Полный текст (740 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
طَعَاما فَأكْثر وَجَوَّدَهُ، فَلَمَّا حَضَرَ الْغَدَاءُ جَاءَ متطببٌ نَصْرَانِيٌّ لِمُعَاوِيَةَ فَوَقَفَ وَجَعَلَ إِذَا أَتَى لونٌ قَالَ: كُلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ هَذَا، وَإِذَا أَتَى لونٌ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يُوَافِقُهُ، قَالَ: لَا تَأْكُلْ مِنْ هَذَا.
فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ غَدَائِهِمْ، أَقْبَلَ زَنْجِيَّانِ مُؤْتَزِرَانِ بربطتين بيضاويين يَدْلَحَانِ بجفنةٍ لَهَا أَرْبَعُ حَلَقَاتٍ مُتْرَعَةٍ حَيْسًا، فَلَمَّا رَآهَا مُعَاوِيَةُ اسْتَشْرَفَ لَهَا وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الطَّبِيبُ: أَيُّ شيءٍ تُرِيدُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: أُرِيد - وَالله - أَن أواقع ماترى، قَالَ: أُمَزِّقُ ثِيَابِي، قَالَ: وَلَوْ مَزَّقْتَ بَطْنَكَ، فَجَعَلَ يُدَبِّلُ مِثْلَ دَبْلِ الْبَعِيرِ وَيَقْذِفُ فِي جَوْفِهِ حَتَّى إِذَا نَهَلَ، قَالَ: يَا مَرْوَانُ! مَا حَيْسُكُمْ هَذَا؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عجوةٌ نَاعِمَةٌ، وإقطةٌ مزنية، وسمنةٌ جهنمية، قَالَ: هَذِهِ - وَاللَّهِ - الأَشْفِيَةُ جُمِعَتْ لَا كَمَا يَقُولُ هَذَا النَّصْرَانِيُّ.
زهد بعض الصَّحَابَة وتَقَشُّفُهُم
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ الْخُتُلِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو السَّكَنِ زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمُّ أَبِي زَحْرُ بْنُ حصنٌٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَنْبَسَةُ بْنُ عَمْرٍو الْوَهْبِيُّ، قَالَ: مَرَّ بِنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَنَحْنُ بسرفٍ وَهُوَ يُرِيدُ الْحَجَّ، فَأَهْدَيْنَا إِلَيْهِ إِقْطًا وَسمنًا ولبناً وَطَيْرًا جَاءَتْ بِهَا الرُّعَاةُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، فَقَالَ: وَدِدْتُ أَنِّي فِي مَوْضِعِ هَذَا الطَّيْرِ حَيْثُ لَا أَرَى أَحَدًا وَلا يَرَانِي، ثُمَّ جَلَسَ يَأْكُلُ وَجَلَسْتُ آكُلُ مَعَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الأَكْلِ جَعَلَ يَلْحَسُ الصَّحْفَةَ وَيَلْعَقُ مَا فِيهَا، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن! إِن هَاهُنَا من يَكْفِيك غسلهَا، فَقَالَ: إِن لَعْقَ الصِّحَافِ يَعْدِلُ عِتْقَ الرِّقَابِ.
عود إِلَى خبر مُعَاوِيَة وَأكله من الحَيْس
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الأَنْبَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ الْخُتُلِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو السُّكَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي زَحْرُ بْنُ حِصْنٍ، عَنْ جَدِّهِ حُمَيْدِ بْنِ مُنْهِبٍ، قَالَ: حَجَّ مُعَاوِيَةُ وَعَامِلُهُ عَلَى الْمَدِينَةِ مَرْوَانُ، فَاتَّخَذَ طَعَامًا فَلَمَّا حَضَرَ وَجَلَسَ يَأْكُلُ قَامَ نَصْرَانِيٌّ عَلَى رَأْسِ مُعَاوِيَةَ وَجَعَلَ يَقُولُ: كُلْ مِنْ هَذَا فَإِنَّهُ يَنْفَعُكَ، وَدَعْ هَذَا فَإِنَّهُ يَضُرُّكَ، وَأُتِيَ بَعْدَ الطَّعَامِ بجفنةٍ عظيمةٍ يَحْمِلُهَا أَسْوَدَانِ مُؤْتَزِرَانِ بِرَبْطَتَيْنِ بَيْضَاوَيْنِ، مَمْلُوءَةٍ حَيْسًا، أَحْسِبُ أَنَّ كُلَّ واحدٍ مِنْهُمَا يَحْمِلُ جَفْنَةً، فَاسْتَشْرَفَ لَهَا مُعَاوِيَةُ فَلَمَّا وُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ جَعَلَ يُدَبِّلُ مِنْهَا تَدْبِيلا، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى النَّصْرَانِيِّ وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَا تَأْكُلْ مِنْهَا وَإِلا مَزَّقْتُ ثِيَابِي، قَالَ: وَاللَّهِ لآكُلَنَّ وَلَوْ مَزَّقْتَ بَطْنَكَ، وَجَعَلَ يُمْعِنُ فِي الأَكْلِ حَتَّى اكْتَفَى، ثُمَّ قَالَ: يَا مَرْوَانُ! مَا جَفْنَتُكَ هَذِهِ؟ قَالَ: عجوةٌ ناعمة، وإقطةٌ مزينة وسمنةٌ جهنمية، قَالَ: هَذِهِ وَاللَّهِ أَشْفِيَةٌ كُلُّهَا لَا مَا يَقُولُ هَذَا النَّصْرَانِيُّ.
قَالَ مُوسَى: أَبُو السُّكَيْنِ بْنُ عَبَّاسٍ خَرَجَ إِلَى الْبَادِيَةِ إِلَى شَيْخِنَا هَذَا زَحْرِ بْنِ حِصْنٍ فَكَتَبَ مِنْهُ هَذِهِ الأَخْبَارَ، وَكَانَ يُسَمِّيهَا " أَخْبَارُ الأَشْرَافِ ".
стр. 317
ابْن الْأَنْبَارِي لَا يرغب فِي تَفْسِير الحيس
قَالَ القَاضِي: لما ذكر ابْن الْأَنْبَارِي الحَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَر وَهُوَ يمليه علينا سُئل أَن يُفَسِّر الحَيْس، فَأبى فروجع، فَامْتنعَ وضحر، وَكَانَ فِيمَا قَالَ: لَمْ يفسره من قلبِي فأفسره أَنَا! فعجبت من اعتلاله فِي الِامْتِنَاع من تَفْسِيره بِأَنَّهُ لَمْ يفسره من قبله، وَالنَّاس يَحْتَاجُونَ إِلَى تَفْسِير من تَأَخّر لَهُم مَا لَمْ يتقدمه فِي تَفْسِيره من رَوَاهُ قبله، وأعجب من هَذَا أَنَّهُ أورد تَفْسِيره فِي الْخَبَر نَفسه عِنْد آخِره.
قَالَ القَاضِي: والحَيْس من مطاعم الْعَرَب الْمَعْرُوفَة لَهُم الْمَشْهُورَة، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
وَإِذَا تكونُ كريهةٌ أُدْعَى لَهَا ... وَإِذَا يُحَاسُ الحَيْسُ يُدْعَى جُنْدَبُ
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْلَمَ عَلَى صَفِيَّةَ بحيسٍ بَعْدَ أَنْ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا.
وَقَول الرَّاوِي فِي الْخَبَر الَّذِي روينَاهُ عَنِ ابْن دُرَيد: دلحان، عني بِهِ حَمْلهما وتناولهما، وجعلهما بِمَنْزِلَة الدَّالِح الَّذِي هُوَ أحدُ من تنَاول الدَّلْو عِنْد الاسْتقاء، وَبعده الماتحُ والمائحُ.
أوَّلُ من ذَكَرَ الحَيْسَ فِي شِعْره
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ: حَدَّثَنَا شيخ ذكره يُقَالُ لَهُ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن، حدّثه وَذهب عني اسْمه، عَنِ ابْن دأب، قَالَ: كَانَ ضَمْرَةُ بْن بَكْر بْن عَبْد مَنَاة، سيدَ بني كنَانَة، وَقَدْ ضم وُلِد أَعْمَامه إِلَيْهِ فأغير عَلَى إبل لَهُ فَخرج أهلُه واستنقذوها، وَكَانَ أَشَّدهم بَأْسا أَحْمَر بْن الْحَارِث بْن عَبْد مَنَاة، فَلَمَّا رَدّوا الْإِبِل عَلَى ضَمْرَة عمل حَيْسًا فأطعمه ابْنه جُنْدُب إِذْ كَانَ أحمرُ قَدْ خرج، فَعمد أحمرُ إِلَى سلاحه فلبسه وَأخذ إبِله ورَحْله، وقَالَ: وَالله لَا سَاكَنْتُ ضَمْرَة أبدا وَقَدْ عرف حسن بلائي، وَهُوَ مقبلٌ عَلَى ابْنه دوني، وقَالَ:
يَا ضَمْرُ أخْبِرْني ولستَ بفاعلٍ ... وأخُوك صادقُك الَّذِي لَا يكذب
هَل فِي الْقَضِيَّة أنْ إِذا استغنيتم ... وأمنتم وَأَنا الْبعيد الأجنب
وَإِذَا الشَّدائدُ بالمخَنَّق مَرَّةً ... أشْجَتُكمُ فَأَنا الحبيبُ الأقربُ
وَإِذا تكون شَدِيدَة أدعى لَهَا ... وَإِذا يحاس الحيس يدعى جُنْدُب
عَجَبًا لتِلْك قَضِيَّة وإقامتي ... فِيكُم عَلَى تِلْكَ الْقَضِيَّة أعجبُ
فأكونُ فيكمْ مثلَ عبدِ أبيكمُ ... لَا أُمَّ لي إِن كَانَ ذَاك وَلَا أبُ
فَقَالَ جُنْدُب:
لنا صاعٌ إِذا كِلْنَا خُصُومَنَا ... نُطَفِّفُها ونُوفِي لِلْوَفِيّ
لأحمرَ حَيْسُهُ وَلنَا غِنَانا ... كَمَا أَغْنَى وَإِن عابوا الغَنِيّ
فَلِذَا قَالَ عَبيدُ بْن الأبرص
стр. 318
سنُهْدِي إليكمْ أيَّ هَاتين شِئْتُمُ ... ونُعْطِيكُمُ الصَّاعَ الَّذِي قَالَ جُنْدُب
الْمَشْهُور من الرِّوَايَة فِي هَذَا الشّعْر:
وَإِذَا تكون كريهةُ أُدْعَى لَهَا
وشديدةٌ أَيْضا، وَفِي الْبَيْت الَّذِي يَلِيهِ:
ذَاكُمْ وجَدِّكُمُ الصَّغَارُ بِعَيْنِهِ ... لَا أُمَّ لي............
والهَوَانُ أَيْضا، وَقَدْ رُوِيَ: عجبٌ لتِلْك قَضِيَّة بِالرَّفْع، عَلَى أَنَّهُ - أَعنِي الْعجب - شيءٌ لَازم، مثل قَوْلهم: ويلٌ لَهُ، وَقَوله:
فتربٌ لأفْوَاهِ الْوُشَاةِ وجندلٌ
وَقَالُوا: تُرْبًا وجَنْدَلا، وتراباً، جَعَلُوهُ نَائِبا عَنِ الإِهانة والإِذلال.
وَرُوِيَ: عجبا لتِلْك، نصبا عَلَى إِضْمَار الْفِعْل، بمنزله قَوْلهم: سَقْيًا ورَعْيًا.
وَقد روى لَنَا هَذَا الْخَبَر - أَعنِي خبر ضَمْرة - عَنْ أَبِي مُحَمَّد الْأَنْبَارِي وَفِي بعض أَلْفَاظه اخْتِلاف، ولعلنا نخرجهُ فِيمَا يُسْتَقبل من مجالسنا هَذِهِ إِن شَاءَ اللَّه.
طالبٌ مُشاكس
حَدَّثَنَا عَليّ بْن مُحَمَّد بْن كَامِل النَّخَعِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن جَعْفَر الرُّمَّاني، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل السُّدِّيّ، قَالَ: كنتُ فِي مجلسِ مالكٍ أكتبُ عَنْهُ، فسُئِل عَنْ فَرِيضَة فِيهَا اخْتِلاف عَنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فَأجَاب فِيهَا بجوابِ زَيْد بْن ثَابِت، فَقلت: فَمَا قَالَ فِيهَا عَلِيّ بْن أَبِي طالبٍ وَعبد اللَّه بْن مَسْعُود، فَأَوْمأ إِلَى الحَجَبَةِ فَلَمَّا هَمُّوا بِي حَاصَرْتُهم وحاصروني فأعْجَزْتُهم، وبَقِيَتْ مِحْبَرتي بكُتُبِي بَيْنَ يَدَيْ مَالك، فَلَمَّا أَرَادَ أَن ينْصَرف، قَالَ لَهُ الحَجَبةُ: مَا نعملُ بكُتب الرَّجُل ومِحْبرته، فَقَالَ: اطلبوه وَلا تهيجوه بسوءٍ حَتَّى تُأْتُوني بِهِ، فَجَاءُوا إِلَيَّ فرفقوا بِي حَتَّى جِئْت مَعَهم، فَقَالَ لي: من أَيْنَ أَنْت؟ فقلتُ: من أهل الْكُوفَة، فَقَالَ لي: إِن أهل الْكُوفَة قوم مَعَهم معرفَة بأقدار الْعلمَاء، فَأَيْنَ خلَّفت الْأَدَب؟ قَالَ: قُلْتُ: إِنَّمَا ذاكَرْتُك لأستفيد، فَقَالَ: إِن عليًّا وَعبد اللَّه لَا يُنكَرُ فضلهما، وأهلُ بلدنا عَلَى قَول زَيْد، وَإِذَا كنتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ قومٍ فَلَا تبؤهم بِمَا لَا يعْرفُونَ فيبدأَك مِنْهُم مَا تكره.
قَالَ: ثُمّ حججتُ من سَنَتِي وقدمتُ الشَّام، فدخلتُ دمشق فجلستُ فِي حلقه الْوَلِيدِ بْن مُسْلِم، فَلم أصبرْ أَن سألتُه عَنْ مَسْأَلَة فَأصَاب، فَقلت: أخطأتَ يَا أَبِي الْعَبَّاس، فَقَالَ: تُخَطِّئُني فِي الصَّواب وتلحنُ فِي الْإِعْرَاب، فَقلت: خَفَضْتُكَ كَمَا خَفَضَك ربُّك، وداخلتُه الاحتجاجَ فَمَالَ الناسُ إليّ وتركُوه، وَقَالُوا: أهلُ الْكُوفَة أهلُ الْفِقه وَالْعلم، فَخفت أَن يندأني مِنْهُ مَا ندأني من مَالك بْن أَنَس، فَإِذا رجلٌ لَهُ حلمٌ ودينٌ وَزَعَهُ عَنِ الْإِقْدَام.
السَّفَلَة، وسفلة السفلة
حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن مُحَمَّد بن الْجراح الضراب، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن مُحَمَّد بْن أَمِين، قَالَ:
стр. 319
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أوَيْس، قَالَ: سَمِعْتُ مَالك بْن أَنَس، يَقُولُ: قَالَ ربيعةٌ الرَّأْي: يَا مَالِك! مَن السَّفِلَةُ؟ قَالَ: من أكل بِدِينِهِ، قَالَ: فَمنْ سَفِلَةُ السفلة؟ قَالَ: قُلْتُ: من أصلح دُنْيَا غَيره بفسادِ دينه، قَالَ: زِهْ، صَدَقْتَني.
شهرة قاضٍ بالغلمان
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل الصَّفَّار، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا العيناء فِي مجْلِس أَبِي الْعَبَّاس مُحَمَّد بْن يَزِيد، قَالَ: كنتُ فِي مجلسِ أَبِي عَاصِم النَّبِيل، وَكَانَ أَبُو بَكْر بْن يَحْيَى بْن أَكْثَم حَاضرا فنازع غُلامًا، فارتفعَ الصَّوْتُ، فَقَالَ أَبُو عَاصِم: مَهْيَم؟ فَقَالُوا: هَذَا أَبُو بكر ابْن يَحْيَى بْن أَكْثَم ينازعُ غُلامًا، فَقَالَ: إِن يَسْرقْ فقد سَرَقَ أبٌ لَهُ من قبل.
وحكاية أُخْرَى فِي الْمَعْنى
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الحكيمي، قَالَ: قَالَ أَبُو عبيد الله مُحَمَّد ابْن الْقَاسِم: لما عُزِل إِسْمَاعِيل بْن حَمَّاد عَنِ الْبَصْرَة، شيَّعُوه فَقَالُوا: عَفَفْت عَنْ أَمْوَالنَا وَعَن دمائنا، فَقَالَ إِسْمَاعِيل: وَعَن أَبْنَائِكُم. يُعَرِّض بِيَحْيَى بْن أَكْثَم من اللُّواط.
وقاضٍ تَفْتِنُه حسناء
وَحَدَّثَنَا الحكيمي، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه: وَكَانَ الْحَسَن بْن عَبْد اللَّه بْن الْحَسَن العَنْبري قَاضِيا عندنَا فِي الْفِتْنَة، وَكَانَ عَابِسا كالِحًا، فَقدمت إِلَيْهِ جاريةٌ لبَعض أَهْل الْبَصْرَة تُخَاصِم فِي مِيرَاث، وَكَانَت حَسَنَة الْوَجْه، فتبسَّمَ وكَلَّمها، فَقَالَ عَبْد الصَّمد بْن المعذَّل:
وَلما سَفَرَتْ عَنْهَا الْقِناع متيمٌ ... تَرَوَّحَ مِنْهَا العنبريُّ مُتَيَّمَا
رَأَى ابنُ عَبْد اللَّهِ وَهُوَ محكمٌ ... عَلَيْهَا، لَهَا طرفا عَلَيْه مُحَكّما
وَكَانَ قَدِيما عَابَس الْوَجْه كالحًا ... فَلَمَّا رَأَى مِنْهَا السُّفُورَ تَبسَّما
فَإِن يَصبُ قلبُ الْعَنْبَري فقبلها ... صَبَا باليتامى قلبُ يَحْيَى بْن أكثما
مصدر فَاعل الفعال والمفاعلة
قَالَ القَاضِي: قولُ أبي العيناء فِي الْحِكَايَة الأولى من حكايتيه هَاتين فِي قَول إِسْمَاعِيل مَا قَالَه يعرِّض بِيَحْيَى بْن أَكْثَم باللواط هَكَذَا قَالَ:
فاللِّوَاط مصدر لاوط يلاوط ومصدره لواطٌ ومُلاوطة فِي الْقيَاس، مثل زانى يزاني مُزاناةً وزِناءً، وَقَاتل يُقَاتل قِتالا ومُقاتلة، فِي نَظَائِر ذَلِكَ من بَاب الْفِعال والمفاعلة، وأتى بِالْمَصْدَرِ فِيهِ صَحِيحا بِالْوَاو لصِحَّة فعله، وَذَلِكَ لاوط يلاوط وَلَو كَانَ مصدر لَا يلوط لأُعِلَّ إعلال فعله فَقِيل لَاطَ لياطًا، وقُلبت واوه يَاء لانكسار مَا قبلهَا، أَلا ترى أَنهم يَقُولُونَ: قَامَ قيَاما فِي مصدر قَامَ يقوم، وقوام فِي مصدر قاوم يُقَاوم، قَالَ اللَّه تَعَالَى: " قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُم لِوَاذًا " فلواذًا مصدر لاوذ يلاوذ، فَأَما مصدر لَاذَ يلوذ يُقَال فِيهِ:
стр. 320
لَاذَ لياذ، قَالَ حَسَّان بْن ثَابِت فِي مصدر " لاوذ ":
وقريشٌ تفِرُّ مِنْهُم لِوَاذًا ... لَمْ يُقيمُوا وخَفَّ مِنْهَا الْحُلُومُ
وقَالَ ذُو الرمة فِي مصدر " لَاذَ ":
تَلُوذُ من الشَّمْس أطْلاؤُهَا ... لِيَاذَ الغَرِيم من الطَّالِبِ
وَفِي استقصاء تصريف هَذَا الْجِنْس من الْأَفْعَال والمصادر، وذُكِر أُصُوله تَقْديرا وتقريرًا، وتمييز مقايسه تَفْصِيلًا وتحريراً، طولٌ، وَله مَوضِع وَهُوَ أولى بِهِ.
أَيُّهُمَا الأَصْل الْفِعْل أم الْمصدر
وَقَدْ تعلق نحاة الْكُوفِيّين عَلَى أَصْحَابنَا الْبَصرِيين بِأَنَّهُم قَد اتَّفقُوا عَلَى حمل الْمصدر فِي الإعتلال على الْفِعْل فأجروه مجْرى التَّابِع التَّالِي لَهُ، وَأَن هَذَا يدلُّ عَلَى صِحة قَوْلِ مَنْ قَدَّم الْفِعْل فَجعل المصدرَ مأخوذًا مِنْهُ، وَفَسَاد قَول الْبَصرِيين بِتَقْدِيم المصدرِ وَالْحكم بِأَنَّهُ أُخذ مِنْهُ الْفِعْل.
وللبصريِّين جوابٌ عَنْ هَذَا وانفصال مِنْهُ، وَذَلِكَ أَن كُره اخْتِلاف الْجُمْلَة واضطراب الْبَاب، وأوثر التَّوْفِيق بَيْنَ بعضه وَبَعض، فَلَمَّا حضر معنى أوْجَبَ اعتلال الْفِعْل اعَتَلَّ الْمصدر، عَلَى أَن المعتلَّ من المصادر مَا كَانَ متجاوزاً الأَصْل فَإِنَّهُ هُوَ أولٌ فِي الْحَقِيقَة لَهُ، أَلا ترى أَن أصل الْمصدر فِي الْقيام قَامَ قَوْمَةً وقَوْمًا عَلَى أصل الْقيَاس فِي التَّقْدِير، مثل: صَامَ صوما وعام عومًا ورام رومًا.
وَمن فَائِدَة الاخْتِلاف فِي أبنية المصادر يحصل الْفرق بَين الْمعَانِي الْمُخْتَلفَة، كَقَوْلِهِم: وِجْدانٌ فِي المَال، وَوُجُود فِي الإِدراك، ومَوْجِدَةٌ فِي الْغَضَب، ووجدٌ فِي الْغنى، وجدةٌ فِي المَال، ووجدٌ فِي الحبِّ وَالْغَضَب، وَالْفِعْل فِيهِ كُلُّه وَجَد يَجِد، وفَرَّع المولَّدُون من هَذَا قَوْلهم: وجادةٌ: مَا كَانَ من الْعلم أَخَذَ من صحيفَة من غَيْر سَماع وَلا إجَازَة وَلا مناولة.
وَمثل هَذَا فِي الْأَسْمَاء الَّتِي حُفِظَتْ مصادِرُها يستفادُ بِهِ الْفرق فِي العَلاقَةِ بِالْفَتْح فِي الْمحبَّة وَالْخُصُومَة، والْعِلاقة بِالْكَسْرِ فِي السَّيْف وَالسَّوْط، وَلا خلاف فِي سبق هَذِهِ الْأَسْمَاء للأفعال وتقدمها عَلَيْهَا.
وومما يبين إيثارهم توفيق الْمَفْضُول فِي الجلمة وَإِن كَانَ الْقيَاس يَقْتَضِي لشَيْء مِنْهَا دون غَيره من بَابه حكما، فيُسْتَتْبَع مَا سواهُ وَإِن لَمْ يَكُنْ فِيهِ من العلَّة مَا فِيهِ، قَوْلهم: آمن، وأبدلوا من الهزة مَدَّة كَرَاهِيَة لِاجْتِمَاع الهمزتين، ثُمّ حملُوا عَلَيْه يُومن وتُومن ونُومن للتوفيق والتسوية، وَإِن كَانُوا قَدْ يقرونه عَلَى أَصله، ويتركون إِلْحَاقه بِمَا الْعِلَّة خَاصَّة فِيهِ.
وَفِي شرح هَذَا الْبَاب وَبسط القَوْل فِيهِ طول لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه، والفَرَّاء وَهُوَ مِنْ أَنْبَهِ مُخَالِفِي البَصْريَّين فِي هَذَا الفَضْل وأعلَمِهِم وأَنْظَرِهم فِي قِيَاسه واستدلاله قَد احْتج فِي اسْتِحْقَاق الْفِعْل الْمَاضِي الْفَتْح يحملهُ إِيَّاه عَلَى التَّثْنِيَة فِي قَوْلك: جَلَسَ وجَلَسَا، فألزم
стр. 321
الْوَاحِد وَهُوَ مُتَقَدم حُكْم الِاثْنَيْنِ وَهُوَ بَعْده، فأتْبَع الأول الثَّانِي وعَلّق عَلَيْه حُكمه كَأَنّ ثَانِيه أولٌ لَهُ، وَمن كَانَ هَذَا مذْهبه فحقيقٌ عَلَى أَن لَا يُنكر عَلَى خَصمه مثله، وَكَيف وَقَدْ أومأنا من مَذْهَب مخالفيه إِلَى مَا يوضِّح عَنْ حَقِيقَته، ويدلُّ عَلَى صِحَّته.
عَلّمتْهُ الْحَيَاة
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْل الْأَصْفَهَانِي، قَالَ: حَدَّثَنَا بنْدَار، عَنِ الأَصْمَعِيّ، قَالَ: مَثَلَ فَتًى بَيْنَ يَدَي الحَجَّاج، فَقَالَ: أصلح اللَّه الْأَمِير، مَاتَ أَبِي وَأَنا حملٌ، وَمَاتَتْ أُمِّي وَأَنا رَضِيع، فكفلني الْغُرباء حَتَّى ترعرعتُ، فَوَثَبَ بعض أَهلِي عَلَى مَالِي فاجْتَاحَه، وَهُوَ هاربٌ مني وَمن عَدْلِ الْأَمِير. فَقَالَ الحَجَّاج: اللَّه! مَاتَ أبُوك وَأَنت حَمْلٌ وَمَاتَتْ أمُّك وَأَنت رضيعٌ وكفلك الغرباء، فَلم يمنعك ذَلِكَ من أَن فَصُح لسَانك، وأنبأت عَنْ إرادتك! اطْرُدُوا الْمُؤَدِّبين عَنْ أَوْلَادِي.
كَيفَ تختارُ أصدقاؤك ؟
حَدَّثَنَا أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الْخُتلِي، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّد ابْن عُمَر الْبَزَّاز، يذكر عَنْ مُحَمَّد بْن عَبَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَان بن عيينةن قَالَ عَلْقَمَة بْن لبيد الْعُطَارِدي، لِابْنِهِ: يَا بُنيَّ! إِن نَزَعَتْكَ إِلَى صُحبةِ الرِّجَال حاجةٌ، فاصْحَبْ من إِن صحبتَه زَانَك، وَإِن خَدَمْتَه صانك، وَإِن عَرَكت بِهِ مانك.
مَنْ إنْ قُلْتَ صَدَّق قَوْلك، وَإِن صُلْت سَدَّد صَوْلك، يزاوِلُ عَنْك مَنْ رَامَ ونَالَك.
مَنْ إِن مَدَدْتَ يَدَك يصلُ مَدَّها، وَإِن بدرَتْ مِنْك ثلمةٌ سَدَّها، وَإِن رَأَى مِنْك حَسَنَة عَدَّها.
مَنْ إِن سَأَلْتُهُ أَعْطَاك، وَإِن سَكَتَّ عَنْهُ ابتدأك.
من إِن نزلَتْ بك إِحْدَى مُلِمَّات الزَّمَان آساك، من لَا تَأْتِيك مِنْهُ البوائق، وَلا تخْتَلف عَلَيْك من الطرائق، وَلا يخذلك عِنْد الْحَقَائِق.
من إِن حاوَلْتَ حَوِيلا أمَرَك، وَإِن تَنَازَعْتُما مَنْفَسًا آثرك.
قَوْله: إِن حاولت حويلا أَي رمت أمرا طَالبا ومنازعًا أَمرك، وَيتَّجه فِي قَوْله: أَمرك وَجْهَان، أَحَدهمَا: أَن يَأْمُرك بِالصَّوَابِ فِيهِ، وَيُشِير عَلَيْك بركوب الحزم فِيمَا تحاوله، ويرشدك إِلَى وَجه الرَّأْي فِي التأتي لَهُ. وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن يَكُون معنى قَوْله: أَمِرَك كَثَّرك فِيمَا تحاوله، وأيَّدك فِيمَا تجاذِبُهُ وَتُزَاوله، وأمدك بقُوَّته، ورَفَدَكَ بمعونته، من قَوْلهم: قَدْ أَمِرَ بَنو فُلان: أَي كَثُروا، كَمَا قَالَ لبيد:
إِن يَغْبِطُوا يَهْبِطُوا وإنْ أَمِرُوا ... يَوْمًا يَصِيرُوا للذُّلِّ والعَارِ
وقَالَ آخر:
أُمُّ عيالٍ ضَنْؤُهَا أَمِرْ ... لَو نَحَرَتْ لضيْفِها عَشْرَ جُزُرْ
стр. 322
لأصبحتْ من لحمهنَّ تَعْتَذِرْ
وَقَدْ تُأُوِّل قَوْلُ اللَّهِ " أمرنَا مُتْرَفِيهَا " عَلَى وَجْهَيْن فِي قِرَاءَة الْجَمَاعَة، والوجهان: أمرنَا أَيّ أُمِرُوا بِالطَّاعَةِ ففسقوا، وَقيل: فِيهِ أكثرنا، وقرىء أمَّرنا من الْإِمَارَة، وأَمِرْنا بِمَعْنى أكثرنا، وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَن أَنَّهُ قَالَ: أمِرنا بِكَسْر الْمِيم عَلَى معنى أكثرنا، وَأنكر الفَرَّاء هَذِهِ الْقِرَاءَة وذُكِر أَن أَمر لَا يتَعَدَّى إِلَى مفعول. وَحكى أَبُو زَيْد التَّعَدِّي فِي هَذَا الْفِعْل عَنِ الْعَرَب، فصحَّت قراءةُ الْحَسَنِ من جِهَة الْعَرَبيَّة، وَإِن شَذَّتْ عَمَّا نقلتْهُ الجماعةُ فِي هَذِهِ الْكَلِمَة من الْقِرَاءَة.
واستقصاءُ هَذَا الْفِعْل وتلخيصُه، فِي مَوْضِعه من كتبنَا فِي عُلُوم التَّنْزِيل والتأويل.
المجلِسُ الرَّابِع وَالأربَعُونْ
نعيمان الصَّحَابِيّ الظريف
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الطُّوسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ - يَعْنِي ابْنَ بَكَّارٍ - قَالَ: وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو طُوَالَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ نُعَيْمَانُ، يُصِيبُ الشَّرَابَ، فَكَانَ يُؤْتَى بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَيَضْرِبُهُ بِنَعْلِهِ، وَيَأْمُرُ أَصْحَابَهُ فَيَضْرِبُونَهُ بِنِعَالِهِمْ، وَيَحْثُونَ عَلَيْهِ التُّرَابَ، فَلَمَّا كَثُرَ ذَلِكَ مِنْهُ، قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : لَعَنَكَ اللَّهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَفْعَلْ، فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
قَالَ: وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ طُرْفَةً إِلا اشْتَرَى مِنْهَا ثمَّ جَاءَ إِلَى بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذَا أَهْدَيْتُهُ لَكَ، فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهُ يُطَالِبُ نُعَيْمَانَ بِثَمَنِهِ جَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَعْطِ هَذَا ثَمَنَ مَتَاعِهِ، فَيَقُولُ رَسُول اللَّهِ ﷺ : أَوَلَمْ تُهْدِهِ إِلَيَّ؟ فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ - وَاللَّهِ - لَمْ يَكُنْ ثَمَنُهُ عِنْدِي، وَلَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ تَأْكُلَهُ، فَيَضْحَكُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَيَأْمُرُ لِصَاحِبِهِ بِثَمَنِهِ.
وَفِي هَذَا الْخَبَر مَا أبان فَضْلَ مَكَارِمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحُسْنَ فُكَاهَتِهِ وَسَعَةَ خُلُقِهِ وَسَجَاحَتِهِ. وَقَدْ رُوِّينَا أَنَّهُ كَانَ من أَفْكه النّاس، وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " إِنِّي لأَمْزَحُ وَلا أَقُولُ إِلا حَقًّا "، وَأَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُؤاخذ المَزَّاح الصَّادِق فِي مُزاحه ".
ونعيمانٌ هَذَا مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ كَثِيرَ الدُّعَابَةِ بَدِيعَ الْمُمَازَحَةِ، وَجَلَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْخَمْرِ، وَكَانَتْ لَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دعاباتٌ اسْتَحْسَنَهَا النَّاسُ وَيُعْجَبُونَ بِهَا.
مِنْهَا، مَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الطُّوسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ، قَالَ: وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَصْغَرِ بْنِ زَمْعَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
стр. 323
الأَصْغَرِ بْنِ وَهْبِ بْنِ زَمْعَةَ، عَنْ قَرِيبَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ الأَصْغَرِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِيهَا، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ: خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ قَبْلَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَامٍ فِي تِجَارَةٍ إِلَى بُصْرَى وَمَعَهُ نُعَيْمَانُ بْنُ عَمْرو الأنصاي وَسَلِيطُ بْنُ حَرْمَلَةَ، وَهُمَا مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ سَلِيطُ بْنُ حَرْمَلَةَ عَلَى الزَّادِ، وَكَانَ نُعَيْمَانُ مَزَّاحًا، فَقَالَ لِسَلِيطٍ، أَطْعِمْنِي، فَقَالَ: لَا أُطْعِمُكَ حَتَّى يَأْتِيَ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ نُعَيْمَانُ لِسَلِيطٍ: لأُغِيظَنَّكَ.
فَمَرُّوا بِقَوْمٍ فَقَالَ نُعَيْمَانُ لَهُمْ: أَتَشْتَرُونَ مِنِّي عَبْدًا لِي؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: إِنَّهُ عَبْدٌ لَهُ كَلامٌ، وَهُوَ قَائِلٌ لَكُمْ لَسْتُ بِعَبْدِهِ وَأَنَا ابْنُ عَمِّهِ، فَإِنْ كَانَ إِذَا قَالَ لَكُمْ ذَلِكَ تَرَكْتُمُوهُ فَلا تَشْتَرُوهُ وَلا تُفْسِدُوا عَلَيَّ عَبْدِي، قَالُوا: لَا، بَلْ نَشْتَرِيهِ وَلا نَنَظْرُ فِي قَوْلِهِ.
فَاشْتَرَوْهُ مِنْهُ بِعَشْرِ قَلائِصَ، ثُمَّ جَاءُوا لِيَأْخُذُوهُ فَامْتَنَعَ مِنْهُمْ، فَوَضَعُوا فِي عُنُقِهِ عِمَامَةً، فَقَالَ: لَا، إِنَّهُ يَتَهَزَّأُ وَلَسْتُ بِعَبْدِهِ، فَقَالُوا: قَدْ أُخْبِرْنَا خَبَرَكَ وَلَمْ يَسْمَعُوا كَلامَهُ.
فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَأَتْبَعَ الْقَوْمَ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ مزحٌ، وَرَدَّ عَلَيْهِمُ الْقَلائِصَ وَأَخَذَ سَلِيطًا مِنْهُمْ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ فَضَحِكَ مِنْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ جَوْلا وَأَكْثَرَ.
وَلِنعيمان أَخْبَار كَثِيرَة لَا يحْتَمل كتَابنَا هَذَا إحضارُ جَمِيعهَا، وَقَد اسْتدلَّ مُسْتَدِلُّون بِمَا أَتَى فِي الْخَبَر الأول من ثَنَاء النَّبِيّ ﷺ عَلَى نعيمان، وزجره لِلاعِنِه، ونظائره من الْأَخْبَار عَلَى فَسَاد مَذْهَب الْمُعْتَزلَة فِي وَعِيد أَهْل الصَّلاة وعَلى صِحَة تَجْوِيز الْعَفو عَنْهُمْ وَأَنَّهُمْ فِي مَشِيئَة اللَّه تَعَالَى.
وللكلام فِي هَذَا الْبَاب مَوضِع آخر.
صفة الْوَلِيد بْن يَزِيد وَبَعض شِعره
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن، عَنْ عَمه، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَرْوَان بْن أَبِي حَفْصَة، قَالَ: قَالَ لي هَارُون أَمِير الْمُؤْمِنِين: هَلْ رَأَيْت الْوَلِيد بْن يَزِيد؟ قَالَ: قُلْتُ: نعم، قَالَ: صفه لي. قَالَ: فَذَهَبت أتحرَّجُ، فَقَالَ: إِن أَمِير الْمُؤْمِنِين لَا يكره مَا تَقُولُ فَقل، فَقلت: كَانَ من أجمل النّاس وأشعرهم وأشدهم، قَالَ: أتروي من شعره شَيْئا؟ قلت: نعم، وَدخلت عَلَيْهِ مَعَ عمومتي وُلي جُمَّة فينانة. فَجعل يَقُولُ بالقضيبِ فِيهَا وَيَقُولُ: يَا غُلامُ! هَلْ وَلَدَتْكَ سُكّر؟ " أمُّ ولدٌ كَانَتْ لمروان بْن الْحَكَم، زوَّجها أَبَا حَفْصَة " فَقلت: نعم، فسمعتُه يقولُ أَنْشَدَ عمومتي:
لَيْت هاشماً عاشَ حَتَّى يرى ... مِحْلَبَهُ الأوْفَرَ قَدْ أتْرِعَا
كِلْنَا لَهُ الصَّاع الَّتِي كالها ... وَمَا ظلمناه بهَا آصُعَا
وَمَا أَتَيْنَا ذَاك عَنْ بدعةٍ ... أحَلَّها الْقُرْآن لي أجمعا
قَالَ: فَأمر هَارُون بكتابتها فَكتبت.
стр. 324
قَالَ القَاضِي: جمةٌ فينانة مَعْنَاهَا الوافرة الجثلة، وَقَول الْوَلِيد فِي شعره: مِحْلبه الأوفر: يَعْنِي: الْإِنَاء الَّذِي يحلب فِيهِ بِكَسْر ميمه، أجراه فِي بَابه الْأَعَمّ فِي الْأَوَانِي والأدوات، كالْمِخْرَف والْمِكْتل والْمِرْجل والمقطع والْمِحْيَط والْمِبْضَع، فَأَما المتَطَبَّبُ بِهِ الَّذِي تغلظ فِيهِ الْعَامَّة، فَيَقُولُونَ: الْمِحْلَب فَهُوَ المَحْلَبُ بِفَتْح الْمِيم مثل المَنْدل، وَهُوَ الْعود.
الْوَلِيد يُسَافر ليشْرب فِي حانة بِالْحيرَةِ
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْفَضْل الرَّبَعِيّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاق الْمَوْصِلِيّ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّد بْن مَنْصُور الأَزْدِيّ، حَدَّثَنِي شيخ من أهل الْكُوفَة، قَالَ: حَدَّثَنِي خمارٌ كَانَ بِالْحيرَةِ، قَالَ: مَا شعرتُ يَوْمًا وَقَدْ فتحت حانوتي إِذا فوارس ثَلَاثَة مُتَلثِّمُون بعمائم خَزٍّ قَدْ أَقبلُوا من طَرِيق السَّمَاوة فِي البَرِّيَّة، فَقَالَ لي أحدهم: أَنْت مَرُّ عَبْد الْخمار؟ قُلْتُ: نعم، وَكنت مَوْصُوفا بالنظافة وجودة الْخمر وَغسل الْأَوَانِي، فَقَالَ: اسْقِنِي رطلا، فَقُمْت فغسلت يَدي ثُمّ نقرت الدنان فنظرتُ إِلَى أصفاها فبزلته وَأخذت قدحًا نظيفًا فملأته ثُمّ أخذت منديلا جَدِيدا فناولته إِيَّاه فَشرب، وقَالَ: اسْقِنِي آخر. فغسلت يَدي وَتركت ذَلِكَ الدَّنّ وَذَلِكَ الْقدح وَذَلِكَ المنديل، ونقرت دنا آخر فبذلت مِنْهُ رطلا فِي قدح نظيف، وَأخذت منديلا جَدِيدا فسقيته فَشرب، وقَالَ: اسْقِنِي رطلا آخر، فسقيته فِي غَيْر ذَلِكَ الْقدح، وأعطيته غَيْر ذَلِكَ المنديل، فَشرب وقَالَ: بَارك اللَّه عَلَيْك، فَمَا أطيب شرابك وأنظفك! فَمَا كَانَ رَأْيِي أَن أشْرب أَكثر من ثَلَاثَة، فَلَمَّا رَأَيْت نظافَتَك دَعَتْني إِلَى شُرب آخر فهاته، فناولته إِيَّاه عَلَى تِلْكَ السَّبِيل، ثُمّ قَالَ: لَوْلَا أسبابٌ تمنعُ من بَيْتك لَكَانَ حبيبًا إِلَى أَن أَجْلِس فِيهِ بَقِيَّة يومي هَذَا.
وولّي رَاجعا فِي الطَّرِيق الَّذِي بدا مِنْهُ، وقَالَ: اعذرنا، وَرمى إليّ أحدُ الرجلَيْن اللَّذين كَانَا مَعَه بِشَيْء فَنَظَرت فَإِذا صرة فِيهَا خمس مائَة دِينَار، وَإِذَا هُوَ الْوَلِيد بْن يَزِيد أقبل من دمشق حَتَّى شرب من شراب الْحيرَة وَانْصَرف.
قَالَ القَاضِي: أَخْبَار الْوَلِيد بْن يَزِيد كَثِيرَة، وَقَدْ ذكرهَا الإِخباريون مَجْمُوعَة ومفرقة، ومعظمها يَأْتِي مُتَفَرقًا فِي مجَالِس كتَابنَا هَذَا.
وَكنت جمعت شَيْئا مِنْهَا فِيهِ، من سَيِرِه وآثاره وَمن شعره الَّذِي ضمّنَه مَا فجر بِهِ من خُرْقة وسفاهته، وحُمْقه وخسارته، وهزله ومجونه، وركاكته وسخافة دينه، وَمَا صَرَّح بِهِ من الإِلحاد فِي الْقُرْآن، وَالْكفْر وباطله مِمَّنْ أنزلهُ وَأنزل عَلَيْه، وعارضت شعره السخيف بشعرٍ حَصِيف، وباطله بِحَق نبيهٍ شرِيف، وأتيت فِي هَذَا بِمَا توخيت بِهِ رضَا اللَّه تَعَالَى، واستيجاب مغفرته.
خطْبَة يَزِيد بْن الْوَلِيد بعد عَزله لِابْن عمّه
وَقَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يزِيد النَّحْويّ، قَالَ: خطب
стр. 325
النّاس يَزِيد بْن الْوَلِيد، فَقَالَ: أما بعد، أَيهَا النّاس فَإِنِّي واللَّه مَا خرجت أشَرًا وَلا بَطرًا وَلا حِرْصًا عَلَى الدُّنْيَا، وَلَا رَغْبَة فِي المَال، ومابي إطرء نَفسِي، إِنِّي لظلومٍ لَهَا إِلا أَن يرحَمَني رَبِّي، ولكنني خرجت غَضبا للَّه تَعَالَى ولدينه، وداعيًا إِلَى اللَّه جلّ ثناؤُه وَسنة نبيه ﷺ ، لما هدمت معالم الْهدى، وأطفىء نورُ أَهْل التَّقْوَى، وَظهر الْجَبَّار العنيد المستحلُّ لكل حُرْمَة، الرَّاكِب كلَّ بِدعَة، يَعْنِي الْوَلِيدَ بْن يَزِيد، مَعَ أَنَّهُ واللَّه مَا كَانَ يُصَدِّق بِالْكتاب، وَلا يُؤمنُ بِيَوْم الْحساب، وَإِنَّهُ لابْن عمي فِي النّسَب، وكُفْئِي فِي الْحسب، فَلَمَّا رأيتُ ذَلِكَ استخرتُ اللَّه تَعَالَى فِي أمره، وَسَأَلته أَلا يَكِلَني إِلَى نَفسِي، ودعوتُ إِلَى ذَلِكَ.
من أجابني من أَهْل ولايتي
حَتَّى أراح اللَّه مِنْهُ الْعباد وطهر مِنْهُ الْبِلَاد بحول اللَّه وقوته لَا بحولي وقوتي
أَيهَا النّاس! إِن لَكُمْ عليَّ أَلا أَضَع حجرا عَلَى حجر، وَلا لَبِنَةً عَلَى لَبِنَة، وَلا أكْنِزَ مَالا، وَلا أحمل خراجًا من بلدٍ، إِلَى بلد، حَتَّى أَشد ثغر ذَلِكَ الْبَلَد وخصاصته، فَإِن فَضَلَ عَنْهُ شيءٌ نقلتُه إِلَى الْبَلَد الَّذِي يَلِيهِ، وَإِلَى من هُوَ أحْوج إِلَيْهِ مِنْهُ، وَلا أُجَمِّرُكُمْ فِي نُفُوركم، فأفتنكم وأفتن أهاليكم، وَلا أغلقُ بَابي دونكم، فيأكل قويكم ضعيفكم، وَلا أَحْمَل أَهْل جزيتكم مَا يجليهم عَنْ بِلَادهمْ، وَيقطع نسلهم، وَإِن لَكُمْ عِنْدِي أُعطياتكم فِي كُلّ سنة، وأرزاقكم فِي كُلّ شهر، حَتَّى تستوي الْمَعيشَة بَيْنَ الْمُسْلِمِين، فَيكون أَقْصَاهُم كأدناهم، فَإِن أَنَا وفيت بِمَا قُلْتُ، فلي عَلَيْكُم السّمع وَالطَّاعَة، وَحسن المؤازرة، وَإِن أَنَا لَمْ أَفِ فلكم أَن تَسْتَتِيبوني فَإِن تُبْت وَإِلَّا فأنتُم فِي حلٍّ من بيعتي وَدمِي، وَإِن علمْتُم أحدا يُعرفُ بالصلاح يعطيكم مثل الَّذِي أَعطيتكُم فأردتم أَن تبايعوه فَأَنا أول من بَايعه وَدخل فِي طَاعَته.
أَيهَا النّاس! إنَّه لَا طَاعَة لمخلوق فِي مَعْصِيّة الْخَالِق، وَلا وَفَاء فِي نقض عهد اللَّه تَعَالَى، وَإِنَّمَا الطَّاعَة طَاعَة اللَّه تَعَالَى، فَمنْ أطَاع اللَّه فأطيعوه بِطَاعَة اللَّه تَعَالَى، فَإِذا عصى اللَّه ، ودعا إِلَى مَعْصِيَته فَهُوَ أَهْل أَن يُعصى وَأَن يقتل.
أَقُول قولي هَذَا وَأَسْتَغْفِر اللَّه لي ولكُمْ.
معنى التجمير
قَالَ القَاضِي: قَوْله: وَلا أجمركم فِي ثغوركم، التجمير: أَن يُبْعث الرَّجُل إِلَى الثغر ثُمّ يتْرك فِيهِ فَلَا يَقْفِل إِلَى أَهله، ويُردَّ إِلَى وَطنه، فيضرُّ بِهِ ويُعَرَّض للفتنة فِي نَفسه وَأَهله، وَالْعدْل أَلا يُجَمّر الجندُ فِي الْبَعْث، وَأَن يُعقِّب بَينهم فِي كُلّ سِتَّة أشهر فِيمَا يختاره، وَقَدْ كَانَ بعض من تقدم من وُلَاة الْأَمر وَبِمَا عقب فِي كُلّ سنة، وَالْأَمر فِي هَذَا عندنَا أَن يَتَوخى فِيهِ الأئمَّة وأولو الْأَمر الْمصلحَة، ويحملوا النّاس عَلَى الرِّفْق بهم، ويجتهد فِي حسن النّظر لَهُم، ويتحرى فِي هَذَا الْبَاب من التَّدْبِير مَا هُوَ أبلغ فِي سياسة الرّعية، وتحصين الثغور، وَحفظ الْبَيْضَة، وحماية الْحَوْزَة، والتحرز من الْفساد والفتنة، وانتشار الْكَلِمَة، فالتجمير فِي هَذَا الْخَبَر مَعْنَاهُ مَا وَصفنَا.
стр. 326
والتجمير: حضورُ الْجمار بمنى ورميها، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
فَلم أرى كالتّجْمِيرِ مَنْظَرَ ناظرٍ ... وَلَا كَلَيَالِي الْحَج أفْتَنَّ ذَا هوى
والتجمير: مصدر جمرت النَّخْلَة إِذا نَزَعْتَ جُمَّارَها.
الدَّار الَّتِي كَانَ يقف فِيهَا ابْن أَبِي رَبِيعَة
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد المهلبي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن يَحْيَى، قَالَ: أخبرنَا الزبير ابْن بَكَّار، قَالَ:
كُنْت أرمي الجمارَ رَاجِلا فَإِذا أعْيَيْتُ جِئْت إِلَى دَار بكارٍ مَوْلَى الأخْنَسِ بْن شُرَيْق، وَهِي الدَّارُ الَّتِي عِنْد الْجَمْرَة، فَكنت مَعَ عمي مُصْعَب بْن عَبْد اللَّه وَنحن نرمي الْجِمار، فَقلت: هَذِهِ دَار بكَّار، قَالَ: أَوْ مَا عنْدك من خَبَرهَا أَكثر من هَذَا؟ فَقلت: لَا، قَالَ: موضِعُها كَانَ عُمَر بْن أَبِي رَبِيعَة يقف عَلَيْه ينظر إِلَى النّساء إِذا خرجن يرمين الْجَمْرَة، وَكَانَ إِذا ذَاك دُكانًا، قَالَ: وَكَانَ بكارٌ لي صديقا فأنشدنا أَصْحَابنَا عَنْهُ يرثي الْمهْدي، وَكَانَ الْمهْدي أعطَاهُ بداره أَرْبَعَة آلَاف دِينَار فَأبى وقَالَ: مَا كُنْت لأبيع جوَار أَمِير الْمُؤْمِنِين بِشَيْء أبدا، فَقَالَ الْمهْدي: أَعْطوهُ أَرْبَعَة آلَاف دِينَار ودعُوهُ ودَارَه، فَلَمَّا مَاتَ الْمهْدي، قَالَ بكارٌ يرثيه:
أَلا رحمةُ اللَّهِ فِي كُلّ ساعةٍ ... عَلَى رمةٍ أمْسَتْ بِمَا سَبْذَانِ
لقَدْ غيَّبَ القبرُ ثُمّ سُؤْدُدًا ... وكفَّيْنِ بِالْمَعْرُوفِ يَبْتَدِرَانِ
قَالَ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد: وَكَانَ الْمهْدي مَاتَ بِمَا سَبْذَان سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة.
يتَمَنَّى كل يَوْم حجَّة أَو اعتمارًا
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْر بْن بكار، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ جُنْدُبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَنْشَدَ ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ قَوْلَ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ:
أَيُّهَا الرَّاكِبُ الْمُجِدُّ ابْتِكَارًا ... قَدْ قَضَى مِنْ تِهَامَةَ الأَوْطَارَا
إِنْ يَكُنْ قَلْبُكَ الْغَدَاةَ خَلِيًّا ... فَفُؤَادِي بِالْخَيْفِ أَمْسَى مُعَارَا
لَيْتَ ذَا الدَّهْرَ كَانَ حَتْمًا عَلَيْنَا ... كُلُّ يَوْمَيْنِ حِجَّةً وَاعْتِمَارَا
وَقَالَ: لَقَدْ كَلَّفَ الْمُسْلِمِينَ شَطَطًا، فَقَالَ: فِي نَفْسِ الْجُمَلِ شيءٌ غَيْرُ مَا فِي نَفْسِ سَائِقِهِ.
قَالَ: وقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لِعُمَرَ بْنِ أبي ربيعَة: يَا ابْن أَخِي! مَا اتَّقَيْتَ اللَّهَ حَيْثُ قُلْتَ:
لَيْتَ ذَا الدَّهْرَ كَانَ حَتْمًا عَلَيْنَا ... كُلُّ يَوْمَيْنِ حِجَّةً وَاعْتِمَارَا
فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! إِنِّي وَضَعْتُ لَيْتَ حَيْثُ لَا تَقَعُ، قَالَ: صَدَقْتَ.
стр. 327
بعض مَا كَانَ يلقاه أَتبَاع البرامكة
حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الْعَبَّاس الْعَسْكَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْن أَبِي سَعْد، عَنْ هَاشِم بْن مُوسَى أَخِي مسرور الْكَبِير، قَالَ: حَدَّثَنِي عمي مسرور، قَالَ: لما أُصِيب يَحْيَى بْن خَالِد بْن بَرْمَك بَعَثَنِي هَارُون إِلَى جَارِيَة لَهُ كَانَتْ قَدْ ترهبت، مغنية يُقَالُ لَهَا قُرْب، وَكَانَت صاحبةَ أَمر يَحْيَى بْن خَالِد، فَقَالَ: ائْتِنِي بهَا، فدخلتُ عَلَيْهَا وَعَلَيْهَا لِبَاسُ الصُّوف، فَقلت: أجيبي أَمِير الْمُؤْمِنِين، فَقَالَت: أَنَا أَعْلَم لِمَ يَدْعُوني، وَهَذَا أمرٌ قَدْ تركتُه لِلَّهِ تَعَالَى فأحبُّ أَن تحتال لي، فأعلمتُها أَلا حِيلَة فِي ذَلِكَ.
قَالَ: فدعتْ بأثوابٍ فلبستْها ثُمّ تَقَنَّعت بسَبْعَةِ أخمرة، قَالَ: فَجئْت بهَا فدخلتُ بهَا عَلَيْه. فأقعدها ثُمّ قَالَ: هاتِ عُودًا، قَالَ: فجئتُه بِهِ، قَالَ: ادْفَعْهُ إِلَيْهَا، فَقَالَت: يَا أَمِير
стр. 328
الْمُؤْمِنِين! هَذَا أمرٌ تركتُه لِلَّهِ تَعَالَى ونويتُ أَلا أَفعلهُ بعد يَحْيَى بْن خَالِد، قَالَ: فألحّ فأبَتْ، فَقَالَ: يَا مَسْرُور! خُذْ مَقْرَعة وقِفْ عَلَى رَأسهَا فَإِن أبَتْ فاضربْ رَأسهَا أبدا، قَالَ: فَأَبَتْ، فضربتُها، حَتَّى تقطَّعَت السَّبْعَةُ أَخْمرة، فنظرتُ إِلَى شَعْرِها والدَّمُ قَدْ خرج من رَأسهَا، فَقَالَت: أفعل، ثُمّ تناولت الْعُودَ، فغنَّتْ:
لما رأيتُ الدِّيَارَ قَدْ دَرَسَتْ ... أيْقنتُ أَن النَّعِيمَ لَمْ يَعُدِ
قَالَ: فواللَّهِ مَا فرغتُ حَتَّى نظرت إِلَى دموع هَارُون عَلَى لحيته، ثُمّ قَالَ: انصرفي فَقَامَتْ من بَيْنَ يَدَيْهِ وَهِي تبْكي، فَقَالَ لي: يَا مسرور! الحقها بِعشْرَة آلَاف دِينَار وَقل لَهَا: يَقُولُ لَك أَمِير الْمُؤْمِنِين: اصرفيها فِيمَا تحتاجين إِلَيْهِ، واجعليني فِي حلٍّ، فَقَالَت: يَا مسرور لَا حَاجَة لي فِيهَا، وَهُوَ فِي حلٍّ.
مَا أحسن الحقَّ !
حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن جَعْفَر الأَزْدِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْن بْن عَبْد الرَّحْمَن، عَنْ بعض أشياخه، عَنِ الْعَلاء بْن الْمنْهَال، قَالَ: أَتَى خاقانَ رجلٌ من غَنِيٍّ فِي وَفد أَتَوْهُ من الْعَرَب، وبوَجْهِ الرَّجُل ضربةٌ مُنكرَة، فَقَالَ لَهُ خاقانُ: أَيّ يوْم ضُربت هَذِهِ الضَّرْبَة؟ وَهُوَ يرى أَنَّهَا ضربةُ سَيْف، فَقَالَ الرَّجُل: ضَرَبَنِي فرسٌ لي، فَقَالَ خاقانُ: لَصِدْقُهُ أعجبُ لي مِمَّا ظننتُ، مَا أحسنَ الحقّ! فأضْعف لَهُ الْجَائِزَة.
كَيفَ تولى أَبُو الأحْوَص ولَايَة مصر
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن زِيَاد الْمقري، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق السّرّاج بنَيْسَابور، قَالَ: أَخْبَرَنَا دَاوُد بْن رُشَيْد، عَنِ الْهَيْثَم بْن عَدِيّ، قَالَ:
وَجه المهديُّ أَمِير الْمُؤْمِنِين إِلَى أَبِي الأحْوَص فأُقْدِم عَلَيْه ليوليِّه مصر وأعمالها، قَالَ: فَلَمَّا حضر عرض عَلَيْه ذَلِكَ فَامْتنعَ مِنْهُ امتناعًا شَدِيدا، فاغتاظ من ذَلِكَ الْمهْدي فهم بِضَرْب عُنقه، وَكَانَ بِحَضْرَة الْمهْدي مُحَمَّد بْن دَاوُد جليس خير، فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! تمهل عَلَيْه ثَلَاثَة أَيَّام، فَفعل وَأمره بالانصراف، فَلَمَّا خرج من عِنْده اشْتَدَّ غيظه وقَالَ: أما ترى إِلَى هَذَا الشَّيْخ، قَدْ لبس خُفًّا أحمرَ وخُفَّا أسود ليوهمَ أَنَّهُ مُضْطَرب الْعقل! فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد بْن دَاوُد الجليسُ الصَّالح: لَا تقل ذَلِكَ، لَعَلَّ الشَّيْخ أُخْرِج إِلَيْهِ مَا يَلْبَسُه فِي الظلمَة فَلم يعلم، فسَكَنَ.
وَمضى مُحَمَّد بْن دَاوُد إِلَى الشَّيْخ أَبِي الأحْوَص فألفاه متشكيًا يبكي، فَقَالَ لَهُ: مَا شَأْنُك؟ فَقَالَ: إنَّه خرج لي من الظلمَة خُفٌّ أَحْمَر وخُفٌّ أسود، فلبستها وَلَم أَعْلَم، فَلَمَّا خرجتُ من عِنْد أَمِير أَمِير الْمُؤْمِنِين جعل الصّبيان يصيحون وَيضْحَكُونَ، فَلَمَّا تبينتُ ذَلِكَ نزعتُ الْخُفَّيْنِ ومشيتُ حافيًا فلحقني وجعٌ عَظِيم فِي رجليَّ، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد بْن دَاوُد: إِن أَمِير الْمُؤْمِنِين وَقع لَهُ غَيْر هَذَا فثنَيْتهُ عَمَّا كَانَ وَقع لَهُ، فَإِذا حضرتَ عِنْده فإياك أَن تأبَى أَوْ تَمْتنع، فَمضى إِلَى الْمهْدي فعرَّفه ذَلِكَ فسكن غضبُه، وَاشْتَدَّ حرصه عَلَى تَقْلِيد أَبِي الأحْوَص.
فَلَمَّا حضر بَيْنَ يَدَيْهِ فِي الْيَوْم الرَّابِع دَعَا بسفطٍ فَأخْرج مِنْهُ كتابا فِيهِ عَهْدُهُ على مصر وأعمالها، ثمَّ دفع إِلَيْهِ كتابا ثَانِيًا إِلَى صَاحب الشرطة يَأْمُرهُ بالحضور مَجْلِسه وَألا يخلِّيَه، ثُمّ دفع إِلَيْهِ كتابا ثَالِثا، فَقَالَ: هَذَا تَبْيِين ٌ برزقك عَلَى الْعَامِل، وَهُوَ ألف دِينَار فِي كُلّ شهر، وَمِائَتَا دِينَار للمائدة، ثُمّ دَعَا بسفطٍ آخر فَأخْرج مِنْهُ ثيابًا وطِيبًا فَدفعهُ إِلَيْهِ، وَأمر لَهُ بثلثمائة دِينَار للنَّفَقَة، ثُمّ قَالَ لَهُ: الرزق تَأْخُذهُ معجلا هنيًّا تستعينُ بِهِ، وللمائدة مِائَتَا دِينَار وكُلِ الطَّيِّبَ لتُقَوِّي بِهِ نَفسك، وَلا تَمِل إِلَى شيءٍ بتَّةَ، لِأَن نَفسك غنية بالرزق، وَهَذِه الثلثمائة دِينَار تستعين بهَا عَلَى نَفَقَة الطَّرِيق، فَلَا تعترضن من أحد شَيْئا فتستحش مِنْهُ، وَهَذِه الثِّيَاب وَالطّيب تكون مَعَك، فَإِن - وعائذ بِاللَّه تَعَالَى - حدَّث حَادث عَلَيْك كَانَ هَذَا مُعّدًّا، فَانْظُر لنَفسك وأعزَّها فقد أعززناك وأمدَدْناك، وفَّقَك اللَّه تَعَالَى للصَّوَاب.
فَخرج أَبُو الأحْوَص إِلَى مصر فَحكم بهَا سِنِين كَثِيرَة فحَسُن أَثَره وحُمِدَ أمره.
مَا لهَذَا حَسَنَة وَلا لَكِ سَيِّئَة
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الْمُغِيرَة، عَنْ هَارُون، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْد الْملك بْن عَبْد الْعَزِيز الْمَاجشون، قَالَ: كُنَّا نأتي الْمُغِيرَة بْن عَبْد الرَّحْمَن فَجَاءَهُ يَوْمًا مَوْلى لَهُ يُقَالُ لَهُ كُبَّة، وَكَانَ شَيخا كَبِيرا، فَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَة: يَا كُبَّة! بِاللَّه حَدَّثَنَا بعض مَا كَانَ فِي شبابك، فَقَالَ: نعم، دَخَلنَا مرّة بَيت مغنية أَنَا وَثَلَاثَة من مَزَّاحِي الْمَدِينَة، فغنت صَوتا، فَقَالَ لَهَا أحدهم: أسأَل اللَّه تَعَالَى أَلا يُنزل لي حَسَنَة إِلا كتبهَا لَك، ثُمّ غنت صَوتا آخر، فَقَالَ لَهَا الآخر مِنْهُم: بِأبي أَنْت، غَرَّك واللَّهِ، لَا واللَّه مَا لَهُ حَسَنَة، وَلَكِن أسأَل اللَّه تَعَالَى أَلا ينزل لَك سَيِّئَة إِلا كتبهَا عَليّ، ثُمّ غنت صَوتا آخر، فَقَالَ لَهَا الثَّالِث: غَرَّاك واللَّه، لَا واللَّه مَا لهَذَا حَسَنَة وَلا كرامةَ لَهُ، وَلا لَك سَيِّئَة، وَلَكِن أسألُ اللَّه تَعَالَى أَلا يخْرجك من الدُّنْيَا حَتَّى تريه أعمى يُقَاد.
стр. 329
قَالَ القَاضِي: قَدْ قَالَ جميل فِي نَحْو هَذَا:
أَلا لَيْتني أعمى أصَمُّ تَقُودُني ... بثينةُ لَا يَخْفَى عَلَيَّ كَلامُها
وَلَو كَانَ هُوَ القَاضِي
حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن أَحْمَد الدقيقي، قَالَ: حَدَّثَنَا سهل بْن عَلِيّ الدفتري، قَالَ: حَدَّثَنِي فروةُ بْن عَبْد اللَّه المَدِينيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد الرَّحْمَن بشر بْن آدم، قَالَ: سَأَلَ الأغضف مَالك بْن أَنَس عَنْ مَسْأَلَة فَأَجَابَهُ، ثُمّ سألهُ فَأَجَابَهُ، وقَالَ الأغضف: لَمْ قُلْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ مَالك: يَا غُلام! خُذْ بِيَدِهِ فَاذْهَبْ بِهِ إِلَى السجْن، فَلَمَّا وَلَّى بِهِ الغلامُ قَالَ لَهُ الأغضفُ: إِنِّي قَاضِي أَمِير الْمُؤْمِنِين! قَالَ: ذَاك أَهْون لَك عَليّ، قَالَ: يَا أَبَا عَبْد اللَّه لَا أَعُود، قَالَ: خَلِّ سبيلَه.
المجلِسُ الخامِس والأربعُونْ
لَا يتمنين أحدكُم الْمَوْت لضُرٍّ نزل بِهِ
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ أَبُو عُثْمَانَ الْبَزَّازُ، أَخُو الزُّبَيْرِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا يَتَمَنَّيَنَّ أحدكُم الْمَوْت لضُرٍّ نزل بِهِ إِمَّا مسيءٌ فَيُسْتَعْتَبُ، وَإِمَّا محسنٌ فَيَزْدَادُ ".
وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا الرّبيع بن صبيح، قَالَ: أخبرنل حَبِيبُ بْنُ فَضَالَةَ
أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ذَكَرَ الْمَوْتَ وَكَأَنَّهُ تَمَنَّاهُ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: وَكَيْفَ تَمَنَّى الْمَوْت بعض قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : " لَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَتَمَنَّى الْمَوْتَ لَا بَارًّا وَلا فَاجِرًا، أَمَّا بارٌ فَيَزْدَادُ، وَأَمَّا فَاجر فيستعيب "، قَالَ: وَكَيْفَ لَا أَتَمَنَّى الْمَوْتَ وَأَنَا أَخَافُ أَنْ تُدْرِكَنِي فِتْنَةُ الدَّهْمَاءِ، وَبَيْعُ الْحُكْمِ، وَتَقَاطُعُ الأَرْحَامِ، وَكَثْرَةُ الشُّرَطِ، ونشءٌ يَتَّخِذُونَ الْقُرْآنَ مَزَامِيرَ ".
قَالَ القَاضِي: قَدْ وَرَدَ هَذَا الْخَبَرُ بِالنَّهْيِ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ لِمَا بُيِّنَ فِيهِ مِنَ الْمَعْنَى، وَجَاءَ فِي مَعْنَاهُ عَنِ النَّبيّ ﷺ وَعَنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ أَخْبَارٌ مِنْهَا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : " لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْت لضلر نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي مَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي ".
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا أحدٌ إِلا وَالْمَوْتُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ بَرٍّ وَلا فَاجِرٍ، إِنْ كَانَ بَرًّا فقد قَالَ اللَّه : " وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خيرٌ لِلأَبْرَارِ " وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمًا ".
قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا الْخَبَرُ عَنِ ابْن عَبَّاس خَارج عَلَى معنى يواطىء مَا قَالَه رَسُول اللَّه ﷺ عَلَى مَا قدمنَا رِوَايَته، وَلا يُنَافِيهِ إِذا حُمل عَلَى الْوَجْه الصَّحِيح فِي الْمَعْنى.
ذَلِكَ أَن النَّبِيّ ﷺ نهى عَنْ تمني الْمَوْت عِنْد الضَّرَر ونزوله، وَوَقع الْبلَاء وحلوله، وأرشد إِلَى اسْتِقْبَال التَّوْبَة من الْإِسَاءَة والوزر، والازدياد من فعل الْخَيْر وأعمال الْبر، وَأَن
стр. 330
يَسْتَعتبَ المرءُ من فَرَطَاته، ويستكثر من طاعاته، فَأَما إِذا توفاه اللَّه ﷻ من غَيْر تمن مِنْهُ للْمَوْت، وَهُوَ عَلَى غَيْر علم مِنْهُ بِحَالهِ فِيهِ، وَلا مُتَيَقن أَن إماتته خير لَهُ من تبقيه، فَإِن حَاله فِي هَذَا مُخَالفَة للمعنى الآخر الَّذِي قدمنَا بَيَانه، وَلكُل وجهٍ من هذَيْن المعنين حكمٌ جارٍ عَلَى طَرِيقَته، ومختصٌّ بحقيقته، وَقَدْ كَانَ أَعْلَام السّلف الأخيار، وصلحاؤهم الْأَبْرَار، يرغبون إِلَى اللَّه تَعَالَى فِي الشَّهَادَة فِي سَبيله ويحرصون عَلَيْهَا ويتعرضون لَهَا ويأْسَوْن عَلَى فَوتهَا، ويغبطون من رُزِقَها، وأكرمُ بهَا لظُهُور فَضلهَا وَشرف أَهلهَا، وَهَذَا يُوَضِّح عَنْ إِجْرَاء كُلّ جِهَة من هَذِهِ الْجِهَات عَلَى حكمهَا، وإنزالها منزلتها، وَأَنا مَا ذكره أَبُو هُرَيْرَةَ من فِتْنَةُ الدَّهْمَاءِ وَبَيْعُ الْحُكْمِ وَتَقَاطُعُ الأَرْحَامِ وَكَثْرَةُ الشُّرَطِ ونشءٍ يَتَّخِذُونَ الْقُرْآن مَزَامِير، فقد رَأينَا جُمَيْع مَا تخوفه، وأدركنا مَا خَافَ أَن يُدْرِكهُ، فَإلَى اللَّه نجأر بالشكوى، وإياه نستعين عَلَى كُلّ بلوى.
فَأَما قَوْله: فتْنَة الدَّهْماء، فَإنَّهُ أضَاف الْفِتْنَة إِلَى الدهماء، وللنحويين فِي هَذَا مذهبان: مِنْهُم من يَجْعَل الْفِتْنَة مُضَافَة إِلَى الدهماء ويجيز إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه ويُجري هَذَا فِي أشيئاء كَثِيرَة: لَحَقُّ الْيَقِين، ودَارُ الْآخِرَة، ةمسجد الْجَامِع، وَصَلَاة وَالْأولَى.
وَكثير من محقِّقيهم ينكرُ هَذَا الْمَذْهَب، وَيُخَالف هَؤُلاءِ فِي تَأْوِيل هَذِه الْكَلِمَات، وَمَا أَتَى من نظائرها، ويحملُ حقَّ الْيَقِين عَلَى معنى حق الْعلم الْيَقِين، وَالْأَمر الْيَقِين عَلَى إِقَامَة الصّفة مقَام الْمَوْصُوف، وَيَقُولُ: معنى دَار الْآخِرَة أَيّ دَار الْمنزلَة الْآخِرَة أَو النشأة والمذمة، وَمعنى مَسْجِد الْجَامِع: الْوَقْت الْجَامِع، أَو الفَرْضُ الْجَامِع، وَصَلَاة الأولى صَلَاة الْمَكْتُوبَة الأولى، وَنَحْو هَذَا الْوَجْه من التَّأْوِيل الصَّحِيح فِي الْمَعْنى الْجَارِي عَلَى الْقيَاس.
فَأَما الدهماء فِي هَذَا الْخَبَر فَفِيهِ وَجْهَان فِي التَّأْوِيل، أَحَدهمَا صفة الْفِتْنَة أَوْ مَا أضيفت إِلَيْهِ بالدهمة والسواد والظلمة، وَقَدْ قَالَ عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك فِي خبرٍ ضُمِّنَ شعرًا لَهُ:
فَنَحْنُ فِي فتنةٍ عَشْوَاءَ مظلمةٍ ... نستغفرُ اللَّهَ من أهوالِ مَا فِيهَا
وَالْوَجْه الآخر: غشيان الْفِتْنَة وهجومها وتراكمها وعُمومها، من قَوْلهم دهمت القومَ الْخَيل تدهمهم.
وَقَوله: نشءٌ يتخذون الْقَوْم مَزَامِير، فَإنَّهُ عَنَى بِهِ من حَدَثَ ونَشَأ من الأشرار بعد من مَضَى من البررة الأخيار، قَالَ نُصَيْب:
وَلَوْلَا أَن يقالَ صَبَا نصيبٌ ... لقُلْتُ: بِنَفْسِي النَّشْءُ الصِّغَارُ
وَهَؤُلَاء الَّذِين عنوا بِهَذَا الْخَبَر هُمُ الَّذِين يرددون الْقُرْآن لبطونهم بالألحان غَيْر خاشعين وَلا مُتَّعِظِين وَلا مُعْتبرين وَلا مُتَفهّمين، وَأمر هَذَا النشءِ فِي زَمَاننَا فاشٍ، فهم من أشدِّ النّاس فتْنَة، وأعظمهم عَلَى أَهْل الدّين بلية، فقد جعلُوا اجتماعَهم عَلَى تِلَاوَة الْقُرْآن بمنكر الألحان، وَمَزَامِير الشَّيْطَان، وعَلى تُهَم القَيان وملاهيهم من المعازف والعيدان، وَالزِّيَادَة
стр. 331
فِي كتاب اللَّه تَعَالَى مَا لَيْسَ مِنْهُ بالإِيقاع والأوزان، وَحصل خَواص أَهْل الْعلم وَالْإِيمَان بِمَنْزِلَة إقصاء وهوان، وَمن عداهم من حَلِيف فتْنَة وأسير قينة، وَأكْثر من ترَاهُ فِي وقتنا مِمَّنْ أومىء إِلَيْهِ، إِمَّا واهي العزيمةِ ضعيفُ الْعقْدَة، قَدْ تأوَّل الْمُحكم غَيْر تَأْوِيله، وتشبَّثَ بجملةِ الْمُتَشَابه لعَجزه عَنْ معرفَة تَفْصِيله، وَإِمَّا ماجنٌ خليعٌ أَوْ مغرورٌ مخدوعٌ قَد استفزَّه الغَارُّ لَهُ بجرأته وجسارته، واستنزله الماكرُ بِهِ فورَّطه فِي خسارته، فأوهمه أَن الَّذِي دَعَاهُ إِلَيْهِ، وَحمله عَلَيْه، من أَعمال الْبر، والْقُرَبِ الكابسة لِلْأجرِ، وَأَن النَّبِيّ ﷺ أَشَارَ إِلَى هَذَا بِمَا ذكره من التَّغَنِّي بِالْقُرْآنِ، وتحسين التِّلَاوَة بالترنم والألحان، وَالَّذِي عناه النَّبِيّ ﷺ عندنَا، قراءَةَ الْقُرْآن بالتحسين والخشوع وتحقيقه وترتيله، وتبيينه وتفصيله، وتحسين الصَّوْت بِهِ من غَيْر إِحْدَاث زِيَادَة فِي أضعافه بالزَّمزمة والنَّقَرات، والهَمْهَمة والنَّبَزَات.
الْأَذَان بالألحان
حَدثنَا المظفر بن يحيى ابْن الشرابي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن مُحَمَّد، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَن يَعْنِي ابْنَ عَبْد الْعَزِيز الهَرَويّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِث بْن مِسْكين، عَنِ ابْن وَهْب، أَوْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْقَاسِم، عَنْ مَالك، أَنَّهُ قَالَ: لَهَمَمتُ أَوْ أردتُ أَن أُكَلِّم أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الْأَذَان بألأحان أَن يَمْنَعَ من ذَلِكَ، قَالَ اللَّه : " فَمَاذَا بَعْدَ الْحق إِلَّا الضلال " أَفَمَن الْحق أَن يُؤذن بألحان.
وَالْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب يطول ويتسع، واستقصاؤه يتَعَذَّر وَيمْتَنع، وَلنَا فِي هَذَا الْبَاب ولشيخنا أَبِي جَعْفَر ﵁ كَلَام كثير مرسوم فِي موَاضعه، من كتبنَا، وَقَدْ رسمنا من ذَلِكَ صَدرا صَالحا فِي كتَابنَا الْمُسَمّى " بتذكير العاقلين وتحذير الغافلين " فَمنْ أحبَّ الْوُقُوف عَلَيْهِ فَينْظر فِيهِ، فَفِيهِ بَيَان وَفَائِدَة لمن نصح نَفسه وَنظر لدينِهِ، بِمَشِيئَة اللَّه وعونه.
عَبْد الْملك يتوسم الْخلَافَة بِأُمُور فِي نَفسه
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِم، عَنْ الْعُتْبِي، عَنْ أَبِي عُبَيْدة، عَنْ عمَارَة الْعُقَيْليّ، أَوْ غَيْر رَجُل عَنْ عمَارَة، قَالَ: كُنَّا نجلس عِنْد الْكَعْبَة وَعبد الْملك بْن مَرْوَان يجالسنا من رَجُل عذب اللِّسَان لَا يَمَلُّ جليسُه حديثَه، فَقَالَ لي ذَات يوْم: يَا أَبَا إِسْحَاق! إِنَّك إِن عِشْت فسترى الْأَعْنَاق إليّ مادَّة، والآمال إِلَى سامية.
ثُمّ قَامَ فَنَهَضَ من عندنَا، فَأَقْبَلت عَلَى جلسائي فَقلت: أَلا تعْجبُونَ من هَذَا الْقُرَشِيّ! يذهب بِنَفسِهِ إِلَى معالي الْأُمُور، وَإِلَى أَشْيَاء لَعَلَّه لَا ينالها، قَالَ: فَلَا واللَّهِ مَا ذَهَبَت الأيامُ حَتَّى قِيلَ لي: إنَّه قَدْ أفضيت إِلَيْهِ الْخلَافَة، فذكرتُ قَوْله، فتحمَّلتُ إِلَيْهِ فوافيت دمشق يَوْم الْجُمُعَة، فَدخلت الْمَقْصُورَة فَإِذا أَنَا بِهِ وَقَدْ خرج عَليّ من الخضراء، فَصَعدَ الْمِنْبَر فَحَمدَ الله جلّ وَعز وَأثْنى عَلَيْه، فَبَيْنَمَا هُوَ يخْطب إِذْ نظر إليّ ثُمّ أعرض عني، فساءني ذَلِكَ، وَنزل فصلَّى بِنَا وَدخل الخضراء.
стр. 332
فَمَا جَلَست إِلَّا هنيهة حَتَّى خرج غُلَامه قَائِلا: أَيْنَ عمَارَة الْعُقَيْليّ؟ قُلْتُ: هأنذا، قَالَ: أجب أَمِير الْمُؤْمِنِين فَدخلت إِلَيْهِ فَسلمت عَلَيْه بالخلافة فَقَالَ لي: أَهلا وسهلاً، وناقةً ورحلاً، كَيفَ بَعْدِي كُنْت؟ وَكَيف كُنْت فِي سفرك؟ وَكَيف من خلقت؟ لَعَلَّك أنْكرت إعراضي عَنْك فَإِن ذَلِكَ مَوضِع لَا يَحْتمل إِلا مَا صنعت، يَا غُلَام! بوىء لَهُ بَيْتا معي فِي الدَّار، فأنزلني بَيْتا فَكنت آكل مَعَه وأسامره حَتَّى مَضَت لي عشرُون يَوْمًا، فَقَالَ لي: يَا أَبَا إِسْحَاق! قَدْ أمرنَا لَك بِعشْرين ألف دِينَار وأمرنا لَك بحُمْلان وَكِسْوَة فلعلك قَدْ أَحْبَبْت الْإِلْمَام بأهلك ثُمّ الْإِذْن فِي ذَلِكَ إِلَيْنَا، أَترَانِي حققت أملك يَا أَبَا إِسْحَاق؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين، وَإِنَّكَ لذاكر لذَلِك؟!، قَالَ: إِي واللَّه، وَإِن تَمَادى بِهِ عهد، قُلْتُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! أَكَانَ عنْدك عهدٌ مَا قُلْتُ لي، أم مَاذَا؟ قَالَ: بِثَلَاث اجْتَمعْنَ فيِّ، مِنْهَا إنصافي جليسي فِي مجلسي، وَمِنْهَا أنِّي مَا خُيِّرتُ بَيْنَ أَمريْن قطّ إِلا اخترتُ أيْسَرَهُما، وَمِنْهَا: قِلَّةُ المراء.
مَتَى تكون الشّركَة فِي الْهَدِيَّة
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الدِّيبَاجِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْيُوسُفِيُّ.
أَنَّ أُمَّ جَعْفَرٍ كَتَبَتْ إِلَى أَبِي يُوسُفَ: مَا تَرَى فِي كَذَا، وَأَحَبُّ الأَشْيَاءِ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ فِيهِ كَذَا، فَأَفْتَاهَا بِمَا أَحَبَّتْ.
فَبَعَثَتْ إِلَيْهِ بِحَق فضَّة فِيهِ حقائق فِضَّةٍ مطبقاتٌ، فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ لَوْنٌ مِنَ الطِّيبِ، وَفِي جَامٍ دَرَاهِمُ وَسَطُهُ جامٌ فِيهِ دَنَانِيرُ، فَقَالَ لَهُ جليسٌ لَهُ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ أُهْدِيَتْ لَهُ هديةٌ فَجُلَسَاؤُهُ شُرَكَاؤُهُ فِيهَا "، فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: ذَاكَ حِينَ كَانَتْ هَدَايَا النَّاس التَّمْر وَاللَّبن.
شماتةالأعداء فِي الْعَزْل
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن المزربان، قَالَ: حَدثنَا أَبُو يَعْقُوب النخبي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن بشار، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: قِيلَ لِشَرِيك لما قلِّدَ القَضَاءَ: ليتك خَلَصت من هَذَا الأمرُ وَلَو بِالْمَوْتِ، فَقَالَ: أما بِالْمَوْتِ فَلَا، وَلَكِن بعورٍ أَوْ شَلَل.
فَلَمَّا تَعَصَّبتْ عَلَيْه الْقَبَائِل وعُزِل عَنِ الْقَضَاء جعل يسْعَى فِي أَن يُرَدّ، فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ الرَّجُل: ليتك أُعِدْتَ إِلَى الْحَكَم وَلَو بعورٍ أَوْ شَلَل، إِنَّك لتمنّى ذَلِكَ، فَقَالَ: نعم يَا ابْن أخي، وشماتة الْأَعْدَاء شَدِيدَة.
قَالَ القَاضِي: نَظِير هَذَا قَول عُمَر لعمَّار: سَاءَكَ إِذْ عزلتك؟ فَقَالَ: واللَّه يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين لقَدْ سَاءَنِي أَن وَلَّيْتَني، وَلَقَد سَاءَنِي أَن عزلتني.
مَعْبَدٌ يتحدَّى الْغَرِيض
حَدَّثَنَا المظفَّر بْن يحيى بْن أَحْمَد الْمَعْرُوف بِابْن الشرابي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن بشر المرثدي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاق طَلْحَة بن عبد الله
стр. 333
الطلحي، قَالَ: أَخْبرنِي أَحْمد بن إِبْرَاهِيم، قَالَ: وحَدَّثَنِي أَبِي، عَمَّن حدّثه، قَالَ: خرج معبدٌ - وَهُوَ يَوْمئِذٍ أحسن أَهْل الْمَدِينَة غناء - إِلَى مَكَّة يتحدَّى الغَرِيض، فَسَأَلَ عَنْ منزله فَدُلَّ عَلَيْه، فَأَتَاهُ فقرع الْبَاب فَقَالَت الْجَارِيَة: من هَذَا؟ فَقَالَ: قولي لأبي فُلان، هَذَا رجلٌ من أَهْل الْمَدِينَة من إخوانك، فَقَالَ: افتحي لَهُ، فَدخل فحياه وَسَأَلَهُ عَنْ حَاجته، فَقَالَ: أَنَا رجلٌ من أَهْل صناعتك، وَقَدْ أَحْبَبْت أَن أسمع مِنْك وأُسْمِعَك، فَقَالَ هَات على اسْم الله تَعَالَى، فغناه معبد، فَقَالَ: أَحْسَنت وَالله يَا أخي، حَتَّى انْتهى، ثمَّ انْدفع هُوَ يُغني، فَسمع معبد شَيْئا لم يسمع بِمثلِهِ قطّ، فَقَالَ لَهُ: أَنْت أحسن النَّاس غناء، فَقَالَ لَهُ: كَيفَ لَو سَمِعْتُ عجوزًا لنا فِي سَفْحِ أَبِي قُبَيْس، يَعْنِي ابْن سُرَيْج، فَقَالَ: كَيفَ لي - جعلت فدَاك - بِأَن أسمعهُ مِنْهُ؟ قَالَ: قُمْ بِنَا إِلَيْهِ، قَالَ: فنهضنا حَتَّى أَتَيْنَا بَاب ابْن سُرَيْج فقرعه الْغَرِيض فعرفته الْجَارِيَة، فَقَالَت: ادخل فدخلا جَمِيعًا فَإِذا ابْن سُرَيْج نَائِم الصُّبحة، وَإِذَا عَلَيْه قرقرة أصفر.
قَالَ القَاضِي: كَذَا قَالَ ابْن الشرابي، وَهَكَذَا رَأَيْته فِي أصل كِتَابه وَالصَّوَاب قرقل فِي قَول الْجُمْهُور، وَإِن كَانَ بَعضهم قَدْ رد هَذَا وصواب قَوْلهم قرقر، وَقَدْ خضب يَدَيْهِ وزراعيه إِلَى مرفقيه، فَقَالَ لَهُ الْغَرِيض: جعلت فدَاك، هَذَا رَجُل من إخوانك من أَهْل الْمَدِينَة يتَغَنَّى، وَقد أحب أَن يسمعك غناهُ وَيسمع مِنْك، قَالَ: هَات، فغناه مَعْبَد فَقَالَ لَهُ ابْن سُرَيْج: أَحْسَنت واللَّه ثمَّ استل ابْن سُرَيج دفاً مُربَّعًا وتغني:
نظرتْ عَيْني فَلَا نَظَرَتْ ... بَعْدَه عَيْني إِلَى أحدٍ
قَالَ مَعْبَد: فَسمِعت شَيْئا مَا سَمِعْتُ مثله قطّ، وَلا ظَنَنْت يَكُون، فأخذتُ أَئْتَمَّ بِهِ واخْتَلف إِلَيْهِ.
من صفة الْغَرِيض
وَحَدَّثَنَا المظفَّر، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد المرثدي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاق الطَّلْحي، قَالَ: وَأَخْبرنِي أَحْمَد، قَالَ: كَانَ الْغَرِيض مخنثًا وَكَانَ جميلا لَهُ شَعْر، وَكَانَ مَوْلَى الثُّرَيَّا بِنْت عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث بْن أُمَيَّة الْأَصْغَر، وَكَانَ يتعلّم من ابْن سُرَيْج.
من نَوَادِر طويس
وَحدثنَا المظفر، قالك أَخْبَرَنِي أَحْمَد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاق، قَالَ: وخبرني أَحْمد، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: مر طُوَيْسٌ وَكَانَ مخنثًا أحسنَ الناسِ غناءٍ، وَمَعَهُ جمَاعَة من المخنثين، فَمر بنهر حمام يَكُون ذِرَاعا، فَرفع ثِيَابه ووضعها تَحت إبطه اعتزاءً وتجلُّدًا، ثُمّ قَالَ: أَنَا زَيْد الْخَيل، أَنَا عَامر بْن الطُّفَيْل، أَنَا دُرَيد بْن الصِّمة، ثُمّ قفز قفزة فَإِذا هُوَ مستنقعٌ فِي النَّهر، وَصَاح المخنَّثُون الغريقَ الغريقَ.
من مخارج أَبِي يُوسُف
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن زِيَاد الْمُقْرِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن الْحَسَن أَبُو شبيب،
стр. 334
قَالَ: حَدَّثَنَا عليّ بْن الْجَعْد، قَالَ:
أرسل أميرُ الْمُؤْمِنِين الرشيدُ إِلَى قَاضِي الْقُضَاة أَبُو يُوسُف، فِي ساعةٍ لَمْ يَكُنْ يُرسل إِلَيْهِ فِي مثلهَا، قَالَ أَبُو يُوسُف: فتحنَّطْتُ وتكفَّنْتُ ولبست فَوق ذَلِكَ ثِيَابِي، وَدخلت عَليّ أَمِير الْمُؤْمِنِين، فَأَلْفَيْته جَالِسا عَلَى طرف الْمُصَلَّى، وَإِذَا بَيْنَ يَدَيْهِ سيف مَسْلُول، فسلَّمْتُ فَرد عَليّ السَّلام وأدناني، فشم مني رَائِحَة الحنوط، فَقَالَ: مَا هَذِهِ الرَّائِحَة فَأَخْبَرته الْخَبَر فَاسْتَرْجع، ثُمّ أَمر بِذَلِك فنُزِعَ عَنِّي، وَجَاءَنِي بِثِيَاب فلبستُها، ثُمّ قَالَ لي: تَدْرِي من خَلْفَ هَذَا السّتْر؟ قُلْتُ: لَا، يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين، قَالَ: إِن خَلفه أعز خلق اللَّه تَعَالَى عَليّ، قَالَ: فَظَنَنْت أَنَّهَا الخيزران، ثُمّ قَالَ: إِنِّي أودعتها عقودًا لَهَا مِقْدَار، وجوهرًا لَهُ خَطَر، وإنِّي فقدتُ مِنْهَا عِقدًا، فحلفتُ بأيمان البَيْعةِ وأكَّدْتُها عَلَى نَفسِي أَنَّهَا تَصْدُقُنِي عَنْ خَبَره، فَإِن لَمْ تصدقني ضَربْتُها بسيفي هَذَا حَتَّى أُبَضِّعَها قطعا، قَالَ أَبُو يُوسُف: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين! قَدْ أخرجك اللَّه تَعَالَى من يَمِينك، فَمر بِالسَّيْفِ يُرَدُّ إِلَى غِمْده، فَأمر بِهِ فَرُدَّ إِلَى غِمده، فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين! سَلْها وعَرِّفْها يَمِينك، فَسَأَلَهَا وغَلَّظَ عَلَيْهَا الْأَمر، قَالَ: قُلْ لَها: لَا تُجِيبُك حَتَّى أقولَ لَهَا، ثُمّ قَالَ لَهَا أَبُو يُوسُف: أمسكي، ثُمّ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين! فسلها ثَانِيَة، فَسَأَلَهَا وغَلَّظَ عَلَيْهَا مَا حلف بِهِ، فَقَالَ لَهَا أَبُو يُوسُف: قولي إِنِّي لَمْ آخذه، فَقَالَت: لَمْ آخذه.
ثمَّ الْتفت إليّ أَمِير الْمُؤْمِنِين، فَقَالَ: قَدْ صَدَقَتْك فِي أحد الْقَوْلَيْنِ إِن كَانَتْ أخذتُه فقد صدقَتْ، وَإِن كَانَتْ لَمْ تَأْخُذهُ فقد صدقَتْك.
فَأمر لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم، وقاما وخرجا من الْبَيْت الَّذِي كَانَا فِيهِ إِلَى خِزانة، فَأمر بهَا فَفُتِحَتْ وأُخرج إِلَيْهِ أسفاطٌ فَأمر بهَا فحُلتْ، فَإِذا فِيهَا جَوْهَر لَهُ خَطَر، فَقَالَ أَبُو يُوسُف: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين! مَا رَأَيْتُ أحسن من هَذَا، فَإِن رَأَيْت أَن تهبه لي؟ فَقَالَ: لَا واللَّه مَا نَفسِي بِذَلِك طَيِّبة، فَقَالَ: فهبه لأم جَعْفَر، فَقَالَ: لَا واللَّهِ، وَلا نَفْسِي بِهِ طَيِّبة، قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين! فَإِن لَمْ تفعل لَا هَذَا وَلا ذَا فتُعْلِمْ أمَّ جعفرٍ أَنِّي سأَلْتُك أَن تهب لَهَا هَذِهِ الْعُقُود فأبيت، قَالَ: أما ذَا فَنَعَم، فَأعْلم أم جعفرٍ بِذَاكَ فأنفذَتْ إِلَى أَبِي يُوسُف بِمِائَة ألف دِرْهَم.
سَبَب شدَّة المَنْصُور عَلَى مخالفيه
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عَبْد الصَّمد بْن عَلِيّ للمنصور: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين! لقَدْ هجمت بالعقوبة حَتَّى كَأَنَّك لَمْ تسمع بِالْعَفو، فَقَالَ: لأنَّ بني مَرْوَان لَمْ تَبْلَ رِمَمُهُم، وآلَ أَبِي طَالِب لَمْ تُغْمَدْ سُيُوفُهُم، وَنحن بَيْنَ قومٍ قَدْ رَأَوْنَا أمسِ سُوقَةً وَالْيَوْم خُلَفاءَ، فَلَيْس تتمهَّد هيبتُنا فِي صُدُورهم إِلا بنسيان العَفْو وَاسْتِعْمَال الْعقُوبَة، وَلَو لَمْ أفعل هَذَا لاحتجنا إِلَى مَا هُوَ أعظم مِنْهُ.
من مُرُوءَة الْحَسَن الْبَصْرِيّ
حَدَّثَنَا أَبِي ﵁، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَحْمَد الْخُتلِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْص
стр. 335
النَّسائيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم بْن كثير، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن كثير بْن مَخْلَد بْن الْحُسَيْن، عَنْ هِشَام بْن حَسَّان، قَالَ: كَانَ الْحَسَن إِذا اشْترى لَهُ شَيْء بِكَذَا وَكَذَا وَنصف أتمه بِهِ، فَبَاعَ الْحَسَنُ بَغْلا لَهُ بِأَرْبَع مائَة دِرْهَم، فَقِيل لصَاحبه، لَو أَتَيْته فاستَحْطَطْتُه من ثمنه شَيْئا، فَأَتَاهُ فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيد! إِن رَأَيْت أَن تُخَفِّف عني من ثمن الْبَغْل! فَقَالَ لَهُ: خَمْسُونَ درهما أرضيت؟ قَالَ: نعم، يَا أَبَا سَعِيد، قَالَ: فلك خَمْسُونَ أُخْرَى أرضيت؟ قَالَ: نعم، رَضِيَ اللَّه عَنْك، قَالَ: فَلَمَّا أدبر الرَّجُل قَالَ: هَلُمَّ فَإنَّهُ بَلغنِي أَن من الْإِحْسَان أَن يَضَعَ الرَّجُل نصف حَقِّه، اذْهَبْ فلك مِائَتَان.
المجلِسُ السَادِس وَالأربَعُونْ
قصَّة مقتل أُمَيَّة بْن خَلَف
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن الْقَاسِم الأنباي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِي الْفَضْلِ الْعَبَّاسِ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: كُنْتُ أُعْرَفُ بِعَبْدِ عَمْرٍو فَسَمَّانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَلَمَّا كَانَ يوْمُ بَدْرٍ سَلَبْتُ أَرْبَعَة ادرعٍ مِنْ دُرُوعِ الْمُشْرِكِينَ وَأَقْبَلْتُ بِهِنَّ، فَمَرَّ بِي أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ وَابْنُهُ عَلَيٌّ، فَنَادَانِي أُمَيَّةُ: يَا عَبْدَ عَمْرٍو! فَلَمْ أُجِبْهُ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ! قُلْتُ: وَمَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: أَنَا وَابْنِي خيرٌ لَك من هَذِه الأدرع، فَأَلْقَيْتُهُنَّ وَأَقْبَلْتُ بِهِمَا، فَبَصُرَ بِهِمَا بِلالٌ فَأَقْبَلَ بِسَيْفِهِ، وَقَالَ: أُمَيَّةُ رَأْسُ الْكُفْرِ؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمْكَنَنِي مِنْكَ، فَقُلْتُ: يَا بِلالُ! كَانَت معي وَالله أَرْبَعَة أدرع وَأَلْقَيْتُهُنَّ وَاعْتَمَدْتُ عَلَى هَذَيْنِ، فَلا تَفْجَعْنِي بِهِمَا.
فَأَقْبَلَ يُرِيدُهُمَا فَقُلْتُ: تَنَح يَا ابْن السَّوْدَاءِ، وَقَامَ إِلَى قَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ! أُمَيَّةُ رَأْسُ الْكُفْرِ وَابْنُهُ، فَأَقْبَلُوا بِالسُّيُوفِ إِلَيْهِمَا، فَمَا مَلَّكُونِي مِنْ أَمْرِهِمَا شَيْئًا، فَضُرِبَ عَلَيَّ ضَرْبَةً فَطَنَّتْ سَاقَهُ، فَصَاحَ أُمَيَّةُ صَيْحَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ، ثُمَّ حَمَلُوا فَذَفَّفُوا عَلَيْهِمَا.
فَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ بِلالا، فَجَعَنِي بِأَسِيرَيَّ وَذَهَبَتْ أَدْرَاعِي.
مَعْنَى ذَفَّفُوا: أَجْهَزُوا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَالَ أَبِي: قَالَ الْعَبَّاسُ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ابْنَ عَائِشَةَ، فَقَالَ لِي: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ شَاعِرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَدَحَ بِلالا لَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَالَ:
هَنِيئًا زَادَكَ الرَّحْمَنُ خَيْرًا ... فَقَدْ أَدْرَكْتَ ثَأْرَكَ يَا بِلالُ
فَمَا نِكْسًا وُجِدْتَ وَلا جَبَانًا ... غَدَاةَ تَنُوشُكَ الأَسَلُ الطِّوَالُ
معنى التناوش مهموزاً وغير مَهْمُوز
قَالَ القَاضِي: معنى تنوشك: تناولك، وَهُوَ من المناوشة، وَقيل: إِن التناوش: التَّنَاوُل من قريب بِغَيْر همز، والتناؤش بِالْهَمْز: التَّنَاوُل من بعيد، قَالَ الراجز:
فَهِيَ تَنُوشُ الحَوْضَ نَوْشًا مِنْ عَلا ... نَوْشًا بِهِ تَقْطَعُ أَجْوَازَ الفَلا
стр. 336
فَهَذَا غَيْر مَهْمُوز، وقَالَ نَهْشَلُ بن حري فِي الْهَمْز:
تمنى نَئيشًا أَن يَكُون أَطَاعَنِي ... وَقَدْ حَدَثَتْ بعد الأُمُورِ أُمُورُ
وَقَدْ قَرَأت القرأة: " وأنى لَهُم التناؤش " بِالْهَمْز وَتَركه، وَنسب الصلولي شَيخنَا أَبَا جَعْفَر ﵀ إِلَى التَّصْحِيف فِي بَيت نَهْشَل، وَذكر أَنه رَوَاهُ تمنى حبيشٌ، وَجَرت بَيْننَا وَبَينه فِي هَذَا مُخَاطبَة قمعته بِحَضْرَة جمَاعَة مِنْهُم أولو علم وَمَعْرِفَة، وَلنَا فِي هَذَا رِسَالَة أوضحنا فِيهَا سُقُوط مَا أوردهُ الصولي وَحَكَاهُ، وضمناها من خطأ الصولي وَتَصْحِيفه وتعاطيه مَا لَا يُحسنهُ فِي مَوَاضِع من تأليفه، وَمن نَظَر فِي ذَلِكَ أشرف مِنْهُ عَلَى علم مُسْتَفَاد، وَبَيَان مستجاد، إِن شَاءَ اللَّه.
الْوَلِيد يتوله بِجَارِيَة نَصْرَانِيَّة
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِم، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعُتْبِي، قَالَ: كَانَ الْوَلِيد بْن يَزِيد نظر إِلَى جَارِيَة نَصْرَانِيَّة من أهيأ النّاس يُقَالُ لَهَا سفرى، فجُنَّ بهَا وَجَعَل يراسلها وتأبى عَلَيْه، حَتَّى بلغه أَن عيدًا لِلنَّصَارَى قَدْ قرب، وَأَنَّهَا ستخرج فِيهِ وَكَانَ مَوضِع الْعِيد بستانٌ حَسَن، وَكَانَ النساءُ يَدْخُلْنه، فصانع الْوَلِيد صاحبَ الْبُسْتَان أَن يُدخله فَينْظر إِلَيْهَا فَتَابَعَهُ، وَحضر الْوَلِيد وَقَدْ تقشَّف وَغير حِلْيَته، ودخلتْ سَفْرى الْبُسْتَان فَجعلت تمشي حَتَّى انْتَهَت إِلَيْهِ، فَقَالَت لصَاحب الْبُسْتَان: من هَذَا؟ قَالَ لَهَا: رجلٌ مصابٌ، فَجعلت تمازحه وتضاحكه حَتَّى اشتفى من النّظر إِلَيْهَا وَمن حَدِيثهَا، فَقِيل لَهَا: وَيلك! تدرين من ذَلِكَ الرَّجُل؟ قَالَتْ: لَا، فَقِيل لَهَا: الْوَلِيد بْن يَزِيد فَإِنَّمَا تقشف حَتَّى ينظر إِلَيْك، فجُنَّتْ بِهِ بعد ذَلِكَ، وَكَانَت عَلَيْه أحرص مِنْهُ عَلَيْهَا، فَقَالَ الْوَلِيد فِي ذَلِكَ:
أَضْحَى فُؤَادُكَ يَا وليدُ عَمِيدَا ... صَبًّا قَدِيما للحسانِ صَيُودا
من حُبِّ واضحةِ العَوَارِضِ طفلةٍ ... برزت لنا نَحْو الْكَنِيسَة عيدا
مَا زلت أرمُقها بعينْي وامِق ... حَتَّى بَصُرْتُ بهَا تقبِّلُ عُودا
عودَ الصَّلِيب فَوَيْح نفسِي من رَأَى ... مِنْكُم صَلِيبًا مِثله مَعْبُودا
فسألتُ رَبِّي أَن أكونَ مكانَهُ ... وأكون فِي لَهب الْجَحِيم وقودا
قَالَ القَاضِي: لَمْ يَبْلُغْ مُدْرِكُ الشَّيْبَانِيّ هَذَا الْحَد من الخلاعة فِيمَا قَالَ فِي عَمْرو النَّصْرانُّي:
يَا لَيْتَني كنتُ لَهُ صَلِيبَا ... وكنتُ مِنْهُ أبَدًا قَرِيبا
أَبْصِرُ حُسْنًا وأشُمُّ طيبا ... لَا واشِيًا أخْشَى وَلا رَقِيبا
فَلَمَّا ظهر أمره وَعلمه النّاس، قَالَ:
أَلا حَبَّذَا سَفْرِي وَإِن قِيلَ إِنَّنِي ... كَلِفْتُ بنصرانيةٍ تَشْرَبُ الخمرا
стр. 337
يهونُ عَلَينَا أَن نَظَلَّ نهَارَنا ... إِلَى اللَّيْل لَا أُولَى نُصَلِّي وَلا عَصْرا
وللوليد فِي هَذَا النَّحْو من الخلاعة والمجون وسخافة الدّين مَا يطول ذكره، وَقَدْ ناقضناه فِي أَشْيَاء من منظوم شعره والمتضمن رَكِيك ضلاله وكفره، وَمَا لَعَلَّنَا نُورده فِيمَا نستقبله من مجَالِس فِي كتَابنَا هَذَا.
حكم الْوَادي يضطرب أَمَام الْوَلِيد
حَدَّثَنَا المظفَّر بْن يحيى بن أَحْمد الْمَعْرُوف بَان الشرابي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس المرثدي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاق الثَّلْجِي، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ حَكَم الْوَادي، قَالَ:
قَالَ الْوَلِيد بْن يَزِيد بْن عَبْد الْملك لجلسائه من المغنيين: إِنِّي لأشتهي غناء أطول من أهزاجكم وأقصر من الْغناء الطَّوِيل، قَالُوا جَمِيعًا: قَدْ أصبته يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين، بِالْمَدِينَةِ رَجُل يُقَالُ لَهُ: مَالك بْن أَبِي السَّمْح الطَّائِي حَلِيف لقريش وَهَذَا غناؤه، وَهُوَ أحسن النّاس خلقا وَأَحْسَنهمْ حَدِيثا، قَالَ: أرْسلُوا إِلَيْهِ، فَأرْسل إِلَيْهِ فشخص حَتَّى وافاه بِالشَّام بِدِمَشْق.
قَالَ: فَلَمَّا دَخَلنَا فِي وَقت النَّبِيذ دخل مَعنا، فَقَالَ لَهُ الْوَلِيد: غَنِّه، فَانْدفع يضْرب فَلم يطاوعه حلقه وَلَم يصنع قَلِيلا وَلا كثيرا، فَقَالَ لَهُ الْوَلِيد: قُم فَاخْرُج.
قَالَ: وَأَقْبل علينا يعنفنا، وَيَقُولُ: مَا تزالون تُغْرُوني بِالرجلِ وتزعمون أَن عِنْده بعض مَا أشتهيه حَتَّى أُدْخِلَه وأُطْلِعَه عَلَى مَا لَمْ أكن أُحِبَّ أَن يَطَّلِع عَلَيْه أحد، ثُمّ لَا أجد عِنْده مَا أُرِيد. فَقُلْنَا: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين! واللَّه مَا كذبنَا وَلَكِن عَسى الرَّجُل قَدْ تغيَّر بَعدنَا، قَالَ: وَلَم نزل بِهِ حَتَّى استرسل وَطَابَتْ نَفسه وغنّيْناهُ حَتَّى نَام، ثُمّ انصرفنا فَجعلنَا طريقنا على مَالك، فافترينا عَلَيْهِ وكدنا نتناوله، قَالَ: فَقَالَ: وَيحكم! دخلتني لَهُ هيبةٌ منعتْني من الْغناء وَمن الْكَلَام لَو أردته، فأعيدوني إِلَيْهِ فَإِنِّي أَرْجُو أَن يرجع إليّ حلقي وغنائي.
قَالَ: فكلمنا الْوَلِيد فَدَعَا بِهِ، فَكَانَ فِي الثَّانِيَة أَسْوَأ حَالا مِنْهُ فِي الأولى فصاح بِهِ أَيْضا فَخرج، وَفعلنَا كفعلنا، قَالَ: فَقَالَ: أعيدوني إِلَيْهِ فامْرَأَتُهُ طَالِق وَمَا يَمْلك فِي سَبِيل اللَّه إِن لَمْ أستنزله عَنْ سَرِيره إِن هُوَ أنصفني، قَالَ: فَجِئْنَا إِلَى الْوَلِيد، قَالَ: فَأَخْبَرنَاهُ، قَالَ: فَقَالَ: وَعلي مثل يَمِينه إِن هُوَ لم يستنزلني أَن أُنَفِّذَ فِيهِ مَا حَلَف بِهِ فَهُوَ أَعْلَم.
قَالَ: فأتيناه فَأَخْبَرنَاهُ بمقالة الْوَلِيد وَيَمِينه، قَالَ: قَدْ قبلت، قَالَ: فحضرنا مَعَه دَارا نَكُون فِيهَا إِلَى أَن يَدعِي بِنَا، فمرّ بِهِ صَاحب الشَّرَاب فَأعْطَاهُ دِينَارا عَلَى أَن يأتيَهُ بقدحٍ حَبَشَانِي مملوءٍ شرابًا من شراب الْوَلِيد، فَأَتَاهُ بقح ثمَّ بقدح ثُمّ بقدح، بِثَلَاثَة أقداح، فَأعْطَاهُ ثَلَاثَة دَنَانِير ثُمّ أدخلْنَاهُ عَلَيْه، فَقَالَ لَهُ الْوَلِيد: هَات، فَقَالَ: لَا، وَالله أوترجع إِلَيّ نَفسِي وأضطرب وَأرى للغناء موضعا، قَالَ: فَذَاك لَك، قَالَ: فَاشْرَبْ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَ: فَشرب وَجعل يشرب ويغني المغنون، حَتَّى إِذا ثمل الْوَلِيد وثمل هُوَ سل صَوتا فَأحْسن وَجَاء بِمَا يغرب، فطربنا وطرب الْوَلِيد وتحرك، وقَالَ: اسْقِنِي يَا غُلام فسُقِي
стр. 338
وتَغَنَّى مالكٌ صَوتا آخر فجَاء بالعجب، فَقَالَ لَهُ الْوَلِيد: أَحْسَنت أَحْسَنت أحسن اللَّه إِلَيْك، فَقَالَ: الأَرْض الأَرْض يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين، قَالَ: ذَاك لَهُ وَنزل فحياه وَأحسن إِلَيْهِ، وَلم يزل مَعَه، حَتَّى قتل الْوَلِيد.
إِلَّا أَن تحج ثَانِيَة يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ الرَّبَعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْمَوْصِلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْجُرْجَانِيِّ، قَالَ: حَجَجْتُ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الرَّشِيدِ فَدَخَلْتُ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَبَيْنَا أَنا بَين الْقَبْر والمنبر، إِذْ أَنَا عَنْ يَمِينِي بِرَجُلٍ حَسَنِ الْهَيْئَةِ خَاضِبٍ، مَعَهُ رجلٌ فِي مِثْلِ حَالِهِ، فَحَانَتْ مِنِّي لَفْتَةٌ نَحْوَهُ فَإِذَا هُوَ يَكْسِرُ حَاجِبَهُ، وَيَفْتَحُ فَاهُ، وَيَلْوِي عُنُقَهُ، وَيُشِيرُ بِيَدِهِ، فَتَجَوَّزْتُ فِي صَلاتِي وَسَلَّمْتُ، فَقُلْتُ: أَفِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَتَغَنَّى؟ قَالَ: قَنَّعَكَ اللَّهُ دَارَ مَخْرَمَةَ، مَا أَجْهَلَكَ! - قَالَ: وَدَارُ مَخْرَمَةَ صَخْرَةٌ - أَمَا فِي الْجَنَّةِ غِنَاءٌ؟ قُلْتُ: بَلَى، فِيهَا مَا تَشْتَهِي الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ، قَالَ: فَأَنَا فِي رَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، قُلْتُ: لَا، قَالَ: وَاحْرَبَاهْ! أَتَرُدُّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْلَهُ: " بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي روضةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ "، فَنَحْنُ فِي تِلْكَ الرَّوْضَةِ، فَقُلْتُ: قَبَّحَ اللَّهُ شَيْخًا وَشَارَةً، مَا أَسْفَهَكَ! فَقَالَ: بِالْقَبْرِ لَمَا أَنْصَتَّ إِلَيَّ، فَتَخَوَّفْتُ أَلا أُنْصِتَ إِلَيْهِ، فَانْدَفَعَ فَتَغَنَّى بصوتٍ يُخْفِيهِ:
فَلَيْسَتْ عَشِيَّاتُ الْحِمَى بِرَوَاجِعٍ ... عَلَيْكَ وَلَكِنْ خَلِّ عَيْنَكَ تَدْمَعَا
فَوَاللَّهِ إِنْ قُمْتُ لِلصَّلاةِ مِمَّا دخا عَليَّ، فَلَمَّا رَأَى مَا نَزَلَ بِي، قَالَ: يَا ابْن أُمِّي! أَرَى نَفْسَكَ قَدِ اسْتَجَابَتْ وَطَابَتْ، فَهَلْ لَكَ فِي زِيَادَةٍ؟ قُلْتُ: وَيْحَكَ! مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله وَسَلَّمَ، قَالَ: أَنَا أَعْرَفُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْكَ، فَدَعْنَا مِنْ جَهْلِكَ، وَتَغَنَّى:
فَلَوْ كَانَ واشٍ بِالْيَمَامَةِ دَارُهُ ... وَدَارِي بِأَعْلَى حَضْرَمَوْتَ اهْتَدَى لِيَا
وَمَا بَالُهُمْ لَا أَحْسَنَ اللَّهُ حِفْظَهُمْ ... مِنَ الْحَظِّ هُمْ فِي نصر هم لَيْلَى حِيَالِيَا
قَالَ: فَقَالَ لَهُ صَاحبه: يَا ابْن أَخِي! أَحْسَنْتَ وَاللَّهِ، عَتَقَ مَا يَمْلِكُ لَوْ أَنَّ هَذَا فِي مَوْضِعِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الرَّشِيدِ لَخَلَعَ عَلَيْك ثِيَابه مشقومةً طَرَبًا، قَالَ: فَقُمْتُ وَهُمَا لَا يَعْلَمَانِ مَنْ أَنَا، فَدَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الرَّشِيدِ، فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: أَدْرِكْهُمَا لَا يَفُوتَانِكَ، فَوَجَّهْتُ مَنْ أَتَى بِهِمَا، فَلَمَّا دَخَلا عَلَيْهِ وَدَخَلا بوجوهٍ قَدْ ذَهَبَ مَاؤُهَا، وَأَنَا قائمٌ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ! هَذَانِ هُمَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَنَظَرَ الْمُغَنِّي مِنْهُمَا إِلَيَّ وَقَالَ: سِعَايَةً فِي جوَار قبر رَسُول اللَّهِ ﷺ ؟ فَسُرِّيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُ غَضَبِهِ، فَقَالَ: مَا كُنْتُمَا فِيهِ؟ قَالا: خيرٌ، قَالَ: فَمَا من ذَلِك الْخَيْر؟ فسكتا، فَقَالَ لِلْمُغَنِّي مِنْهُمَا: مَنْ أَنْتَ؟ فَابْتَدَرَهُ جَمَاعَةٌ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! هَذَا ابْنُ جُرَيْجٍ فَقِيهُ أَهْلِ مَكَّةَ، فَقَالَ: فَقِيهٌ يَتَغَنَّى فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِالْقَصْدِ مني، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ مِنْ هَذَا الْمَخْزُومِيِّ -
стр. 339
يَعْنِي صَاحِبَهُ - صَوْتَيْنِ لَمْ يَزَالا فِي قَلْبِي حَتَّى الْتَقَيْنَا وَأَحْبَبْتُ أَنْ يَأْخُذَهُمَا عَلَيَّ فَأَخَذَهُمَا عَلَيَّ، وَحلفت أَنِّي قَدْ أَحْسَنْتُ وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي مَوْضِعِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَخَلَعَ عَلَيَّ، وَسَكَتَ.
فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ تَرَكْتَ مِنَ الْحَدِيثِ شَيْئًا فَهَاتِهِ، فَقَالَ: مَا تَرَكْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ شَيْئًا، قَالَ: وَاللَّهِ لَتَقُولَنَّ مَا قَالَ أَوْ لأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ.
قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! قَالَ: لَوْ كُنْتُ فِي مَوْضِعِهِ لَخَلَعْتُ عَلَيْهِ ثِيَابَكَ مَشْقُوقَةً طَرَبًا، فَتَبَسَّمَ الرَّشِيدُ وَقَالَ: أَمَّا هَذَا فَلا، وَلَكِنْ سَأَنْبِذُهَا لَكَ صَحِيحَةً فَهُوَ خيرٌ لَكَ، ثُمَّ دَعَا بثيابٍ وَنَبَذَ إِلَيْهِ ثِيَابَهُ، وَأَمَرَ لَهُ بِعَشَرَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، وَلِصَاحِبِهِ بِخَمْسَةِ آلافِ دِرْهَم، وَقَالَ: لَا تعود لِمِثْلِ هَذَا.
قَالَ: فَقَالَ صَاحِبُ ابْنِ جُرَيْجٍ: إِلا أَنْ تَحُجَّ ثَانِيَةً يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَضَحِكَ وَقَالَ: أَلْحِقُوهُ بِصَاحِبِهِ فِي الْجَائِزَةِ.
وَصِيَّة أعرابية لولدها
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْن مُحَمَّد بْن رستم، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عِيسَى النَّحْويّ، قَالَ: قَالَ أبان بْن تَغْلِب - وَكَانَ عابدًا من عبّاد الْبَصْرَة: شهِدت أعرابية وَهِي توصي ولدا لَهَا يُرِيد سفرا وَهِي تَقُولُ لَهُ: أَيّ بُنَيّ! اجْلِسْ أمنحْك وصيَّتي، وَبِاللَّهِ تَعَالَى توفيقُك، فإنَّ الْوَصِيَّة أجدى عَلَيْك من كثير عقلك.
قَالَ أبان: فوقفتُ مُسْتَمِعًا لكلامها مستحسنًا لوصيتها فَإِذا هِيَ تَقُولُ: أَيّ بني! إياك والنميمة، فَإِنَّهَا تَزْرَع الضغينة وتفرِّقُ بَيْنَ المحبين، وَإِيَّاك والتغرض للعيوب، فتُتَّخذَ غَرَضًا، وخليق إلّا يثبت الغَرَض عَلَى كَثْرَة السِّهَام، وقلَّ مَا اعْتَوَرَتِ السِّهامُ هَدَفًا إِلا كَلَمَتْهُ حَتَّى يَهِي مَا اشتدَّ من قُوَّته، وَإِيَّاك والجودَ بِدينِك، وَالْبخل بِمَالك، وَإِذا هززت فاهزز كَرِيمًا يلين لهزتك، وَلَا تهزز اللّئيم فَإنَّهُ صَخْرَة لَا يتفجَّرُ ماؤُها، ومَثِّل لنَفسك أمثالَ مَا استحسنتَ من غَيْرك فاعمل بِهِ، وَمَا استقبحتَ من غَيْرك فاجْتَنِبْهُ، فَإِن الْمَرْء لَا يرى عيب نَفسه، وَمن كَانَتْ مودته بِشْرَه، وَخَالف ذَلِكَ فِعْلَه، كَانَ صديقُه مِنْهُ عَلَى مثل الرّيح فِي تصرُّفِّها، ثُمّ أمسكَتْ. فدنوتُ مِنْهَا فَقلت: بِاللَّهِ يَا أعرابية إِلا زِدْتيه فِي الْوَصِيَّة، قَالَتْ: أوقد أعْجبك كَلَام الْأَعْرَاب يَا عراقي؟ قُلْتُ: نعم، قَالَتْ: والغدر أقبح مَا تعامل بِهِ الناسُ بَينهم، وَمن جمع الْحلم والسخاء فقد أَجَاد الْحُلَّةَ رَيْطَتَها وسِرْبَالَها.
عِنْدَمَا يسمع المحبُّ اسمَ حَبِيبه
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ: حَدَّثَنَا عون بْن مُحَمَّد، قَالَ: حَدَّثَنِي إِدْرِيس بْن بدر أَخُو الجَهْم بْن بدر، قَالَ: كَانَ أبي مُنْقَطِعًا إِلَى الْفَضْل بْن يَحْيَى، فَكَانَ مَعَه يَوْمًا فِي موكبه، فَقَالَ أَبِي: فرأيتُ من الْفضل حيرةً وجَوْلة، فَنظر إليّ فَفطن أَنِّي قَد استبنت مَا كَانَ فِيهِ، فَقَالَ: عَرِّفْني يَا بدر، كَيفَ قَالَ الْمَجْنُون: وداع دَعَا.......؟ فأنشده:
стр. 340
وداعٍ دَعَا إذْ نَحْنُ بالْخِيفِ من مِنًى ... فَهيَّجَ أحزانَ الفؤادِ وَمَا يدْرِي
دَعَا باسم ليلى غَيرهَا فَكَأَنَّمَا ... أطار بليلي طائرًا كَانَ فِي صَدْرِي
قَالَ: هَذِهِ واللَّهِ قِصَّتي، كُنْت أَهْوى جَارِيَة يُقَال لَهَا خِشْف، فَكَانَ مني مَا رَأَيْت ونالني مثل مَا نَالَ الْمَجْنُون.
كُتَّاب سُوء الْأَدَب
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن زِيَاد الْمقري، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن الشَّامي بهراة، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيّ بْن الجَعْد، قَالَ: كتب أَبُو يُوسُف القَاضِي يَوْمًا وَعَن يَمِينه إِنْسَان، فلاحظه يقرأُ مَا يكْتب، فَفطن بِهِ أَبُو يُوسُف، فَقَالَ لَهُ: وقفتَ عَلَى شيءٍ من خطأ؟ قَالَ: لَا، واللَّه، وَلا حرف. فَقَالَ لَهُ أَبُو يُوسُف: جُزِيتَ خيرا كفيتنا مؤونة قِرَاءَته، ثمَّ أنشأ يَقُولُ:
كأنَّهُ من سُوءِ تَأْدَابِهِ ... تَعَلَّم فِي كُتَّابِ سُوءِ الْأَدَب
لَمْ يَدعه يسْأَل غَيره
حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن جَعْفَر الأَزْدِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَان بْن مَنْصُور الْخُزَاعيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَان الْحِمْيَريّ، عَنْ عَبْد الْحَمِيد بْن جَعْفَر الأَنْصَارِيّ، قَالَ: قدِم أعرابيٌّ الْمَدِينَة يطْلب فِي أَربع دياتٍ حنلها، فَقِيل لَهُ: عَلَيْك بِحسن ابْن عَليّ، وَعَلَيْك بِعَبْد بْن جَعْفَر، وَعَلَيْك بِسَعِيد بْن الْعَاصِ، وَعَلَيْك بِعَبْد اللَّه بْن الْعَبَّاس، فَدخل الْمَسْجِد فَرَأى رَجُلا يَخْرُج وَمَعَهُ جمَاعَة، فَقَالَ: من هَذَا؟ قِيلَ: سَعِيد بْن الْعَاصِ، قَالَ: هَذَا أحدُ أَصْحَابِي الَّذِين ذُكِرُوا لي، فَمشى مَعَه فَأَخْبَرَه بِالَّذِي قدِم لَهُ، وَمن ذكره وَأَنه أحدهم، وَهُوَ ساكتٌ لَا يجِيبه، فَلَمَّا بلغ بَاب منزله قَالَ لخازنه: قل لهَذَا الْأَعرَابِي فليأتِ بِمن يَحْمِلُ لَهُ، فَقِيل لَهُ: ائْتِ بِمن يحمل، قَالَ: عافي اللَّه سعيدًا، إِنَّمَا سِألناه ورِقًا وَلَم نَسْأَلهُ تَمرا، قَالَ: وَيحك ائتِ بِمن يحمل لَك، فَأخْرج إِلَيْهِ أَرْبَعِينَ ألفا، فاحتملها الأعرابيُّ فَمضى إِلَى الْبَادِيَة وَلَم يلق غَيره.
كَيفَ خلصه اللَّه من الْغُلَام
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمد بن أبي الثلجن قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن فهم، قَالَ: حَدثنَا عمر بن شية، عَنْ فُلان من أَهْل الْبَصْرَة، قَالَ: مَرَرْت بالنخاسين بِبَغْدَاد فَإِذا أَنَا بِرَجُل يُنَادي عَلَى غُلام نظيف لَهُ هَيْئَة وجمال، وَهُوَ يَقُولُ: من يَشْتَرِي غُلَاما سَارِقا آبقًا قَتُولا لمواليه؟ فعد خِلالَ سُوء، قَالَ: فَقلت: يَا غُلام! مَا هَذِهِ الصفاتُ بك؟ قَالَ: فَقَالَ لي: امضِ إِلَى عَمَلك إِن أردْت أَن تَمْضي، فَإِنّ مولَايَ يريدُ أَن يستعيبَني بِهَذَا، قَالَ: فَرَغَّبني هَذَا الكلامُ فِيهِ، فقلتُ للمنادِي: بِعْنِيهِ، فَقَالَ: مَعَ كُلّ مَا وصفتُ من الْخلال المذمومة فِيهِ؟ قَالَ: فَقلت: ارْمِ بِثمن هَذَا فِي الْبَحْر.
فاشتريته بسبعة عشر دِينَارا وصرت بِهِ إِلَى منزلي، فَمَكثَ شهورًا لَا أرى إِلا كُلّ خلة
стр. 341
ٍ جميلَة، حَيْطَة وشفقة ونُصْحًا حَتَّى أمِنْتُه وسلَّمتُ إِلَيْهِ، فَقبض عَلَى كيسٍ لي فِيهِ جملةٌ ثُمّ هرب، فَلم أعرف لَهُ خَبَرًا، وَلَم يَكُنْ لي عَلَى بَيْعه حجةٌ لما بيَّن من خِلاله.
قَالَ: فَقلت: مَا أرى كُلّ مَا قِيلَ فِيهِ إِلا حقًّا، وحمدت اللَّه إِذْ كَانَت النَّازِلَة بِمَالي وَلَم تكن بِي. قَالَ: ثُمّ اتَّصل بِي الْخَبَر أَنَّهُ بِالْكُوفَةِ قَد انْقَطع إِلَى صَيْرفيٍّ، قَالَ: فخرجتُ خَلفه فَأرَاهُ قَاعِدا فِي الصيارف فِي دُكَّان رَجُل نبيلٍ مِنْهُم، قَالَ: فقبضتُ عَلَيْه وَقلت: يَا عَدو اللَّه يَا آبق! قَالَ: فَقَالَ الصَّيْرفيّ: أهوَ مَمْلُوك؟ قَالَ: فَقلت: نعم، وَهُوَ عَبدِي، قَالَ: فَقَالَ الْغُلَام: نعم، هُوَ مولَايَ وَأَنا مَمْلوكه، فراعني تَمَاوُتُه، قَالَ: وخفتُ أَن ينالَني مَا قَالَ الْمُنَادِي، قَالَ: فجئتُ بِهِ إِلَى حدادٍ فَقلت لَهُ: ضَعْ بيَدي وَيَده مَصَكَّةً وَثِيقَة، قَالَ: وَقلت: واللَّه لَا نزال هَكَذَا إِلَى بَغْدَاد، وَخرجت من الْكُوفَة أَمْشِي وَيَمْشي لَا يتهيأ لنا الرّكُوب من أجل المصكة، حَتَّى وافينا برقيا، قَالَ: فنمنا فِي الخان عَلَى تَعَب، قَالَ: فَمَا شَعرت إِلا بوثبة الْأسد فَوق الْغُلَام، قَالَ: فَأَخذه يجره ويجرني مَعَه بالمصكةِ قَالَ: فذكرْتُ سكينًا فِي خُفِّي صَغِيرَة، فأخرجتها فحززت يَده فَبَقيت فِي المصكة، وَمضى بِهِ الْأسد، ثُمّ نزعت المصكة ودفنتُ يَده
رِوَايَة أُخْرَى للْخَبَر
حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر الْعُقَيْليّ بِنَحْوِ هَذَا عَنْ أَبِي الْحَسَن بْن رَاهَوَيْه الْكَاتِب، قَالَ: حكى بعض التُّجَّار أَن مَمْلُوكا سرق مِنْهُ كيسًا فِيهِ جملَة من الدَّنَانِير وهرب، قَالَ: فَخرجت فِي طلبه فأدركني الْمسَاء فِي مَوضِع حَدَّدَه وذُكِر لي أَنَّهُ مسبعٌ، فَرَأَيْت شَجَرَة عالية فتسنَّمتُها، فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْل أقبل الْأسد وَالْأَرْض كَادَت تنشقُّ من زئيره، فَجَزِعت وجذبت غُصْنًا من الشَّجَرَة مُتَعَلقا بِهِ لأرتفع من مَكَاني وازداد بعدا من الأَرْض، فَسقط شخص من الشَّجَرَة سَمِعْتُ وجْبَتَه، فَوَثَبَ الْأسد عَلَيْه وَجَعَل يَلَغُ فِي دَمه، ويلتهم لَحْمه ثُمّ ولَّى، وأقمتُ بمكاني حَتَّى جَاءَ الصُّبْح وانتشر النّاس، فَنزلت فَإِذا رَأس غلامي ملقى وَإِلَى جنبه كيسي بِحَالهِ، فَأَخَذته وانصرفت.
أَبَى إِلا الحقَّ
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن عَرَفَة الأَزْدِيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيل بْن حَسَّان قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن دَاوُد التغلبي، عَنْ عَوَانَة بْن الْحَكَم، قَالَ:
أَتَى الحَجَّاج برجلَيْن من الْخَوَارِج، فَقَالَ لأَحَدهمَا: مَا دِينُك؟ قَالَ: دِينُ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفا مُسْلمًا وَمَا أَنَا من الْمُشْركين، فَقَالَ: يَا حَرَسِيّ! اضْرِب عُنُقه، ثمَّ قَالَ للْآخر: أَنْت مَا دِينُك؟ قَالَ: دينُ الشَّيْخ يُوسُف بْن الْحَكَم - يَعْنِي أَبَا الحَجَّاج - قَالَ: وَيحك أَخَبَرْتُه؟ لقَدْ كَانَ صَوَّامًا قَوَّامًا، يَا حَرَسِيّ! خلِّ عَنْهُ، فَقَالَ: وَيحك يَا حَجّاج! أشقيتَ نَفسك وأثمت بربِّك، قتلتَ رَجُلا عَلَى دين إِبْرَاهِيم ﷺ ، قَالَ اللَّه تَعَالَى: " وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ
стр. 342
إِلَّا من سفه نَفسه ": فَقَالَ: أبَيْتَ، يَا حَرَسِيّ! اضْرِب عُنُقه، فَانْطَلق بِهِ فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
سُبحان ربٍّ قَدْ يَرَى ويَسْمَعُ ... وَقَدْ مَضَى فِي علمه مَا تَصْنعُ
وَلَو يَشَا فِي ساعةٍ بل أسرعُ ... فيرسِلَنْ عَلَيْك نَارا تَسْطعُ
فَيتْرك السَّرِير مِنْك بلقعُ
فضُربت عُنُقه.
من طرائف الْقُضَاة
حَدَّثَنَا جَعْفَر بْن أَحْمَد بْن جَعْفَر النهرواني، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَمَّن حدّثه، قَالَ: وُلّي يَحْيَى بْن أَكْثَم إِسْمَاعِيل بْن سَمَّاعَة الْقَضَاء بغربي بَغْدَاد، وَولى سوار بْن عَبْد اللَّهِ شرقيها، وَكَانَا أعورين، فَكتب فِيهِ مُحَمَّد بْن رَاشد الْكَاتِب:
رأيتُ من الْعَجَائِب قاضيين ... هما أُحْدُوثةٌ فِي الْخَافِقين
هما فَالُ الزَّمَان بهُلْكِ يَحيى ... إذِ افْتتح القضاءَ بأعورين
فَلَو جُمع العَمَى يَوْمًا بأفقٍ ... لكانا للزمانة خلتين
ةتحسب مِنْهُمَا من هز رَأْسا ... لينْظر بُزَالَهُ من فَرْدِ عَيْن
وَكَانَ يَحْيَى بْن أَكْثَم أَعور.
من رسائل العَتَّابِيّ
حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن المزربان النَّحْويّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْعَبَّاس اليزيدي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بْن صَدَقَة النَّحْويّ، قَالَ: كتب العَتَّابِيّ إِلَى دَاوُد بْن يَزِيد بْن الْمُهَلّب: أما بعد، فَإِنِّي امْرُؤ فيَّ خُلَّتَان: حصرٌ مُقَيَّدٌ بِالْحَيَاءِ، وعِزَّةُ نَفْسٍ شبيهةٌ بالجفاء، وَلَم أزل أرغبُ بنفسي فِي صُحْبَة غَطَارفة الرِّجَال، وَأَبْنَاء ذَوي الفعال، فوردت الْعَسْكَر فَرفع إليّ أَقوام مِنْهُم من يرتاشُ حَاله، وَلا يَشْرُفُ إِلا بِمَالِه، وَمِنْهُم من أنْحَلَ أديمه، وَلم يصل قديمه، فِي طبات شَتَّى يضيقُ عَنْهُمُ الْمَدْح، ويتسع فيهم الذَّم، وَرَأَيْت وُجُوه الْقَبَائِل تصدر عَنْك بأنواع الْفَضَائِل فِي حمل الدِّيَات، وَفضل الهبات، ورأيتُك من نبعةٍ أصلُها الكَرَم، وَأَغْصَانهَا الْهِمَم، تُثْمِرُ الْحَمد، وتَرْقَعُ الْمجد، فحطَطْتُ رَحْلي بفِنَائك وشددتُ عُراه بأطنابِ وفائك، وَقلت فِي ذَلِكَ
دَاوُدُ خيرُ فَتًى يُعَاذُ برُكْنِهِ ... ملكٌ يُجيرُ من الزَّمانِ القَاسِي
كم من يَد لَك أصبحتْ مَشهورةً ... بيضاءَ تَجْلُو ظلمَة الإبْلاسِ
فلقلما تلقاهُ إِلا وَاقِفًا ... مُتَحرِّمًا بَيْنَ الندى والباس
أثر الْهَدِيَّة فِي النُّفُوس
حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الْخُتلِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْص - يَعْنِي النَّسَائيّ -
стр. 343
قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْن يَعْقُوب التَّمِيمِيّ، عَنْ عَليّ بْن مُحَمَّد الْقُرَشِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْص بْن عَمْرو بْن خاقَان، قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُس بْن عُبَيْد، قَالَ: أتيت مُحَمَّد بْن سِيرِينَ، فَقلت: قُولُوا لَهُ: يُونُس بْن عُبَيْد بِالْبَابِ، فَقَالَ: قُولُوا لَهُ: أَنَا نَائِم، فَقلت: قُولُوا لَهُ: إِن معي هَدِيَّة، فَقَالَ: كَمَا أَنْت إِذا.
هَلْ كذب ابْن سِيرِينَ
قَالَ القَاضِي: قَول ابْن سِيرِينَ، فَقَالَ: قُولُوا لَهُ: إنَّه نَائِم وَلَيْسَ بنائم، أَرَادَ بِهِ - واللَّه أَعْلَم - أَنَّهُ نائمٌ بعد هَذَا الْوَقْت، كَقَوْل الرَّجُل: أَنَا قاتم غَدا، قَالَ اللَّه : " إِنَّك ميتٌ وَإِنَّهُم ميتون "، وَابْن سِيرِينَ مِمَّنْ تنزه عَنِ الْكَذِب لدينِهِ ووَرَعِه. وَقَدْ رُوِي عَنْهُ فِي ذمِّ الْكَذِب أشياءَ كَثِيرَة.
لماذا يهدأ ولماذا يضْرب ؟
حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن السَّري التَّمِيمِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن قرج، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُمَر الدفتري، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْكسَائي يَقُولُ: كُنْت يَوْمًا أَقرَأ عَلَى حَمْزَة فَدخل سُلَيْم فاضطربت، فَقَالَ لي حَمْزَة: يَا هَذَا! تقْرَأ عَليّ وَأَنت مستمرٌّ حَتَّى إِذا دخل سُلَيْم اضْطَرَبَتْ؟ قُلْتُ: إِنِّي إِذا قرأتُ عَلَيْك فأخطأتُ قَوَّمْتَني، وَإِذَا أخطأتُ فسمعني سُلَيْم عَيَّرني.
الْقِصَّة يَرْوِيهَا الْكسَائي
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن مقسم، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد المخرمي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْم، قَالَ: رَأَيْت الْكسَائي يقرأُ عَلَى حَمْزَة فجئتُه فاستندتُ إِلَى الْمِحْرَاب بِجنب حَمْزَة، فَجعل الْكسَائي يَرْعَد، فَقَالَ لَهُ حَمْزَة: كأَنَّه أهْيَبُ فِي عَيْنك مِنِّي؟ قَالَ: لَا، ولكنِّي إِذا أخطأتُ عَلَّمْتَني، وَهَذَا إِذا سمعني أخطىء شَنَّع عليَّ.
أَلْفَاظ التَّلْبِيَة
حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن الْحَسَن بْن مُحَمَّد، أَبُو عُمَر الْبَزَّاز، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن خَلَف، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن إِسْحَاق، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْر، قَالَ: قَالَ ابْن إِسْحَاق لأخي: يَا رُجَيل! قَالَ: لَبَّيْك، قَالَ: لَبَّيْ يَديك.
قَالَ القَاضِي: قَول الْقَائِل: لَبَّيْك، بِالْإِضَافَة فِيهِ إِلَى كَاف المخاطبة، وَلَيْسَت الإضافةُ فِيهِ إِلَى الْأَسْمَاء الظَّاهِرَة أعْلامها ومُبْهَمها، كَقَوْلِك: لَبَّى زَيْد، ولبى هَذَا الظَّاهِر الْمُسْتَعْمل فِي الْعَرَبيَّة، وَقَدْ أَتَى عَلَى شذوذه كَمَا أَتَى فِي هَذِهِ الْكَلِمَة، أَعنِي لَبَّيْ يَدَيْك، وَذَلِكَ أَن عددا من النَّحْوِيين أنشدوني هَذَا الْبَيْت:
دَعَوْتُ لما نَابَنِي مِسْوَرًا ... فَلبَّى فَلَبَّى يَدَيْ مِسُوَرِ
وللتلبية أَحْكَام قَدْ رسمنا فِيهَا رِسَالَة تحوي تَفْسِير مَعَانِيهَا، وَمَا اتّفق عَلَيْه وَاخْتلف فِيهِ مِنْهَا، من جِهَة النَّحْو وَالْإِعْرَاب، وأَبُواب الْفِقْه، وسببها ومجاريها فِي الْحَج وَالْعمْرَة،
стр. 344
وَمن نَظَر فِيهِ أَشْرَفَ عَلَى أنواعٍ من الْفَائِدَة.
الهموم تزيد مَعَ النعم
حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: وحَدَّثَنِي بعض أَصْحَابنَا، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرو الضَّرِير بِالْكُوفَةِ، قَالَ: قَالَ يَحْيَى بْن مَعِين: كُنْت أَنَا وَأحمد بْن حَنْبَل عِنْد عَبْد الرَّزَّاق، وَكنت أكتب الشّعْر والْحَدِيث، وَكَانَ أَحْمَد يكْتب الْحَدِيث وَحده، فَخرج إِلَيْنَا يَوْمًا عَبْد الرَّزَّاق، وَهُوَ يَقُولُ:
كن مُوسِرًا إِن شئتَ أَوْ مُعْسِرًا ... لَا بُد فِي الدُّنْيَا من الهمَّ
وَكلما زادك من نعمخ زا ... دك مَا زادكَ من غَمَّ
فَقَالَ لَهُ أَحْمَد: كَيفَ قُلْتُ؟ كَيفَ قُلْتُ؟ فَأَعَادَهَا عَلَيْه فكتبها.
رِوَايَة أُخْرَى للْخَبَر فِيهَا زِيَادَة
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: وحَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ بعض أَصْحَابه، عَنْ أَبِي عَاصِم، عَنِ ابْن جُرَيْج.
قَالَ: خرجت فِي السحر، فَرَأَيْت رُقْعةً تَضْربها الرِّيَاح فأخذتها فَلَمَّا أَضَاء الصُّبْح فتحتُها، فَإِذا فِيهَا:
كن مُوسِرًا إِن شئتَ أَوْ مُعْسِرًا ... لَا بُد فِي الدُّنْيَا من الهمَّ
وَكلما زادك من نعمةٍ ... زَادَكَ الَّذِي زادك فِي الغَمِّ
إِنِّي رَأَيْت الناسَ فِي دَهْرنَا ... لَا يطْلبُونَ الْعلم للعلمِ
إِلا مباهاةً لأصحابهم ... وعُدَّةً للغَشْمِ والظلمِ
قَالَ ابْن جُرَيْج: واللَّه لقَدْ مَنَعَتْنِي هَذِهِ الأبيات عَنْ أَشْيَاء كَثِيرَة.
المجلِسُ السَابع وَالأربَعُونْ
تَأْكُل من فَم رَسُول اللَّه
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْن أبي الثَّلج، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ فَهْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الرُّومِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ أَثَالِ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، قَالَ: " كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ امرأةٌ تُضْحِكُ الثَّكْلَى، قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَهَا وَهُوَ يَأْكُلُ قَدِيدًا، فَقَالَتْ: انْظُرُوا يَأْكُلُ وَلا يُطْعِمُنِي! قَالَ: فَنَاوَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمَّا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَتْ: لَا آكُلُهُ إِلا مِنْ فِيكَ، فَأَخْرَجَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ مِنْ فِيهِ فَأَكَلَتْ، فَمَا تَكَلَّمَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِكَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ ".
تَعْلِيق الْمُؤلف
قَالَ القاضيك وَكَيف يُسْتَبْعَدُ هَذَا وَقَدْ أكَلَتْ من طعامٍ كَانَ فِي وعَاء الصدْق، وظَرْفِ الحقَّ، وَطَرِيق الْعلم، وَالْوَقار والحلم.
وَفِي الْقِصَّة الَّتِي أَتَى هَذَا الْخَبَر بهَا مَا فِيهِ الْبَيَان عَنْ فضل النَّبِيّ ﷺ وبركته، ويمن نقيبته،
стр. 345
ووضوح أَعْلَام نُبُوَّته، وَظُهُور جاهه عِنْد ربه، وَنحن نحمد اللَّه تَعَالَى عَلَى هدايتنا لتصديقه، وتوفيقنا للْإيمَان بِهِ، ونسأله أَن يثبتنا عَلَى التَّمَسُّك بملته، وَحفظ شَرِيعَته، ويعصمنا من مَعْصِيَته ويجعلنا من الفائزين يوْم الْحساب بولايته فيسعدنا بِرَفْع الدَّرَجَات بِشَفَاعَتِهِ إنَّه سميع الدُّعَاء، لطيف لما يَشَاء.
اللّحن فِي أُذُنه أوقع
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مَعْمَر، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ أَمِير عَلَى الْكُوفَة من بني هَاشِم، وَكَانَ لحَّانًا فَاشْترى دورًا من جِيرَانه ليزيدها فِي دَاره، فَاجْتمع إِلَيْهِ جِيرَانه فَقَالُوا لَهُ: أصلحك اللَّه، هَذَا الشِّتَاء قَدْ هجم علينا فتمهلنا إِن رَأَيْت حَتَّى يقبل الصَّيف ونتحول، فَقَالَ: لسنا بِخَارِجيكُم.
قَالَ: ودعا يَوْمًا بِابْنِهِ وبمؤدبه، وَهُوَ عَلَى سطح فَمر ثوران فِي الطَّرِيق، فَقَالَ الْغُلَام: مَا أحسن هَذَانِ الثوران! فَلَمَّا نزلا من عِنْده قَالَ الْمُؤَدب للغلام: وَيحك! أهلكْتَني، فَقَالَ لَهُ الْغُلَام: هَذَا حمَار، وَلَو قُلْتُ هذَيْن الثورين مَا وَقع عِنْده موقعَا وستنظر مَا يَكُون؟ فَلم يلبث أَن جَاءَتْهُ خمس مائَة دِرْهَم وتَخْتُ ثيابٍ، فَقَالَ: كَيفَ رَأَيْت؟
تَخْرِيج قَوْلهم مَا أحسن هَذَانِ
قَالَ القَاضِي: أما قَول هَذَا اللحان الْجَاهِل: لسنا بخارجيكم يُرِيد بمخرجيكم، فَمن النَّوَادِر المضحكة الدَّالَّة عَلَى انحطاط منزلَة الْمُتَكَلّم وركاكاته. وأمّا قَول ابْنه: مَا أحسن هَذَانِ الثوران، فَلَيْس بلحن، وَإِن كَانَ الفصيح الْمُخْتَارِ خِلَافه، وَقَدْ رسمنا من القَوْل فِي هَذَا مَا يُوضح عَنْ علله ووجوهه فِيمَا بَيناهُ فِي وَجه قِرَاءَة من قَرَأَ: " إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ "، وَلا حَاجَة بِنَا فِي هَذَا الْموضع إِلَى التشاغل بِهِ.
حِيلَة عراقي فِي أَخَذَ جَارِيَة ابْن جَعْفَر
حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر الْعُقَيْليّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَد بْن حمدون النديم، عَنْ أَبِي بَكْر الْعِجْليّ، عَنْ جمَاعَة من مَشَايِخ قُرَيْش من أَهْل الْمَدِينَة، قَالُوا: كَانَتْ عِنْد عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر جاريةٌ مُغنية يُقَال لَهُ عمَارَة، وَكَانَ يَجِدُ بهَا وجدا شَدِيدا، وَكَانَ لَهَا مِنْهُ مكانٌ لَمْ يَكُنْ لأحدٍ من جواريه، فَلَمَّا وَفد عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر عَلَى مُعَاوِيَة خرج بهَا مَعَه، فزاره يَزِيدُ ذَات يوْم فأخرجها إِلَيْهِ، فَلَمَّا نظر إِلَيْهَا وسَمِع غناءها وقعتْ فِي نَفسه، فأخذَهُ عَلَيْهَا مَا لَا يملكهُ، وَجَعَل لَا يمنعهُ من أَن يبوح بِمَا يجد بهَا إِلا مَكَان أَبِيهِ مَعَ يأسه من الظفر بهَا.
وَلَم يزل يكاتمُ النّاس أمرهَا إِلَى أَن مَاتَ مُعَاوِيَة وأفضى الْأَمر إِلَيْهِ، فَاسْتَشَارَ بعض من قَدم عَلَيْه من أَهْل الْمَدِينَة وعامةَ من يَثِق بِهِ فِي أمرهَا وَكَيف الْحِيلَة فِيهَا، فَقِيل لَهُ: إِن أَمر عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر لَا يُرام، ومنزلته من الْخَاصَّة والعامة ومنك مَا قَدْ علمت، وَأَنت لَا تستجيزُ إكراهه، وَهُوَ لَا يَبِيعهَا بِشَيْء أبدا، وَلَيْسَ يُغني فِي هَذَا إِلا الْحِيلَة.
стр. 346
فَقَالَ: انْظُرُوا لي رَجُلا عراقيًّا لَهُ أدبٌ وظرفٌ وَمَعْرِفَة، فطلبوه فَأتوهُ بِهِ، فَلَمَّا دخل رَأَى بَيَانا وحلاوة وفَهْمًا، فَقَالَ يَزِيد: إِنِّي دعوتُك لأمر إِن ظَفرت بِهِ فَهُوَ حُظْوَتُك آخر الدَّهْر، ويدٌ أكافئك عَلَيْهَا إِن شَاءَ اللَّه، ثُمّ أخبرهُ بأَمْره فَقَالَ لَهُ: إِن عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر لَيْسَ يُرام مَا قِبَلَهُ إِلا بالخديعة، وَلنْ يقدر أحدٌ على مَا سُئِلت، وَأَرْجُو أَن أكونه وَالْقُوَّة بِاللَّه، فأَعِنِّي بِالْمَالِ، قَالَ: خُذْ مَا أَحْبَبْت، فَأخذ من طُرف الشَّام وَثيَاب مصر وَاشْترى مَتَاعا للتِّجَارَة من رقيقٍ ودواب وَغير ذَلِكَ، ثُمّ شخص إِلَى الْمَدِينَة فَأَنَاخَ بعَرْصَة عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر، واكترى منزلا إِلَى جَانِبه ثُمّ توسل إِلَيْهِ، وقَالَ: رجلٌ من أَهْل الْعرَاق قدمتُ بِتِجَارَة وأحببت أَن أكون فِي عز جوارك وكنفك إِلَى أَن أبيع مَا جِئْت بِهِ.
فَبعث عَبْد اللَّه إِلَى قهرمانه أَن أكْرم الرَّجُل ووسِّع عَلَيْه فِي نُزُله، فَلَمَّا اطْمَأَن العراقيُّ سلَّم عَلَيْه أَيَّامًا وعرفه نَفسه وهيّأ لَهُ بغلة فارهة وثيابًا من ثِيَاب الْعرَاق وألطافًا، فَبعث بهَا إِلَيْهِ وَكتب مَعهَا: إِنِّي يَا سيِّدي رجلٌ تَاجر ونعمة اللَّه تَعَالَى عليَّ سابغة، وَقَدْ بعثت إِلَيْك بِشَيْء من لطفٍ وَكَذَا وَكَذَا من الثِّيَاب والعطر، وَبعثت ببغلة خَفِيفَة الْعَنَان وطيئة الظّهْر فاتخذها لرجلك، فَأَنا أَسأَلك بقرابتك من رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلا قبلت هديتي، وَلا توحشني بردهَا، فَإِنِّي أدين للَّه تَعَالَى بمحبتك وحبِّ أَهْل بَيْتك، فَإِن أعظم أملي فِي سفرتي هَذِهِ أَن أستفيد الْأنس بك والتحرم بمواصلتك.
فَأمر عَبْد اللَّه بِقَبض هديته وَخرج إِلَى الصَّلاة، فَلَمَّا رَجَعَ مر بالعراقيّ فِي منزله فَقَامَ وقبَّل يَده واستكثر مِنْهُ، فَرَأى أدبًا وظَرفًا وفصاحةً فأعجب بِهِ وسُرَّ بنزوله عَلَيْه، فَجعل العراقيُّ فِي كُلّ يوْم يبْعَث إِلَى عَبْد اللَّه بلَطَف وطرفٍ، فَقَالَ عَبْد اللَّه: جزى اللَّه ضيفَنَا هَذَا خيرا، فقد مَلأَنا شكرا وَمَا نقدر عَلَى مكافأته، فَإنَّهُ لكذلك إِلَى أَن دَعَاهُ عَبْد اللَّه ودعا عمَارَة وجواريه، فَلَمَّا طَابَ لَهما الْمجْلس وسَمِع غناء عمَارَة تعجب وَجَعَل يَزِيد فِي عجبه، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَبْد اللَّه سُرَّ بِهِ إِلَى أَن قَالَ لَهُ: هَلْ رَأَيْت مثل عمَارَة؟ قَالَ: لَا واللَّهِ يَا سَيِّدي، مَا رَأَيْت مثلهَا وَلا تصلح إِلا لَك، وَمَا ظَنَنْت أَنَّهُ يَكُون فِي الدُّنْيَا مثل هَذِهِ الْجَارِيَة حسن وَجه وَحسن غناء، قَالَ: وَكم تَسَاوِي عنْدك؟ قَالَ: مَا لَهَا ثمن إِلا الْخلَافَة، قَالَ: تَقُولُ هَذَا لتزين لي رَأْيِي فِيهَا وتجتلب سروري؟ قَالَ لَهُ: يَا سَيِّدي واللَّهِ إِنِّي لأحب سرورك، وَمَا قُلْتُ لَك إِلا الْجد، وَبعد فَإِنِّي تَاجر أجمع الدِّرْهَم إِلَى الدِّرْهَم طلبا للربح، وَلَو أعطيتهَا بِعشْرَة آلَاف دِينَار لأخذتها، فَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّه عشرَة آلَاف دِينَار؟ قَالَ: نعم، وَلَم يَكُنْ فِي ذَلِكَ الزَّمَان جَارِيَة تعرف بِهَذَا الثّمن، فَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّه: أَنَا أبيعكها بِعشْرَة آلَاف دِينَار، قَالَ: وَقَدْ أَخَذتهَا، قَالَ: هِيَ لَك، قَالَ: وَجب البيع، فَانْصَرف الْعِرَاقِيّ.
فَلَمَّا أصبح عَبْد اللَّه لَمْ يشْعر إِلا بِالْمَالِ قَدْ وافى بِهِ، فَقِيل لعبد اللَّه: قَدْ بعث الْعِرَاقِيّ بِعشْرَة آلَاف دِينَار، وقَالَ: هَذَا ثمن عمَارَة فَردهَا وَكتب إِلَيْهِ: إِنَّمَا كُنْت أمزح مَعَك، وَمِمَّا
стр. 347
أعلمك أَن مثلي لَا يَبِيع مثلهَا، فَقَالَ لَهُ: جعلت فدَاك، إِن الْجِدَّ والهَزْل فِي البيع سَوَاء، فَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّه: وَيحك! مَا أَعْلَم جَارِيَة تَسَاوِي مَا بذلت، وَلَو كنتُ بَائِعهَا من أحدٍ لآثرتُك، وَلَكِنِّي كُنْت مازحًا، وَمَا أبيعها بِملك الدُّنْيَا لحُرْمتها بِي وموضعها من قلبِي، فَقَالَ الْعِرَاقِيّ: إِن كُنْت مازحًا فَإِنِّي كُنْت جادًّا، وَمَا اطَّلَعْتُ عَلَى مَا فِي نَفسك، وَقَدْ ملكت الْجَارِيَة وَبعثت إِلَيْك بِثمنِهَا، وَلَيْسَت تَحِلُّ لَك وَمَا لي من أَخذهَا من بُد.
فمانعه إِيَّاهَا، فَقَالَ لَهُ: لَيست لي بيِّنة، وَلَكِنِّي أستحلفك عِنْد قبر رَسُول اللَّهِ ﷺ ومنبره، فَلَمَّا رَأَى عَبْد اللَّه الْجِدَّ قَالَ: بئس الضَّيْف أَنْت، مَا طرقنا طارقٌ وَلا نَزَل بِنَا نازلٌ أعظمَ علينا بَلِيَّةً مِنْك، تحلِّفُني فَيَقُول النّاس اضطهد عَبْد اللَّه ضَيفه وقهره فألجأه إِلَى أَن أستحلفه، أما واللَّه ليعلمنّ اللَّه جلّ ذكره أَنِّي سائله فِي هَذَا الْأَمر الصَّبْر وَحسن العزاء، ثُمّ أَمر قهرمانه بِقَبض المَال مِنْهُ وتجهيز الْجَارِيَة بِمَا يشبهها من الثِّيَاب والخدم وَالطّيب، فجُهزت بِنَحْوِ من ثَلَاثَة آلَاف دِينَار، وقَالَ: هَذَا لَك وَلها عوضا مِمَّا ألطفتنا، واللَّه الْمُسْتَعَان.
فَقبض الْعِرَاقِيّ الْجَارِيَة وَخرج بهَا، فَلَمَّا برز من الْمَدِينَة قَالَ لَهَا: يَا عمَارَة! إِنِّي واللَّه مَا ملكتُك قطّ، وَلا أَنْت لي، وَلا مثلي يَشْتَرِي جَارِيَة بِعشْرَة آلَاف دِينَار، وَمَا كُنْت لأقدم عَلَى ابْن عَم رَسُول الله ﷺ ، فأستلبه أحبَّ النّاس إِلَيْهِ لنَفْسي، ولكنني دسيسٌ من يَزِيد بْن مُعَاوِيَة وَأَنت لَهُ، وَفِي طَلَبك بعث بِي فاستترى منِّي، وَإِن داخلني الشَّيْطَان فِي أَمرك وتاقت نَفسِي إِلَيْك فامتنعي.
ثُمّ مضى بهَا حَتَّى ورد دمشق فَتَلقاهُ النّاس بِجنَازَة يَزِيد، وَقَد استُخْلِف ابْنه مُعَاوِيَة بْن يَزِيد، فَأَقَامَ الرَّجُل أَيَّامًا ثُمّ تلطف للدخول عَلَيْه فشرح لَهُ الْقِصَّة - وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمْ يَكُن أحدٌ من بني أُمَيَّة يعدل بِمُعَاوِيَة بْن يَزِيد فِي زَمَانه نُبْلا ونُسكا - فَلَمَّا أخبرهُ قَالَ: هِيَ لَك، وكل مَا دَفعه إِلَيْك فِي أمرهَا فَهُوَ لَك، وارحل من يَوْمك فَلَا أسمع من خبرك فِي بِلَاد الشَّام، فَرَحل الْعِرَاقِيّ، ثُمّ قَالَ لِلْجَارِيَةِ: إِنِّي قلت لَك حِين خرجتُ بك من الْمَدِينَة، وأخبرتُكِ أنَّكَ ليزِيد وَقَدْ صرت لي، وَأَنا أُشْهد اللَّه أنَّكَ لعبد اللَّه بْن جَعْفَر، فَإِنِّي قد رددتك إِلَيْهِ فاستتري مني، ثُمّ خرج بهَا حَتَّى قدِم الْمَدِينَة فَنزل قَرِيبا من عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر، فَدخل عَلَيْه بعض خدمه، فَقَالَ لَهُ: هَذَا الْعِرَاقِيّ، ضيفُك الَّذِي صنع بِنَا مَا صنع وَقَدْ نزل العَرْصَة لَا حَيَّاهُ اللَّه.
فَقَالَ عَبْد اللَّه: مَه! أنزلوا الرَّجُل وأكرموه.
فَلَمَّا اسْتَقر بِهِ، بعث إِلَى عَبْد اللَّه: جُعلتُ فِداك، إِن رَأَيْت أَن تأذَنَ لي أَذْنة خَفِيفَة لأُشَافهك بِشَيْء؟ فَقلت: فَأذن لَهُ، فَلَمَّا دخل سلم عَلَيْه وَقبل يَده وقربه عَبْد اللَّه ثُمّ اقْتصّ عَلَيْه الْقِصَّة حَتَّى فرغ، ثُمّ قَالَ: قَدْ - واللَّه - وهبتُها لَك قبل أَن أَرَاهَا أَوْ أَضَع يَدي عَلَيْهَا فَهِيَ لَك، ومَرْدُودة عَلَيْك، وَقَدْ علم اللَّه جلّ وَعز أَنِّي مَا رَأَيْت لَهَا وَجها إِلا عنْدك، وَبعث
стр. 348
إِلَيْهَا فَجَاءَت وجاءتْ بِمَا جهزها بِهِ موفرًا، فَلَمَّا نظرت إِلَى عَبْد اللَّه خَرَّتْ مغشيًا عَلَيْهَا، وأهوى إِلَيْهَا عَبْد اللَّه وَضمّهَا إِلَيْهِ.
وَخرج الْعِرَاقِيّ وتصايح أَهْل الدَّار: عمَارَة عمَارَة، فَجعل عَبْد اللَّه يَقُولُ ودموعه تجْرِي: أحُلْمٌ هَذَا؟ أحقٌ هَذَا؟ مَا أصدق هَذَا! فَقَالَ لَهُ الْعِرَاقِيّ: جعلت فداءك، ردهَا اللَّه عَلَيْك بإيثارك الْوَفَاء وصبرك عَلَى الْحق، وانقيادك لَهُ، فَقَالَ عَبْد اللَّه: الْحَمد لله، اللَّهُمَّ إِنَّك تعلم أَنِّي صبرت عَنْهَا، وآثرتُ الْوَفَاء وسلمتُ لأمرك، فرددتها عليَّ بمنّك، وَلَك وَالْحَمْد.
ثُمّ قَالَ: يَا أَخا الْعرَاق! مَا فِي الأَرْض أعظم مِنَّةً مِنْك، وسيجازيك اللَّه تَعَالَى.
فَأَقَامَ العراقيُّ أَيَّامًا، وَبَاعَ عَبْد اللَّه غنما لَهُ بِثَلَاثَة عشر ألف دِينَار، وقَالَ لقهرمانة: احملها إِلَيْهِ، وَقل لَهُ: اعذر وَاعْلَم أَنِّي لَو وصلتكَ بكلِّ مَا أملك لرأيتك أَهلا لأكْثر مِنْهُ.
فَرَحل العراقيّ مَحْمُودًا وافر الْعِرْض وَالْمَال.
الْوَلِيد وعَطَرَّد الْمُغني
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عجلَان أَبُو بَكْر، قَالَ: حَدَّثَنِي حَمَّاد بْن إِسْحَاق، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الْحَمِيد بْن إِسْمَاعِيل بْن عَبْد الْحَمِيد بْن يَحْيَى، عَنْ عمّه أَيُّوب بْن إِسْمَاعِيل، قَالَ: لما استُخْلِف الْوَلِيد كتب إِلَى عَامله بِالْمَدِينَةِ: أَن أَشْخِص إليّ عَطَرَّدَ الْمُغنِي قَالَ عَطَرَّد: فَدفع إليّ الْعَامِل الْكتاب فَقَرَأته، وَقلت: سمعا وَطَاعَة.
فَدخلت عَلَيْه فِي قصره وَهُوَ قاعدٌ عَلَى شَفير بِرْكة لَيست بالكبيرة، يَدُور فِيهَا الرَّجُل سباحة، فواللَّهِ مَا كلمني كلمة حَتَّى قَالَ: أعَطَرَّد؟ فَقلت: لبَّيك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَ: غنني حَيِّ الْحُمُول. قَالَ عَطَرَّد: فغنيتُ:
حَيّ الْحُمُولَ بِجَانِب العَزْلِ ... إذْ لَا يُناسِبُ شَكْلُها شَكْلِي
اللَّهُ أنجحُ مَا طلبتَ بِهِ ... والْبِرُّ خيرُ حقيبة الرَّحْلِ
إِنِّي بحبْلِك واصلٌ حَبْلِي ... وبِريش نبلك رائشٌ نَبْلِي
وشَمَائِلي مَا قَدْ علمتَ وَمَا ... نَبَحَتْ كلابُك طَارِقًا مِثّلي
قَالَ: فواللَّهِ مَا تكلم بِكَلِمَة حَتَّى شقّ بُرْدةً صنعانية عَلَيْه - مَا يدْرِي مَا ثمنهَا - نِصْفَيْنِ فَخرج مِنْهَا كَمَا وَلدته أُمّه، ثُمّ رمى بِنَفسِهِ فِي الْبركَة فنهل مِنْهَا حَتَّى تعرفت فِيهَا النُّقْصَان فَأخْرج مِنْهَا مَيتا سُكْرًا، فَضربت يَدي إِلَى الْبردَة فأخذتها فواللَّهِ مَا قَالَ لي الْخَادِم خُذْهَا وَلا دعها، وانصرفت إِلَى منزلي وَأَنا أفكِّر فِيهِ وَفِيمَا رَأَيْت مِنْهُ.
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد دَعَاني فِي مثل ذَلِك الْوَقْت، وَهُوَ قَاعد فِي مثل ذَلِكَ الْموضع، فَقَالَ: عَطَرَّد؟ قُلْتُ: لبيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَ: غنني، فغنيته:
стр. 349
أيَذْهَبُ عُمْرِي هَكَذَا لَمْ أَنَلْ مِنْهُ ... مَجَالِسَ تَشْفي قَرْحَ قَلبي من الوَجْدِ
وَقَالُوا: تَدَاوَى إنَّ فِي الطبِّ رَاحَة ... فَعزّيتُ نَفسِي بالدوَّاءِ فَلم يُجْدِ
فَلم يتَكَلَّم حَتَّى شقّ بردة كَانَتْ عَلَيْه مثل الْبردَة والأمسية فَخرج مِنْهَا وَرمى بِنَفسِهِ فِي الْبركَة فنهل وَالله حَتَّى تبينتُ النُّقصان، فأُخْرج ميِّتًا سُكْرًا، وضممت الْبردَة إليّ فَمَا قِيلَ لي خُذْ وَلا دَعْ، فانصرفتُ إِلَى منزلي، فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الثَّالِث دَعَاني فَدخلت إِلَيْهِ وَهُوَ فِي بهوٍ قَدْ كُنَّت سُتُوره، فكلمني من وَرَاء السّتْر، فَقَالَ: أعطرد؟ فَقلت: لبيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَ: كَأَنَّني بك الْآن قَدْ أتيت الْمَدِينَة فَقلت: دَعَاني أَمِير الْمُؤْمِنِين فَدخلت إِلَيْهِ فَفعل وَفعل، قَالَ يَا ابْن الفاعلة لَئِن تَكَلَّمت - بِشَيْء مِمَّا كَانَ - شَفَتَاكَ، لأطرحن الَّذِي فِيهِ عَيْنَاك، يَا غُلَام! أعْطه خَمْسمِائَة، الْحق بِالْمَدِينَةِ.
قُلْتُ: أَفلا يَأْذَن لي أَمِير الْمُؤْمِنِين فَأَقْبَلَ يَده وأتزود نظرة إِلَى وَجهه، قَالَ: لَا، قَالَ عَطَرَّد: فَخرجت من عِنْده فَمَا تَكَلَّمت بِشَيْء من هَذَا حَتَّى دَخَلَت الهاشميَّة.
قَوْله: وَقَالُوا: تداوى.....خرجه عَلَى الأَصْل لإِقَامَة الْوَزْن، وَقَدْ بَينا هَذَا فِيمَا مضى بشواهده.
شعر لَا يصدر من قلب سليم
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يَحْيَى النَّحْويّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شبيب، عَنْ عَمْرو بْن عُثْمَان، قَالَ: مرت سُكَيْنَةُ بعُروة بْن أُذَيْنة، وَكَانَ يتنسَّك، فَقَالَت لَهُ: يَا أَبَا عَامر! أَلَسْت الْقَائِل:
إِذا وَجَدْتُ أَذَى للحبِّ فِي كَبِدِي ... أقبلتُ نَحْو شِفَاء الحبِّ أبْتَردُ
هَذَا بَرَدْتُ بِبرد الماءِ ظاهرَهُ ... فَمنْ لِحَرٍّ عَلَى الأحشاء يتّقِدُ
أولست الْقَائِل:
قَالَتْ وأبثثُتها سِرِّي فبحتُ بِهِ ... قَدْ كُنْت عهدي تُحِبُّ السِّتْر فاسْتَتِرِ
ألستَ تبصرُ مَنْ حَوْلي فقلتُ لَهَا ... غطَّي هواكِ ومَا ألْقَى عَلَى بَصَري
هَؤُلاءِ أَحْرَار - وأشارت إِلَى جواريها - إِن كَانَ هَذَا خرج من قلب سليم.
قَالَ القَاضِي: وأنشدنا بَيْتِي عُرْوَة الْأَوَّلين من غَيْر هَذِهِ الرِّوَايَة.
لما وجدتُ أُوَار الحبِّ فِي كَبِدي ... أقبلتُ نَحْو سجَال الْقَوْم أبْتَرِدُ
هَذَا بَرَدْتُ بِبرد الماءِ ظاهرَهُ ... فَمنْ لنارٍ عَلَى الأحشاء تَتَّقِدُ
والأُوار: مَا يجدُ من الْغُلَّةِ والحرارة، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
والنارُ قَدْ تَشْفِي من الأُوَار
وأمّا السِّجَالُ فَجمع سجلٍ، وَهُوَ الْكَبِير من الدِّلاء، قَالَ الراجز:
لطالما حَلَّأْتُمَاهَا لَا تَرِدْ ... فَخَلِّيَاها والسِّجالَ تبتَرِدْ
стр. 350
وأمّا قَوْله: أبترد فَهُوَ افتعلُ من قَوْلهم: بَرّدَ الماءُ حرارةَ جوفي، قَالَ الشَّاعِر:
ةعطل قَلْوصِي فِي الرِّكابِ فإنَّها ... سَتَبْرُدُ أكْبَادًا وتُبْكِي بواكيا
وَرُوِيَ لنا قَوْله فِي الشّعْر الثَّانِي: وأبثثتُها وَجْدي مَكَان سِرِّي.
الالتذاذ بالتلاقي بعد الْفِرَاق
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يَحْيَى الصولي، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمبرد، قَالَ: حَرَّم مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْقِيَان، وَكتب إِلَيْهِ أَحْمَد بْن عَبْد السَّلام الْخُزَاعيّ رقْعَة وَلَم يُترجمها ودَسَّها فِي رقاع المتظلمين، فِيهَا:
عَرَفَاتُ الْأَمِير أيَّده الل ... هـ بطول التَّوْفِيق والتَّسْديدِ
فرقت بَيْننَا وبَيْنَ مُدِلٍّ ... وعجابٍ ومنصفٍ وفريد
كم قُلُوب قَدْ أحرقت فِي صُدورٍ ... ودموعٍ قَدْ أُقْرِحَتْ من خُدودِ
فَوَقع مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن طَاهِر فِي رقعته:
حُسْنُ رَأْي الْأَمِير فِي الْعُشَّاق ... وفَّر الْحُبَّ بامتناعِ التلاق
خَافَ أَن تُحْدِثَ المَلالُ سُلوًا ... فتلافي الهَوَى بِبَعْض الْفِرَاق
وأغضُّ اللقاءِ مَا كَانَ مِنْهُ ... من تناءٍ وبَعْدَ طوُل اشتياق
شجرٌ غَرْسُهُ كريهٌ ولكنْ ... يُجْتَنَى غِبُّهُ لذيذَ المذاق
قَالَ القَاضِي: قَدْ قَالَ النّاس فِي تضاعيف الالتذاذ بالتلاقي بعد الْفِرَاق، وَفِي تسهيل الْفِرَاق، واستحبابه لوفور الِاسْتِمْتَاع بالأوبة والاتفاق، فَأَكْثرُوا، وَإِن كَانَ أَكْثَرهم يعلِّلُ نَفسه ويُرضيها بِمَا لَو خُلِّيَ وَمَا يختاره لَمْ يرضه لَهَا، لَمْ نَبْن كتَابنَا هَذَا عَلَى استقصاء أَنْوَاعه، وَاسْتِيفَاء الْأَبْوَاب فِيهِ، فنجمع ذَلِكَ ونستوعبه، وَهُوَ يَأْتِي فِي هَذِهِ الْمجَالِس مُتَفَرقًا بِحَسب مَا يحضرنا، وَيخرج لنا، وَبِاللَّهِ توفيقنا، وبمشيئته وَحسن مَعْرفَته نرجو أَن تَجْري مقاصدنا ومتصرفاتنا.
أَبْيَات وجدت عَلَى سدّ مأرب
حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن جَعْفَر الأَزْدِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أبي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن، قَالَ: حَدَّثَنِي بعض أَصْحَابنَا، قَالَ: لما هُدّمَتْ مَأْرِبُ سَبَأ أُصِيب فِي ركن من أَرْكَانهَا:
ستأتي سنونُ هِيَ المعضلا ... ت تُرَجعُ مل الهَجْعةِ الأَجْدَل
وفيهَا يُهينُ الصَّغيرُ الكبيرَ ... وذُو الْحلم يُسْكِتُه الأجهل
ترى الشَّيْخ يُلْقِي الْعَصَا طَائِعا ... وَيَمْشي عَلَيْهَا الْفَتى الأَرْجَلُ
وَفِي الرُّكْن الثَّانِي:
стр. 351
مَا يَكُنْ كَائِنا لَا شكّ فِيهِ ... يَزِدْهُ الصُّبْحُ وَاللَّيْل اقترابا
وليسا زَائِدِي شَيْئا تَوَلَّى ... وحَالا دُونَهُ إِلا ذَهَابَا
وَفِي الرُّكْن الثَّالِث:
أيالك دَهْرًا قَدْ خَلا عَجَبُهْ ... دَهْرًا تحول رَأسه وذنبه
دَهْرًا تَدَاوَلَهُ الإماءُ فَقَدْ ... تَرْضَى بماءِ بُطُونِهَا عَرَبُهْ
وَفِي الرُّكْن الرَّابِع الْأَخير:
الأخيرُ شَرُّ ... الأخيرُ شَرّ
قَالَ القَاضِي: تُرْجع مِل الهَجْعة أَرَادَ من الهجعة، فَحذف النُّون، وَلَم يَأْتِ بِالْكَلِمَةِ عَلَى أَصْلهَا لِئَلَّا ينكسر الشّعْر، وَهَذَا مذهبٌ مَعْرُوف فِي الْعَرَبيَّة إِذا كَانَتْ هَذِهِ اللَّام ظَاهِرَة كَقَوْلِهِم: بَلْعَنْبر وبَلْحَرث وبَلْقَيْن، فَإِذا كَانَت اللَّام لَا تظهر أخرج عَلَى أَصله كَقَوْلِك، بَنو الرحل وَيَقُولُونَ: بَلْمَرة لظُهُور اللَّام، قَالَ الشَّاعِر:
غَدا بني علْبَاء بَكْر بْن وَائِل ... وعجا صُدُور الْخَيل نحر تَمِيم
وَمن الْكثير الفاشي من هَذَا الْبَاب فِي كَلَامهم قَوْلهم: مَا أنْسَ مِلْ أَشْيَاء بِمَعْنى من الْأَشْيَاء، قَالَ الْأَعْشَى:
فَمَا مل أَشْيَاء لأنس قَوْلهَا ... لَعَلَّ النَّوَى بعد التغرق تصقب
فَمَا أنسى ملْ أشياءِ لَا أنسى قَوْلَها ... وأدمُعها يَغْسِلْن حَشْو المكاحِلِ
وَهَذَا بَاب يَتَّسِع، ويتصل بِهِ الْبَيَان عَنْ قِرَاءَة أَبِي عَمْرو: " وأنَّهُ أَهْلَكَ عَادَلْ أُولَى "، وقَالَ الشَّمَاخُ بْن ضِرار يمدح عرابة الأوسي:
رَأَيْت عرايتل أَوْسِيَّ يَسْمُو ... إِلَى الخيراتِ مُنْقَطِعَ القَرِين
ولِشَرْح هَذَا الْمَعْنى مَوضِع من كتبنَا هُوَ أحقُّ بِهِ.
المجلِسُ الثَامِن وَالأربَعوُنَ
خَبَرُ بَنِي أُبَيْرِقٍ
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وثلثمائة، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَرَّانِيُّ بِبَغْدَادَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْحَرَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالَ: كَانَ أَهْلُ بيتٍ مِنَّا يُقَالُ لَهُمْ " بَنُو أُبَيْرِقٍ ": بِشْرٌ وَبُشَيْرٌ وَمُبَشِّرٌ، وَكَانَ بُشَيْرٌ رَجُلا مُنَافِقًا، وَكَانَ يَقُولُ الشِّعْرَ يَهْجُو بِهِ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمّ يَنْحَلُهُ بَعْضَ الْعَرَبِ، ثُمّ يَقُولُ: قَالَ فُلانٌ كَذَا وَقَالَ فُلانٌ كَذَا، فَإِذَا سَمِعَ أَصْحَابُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الشِّعْرَ، قَالُوا: وَاللَّهِ مَا يَقُولُ هَذَا الشِّعْرُ إِلا الْخَبيث، فَقَالَ:
стр. 352
أوكلما قَالَ الرِّجَالُ قَصِيدَةً ... أَصَمَوْا وَقَالُوا ابْنُ الأُبَيْرِقِ قَالَهَا؟
وَكَانُوا أَهْلَ بَيْتِ فاقةٍ وحاجةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالإِسْلامِ، وَكَانَ النَّاسُ إِنَّمَا طَعَامُهُمْ بِالْمَدِينَةِ التَّمْرُ وَالشَّعِيرُ، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا كَانَ لَهُ يسارٌ فَقَدِمَتْ ضافطةٌ مِنَ الشَّامِ، ابْتَاعَ الرَّجُلُ مِنْهَا فَخَصَّ بِهِ نَفْسَهُ، فَأَمَّا الْعِيَالُ فَإِنَّمَا طَعَامُهُمُ التَّمْرُ وَالشَّعِيرُ، فَقَدِمِتْ ضافطةٌ مِنَ الشَّامِ فَابْتَاعَ عَمِّي رِفَاعَةُ بْنُ زيدٍ حِمْلا مِنَ الدَّرْمَكِ فَجَعَلَهُ فِي مَشْرَبَةٍ لَهُ، وَفِي المَشْرَبَةِ سلاحٌ لَهُ دِرْعَانِ وَسَيْفَاهُمَا وَمَا يُصْلِحُهُمَا، فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِنْ تَحْتِ اللَّيْلِ فَنُقِبَتِ الْمَشْرَبَةُ فَأُخِذَ الطَّعَامُ وَالسِّلاحُ، فَأَتَى عَمِّي رِفَاعَةَ، فَقَالَ: ابْنَ أَخٍ! أتَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنَا فِي لَيْلَتِنَا هَذِهِ، فَنُقِبَتْ مَشْرَبَتُنَا فَذُهِبَ بِطَعَامِنَا وَشَرَابِنَا وَسِلاحِنَا، قَالَ: فَتَحَسَّسْنَا فِي الدَّارِ وَسَأَلْنَا، فَقِيلَ لَنَا: قَدْ رَأَيْنَا بَنِي أُبَيْرِقٍ استوقروا فِي هَذِه اليلة، وَلا نَرَى فِيمَا نَرَاهُ إِلا بَعْضَ طَعَامِكُمْ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ - قَالُوا وَنَحْنُ نَسْأَلُ فِي الدَّارِ: وَاللَّهِ مَا نَرَى صَاحَبَكُمْ إِلا لِبِيدَ بْنَ سَهْلٍ - رجلٌ مِنَّا لَهُ صَلاحٌ وَإِسْلامٌ - فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ لبيدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ وَقَالَ: أَبَنِي أُبَيْرِقٍ! وَاللَّهِ لَيُخَالِطَنَّكُمْ هَذَا السَّيْفُ أَوْ لَتَبِنْ هَذِهِ السَّرِقَةُ، قَالُوا: إِلَيْكَ عَنَّا أَيُّهَا الرَّجُلُ، فَوَاللَّهِ مَا أَنْتَ بِصَاحِبِهَا، فَسَأَلْنَا فِي الدَّارِ، حَتَّى لم نشك أَنهم أَصْحَابنَا، فَقَالَ: لي عمي: يَا ابْن أَخِي لَوْ أَتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتَ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ: قَتَادَةَ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَهْلَ بيتٍ مِنَّا أَهْلُ جفاءٍ عَمَدُوا إِلَى عَمِّي رِفَاعَةَ بْنِ زيدٍ فَنَقَبُوا مَشْرَبَةً لَهُ وَأَخَذُوا سِلاحَهُ وَطَعَامَهُ، فَلْيَرُدُّوا سِلاحَنَا فَأَمَّا الطَّعَامُ فَلا حَاجَةَ لَنَا بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : سَأَنْظُرُ فِي ذَلِكَ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أَتَوْا رَجُلا مِنْهُمْ، يُقَالُ لَهُ: أُسَيْدُ بْن عُرْوَةَ فَكَلَّمُوهُ فِي ذَلِكَ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ قومٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: إِنَّ قَتَادَةَ بْنَ النُّعْمَانِ وَعَمَّهُ عَمَدُوا إِلَى بيتٍ مِنَّا أَهْلِ إِسْلامٍ وَصَلاحٍ يَرْمُونَهُمْ بِالسَّرِقَةِ عَلَى غَيْرِ بينةٍ وَلا تثبتٍ، قَالَ قَتَادَةَ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمْتُهُ، فَقَالَ: عَمَدْتَ إِلَى أَهْلِ بيتٍ ذُكِرَ فِيهِ إِسَلامٌ وَصَلاحٌ تَرْمِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ عَلَى غَيْرِ تثبتٍ وَلا بَيِّنَةٍ، قَالَ: فَرَجَعْتُ وَلَوَدِدْتُ أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ بَعْضِ مَالِي وَلَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ، فَأَتَى عَمِّي رِفَاعَة، فَقَالَ يَا ابْن أَخٍ! مَا صَنَعْتَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ نَزَل الْقُرْآنُ " إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا - أَيْ بَنِي أُبَيْرِقٍ - وَأَنْتَ، وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رحِيما - أَيْ مِمَّا قُلْتَ لِقَتَادَةَ -، وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ - أَي بني بيرق - إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا، يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا، هَأَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا، وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ
стр. 353
الله غَفُورًا رحِيما - أَيْ أَنَّهُمْ لَوِ اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ غَفَرَ لَهُمْ - وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا، وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائفةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شيءٍ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ، وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا، لَا خَيْرَ فِي كثيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بصدقةٍ أَوْ معروفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيما " إِلَى: وَمن يُشَاقق الرَّسُول. فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَدَّهُ إِلَى رِفَاعَةَ، قَالَ: قَتَادَةُ: فَلَمَّا أَتَيْتُ عَمِّي بِالسِّلاحِ وَكَانَ شَيْخًا قَدْ عَمِيَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكُنْتُ أَرَى إِسْلامَهُ مَدْخُولا، فَلَمَّا أَتَيْته بِالسِّلَاحِ، قَالَ: يَا ابْن أَخِي! هُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: فَعَرَفْتُ أَنَّ إِسْلامَهُ كَانَ صَحِيحًا، فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ لَحِقَ بشيرٌ بِالْمُشْرِكِينَ وَنَزَلَ عَلَى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ شَهِيدٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: " وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهدى وَيتبع غير سبل الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا، إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ " إِلَى آخِرِ الآيَةِ، فَلَمَّا نَزَلَ عَلَى سُلافَةَ رَمَاهَا حَسَّانٌ بأبياتٍ مِنْ شِعْرٍ، فَأَخَذَتْ رَحْلَهُ فَوَضَعَتْهُ عَلَى رَأْسِهَا ثُمَّ خَرَجَتْ بِهِ فَرَمَتْهُ فِي الأَبْطَحِ، ثُمَّ
قَالَتْ: أهدَيْتَ إِلَى شِعْرِ حَسَّانٍ، مَا كنت تَأتِينِي بِخَير. قَالَتْ: أهدَيْتَ إِلَى شِعْرِ حَسَّانٍ، مَا كُنْتَ تَأْتِينِي بِخَيْرٍ.
معنى الضافطة، والدرمك
قَالَ القَاضِي: قَول الرَّاوِي فِي هَذَا الْخَبَر: ضافطة أَرَادَ عَيْرًا أَوْ رُفْقه فِيهَا ميرة، وَقَوله: الدَّرْمَكُ يُرِيد النَّقي، وَمِنْه الْخَبَر: " إِن الأَرْض بعد الْبَعْث درمكةٌ بَيْضَاء "، قَالَ: أعشى بني قَيْس بْن ثَعْلَبَة:
لَهُ دَرْمَكٌ فِي رَأْسِهِ ومشاربٌ ... وقدرٌ وخبازٌ وصاعٌ وَدَيْسَقُ
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: فِي تُرْبَةِ الْجَنَّةِ: إِنَّهَا الْخُبْزُ مِنَ الدَّرْمَكِ.
وَقَالَ ابْنُ الأَنْبَارِيِّ: الدَّرْمَكُ خُبْزُ الحَوَّارَى، وَأنْشد:
ذَهَب الَّذِين إِذا اسْتَجَعْتُ فَزُرْتُهُمْ ... خَبَزُوا الْفُؤَادَ بدرمكٍ وشَرَابِ
حذف الْيَاء فِي مثل يَا ابْن أَخ وَيَا ابْن أمّ
وَفِي الْخَبَر: يَا ابْن أَخ، بِحَذْف الْيَاء الْمُضَاف إِلَيْهَا وإبقاء الكسرة دلَالَة عَلَيْهَا، وَهَذَا وَجه مَعْرُوف فِي كَلَام الْعَرَب، غَيْر أَن مُعظم النَّحْوِيين زَعَمُوا أَن الَّذِي يكثر اسْتِعْمَاله فِي هَذَا الْبَاب موضعان: يَا ابْن أمَّ وَيَا ابْن عَم، عَلَى اخْتِلاف الْقِرَاءَة فِي فتح الْمِيم وَكسرهَا من قَوْله يَا ابْن أم، وعَلى مَا فِي هَذِهِ الْكَلِمَة من لُغَات الْعَرَب، واعتل بَعضهم فِي اخْتِصَاص هذَيْن الاسمين لهَذَا الْمَعْنى بِابْن الرَّجُل يَقُولُ: يَا ابْن أمَّ وَيَا ابْن عَم، لمن لَيْسَ بأَخيه وَلا ابْن عمّه، وَهَذَا عِنْدِي لَازم فِي يَا أخي وَيَا ابْن أَخِي لِكَثْرَة قَوْلهم: يَا أَخِي وَيَا ابْن أخي
стр. 354
للْأَجْنَبِيّ، وَقد يَقُولُونَ يَا ابْن أُمِّي فِي الْإِضَافَة فِي يَا ابْن أُمِّي، ويُسَكِّنُونها تَارَة ويحركونها أُخْرَى، قَالَ الشَّاعِر:
يَا ابْن أمِّي وَيَا شُقيّقَ نَفْسِي ... أَنْت خلَّيْتَنِي لدهرٍ شَدِيدِ
وقَالَ أخر:
يَا ابْن أمِّيَ وَلَو شَهِدْتُكَ إذْ ... تَدْعُو تميمًا وأنتَ غَيْرُ مُجَابِ
وَقَوله: وَكَانَ شَيخا قَدْ عَسى، يَعْنِي أَن الْكِبَرَ قَدْ بلغ مِنْهُ وَأثر فِيهِ، وَقد قرىء " وقَدْ بَلَغْتُ من الْكِبَرِ عِسِيًّا " وعُسِيًّا عَلَى مَا بَيْنَ الْقُرَّاءِ من الاخْتِلاف فِي ضَمِّ الْعين عَلَى الأَصْل وَكسرهَا، قَالَ الشَّاعِر:
لَوْلَا الحياءُ وَأَن رَأْسِيَ قَدْ عَسَا ... فِيهِ المَشِيبُ لَزُرْتُ أمَّ الْقَاسِم
ويروى: وَقَدْ بدا، ويُقَالُ: فِي هَذَا الْبَاب الْعُسُوُّ والْعُتُوّ
كتب بني أُمَيَّة أقصر من كتب بني الْعَبَّاس
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن دُرَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِم، قَالَ: سَمِعْتُ بعض أَصْحَابنَا يُحَدِّثُ عَنْ عَبْد اللَّه بْن سَوَّار، قَالَ: كُنْت غُلَاما أكتب بَيْنَ يَدي يَحْيَى بْن خَالِد، فَدخل عَلَيْه شيخٌ ضخمٌ جميل الْهَيْئَة، فأعظمه يَحْيَى وَأَقْعَدَهُ إِلَى جانِبه وحَادَثَه ثُمّ قَالَ لَهُ: مَا بالكم كُنْتُم تكتبون الْكتب إِلَى عُمّالكم فِي سَائِر أُمُوركُم فَلَا تطبلون، وَإِنَّمَا الْكتاب بِقدر الْفَضْل من كتبنَا، وَنحن نطيل إطالة لَا يمكنّا غَيْر ذَلِكَ، فَقَالَ: اعْفِني، فَأبى عَلَيْه إِلَّا أَن يجِيبه، فَقَالَ وَأَنت غير ساخط؟ ٍ قَالَ: نعم، قَالَ: إِن بني أُمَيَّة كَانَتْ لَا تكْتب فِي الْبَاطِل أَنَّهُ حقٌ، وَلا فِي الْحق أَنَّهُ بَاطِل فَلَا تُعْقِب أمرا قَدْ نفذ بِخِلَافِهِ أمرٌ، فَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى الإطالة وَطلب المعاذير والتلبيس، وَأَنْتُم تكتبون فِي الشَّيْء الْحق أَنه بَاطِل وَالْبَاطِل أَنَّهُ حق، ثُمّ تُعْقبون ذَلِكَ بِخِلَافِهِ فَلَا بُد لَكُمْ من الإطالة.
قَالَ عَبْد اللَّه بْن سَوَّار: فسالت عَنِ الشَّيْخ فَقِيل لي: هَذَا رجلٌ من كُتَّاب بني أُمَيَّة القدماء من أَهْل الشَّام.
قَالَ القَاضِي: قَول يحيى لهَذَا الْكتاب فِي سَائِر أُمُوركُم، إِن كَانَ أَرَادَ فِيمَا يسير وينتشر من أُمُوركُم، فَهُوَ صَوَاب فِي اللَّفْظ، وَإِن كَانَ أَرَادَ بِهِ الْعُمُوم والإحاطة عَلَى معنى جَمِيع أُمُوركُم، فَهُوَ خطأ من جِهَة اللَّفْظ وَالْمعْنَى، إِذْ السائرُ فِي هَذَا الْمَعْنى تَأْوِيله الْبَاقِي، وَإِنَّمَا يُقَالُ: فعلت فِي بَاب كَذَا كَيْتَ وَكَيْت وَفِي سَائِر الْأَبْوَاب لِمَعْنى الْفَاضِل والبقية، يُقَال: أسأرت فِي الْإِنَاء أسأر بِالْهَمْز قَالَ الشَّاعِر:
أعطِ الْمُلَوُّحَ سُؤْرَ الكلبِ يشربُهُ ... إِن الْمُلَوِّحَ شرابٌ عَلَى الكَدَرِ
وقَالَ الْأَعْشَى:
بانَتْ وَقَدْ أسْأَرَتْ فِي النَّفْسِ حَاجَتهَا ... بعد ائتلافٍ وخَيْرُ الودِّ مَا نَفَعَا
стр. 355
وقَالَ أَيْضا:
فبانتْ وَقَدْ أسْأرَتْ فِي الفؤا ... د صَدْعًا عَلَى نأْيِهَا مُسْتَطِيرَا
وقَالَ حُمَيد بْن ثَوْر الْهِلَالِي:
أَلا إنَّ أُمِّي مَا يزالُ مِطَالُها ... شَدِيدا وفيهَا سؤرةٌ وَهِي قاعِدُ
يَعْنِي بَقِيَّة من الشَّبَاب، وَهِي من الْقَوَاعِد، وَقَدْ رُوِيَ بَيت الأخطل عَلَى وَجْهَيْن:
وشاربٌ مربحٌ بالكأسِ نَادَمَنِي ... لَا بالحَصُورِ وَلا فِيهَا بِسَوَّارِ
بِالْهَمْز فِي سَوَّار وَغَيره فَمن رَوَاهُ مهموزاً قالمعنى أَنَّهُ لَا يُفْضِل فِي الكأس شَيْئا إِذْ أَن هَذَا عيبٌ عِنْدهم من وَجْهَيْن، أَحَدهمَا: أَنَّهُ يدلُّ عَلَى عَجزه عَنِ الشَّرَاب أَوْ كَرَاهِيَة الشَّرَاب والنَّدام، وَمن رَوَاهُ بِسوار غَيْر مَهْمُوز فَمَعْنَاه بوثاب من المساورة والمواثبة، فَهَذَا بَيَان الْخَطَأ فِي هَذَا من جِهَة اللَّفْظ، وَأما من جِهَة الْمَعْنى فلكثرة كتب بني أُمَيَّة فِي عَظِيم الآثام وجسيم الْإِحْرَام، وذميم الْجور وَالْأَحْكَام، ولكثرة الإطالة فِي كتبهمْ، وَالْعجب من يَحْيَى كَيفَ أمسك عَنْ جَوَاب هَذَا الْمُتَكَلّم من أَن يريَهُ من إطالة كتب بني أُمَيَّة وَخطأ مَعَانِيهَا، ونَقْضِها أَكثر مَا أصدرت من أَحْكَامهَا.
مَا للشَّيْطَان ذَنْب فِي هَذَا
صلّى رَجُل مِنْهُم خلف إِمَام فَلَمَّا قَرَأَ " الْحَمْد " أرتج عَلَيْه فَلم يدر مَا يَقُولُ، فَجعل يَقُولُ: أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم، ويردد ذَلِكَ مرَارًا، فَقَالَ الشَّاطر من خَلفه: مَا للشَّيْطَان ذنبٌ إِلا أنَّكَ أَنْت مَا تحسنُ تقْرَأ.
مجّان الشُّعَرَاء يصفونَ صَلَاة أحدهم
حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر الْعُقَيْليّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَن بْن رَاهَوَيْه، قَالَ: صلّى يَحْيَى بْن المعلي الْكَاتِب، وَكَانَ فِي مجلسٍ فِيهِ أَبُو نواس ووالبة بْن الْحُبَاب وعَلِيّ بْن الْخَلِيل والْحُسَيْن الخليع صَلَاة فَقَرَأَ فِيهَا: قُلْ هُوَ الله أحد، فغلظ فَسلم، فَقَالَ: أَبُو نواس:
أكْثَرَ يحيى غلظاً ... فِي قُلْ هُو اللَّهُ أحَدٌ
فَقَالَ والبةُ:
قَامَ طَويلا سَاكِنًا ... حَتَّى إِذا أَعْيَ سَجَدْ
فَقَالَ عَلِيّ بْن الْخَلِيل:
يزحَرُ فِي محرابِهِ ... زحيرُ حُبْلى بِولد
فَقَالَ الْحُسَيْن الخليع:
كأنَّمَا لِسَانُهُ شُدّ ... بحبلٍ من مَسَدْ
منزلَة أَبِي الْعَتَاهِيَة عِنْد العباسيين
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ: حَدَّثَنَا عون بْن مُحَمَّد، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن
следующие страницы →