْبَصْرَة فَإِذا امْرَأَة واقفةٌ عَلَى قبر، وَهِي تَنْدُب وَتقول: هَلْ أخبر القبرُ سائِليهِ ... وقرّ عينا بزائريه أم هَلْ تُراه أحَاط علما ... بالجسد المستكن فِيهِ يَا موت لَو تقبل افتداءً ... كنتُ بنفسي سأفتديهِ أنْعِي بُرَيْدًا لمجتديه ... أنعي بُرَيْدًا لِمُعْتَفِيه أنْعِي بُرَيْدًا إِلَى حزوبٍ ... تَحسِرُ عَنْ منظرٍ كريهِ أنْعَتُ من لَا يُحِيط علما ... بوصفه نَدْبُ واصِفيهِ يَا جَبَلا كَانَ ذَا امْتنَاع ... وركنَ عِزٍّ لآمليهِ يَا نَخْلةً طلعُها نضيدٌ ... يَقْرُبُ من كفِّ مُجْتَنيهِ وَيَا مَرِيضا عَلَى فراشٍ ... تؤذيه أيْدي مُمَرِّضِيهِ وَيَا صبورًا عَلَى بلاءٍ ... كَانَ بِهِ اللَّه مُبْتَليهِ يَا موتُ مَاذَا أردْتَ مني ... حققتَ مَا كنتُ أتّقِيهِ دهر رماني بفقد إلفي ... أَذمّ دهري وأشتكيه آمَنَكَ اللَّه كُلّ روع ... وكل مَا كُنْت تَتّقِيهِ أسكنك اللَّه فِي محلٍّ ... يقصرُ عَنْ وصفِ ذاكريهِ قَالَ القَاضِي رَحْمَة اللَّه عَلَيْه: هَذِهِ المراثي من أحسن المراثي وأبلغها من الْقُلُوب، للطف مَعَانِيهَا، ورقة حواشيها، وَقرب ألفاظها وعذوبتها، وسماحة مَجَاريها وطلاوتها، وَقل

стр. 306

مَا أثر فِي قلبِي منظوم تأثيرها عِنْد إنشادها، وَكَانَت لي ابْنة لَطِيفَة الْمحل من قلبِي، نَفِيسَةُ الْمنزلَة فِي نَفسِي، ذَات محَاسِن كَثِيرَة، وفضائِل غزيرة، وَرزقت حظًّا من حفظ التِّلَاوَة والآداب الدِّينِيَّة، مَعَ عقل رصينٍ ونزاهة وَدين، وَهبهَا الله ليبفضله ونِعْمتهِ، ثمَّ اسْتَأْثر بهَا بعدله ومشيئته، فَسلمت للرب ﷻ قَضَاءَهُ فِيهَا وَعرفت حسن اخْتِيَاره لي وَلها، إِذْ كَانَ خَالِقهَا أملك بهَا من والدها ومنشيها، وأرحم بهَا من ثاكلها، وصابرت عَظِيم الْمُصَاب بهَا، ورضيت بِثَوَاب اللَّه عوضا مِنْهَا، ولَهجْتُ بِهَذِهِ الأبيات الَّتِي قدمت ذكرهَا فَمَكثت زَمَانا أقطع ليلِي ونهاري بتَرْجِيعِها والترنم بهَا، وأستشفي بفيض دموعي وَرفع عفيرتي بتردادها، ولإعجابي بهَا رَأَيْت إتباعها بِذكر مَا حضرني من الْأَخْبَار الَّتِي تضمنتها أنسا مني بإعادتها، وَلَم أَدخل بعض الْآتِيَة بهَا فِي بعض إِذْ كَانَتْ قَدْ وقعتْ إليّ من جهاتٍ شَتّى وطرق مُخْتَلفَة. فَمنْ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن سُلَيْمَان الطُّوسيّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الزُّبَير، قَالَ: قَالَ عَبْدُ الْملك بْن قُرَيْب الْأَصْمَعِي: خرجت ذَات يوْم فِي الْبَادِيَة فَإِذا أَنَا بِامْرَأَة إِلَى جَانب قبر وَهِي تُشِير بِيَدِهَا، فَقلت: يَنْبَغِي أَن تكون هَذِهِ تندب أَوْ ترثي، فدنوت حَتَّى قربتُ مِنْهَا فَإِذا هِيَ تَقُولُ: هَلْ خبر الْقَبْر سائِليه ... أم قرّ عينا بزائريه أم هَلْ تُراه أحَاط علما ... بالجَسَدِ الْمُسْتكِنِّ فيهِ لَو يعلم الْقَبْر من يُواري ... تَاهَ عَلَى كُلّ من بليه يَا قبر لَو تقبلُ افْتِدَاءً ... كنتُ بنفسي سأفتديهِ أنعي بُرَيْدًا إِلَى حُزُوب ... تَحسِرُ عَنْ منظرٍ كَرِيهِ أندب من لَا يُحِيط علما ... بوصفه ندب نادبيه يَا جبلا كَانَ فا امتناعٍ ... ةركن عِزٍّ لآمليهِ أنعي بُرَيدًا لمجتنيه ... أنعي بُرَيدًا لمعتفيه يَا نَخْلَة طلعُها نضيدٌ ... يَقْرُبُ من كفِّ مجتنيه تحلو نعم عِنْده سماحًا ... وطيبها راتب بِفِيهِ أيا صبورًا عَلَى بلاءٍ ... كَانَ بِهِ اللَّه مبتليه قَالَ: عَبْد الْملك فَحفِظت مَا قَالَتْ، ثمَّ دَنَوْت إِلَيْهَا، فَقلت لَهَا: أعيدي لفظك رَحِمك اللَّه، قَالَتْ: أما وَالله لَو علمت أَن أحدا يَسْمَعُني مَا تفوهت بِهِ، قَالَ: فَقلت لَهَا: إِنِّي أَسأَلك أَلا أعَدْتِيه، فَقَالَت: يَا شيخ سوءةً لَك، أَقُول لَك مَا أَقُول وتعيد عَليّ الْكَلَام فَقلت لَهَا: إِنِّي أَسأَلك

стр. 307

إِلا سمعتيه مني، فَأَقْبَلت عَليّ بوجهها، وسفرت عَنْ قناعها، وَقَالَت: اللَّهُمَّ إِن يَأْتِ فِي الدُّنْيَا أصمعي فَهَذَا هُوَ، فَقلت: أَنَا هُوَ، من الْفَتى تندبين؟ فَقَالَت: أَخِي وَابْن أُمِّي. وَرِوَايَة ثَالِثَة حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن الْقَاسِم الكوكبي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زَكَرِيّا الغَلابِي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن عُمَر، قَالَ: سَمِعْتُ الأَصْمَعِيّ أَنَّهُ أَتَى الْمَقَابِر ذَات يومٍ فَإِذا جاريةٌ كَادَت أَن تختفي بَيْنَ قبرين قِلة ودمامة، وَهِي تبْكي بقلب موجع، وكلامٍ حزينٍ، وَلَفظ كَأَنَّهُ خرزاتٌ نُظِمْن تحدَّرْن، وَقَدْ أدخلت رَأسهَا فِي لوح الْقَبْر، وَهِي تَقُولُ: هَلْ أخبر الْقَبْر سائِليه ... أم قر عينا بزائريه أم هَلْ ترَاهُ أحَاط علما ... بالبَدَنِ المستكنِّ فِيهِ لَو يعلم الْقَبْر مَا يُواري ... تَاهَ عَلَى كُلّ من يليهِ يَا موت لَو تقبل افتداءً ... كنتُ بنفسي سأفتديهِ أنْعِي بُرَيدًا لمجتنيه ... أنعي بُرَيدًا لمعتفيه أبْكِي بُرَيْدًا إِلَى حزوبٍ ... تَحْسِرُ عَنْ منظرٍ كريهِ يَا جبلا كَانَ ذَا امْتنَاع ... وركنَ عِزٍّ لآمليه يَا نَخْلَة طلْعُها هضيمٌ ... يَقْرُبُ من كفِّ مُجْتَنيهِ وَيَا مَرِيضا عَلَى فراشٍ ... تؤذيه أيْدي مُمَرِّضِيهِ وَيَا صبورًا عَلَى بلاءٍ ... كَانَ بِهِ اللَّه مُبْتَليهِ يَا دهر مَاذَا أردْتَ مني ... حققتَ مَا كنتُ أتقيهِ دهرٌ رماني بفقد صبري ... أذمُّ دَهْري وأشْتَكيهِ ذهبت يَا موتُ بِابْن أُمِّي ... بالسيد الفاضلِ الوجيهِ المجلِسُ الثَاني وَالأربَعُونْ فضل ابْن عَبَّاس حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدَانَ بْنِ سُفْيَانَ الطَّرَائِقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد بْنِ الصَّبَّاحِ الزَّعْفَرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ أَبُو الْعَلاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ وَلَيْسَ ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيَّ، قَالَ: بَيْنَمَا سائلٌ يَسْأَلُ وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي الْمَلأِ جَالِسٌ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَا سَائِلُ، فَقَالَ: لَبَّيْكَ، قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَتُصَلِّي الْخَمْسَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَحَقٌّ عَلَيْنَا أَنْ نَصِلَكَ قَالَ: فَنَزَعَ ثَوْبًا كَانَ عَلَيْهِ وَكَسَاهُ إِيَّاهُ، وَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 308

يَقُولُ: " أَيُّمَا مسلمٍ كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا كَانَ فِي حِفْظِ اللَّهِ تَعَالَى مَا بَقِيَتْ مِنْهُ رُقْعَةٌ ". تَعْلِيق الْمُؤلف قَالَ القَاضِي: وَفِي هَذَا الْحَدِيث مَا يَدْعُو إِلَى فعل الْخَيْر، ويحضُّ عَلَيْه، ويُرَغِّب فِي اصطناع الْمَعْرُوف، ويَنْدُب إِلَيْهِ، ورحمةُ اللَّهِ ورضوانُه عَلَى ابْن عَبَّاس تُرْجمان التَّنْزِيل، وحَبْر التَّأْوِيل، وبحر الْعُلُوم وَالْحكم، والْجُود والكَرَم، فلقت أجيبتْ فِيهِ دعوةُ ابنِ عمِّه ﷺ ، نبيِّ الرَّحْمَة إِذْ دَعَا لَهُ بالفقه وَالْحكمَة، فأقْبَس عِلمه لقاصديه من الأمَّة، وأفاض فيهم مكارمَه، وأفادهم غرائبَ عِلم الدّين ومَسَائِلَه. عينٌ لِلْحَجَّاج يوفَّقُ فِي مُهَمته حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِم، عَنْ الأَصْمَعِيّ، عَنْ يُونُس، عَنْ أَبِي عَمْرو، قَالَ: بعث الحَجَّاج - إِذْ كَانَ يقاتلُ شَبِيبًا والحَرُورِيَّةَ بالعراق - إِلَى صَاحب أَهْل دمشق، فَلَمَّا أَتَاهُ، قَالَ لَهُ: اطْلُب لي من أَصْحَابك رَجُلا جَليدًا بَئِيسًا ذَا عَقْل ورأي، فَقَالَ: أصلح اللَّه الأميرَ، وَمَا أحسَبَني إِلا وَقَدْ أصَبْتُه، إِن فِي أَصْحَابِي رَجُلا من حَكَمِ بْن سَعْد يُقَال لَهُ: الجراخ جَلْد صَحِيح الْعقل يَعُدُّ ذَلِكَ من نَفسه، يَعْنِي الْبَأْس، قَالَ: فَابْعَثْ إِلَيْهِ فَلَمَّا رَآهُ الحجاجُ قَالَ لَهُ: أدْنُ يَا طَوِيل، فَلم يَزَلْ يَقُولُ لَهُ ذَلِكَ ويُشير إِلَيْهِ بِيَدِهِ حَتَّى لَصِق بِهِ أَوْ كَاد، ثُمّ قَالَ: اقعد، فَقعدَ تَحُكُّ ركبتُه ركبتَه، وَلَيْسَ عِنْده غَيره، ثُمّ قَالَ لَهُ: قُم السَّاعَة إِلَى فَرَسِك فاحْسُسُه وأَعْلِفه وَأصْلح مِنْهُ، ثُمّ خُذْ سَرْجَه ولجامه، وسلاحك فضعه عِنْد وَتَدِ فَرَسِك، ثُمّ ارْقُب أَصْحَابك حَتَّى إِذا أخذُوا مضاجعهم ونَوَّمُوا فاشدُدْ عَلَى فَرَسك سَرْجَه ولِجَامه، واصبب عَلَيْك سِلَاحك وَخذ رُمْحَك واخرج حَتَّى تَأتي إِلَى عَسْكَر أَعدَاء اللَّهِ تَعَالَى تُعاينهم وتَنْظر إِلَى حَالاتِهم وَمَا هُمْ عَلَيْه، ثُمّ تُصْبِحَني غَدًا، وَلا تُحْدِثَنَّ شَيْئا حَتَّى تَنْصَرِف، فَإِذا انصرفتَ إِلَى أَصْحَابك فَلا تخبرهم بِمَا عهدتُه إِلَيْك. فَنَهَضَ الجراحُ، فَلَمَّا أَتَى أَصْحَابه وهم مُتَشَوِّفُون لَهُ سَأَلُوهُ عَنْ أمره، فَقَالَ: سَأَلَني الْأَمِير عَنْ أَمر أَهْل دمشق، واعْتَلَّ لَهُم بِهِ، ثُمّ فعل مَا أمره بِهِ الحَجَّاج، ثُمّ خرج من الْعَسْكَر يُرِيد عَسْكَر الْقَوْم، فَلَمَّا كَانَ فِي المَنْصَفِ من العسكرين لَقِي رَجُلا فِي مثل حَاله، فَعلم الجراحُ أَنَّهُ عينُ العدوِّ يريدُ مثل الَّذِي خرج لَهُ فتواقفا وتساءلا، ثُمّ شَدَّ عَلَيْه الجَرّاح فَقتله، وأوثق فرسه بَرحْله، ثُمّ نَفَذَ إِلَى الْعَسْكَر الَّذِي فِيهِ القومُ فعاينه، وَعرف من حَاله وَحَال أهلَهُ مَا أُمر بِهِ، ثُمّ انْصَرف إِلَى الْقَتِيل فاحتزّ رَأسه وَأخذ سلاحه وجَنَّب فرسه، وعلق الرَّأْس فِي عُنق فرسه، ثُمّ أقبل. وَصلى الحَجَّاجُ صَلَاة الصُّبْح وَقعد فِي مَجْلِسه، وَأمر بالأستار فَرفعت وَهُوَ مُتَشَوِّف منتظرٌ الجَرّاح، وَجَعَل يَرْمِي بَطَرْفهِ إِلَى النَّاحِيَة الَّتِي يظنّ أَنَّهُ يقبل مِنْهَا، فَبينا هُوَ كَذَلِك إِذْ أقبل الْجراح يَجْنُبُ الْفرس وَالرَّأْس منوطٌ فِي لبان فَأَقْبَلَ الحَجَّاج يَقُولُ ويقلب كفَّية: فعلتَ

стр. 309

مَا أمرتُك بِهِ؟ قَالَ: نعم، وَمَا لَمْ تَأْمُرنِي، حَتَّى وقف بَيْنَ يَدَيْهِ وَسلم، ثُمّ نزل وحدَّث الحَجَّاج بِمَا صنع وَمَا عاين من الْقَوْم، فَلَمَّا فرغ من حَدِيثه زَبَرَهُ الحَجَّاج وانتهره، وقَالَ لَهُ الحَجَّاج: انْصَرف فَانْصَرف، فَبينا هُوَ فِي رَحْله إِذْ أقبل فَراشون يسْأَلُون عَنِ الْجراح، مَعَهم رُواق وفرشٌ وَجَارِيَة وَكِسْوَة، فدلوا عَلَى رَحْله، فَلم يكلموه حَتَّى ضربوا لَهُ الرواق وفرشوا لَهُ فرشًا واقعدوا فِيهِ الْجَارِيَة، ثُمّ أَتَوْهُ فَقَالُوا: انهض إِلَى صلَة الْأَمِير وكرامته، فَلم يزل الْجراح بعْدهَا يَعْلُو ويرتفع حَتَّى وُلّي أرمينية فاستشهد، قتلته الخَزَرُ. قَالَ أَبُو حَاتِم: الجَرَّاح مَوْلَى مسكان أبي هانىء أَي أَبِي نواس، وَذَلِكَ عني أَبُو نواس بقوله حَيْثُ يَقُولُ: يَا شَقِيقَ النَّفْسِ من حَكَمِ ... نِمْتَ عَنْ لَيْليِ وَلَم أَنَمِ معنى البئيس واللبان قَالَ القَاضِي: فِي هَذَا الْخَبَر: فاطلُب لي من أَصْحَابك رَجُلا جَليدًا بَئِيسًا، البئيس: الشجاع الشَّديد فِي الْحَرْب، وَهُوَ من الْبَأْس، والبأس: الْحَرْب قَالَ أَبُو كَبِير الْهُذلِيّ فِي البئيس: وَمَعِي لبوسٌ للبئيس كأنَّها ... قرنٌ بجبهة ذِي نعاج مجفل من قَول اللَّه : " بعذابٍ بئيسٍ " مَعْنَاهُ: شَدِيد، وَقَول الرَّاوِي فِي هَذَا الْخَبَر: وَالرَّأْس منوطٌ فِي لِبَان فرسه، اللبان: الصَّدْر قَالَ عنترة: يَدْعُون عَنْتَرَ والرِّمَاحُ كأَنَّها ... أشْطَانُ بئرٍ فِي لِبَانِ الأَدْهَمِ مَا زلتُ أرْميهم بثُغْرةِ نَحْره ... ولِبَانِهِ حَتَّى تَسَرْبَلَ بالدَّم فازْوَرَّ من وَقع القنا بِلبانِهِ ... وشكا إليّ بعبرةٍ وتَحَمْحُمِ وأمّا اللُّبَان بِالضَّمِّ فَهُوَ الْكُنْدر، واللُّبَانة: الْحَاجة، قَالَ لبيد: قض اللُّبَانة لَا أبالك واذهب ... والحقْ بأسْرتك الْكِرام الْغُيّبِ فَأَما اللِّبان بِالْكَسْرِ فَهُوَ مَا يدر بِهِ ثدي النّساء، ويُقَالُ لَهُ: مِنْهُنَّ اللبان وَمن غَيْرهنَّ من إناث الْحَيَوَان: لبن، قَالَ الْأَعْشَى: رَضِيَعيْ لبانٍ ثَدْيَ أُمٍّ تَقَاسَما ... بأسْحَمَ داجٍ عَوْضُ لَا نَتَفَرَّقُ وقَالَ بعض الْعَرَب: دَعَتْنِي أَخَاهَا أُمُّ عمروٍ وَلَم أكُنْ ... أَخَاهَا وَلَم أَرْضَعْ لَهَا بِلِبَانِ وَقَدْ كثر اسْتِعْمَال النّاس لفظ اللَّبن فِي اللبان، واستفاض فِي الْآثَار، وَكَلَام فُقَهَاء السَّلَف وَالْخلف ومنطق الْخَاصَّة والعامة، وَأنْكرهُ بعض أَهْل اللُّغَة. الحَجَّاج يكثر الْخَيْر فِي الْبيُوت حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن الْقَاسِم الكوكبي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أَبِي سَعْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن الْحَسَن، قَالَ: أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد، عَنِ الْهَيْثَم بْن الرَّبِيع، قَالَ: قَالَ الْحجَّاج: إِنِّي لَا

стр. 310

أرى النّاسَ قَدْ قَلُّوا عَلَى موائدي فَمَا بالهم؟ فَقَالَ لَهُ رَجُل من عُرْض النّاس: أصلح اللَّه الْأَمِير، إِنَّك أكثرت خير الْبيُوت فَقل غشيان النّاس لطعامك، فَقَالَ: الْحَمد للَّه وَبَارك اللَّه عَلَيْك، من أَنْت؟ قَالَ: أَنا الصَّلْت بْن قَرَان الْعَبْدِيّ، فَأحْسن إِلَيْهِ. الْخُلَفَاء يغارون من أَبْيَات جَيِّدَة قيلت فِي غَيرهم حَدَّثَنَا أَحْمَد بْنُ الْعَبَّاسِ الْعَسْكَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي سَعْد، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّد بْن مُوسَى بْن حَمْزَة، مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمد بْن مُوسَى بْن حَمْزَة، قَالَ: الْفضل بن يزِيغ، قَالَ: رَأَيْتُ مَرْوَان بْن أَبِي حَفْصَة قَدْ دخل عَلَى الْمهْدي بعد موت مَعْن بْن زَائِدَة فِي جماعةٍ من الشُّعَرَاء وَفِيهِمْ سَلْمُ الخَاسِرُ وغيرهُ، فأنشده مديحًا، فَقَالَ: من؟ قَالَ: شاعرُك مَرْوَان بْن أَبِي حَفْصَة، فَقَالَ لَهُ الْمهْدي: أَلَسْت الْقَائِل: أَقَمْنَا باليمامةِ بعد معنٍ ... مُقَامًا لَا نُرِيدُ بِهِ زِيَالا وَقُلْنَا أَيْنَ نرحلُ بعد معنٍ ... وَقَدْ ذهب النوالُ فَلَا نَوَالا قَدْ جِئْت تطلبُ نوالنا وَقَدْ ذهب النَّوال، لَا شَيْء لَك عندنَا، جُرُّوا بِرجلِهِ. قَالَ: فجروا بِرجلِهِ حَتَّى أخرج، فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَام الْمقبل تلطَّف حَتَّى دخل مَعَ الشُّعَرَاء - وَإِنَّمَا كَانَت الشُّعَرَاء تدخل عَلَى الْخُلَفَاء فِي ذَلِكَ الْحِين فِي كُلّ عَام مرّة - قَالَ: فَمثل بَيْنَ يَدَيْهِ وأنشدهُ قصيدته الَّتِي يَقُولُ فِيهَا: طرقَتْكَ زائرةٌ فَحيِّ خيالَها ... بيضاءُ تخلطُ بِالْحَيَاءِ دلالَها قَادَتْ فؤادَكَ فاستقاد وقَبْلَها ... قاد القلوبَ إِلَى الصِّبَا فأمالها قَالَ: فأنصت لَهَا حَتَّى إِذا بلغ إِلَى قَوْله: هَلْ تَطْمِسُون من السَّماء نجومَها ... بأكُفكم أَوْ تسترُون هِلالها أَوْ تدفعُون مقَالَة عَنْ ربكُم ... جِبْرِيل بَلَّغها النَّبِيّ فقالَها شهِدَتْ من الْأَنْفَال آخر آيةٍ ... بتُراثهم فأردتُمُ إبطالَها يَعْنِي بني عَليّ وَبني الْعَبَّاس، قَالَ: فرأيتُ الْمهْدي وَقَدْ زحف من صدر مُصَلاه حَتَّى صَار عَلَى الْبسَاط إعجابًا بِمَا سَمِع، ثُمّ قَالَ لَهُ: فَإِنَّهَا لأوّل مائَة ألف أُعْطِيها شَاعِر فِي خلَافَة بْني الْعَبَّاس. قَالَ: فَلم تلبث الأيامُ أَن أفْضَت الْخلَافَة إِلَى هَارُون الرشيد، قَالَ: فرأيتُ مَرْوَان بْن أَبِي حَفْصَة ماثلا مَعَ الشُّعَرَاء، بَيْنَ يَدي الرشيد وَقَدْ أنْشدهُ شعرًا، فَقَالَ لَهُ: مَنْ؟ قَالَ: شاعرك مَرْوَان بْن أَبِي حَفْصَة، فَقَالَ لَهُ: أَلَسْت الْقَائِل الْبَيْتَيْنِ اللَّذين لَهُ فِي معن اللَّذين أنشدهما الْمهْدي: خُذُوا بِيَدِهِ فأخرجوه، فَإنَّهُ لَا شَيْء لَهُ عندنَا، فَأخْرج. فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِكَ بيومين تَلَطَّف حَتَّى دخل عَلَيْه فأنشده قصيدته الَّتِي يَقُولُ فِيهَا:

стр. 311

لَعَمْرُكَ لَا أنسى غَدَاة الْمُحَصَّبِ ... إِشَارَة سلمى بالبنان المخضب وَقَدْ صَدَر الْحُجّاجُ إِلا أَقَلَّهُمْ ... مَصادر شَتّى موكبًا بعد مَوْكب قَالَ: فأعجبتْه، قَالَ لَهُ: كم قصيدتك بَيْتا؟ قَالَ لَهُ: سِتُّونَ أَوْ سَبْعُونَ بَيْتا، فَأمر لَهُ بِعَدَد أبياتها ألوفًا، فَكَانَ ذَلِكَ رَسْمُ مَرْوَان حَتَّى مَاتَ. مُزَرَّدُ ينتقمُ لحرمانه حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حثنا أَحْمَد بْن عُبَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا الأَصْمَعِيّ. قَالَ: كُنْت يَوْمًا عِنْد هَارُون أَمِير الْمُؤْمِنِين، فَقدمت إِلَيْهِ فالوذجة، فَقَالَ: يَا أصمعي! قُلْتُ: لبيْك يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين، فَقَالَ: حَدَّثَنِي حَدِيث مُزَرَّد أَخِي شَماخ، فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين! إِن مُزَرَّدًا كَانَ غُلَاما نَهِمًا جَشِعًا، وَكَانَت أمُّهُ تُؤْثِرُ عيالها بالزَّاد عَلَيْه، وَكَانَ ذَلِكَ يغيظه ويَغُمُّه، فَذَهَبت أُمّه يَوْمًا فِي بعض حُقُوق أَهلهَا وخَلَّفَتْ مُزرَّدًا فِي رَحْلِها، فَدخل الْخَيْمَة وَأخذ صَاعَيْ دقيقٍ وصاعَ عجوةٍ وصاعَ سَمْن، فَضرب بعضه بِبَعْض وَأكله، ثُمّ أنشأ يَقُولُ: وَلما مَضَتْ أُمِّي تزورُ عِيالها ... أَغَرْتُ عَلَى الْعِكْمِ الَّذِي كَانَ يُمْنَعُ خلِطتُ بِصَاعَيْ حِنطة صَاعَ عجوةٍ ... إِلَى صاعِ سمنٍ وَسْطُهُ يتربَّعُ ودَبَّلْتُ أَمْثَال الأثافي كَأَنَّهَا ... رُءُوس نقادٍ قُطِّعَتْ يَوْمَ تُجْمَعُ وَقلت لبطني أشْبع الْيَوْم إنَّه ... حِمَى أُمِّنا مِمَّا تفِيد وَتجمع فَإِن كنت مَصْفُورًا فَهَذَا دواؤه ... وَإِن كُنْت غرثاناً فَذا يوْم تشبعُ قَالَ: فاستضحك هَارُون حَتَّى أَخَذَ عَلَى بَطْنه، واستلقى. ثُمّ قعد، فَمد يَده وقَالَ: خُذُوا باسم اللَّه. معنى النهم والنقد، والصفر والغرث قَالَ القَاضِي: قَوْله: كَانَ غُلَاما نَهِمًا، يَعْنِي حَرِيصًا عَلَى الْأكل وَهُوَ كالشَّرِه والجَشِع، يُقَالُ: نهم يَنْهَمُ نَهَمًا فَهُوَ نَهِم، مثل شَرِهَ يَشْرهُ شَرَهًا ويُقَالُ أَيْضا: رَجُل منهوم، وَقَدْ قَدَّمنا القَوْل فِي ذَلِكَ. والنِّقادُ: الْغنم الصغار الَّتِي هِيَ شرطٌ لَيست خِيرات وَلا حَرَزَات، يُقَالُ لَهَا: نَقَد، كَمَا قَالَ الراجز: لَو كُنْتُمُ شَاءً لكنتُمُ نَقَدَا وَقَول مزردٍ يخاطبُ بَطْنه: فَإِن كُنْت مصفورًا، يَعْنِي: وَإِن كَانَ بك الصَّفَرُ وَهُوَ دَاء فِي الْبَطن يهيج الْجُوع عَلَى صَاحبه، قَالَ الشّعْر: لَا يغمزُ السَّاقَ من أَيْن وَلا نَصَبٍ ... وَلا يَعَضُّ عَلَى شُرْسُوفِهِ الصَّفَرُ

стр. 312

وروى عَنِ النَّبيّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: " لَا عَدْوَى وَلا هَامَةَ وَلا صَفَرَ "، وَكَانَ الْعَرَبُ تَرَى أَنَّ ذَلِكَ يُعْدِي، فَتَأَوَّلَ قَوْمٌ هَذَا الْخَبَرَ عَلَى أَنَّهُ عَنَى بِهِ هَذَا الْمَعْنَى وَذَهَبَ بِهِ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ الشَّهْرَ الْمُسَمَّي صَفَرًا، وَإِبْطَالِ مَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَفْعَلُهُ فِي تَقْدِيمِهِ إِلَى الْمُحَرَّمِ عَلَى مَا كَانُوا يَذْهَبُونَ إِلَيْهِ فِي النَّسِيءِ. واستقصاء بَيَان هَذَا مرسوم فِي مَوْضِعه، فَأَما الصَّفَر فِي بَيت مُزَرّد وَفِي الْبَيْت الَّذِي استشهدنا بِهِ، فَإنَّهُ الدَّاءُ الَّذِي وَصَفْناه دون غَيره. وَأما قَوْله: فَإِن كُنْت غرثانًا فَإنَّهُ من الغَرْث، وَهُوَ الْجُوع، يُقَالُ: رَجُل غَرْثَانُ أَيّ جَائِع، وَامْرَأَة غَرْثَى، مثل غَضْبان وغَضْبَى، قَالَ الْأَعْشَى: تَبِيتُونَ فِي المَشْتَى مِلاءً بُطُونكُمْ ... وجَارَاتكُمْ غَرْثَى يَبِتْنَ خَمَائِصَا وتروي غُرٌّ مَكَان غرثى، وقَالَ حَسَّان بْن ثَابِت: حصانٌ رزانٌ مَا تَزنُّ بريبةٍ وتُصَبح غَرْثَى من لُحُوم الغَوافِلِ رَدٌّ عَلَى عِتاب حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يَزِيد المهلبي، قَالَ: سَمِعت هبة الله ابْن إِبْرَاهِيم بْن الْمهْدي، يَقُولُ: كتب أَبِي إِلَى بعض من عتب عَلَيْه فِي شَيْء: لَو عرفتَ الْحُسْن لتجنبتَ الْقَبِيح، وَلَو اسْتَحْلَيْتَ الْحِلْم لاسْتَمْرَرْتَ الخَرقَ، وَأَنا وَأَنت كَمَا قَالَ زُهَيْر: وَذي خطلٍ فِي القَوْل يُحْسَبُ أَنَّهُ ... مصيبٌ فَلم يُلْمِمْ بِهِ فَهُوَ قَائِله عَبَأْتُ لَهُ حِلمي وأكرمتُ غَيْرَه ... وأعرضتُ عَنْهُ وَهُوَ بادٍ مقاتِلُهُ وَإِن من إِحْسَان اللَّه تَعَالَى إِلَيْنَا وإساءتك إِلَى نَفسك أَنَّا أمْسَكْنا عَمَّا تعلم، وقلتَ مَا لَا تعلم، وَتَركنَا الْمُمكن وتناولتَ الْمُعْجِز. أشعب يَتُوب عَنْ لحم الجداء حَدَّثَنَا المظفَّر بْن يحيى بْن أَحْمَد الْمَعْرُوف بِابْن الشرابي، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس الرثدي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاق الطَّلْحي، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّد عِيسَى بْن عُمَر بْن عِيسَى التَّيْميّ، قَالَ: كَانَ زيادُ بْن عَبْد اللَّه الْحَارِثِيّ خَال أَبِي الْعَبَّاس أَمِير الْمُؤْمِنِين واليًا لأبي الْعَبَّاس عَلَى مَكَّة، فَحَضَرَ أشعب مائدته فِي أناسٍ من أَهْل مَكَّة، وَكَانَت لزياد بْن عَبْد اللَّه الْحَارِثِيّ صَحْفَة يُخَصُّ بهَا، فِيهَا مضيرةٌ من لحم جديٍ، فَأتى بهَا فَأمر الغلامَ أَن يَضَعهَا بَيْنَ يَدي أشعب وَهُوَ لَا يدْرِي أَنَّهَا المضيرة، فَأكلهَا أشعب، يَعْنِي أَتَى على مَا فِيهَا، فاستبطأ زِيَاد بْن عَبْد اللَّه المضيرة، فَقَالَ: يَا غُلام! الصحفة الَّتِي كُنْت تَأتِينِي بهَا، قَالَ: قَدْ أتيتُ بهَا - أصلحك اللَّه - فأمرتني أَن أضعها بَيْنَ يَدي أَبِي الْعَلاء، قَالَ: هَنَّأ اللَّهُ أَبَا الْعَلاء وَبَارك لَهُ، فَلَمَّا رُفِعت الْمَائِدَة، قَالَ: يَا أَبَا الْعَلاء - وَذَلِكَ فِي اسْتِقْبَال شهر رَمَضَان - قَدْ حضر

стр. 313

هَذَا الشَّهْر الْمُبَارَك، وَقَدْ رَقَقْتُ لأهل السجْن لما هُمْ فِيهِ من الضُّرِّ، ثُمّ لانضمام الصَّوْم عَلَيْهِم، وَقَدْ رَأَيْتُ أَن أُصَيِّرك إِلَيْهِم فتلهيَهُمْ بِالنَّهَارِ وَتصلي بهم اللَّيْل، وَكَانَ أشعب حَافِظًا لكتاب اللَّه، فَقَالَ: أوَ غَيْرُ ذَلِكَ - أصلح اللَّه الْأَمِير - قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: أعطي اللَّه عهدا أَلا آكل مَضِيرَة جديٍ أبدا. أول تَعَرُّفِ الشُّعَرَاء بِأبي تَمام حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مَحْمُود الْخُزَاعيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن الجَهْم، قَالَ: كَانَ الشعراءُ يَجْتَمعُونَ فِي كُلّ جمعةٍ فِي الْقُبَّةِ الْمَعْرُوفَة بهم فِي جَامع الْمَدِينَة، فيتناشدون الشّعْر ويَعْرِضُ كُلّ وَاحِد مِنْهُم عَلَى أَصْحَابه مَا أحدث من القَوْل بعد مفارقتهم فِي الْجُمُعَة الَّتِي قبلهَا. فَبينا أَنَا فِي جُمُعَة من تِلْكَ الْجمع، ودعبل وأَبُو الشِّيص وَابْن أَبِي فنن يَجْتَمعُونَ وَالنَّاس يَسْتَمِعُون إنشاد بَعْضنَا بَعْضًا، أبصرتُ شابَّا فِي أخريات النَّاس جَالِسا فِي زِيّ الْأَعْرَاب وهيئتهم، فَلَمَّا قَطعنَا الإنشاد قَالَ لنا: قَدْ سَمِعْتُ إنشادكم مُنْذُ الْيَوْم، فَاسْمَعُوا إنشادي، قُلْنَا: هَات، فأنشدنا: فَحْوَاكَ عينٌ عَلَى نَجْوَاك يَا مَذِلُ ... حَتَّامَ لَا يَنْقَضِي من قَوْلك الخطل فَإِن أسمج من تَشْكُو إِلَيْهِ هَوًى ... مَنْ كَانَ أحسن شَيْء عِنْده العَذَلُ كَأَنّما جادَ مَغْنَاهُ فغيَّرهُ ... دُموعُنا يَوْم بانوا وَهِي تنمهل وَلَو تَرَانا وإيَّاهُمْ ومَوْقِفُنا ... فِي موقف الْبَين لاستهلالنا زجل من حرقةٍ أطاعتها فرقةٌ أسرت ... قلباً وَمن عذلٍ فِي نَحره غزل وَقَدْ طوى الشوقُ فِي أحْشائنا بقرٌ ... عِينٌ طَوَتْهُن فِي أحشائها الْكِلَلُ ثُمّ مر فِيهَا حَتَّى انْتهى إِلَى قَوْله فِي مدح المعتصم: تَغَايَرَ الشِّعْرُ فِيهِ إذْ سَهِرْتُ لَهُ ... حَتَّى ظننتُ قوافِيهِ ستقْتَتِلُ قَالَ: فعقد أَبُو الشيص عِنْد هَذَا البيتِ خنْصره ثُمّ مَرَّ فِيهَا إِلَى آخرهَا، فَقُلْنَا: زِدْنَا فأنشدنا: دمنٌ أَلَمَّ بهَا فَقَالَ سلامٌ ... كم جلَّ عَقْد ضَمِيره الإلمامُ ثُمّ أنشدناها إِلَى آخرهَا، وَهُوَ يمدح فِيهَا الْمَأْمُون، فاستزدناه فأنشدنا قصيدته الَّتِي أَولهَا: قَدْك اتَّئِبْ أَرْبَيْتَ فِي الْغُلَوَاءِ ... كم تَعذِلُون وأنْتُمُ سُجَرَائِي حَتَّى انْتهى إِلَى آخرهَا، فَقُلْنَا لَهُ: لمن هَذَا الشّعْر؟ فَقَالَ: لمن أنشدكموه، قُلْنَا: وَمن تكون؟ قَالَ: أَبُو تَمام حبيبُ بنُ أَوْس الطَّائِي، قَالَ أَبُو الشِّيص: تزْعم أَن هَذَا الشّعْر لَك وَتقول: تَغَايَرَ الشِّعْرُ فِيهِ إذْ سَهِرْتُ لَهُ ... حَتَّى ظننتُ قوافِيهِ ستقْتَتِلُ

стр. 314

قَالَ: نعم، لأنِّي سهرتُ فِي مدح ملكٍ وَلَم أسْهَرْ فِي مدح سُوقة، فقربناه حَتَّى صَار مَعنا فِي موضعنا، وَلَم نَزَل نتهاداه بَيْننَا، وجعلناه كأحدنا، وَاشْتَدَّ إعجابنا بِهِ لدماثته وظرفه، وَكَرمه وَحسن طبعه، وجودة شعره، وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْم أول يوْم عَرفْنَاهُ فِيهِ، ثُمّ تراقت حَاله حَتَّى كَانَ من أمره مَا كَانَ. شرح وإعراب قَالَ القَاضِي: قَول أَبِي تَمام: يَا مَذِل، المَذَل، الْفُتُور والخَدَر، قَالَ الشَّاعِر: وَإِن مَذِلَتْ رِجْلِي دَعَوْتُكِ أشْتكِي ... بِدَعْوَاك من مذلٍ بهَا فَيَهُونُ وَقَوله: حَتَّى ظننتُ قوافِيهِ ستقتتلُ أسكن الْيَاء وحَقُّها النصب لضَرُورَة الشّعْر، وَقَدْ جَاءَ مثله فِي كثير من الْعَرَبيَّة، وَمن ذَلِكَ قَول الْأَعْشَى: فَتًى لَو يُنادي الشَّمْسُ ألقتْ قِنَاعها ... أَو القمرَ السَّارِي لألْقَى المَقَالِدَا وقَالَ رُؤْبة: كَأَنّ أيْديهنَّ بالقَاعِ القَرِقْ ... أَيدي جوارٍ يتعاطَيْن الوَرقْ وَقَدْ قَرَأَ بعضُ النَّحْوِيين من القرأة حرفا من الْقُرْآن عَلَى هَذِهِ اللُّغَة فِي رِوَايَة انْتَهَت إِلَيْنَا عَنْهُ، ذَلِكَ أنَّ أَبِي حَدَّثَنِي قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مُعَاذ بْن قُرَّةَ الهَرَويّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن خَشْرَم، قَالَ: سَمِعْتُ الْكسَائي يقْرَأ: " وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ من ورائي " قَالَ: كَأَنّ أيْدِيهنَّ بالقاعِ القَرِقْ ... أَيدي جوارٍ يتعاطين الوَرق وَالْمَعْرُوف فِي هَذَا الْموضع من التِّلَاوَة قراءتان، إِحْدَاهمَا: " وَإِنِّي خفت الموَالِي " بِمَعْنى: قَلَّتِ الموَالِي، فالموالي فِي هَذِهِ الْقِرَاءَة ساكنه، وَهِي فِي مَوضِع رفع بِالْفِعْلِ. رُوِيَت هَذِهِ الْقِرَاءَة عَنْ عُثْمَان بْن عَفَّان ﵁ وَعدد من مُتَقَدِّمي القرأة، وَالْقِرَاءَة الثَّانِيَة: وَإِنِّي خِفْتُ، من الْخَوْف الموالِيَ بِالنّصب، إِذْ هِيَ مفعول بهَا. وَهَذَا بَاب وَاسع مُسْتَقْصًى فِي كتبنَا الْمُؤَلّفَة فِي عُلُوم التَّنْزِيل والتأويل، وَالْمَعْرُوف مِمَّا نَقله رُوَاة الشّعْر فِي بَيت الْأَعْشَى: فَتى لَو يُنَادي الشَّمْس، فِيهِ وَجْهَان من التَّفْسِير. أَحَدهمَا: أَن يَكُون من الدُّعَاء والمناداة، وَالْمعْنَى: لَو دَعَاهَا لأجابته مُذْعِنَةً طَائِعَة. وَالْآخر: أَن يَكُون الْمَعْنى: لَو جالسها فِي النَدِيِّ والنَّادِي، وَرَوَاهُ أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بْن يَزِيد النَّحْويّ: لَو يباري من المباراة، وَهِي الْمُعَارضة، وَالْعرب تَقُولُ: فلانٌ يُباري الرّيح، أَيّ يُعَارِضها، قَالَ طرفَة: تباري عنَاقًا ناجياتٍ وأتعبت ... وظيفًا وظيفًا فَوق مورٍ مُعَبَّدِ وَقَول أَبِي تَمام: قَدْكَ، مَعْنَاهُ: حَسبك، قَالَ النَّابِغَة:

стр. 315

قَالَت: أَلا لَيْتَما هَذَا الْحمام لنا ... إِلَى حمامتنا أَو نِصْفُهُ فَقَدِ وَمعنى: اتئب: استحيي، أربيت: زِدْتَ فِي الْغُلَوَاء، مَأْخُوذ من الْغُلُوِّ وتَجَاوْز الحَدِّ، قَالَ الشَّاعِر: إِلا كَنَاشِرَةِ الَّذِي ضَيَّعْتُمُ ... كالْغُصْنِ فِي غُلَوائِهِ المتثبت والسُّجَرَاء بِالسِّين الْمُهْملَة جمع سَجِير، وَهُوَ الْقَرِيب الْوَلِيّ، فَأَما الشُّجَراء بالشين الْمُعْجَمَة فَإنَّهُ جمع شجير، وَهُوَ الْبعيد والعَدُوّ. المجلِسُ الثالِث وَالأربَعُونْ الزَّجْرُ عَنْ أَذَى الْيَتِيم حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْمَجِيدِ الْمُقْرِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يُوسُفَ الْفُلُوسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بن سُفْيَان القطيغي، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ الْيَتِيمَ إِذَا بَكَى اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِبُكَائِهِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ أَبْكَى عَبْدِي وَأَنَا قَبَضْتُ أَبَاهُ وَوَارَيْتُهُ فِي التُّرَابِ؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا لَا عِلْمَ لَنَا، قَالَ: اشْهَدُوا أَنْ مَنْ آوَاهُ أَرْضَيْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". تَعْلِيق الْمُؤلف قَالَ القَاضِي: فِي هَذَا الْخَبَر زجر عَنْ أَذَى الْيَتِيم وترغيب فِي التعطفِ عَلَيْه، وَالْإِحْسَان إِلَيْهِ، والعقول السليمة والفطن السوية، تُنْبِئان عَنْ حَظْر ظُلْمه، وَحسن حفظه وتَعَهُّدِه، وَمَا أَتَى عَنِ اللَّه فِي مُحكم تَنْزِيله وعَلى لِسَان رَسُوله من التوصية بِهِ، والتوعد بأليم الْعقَاب عَلَى ظلمه، كثير ظَاهر، قَدْ قَامَت الحجَّة بِهِ واستفاض الْعلم بِصِحَّتِهِ، فِي خاصَّةِ الْمُسْلِمِين وعامتهم، ومأموميهم وأئمتهم، فاتقى امرؤٌ ربه، وَخَافَ مقَامه، وأشفق مِمَّا هُوَ أَمَامه، وتدبر قَول الله : " وليخشن الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا، إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وسيصلون سعيراً " فَإِن هَذَا الَّذِي تلوناه فِي نَظَائِره من التَّنْزِيل أَجْزلُ لفظٍ وأبلغ وعظ، وَفِي فضل المصيخ إِلَيْهِ، وَالْعَامِل عَلَيْه، والقابل لَهُ، والقائم بِالْقِسْطِ فِيهِ، أوفر حَظّ. وفقنا اللَّه وَإِيَّاكُم لمرضاته وأعاننا عَلَى طَاعَته، وعَصَمَنا من مَعْصِيَته، إِنَّه جواد كريمٌ، رءوف رَحِيم. سآكلُ مِنْهَا وَلَو شققت بَطْنَك حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعُتْبِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَجَّ مُعَاوِيَةُ ﵀ وَكَانَ عَامِلَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ مَرْوَانُ، فَلَمَّا وَرَدَ الْمَدِينَةَ هَيَّأَ لَهُ مَرْوَان

стр. 316

طَعَاما فَأكْثر وَجَوَّدَهُ، فَلَمَّا حَضَرَ الْغَدَاءُ جَاءَ متطببٌ نَصْرَانِيٌّ لِمُعَاوِيَةَ فَوَقَفَ وَجَعَلَ إِذَا أَتَى لونٌ قَالَ: كُلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ هَذَا، وَإِذَا أَتَى لونٌ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يُوَافِقُهُ، قَالَ: لَا تَأْكُلْ مِنْ هَذَا. فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ غَدَائِهِمْ، أَقْبَلَ زَنْجِيَّانِ مُؤْتَزِرَانِ بربطتين بيضاويين يَدْلَحَانِ بجفنةٍ لَهَا أَرْبَعُ حَلَقَاتٍ مُتْرَعَةٍ حَيْسًا، فَلَمَّا رَآهَا مُعَاوِيَةُ اسْتَشْرَفَ لَهَا وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الطَّبِيبُ: أَيُّ شيءٍ تُرِيدُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: أُرِيد - وَالله - أَن أواقع ماترى، قَالَ: أُمَزِّقُ ثِيَابِي، قَالَ: وَلَوْ مَزَّقْتَ بَطْنَكَ، فَجَعَلَ يُدَبِّلُ مِثْلَ دَبْلِ الْبَعِيرِ وَيَقْذِفُ فِي جَوْفِهِ حَتَّى إِذَا نَهَلَ، قَالَ: يَا مَرْوَانُ! مَا حَيْسُكُمْ هَذَا؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عجوةٌ نَاعِمَةٌ، وإقطةٌ مزنية، وسمنةٌ جهنمية، قَالَ: هَذِهِ - وَاللَّهِ - الأَشْفِيَةُ جُمِعَتْ لَا كَمَا يَقُولُ هَذَا النَّصْرَانِيُّ. زهد بعض الصَّحَابَة وتَقَشُّفُهُم حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ الْخُتُلِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو السَّكَنِ زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمُّ أَبِي زَحْرُ بْنُ حصنٌٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَنْبَسَةُ بْنُ عَمْرٍو الْوَهْبِيُّ، قَالَ: مَرَّ بِنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَنَحْنُ بسرفٍ وَهُوَ يُرِيدُ الْحَجَّ، فَأَهْدَيْنَا إِلَيْهِ إِقْطًا وَسمنًا ولبناً وَطَيْرًا جَاءَتْ بِهَا الرُّعَاةُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، فَقَالَ: وَدِدْتُ أَنِّي فِي مَوْضِعِ هَذَا الطَّيْرِ حَيْثُ لَا أَرَى أَحَدًا وَلا يَرَانِي، ثُمَّ جَلَسَ يَأْكُلُ وَجَلَسْتُ آكُلُ مَعَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الأَكْلِ جَعَلَ يَلْحَسُ الصَّحْفَةَ وَيَلْعَقُ مَا فِيهَا، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن! إِن هَاهُنَا من يَكْفِيك غسلهَا، فَقَالَ: إِن لَعْقَ الصِّحَافِ يَعْدِلُ عِتْقَ الرِّقَابِ. عود إِلَى خبر مُعَاوِيَة وَأكله من الحَيْس حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الأَنْبَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ الْخُتُلِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو السُّكَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي زَحْرُ بْنُ حِصْنٍ، عَنْ جَدِّهِ حُمَيْدِ بْنِ مُنْهِبٍ، قَالَ: حَجَّ مُعَاوِيَةُ وَعَامِلُهُ عَلَى الْمَدِينَةِ مَرْوَانُ، فَاتَّخَذَ طَعَامًا فَلَمَّا حَضَرَ وَجَلَسَ يَأْكُلُ قَامَ نَصْرَانِيٌّ عَلَى رَأْسِ مُعَاوِيَةَ وَجَعَلَ يَقُولُ: كُلْ مِنْ هَذَا فَإِنَّهُ يَنْفَعُكَ، وَدَعْ هَذَا فَإِنَّهُ يَضُرُّكَ، وَأُتِيَ بَعْدَ الطَّعَامِ بجفنةٍ عظيمةٍ يَحْمِلُهَا أَسْوَدَانِ مُؤْتَزِرَانِ بِرَبْطَتَيْنِ بَيْضَاوَيْنِ، مَمْلُوءَةٍ حَيْسًا، أَحْسِبُ أَنَّ كُلَّ واحدٍ مِنْهُمَا يَحْمِلُ جَفْنَةً، فَاسْتَشْرَفَ لَهَا مُعَاوِيَةُ فَلَمَّا وُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ جَعَلَ يُدَبِّلُ مِنْهَا تَدْبِيلا، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى النَّصْرَانِيِّ وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَا تَأْكُلْ مِنْهَا وَإِلا مَزَّقْتُ ثِيَابِي، قَالَ: وَاللَّهِ لآكُلَنَّ وَلَوْ مَزَّقْتَ بَطْنَكَ، وَجَعَلَ يُمْعِنُ فِي الأَكْلِ حَتَّى اكْتَفَى، ثُمَّ قَالَ: يَا مَرْوَانُ! مَا جَفْنَتُكَ هَذِهِ؟ قَالَ: عجوةٌ ناعمة، وإقطةٌ مزينة وسمنةٌ جهنمية، قَالَ: هَذِهِ وَاللَّهِ أَشْفِيَةٌ كُلُّهَا لَا مَا يَقُولُ هَذَا النَّصْرَانِيُّ. قَالَ مُوسَى: أَبُو السُّكَيْنِ بْنُ عَبَّاسٍ خَرَجَ إِلَى الْبَادِيَةِ إِلَى شَيْخِنَا هَذَا زَحْرِ بْنِ حِصْنٍ فَكَتَبَ مِنْهُ هَذِهِ الأَخْبَارَ، وَكَانَ يُسَمِّيهَا " أَخْبَارُ الأَشْرَافِ ".

стр. 317

ابْن الْأَنْبَارِي لَا يرغب فِي تَفْسِير الحيس قَالَ القَاضِي: لما ذكر ابْن الْأَنْبَارِي الحَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَر وَهُوَ يمليه علينا سُئل أَن يُفَسِّر الحَيْس، فَأبى فروجع، فَامْتنعَ وضحر، وَكَانَ فِيمَا قَالَ: لَمْ يفسره من قلبِي فأفسره أَنَا! فعجبت من اعتلاله فِي الِامْتِنَاع من تَفْسِيره بِأَنَّهُ لَمْ يفسره من قبله، وَالنَّاس يَحْتَاجُونَ إِلَى تَفْسِير من تَأَخّر لَهُم مَا لَمْ يتقدمه فِي تَفْسِيره من رَوَاهُ قبله، وأعجب من هَذَا أَنَّهُ أورد تَفْسِيره فِي الْخَبَر نَفسه عِنْد آخِره. قَالَ القَاضِي: والحَيْس من مطاعم الْعَرَب الْمَعْرُوفَة لَهُم الْمَشْهُورَة، وَمِنْه قَول الشَّاعِر: وَإِذَا تكونُ كريهةٌ أُدْعَى لَهَا ... وَإِذَا يُحَاسُ الحَيْسُ يُدْعَى جُنْدَبُ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْلَمَ عَلَى صَفِيَّةَ بحيسٍ بَعْدَ أَنْ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا. وَقَول الرَّاوِي فِي الْخَبَر الَّذِي روينَاهُ عَنِ ابْن دُرَيد: دلحان، عني بِهِ حَمْلهما وتناولهما، وجعلهما بِمَنْزِلَة الدَّالِح الَّذِي هُوَ أحدُ من تنَاول الدَّلْو عِنْد الاسْتقاء، وَبعده الماتحُ والمائحُ. أوَّلُ من ذَكَرَ الحَيْسَ فِي شِعْره حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ: حَدَّثَنَا شيخ ذكره يُقَالُ لَهُ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن، حدّثه وَذهب عني اسْمه، عَنِ ابْن دأب، قَالَ: كَانَ ضَمْرَةُ بْن بَكْر بْن عَبْد مَنَاة، سيدَ بني كنَانَة، وَقَدْ ضم وُلِد أَعْمَامه إِلَيْهِ فأغير عَلَى إبل لَهُ فَخرج أهلُه واستنقذوها، وَكَانَ أَشَّدهم بَأْسا أَحْمَر بْن الْحَارِث بْن عَبْد مَنَاة، فَلَمَّا رَدّوا الْإِبِل عَلَى ضَمْرَة عمل حَيْسًا فأطعمه ابْنه جُنْدُب إِذْ كَانَ أحمرُ قَدْ خرج، فَعمد أحمرُ إِلَى سلاحه فلبسه وَأخذ إبِله ورَحْله، وقَالَ: وَالله لَا سَاكَنْتُ ضَمْرَة أبدا وَقَدْ عرف حسن بلائي، وَهُوَ مقبلٌ عَلَى ابْنه دوني، وقَالَ: يَا ضَمْرُ أخْبِرْني ولستَ بفاعلٍ ... وأخُوك صادقُك الَّذِي لَا يكذب هَل فِي الْقَضِيَّة أنْ إِذا استغنيتم ... وأمنتم وَأَنا الْبعيد الأجنب وَإِذَا الشَّدائدُ بالمخَنَّق مَرَّةً ... أشْجَتُكمُ فَأَنا الحبيبُ الأقربُ وَإِذا تكون شَدِيدَة أدعى لَهَا ... وَإِذا يحاس الحيس يدعى جُنْدُب عَجَبًا لتِلْك قَضِيَّة وإقامتي ... فِيكُم عَلَى تِلْكَ الْقَضِيَّة أعجبُ فأكونُ فيكمْ مثلَ عبدِ أبيكمُ ... لَا أُمَّ لي إِن كَانَ ذَاك وَلَا أبُ فَقَالَ جُنْدُب: لنا صاعٌ إِذا كِلْنَا خُصُومَنَا ... نُطَفِّفُها ونُوفِي لِلْوَفِيّ لأحمرَ حَيْسُهُ وَلنَا غِنَانا ... كَمَا أَغْنَى وَإِن عابوا الغَنِيّ فَلِذَا قَالَ عَبيدُ بْن الأبرص

стр. 318

سنُهْدِي إليكمْ أيَّ هَاتين شِئْتُمُ ... ونُعْطِيكُمُ الصَّاعَ الَّذِي قَالَ جُنْدُب الْمَشْهُور من الرِّوَايَة فِي هَذَا الشّعْر: وَإِذَا تكون كريهةُ أُدْعَى لَهَا وشديدةٌ أَيْضا، وَفِي الْبَيْت الَّذِي يَلِيهِ: ذَاكُمْ وجَدِّكُمُ الصَّغَارُ بِعَيْنِهِ ... لَا أُمَّ لي............ والهَوَانُ أَيْضا، وَقَدْ رُوِيَ: عجبٌ لتِلْك قَضِيَّة بِالرَّفْع، عَلَى أَنَّهُ - أَعنِي الْعجب - شيءٌ لَازم، مثل قَوْلهم: ويلٌ لَهُ، وَقَوله: فتربٌ لأفْوَاهِ الْوُشَاةِ وجندلٌ وَقَالُوا: تُرْبًا وجَنْدَلا، وتراباً، جَعَلُوهُ نَائِبا عَنِ الإِهانة والإِذلال. وَرُوِيَ: عجبا لتِلْك، نصبا عَلَى إِضْمَار الْفِعْل، بمنزله قَوْلهم: سَقْيًا ورَعْيًا. وَقد روى لَنَا هَذَا الْخَبَر - أَعنِي خبر ضَمْرة - عَنْ أَبِي مُحَمَّد الْأَنْبَارِي وَفِي بعض أَلْفَاظه اخْتِلاف، ولعلنا نخرجهُ فِيمَا يُسْتَقبل من مجالسنا هَذِهِ إِن شَاءَ اللَّه. طالبٌ مُشاكس حَدَّثَنَا عَليّ بْن مُحَمَّد بْن كَامِل النَّخَعِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن جَعْفَر الرُّمَّاني، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل السُّدِّيّ، قَالَ: كنتُ فِي مجلسِ مالكٍ أكتبُ عَنْهُ، فسُئِل عَنْ فَرِيضَة فِيهَا اخْتِلاف عَنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فَأجَاب فِيهَا بجوابِ زَيْد بْن ثَابِت، فَقلت: فَمَا قَالَ فِيهَا عَلِيّ بْن أَبِي طالبٍ وَعبد اللَّه بْن مَسْعُود، فَأَوْمأ إِلَى الحَجَبَةِ فَلَمَّا هَمُّوا بِي حَاصَرْتُهم وحاصروني فأعْجَزْتُهم، وبَقِيَتْ مِحْبَرتي بكُتُبِي بَيْنَ يَدَيْ مَالك، فَلَمَّا أَرَادَ أَن ينْصَرف، قَالَ لَهُ الحَجَبةُ: مَا نعملُ بكُتب الرَّجُل ومِحْبرته، فَقَالَ: اطلبوه وَلا تهيجوه بسوءٍ حَتَّى تُأْتُوني بِهِ، فَجَاءُوا إِلَيَّ فرفقوا بِي حَتَّى جِئْت مَعَهم، فَقَالَ لي: من أَيْنَ أَنْت؟ فقلتُ: من أهل الْكُوفَة، فَقَالَ لي: إِن أهل الْكُوفَة قوم مَعَهم معرفَة بأقدار الْعلمَاء، فَأَيْنَ خلَّفت الْأَدَب؟ قَالَ: قُلْتُ: إِنَّمَا ذاكَرْتُك لأستفيد، فَقَالَ: إِن عليًّا وَعبد اللَّه لَا يُنكَرُ فضلهما، وأهلُ بلدنا عَلَى قَول زَيْد، وَإِذَا كنتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ قومٍ فَلَا تبؤهم بِمَا لَا يعْرفُونَ فيبدأَك مِنْهُم مَا تكره. قَالَ: ثُمّ حججتُ من سَنَتِي وقدمتُ الشَّام، فدخلتُ دمشق فجلستُ فِي حلقه الْوَلِيدِ بْن مُسْلِم، فَلم أصبرْ أَن سألتُه عَنْ مَسْأَلَة فَأصَاب، فَقلت: أخطأتَ يَا أَبِي الْعَبَّاس، فَقَالَ: تُخَطِّئُني فِي الصَّواب وتلحنُ فِي الْإِعْرَاب، فَقلت: خَفَضْتُكَ كَمَا خَفَضَك ربُّك، وداخلتُه الاحتجاجَ فَمَالَ الناسُ إليّ وتركُوه، وَقَالُوا: أهلُ الْكُوفَة أهلُ الْفِقه وَالْعلم، فَخفت أَن يندأني مِنْهُ مَا ندأني من مَالك بْن أَنَس، فَإِذا رجلٌ لَهُ حلمٌ ودينٌ وَزَعَهُ عَنِ الْإِقْدَام. السَّفَلَة، وسفلة السفلة حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن مُحَمَّد بن الْجراح الضراب، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن مُحَمَّد بْن أَمِين، قَالَ:

стр. 319

حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أوَيْس، قَالَ: سَمِعْتُ مَالك بْن أَنَس، يَقُولُ: قَالَ ربيعةٌ الرَّأْي: يَا مَالِك! مَن السَّفِلَةُ؟ قَالَ: من أكل بِدِينِهِ، قَالَ: فَمنْ سَفِلَةُ السفلة؟ قَالَ: قُلْتُ: من أصلح دُنْيَا غَيره بفسادِ دينه، قَالَ: زِهْ، صَدَقْتَني. شهرة قاضٍ بالغلمان حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل الصَّفَّار، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا العيناء فِي مجْلِس أَبِي الْعَبَّاس مُحَمَّد بْن يَزِيد، قَالَ: كنتُ فِي مجلسِ أَبِي عَاصِم النَّبِيل، وَكَانَ أَبُو بَكْر بْن يَحْيَى بْن أَكْثَم حَاضرا فنازع غُلامًا، فارتفعَ الصَّوْتُ، فَقَالَ أَبُو عَاصِم: مَهْيَم؟ فَقَالُوا: هَذَا أَبُو بكر ابْن يَحْيَى بْن أَكْثَم ينازعُ غُلامًا، فَقَالَ: إِن يَسْرقْ فقد سَرَقَ أبٌ لَهُ من قبل. وحكاية أُخْرَى فِي الْمَعْنى حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الحكيمي، قَالَ: قَالَ أَبُو عبيد الله مُحَمَّد ابْن الْقَاسِم: لما عُزِل إِسْمَاعِيل بْن حَمَّاد عَنِ الْبَصْرَة، شيَّعُوه فَقَالُوا: عَفَفْت عَنْ أَمْوَالنَا وَعَن دمائنا، فَقَالَ إِسْمَاعِيل: وَعَن أَبْنَائِكُم. يُعَرِّض بِيَحْيَى بْن أَكْثَم من اللُّواط. وقاضٍ تَفْتِنُه حسناء وَحَدَّثَنَا الحكيمي، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه: وَكَانَ الْحَسَن بْن عَبْد اللَّه بْن الْحَسَن العَنْبري قَاضِيا عندنَا فِي الْفِتْنَة، وَكَانَ عَابِسا كالِحًا، فَقدمت إِلَيْهِ جاريةٌ لبَعض أَهْل الْبَصْرَة تُخَاصِم فِي مِيرَاث، وَكَانَت حَسَنَة الْوَجْه، فتبسَّمَ وكَلَّمها، فَقَالَ عَبْد الصَّمد بْن المعذَّل: وَلما سَفَرَتْ عَنْهَا الْقِناع متيمٌ ... تَرَوَّحَ مِنْهَا العنبريُّ مُتَيَّمَا رَأَى ابنُ عَبْد اللَّهِ وَهُوَ محكمٌ ... عَلَيْهَا، لَهَا طرفا عَلَيْه مُحَكّما وَكَانَ قَدِيما عَابَس الْوَجْه كالحًا ... فَلَمَّا رَأَى مِنْهَا السُّفُورَ تَبسَّما فَإِن يَصبُ قلبُ الْعَنْبَري فقبلها ... صَبَا باليتامى قلبُ يَحْيَى بْن أكثما مصدر فَاعل الفعال والمفاعلة قَالَ القَاضِي: قولُ أبي العيناء فِي الْحِكَايَة الأولى من حكايتيه هَاتين فِي قَول إِسْمَاعِيل مَا قَالَه يعرِّض بِيَحْيَى بْن أَكْثَم باللواط هَكَذَا قَالَ: فاللِّوَاط مصدر لاوط يلاوط ومصدره لواطٌ ومُلاوطة فِي الْقيَاس، مثل زانى يزاني مُزاناةً وزِناءً، وَقَاتل يُقَاتل قِتالا ومُقاتلة، فِي نَظَائِر ذَلِكَ من بَاب الْفِعال والمفاعلة، وأتى بِالْمَصْدَرِ فِيهِ صَحِيحا بِالْوَاو لصِحَّة فعله، وَذَلِكَ لاوط يلاوط وَلَو كَانَ مصدر لَا يلوط لأُعِلَّ إعلال فعله فَقِيل لَاطَ لياطًا، وقُلبت واوه يَاء لانكسار مَا قبلهَا، أَلا ترى أَنهم يَقُولُونَ: قَامَ قيَاما فِي مصدر قَامَ يقوم، وقوام فِي مصدر قاوم يُقَاوم، قَالَ اللَّه تَعَالَى: " قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُم لِوَاذًا " فلواذًا مصدر لاوذ يلاوذ، فَأَما مصدر لَاذَ يلوذ يُقَال فِيهِ:

стр. 320

لَاذَ لياذ، قَالَ حَسَّان بْن ثَابِت فِي مصدر " لاوذ ": وقريشٌ تفِرُّ مِنْهُم لِوَاذًا ... لَمْ يُقيمُوا وخَفَّ مِنْهَا الْحُلُومُ وقَالَ ذُو الرمة فِي مصدر " لَاذَ ": تَلُوذُ من الشَّمْس أطْلاؤُهَا ... لِيَاذَ الغَرِيم من الطَّالِبِ وَفِي استقصاء تصريف هَذَا الْجِنْس من الْأَفْعَال والمصادر، وذُكِر أُصُوله تَقْديرا وتقريرًا، وتمييز مقايسه تَفْصِيلًا وتحريراً، طولٌ، وَله مَوضِع وَهُوَ أولى بِهِ. أَيُّهُمَا الأَصْل الْفِعْل أم الْمصدر وَقَدْ تعلق نحاة الْكُوفِيّين عَلَى أَصْحَابنَا الْبَصرِيين بِأَنَّهُم قَد اتَّفقُوا عَلَى حمل الْمصدر فِي الإعتلال على الْفِعْل فأجروه مجْرى التَّابِع التَّالِي لَهُ، وَأَن هَذَا يدلُّ عَلَى صِحة قَوْلِ مَنْ قَدَّم الْفِعْل فَجعل المصدرَ مأخوذًا مِنْهُ، وَفَسَاد قَول الْبَصرِيين بِتَقْدِيم المصدرِ وَالْحكم بِأَنَّهُ أُخذ مِنْهُ الْفِعْل. وللبصريِّين جوابٌ عَنْ هَذَا وانفصال مِنْهُ، وَذَلِكَ أَن كُره اخْتِلاف الْجُمْلَة واضطراب الْبَاب، وأوثر التَّوْفِيق بَيْنَ بعضه وَبَعض، فَلَمَّا حضر معنى أوْجَبَ اعتلال الْفِعْل اعَتَلَّ الْمصدر، عَلَى أَن المعتلَّ من المصادر مَا كَانَ متجاوزاً الأَصْل فَإِنَّهُ هُوَ أولٌ فِي الْحَقِيقَة لَهُ، أَلا ترى أَن أصل الْمصدر فِي الْقيام قَامَ قَوْمَةً وقَوْمًا عَلَى أصل الْقيَاس فِي التَّقْدِير، مثل: صَامَ صوما وعام عومًا ورام رومًا. وَمن فَائِدَة الاخْتِلاف فِي أبنية المصادر يحصل الْفرق بَين الْمعَانِي الْمُخْتَلفَة، كَقَوْلِهِم: وِجْدانٌ فِي المَال، وَوُجُود فِي الإِدراك، ومَوْجِدَةٌ فِي الْغَضَب، ووجدٌ فِي الْغنى، وجدةٌ فِي المَال، ووجدٌ فِي الحبِّ وَالْغَضَب، وَالْفِعْل فِيهِ كُلُّه وَجَد يَجِد، وفَرَّع المولَّدُون من هَذَا قَوْلهم: وجادةٌ: مَا كَانَ من الْعلم أَخَذَ من صحيفَة من غَيْر سَماع وَلا إجَازَة وَلا مناولة. وَمثل هَذَا فِي الْأَسْمَاء الَّتِي حُفِظَتْ مصادِرُها يستفادُ بِهِ الْفرق فِي العَلاقَةِ بِالْفَتْح فِي الْمحبَّة وَالْخُصُومَة، والْعِلاقة بِالْكَسْرِ فِي السَّيْف وَالسَّوْط، وَلا خلاف فِي سبق هَذِهِ الْأَسْمَاء للأفعال وتقدمها عَلَيْهَا. وومما يبين إيثارهم توفيق الْمَفْضُول فِي الجلمة وَإِن كَانَ الْقيَاس يَقْتَضِي لشَيْء مِنْهَا دون غَيره من بَابه حكما، فيُسْتَتْبَع مَا سواهُ وَإِن لَمْ يَكُنْ فِيهِ من العلَّة مَا فِيهِ، قَوْلهم: آمن، وأبدلوا من الهزة مَدَّة كَرَاهِيَة لِاجْتِمَاع الهمزتين، ثُمّ حملُوا عَلَيْه يُومن وتُومن ونُومن للتوفيق والتسوية، وَإِن كَانُوا قَدْ يقرونه عَلَى أَصله، ويتركون إِلْحَاقه بِمَا الْعِلَّة خَاصَّة فِيهِ. وَفِي شرح هَذَا الْبَاب وَبسط القَوْل فِيهِ طول لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه، والفَرَّاء وَهُوَ مِنْ أَنْبَهِ مُخَالِفِي البَصْريَّين فِي هَذَا الفَضْل وأعلَمِهِم وأَنْظَرِهم فِي قِيَاسه واستدلاله قَد احْتج فِي اسْتِحْقَاق الْفِعْل الْمَاضِي الْفَتْح يحملهُ إِيَّاه عَلَى التَّثْنِيَة فِي قَوْلك: جَلَسَ وجَلَسَا، فألزم
следующие страницы →