← Адаб

Адаб · id 7301

الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي

المعافى بن زكريا

Полный текст (740 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

مَا يَكُنْ كَائِنا لَا شكّ فِيهِ ... يَزِدْهُ الصُّبْحُ وَاللَّيْل اقترابا وليسا زَائِدِي شَيْئا تَوَلَّى ... وحَالا دُونَهُ إِلا ذَهَابَا وَفِي الرُّكْن الثَّالِث: أيالك دَهْرًا قَدْ خَلا عَجَبُهْ ... دَهْرًا تحول رَأسه وذنبه دَهْرًا تَدَاوَلَهُ الإماءُ فَقَدْ ... تَرْضَى بماءِ بُطُونِهَا عَرَبُهْ وَفِي الرُّكْن الرَّابِع الْأَخير: الأخيرُ شَرُّ ... الأخيرُ شَرّ قَالَ القَاضِي: تُرْجع مِل الهَجْعة أَرَادَ من الهجعة، فَحذف النُّون، وَلَم يَأْتِ بِالْكَلِمَةِ عَلَى أَصْلهَا لِئَلَّا ينكسر الشّعْر، وَهَذَا مذهبٌ مَعْرُوف فِي الْعَرَبيَّة إِذا كَانَتْ هَذِهِ اللَّام ظَاهِرَة كَقَوْلِهِم: بَلْعَنْبر وبَلْحَرث وبَلْقَيْن، فَإِذا كَانَت اللَّام لَا تظهر أخرج عَلَى أَصله كَقَوْلِك، بَنو الرحل وَيَقُولُونَ: بَلْمَرة لظُهُور اللَّام، قَالَ الشَّاعِر: غَدا بني علْبَاء بَكْر بْن وَائِل ... وعجا صُدُور الْخَيل نحر تَمِيم وَمن الْكثير الفاشي من هَذَا الْبَاب فِي كَلَامهم قَوْلهم: مَا أنْسَ مِلْ أَشْيَاء بِمَعْنى من الْأَشْيَاء، قَالَ الْأَعْشَى: فَمَا مل أَشْيَاء لأنس قَوْلهَا ... لَعَلَّ النَّوَى بعد التغرق تصقب فَمَا أنسى ملْ أشياءِ لَا أنسى قَوْلَها ... وأدمُعها يَغْسِلْن حَشْو المكاحِلِ وَهَذَا بَاب يَتَّسِع، ويتصل بِهِ الْبَيَان عَنْ قِرَاءَة أَبِي عَمْرو: " وأنَّهُ أَهْلَكَ عَادَلْ أُولَى "، وقَالَ الشَّمَاخُ بْن ضِرار يمدح عرابة الأوسي: رَأَيْت عرايتل أَوْسِيَّ يَسْمُو ... إِلَى الخيراتِ مُنْقَطِعَ القَرِين ولِشَرْح هَذَا الْمَعْنى مَوضِع من كتبنَا هُوَ أحقُّ بِهِ. المجلِسُ الثَامِن وَالأربَعوُنَ خَبَرُ بَنِي أُبَيْرِقٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وثلثمائة، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَرَّانِيُّ بِبَغْدَادَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْحَرَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالَ: كَانَ أَهْلُ بيتٍ مِنَّا يُقَالُ لَهُمْ " بَنُو أُبَيْرِقٍ ": بِشْرٌ وَبُشَيْرٌ وَمُبَشِّرٌ، وَكَانَ بُشَيْرٌ رَجُلا مُنَافِقًا، وَكَانَ يَقُولُ الشِّعْرَ يَهْجُو بِهِ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمّ يَنْحَلُهُ بَعْضَ الْعَرَبِ، ثُمّ يَقُولُ: قَالَ فُلانٌ كَذَا وَقَالَ فُلانٌ كَذَا، فَإِذَا سَمِعَ أَصْحَابُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الشِّعْرَ، قَالُوا: وَاللَّهِ مَا يَقُولُ هَذَا الشِّعْرُ إِلا الْخَبيث، فَقَالَ:

стр. 352

أوكلما قَالَ الرِّجَالُ قَصِيدَةً ... أَصَمَوْا وَقَالُوا ابْنُ الأُبَيْرِقِ قَالَهَا؟ وَكَانُوا أَهْلَ بَيْتِ فاقةٍ وحاجةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالإِسْلامِ، وَكَانَ النَّاسُ إِنَّمَا طَعَامُهُمْ بِالْمَدِينَةِ التَّمْرُ وَالشَّعِيرُ، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا كَانَ لَهُ يسارٌ فَقَدِمَتْ ضافطةٌ مِنَ الشَّامِ، ابْتَاعَ الرَّجُلُ مِنْهَا فَخَصَّ بِهِ نَفْسَهُ، فَأَمَّا الْعِيَالُ فَإِنَّمَا طَعَامُهُمُ التَّمْرُ وَالشَّعِيرُ، فَقَدِمِتْ ضافطةٌ مِنَ الشَّامِ فَابْتَاعَ عَمِّي رِفَاعَةُ بْنُ زيدٍ حِمْلا مِنَ الدَّرْمَكِ فَجَعَلَهُ فِي مَشْرَبَةٍ لَهُ، وَفِي المَشْرَبَةِ سلاحٌ لَهُ دِرْعَانِ وَسَيْفَاهُمَا وَمَا يُصْلِحُهُمَا، فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِنْ تَحْتِ اللَّيْلِ فَنُقِبَتِ الْمَشْرَبَةُ فَأُخِذَ الطَّعَامُ وَالسِّلاحُ، فَأَتَى عَمِّي رِفَاعَةَ، فَقَالَ: ابْنَ أَخٍ! أتَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنَا فِي لَيْلَتِنَا هَذِهِ، فَنُقِبَتْ مَشْرَبَتُنَا فَذُهِبَ بِطَعَامِنَا وَشَرَابِنَا وَسِلاحِنَا، قَالَ: فَتَحَسَّسْنَا فِي الدَّارِ وَسَأَلْنَا، فَقِيلَ لَنَا: قَدْ رَأَيْنَا بَنِي أُبَيْرِقٍ استوقروا فِي هَذِه اليلة، وَلا نَرَى فِيمَا نَرَاهُ إِلا بَعْضَ طَعَامِكُمْ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ - قَالُوا وَنَحْنُ نَسْأَلُ فِي الدَّارِ: وَاللَّهِ مَا نَرَى صَاحَبَكُمْ إِلا لِبِيدَ بْنَ سَهْلٍ - رجلٌ مِنَّا لَهُ صَلاحٌ وَإِسْلامٌ - فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ لبيدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ وَقَالَ: أَبَنِي أُبَيْرِقٍ! وَاللَّهِ لَيُخَالِطَنَّكُمْ هَذَا السَّيْفُ أَوْ لَتَبِنْ هَذِهِ السَّرِقَةُ، قَالُوا: إِلَيْكَ عَنَّا أَيُّهَا الرَّجُلُ، فَوَاللَّهِ مَا أَنْتَ بِصَاحِبِهَا، فَسَأَلْنَا فِي الدَّارِ، حَتَّى لم نشك أَنهم أَصْحَابنَا، فَقَالَ: لي عمي: يَا ابْن أَخِي لَوْ أَتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتَ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ: قَتَادَةَ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَهْلَ بيتٍ مِنَّا أَهْلُ جفاءٍ عَمَدُوا إِلَى عَمِّي رِفَاعَةَ بْنِ زيدٍ فَنَقَبُوا مَشْرَبَةً لَهُ وَأَخَذُوا سِلاحَهُ وَطَعَامَهُ، فَلْيَرُدُّوا سِلاحَنَا فَأَمَّا الطَّعَامُ فَلا حَاجَةَ لَنَا بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : سَأَنْظُرُ فِي ذَلِكَ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أَتَوْا رَجُلا مِنْهُمْ، يُقَالُ لَهُ: أُسَيْدُ بْن عُرْوَةَ فَكَلَّمُوهُ فِي ذَلِكَ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ قومٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: إِنَّ قَتَادَةَ بْنَ النُّعْمَانِ وَعَمَّهُ عَمَدُوا إِلَى بيتٍ مِنَّا أَهْلِ إِسْلامٍ وَصَلاحٍ يَرْمُونَهُمْ بِالسَّرِقَةِ عَلَى غَيْرِ بينةٍ وَلا تثبتٍ، قَالَ قَتَادَةَ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمْتُهُ، فَقَالَ: عَمَدْتَ إِلَى أَهْلِ بيتٍ ذُكِرَ فِيهِ إِسَلامٌ وَصَلاحٌ تَرْمِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ عَلَى غَيْرِ تثبتٍ وَلا بَيِّنَةٍ، قَالَ: فَرَجَعْتُ وَلَوَدِدْتُ أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ بَعْضِ مَالِي وَلَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ، فَأَتَى عَمِّي رِفَاعَة، فَقَالَ يَا ابْن أَخٍ! مَا صَنَعْتَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ نَزَل الْقُرْآنُ " إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا - أَيْ بَنِي أُبَيْرِقٍ - وَأَنْتَ، وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رحِيما - أَيْ مِمَّا قُلْتَ لِقَتَادَةَ -، وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ - أَي بني بيرق - إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا، يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا، هَأَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا، وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ

стр. 353

الله غَفُورًا رحِيما - أَيْ أَنَّهُمْ لَوِ اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ غَفَرَ لَهُمْ - وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا، وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائفةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شيءٍ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ، وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا، لَا خَيْرَ فِي كثيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بصدقةٍ أَوْ معروفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيما " إِلَى: وَمن يُشَاقق الرَّسُول. فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَدَّهُ إِلَى رِفَاعَةَ، قَالَ: قَتَادَةُ: فَلَمَّا أَتَيْتُ عَمِّي بِالسِّلاحِ وَكَانَ شَيْخًا قَدْ عَمِيَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكُنْتُ أَرَى إِسْلامَهُ مَدْخُولا، فَلَمَّا أَتَيْته بِالسِّلَاحِ، قَالَ: يَا ابْن أَخِي! هُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: فَعَرَفْتُ أَنَّ إِسْلامَهُ كَانَ صَحِيحًا، فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ لَحِقَ بشيرٌ بِالْمُشْرِكِينَ وَنَزَلَ عَلَى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ شَهِيدٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: " وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهدى وَيتبع غير سبل الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا، إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ " إِلَى آخِرِ الآيَةِ، فَلَمَّا نَزَلَ عَلَى سُلافَةَ رَمَاهَا حَسَّانٌ بأبياتٍ مِنْ شِعْرٍ، فَأَخَذَتْ رَحْلَهُ فَوَضَعَتْهُ عَلَى رَأْسِهَا ثُمَّ خَرَجَتْ بِهِ فَرَمَتْهُ فِي الأَبْطَحِ، ثُمَّ قَالَتْ: أهدَيْتَ إِلَى شِعْرِ حَسَّانٍ، مَا كنت تَأتِينِي بِخَير. قَالَتْ: أهدَيْتَ إِلَى شِعْرِ حَسَّانٍ، مَا كُنْتَ تَأْتِينِي بِخَيْرٍ. معنى الضافطة، والدرمك قَالَ القَاضِي: قَول الرَّاوِي فِي هَذَا الْخَبَر: ضافطة أَرَادَ عَيْرًا أَوْ رُفْقه فِيهَا ميرة، وَقَوله: الدَّرْمَكُ يُرِيد النَّقي، وَمِنْه الْخَبَر: " إِن الأَرْض بعد الْبَعْث درمكةٌ بَيْضَاء "، قَالَ: أعشى بني قَيْس بْن ثَعْلَبَة: لَهُ دَرْمَكٌ فِي رَأْسِهِ ومشاربٌ ... وقدرٌ وخبازٌ وصاعٌ وَدَيْسَقُ وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: فِي تُرْبَةِ الْجَنَّةِ: إِنَّهَا الْخُبْزُ مِنَ الدَّرْمَكِ. وَقَالَ ابْنُ الأَنْبَارِيِّ: الدَّرْمَكُ خُبْزُ الحَوَّارَى، وَأنْشد: ذَهَب الَّذِين إِذا اسْتَجَعْتُ فَزُرْتُهُمْ ... خَبَزُوا الْفُؤَادَ بدرمكٍ وشَرَابِ حذف الْيَاء فِي مثل يَا ابْن أَخ وَيَا ابْن أمّ وَفِي الْخَبَر: يَا ابْن أَخ، بِحَذْف الْيَاء الْمُضَاف إِلَيْهَا وإبقاء الكسرة دلَالَة عَلَيْهَا، وَهَذَا وَجه مَعْرُوف فِي كَلَام الْعَرَب، غَيْر أَن مُعظم النَّحْوِيين زَعَمُوا أَن الَّذِي يكثر اسْتِعْمَاله فِي هَذَا الْبَاب موضعان: يَا ابْن أمَّ وَيَا ابْن عَم، عَلَى اخْتِلاف الْقِرَاءَة فِي فتح الْمِيم وَكسرهَا من قَوْله يَا ابْن أم، وعَلى مَا فِي هَذِهِ الْكَلِمَة من لُغَات الْعَرَب، واعتل بَعضهم فِي اخْتِصَاص هذَيْن الاسمين لهَذَا الْمَعْنى بِابْن الرَّجُل يَقُولُ: يَا ابْن أمَّ وَيَا ابْن عَم، لمن لَيْسَ بأَخيه وَلا ابْن عمّه، وَهَذَا عِنْدِي لَازم فِي يَا أخي وَيَا ابْن أَخِي لِكَثْرَة قَوْلهم: يَا أَخِي وَيَا ابْن أخي

стр. 354

للْأَجْنَبِيّ، وَقد يَقُولُونَ يَا ابْن أُمِّي فِي الْإِضَافَة فِي يَا ابْن أُمِّي، ويُسَكِّنُونها تَارَة ويحركونها أُخْرَى، قَالَ الشَّاعِر: يَا ابْن أمِّي وَيَا شُقيّقَ نَفْسِي ... أَنْت خلَّيْتَنِي لدهرٍ شَدِيدِ وقَالَ أخر: يَا ابْن أمِّيَ وَلَو شَهِدْتُكَ إذْ ... تَدْعُو تميمًا وأنتَ غَيْرُ مُجَابِ وَقَوله: وَكَانَ شَيخا قَدْ عَسى، يَعْنِي أَن الْكِبَرَ قَدْ بلغ مِنْهُ وَأثر فِيهِ، وَقد قرىء " وقَدْ بَلَغْتُ من الْكِبَرِ عِسِيًّا " وعُسِيًّا عَلَى مَا بَيْنَ الْقُرَّاءِ من الاخْتِلاف فِي ضَمِّ الْعين عَلَى الأَصْل وَكسرهَا، قَالَ الشَّاعِر: لَوْلَا الحياءُ وَأَن رَأْسِيَ قَدْ عَسَا ... فِيهِ المَشِيبُ لَزُرْتُ أمَّ الْقَاسِم ويروى: وَقَدْ بدا، ويُقَالُ: فِي هَذَا الْبَاب الْعُسُوُّ والْعُتُوّ كتب بني أُمَيَّة أقصر من كتب بني الْعَبَّاس حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن دُرَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِم، قَالَ: سَمِعْتُ بعض أَصْحَابنَا يُحَدِّثُ عَنْ عَبْد اللَّه بْن سَوَّار، قَالَ: كُنْت غُلَاما أكتب بَيْنَ يَدي يَحْيَى بْن خَالِد، فَدخل عَلَيْه شيخٌ ضخمٌ جميل الْهَيْئَة، فأعظمه يَحْيَى وَأَقْعَدَهُ إِلَى جانِبه وحَادَثَه ثُمّ قَالَ لَهُ: مَا بالكم كُنْتُم تكتبون الْكتب إِلَى عُمّالكم فِي سَائِر أُمُوركُم فَلَا تطبلون، وَإِنَّمَا الْكتاب بِقدر الْفَضْل من كتبنَا، وَنحن نطيل إطالة لَا يمكنّا غَيْر ذَلِكَ، فَقَالَ: اعْفِني، فَأبى عَلَيْه إِلَّا أَن يجِيبه، فَقَالَ وَأَنت غير ساخط؟ ٍ قَالَ: نعم، قَالَ: إِن بني أُمَيَّة كَانَتْ لَا تكْتب فِي الْبَاطِل أَنَّهُ حقٌ، وَلا فِي الْحق أَنَّهُ بَاطِل فَلَا تُعْقِب أمرا قَدْ نفذ بِخِلَافِهِ أمرٌ، فَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى الإطالة وَطلب المعاذير والتلبيس، وَأَنْتُم تكتبون فِي الشَّيْء الْحق أَنه بَاطِل وَالْبَاطِل أَنَّهُ حق، ثُمّ تُعْقبون ذَلِكَ بِخِلَافِهِ فَلَا بُد لَكُمْ من الإطالة. قَالَ عَبْد اللَّه بْن سَوَّار: فسالت عَنِ الشَّيْخ فَقِيل لي: هَذَا رجلٌ من كُتَّاب بني أُمَيَّة القدماء من أَهْل الشَّام. قَالَ القَاضِي: قَول يحيى لهَذَا الْكتاب فِي سَائِر أُمُوركُم، إِن كَانَ أَرَادَ فِيمَا يسير وينتشر من أُمُوركُم، فَهُوَ صَوَاب فِي اللَّفْظ، وَإِن كَانَ أَرَادَ بِهِ الْعُمُوم والإحاطة عَلَى معنى جَمِيع أُمُوركُم، فَهُوَ خطأ من جِهَة اللَّفْظ وَالْمعْنَى، إِذْ السائرُ فِي هَذَا الْمَعْنى تَأْوِيله الْبَاقِي، وَإِنَّمَا يُقَالُ: فعلت فِي بَاب كَذَا كَيْتَ وَكَيْت وَفِي سَائِر الْأَبْوَاب لِمَعْنى الْفَاضِل والبقية، يُقَال: أسأرت فِي الْإِنَاء أسأر بِالْهَمْز قَالَ الشَّاعِر: أعطِ الْمُلَوُّحَ سُؤْرَ الكلبِ يشربُهُ ... إِن الْمُلَوِّحَ شرابٌ عَلَى الكَدَرِ وقَالَ الْأَعْشَى: بانَتْ وَقَدْ أسْأَرَتْ فِي النَّفْسِ حَاجَتهَا ... بعد ائتلافٍ وخَيْرُ الودِّ مَا نَفَعَا

стр. 355

وقَالَ أَيْضا: فبانتْ وَقَدْ أسْأرَتْ فِي الفؤا ... د صَدْعًا عَلَى نأْيِهَا مُسْتَطِيرَا وقَالَ حُمَيد بْن ثَوْر الْهِلَالِي: أَلا إنَّ أُمِّي مَا يزالُ مِطَالُها ... شَدِيدا وفيهَا سؤرةٌ وَهِي قاعِدُ يَعْنِي بَقِيَّة من الشَّبَاب، وَهِي من الْقَوَاعِد، وَقَدْ رُوِيَ بَيت الأخطل عَلَى وَجْهَيْن: وشاربٌ مربحٌ بالكأسِ نَادَمَنِي ... لَا بالحَصُورِ وَلا فِيهَا بِسَوَّارِ بِالْهَمْز فِي سَوَّار وَغَيره فَمن رَوَاهُ مهموزاً قالمعنى أَنَّهُ لَا يُفْضِل فِي الكأس شَيْئا إِذْ أَن هَذَا عيبٌ عِنْدهم من وَجْهَيْن، أَحَدهمَا: أَنَّهُ يدلُّ عَلَى عَجزه عَنِ الشَّرَاب أَوْ كَرَاهِيَة الشَّرَاب والنَّدام، وَمن رَوَاهُ بِسوار غَيْر مَهْمُوز فَمَعْنَاه بوثاب من المساورة والمواثبة، فَهَذَا بَيَان الْخَطَأ فِي هَذَا من جِهَة اللَّفْظ، وَأما من جِهَة الْمَعْنى فلكثرة كتب بني أُمَيَّة فِي عَظِيم الآثام وجسيم الْإِحْرَام، وذميم الْجور وَالْأَحْكَام، ولكثرة الإطالة فِي كتبهمْ، وَالْعجب من يَحْيَى كَيفَ أمسك عَنْ جَوَاب هَذَا الْمُتَكَلّم من أَن يريَهُ من إطالة كتب بني أُمَيَّة وَخطأ مَعَانِيهَا، ونَقْضِها أَكثر مَا أصدرت من أَحْكَامهَا. مَا للشَّيْطَان ذَنْب فِي هَذَا صلّى رَجُل مِنْهُم خلف إِمَام فَلَمَّا قَرَأَ " الْحَمْد " أرتج عَلَيْه فَلم يدر مَا يَقُولُ، فَجعل يَقُولُ: أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم، ويردد ذَلِكَ مرَارًا، فَقَالَ الشَّاطر من خَلفه: مَا للشَّيْطَان ذنبٌ إِلا أنَّكَ أَنْت مَا تحسنُ تقْرَأ. مجّان الشُّعَرَاء يصفونَ صَلَاة أحدهم حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر الْعُقَيْليّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَن بْن رَاهَوَيْه، قَالَ: صلّى يَحْيَى بْن المعلي الْكَاتِب، وَكَانَ فِي مجلسٍ فِيهِ أَبُو نواس ووالبة بْن الْحُبَاب وعَلِيّ بْن الْخَلِيل والْحُسَيْن الخليع صَلَاة فَقَرَأَ فِيهَا: قُلْ هُوَ الله أحد، فغلظ فَسلم، فَقَالَ: أَبُو نواس: أكْثَرَ يحيى غلظاً ... فِي قُلْ هُو اللَّهُ أحَدٌ فَقَالَ والبةُ: قَامَ طَويلا سَاكِنًا ... حَتَّى إِذا أَعْيَ سَجَدْ فَقَالَ عَلِيّ بْن الْخَلِيل: يزحَرُ فِي محرابِهِ ... زحيرُ حُبْلى بِولد فَقَالَ الْحُسَيْن الخليع: كأنَّمَا لِسَانُهُ شُدّ ... بحبلٍ من مَسَدْ منزلَة أَبِي الْعَتَاهِيَة عِنْد العباسيين حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ: حَدَّثَنَا عون بْن مُحَمَّد، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن

стр. 356

الْحَسَن، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَتَاهِيَة ينشد الْمَأْمُون: مولَايَ أَعْلَمُ ذِي علمٍ بِمَا يَأْتِي ... يزيدُني كُلّ يومٍ فِي كراماتي لَمْ يأتِ شَيْئا من الْأَشْيَاء أعْلمُهُ ... إِلا تحرّى بِهِ برِّي ومرضاتي أُعْطِيتُ فَوق المنى من سيدٍ ملكٍ ... وخصني اللَّهُ مِنْهُ بالكراماتِ عَدُوُّهُ من جُمَيْع النّاس كلهم ... فَالْحَمْد للَّه من يَبْغِي معاداتي فَقل لحاسدِ هَذَا الحبِّ مُتْ كَمَدًا ... فَالْحُبُّ يَقْسِمُهُ ربُّ السَّموات إِن لَمْ يعاودُهُ شكري فِي مدائحِهِ ... فَلَا تملَّيْتُ مِنْهُ حُسْنَ عاداتي فَقَالَ الْمَأْمُون: أَنْت يَا أَبَا إِسْحَاق تمدحنا مُنْذُ خمسين سنة، لَو كُنْت تَذُمُّنا لكَانَتْ لَك حُرْمة، وكل مَا نفعلُه بك من استحقاقك. المجلِسُ التاسِع وَالأربَعُونَ الحبُّ فِي اللَّهِ وَمَنْزِلَتِهِ أَخْبَرَنَا الْمُعَافِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُورٍ الْمُقْرِي أَبُو الْعَبَّاسِ الزُّبَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ الرَّسِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي رجلٍ زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللَّهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ لَهُ الْمَلَكُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ أُسَلِّمُ عَلَيْهِ، قَالَ: هَل لَهُ عَلَيْهِ قَرْضٌ؟ قَالَ: لَا، غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ، قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ يُعْلِمُكَ أَنَّهُ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ ". تَعْلِيق الْمُؤلف قَالَ القَاضِي: هَذَا خبرٌ مَعْرُوف قَدْ كتبناه عَنْ عددٍ من الشُّيُوخ من طرق شَتَّى، وأتى فِي مَعْنَاهُ عَنِ النَّبيّ ﷺ عدةٌ من الْأَخْبَار، وَأَنه قَالَ فِي بَعْضهَا: إِن اللَّه تَعَالَى ذكره، قَالَ: " حَقتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَحَقَّتْ مُحَبَّتِي لِلْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ، وَإِنَّ الْمُتَحَابِّينَ فِي اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ ". مِمَّا أشبه هَذَا مِمَّا يرغب فِي التحابِّ فِي اللَّه والتواصُل فِيهِ، وَإِنَّمَا يُخْلص الْمَوَدَّة والمخالة فِي اللَّه وَلَهُ مَعَ التَّقْوَى، وَقَدْ جَاءَ فِي الْأَثر: " أَنَّهُ مَا تحاب قطّ رجلَانِ فِي اللَّه إِلا كَانَ أحبُّهما إِلَى اللَّه أشدهما حبا لصَاحبه "، مَتى عَرِيَ المتحابَّان من تقوى اللَّه فَإلَى أشدِّ الْعَدَاوَة مآلهما، وأقبحُ التباغُض عَاقِبَة أَمرهمَا، وَقَدْ قَالَ اللَّه ﷻ : " الأَخِلاءُ يومئذٍ بَعْضُهُمْ لبعضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ " وَقَد اقْتصّ اللَّه من أَحْوَال الْكفَّار وإخوانهم وطَوَاغِيتهم وأذْنَابِهم، وَمن تَبَرُّؤ بَعضهم من بعض، ولَعْنِ بَعضهم بَعْضًا، مَا فِيهِ تنبيهٌ للناظرين، وعظةٌ للمعتبرين، واللَّه نسْأَل التَّوْفِيق لما يرضيه، والْعِصْمة من جُمَيْع معاصية.

стр. 357

من أَعْلَام النُّبُوَّة حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِم، عَنْ أبي عُبَيْدَةَ، عَنْ يُونُسَ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي ليثٍ: بَعَثَنِي قَوْمِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ لآتِيَهُمْ بِخَبَرِهِ، فَقَدِمْتُ فَبِتُّ فِي جَبَلِ آلِ خُوَيْلِدٍ، وَمَعِي فُلانُ ابْن فُلانٍ، فَلَمْ أَرَ كَرُعْبِهِ، فَقُلْتُ: أَبِهَذَا الْقَلْبِ تُقَاتِلُ مُحَمَّدًا ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ نَفْسِي تُخْبِرُنِي أَنَّهُ إِنْ رَآنِي قَتَلَنِي، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَقَدْ قَالَ لِيَ الرَّجُلُ: ائْتِنِي بِخَبَرِهِ وَلا يَعْلَمَنْ بِمَكَانِي، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَأَجِدُهُ جَالِسًا بِالأَبْطَحِ فِي ثَوْبَيْنِ أَبْيَضَيْنِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَعْكَانِ بَطْنِهِ، وبلالٌ قَائِمٌ يَقْرَأُ " يس، وَالْقُرْآن الْحَكِيمِ " فَقُلْتُ لَهُ: مُرْهُ فَلْيَزِدْنَا مِنْ هَذَا الْكَلامِ الطَّيِّبِ، فَقَالَ: زِدْهُ يَا بِلالُ، فَقَرَأَ " اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ " فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ الإِسْلامُ؟ قَالَ: تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول الله، وَتَفْعَلُ مَا تُؤْمَرُ بِهِ وَتَنْهَى عَمَّا تُنْهَى عَنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ عِنْدِي أَمَانَةً لرجلٍ أَفَأَكْتُمُهَا أَمْ أُحَدِّثُكَ بِهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اكْتُمْهَا وَهُوَ فُلانُ ابْن فُلانٍ، بَاتَ مَعَكَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ فِي جَبَلِ آلِ خُوَيْلِدٍ وَلِلظَّالِمِينَ مَصَارِعُ، اللَّهُ صَارِعُهُ فِيهَا؟ قَالَ: وَرَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى حُنَيْنٍ وَرَحَلْتُ مَعَهُ فَانْكَشَفَتْ هَوَازِنُ، وَوَقَفَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ صَرِيعًا يَرْكُضُ بِرِجْلَيْهِ، فَقَالَ: أَبْعَدَكَ اللَّهُ فَإِنَّكَ كُنْتَ تُبْغِضُ قُرَيْشًا. قَالَ القَاضِي: فِي هَذَا الْخَبَر علمٌ من إِعْلَام النَّبِيّ ﷺ الدَّالَّةِ عَلَى ثبوتُ رسَالَته، وصحةِ نُبُوّتِه، وَمَا أطلعهُ اللَّه عَلَيْه من غَيْبه، الَّذِي يُكرم من يَخُصُّهُ بِهِ، وعَلى منزلَة قُرَيْش قومِ رَسُول اللَّه ﷺ وأسرته ورهطه الأدنين وعِزّته. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيّ ﷺ أَنَّهُ، قَالَ: " من يُرِدْ هَوَانَ قُريش أهانَهُ اللَّه " وَكَيف يُبغِضُ ذُو حجًى قَبِيلا مِنْهُم رَسُول اللَّه ﷺ ، سيد أصفيائه، وَخَاتم أنبيائه. يستحيي من النَّهر حَدثنَا الْحُسَيْن بت الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يُوسُف يَعْقُوب بْن إِسْحَاق القَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن صَالِح الوَحَاصِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن عَيَّاش، عَنْ صَفْوَان بْن عَمْرو، عَن شُرَيْح بْن عُبَيْد الْحَضْرَمِيّ، عَنْ كَعْب الْأَحْبَار. أَن رَجُلا من بَنِي إِسْرَائِيل أَتَى فَاحِشَة فَدخل نَهرا يغْتَسل فِيهِ، فناداه الماءُ: يَا فُلان أَلا تَسْتَحي ألم تتب من هَذَا الذَّنب؟ فَقلت إِنَّك لَا تعود فِيهِ؟ فَخرج من المَاء فَزعًا وَهُوَ يَقُولُ: لَا أعصي اللَّهَ، فَأتى جبلا فِيهِ اثْنَا عشر رَجُلا يعْبدُونَ اللَّه فَلم يزل مَعَهم حَتَّى تَخَطَّوْا موضعهم فنزلوا يطْلبُونَ الكَلأَ، فمرُّوا عَلَى ذَلِكَ النَّهر، فَقَالَ الرَّجُل: أما أَنَا فلستُ بذاهب مَعكُمْ، قَالُوا لَهُ: لِمَ؟ قَالَ: لأنّ ثَمَّ من قَد اطَّلع مني عَلَى خطيئةٍ فَأَنا أستحيي مِنْهُ أَن يراني، فَتَرَكُوهُ ومَضَوْا، فناداهم النَّهر: يَا أَيهَا الْعُبَّاد! مَا فعل صَاحبكُم؟ قَالُوا: زَعَم لنا أَن هَاهُنَا من قَد اطلع مِنْهُ عَلَى خطيئةٍ

стр. 358

فَهُوَ يستحيي مِنْهُ أَن يرَاهُ، قَالَ: يَا سُبْحَانَ الله! إِن بَعْضكُم ليغضب على وَلَده أَو على قراباته، فَإِذا تَابَ وَرجع إِلَى مَا يحب أحبه، وَإِن صَاحبكُم قَدْ تَابَ وَرجع إِلَى مَا أُحِب فَأَنا أحبُّه، فأْتُوه فأخْبِرُوه، واعْبُدُوا اللَّه عَلَى شَاطِئِي. فأخبروه فجَاء مَعَهم فأقاموا يعْبدُونَ اللَّه زَمَانا، ثُمّ إِن صَاحب الْفَاحِشَة توفّي، فناداهم النَّهر: يَا أَيهَا الْعُبَّاد وَالْعَبِيد الزُّهاد! غَسِّلُوه من مائي وادْفُنُوه عَلَى شاطئي حَتَّى يبْعَث يوْم الْقِيَامَة من قُرْبِي، فَفَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ، وَقَالُوا: نبيتُ ليلتنا هَذِهِ عَلَى قَبره نبْكي، فَإِذا أَصْبَحْنَا سِرنا، فَبَاتُوا عَلَى قَبره يَبْكُونَ، فَلَمَّا جَاءَ وَجْهُ السَّحَر غَشِيَهُم النُّعَاسُ، فأصْبحوا وَقَدْ أنبت اللَّه عَلَى قَبره اثْنَتَيْ عشرَة سروة، فَكَانَ أول سروٍ أنْبَتَهُ الله تَعَالَى عَلَى وَجه الأَرْض، فَقَالُوا: مَا أنبت هَذَا الشّجر فِي هَذَا الْمَكَان إِلا وَقَدْ أحبّ عبادتَنَا فِيهِ، فأقاموا يعْبدُونَ اللَّه عَلَى قَبره، كلما مَاتَ مِنْهُم رجلٌ دفنوه إِلَى جَانِبه حَتَّى مَاتُوا بأجمعهم، قَالَ كَعْب: فَكَانَت بَنو إِسْرَائِيل يحجون إِلَى قُبُورهم. خطْبَة زِيَاد البتراء، وَتَعْلِيق بعض من سَمعهَا حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْقَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن أَبِي يَعْقُوب الدِّينَوَرِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد الْفِرْيَابِي، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الْملك بْن عُمَير، قَالَ: شهدتُ زيادَ بْن أَبِي سُفْيَان وَقَدْ صعد الْمِنْبَر فسَلَّم تَسْلِيمًا خَفِيًّا، وانْحرف انحرافًا بطيًّا، وخطب خطْبَة بُتَيْرا، قَالَ ابْن الْفرْيَابِيّ: والبتيرا: الَّتِي لَا يُصَلَّى فِيهَا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ، ثُمّ قَالَ: إِن أَمِير الْمُؤْمِنِين قَدْ قَالَ مَا سَمِعْتُمْ، وَشهِدت الشُّهُود بِمَا قَدْ علمْتُم، وَإِنَّمَا كنتُ امْرأً حفظ اللَّه مني مَا ضيع النّاس، وَوصل مني مَا قطعُوا، أَلا إِنَّا قَدْ سُسْنا وساسنا السائِسُون، وجَرَّبْنا وجَرَّبَنَا المجرِّبُون، ووُلِّينا ووَلِيَ علينا الوالون، وَإِنَّا وجدنَا هَذَا الْأَمر لَا يصلحه إِلا شدةٌ فِي غَيْر عُنْف، ولينٌ فِي غَيْر ضَعف، وأيم اللَّه إِن لي فِيكُم صَرْعَى، فليحذر كُلّ رَجُل مِنْكُم أَن يَكُون من صَرْعاي، فواللَّهِ لآخُذَنَّ البريء بالقسيم، والمطيع بالعاصي، والمقبل بالمدبر، حَتَّى تلين لي قناتكم، وَحَتَّى يَقُولُ الْقَائِل: " انْجُ سَعْد، فقد قُتِل سُعَيْد "، أَلا رُب فرحٍ بإمارتي لن تَنْفَعَه، ورُبَّ كارهٍ لَهَا لن تضره، وَقد كَانَت بيني وبَيْنَ أَقوام مِنْكُم إحَنٌ وأحْقَاد، وَقَدْ جعلتُ ذَلِكَ خلف ظَهْري وَتَحْت قدمي، وَلَو بَلغنِي عَنْ أحدكُم أَن الْبُغْضَ لي قَتَلَهُ مَا كَشفْتُ لَهُ قِناعًا، وَلا هَتكتُ لَهُ سِتْرًا، حَتَّى يُبْدِيَ لي صفْحَته، فَإِذا أبداها لَمْ أُقِلْه عَثْرته، أَلا وَلا كذبةَ أكثرُ شاهدٍ عَلَيْهَا من كَذِبَةِ إِمَام عَلَى مِنْبر، فَإِذا سمعتموها مني فاغتمزوها فِي، وَإِذَا وعدتكم خيرا أَوْ شرا فَلم أفِ بِهِ فَلَا طَاعَة لي فِي رِقَابكُمْ، أَلا وَأَيّمَا رَجُل مِنْكُم كَانَ مكتبه خُرَاسَان فأجَلُه سنَتَان ثمَّ هُوَ أَمِير نَفسه أَلا وَأَيّمَا رجلٍ مِنْكُم كَانَ مكتبه دون خُرَاسَان فَأَجله سِتَّةُ أشهر ثُمّ هُوَ أَمِير نَفسه، وأيُّما امرأةٍ احْتَاجَت فإننا نعطيها عطاءَ زَوجهَا ثُمّ نُقَاصُّهُ بِهِ، وَأَيّمَا عقال فَقَدْتُمُوه من مُقامِي هَذَا إِلَى خُرَاسَان فَأَنا لَهُ ضامنٌ، فَقَامَ إِلَيْهِ

стр. 359

نُعيم بْن الْأَهْتَم الْمِنْقَرِيّ، فَقَالَ: أشهدُ قَدْ أُوتيت الْحِكْمَة وفَصْل الخَطَّاب، فَقَالَ: كذبت أَيهَا الرَّجُل ذَاك نَبِيَّ اللَّه دَاوُد ﵇، ثُمّ قَامَ إِلَيْهِ الْأَحْنَف بْن قَيْس، فَقَالَ: أَيهَا الرَّجُل إِنَّمَا الجوادُ بِشَدِّه، والسيفُ بِحَدِّه، والمرء بِجَدِّه، وَقَدْ بلَّغَك جَدُّك مَا ترى، وَإِنَّمَا الشُّكْر بعد الْعَطاء، والثناءُ بعد الْبلَاء، ولسنا نُثْنِي عَلَيْك حَتَّى نَبْتليَك، فَقَالَ: صدقت، ثُمّ قَامَ أَبُو بِلَال مرداس ابْن أُدَيَّة، فَقَالَ: أَيهَا الرَّجُل: قَدْ سَمِعت قَوْلك: وَالله لآخذن البريء بالسقيم والمطيع بالعاصي والمقبل بالمدبر، ولَعَمْرِي لقَدْ خَالَفت مَا حكم اللَّه فِي كِتَابه إِذْ يَقُولُ: " وَلا تَزِرُ وازرةٌ وِزْرَ أُخْرَى " فَقَالَ: إيهًا عني، فواللَّهِ مَا أجدُ السَّبيل إِلَى مَا تريدُ أَنْت وأصحابُك حَتَّى أخوض الْبَاطِل خوضاً. ثمَّ نزل. فَقَامَ مرداس بْن أدية، وَهُوَ يَقُول: يَا طَالِب الْخَيْر نهر الجَوْرِ معترضٌ ... طولُ التهجُّدِ أَوْ فتكٌ بجبار لَا كنت إِن لم أَصمّ عَنْ كُلّ غانيةٍ ... حَتَّى يكون بريق الْحور إفطاري فَقَالَ لَهُ رجلٌ: أَصْحَابك يَا أَبَا بِلَال شباب، فَقَالَ: شباب مكتهلون فِي شبابهم، ثُمّ قَالَ: إِذا مَا اللَّيْل أظْلم كَابَدُوهُ ... فيُسْفِرُ عَنْهُمُ وهُمُ سُجُودُ فسرى وانجفل النّاس مَعَه، فَكَانَ قَدْ ضيق الْكُوفَة عَلَى زِيَاد. شريطة بشار حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْف بْن مُحَمَّد، قَالَ: قَالَ دِعْبَل لإِبْرَاهِيم بْن الْعَبَّاس: أُرِيد أَن أصحبك إِلَى خُرَاسَان، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم: حَبَّذَا أَنْت صاحبًا

стр. 360

مصحوبًا إِن كُنَّا عَلَى شريطة بشار قَالَ: وَمَا شريطة بشار قَالَ: قَوْله: أخٌ خيرٌ من آخيتُ أحملُ ثِقْلَهُ ... ويحملُ عَني حينَ يَفْدَحُنِي ثِقَلِي أخٌ إِن نَبَا دهرٌ بِهِ كُنْتُ دُونَهُ ... وَإِن كانَ كونٌ كَانَ لي ثقةٌ مثْلي أخٌ مالُهُ لي لستُ أرهبُ بُخْلَهُ ... وَمَالِي لَهُ لَا يرهبُ الدهرَ من بُخْلِي قَالَ: ذَلِكَ لَك ومزية فاصطحبا. من كنوز الْعلم حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ، قَالَ: مُحَمَّدٌ - يَعْنِي بْن زَكَرِيّا الغَلابِي -، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَائِشَةَ، قَالَ: قَالَ: ابْنُ يَحْيَى الأَسْلَمِيُّ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: شَهِدْتُ مَائِدَةً عَلَيْهَا الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ، وَمُحَمَّدٌ بَنُو عَلِيِّ بْن أَبِي طالبٍ، وَعبد اللَّه بن الْعَبَّاس، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ، فَسَقَطَتْ جرادةٌ عَلَى الْمَائِدَةِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِمُحَمَّدِ بْنِ الحنيفة: يَا أَبَا الْقَاسِمِ! مَا كَانَ أَبُوكَ يَقُولُ عَلَى جَنَاحِ الْجَرَادَةِ مَكْتُوبٌ؟ قَالَ: مَا كُنْتُ لأَتَكَلَّمُ بِحَضْرَةِ أَبِي مُحَمَّدٍ - يَعْنِي الْحَسَنَ - فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ! مَا كَانَ أَبُوكَ يَقُولُ؟ قَالَ: كَانَ أَبِي يَقُولُ: عَلَى جَنَاحِ الْجَرَادَةِ مَكْتُوبٌ بِالسُّرْيَانِيَّةِ: أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْجَرَادَةِ وَخَالِقُهَا، فَإِذَا شِئْتُ أَنْ أَبْعَثَهَا رِزْقًا لِقَوْمٍ فَعَلْتُ، وَإِذَا شِئْت أَن أبعثها عزاباً عَلَى قومٍ فَعَلْتُ، فَقَامَ مُحَمَّدٌ إِلَى الْحَسَنِ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: هَذَا وَاللَّهِ مِنْ كُنُوزِ الْعِلْمِ. سَبَب غضب بشار عَلَى سلم حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن الْحَسَن بْن مُحَمَّد الْبَزَّاز، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن خَلَف بْن الْمَرْزُبَان، حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَن عَلِيّ بْن يَحْيَى، حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن صَالِح الْمُؤَدب وَكَانَ أحد الْعلمَاء، قَالَ: أَخْبَرَنِي جمَاعَة من أَهْل الْأَدَب أَن بشارًا غَضِبَ عَلَى سلمٍ الخاسر وَكَانَ من تلامذته ورُواته، فاستشفع عَلَيْه: بِجَمَاعَة من إخوانه فأتَوْه، فَقَالُوا: جئْنَاك فِي حَاجَة، قَالَ: كُلّ حاجةٍ لَكُمْ مَقْضِيَّة إِلا سَلْمًا، قَالُوا: مَا جئْنَاك إِلا فِي سَلْم فَلَا بُدَّ من أَن ترْضى عَنْهُ، قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: هوذا فَقَامَ سلْمٌ فَقبل رَأْسَهُ ويَدَيْه، وقَالَ: يَا أَبَا مُعَاذ! خِرِّيجُكَ وأديبك، قَالَ: يَا سَلْم! من الَّذِي يَقُولُ: من رَاقَبَ النّاس لَمْ يَظْفَرْ بحاجَتِهِ ... وفاز بالطَّيباتِ الفاتكُ اللَّهِجُ قَالَ: أَنْت يَا أَبَا مُعَاذ، جعلني اللَّه فدَاك، قَالَ: فَمن الَّذِي يَقُولُ: مَنْ رَاقَب النَّاسَ مَاتَ غَمًّا ... وفاز باللَّذَّةِ الجَسُورُ قَالَ: خرِّيجُك يَقُولُ ذَلِك - يَعْنِي نَفسه - فَقَالَ: فتأخُذُ مَعَاني الَّتِي عنيتُ بهَا، وتَعِبْتُ فِي اسْتنباطها، فتكْسُوها ألفاظًا أخفَّ من لفاظي حَتَّى يُرْوَى مَا تَقُولُ: وَيذْهب شِعرِي، لَا

стр. 361

أرْضَى عَنْك أبدا، قَالَ: فَمَا زَالَ يتَضَرَّع إِلَيْهِ ويتشفع لَهُ الْجَمَاعَة حَتَّى رَضِيَ عَنْهُ. انتقام الْعَنزي حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن جَعْفَر الأَزْدِيّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن يَحْيَى النَّحْويّ. قَالَ: كَانَ رَجُل من عَنْزَةَ دَعَا رؤبة بْن العَجَّاجِ فأطعمه وسقاه، وأنشده فَخْرَه عَلَى عَنزةَ، فسَاء ذَلِكَ العَنزِيَّ، فَقَالَ لغلامه سِرا: اركب فَرَسِي وجِئْني بِأبي النَّجْم، فَطَلَبه فجَاء وَعَلِيهِ جُبَّة حزوبت من غَيْر سَرَاوِيل، فَدخل وَأكل وَشرب، ثُمّ قَالَ: العَنْزَي: أنشدنا يَا أَبَا النَّجم ورؤبة لَا يعرفهُ، فانتحى فِي قَوْله: الحَمْدُ للَّهِ الوَهُوبِ المجْرِلِ حَتَّى بلغ: تبقلَتْ من أَوَّلِ التَّبَقُّلِ ... بَيْنَ رِمَاحَيْ مَالِكٍ ونَهْشَلِ قَالَ القَاضِي: ثَنَّى أَبُو النَّجْم فِي قَوْله بَيْنَ رماحي، لِأَن رماح الْفَرِيقَيْنِ وَإِن كَانَتْ جمعا جملتان كَمَا قَالَ الشَّاعِر: ألم يُحْزِنْكَ أَن جبَالَ قيسٍ ... وتَغْلِبَ قَدْ تَبَايَنَتَا انْقِطَاعا وَقَدْ قَالَ اللَّه : " هَذَانِ خصمان اخْتَصَمُوا " وقَالَ جلّ ذكره: " سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيهَا الثَّقَلَان " فَثنى وَجمع عَلَى مَا فسرناه، فَقَالَ لَهُ رؤبة: إِن نَهْشَلَا ابْن مَالك يَرْحَمك اللَّه، فَقَالَ لَهُ: يَا ابْن أَخِي إِن النّاس أشباه، إنَّه لَيْسَ مَالك بْن حَنْظَلة، إنَّه مَالك بْن ضُبَيْعة، قَالَ: فَخَزِيَ رُؤْبةُ وحَيِيَ من غَلَبَة أبي النَّجْم إِيَّاه، ثمَّ أنْشدهُ أَبُو النَّجْم فخره على تَمِيم، فَاغْتَمَّ رؤبة، وقَالَ لصَاحب الْبَيْت: لَا يحبُّك قلبِي أبدا. قَالَ القَاضِي: والبَتُّ: الكساء ويجمعُ بُتُوتًا. وَقَدْ ذكر أَن رؤبة ذوكر بالأراجيز، فَقَالَ: وَقَدْ ذكر أَبُو النَّجْم قصيدتَهُ تِلْكَ: لعنها اللَّه، يَعْنِي هَذِهِ اللامية لاستجادته إِيَّاهَا وغضبه مِنْهَا وحَسَدِه عَلَيْهَا. القصيدة أَيْضا حَدَّثَنَا المظفَّر بْن يَحْيَى بْن أَحْمَد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن بشر المرشدي، أَخْبَرَنِي أَبُو إِسْحَاق الطَّلْحي، حَدَّثَنَا الْمَازِنِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَصْمَعِيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سُلَيْم الْعَلاء، قَالَ: قُلْتُ لرؤبة: كَيفَ رَجَزُ أَبِي النَّجْم عنْدكُمْ؟ قَالَ: لاميته تِلْكَ عَلَيْها لعنةُ اللَّه، قَالَ: فَإِذا هِيَ قَدْ غَاظَتْهُ وبلغتْ مِنْهُ. أَسْوَأ النّاس حَالا حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن سلم الْكَاتِب، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَير بْن بَكَّار، قَالَ: قَالَ بَعضهم: أَسْوَأُ النّاس حَالا مَنْ قويتْ شَهْوَتُهُ، وَبَعُدَتْ هِمَّتُهُ، وَاتَّسَعَتْ معرفتُه وضاقتْ قدرته.

стр. 362

أَيْنَ حدث الْخرق قَالَ: وقَالَ: الزُّبَير: كَانَ بِالْبَصْرَةِ رَجُل بصيرٌ بِالْغنَاءِ، فَحَضَرَ مجْلِس بعض الْأَشْرَاف فحفظ عَنْهُ بعضُهم صَوتا أخل بِهِ بَعْدُ، فَلَقِيَهُ يَوْمًا بِبَاب بعض الْأُمَرَاء، فَقَالَ: يَا أَبَا فُلان! الثَّوْب الَّذِي أعْطَيتنا كَانَ فِيهِ خَرْق، فَقَالَ: عنْدكُمْ حدث ذَلِكَ. هَذِهِ الْأَحَادِيث الصغار حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن عَرَفَة الأَزْدِيّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّد بْن يُونُس، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَاصِم وذُكِر هَذِهِ الْأَحَادِيث الصغار، فَقَالَ: هَذَا اللُّؤْلُؤ. شكر وردٌّ عَلَيْه حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن زِيَاد الْمُقْرِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَليفَة قَالَ: أَخْبَرَنِي القَاضِي مُحَمَّد بْن الْفَتْح السِّيِّاري. قَالَ: اجْتَزْتُ بالكوفَةِ فِي بعض شوارعها، فأخَذَنِي بَطْني فَلم أدرِ مَا أصنع، إِذْ رَأَيْتُ خِصِيًّا عَلَى بَاب كَبِير، فَقلت: أصلحك اللَّه، هَلْ من موضعٍ أبولُ فِيهِ؟ فَقَالَ لي: ادخُل، فدخلتُ فَإِذا دَار كَبِيرَة قَوْراء، فِي وَسطهَا بُسْتان، فَرَأَيْت عينا من ثقبٍ فِي السِّتَارة، ووجهًا لَا يَنْبَغِي أَن يَكُون أحسن مِنْهُ، فَلَمَّا قضيتُ حَاجَتي، قُلْتُ فِي نَفسِي: إِن كَانَ مَعَ هَذَا الوجهِ الْحَسَنِ براعةُ لسانٍ فَهُوَ غَايَة، فَقلت وَأَنا خَارج لأُسْمِعَها: أحسن اللَّه لَكُمْ، وَبَارك عَلَيْكُم، وَتَوَلَّى مكافأتكم بالْحُسْنى، فَقَالَت مسرعةً: وَأَنت، فَبَارك اللَّه عَلَيْك وَأحسن إِلَيْك، فَمَا رَأينَا خَارِئًا أشكرَ مِنْك، فأفْحَمَتْنِي. لَا، وَلا العوراء حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد بْن سَعِيد المطيقي، حَدَّثَنَا يُوسُف بْن مُوسَى المَرْوَزِيّ، قَالَ: قَالَ عَبْد اللَّه بْن خُبيق، سَمِعْتُ بعض أَصْحَابنَا، يَقُولُ: قِيلَ للفُضَيْلِ بْن عِياض مَاتَ حَمَّاد البربريُّ وَأوصى بِخَمْسَة أَفْرَاس، قَالَ فُضَيْل: وَأَصَابُوا من يَقْبَلُها؟ قَالُوا: نعم، قَالَ: وإيش يَطْلُبُون عَلَيْها، قَالُوا: الْحَوْرَاء، قَالَ: لَا وَلا العوراء معنى الرِّفْه حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم الحكيمي، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَحْمَد بْن أبي خَيْثَمَة، قَالَ: أنشدت لسَعِيد بْن سُلَيْمَان المساحقي القَاضِي، فِي هَارُون بْن زَكَرِيّا كَاتب الْعَبَّاس بْن مُحَمَّد: أزورك رِفهًا كلّ يومٍ وليلةٍ ... ودرُّك مخزونٌ عليّ قصير لأيّ زمانٍ أرتجيك وخلةٍ ... إِذَا أَنْت لَمْ تَنْفع وَأَنت وَزِيرُ فَإِن الْفَتى ذَا اللب يطْلب مَاله ... وَفِي وَجهه للطالبين بَشِيرُ قَالَ القَاضِي قَوْله: أزورك رِفْهًا، يَعْنِي كُلّ يوْم من غَيْر إغْبَابٍ، وَقَدْ أبان ذَلِكَ بقوله: كُلّ يوْم وَلَيْلَة، وَهُوَ مَأْخُوذ من قَوْلهم فِي الْإِبِل: هِيَ تردُ المَاء رِفْهًا، إِذا اتَّصل وِرْدُها، ثُمّ يُقَالُ فِي إظمائها غبٌ وربعٌ وخِمس إِلَى عشر، وَهُوَ أقْصَى الإظماء، وَكنت بِحَضْرَة بعض

стр. 363

المجدُودين يَوْمًا مِمَّنْ حكمه زمانُ السُّوءِ فِينَا، وجَارَ بِبَسْطِ يَده وقَبْضِ أَيْدِينَا، وأشاع لَهُ فِي عَامَّة النّاس وعُشرائهم، وأغمارِهم وغوغائِهم، أَنَّهُ أوحدُ دهره، وقريعُ عصره، علما وذكاءً، وأدَبًا ومضاء، فتمثل بِبَيْت الْبُحْتُري من كَلمته السِّينيَّة الَّتِي يصفُ فِيهَا إيوانَ كِسْرى، وَهِي من جيد شعره وحَسَنِه، وأولها: صُنْتُ نَفْسِي عَمَّا يُدَنِّسُ نَفْسِي ... وترفَّعْتُ عَنْ جَدَا كُلّ جِبْس وَالْبَيْت الَّذِي تمثل بِهِ هَذَا الرَّجُل عَلَى قبح خطئِهِ فِيهِ: وبعيدٌ مَا بَيْنَ وَاردِ خمسٍ ... عللٍ شِرْبُهُ وَوَارِد سُدْسِ فَمَا رَأَيْت أحدا من حَاضِرِي مَجْلِسه يومئذٍ عَلَى كثْرتِهم قَدْ تبيَّن مِنْهُ إِنْكَار هَذَا اللَّفْظ وَلا لَحْظ، وَعَاد بعدُ بِمثل هَذَا فِي مجْلِس آخر، ثُمّ إِنَّنِي كُنْت أَنَا وَهُوَ يَوْمًا خَالِييْن، فَأَنْشد هَذَا الْبَيْت غَيْر مرةٍ عَلَى الْوَجْه الَّذِي أنكرتُه، فَقلت لَهُ: قَدْ سمعتُك تنشدُ هَذَا الْبَيْت غَيْر مرةٍ عَلَى مَا أنشدته فِي هَذَا الْوَقْت، ولَسْتُ أَدْرِي كَيفَ اتّفق لَك الْخَطَأ فِيهِ مَعَ ظُهُوره؟ وَكَيف لَمْ تتأمَّلْهُ فتعرفَ فسادَ الْمَعْنى الَّذِي إنشادك عبارَة عَنْهُ؟ قَالَ: فَكيف هُوَ؟ فَقلت لَهُ: وبعيدٌ مَا بَيْنَ وَارِد رفهٍ عللٍ شِرْبُهُ وواردِ خِمْسِ فَقَالَ: لَا، وَهُوَ عَلَى مَا رويتُه، فَقلت لَهُ: وأيّ بُعد بَيْنَ الْخُمْسِ والسُّدْس؟ هُوَ تاليه الْمُتَّصِل بِهِ الَّذِي يَلِيهِ، وبَيْنَ الرِّفْهِ وبَيْنَ الْخِمْس وَمَا دُونه بعد ظَاهر، وَفضل حَائِل، فَلم يَبِنْ لي مِنْهُ رُجُوع، وَقَدْ كَانَ كثيرا، مَا يرجعُ فِي أَشْيَاء كثيرةٍ إليّ، وَيرجع عَنْهَا عِنْد توقيفي إِيَّاه وتثبيتي لَهُ. المجلِسُ الخَمْسُونَ لَا نستعمل عَلَى عَملنَا من طلبه حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغَلِّسِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْخَطَّابِ، حَدَّثَنَا مِنْدَلٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى: " دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعِي رَجُلٌ، فَقَالَ: اسْتَعْمِلْنِي، فَقَالَ: إِنَّا لَا نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ طَلَبَهُ وَلا مَنْ حَرَصَ عَلَيْهِ ". شرح السَّبَب فِي ذَلِكَ قَالَ القَاضِي: تأملوا رحمنا اللَّه وَإِيَّاكُم، مَا ورد بِهِ هَذَا الْخَبَر عَنْ نبيِّنا ﷺ مِنْ إخبارِهِ أَنَّهُ لَا يستعملُ عَلَى النّاس من طلب الْعَمَل عَلَيْهِم، وَلا من حَرَصَ عَلَى ولَايَة أُمُورهم، لِأَن من سَأَلَ هَذَا وحرص عَلَيْه لَمْ يُؤْمَنْ زَيْغُه عَنِ الْعدْل فِي من يلِي عَلَيْه، ومحاباته لمن يُواليه، وشفاءِ غيظه مِمَّنْ يُعاديه، والاستطالة بِمَا بُسط فِيهِ عَلَى من بُسط عَلَيْه، فيجورُ فِي حكمه، ويستعينُ بسلطانه عَلَى ظُلمه، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبيّ ﷺ فِيمَنْ سَأَلَ الْقَضَاءَ، وَاسْتَعَانَ عَلَيْهِ بِالشُّفَعَاءِ، مَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ اللَّهَ وَكَلَهُ إِلَى نَفْسِهِ.

стр. 364

وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ " أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ لَهُ: " يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ! لَا تَسَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مسألةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مسألةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا ". وروى عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " لَا يَحْرِصَنَّ أحدٌ عَلَى الإِمَارَةِ فَيُعْزَلَ ". وَقَدْ كَانَ سُلَفَاؤُنَا مِنْ علماءِ الْمُسْلِمِين يَنْأون عَنِ الولايات ويمتنعون من ملابستها وَالدُّخُول فِيهَا، ويجانبون أَهلهَا مَعَ دُعَائِهِمْ إِلَيْهَا وإكراههم عَلَيْهَا، حَتَّى إِن مِنْهُم من يتهيَّبُ الْفُتْيا فِي الدِّين، ويَكلُ مُسْتفْتيهِ إِلَى غَيره من الْمُفْتِين، وَلَو ذكرنَا مَا رُوِيَ فِي تَفْصِيل هَذِهِ الْجُمْلَة لأطلنا القَوْل وَالْوَصْف، وملأنا الأجلاد والصحف، وَقَدْ مضى فِي بعض مَا تقدم من مجَالِس كتَابنَا هَذَا من ذَلِكَ طرفٌ، ولعلنا نأتي بِكَثِير من هَذَا الْبَاب فِي المؤتنف، وَبِاللَّهِ نستعين، وَإِلَى اللَّه المشتكى مِمَّا يُرَاد فِي زَمَاننَا هَذَا، من تَقْلِيد السَّفَلَةِ والْجُهالِ السُّخَفاءِ الضُّلال للْأَحْكَام، وإجلاسهم مجَالِس الأئمَّة الْأَعْلَام، مَعَ عَظِيم جهالتهم، وسُقوط عدالتهم، وَفَسَاد أمانتهم، وقُبْح الظَّاهِر وَالْبَاطِن من أَمرهم، واللَّه وليُّ الانتقام مِمَّنْ يطوي فِي هَذَا الْبَاب بِصِحَّة الإِمَام، وَيسْعَى لما يُساق إِلَيْهِ من الْأَحْكَام، فِي هدم شَرِيعَة الإِسْلام، ونستعين اللَّه عَلَى تمكيننا من إِيضَاح هَذَا الْأَمر، وإنهائه إِلَى من إِلَيْهِ الْأَمر، ساسة الْأمة، ومُدَبِّرِي الملَّة، حَتَّى تنكشف لَهُ نصيحة المحقِّين، وفضيلة المحقِّقين، وَيظْهر لَهُ تمويه الْمُمَخْرقين، وَمَا تَنَحَّوْهُ ولبَّسُوه، وتبجحوا فِيهِ ودَنَّسوه، ويوفقه اللَّه ﷻ لتأمله حَقَّ تَأمله، والإصغاء إِلَيْهِ وتقبُّله، ويبسط فِيهِ لِسَانه وَيَده، ويُعلى فِيهِ أمره ونَهْيه، فَينزل كُلّ ذِي منزلةٍ مَنْزِلَته، وَيقف كل امرىءٍ عِنْد انْتِهَاء قدره، اللَّهُمَّ فِبِك نستعين، وَأَنت خير معِين، وَأَنت أرْضى بِمَا نُحِبه، وأكره لما نكرهه، وأقدر عَلَى نصْرَة الْحق وَأَهله، ومَحْق الْبَاطِل وحِزْبِه. الشكوى من تولي الْجُهَّال الْأَمر وَقَدْ حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْنِ جَعْفَرٍ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الأَعْرَابِيُّ، قَالَ: كَانَ مِنْ كَلامِ عَلِيِّ بْن أبي طَالِب ﵇ وَكَثِيرًا مَا يَقُولُهُ فِي حُرُوبِهِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ أَرْضَى لِلتَّرَضِيِّ، وَأَسْخَطُ لِلسُّخْطِ، وَأَقْدَرُ عَلَى أَنْ تُغَيِّرَ مَا كَرِهْتَ، وَأَعْلَمُ بِمَا تُقَدِّرُ، وَلا تُغْلَبُ عَلَى بَاطِلٍ، وَلا تَعْجَزُ عَنْ حَقٍّ، وَمَا أَنْتَ بغافلٍ عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ. ثُمَّ إِنِّي أَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِي عَلَى الْوَسَائِطِ الْفُجَّارِ، وَالسُّفَرَاءِ الأَشْرَارِ، وَكُلِّ سَاخِطٍ خَامِلٍ، وَسَفِيهٍ جَاهِلٍ، مِمَّنْ قَدِمَ عَلَى نبيهٍ فَاضِلٍ، وَرُضِيَ بِهِ بَدَلا مِنْ كُلِّ عَالِمٍ عَاقِلٍ، فَهُوَ يَغُرُّ إِمَامَهُ، ويَفْجُرُ أَمَامَهُ وَتَأَمَّلُوا أَيُّهَا الأَلِبَّاءُ قُضَاةَ الْحَضْرَةِ، وَالْعِرَاقَيْنِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ، بله أَطْرَاف الْبِلَاد ورسا تيق السَّوَادِ، أَيْنَ هُمْ مِنَ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَفِقْهِ الشَّرِيعَةِ؟ وَأَيُّ حَظٍّ لَهُمْ مِنَ الْعَدَالَةِ وَالْعَفَافِ وَالْأَمَانَة؟ وَقد كَانَ الْأَئِمَّة فِيمَا مَضَى رُبَّمَا دَلَّسَ عَلَيْهِمْ فِي أَعْمَالِهِمْ مَنْ هُوَ عَلَى بَعْضِ الصِّفَاتِ الَّتِي قَدَّمَنَا ذِكْرَهَا، فَيَنْتَبِهُ الرَّاقِدُ مِنْهُمْ

стр. 365

مِنْ غَفْلَتِهِ، وَيَسْتَيْقِظُ الْوَسْنَانُ مِنْ رَقْدَتِهِ، وَيُقْبِلُ عَلَى سَوَامِ رَعِيَّتِهِ، فَيَبْنِي مَا انْهَدَمَ، وَيَسُدُّ مَا انْثَلَمَ، وَيَسْتَدْرِكُ الْفَاسِدَ بِإِصْلاحِهِ، وَيَتَلافَى التَّفْرِيطَ بِاسْتِصْلاحِهِ، وَكَانَتِ الرَّعَايَا تَمْتَعِضُ مِنْ مُنْكَرِ هَذَا النَّوْعِ، وَتَشْمَئِزُّ مِنْهُ فَلا تُقَارُّ عَلَيْهِ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى رَفْضِ الأَرَاذِلِ، وَاجْتِبَاءِ الأَمَاثِلِ، وَتَقْدِيمِ الأَفَاضِلِ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُقَلَّدُ شَيْئًا مِنْ شِعَبِ الدِّينِ وَالْمَمْلَكَةِ، إِلا بَعْدَ الابْتِلاءِ وَالْخِبْرَةِ، وَالامْتِحَانِ وَالتَّجْرِبَةِ. مَا قِيلَ فِي تقلد نوح بْن دارج الْقَضَاء وَقد حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عَلِيّ أَبُو سَعِيد الْبَصْرِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عليّ بْن رَاشد، قَالَ: قيل لِشَرِيك بْن عَبْد اللَّه: قَدْ تقلد الْقَضَاء نُوحُ بْن دَرَّاج، فَقَالَ: ذهبت العَرَبُ الَّذِينَ كَانُوا إِذَا غضبوا كَفَرُوا، وَقَدْ كَانَ لنوح بْن دراج فِي الْعلم والمعرفة والفهم منزلَة مَعْرُوفَة، لَا ينكرها ذُو معرفَة، وَقَدْ كَانَ استدرك بعضَ مَا أغفله رجلٌ من عُلَمَاء الْقُضَاة، حَتَّى قَالَ ذَلِكَ القَاضِي: كادتْ تَزِلُّ بِهِ من حالقٍ قدمٌ ... لَوْلَا تدارُكُها نوحُ بْن دَرَّاج تَصْحِيح رِوَايَة الْبَيْت قَالَ القَاضِي: رَأَيْت الْمُحدثين يَقُولُونَ فِي رِوَايَة هَذَا الْبَيْت: لَوْلَا تداركها بِفَتْح الرَّاء وَالْكَاف، وَهَذَا خطأ مِنْهُم، لِأَنَّهُ إِذا كَانَ عَلَى هَذَا كَانَت لَوْلَا فِيهِ بِمَعْنى التَّحْضِيض، كَقَوْلِك: يَا هَذَا فعلت كَذَا وَلَوْلَا مَا فعلت وَإِلَّا فعلت، وَلا معنى لذَلِك هَاهُنَا، وَإِنَّمَا المُرَاد لَوْلَا الَّتِي تُؤْذِن بامتناع الشَّيْء الْوُجُود غَيره، كَقَوْلِك لَوْلَا أَنْت للقيت زيدا، وَالصَّوَاب إِذا أَن تُروى لَوْلَا تَدَارُكُها بِضَم الرَّاء وَالْكَاف وعَلى إِعْمَال الْمصدر، وَالْمعْنَى لَوْلَا أَن تداركها، كَقَوْل اللَّه تَعَالَى: " لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نعمةٌ مِنْ رَبِّهِ " وَمن قصد هَذَا الْمَعْنى فقد أَخطَأ بحذفه الْمَوْصُول وإبقائه الصِّلَة. فهم الْقَضِيَّة، فولاه الْقَضَاء حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ بْنُ مُرِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْهَيْثَمِ بن عدي، عَن مجَالد، عَن الشّعبِيّ، قَالَ: أَتَت امْرَأَة عُمَرَ ﵁، فَقَالَتْ: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين! مَا رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْ زَوْجِي، إِنَّهُ لَيَقُومُ اللَّيْلَ وَلا يَنَامُ، وَيَصُومَ النَّهَارَ مَا يُفْطُرُ، فَقَالَ عُمَرُ: جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا، مِثْلُكِ أَثْنَى بِالْخَيْرِ، فَاسْتَحْيَتْ ثُمَّ وَلَّتْ، وَكَانَ كَعْبُ بْنُ سُورٍ الأَزْدِيُّ ثُمَّ أَحَدُ بَنِي لَقِيطِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ فَهْمٍ حَاضِرًا، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَلا أَعْدَيْتَ الْمَرْأَة إِذْ جَاءَت تَسْتَعْدِي؟ قَالَ: أَوَلَيْسَ إِنَّمَا جَاءَتْ تُثْنِي عَلَى زَوْجِهَا وَتَذْكُرُ خِصَالَ الْخَيْرِ؟ فَقَالَ: وَالَّذِي أَعْظَمَ حَقَّكَ لَقَدْ جَاءَتْ تَسْتَعْدِي، فَقَالَ عُمَرُ: عَلَيَّ بِهَا، فَجَاءَتْ، فَقَالَ لَهَا عُمَرُ: اصْدُقِينِي فَلا بَأْسَ بِالْحَقِّ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي لامْرَأَةٌ، وَإِنِّي لأَشْتَهِي كَمَا يَشْتَهِي النِّسَاءُ، فَقَالَ: يَا كَعْبُ! فَقَالَ: يَا كَعْبُ اقْضِ بَيْنَهُمَا فَإِنَّكَ قَدْ فَهِمْتَ

стр. 366

مِنْ أَمْرِهِمَا مَا لَمْ أَفْهَمْ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! تَحِلُّ لَهُ مِنَ النِّسَاءِ أَرْبَعٌ، فَلَهُ ثَلاثَةُ أَيَّام وَثَلَاث ليلالٍ يَتَعَبَّدُ فِيهِنَّ مَا شَاءَ، وَلَهَا يَوْمًا، وليلتها، فَقَالَ عمر: مَا لحق إِلا هَذَا، اذْهَبْ فَأَنْتَ قاضٍ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَلَمْ يَزَلْ قَاضِيًا بَقِيَّةَ خِلافَةِ عُمَرَ وَخِلافَةِ عُثْمَانَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجَمَلِ تَقَلَّدَ مُصْحَفًا وَخَرَجَ يُصَلِّي بَيْنَ النَّاسِ فَأَتَاهُ سهمٌ غربٌ فَقَتَلَهُ، وَقُتِلَ يومئذٍ أَخَوَانِ فَجَاءَتْ أُمُّهُمْ بَعْدَمَا انْقَضَتِ الْحَرْبُ فَحَمَلَتْهُمْ وَهِيَ تَقُولُ: أَعَيْنَيَّ جُودَا بدمعٍ سَرِبْ ... فتيةٍ مِنْ خِيَارِ الْعَرَبْ وَمَا ضرهم غير حتف النفو ... س أَيَّ أَمِيرَيْ قريشٍ غَلَبْ قَالَ الْقَاضِي: الَّذِي قَضَى بِهِ كَعْبُ بْنُ سُورٍ فِيمَا بَيْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ وَبَيْنَ زَوْجِهَا هُوَ قَوْلُ عُلَمَاءِ السَّلَفِ، وَعَلَيْهِ فُقَهَاءُ الْخَلَفِ وَبِهِ تَقُولُ، وَمَا احْتَجَّ بِهِ كعبٌ فِيهِ صَحِيحٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ. السَّبَب فِي زَوَال ملك بني أُمَيَّة فِي رَأْي ملك النّوبَة حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن الْقَاسِم الكوكبي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس الْفَضْل بْن الْعَبَّاس الرَّبَعِيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيم بْن عِيسَى بْن أَبِي جَعْفَر المَنْصُور، قَالَ: سمعتُ عمي سُلَيْمَان بْن أَبِي جَعْفَر يَقُولُ: كُنْت وَاقِفًا عَلَى رَأس المَنْصُور لَيْلَة وَعِنْده إِسْمَاعِيل بْن عَلِيّ، وَصَالح بْن عَلِيّ، وَسليمَان بْن عَلِيّ، وَعِيسَى بْن عَلِيّ، فتذاكروا زَوَال ملك بني أُمَيَّة وَمَا صنع بهم عَبْد اللَّه، وقُتِل من قُتِل مِنْهُم بنهر أَبِي فِطْرَس، فَقَالَ المَنْصُور: رَحْمَة اللَّه ورضوانه عَلَى عمي، أَلا مَنَّ عَلَيْهِم حَتَّى يرَوْا من دولتنا مَا رَأينَا من دولتهم، وَيرغبُوا إِلَيْنَا كَمَا رغبنا إِلَيْهِم، فَلَقَد لَعَمْرِي عاشوا سُعَداء وماتوا فُقَرَاء، فَقَالَ لَهُ إِسْمَاعِيل بْن عَلِيّ: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين! إِن فِي حَبْسِك عَبْد اللَّه بْن مَرْوَان بْن مُحَمَّد، وَقَدْ كَانَتْ لَهُ قصَّة عَجِيبَة مَعَ ملك النُّوبة، فَابْعَثْ فَسَلْهُ عَنْهَا، فَقَالَ: يَا مُسَيب! عليَّ بِهِ، فأَخْرَجَ فَتًى مُقَيَّدًا بقيدٍ ثَقِيلٍ وَغُلٍّ ثَقِيلٍ فَمَثُلَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! رَدُّ السَّلامِ أمنٌ، وَلَمْ تَسْمَحْ لَكَ نَفْسِي بِذَلِكَ بَعْدُ، وَلَكِنِ اقْعُدْ، فَجَاءُوا بوسادةٍ فَثُنِّيَتْ فَقَعَدَ عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ: لقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَتْ لَكَ قصةٌ عجيبةٌ مَعَ مَلِكِ النُّوبَةِ فَمَا هِيَ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَا وَالَّذِي أَكْرَمَكَ بِالْخِلافَةِ، مَا أَقْدِرُ عَلَى النَّفَسِ مِنْ ثِقَلِ الْحَدِيدِ، وَلَقَد صدىء قَيْدي مِمَّا أُرَششُ عَلَيْه من البَوْل، وأصبُّ عَلَيْه المَاء فِي أَوْقَات الصَّلَوَات، فَقَالَ: يَا مسيِّب! أطلق عَنْهُ حَدِيدَه، ثُمّ قَالَ: نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، لم قَصدَ عَبْد اللَّه بْن عَلِيّ إِلَيْنَا، كنتُ الْمَطْلُوب من بَيْنَ الْجَمَاعَة، لأنِّي كنتُ وليَّ عَهْدِ أبِي مِنْ بعده، فدخلتُ إِلَى خزانَة فاستخرجتُ مِنْهَا عشرَة آلَاف دِينَار، ثُمّ دعوتُ عشرَة من غلماني وحمَّلتُ كُلّ واحدٍ عَلَى دابَّة ودفعتُ إِلَى كُلّ غلامٍ ألف دِينَار وأوقرتُ خَمْسَة أبغلٍ فُرْشًا، وشَدَدْت فِي وسطي جوهرًا لَهُ قيمَة مَعَ ألف دِينَار، وَخرجت هَارِبا إِلَى بِلَاد النّوبَة فَسِرْتُ فِيهَا ثَلَاثًا،

стр. 367

فوقفت إِلَى مَدِينَة خراب فَأمرت الغلمان فعدلوا إِلَيْهَا وكشحُوا مِنْهَا مَا كَانَ قذرًا ثُمّ، بسطنا بعض تِلْكَ الْفُرُش، ودعوتُ غُلَاما لي كُنْت أَثِق بعقله، فَقلت: انْطلق إِلَى الْملك فأقْرِئِه مني السَّلام، وخُذ لي مِنْهُ الأمانَ وابْتَعْ لي مِيَرةً، قَالَ: فَأَبْطَأَ عليَّ حَتَّى سُؤْتُ بِهِ ظنًّا، ثُمّ أقبل وَمَعَهُ رَجُل آخر، فَلَمَّا أَن دخل كَفَرَ لي ثُمّ قعد بَيْنَ يَدي، فَقَالَ لي: الْملك يَقْرَأ عَلَيْكَ السّلام، وَيَقُول لَك: من أَنْت؟ وَمَا جَاءَ بك إِلَى بلادي؟ أمحارب أم رَاغِب إليّ أم مستجيرٌ بِي، قُلْتُ: ترد عَلَى الْملك السَّلام، وَتقول لَهُ: أما مُحَاربًا لَك فمعاذ اللَّه فَأَما رَاغِبًا فِي دينك فَمَا كُنْت أبغي بديني بَدَلا، وَأما مُستجيرٌ بك فَلَعَمْري، قَالَ: فَذهب ثُمّ رَجَعَ إليّ، فَقَالَ: إِن الْملك يقْرَأ عَلَيْك السَّلام، وَيَقُولُ لَك: أَنَا صائر إِلَيْك غَدا فَلَا تُحْدِثَنَّ فِي نَفسك حَدَثًا وَلا تَتَّخِذْ شَيْئا من ميرةٍ فَإِنَّهَا تَأْتِيك وَمَا تحْتَاج إِلَيْهِ، فَأَقْبَلت الميرةُ فأمرتُ غلماني ففرشوا ذَلِكَ الْفرش كُله وَأمرت بفرشٍ فنُصِبَت لَهُ وُلي مثله، وأقبلتُ من غدٍ أرْقُب مَجِيئه، فَبينا أَنَا كَذَلِك إِذْ أقبل غلماني يحْضرُون، قَالُوا: إِن الْملك قَدْ أقبل، فقمتُ بَيْنَ شُرْفتين من شُرَف القَصْر أنظر إِلَيْهِ، فَإِذا أَنَا برجلٍ قَدْ لَبِس بُرْدَيْن ائْتَزر بِأَحَدِهِمَا وارتدى الآخر، حافٍ راجلٍ وَإِذَا عشرَة مَعَهم الحراب ثَلَاثَة يقدمونه وَسَبْعَة خَلفه، وَإِذَا الرَّجُل الموجهُ إِلَى جَنْبة فاستصغرتُ أمره، وَهَان عَليّ لما رأيتهُ فِي تِلْكَ الْحَال، وسولَتْ لي نَفسِي قَتله، فَلَمَّا قَرُب من الدَّار إِذا أَنا بسواد عَظِيم، فَقلت: مَا هَذَا السوَاد؟ فَقِيل: الخيلُ، فَوَافى يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين زهاء عشرَة آلَاف عنان، وَكَانَ موافاة الْخَيل الدَّار فِي وَقت دُخُوله فأحد قوابها، فَدخل إليّ فَلَمَّا نظر إليّ، قَالَ: لِترْجُمَانِهِ: أَيْنَ الرَّجُل؟ فَأَوْمأ الترجمانُ إليّ، فَلَمَّا نظر إليّ، وَثَبت لَهُ فأعظم ذَلِكَ وَأخذ بيَدي فقبلها ووضعها عَلَى صَدره، وَجَعَل يدْفع مَا وَالِي الْفُسطاط بِرجلِهِ ويشوِّش الفَرْشَ، فظننتُ أَن ذَلِك شَيْئا يجلونه أَن يطؤوا عَلَى مثله حَتَّى انْتهى إِلَى الْفراش فَقلت لِترْجُمَانِهِ: سُبْحَانَ اللَّه لِمَ لَمْ يقْعد عَلَى الْموضع الَّذِي قد وطىء، فَقَالَ: قل لَهُ: إِنِّي ملكٌ، وحقُّ كُلّ ملك أَن يتواضع لعظمةِ اللَّه إِذْ رَفعه اللَّه، قَالَ: ثُمّ أقبل طَويلا ينكت بإصبعه فِي الأَرْض ثُمّ رفع رَأسه، فَقَالَ لي، كَيفَ سُلِبتم هَذَا الْمُلْك وأخِذ مِنْكُم وَأَنت أقرب النَّاس إِلَى نبيَّكم ﷺ ، فَقلت: جَاءَ من كَانَ أقرب قرَابَة إِلَى نَبينَا ﷺ فسلبنا وقتلنا فَطُرِدْنا، فَخرجت إِلَيْك مُستجيرًا بِاللَّه ثُمّ بك، قَالَ: كُنْتُم تشربون الْخمر وَهِي محرمةٌ عَلَيْكُم فِي كتابكُمْ؟ فَقلت: فعل ذَلِكَ عبيدٌ وأتباعٌ وأعاجمُ دخلُوا فِي ملكنا، من غَيْر رَأينَا، قَالَ: فَلم كُنْتُم تَلْبَسُون الْحَرِير والدِّيباج، وعَلى دوابكم الذهبُ والْفِضة وَقَدْ حُرِّم ذَلِكَ عَلَيْكُم، قُلْتُ: عبيدٌ وأتباعٌ دَخَلُوا فِي مُلْكنا، قَالَ: قَالَ: فَلم كُنْتم أَنْتُم بأعيانكم إِذا خرجتُم إِلَى نُزَهِكُم وصَيْدكُم تَقَحَّمْتم عَلَى الْقُرى فكلَّفْتم أَهلهَا مَا لَا طَاقَة لَهُم بِهِ، بالضَّرب الوجيع ثُمّ لَا يُقْنِعكُم ذَلِكَ حَتَّى تدوسُوا زُرُوعَكُم فتُفْسِدُوها فِي طلب دراجٍ قيمتُه نصف دِرْهَم، أَوْ فِي عُصْفُور قيمتهُ لَا شيءَ وَالْفساد محرَّمٌ عَلَيْكُم فِي دينكُمْ، قُلْتُ: عبيدٌ وَأَتْبَاع، قَالَ: لَا وَلَكِنَّكُمْ استحللتم مَا حَرَّم اللَّه عَلَيْكُم وأتَيْتُمْ مَا عَنْهُ نَهاكُم، فَسَلبَكُم اللَّه العزَّ وألبسكم الذُّل، وَللَّه فِيكُم نقمة لَمْ تبلغْ غايتها بعدُ، وَإِنِّي أتخوَّف أَن تنزل النِّقْمةُ وَهِي إِذا نزلت عَمَّتْ وشَمِلتْ، فاخْرُجْ بعد ثَلَاث، فَإِنِّي إِن وجدتُك بعْدهَا أخذْتُ جَمِيع مَا معلك وقتلتُك وقتلتُ جميعَ مَنْ مَعَك، ثُمّ وثب فَخرج. فأقمت ثَلَاثًا وَخرجت إِلَى مصر، فأخَذَني واليك فَبعث بِي إِلَيْك فها أنذا وَالْمَوْت أحبُّ إليّ من الْحَيَاة، قَالَ: فَهَمَّ أَبُو جَعْفَر بِإِطْلَاقِهِ، فَقَالَ لَهُ إِسْمَاعِيل بْن عَلِيّ: فِي عُنُقي بيعةٌ لَهُ، قَالَ: فَمَاذَا ترى؟ قَالَ: ينزلُ فِي دارٍ من دُورنا ونُجْرِي عَلَيْه مَا يَجْري عَلَى مِثله، قَالَ: فَفُعِل ذَلِكَ بِهِ، فواللَّهِ مَا أَدْرِي أمات فِي حَبسه أَن أطلقهُ الْمهْدي. خرجتُم إِلَى نُزَهِكُم وصَيْدكُم تَقَحَّمْتم عَلَى الْقُرى فكلَّفْتم أَهلهَا مَا لَا طَاقَة لَهُم بِهِ، بالضَّرب الوجيع ثُمّ لَا يُقْنِعكُم ذَلِكَ حَتَّى تدوسُوا زُرُوعَكُم فتُفْسِدُوها فِي طلب دراجٍ قيمتُه نصف دِرْهَم، أَوْ فِي عُصْفُور قيمتهُ لَا شيءَ وَالْفساد محرَّمٌ عَلَيْكُم فِي دينكُمْ، قُلْتُ:

стр. 368

عبيدٌ وَأَتْبَاع، قَالَ: لَا وَلَكِنَّكُمْ استحللتم مَا حَرَّم اللَّه عَلَيْكُم وأتَيْتُمْ مَا عَنْهُ نَهاكُم، فَسَلبَكُم اللَّه العزَّ وألبسكم الذُّل، وَللَّه فِيكُم نقمة لَمْ تبلغْ غايتها بعدُ، وَإِنِّي أتخوَّف أَن تنزل النِّقْمةُ وَهِي إِذا نزلت عَمَّتْ وشَمِلتْ، فاخْرُجْ بعد ثَلَاث، فَإِنِّي إِن وجدتُك بعْدهَا أخذْتُ جَمِيع مَا معلك وقتلتُك وقتلتُ جميعَ مَنْ مَعَك، ثُمّ وثب فَخرج. فأقمت ثَلَاثًا وَخرجت إِلَى مصر، فأخَذَني واليك فَبعث بِي إِلَيْك فها أنذا وَالْمَوْت أحبُّ إليّ من الْحَيَاة، قَالَ: فَهَمَّ أَبُو جَعْفَر بِإِطْلَاقِهِ، فَقَالَ لَهُ إِسْمَاعِيل بْن عَلِيّ: فِي عُنُقي بيعةٌ لَهُ، قَالَ: فَمَاذَا ترى؟ قَالَ: ينزلُ فِي دارٍ من دُورنا ونُجْرِي عَلَيْه مَا يَجْري عَلَى مِثله، قَالَ: فَفُعِل ذَلِكَ بِهِ، فواللَّهِ مَا أَدْرِي أمات فِي حَبسه أَن أطلقهُ المهديُّ. قَالَ القَاضِي فِي هَذَا الْخَبَر اتعاظٌ ومعتبر وتحذيرٌ ومُزْدجر، واللَّه نسْأَل توفيقنا وعصمتنا مِمَّا يُوجب حُلُول الْغِيَر، ويُلْهمنا الشُّكْر، ويُيَسِّرُنا لأعمال الْبر، وَإِن يُحكم عقدَة الْأنس بَيْننَا وبَيْنَ نِعمه، حَتَّى يَأْلَفنا لشكرنا إِيَّاهَا، وتأدية حق رَبنَا الْمُنْعم علينا بهَا، ويُوَطِّنُها فَلَا نَنْأى عَنْهَا. أَبْيَات فِي تحذير بني الْعَبَّاس حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه الأَلْوسِيّ، قَالَ: لما صَار جَيش الدَّعِيِّ بِالْبَصْرَةِ إِلَى النعمانية طُرِحَتْ رُقْعة فِي دَار النَّاصِر مختومة، فجاءُوا بهَا إِلَى الموفَّق، فَقَالَ: فِيهَا عَقْربٌ لاشك، ففتوحها فَإِذا فِيهَا: أرى نَارا تأجَّجُ من بعيدٍ ... لَهَا فِي كُلّ ناحيةٍ شُعاعُ وَقَدْ نامَتْ بنوُ الْعَبَّاس عَنْهَا ... وأصبحتْ وَهِي غافلة رِتَاعُ كَمَا نَامَتْ أُمَيَّةُ ثُمّ هَبَّتْ ... لتدفع حِين لَيْس لَهَا دِفَاعُ فَأمر الموفَّق من سَاعَته بالارتحال إِلَى الْبَصْرَة. قَالَ القَاضِي: وَهَذَا الشّعْر مِمَّا يُجَابِهُ قائلُهُ قَول الْقَائِل فِي بني أُمَيَّة: أرى تَحت الرَّماد وَمِيضَ جمرٍ ... وأخْلِقْ أَن يكونَ لَهُ ضِرَامُ وَقَدْ غفلتْ أُمَيَّةُ عَنْ سَنَاها ... ويوشكُ أَن يَكُون لَهَا اضطرامُ أقولُ من التَّعَجُّبِ ليْتَ شِعْري ... أأيقاظٌ أُمَيَّة أم نِيَامُ مَرْوَان بْن مُحَمَّد حِين أحيط بِهِ وحَدَّثَنِي أَبُو النَّضْر الْعُقَيْليّ، قَالَ أَبُو الْحَسَن بْن رَاهَوَيْه الْكَاتِب، عَمَّن أخبرهُ: أَن مَرْوَان بْن مُحَمَّد جلس يَوْمًا وَقَدْ أُحيط بِهِ، وعَلى رَأسه خَادِم لَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَلا ترى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ لَهَفي عَلَى يدٍ مَا ذُكرتْ، ونعمةٍ مَا شُكرت، ودولةٍ مَا نُصِرَتْ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين! من ترك الْقَلِيل حَتَّى يكثر، وَالصَّغِير حَتَّى يكبر، والخَفِيَّ حَتَّى يظْهر، وَأخر فعل

стр. 369

الْيَوْم لغدٍ، حل بِهِ أَكثر من هَذَا، فَقَالَ: هَذَا القَوْل أشدُّ عَليّ من فَقْدِ الْخلَافَة. قَالَ القَاضِي: وَنحن نلجأ إِلَى اللَّه ﷻ راغبين إِلَيْهِ، خاضعين لَهُ، واثقين بِهِ، راجين لإحسانه، مستجيرين بعفوه وَكَرمه، فِي أَن يحفظ علينا الْخلَافَة الهاشمية والدولة الْعَبَّاسية، ونَعُوذ بِهِ أَن نَضْحَي بعد الاسْتِظْلال بِظِلِّها، والتَّقَلُّبِ فِي عَدْلِها، والْبِشْرِ بِخِدْمَة أَهلهَا، ونسأله سُؤال من وَجَّه رَغْبته إِلَيْهِ، وَاعْتمد فِي دينه ودنياه عَلَيْه، أَن يتمم نعْمَته، ويُهنِّي مَوْهِبَتَه، ويُوفِّر تشريفَه وتكْرِمتَه، لعَبْدِهِ القادرِ بِاللَّه أَمِير الْمُؤْمِنِين، ويعز نَصره، وَيرْفَع فِي الْمَلأ الْأَعْلَى ذكره، ويُنّفِّذ فِي شَرق الْبِلَاد وغربها أمْرَه، ويَبْسُطَ يَده فِي جُمَيْع الرعايا وَلسَانه، ويُديل من كُلّ مخالفٍ عَلَيْه سُلْطَانه، حَتَّى يَفِيض العدلُ فِينَا، ويُديل ظالمنا، ويُنيل مظلومنا، ويَظْهَرَ لَهُ مَا ستره المُنَافِقُونَ، ويمكِّنه من نقضِ مَا أبرمه المارقون، حَنى يُدنِي كُلّ أَمِين، ويُقْصِي كُلّ ظَنِين، ويَسْتَبْطِن أُولي النِّعَم من أهل الدِّين، ويصطنع ذَوي الْفِقْه والإمامة، ويَطرِح أهلَ الرِّيَبِ والخيانة، إنَّه لطيفٌ خَبِير. الْمُهْتَدِي يتشبه بعمر بْن عَبْد الْعَزِيز حَدَّثَنِي بعض الشُّيُوخ مِمَّنْ شَاهد جمَاعَة من الْعلمَاء، وخالط كثيرا من الرؤساء أَن هَاشِم بْن الْقَاسِم الْهَاشِمِي، حدّثه وَقَدْ حدَّث هَاشِم هَذَا حَدِيثا كثيرا، وكتبنا عَنْهُ الْآن هَذِهِ الْحِكَايَة، لَمْ أسمعْها مِنْهُ وحَدَّثَنِي بهَا هَذَا الشَّيْخ الَّذِي قدمت ذكره، قَالَ أَبُو الْعَبَّاس هَاشِم بْن الْقَاسِم: كنتُ بِحَضْرَة الْمُهْتدي عَشِيَّةً من العَشَايَا، فَلَمَّا كَادَت الشمسُ تَغْرُب وَثَبْتُ لأنصرف، وَذَلِكَ فِي شهر رَمَضَان، فَقَالَ: اجْلِسْ فجلستُ، ثُمّ إِن الشمسَ غَابَتْ، وَأذن المؤذنُ لصَلَاة الْمغرب وَأقَام، فتقدَّم الْمُهْتدي فصلى بِنَا ثُمّ ركع وركعْنَا، ودعا بِالطَّعَامِ فأُحْضِر طبقُ خلافٍ وَعَلِيهِ رغفٌ من الْخبز النقي، وَفِيه آنيةٌ فِي بَعْضهَا مِلْح وَفِي بَعْضهَا خَلٌّ، وَفِي بَعْضهَا زيتٌ، فدعاني إِلَى الْأكل فابتدأت آكل مِقْدَارًا أَنَّهُ سيُؤْتَى بطعامٍ لَهُ نيقةٌ وَفِيه سَعة، فَنظر إليّ وقَالَ لي: ألم تَكُ صَائِما؟ قُلْتُ: بلَى، قَالَ: أفَلَسْتَ عَازِمًا عَلَى صَوْم غدٍ، فَقلت: كَيفَ لَا وَهُوَ شهر رَمَضَان، فَقَالَ: فكُلْ وَاسْتَوْفِ غذاءك فَلَيْسَ هَاهُنَا من الطَّعَام غَيْر مَا ترى، فعجبتُ من قَوْله، ثُمّ قُلْتُ: واللَّه لأخاطبنه فِي هَذَا الْمَعْنى، فَقلت: وَلَم يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين؟ وَقَدْ أوسع اللَّه نعْمَته وَبسط رزقه وَكثير الخَيْر من فَضله، فَقَالَ: إِن الْأَمر لعلى مَا وَصَفْتَ وَالْحَمْد للَّه، ولكنني فكرتُ فِي أَنَّهُ كَانَ فِي بني أُمَيَّة عُمَر بن عبد الْعَزِيز، وَكَانَ من التَّقَلُّلِ والتَّقَشُّفِ عَلَى مَا بلغك، فَغِرْتُ عَلَى بني هَاشِم أَن لَا يَكُون فِي خلفائهم مثله، فَأخذت نَفسِي بِمَا رَأَيْت. قَالَ القَاضِي: وَلَم تزل المنافسة فِي أَعمال الْبر وأبواب الْخَيْر، فِي أثر الْمُتَّقِينَ وسبيل الصَّالِحين، وَقَدْ وفْق اللَّه الْمُهْتَدِي رضوَان اللَّه عَلَيْه من هَذَا لما يُرْجَى لَهُ المثوبة مِنْهُ والزلفى لَدَيْهِ، وفقنا اللَّه وَإِيَّاكُم لطاعته وَحسن عِبَادَته.

стр. 370

آراء لهِشَام بْن عَبْد الْملك حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الأَنْبَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَحْمَد بْن الْحَارِث، قَالَ: قَالَ: أَبُو الْحَسَن. قَالَ يَوْمًا هِشَام بْن عَبْد الْملك وَهُوَ يسير فِي موكبه: يَا لَك دُنْيَا مَا أحسنك! لَوْلَا أنَّكَ ميراثٌ لآخرك، وآخرك كأولك، فَلَمَّا حَضرته الْوَفَاة نظر إِلَى وَلَده يَبْكُونَ حوله، فَقَالَ: جَادَ لَكُمْ هِشَام بالدنيا وجُدْتُم عَلَيْه بالبكاء، وَترك لَكُمْ مَا جمع، وتركتم عَلَيْه مَا كسب، مَا أعظم منْقَلَب هِشَام إِن لَمْ يغْفر اللَّه لَهُ! مَتَى أحصل عنْدك ؟ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ نُصَيْر الحَرْبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر الْكُوفِي، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن إِبْرَاهِيم الْوَرَّاق، قَالَ: صَحِبْتُ رَجُلا فِي السَّفر وأنِسْتُ بِهِ لأدبه وَحسن أخلاقه، فصرنا إِلَى مصر، وَكنت أقصده وأبيتُ عِنْده اللَّيْلَة والليلتين فِي الْأُسْبُوع، وَقل مَا أُخِلُّ بزيارته فِي ليلةٍ كُلّ جُمُعَة، وَكَانَ ينزل غُرْفَةً من الْغُرَف فقصدْت فِي بعض العشايا زيارته فوجدتُ غرفته مغلوقة وَعَلَيْهَا مَكْتُوب: أبدا تحصلُ عِنْدِي ... فَمَتَى أحْصُلُ عندكْ إِن تناصَفْنا وإِلا ... أَنْت يَا ورَّاقُ وَحْدَكْ فانصرفتُ إِلَى منزلي ثُمّ لقيتُه من غدٍ فَضَحِك كُلّ واحدٍ مِنَّا إِلَى صَاحبه فِيمَا كَانَ من مداعبته فِيمَا كتبه، واستدعيتُ بعد ذَلِكَ زيارتَه إيَّايَ، وَكَانَ يبيت اللَّيَالِي عِنْدِي وأبيتُ عِنْده إِلَى أَن فرَّقَتْ بيْننا حوادثُ الْأَيَّام. تَأْخِير كُلّ وتقديمها قَالَ القَاضِي: قَوْله فِي هَذِهِ الْحِكَايَة: فِي لَيْلَة كُلّ جُمُعَة وَاللَّفْظ الْآتِي فِي هَذَا الْخَبَر صَحِيح يُؤَدِّي عَنْ هَذَا الْمَعْنى، وَقَدْ جَاءَ فِي بعض الْقُرْآن نحوُ هَذَا فِي مَوضِع من الْقُرْآن، وَهُوَ قَول اللَّه تَعَالَى " كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كل قلبٍ متكبرٍ جَبَّار " فَقَرَأَ جُمْهُور الْقُرَّاء من أَهل الحَرَمَيْن وَالشَّام والْعِرَاقَيْن عَلَى كُلّ قلبٍ متكبرٍ، بِإِضَافَة كُلّ إِلَى قلبٍ، عَلَى أَن قَوْله متكبر جَبَّار، من صفة ذِي الْقلب، وَإِن كَانَ الْقلب نَفسه قَدْ يُوصف بِذَلِك، وَنَحْو هَذَا قَوْلهم: فلانٌ سليمُ الْقلب، وقلبُ فلانٍ سُلَيْم، فيُجْرِي الصّفة عَلَى اللَّفْظ تَارَة أَيّ عَلَى الْقلب إِذْ كَانَت السَّلامةُ والتكبرُّ والجبرية فِيهِ، وَتارَة عَلَى صَاحبه وَيجْعَل صفة لجمْلَتِه لاستحقاقه الْوَصْف لَهَا، وَإِن كَانَتْ حَالَة فِي قلبه، وَقَدْ قَرَأَ بعض الْقُرَّاء عَلَى كُلِّ قلبٍ متكبرٍ بتنوين الْقلب، وَجَعَل الصّفة لَهُ إِذْ كَانَتْ فِيهِ، وَمِمَّنْ قَرَأَ هَكَذَا أَبُو عَمْرو بْن الْعَلاء من الْبَصْرَة، وذُكِر أَنَّهَا من قِرَاءَة عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود عَلَى كُلّ قلب متكبر، بِإِضَافَة قلب إِلَى كُلّ على الْوَجْه الَّذِي قدمنَا ذكره، وَهَذِه الْقِرَاءَة شاهدةٌ للإضافة موافقةٌ فِي الْمَعْنى قِرَاءَة من أضَاف عَلَى الْوَجْه الآخر، وَحكى الفَرَّاء أَنَّهُ سَمِع بعض الْعَرَب يَقُولُ: رَجُل سَفَرُه يوْم كُلّ جُمُعَة، يُرِيد كُلّ يوْم جمعه، قَالَ: وَالْمعْنَى وَاحِد.

стр. 371

قَالَ القَاضِي: وَلَفظ قراءتنا عَلَى مَا فِي مَصَاحِفنَا عَلَى الْإِضَافَة أولى بإبانة الْمَعْنى وَطَرِيق التَّحْقِيق دون التَّجَوُّز، لِأَن قراءتنا أَتَتْ بِإِضَافَة كُلّ إِلَى قلب، واستوعبت قُلُوب المنكرين، وَجَرت عَلَى إِضَافَة جمع إِلَى مَا دَلِيل الْجمع ظَاهر فِي لَفظه، وَقِرَاءَة عَبْد اللَّه أضيف فِيهَا وَاحِد إِلَى جمَاعَة تجوزًا وعني بِهِ معْنى الْجمع وَهُوَ بِمَنْزِلَة قَول الشَّاعِر: كلوا فِي نصف بَطْنِكُمُ تَعيشُوا ... فَإِن زَمَاننا زمنٌ خميصُ وَقَول الآخر: كأَنَّه وجهُ تركيين قَدْ عُصِبَا ... مستهدفٌ لِطِعان غير تذبيب وَقَول ابْن عَبْدة: بهَا جِيَفُ الحَسْرَى فأمَّا عِظامُها ... فبيضٌ وأمّا جلدُها فَصَلِيبُ وَقَول جرير: الوَارِدِينَ وتيمٌ فِي ذُرَا سبأٍ ... قَدْ عض أَعْنَاقهم جلدُ الجَوَامِيسِ وقَالَ الآخر: لَا تُنكِرُوا القَتْلَ وَقَدْ سُبِينَا ... فِي حَلْقِكُمْ عظمٌ وَقَدْ شَجِينَا عَلَى أَن وَجه قِرَاءَة عَبْد اللَّه فِي هَذَا الْمَعْنى أقوى مِمَّا فِي هَذِهِ الأبيات، لِأَن لكلّ لفظا يَقْتَضِي التَّوْحِيد، وَمعنى يَقْتَضِي الْجمع، وَقَدْ يُتَّجه فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه حملهَا عَلَى مَا لَا يتَغَيَّر الْمَعْنى بِهِ من التَّجَوُّز، الَّذِي يُسَميه النحويُّون الْقلب، وَقَدْ تَأَول عَلَيْه قومٌ من النَّحْوِيين كثيرا من آي الْقُرْآن وَمَا وَردت بِهِ الْأَخْبَار، وَهُوَ الْبَاب الَّذِي بلغتين: أدخلتُ القَلَنْسُوَةَ رَأْسِي، وتَهَيَّبني الفلاة، كَمَا قَالَ الشَّاعِر: وَلا تَهَيَّبُنِي الموماةُ أرْكَبُها ... إِذا تجاوبتِ الأصْدَاءُ بالسَّحَرِ وَهَذَا بَاب قَد استقصيناه فِي كتبنَا، وأمللْنا مِنْهُ قدرا وَاسِعًا عَلَى شرحٍ وتفصيل فِيمَا أمللناه من النثر وَالنّظم، وَمن شرح مُخْتَصر أَبِي عَمْرو الْجرْمِي فِي النَّحْو، وأتينا فِيهِ بِمَا لَا نعلم أحدا سبقنَا إِلَيْهِ، وَمن نظر فِيمَا هُنَالك تبين مِنْهُ مَا وَصفنَا إِن شَاءَ اللَّه. المجلِسُ الحَادي والخمسُون أَيّ الْخلق أعجب إِيمَانًا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن الْحَسَن بْن مُحَمَّد أَبُو عِيسَى الْقُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مِنْهَالُ بْنُ بَحْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَيُّ الْخَلْقِ أَعْجَبُ إِيمَانًا؟ قَالُوا: الْمَلائِكَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَيْفَ لَا يَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ وَهُمْ عِنْدَ الرَّحْمَنِ؟ قَالُوا: فَالنَّبِيُّونَ، قَالَ: كَيْفَ لَا يَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ؟ قَالُوا: فَنَحْنُ، قَالَ: كَيْفَ لَا تَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ وَإِنَّ أَعْجَبَ الْخَلْقِ إِيمَانًا قومٌ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي يَجِدُونُ اسْمِي فِي ورقةٍ فَيُؤْمِنُونَ بِي وَيُصَدِّقُونِي ".

стр. 372

تعقيب الْمُؤلف قَالَ القَاضِي: فَالْحَمْد للَّه الَّذِي هدَانَا لدينِهِ، وَالْإِيمَان بِنَبِيِّهِ، وَتَصْدِيقنَا بكتابه ووَحْيه، ووفقنا لموالاة من تقدمنا من السَّابِقين الْأَوَّلين، وتابعيهم بإحسانٍ من السّلف الصَّالِحين، وبصَّر بِأَفْضَل أَئِمَّتنَا الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين، الَّذِين سبقُونَا بِالْإِيمَان ولاتجعل فِي قُلُوبنَا غِلا للَّذين آمنُوا رَبنَا إِنَّك رءوف رَحِيم، ونبرأ إِلَى الله تَعَالَى مِمَّن عادى الأئمَّة، وَسَب الأخيار من سلف الْأمة، وَكَانَ فِيمَا وجدته عَن عمر بن ذَر، ثمَّ وجدته عَن عبد الله بن عمر، ثمَّ وجدته عَنْ عَليّ بْن أَبِي طَالِب ﵇ أَنَّهُ قَالَ - وَقَدْ ذُكر لَهُ أَن أُناسًا يَشْتمون أَصْحَابه -: قَاتلهم اللَّه أيَشْتُمون قوما - يَعْنِي الصَّحَابَة - أَسْلمُوا من مَخَافَة اللَّه ، وَأسلم النّاس من مَخَافَة أسيافهم؟ أطع كُلّ أَمِير وَقَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سَعْدٍ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن عَيَّاش، عَنْ جَمِيلِ بْنِ مَالِكٍ الْحِمْصِيِّ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَا مُعَاذُ! أَطِعْ كُلَّ أَمِيرٍ، وَصَلِّ خَلْفَ كُلِّ إمامٍ، وَلا تَسُبَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِي ". قَالَ القَاضِي: وَمَا ورد فِي هَذَا الْبَاب من الأخيار وَنقل الرِّوَايَات والْآثَار مِمَّا لَا يَتَّسِع استقصاؤه، وَيمْتَنع عَلَى رُوَاته جمعه وإحصاؤه. كَيفَ يسب أحد أَصْحَاب النَّبِيّ وَقَدْ حَدَّثَنَا أبي ﵁، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْن هَارُون، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بشر هَارُون بْن حَاتِم الْبَزَّاز، قَالَ: سمعتُ مُحَمَّد بن صبيح ابْن السماك، يَقُولُ: علمتُ أَن الْيَهُود لَا يَسُبُّون أَصْحَاب مُوسَى ﵇، وَأَن النَّصارى لَا يَسُبُّون أَصْحَاب عِيسَى ﵇، فَمَا بالك يَا جَاهِل سببت أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ ، وَقَدْ علمت من أَيْنَ أتيت، لَمْ يشغَلْكَ ذنبُك، أَمَا لَو شَغَلَك ذنُبك لخِفْتَ رَبك، لقَدْ كَانَ فِي ذنْبِك شُغُل عَنِ المسيئين، فَكيف لَمْ يشغَلْك عَنِ الْمُحْسِنِينَ، أما لَو كُنْت من الْمُحْسِنِينَ لما تناولتَ الْمُسِيئين، ولرجوْتَ لَهُمْ أرْحم الرَّاحِمِينَ، وَلَكِنَّك مِن المسيئين، فَمنْ ثَمَّ عِبْتَ الشُّهَدَاء والصَّالحين، أَيهَا العائِبُ لأَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ لَو نمت لَيْلَك وَأَفْطَرت نهارك لَكَانَ خيرا لَك من قيام ليلك وَصِيَام نَهارك، مَعَ سُوء قَوْلك فِي أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ ، فويْحَك! لَا قيامَ ليلٍ وَلا صَوْم نهارٍ وَأَنت تتَنَاوَل الأخيار، فأبْشِر بِمَا لَيْسَ فِيهِ الْبُشرى إِن لَمْ تَتُب مِمَّا تسمع وَترى، وَيحك! هَؤلاءِ شرفوا فِي أُحُد، وهَؤُلاءِ جَاءَ الْعَفو عَنِ اللَّه تَعَالَى فيهم، فَقَالَ: " إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ التقى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَنْزَلَهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفا الله عَنْهُم " فَمَا تَقُولُ فِيمَن عَفا اللَّه عَنْهُم؟ نَحْنُ نَحْتجُّ بخليل الرَّحْمَن إِبْرَاهِيم، قَالَ: " فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي

стр. 373

فَإنَّك غفورٌ رَحِيم " فقد عرض العاصِي للغُفْران فَلَو قَالَ: فإنَّك عزيزٌ حَكِيم، أَوْ عَذَابُك عذابٌ أَلِيم، فَبِمَ تحْتَجُّ يَا جَاهِل إِلا بالجاهلين، شَرُّ الْخلف خَلَف شَتَم السَّلَف، واللَّه لواحدٌ من السَّلَف خير من ألفٍ من الْخلف. القَوْل فِي كلمة " خلف " قَالَ القَاضِي: فِي هَذَا الْخَبَر قَدْ حَرَّك لَام الْخلف، وَقد اخْتلف أولو الْعلم باللغة والعربية فِي هَذَا، فَقَالَ معظمهم: يُقال: هَؤُلاءِ خَلَفُ صدقٍ بِالتَّحْرِيكِ، وخَلْف سوءٍ بالتسكين، وَمن أَمْثَال الْعَرَب فِي الَّذِي يُطِيل السُّكُوت ثُمّ يتَكَلَّم بالفاسد من الْكَلَام: " سكت ألْفًا ونَطَقَ خَلْفًا " وَمِنْه قَول لبيد: ذَهَبَ الَّذِين يُعَاشُ فِي أكْنَافِهِمْ ... وبقيتُ فِي خلفٍ كَجِلْدِ الأَجْرَبِ وذُكِر أَن أَعْرَابِيًا كَانَ مَعَ قومٍ فحَبِق فتَشَوَّر ثُمّ أَوْمى بِيَدِهِ إِلَى اسْتِه، فَقَالَ: خَلْفُ سوءٍ نَطَقتْ خَلْفًا، ويُقَالُ للمحال الْفَاسِد من الْمقَال: هَذَا خَلْف، وَذكر الْأَخْفَش أَنَّهُ يُقَالُ: خلفٌ للمتَّبعِ لمن سَلَف قَبْله، وخَلْف لمن أَتَى بعد من تقدمه من غَيْر تَفْرِيق مِنْهُ بَيْنَ الْمَدْح والذم فِيهِ، وَهَذَا قَول حسن غَيْر مستبعد، وَقَدْ يَكُون تَحْرِيك اللَّام فِي الْخلف فِي هَذَا الْخَبَر لاقترانه بالسلف كَمَا قَالَ من قَالَ: من العَيْر الخَيْر، كَمَا قَالُوا: الغدايا والعشايا، وَهَذَا بَاب يَتَّسِع منظومه ومنثوره، وَقَدْ أَتَيْنَا بِهِ أَوْ بمعظمه فِي مَوَاضِع من كتبنَا. وقَالَ الفَرَّاء: هُوَ خَلَف سوءٍ من أَبِيهِ، وَلَك عِنْدِي خلفٌ من مَالك، وَرُبمَا ثَقّلوا خَلف سوءٍ، وَهُوَ قَلِيل. وَصِيَّة مُعَاوِيَة حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو حَاتِم، عَنِ الْعُتْبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: لَمَّا اشْتَكَى مُعَاوِيَةُ مَشْكَاتَهُ الَّتِي هَلَكَ فِيهَا أَرْسَلَ إِلَى فاس مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ فَخَصَّ وَلَمْ يَعُمَّ، فَقَالَ: يَا بَنِي أُمَيَّةَ! إِنَّهُ لَمَّا قَرُبَ مَا لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا، وَخِفْتُ أَنْ يَسْبِقَكُمُ الْمَوْتُ إِلَيَّ سَبَقْتُهُ بِالْمَوْعِظَةِ إِلَيْكُمْ، لَا لأَرُدَّ قَدَرًا وَلَكِنْ لأُبَلِّغَ عُذْرًا، لَوْ وُزِنْتُ بِالدُّنْيَا لَرَجَحْتُ بِهَا، وَلَكِنِّي وُزِنْتُ بِالآخِرَةِ فَرَجَحَتْ بِي، إِنَّ الَّذِي أُخَلِّفُ لَكُمْ مِنَ الدُّنْيَا أمرٌ سَتُشَارَكُونَ فِيهِ أَوْ تُغْلَبُونَ عَلَيْهِ، وَالَّذِي أُخَلِّفُ لَكُمْ مِنْ رأيٍ أَمْرٌ مَقْصُورٌ عَلَيْكُمْ نَفْعُهُ إِنْ فَعَلْتُمُوهُ، مخوفٌ عَلَيْكُمْ ضَرَرُهُ إِنْ ضَيَّعْتُمُوهُ، فَاجْعَلُوا مُكَافَأَتِي قَبُولَ وَصِيَّتِي، إِنَّ قُرَيْشًا شَارَكَتْكُمْ فِي نَسِبِكُمُ وَبِنْتُمْ مِنْهَا بفعالكم، فقدمكم مَا تقدتم فِيهِ، إِذْ أَخَّرَ غَيْرُكُمْ مَا تَأَخَّرُوا لَهُ، وَبِاللَّهِ لَقَدْ جُهِرَ لِي فَعَلِمْتُ، وَنُغِمَ لِي فَفَهِمْتُ، حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَبْنَائِكُمْ بَعْدَكُمْ نَظَرِي إِلَى آبَائِهِمْ قَبْلَهُمْ، إِنَّ دَوْلَتَكُمْ سَتَطُولُ، وَكُلُّ طَوِيلٍ مَمْلُولٌ مَخْذُولٌ، فَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّتُكُمْ كَانَ أَوَّلُ تَجَادُلِكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ، وَاجْتِمَاعُ الْمُخْتَلِفِينَ عَلَيْكُمْ، فَيُدَبَّرُ الأَمْرُ بِضِدِّ الْحُسْنِ الَّذِي أَقْبَلَ بِهِ، فَلَسْتُ أَذْكُرُ عَظِيمًا يُرْكَبُ مِنْكُمْ وَلا حُرْمَةً تُنْتَهَكُ، إِلا وَالَّذِي

стр. 374

أَكُفُّ عَنْ ذِكْرِهِ أَعْظَمُ، فَلا مُعَوِّلٌ عَلَيْهِ عِنْدَ ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنَ الصَّبْرِ، وَتَوَقُّعُ النَّصْرِ، وَاحْتِسَابُ الأَجْرِ، فَيُمَادُّكُمُ الْقَوْمُ دَوْلَتَهُمُ امْتِدَادَ الْعِنَانَيْنِ فِي عُنُقِ الْجَوَادِ، فَإِذَا بَلَغَ اللَّهُ بِالأَمْرِ مَدَاهُ، وَجَاءَ الْوَقْتُ الْمَحْتُومُ، كَانَتِ الدَّوْلَةُ كَالإِنَاءِ الْمَكْفُوِّ، فَعِنْدَهَا أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّقِهِ غَيْرُكُمْ فِيكُمْ، فَجَعَلَ الْعَاقِبَةَ فِيكُمْ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ. سُلَيْمَان بْن عَبْد الْملك وشرهه إِلَى الطَّعَام حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أَبِي سَعْد، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَان الْهَاشِمِي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه وَصله، قَالَ: قَالَ: لنا سُلَيْمَان يَوْمًا: إِنِّي قَدْ أمرت قيّم بستاني أَن يحبس عليّ الْفَاكِهَة وَلا يجني مِنْهَا شَيْئا حَتَّى تدْرك، فاغدوا عَلَيّ مَعَ الْفجْر - يَقُولُ: لأَصْحَابه الَّذِين كَانَ يأنس بهم: لنأكل الْفَاكِهَة فِي برد النَّهَار - فغدونا فِي ذَلِكَ الْوَقْت، فصلى الصُّبْح وصلينا، ثُمّ دخل ودخلنا مَعَه، فَإِذا الْفَاكِهَة متهدلةٌ عَلَى أَغْصَانهَا وَإِذَا كُلّ فَاكِهَة مختارة قَد أدْركْت كلهَا، فَقَالَ: كلوا، ثُمّ أقبل فأكلنا بِمِقْدَار الطَّاقَة، واقبلنا نقُول: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين: هَذَا العنقود، فيخرطه فِي فِيهِ، يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين، هَذِهِ التفاحة، كلما رَأينَا شَيْئا نضيجًا أومأنا إِلَيْهِ فَيَأْخذهُ فيأكله ويَحْطِمُه، حطمًا، حَتَّى ارْتَفع الضُّحَى ومَتَع النَّهَار، ثُمّ أقبل عَلَى قيّم الْبُسْتَان، فَقَالَ: وَيحك يَا فُلان، إِنِّي قَد استجعتُ فَهَل عنْدك شَيْء تطعمنيه؟؟ قَالَ: نعم يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين عناقٌ حوليَّة حَمْرَاء، قَالَ: ائْتِنِي بهَا وَلَا تأتين مَعهَا بِخبْز، فجَاء بهَا عَلَى خوان لَا قَوَائِم لَهُ وَقَد انفخت وملأت الخوان، وَجَاء بهَا غلمةٌ يحملونها فأدنوها مِنْهُ وَهُوَ قَائِم، فَأقبل يَأْخُذ الْعُضْو فَيَجِيء مَعَه لنُضْجه فيطرحه فيخرطه فِي فِيهِ، ويلقي الْعظم حَتَّى أَتَى عَلَيْهَا، ثُمّ عَاد لأكل الْفَاكِهَة فَأكل فَأكْثر ثُمّ قَالَ للقيّم: وَيحك! مَا عنْدك شَيْء تطعمنيه؟ قَالَ: بلَى يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين، دجاجتان قَدْ عبئتا شحمًا، قَالَ: ائْتِنِي بهما، فَفعل بهما كَمَا فعل بالعناق، ثُمّ عَاد لأكل الْفَاكِهَة، فَأكل مَلِيًّا ثُمّ قَالَ للقيّم: هَلْ عنْدك شَيْء تطعمنيه، فَإِنِّي قَدْ جعت، قَالَ: عِنْدِي سويقٌ جَدِيدَة يَعْنِي الْحِنْطَة كأَنَّه قطع الأوتار وَسمن سلاء وسكر، قَالَ: أَفلا أعلمتني بِهَذَا قبل: ائْتِنِي وَأكْثر، فجَاء بقعبٍ يقْعد فِيهِ الرَّجُل، وَقَدْ ملأَهُ من السويق قَدْ خلطه بالسكر وصب عَلَيْه سمن سلاء، وأتى بجرة ماءٍ بَارِد وكوزٍ فَأخذ الْقَعْب عَلَى كَفه، وَأَقْبل القيّم يصب عَلَيْه المَاء فيحركه حَتَّى كفأه عَلَى وَجهه فَارغًا، ثُمّ عَاد لأكل الْفَاكِهَة فَأكل مَلِيا حَتَّى حرت عَلَيْه الشَّمْس، فَدخل وأمرنا أَن ندخل إِلَى مَجْلِسه فَدخل وَجَلَسْنَا، فَمَا مكث أَن خرج علينا فَلَمَّا جلس قَامَ كَبِير الطباخين حياله يُؤذنهُ بالغداء، فَأَوْمأ إِلَيْهِ أَن ائتِ بالغداء، فَوضع يَده فَأكل، فَمَا فَقَدْنا من أكله شَيْئا. أكفأه وكفأه قَالَ القَاضِي: فِي هَذَا الْخَبَر حَتَّى أكفأه عَلَى وَجهه بِمَعْنى قَلَبه وَهُوَ خطأ إِنَّمَا هُوَ كَفَأَهُ،

стр. 375

فَروينَاهُ عَلَى الصَّوَاب، يُقَالُ: كفأت الْإِنَاء فَهُوَ مكفوءٌ، وَأَنا كافىء، وَأما أكفأ فَإِنَّهُ فِي الشّعْر، وَهُوَ من عُيُوب قوافيه، وَأهل هَذِهِ الصِّنَاعَة مُخْتَلفُونَ فِي ماهيته، وَله موضه هُوَ مَذْكُور فِيهِ عَلَى شرح لمعانيه وَقَدْ رُوِيَ لنا هَذَا الْخَبَر من طَرِيق آخر، وَفِيه أَن سُلَيْمَان بْن عَبْد الْملك بعد فَرَاغه من أكله هَذَا عرضت لَهُ حمى أدته إِلَى الْمَوْت. الْأَعرَابِي الَّذِي استحمل ابْن الزُّبَير حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: قَالَ أَبُو الْحَسَن، قَالَ أَبِي: أَتَى فَضَالَةُ بْنُ شَرِيكٍ الْكَاهِلِي الْأَسدي - أَسد بني خُزَيْمَةَ - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَهُ: قَدْ نَفِدَتْ نَفَقَتِي وَنَقَبَتْ رَاحِلَتِي فَاحْمِلْنِي، فَقَالَ لَهُ: أَحْضِرْ رَاحِلَتَكَ، فَأَحْضَرَهَا، فَقَالَ لَهُ: أَقْبِلْ بِهَا أَدْبِرْ بِهَا فَفَعَلَ، فَقَالَ: ارقعها بسبتٍ واخفصها بلهبٍ، وَانْجُدْ بِهَا يَبْرُدْ خُفُّهَا وَسِرْ عَلَيْهَا البردين تصح، فَقَالَ ابْنُ فَضَالَةَ: إِنَّمَا أَتَيْتُكَ مُسْتَحْمِلا وَلَمْ آتِكَ مُسْتَوْصِفًا، لَعَنَ اللَّهُ نَاقَةً حَمَلَتْنِي إِلَيْكَ، فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِنْ وَرَاكِبَهَا، يُرِيدُ نَعَمْ وَرَاكِبَهَا، فَانْصَرَفَ ابْنُ فَضَالَةَ وَهُوَ يَقُولُ: أَقُولُ لِغِلْمَتِي شُدُّوا رِكَابِي ... أُفَارِقُ بَطْنَ مَكَّةَ فِي سَوَادِ فَمَا لِي حِينَ أَقْطَعُ ذَاتَ عرقٍ ... إِلَى ابْنِ الْكَاهِلِيَّةِ مِنْ مَعَادِ سَيُبْعِدُ بَيْنَنَا نَصُّ الْمَطَايَا ... وَتَعْلِيقُ الأَدَاوِي وَالْمَزَادِ وَكُلُّ معبدٍ قَدْ أَعْلَمَتْهُ ... مَنَاسِمُهُنَّ طَلاعُ النِّجَادِ أَرَى الْحَاجَاتِ عِنْدَ أَبِي خبيبٍ ... نَكِدْنَ وَلا أُمَيَّةَ بِالْبِلادِ من الأعياص أَوْ مِنْ آلِ حربٍ ... أَغَرَّ كَغُرَّةِ الْفَرَسِ الْجَوَادِ قَالَ: فَالْكَاهِلِيَّةُ إِحْدَى جَدَّاتِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: عَلِمَ أَنَّهَا أَلأَمُ جَدَّاتِي فَسَبَّنِي بِهَا قَالَ القَاضِي ﵁: إِن فِي قَول ابْن الزُّبَير إِن وراكبها مَعْنَاهَا نعم، وَهِي لغةٌ مَشْهُورَة يَمَانِية، وَقَدْ حمل قوم عَلَيْهَا إِن فِي قَول اللَّه : " إِنَّ هَذَانِ لساحران " فَقَالُوا: الْمَعْنى نَعَمْ، وَجَاء فِي بعض فصيح الْخطب: إِن الحمدُ للَّه، بِرَفْع الْحَمد، بِمَعْنى نعم الْحَمد للَّه، وَمن ذَلِكَ قَول الشَّاعِر: بكرت عليّ عواذلي ... يلحونني وألومهنه وَيَقُلْنَ شيبٌ قد علا ... ك وَقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ يَعْنِي بقوله إنَّه: نعم، وَالْهَاء للسكْتِ وَالْوَقْف، كَقَوْلِهِم: تعاله، وَالْقَوْل مستقصي عَلَى شَرحه فِي إِن هَذِهِ وَفِيمَا أَتَى من الْقُرْآن والتلاوات فِي قَوْله: إِن هَذَانِ فِي موَاضعه من تآليفنا وإملائنا، وَقَول ابْن فَضَالَة فِي شعره هَذَا: نَص المطايا النَّص ضربٌ من السّير فِيهِ ظُهُور وارتفاع، وَمن هَذَا اشتق اسْم المنصة أعنى الِارْتفَاع والظهور، وَرُوِيَ عَنِ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 376

فِي قصَّة ذُكرت أَنَّهُ كَانَ يسير الْعُنُق فَإِذا وجد فجوة نَص، وَمِنْه: نصصتُ الْحَدِيث إِلَى صَاحبه أَيّ رفعته إِلَيْهِ، وقَالَ امْرُؤ الْقَيْس: وجيدٍ كجيد الرئم لَيْسَ بفاحشٍ ... إِذا هِيَ نَصّته وَلا بِمُعَطِّلِ وَقَوله: وكل مَعْبَد: المعبد الْمُذَلل، قَالَ طرفَة: إِلَى أَن تحامتني الْعَشِيرَة كلهَا ... وأفردت إِفْرَاد الْبَعِير المعبد وأَبُو خُبَيْبٍ: هُوَ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَير، كَانَ يكنى أَبَا خُبَيْبُ وَأَبا بَكْر. وقَالَ الشَّاعِر فِيهِ، وَفِي أَخِيهِ مُصْعَب: قدني من نصر الخبيبين قدي ... لَيْسَ أَمِيري بالشحيح الملحد يروي الخبيبين مثنى، يُرَاد هُوَ وَأَخُوهُ، ويروي الخبيبين عَلَى الْجمع، من بَاب الأشاعثة والمسامعة والمهالبة، يُرَاد هُوَ وذووه، وَقَوله: وَلا أُمَيَّة فِي الْبِلَاد نَصَبِ بِلَا النافية، وَإِنَّمَا تعْمل فِي النكرَة دون الْمعرفَة، لِأَنَّهُ أَرَادَ: وَلا مثل أُمِّيّه، كَمَا قَالَ الآخر: لَا هَيْثَم ... اللَّيْلَة للمطي أَيّ لَا مثل هَيْثَم، وَقَوله: من الأعياص، نسب بني أُمَيَّة مقسوم عَلَى الإضافتين الأعياص والعنابس والأعياص أعلاهما. قَالَ القَاضِي ﵀: ابْن الزُّبَير حِين ذكر الكاهلية وَنسبَة ابْن فَضَالَة إِيَّاه إِلَيْهَا معنى لطيف، وتعريض بسبه أبلغ من التَّصْرِيح، إِذْ علم أَن الكاهلية ألأم أُمَّهَات ابْن الزُّبَير فَسَبهُ بهَا، فالسب راجعٌ عَلَيْه بأعظم من سبه من هجاه، إِذْ بَنو كَاهِل رَهْط ابْن فضَالة وعصبته. وَقَول ابْن الزبير: أرقعها بسبت، السبت: جلودٌ يُؤْتى بهَا من الْيمن تتَّخذ مِنْهَا النّعّال، وَهِي من جُلُود الْبَقر، وَكَانَت من ملابس الْمُلُوك، وروى أنَّ النَّبيّ ﷺ قَالَ لرجل رَآهُ يمشي فِي الْمقْبرَة لابسا شَيْئا مِنْهَا: يَا صَاحب السبتين: اخلع سِبْتَيْك. وقَالَ عنترة يصف رَجُلا بالنُّبل وَتَمام الْخلق: بطلٌ كأنّ ثيابَهُ فِي سرحةٍ ... يحذى نعال السبت لَيْسَ بتوأم وَقَوله: اخصفها بهلب: يَعْنِي مَا أَخَذَ من شعر الذَّنب، وَقَوله: وأنجد بهَا، يُرِيد: ائْتِ بهَا نجداً: أنجد الرجل إِذْ أَتَى نجدًا، وأغار إِذا أَتَى الْغَوْر، وَمن كَلَام الْعَرَب " أنجد من رَأَى حِصنًا " أَيّ شَارف نجدًا، وحصن جُبَيْل، قَالَ الْأَعْشَى: نَبيٌّ يَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وذِكْرُهُ ... أَغَارَ لَعَمْرِي فِي الْبِلَاد وأَنْجَدَا وَقَوله: وسِر عَلَيْهَا البَرْدَيْن: البَرْدَان: أولُ النَّهار وَآخره، ورُوي عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَل الْجَنَّةَ ". قَالَ: اللَّهُ : " وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَار وَزلفًا من اللَّيْل " وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى مَا قُلْنَاهُ فِي مَعْنَى الْبَرْدَيْنِ قَوْلُ حُمَيدِ بْن ثَوْر الهلاليّ: فَلا الظِّلُّ من بَرْدِ الضُّحَى نَسْتَطِيعُهُ ... وَلَا الفَيْءُ من بَرْدِ العَشِيِّ نَذُوقُ

стр. 377

مَا رَأْيكُمْ فِي صفعه حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ: ثَنَا عبد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن طَاهِر، قَالَ: حَدَّثَنِي الْفضل بْن مُحَمَّد اليزيدي، قَالَ: كنتُ أختلف إِلَى مُحَمَّد بْن نصر وَيقْرَأ عَليّ وَأَوْلَاده الْأَشْعَار، وَكَذَلِكَ إِلَى وَلَدِ عَبْد اللَّه بْن إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم، وَكَانَ مُحَمَّد بْن نصر وَعبد اللَّه بْن إِسْحَاق صِفْرَيْن من الْأَدَب، على جلالة مروءتهما وشرفهما وسَرْوِهما، فاجتمعا يَوْمًا فِي مجْلِس يشبه مجَالِس الْخُلَفَاء، وأُحضر طَعَام كطعامهم ثمَّ ضُرِبت ستارةٌ وجلسا وبَيْنَ أَيْدِيهِمَا أولادهما، فغنَّت السِّتارةُ بِشعر جرير: أَلا حَيِّ الدِّيارَ بِسُعْدَ إنِّي ... أُحِبُّ لحبِّ فَاطِمَة الدِّيَارَا فَقَالَ: عَبْد اللَّه بْن إِسْحَاق لمُحَمد بْن نصر: يَا أَخِي! لَوْلَا حُمْق الْعَرَب وجهلها مَا ذكر السُّعْدُ هَاهُنَا، فَقَالَ مُحَمَّد بْن نصر: لَا تفعل يَا أَخِي فَإِن فِيهِ مَنَافِع، يَشُدُّ اللَّثة ويُطيِّبُ النكهة ويُصلح الْمعدة، فَالْتَفت عَلِيّ بْن مُحَمَّد إِلَى أخوته وَإِلَى وُلِد عَبْد اللَّه فَقَالَ: أما أَنَا فقد أطلقت عَلَى هَذَا الْعلم أَن يُصْفَع أَبِي، فَمَا رَأْيكُمْ أَنْتُم؟ فَقَالُوا: مثل رَأْيك، وامتلأ الْمجْلس ضحكًا. الْمَأْمُون وكلب الجَنَّة حَدَّثَنَا عَبْد الْبَاقِي بْن قَانِع، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زَكَرِيّا، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن، قَالَ: حَدَّثَنِي بعضُ الهاشمين، قَالَ: خرج الْمَأْمُون يَوْمًا من الرُّصَافة يريدُ الشَّمَاسِيَّة فَدَنَوْنَا من ركابه فسلمنا عَلَيْه وَقَبلنَا يَده، قَالَ: وَكَانَ أَمَامِي رجلٌ من الطالبيين يُلَقَّب بكلب الجَنَّة، وَكَانَ طيبا ظريفًا، فَلَمَّا دنا من الْمَأْمُون قبَّل يَده، فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون كالمسرِّ إِلَيْهِ: كَيفَ أَنْت يَا كلب الْجنَّة؟ قَالَ: أما الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم والزِّينة فلعمرو بن مسْعدَة وَأبي عباد، وَأما الطنز والتجمهر فلبني هَاشم، فَرد الْمَأْمُون كمه على فِيهِ، وقَالَ: وَيلك كُفّ لَا تَفْضَحَنِي، قَالَ: لَا وَالله أوتضمن لي شَيْئا تُعجِّلُه لي، قَالَ: العشية يَأْتِيك رَسُولي، فَأَتَاهُ عَمْرو بْن مِسْعِدَة بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم. وَيخرج بأسلحته لنصرة الْمَأْمُون وَحَدَّثَنَا عَبْد الْبَاقِي بْن قَانِع، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زَكَرِيّا، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن، قَالَ: حَدَّثَنِي هَذَا الْهَاشِمِي، قَالَ: ركب الْمَأْمُون يَوْمًا إِلَى المَطْبَق وَبلغ الْقُواد ركُوبه فتبعوه، قَالَ: فَكَانَ كَلبُ الجَنَّة مِمَّنْ ركب تِلْكَ العَشِيَّة، قَالَ: فَبَصُر بِهِ الْمَأْمُون وَفِي يَده خشبةٌ من حَطَب الوَقُود، وَفِي الْيَد الْأُخْرَى لِحَافه، فَقَالَ: يَا كلب الجَنَّة؟ قَالَ: نعم كَلْبُ الجَنَّة بلغه ركوبك فجَاء لنُصْرتك، واللَّه مَا وجدتُ سِلَاحا إِلا هَذِهِ المشقَّقة من حَطَب البَقَّال، وَلا تُرسًا إِلا لِحَافِي هَذَا، وعياشُ بْن الْقَاسِم فِي بَيته ألف ترس وَألف درع وَألف سيف قَائِم غَيْر مكترث فوصله بِثَلَاثِينَ ألفا وَجَاء عَيَّاش يرْكض، فشتمه الْمَأْمُون وناله بمكروه.

стр. 378

أوّلُ مكسٍ وضع فِي الأَرْض وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الجهم أَبُو طَالِب الْكَاتِب، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن عَبْد اللَّه الترفقي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يُوسُف القربان، عَنْ سُفْيَان، عَنْ أَبِي إِسْحَاق، قَالَ: سَمِعْتُ هِشَام بْن الْحَارِث يَقُولُ: أوّلُ مكسٍ وُضع عَلَى وَجه الأَرْض، خرجت عجوزٌ على عهد سُلَيْمَان النَّبِيّ ﷺ ، وَمَعَهَا دقيقٌ لَهَا فسكبتْهُ الرِّيحُ فَذَرّتْه، فأتَت سُلَيْمَان تَسْتَعدِي عَلَى الرّيح، فَقَالَ: انْظُرُوا من طابتْ لَهُ الرِّيحُ الْيَوْم فِي الْبَحْر فأغرموه دقيقها. قَالَ: القَاضِي ﵀: الَّذِي أَتَتْ بِهِ شَرِيعَة النَّبِيّ ﷺ فِي هَذَا أَن لَا عِوَض مِمَّا تَذْرُوه الرّيح عَلَى من طابَتْ لَهُ وعَلى من لَمْ تَطِبْ لَهُ وشريعةُ نبيِّنا هِيَ المأخوذُ بهَا إِلَى يوْم الْقِيَامَة وَمَا خَالف شَيْئا مِنْهَا فِي الصُّورَةِ من شرائع الْأُمَم الخالية والقرون الْمَاضِيَة فَهُوَ مَنْسُوخ بِمَا أَتَتْ، وَهَذَا الْخَبَر لَمْ يَأْتِ من طَرِيق يَنْقَطِع الْعُذْر بِهِ وَيقطع عَلَى مغيّبة، وَلا عُزِي إِلَى من تجب الْحُجَّةُ بقوله، وَإِن ثَبت أَن نَبِيَّ اللَّه سُلَيْمَان ﵇ قضى هَذِه الْقَضِيَّة، فَإِنَّهَا كَانَتْ هَكَذَا فِي شَرِيعَته إِذْ هُوَ نبيُّ معصومٌ وَلا يقْضِي بِغَيْر الْحق، وَلا يحكُم بِخِلَاف الْعدْل، وَقَدْ قَالَ اللَّه جلّ ذكره: " لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أمةٌ وَاحِدَةً وَلَكِنْ ليَبْلُوكُمْ فِيمَا آتَاكُم "، وقَالَ: جلّ ثَنَاؤُهُ: " تِلْكَ أمةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يعْملُونَ ". قَالَ القَاضِي: وَلَم يَكُنْ من الصَّواب عِنْدِي أَن يُعَبَّر فِيمَا أَتَى بِهِ هَذَا الْخَبَر بالمكس، إِذْ المكسُ مَا يأخُذُ الظَّالِمُونَ من العَشَّارِين وَغَيْرُهُمْ من الْمُسْلِمِين قسراً بِغَيْر وَجه حق وَقَدْ رُوي عَنِ النَّبِيّ ﷺ فِي بعض الزُّنَاةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ قَالَ: " لقَدْ تَابَ هَذَا تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مكسٍ لَغُفِرَ لَهُ "، وَفِي بعض الْمُحَرَّمات: " مَنْ فعل هَذَا كَانَ عَلَيْه من الْإِثْم مثل مَا عَلَيْه صَاحب مَكْس "، وكل هَذَا ينبىء عَنْ عَظِيمِ إِثْمِ الْمَكْسِ، وَفِي المكس قَول الشَّاعِر: وَفِي كُلّ أسْوَاقِ الْعرَاق إتاوةٌ ... وَفِي كُلّ مَا بَاعَ امْرُؤ مَكْسُ دِرْهَم المجلِسُ الثَّانِي والخمسُونْ مُكَافَأَةٌ قَيِّمَةٌ على تَصْحِيح كَلِمَةٍ مِنْ حَدِيثٍ شَرِيفٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ أَبِي الْأَزْهَر الخراعي، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْر بْن بكار، قَالَ: حَدَّثَنِي النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمَأْمُونِ بِمَرْوَ، وَعَلَيَّ أطمارٌ مُتَرَعْبِلَةٌ، فَقَالَ: لِي: يَا نَضْرُ أَتَدْخُلُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الثِّيَابِ؟ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ حَرَّ مَرْوَ لَا يُدْفَعُ إِلا بِمِثْلِ هَذِهِ الأَخْلاقِ، قَالَ: لَا، وَلَكِنَّكَ تَتَقَشَّفُ، قَالَ: فَتَجَاذَبْنَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ الْمَأْمُونُ: حَدَّثَنِي هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ لِدِينِهَا وَجَمَالِهَا كَانَ فِيهَا سدادٌ مِنْ عَوَزٍ ". قُلْتُ: صَدَقَ قَوْلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ هُشَيْمٍ، حَدَّثَنِي عَوْفٌ الأَعْرَابِيُّ، عَنِ

стр. 379

الْحَسَنِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: " إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ لِدِينِهَا وَجَمَالِهَا كَانَ فِيهَا سدادٌ مِنْ عَوَزٍ " فَكَانَ الْمَأْمُون متكأً فَاسْتَوَى جَالِسًا، وَقَالَ: السَّدَادُ لحنٌ يَا نضر؟ قلت: نعم هَاهُنَا، وَإِنَّمَا لَحَنَ هُشَيْمٌ وَكَانَ لَحَّانًا، فَقَالَ: مالفرق بَيْنَهُمَا، قُلْتُ: السَّدَادُ: الْقَصْدُ فِي السَّبِيلِ، وَالسِّدَادُ: الْبُلْغَةُ وَكُلُّ مَا سَدَدْتَ بِهِ شَيْئًا فَهُوَ سِدَادٌ، قَالَ: أَفَتَعْرِفُ الْعَرَبُ ذَلِكَ، قُلْتُ: نَعَمْ، هَذَا الْعَرْجِيُّ مِنْ وَلَدِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ يَقُولُ: أَضَاعُونِي وأَيَّ فَتًى أَضَاعُوا ... لِيَوْمٍ كريهةٍ وَسِدَادِ ثَغْرِ فَأَطْرَقَ الْمَأْمُونُ مَلِيًّا ثُمَّ، قَالَ: قَبَّحَ اللَّهُ مَنْ لَا أَدَبَ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَنْشِدْنِي يَا نَضْرُ أَخْلَبَ بَيْتٍ لِلْعَرَبِ، قُلْتُ: قَوْلُ ابْنُ بيضٍ فِي الْحَكَمِ بْنِ مَرْوَانَ: تَقُولُ لِي وَالْعُيُونُ هاجعةٌ ... أَقِمْ عَلَيْنَا يَوْمًا فَلَمْ أَقُمْ أَيُّ الْوُجُوهِ انْتَجَعْتَ قُلْتُ لَهَا: ... لأَيِّ وَجْهٍ إِلا إِلَى الْحَكَمِ مَتَى يَقُلْ حَاجِبَا سُرَادِقِهِ ... هَذَا ابْنُ بيضٍ بِالْبَابِ، يَبْتَسِمِ قَدْ كُنْتُ أَسْلَمْتُ قَبْلُ مُقْتَبِلا ... هَيْهَاتَ أَدْخُلُ أَعْطِنِي سَلَمِي قَالَ القَاضِي: قَوْله: أسلمت مقتبلا، مَعْنَاهُ أسلفت وَأخذت قبل قبيلا يَعْنِي كَفِيلا، وَمن السَّلف من كَرِه الرَّهن والقبيل فِي السَّلَم، وَمِنْهُم من أجَازه، وقَالَ: استوثَقَ من حقّه، فَقَالَ الْمَأْمُون: للَّه دَرُّك! فَكَأَنَّمَا شُقَّ لَك عَنْ قلبِي، أَنْشدني أنصف بَيت قالته الْعَرَب، قُلْتُ: قَول ابْن أَبِي عَرُوبَةَ المَدِينيّ يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين: إِنِّي وَإِن كَانَ ابنُ عمي عاتبًا ... لَمُزَاحِم من خَلْفه وورَائِهِ ومُفِيدُهُ نَصْرِي وَإِن كَانَ امْرَأً ... مترجْرِجًا فِي أرضه وسمائِه وأكون وَالِي سِره وأصونُهُ ... حَتَّى يحيز إليَّ وَقت أدائِه وَإِذَا الْحَوَادِث أجحفت بسوامه ... قرنت صحيحنا إِلَى جُرَبَائِهِ وَإِذَا أَتَى من وَجهه بطريفةٍ ... لَمْ أطَّلِعْ فِيمَا وَرَاء خبائِهِ وَإِذَا ارتدى ثوبا جميلاً لم أقل ... ياليت أنَّ عليَّ حُسْن رُوَائِهِ فَقَالَ: أَحْسَنت يَا نَضْر، أَنْشدني الْآن أقنع بيتٍ للْعَرَب، فَأَنْشَدته قَول ابْن عبدل: إِنِّي امرؤٌ لَمْ أَزَلْ وَذَاك من اللَّهِ أديبًا أُعَلِّم الأَدَبا أقُيمُ بالدَّارِ مَا اطمأنت بِي الد ... ار وَإِن كنتُ نَازحًا طَربا لَا أجْتَوِي خَلَّةَ الصَّديق وَلا ... أُتْبعُ نفسِي شَيْئا إِذا ذَهَبا أطلبُ مَا يطْلب الْكَرِيم من الر ... زق بنَفْسِي وأجملُ الطلبا

стр. 380

وأحْلِبُ الثَّرَّةَ الصَّفِيَّ وَلا ... أُجْهِدُ أخْلافَ غريبٍ حَلَبَا قَالَ ابْن أَبِي الْأَزْهَر: ويروي الضَّفِيّ، قَالَ أَبُو بَكْر: وسمعتُ بُنْدارًا الكَرْخِيّ، يَقُولُ: لَا أحبّ الضَّفيَّ بالضاد فِيمَا يرويهِ النّاس، لِأَن الضَّفِيَّ يَكُون للمَلِكِ دون السُّوقَة، والصَّفِيُّ بالصَّاد أبلغ فِي الْمَعْنى لِأَنَّهَا الغزيرة اللَّبن، قَالَ القَاضِي ﵀: وَالَّذِي حُكِيَ فِي هَذَا عَنْ بُندار قريب، وجائزٌ أَن يَكُون الصَّفِيُّ بِمَعْنى الشَّيْء الَّذِي يُخْتار ويُصطَفى، وَإِن كَانَ مُصطفيه غَيْر ملكٍ، لِأَن صَفِيَّ المَال إِنَّمَا وُسِمَ بِهَذِهِ السِّمة لِأَن الْملك اصطفاه لنَفسِهِ، وجائزٌ أَن يصطفيه الْملك ثُمّ يصير لبَعض السوقة، وَجَائِز أَن يُقَالُ للشَّيْء الْكَرِيم صَفِيٌّ بِمَعْنى أَنَّهُ لنفاسته مِمَّا يصطفيه الْمُلُوك وَيصْلح أَن يصطفوه، فيعبَّر عَنْهُ بِذَلِك قبل أَن يُصْطَفى، كَمَا قَالَ الله : " وَلَا يَأْبَى الشُّهَدَاء إِذا مَا دعوا " فسَمَّاهم شُهَدَاء قبل أَن يشْهدُوا، وَكَقَوْلِه: " إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا " وَكَانَت الملوكُ قبل الإِسْلام تَصْطفي من الغَنِيمة عِلْقًا مِنْهَا كَرِيمًا أَوْ غُرَّة مشتراة لأنفسها فَيَأْخذهُ دون الْجَيْش، وَفِي ذَلِك يَقُولُ الشَّاعِر: لَك الْمِرْباعُ مِنْها والصَّفَايَا ... وحكمك والنشيطة والفضول يَعْنِي بالمرباع: رُبْع الْغَنِيمَة، والصَّفايا: جمع صفِيَّة، وَهِي مَا ذكرنَا، وَقَوله: وحكمك أَيْ مَا تتحكُّم فِيهِ وتحكُم بِهِ، والنَّشِيطَةُ مَا تنشطه من الْمغنم فتأخذُه، والفضول مَا فضل عَنِ الْقِسْمَة أَوْ كَانَ القَسْمُ لَا يَحْتَمله، ثُمّ جعل اللَّه ﵎ لنبيِّه ﷺ فِيمَا غنمه الْمُسلمُونَ من الْمُشْركين الْخُمْس ولذوي الْقُربى من رَهْطِه وَمن سَمَّى مَعَهم، فحط مَا جعل لَهُ عَنْ قَدْر مَا كَانَت الْمُلُوك تَأْخُذهُ قبله، تَطْيِيبًا لنفوس أَصْحَابه، وتوكيدًا لما نَزَّهَهُ عَنْ أَخذ الْأجر عَلَى مَا جَاءَ بِهِ، وَرُوِيَ عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنه قَالَ: " مَا لي فِي هَذَا الْمَالِ إِلا الْخُمْسُ، وَهُوَ مردودٌ فِيكُمْ "، وَكَانَ ﷺ يَأْخُذ مِنْهُ حَاجته لمؤونته وَمُؤْونَةِ أَهْلِهِ، وَيصرف مَا بَقِيَ مِمَّا خلص لَهُ وَهُوَ خُمْس الْخُمسِ فِي الْكِراع والسِّلاح وَمَا كَانَ تأييدًا للدّين وعَتَادًا لنوائب الْمُسْلِمِين، وَكَانَ لَهُ ﷺ الصَّفِيُّ أَيْضا، فَكَانَ يَأْخُذهُ من أصل الْغَنِيمَة، وَرُوِيَ أَنَّهُ ﷺ أغار عَلَى بني المصطلق وهم غَارونَ، فَقتل مقاتلهم وسبى زراريهم، وَاصْطفى مِنْهُم جُويرية ابْنة الْحَارِث. رَجعْنَا إِلَى تَمام الشّعْر، شعر ابْن عبدل وَبَقِيَّة الْخَبَر المتضمن لَهُ: إِنِّي رأيتُ الْفَتى الْكَرِيم إِذا ... رغَّبتَهُ فِي صنيعةٍ رَغِبَا والعَبْدُ لَا يطلُبُ الْعلَا وَلا ... يُعطيك شَيْئا إِلا إِذا ضُربا وَلَم أجد عُرْوَة الْخَلَائق إِلا الد ... ين لمَّا اخْتَبرْتُ والحَسَبَا قَدْ يُرْزَقُ الخافِضُ الْمُقِيم وَمَا ... شَدَّ بعنسٍ رَحْلا وَلا قَتَبَا ويُحْرمُ الرِّزْقَ ذُو المطية والر ... حل وَمن لَا يَزَالُ مُغْتَرِبَا

стр. 381

قَالَ: أحْسَنْتَ يَا نضر، أفعندك ضِدُّ هَذَا؟ قُلْتُ: نعم، أحسنُ مِنْهُ، قَالَ: هاته، فَأَنْشَدته: يدُ الْمَعْرُوف غنمٌ حيثُ كَانَتْ ... تَحَمَّلَها كفورٌ أَوْ شَكُور فَقَالَ: أحسنتَ يَا نضر، وَأخذ الْقِرطاسَ فَكتب شَيْئا لَا أَدْرِي مَا هُوَ، ثُمّ قَالَ: كَيفَ تَقُولُ: أَفْعِلْ من التُّرَاب؟ قُلْتُ: أتْرِب، قَالَ: الطِّين؟ قُلْتُ: طِنْ، قَالَ: فالكتابُ مَاذَا؟ قُلْتُ: متربٌ مَطِين، قَالَ: هَذِهِ أحسن من الأولى، قَالَ: فَكتب لي بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم، ثُمّ أَمر الْخَادِم أَن يوصِّله إِلَى الْفضل بن سهل ج فمضيتُ مَعَه، فَلَمَّا قَرَأَ الْكتاب قَالَ: يَا نَضْر! لَحَّنْتَ أَمِير الْمُؤْمِنِين؟ قُلْتُ: كلا، وَلَكِن هُشَيمًا لحانة، فَأمر لي بِثَلَاثِينَ ألفا، فَخرجت إِلَى منزلي بِثَمَانِينَ ألفا وقَالَ لي الْفَضْل: يَا نَضْرُ! حَدِّثْنِي عَنِ الْخَلِيل بْن أَحْمَد، قُلْتُ: حَدَّثَنِي الخليلُ بْن أَحْمَد، قَالَ: أتيتُ أَبَا رَبِيعَة الْأَعرَابِي وَكَانَ من أَعْلَم مَا رأيتُ، وَكَانَ عَلَى سطح أَوْ سُطَيح، فَلَمَّا رَأَيْنَاهُ أَشَرنَا إِلَيْهِ بالسَّلام، فَقَالَ: اسْتَوُوا، فَلَمَّا نَدْرِ مَا قَالَ، فَقَالَ لنا شيخٌ عِنْده: يَقُولُ لَكُمْ: ارْتَفِعُوا، فَقَالَ الْخَلِيل بْن أَحْمَد: هَذَا من قَول اللَّه : " ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دخانٌ "، ثُمّ ارْتَفع ثُمّ قَالَ: هَلْ لَكُمْ فِي خبزٍ فطيرٍ ولبنٍ هجيرٍ وماءٍ نمير، فَلَمَّا فارقناه، قَالَ: سَلاما، قُلْنَا: فسِّرْ قَوْلك هَذَا، فَقَالَ: مُتَارَكَة لَا خير وَلا شَرّ، فَقَالَ الْخَلِيل: هَذَا مثل قَول اللَّه جلّ وَعز " وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا " أَيّ مُتَاركةً. قَالَ القَاضِي ﵀: قَوْله فِي الْخَبَر أطمارٌ مُتَرعْبِلَة، يُرِيد ثيابًا متقطعة، يُقَالُ: رَعْبَلْتُ الثوبَ وغيرَهُ إِذا قَطَّعْتُه، قَالَ الشَّاعِر: يَا من رَأَى ضَرْبًا يُرِعْبِلَ بعضُهُ ... بَعْضًا كَمَعْمَعَةِ الأبَاء الْمُحْرَقِ الْآبَاء: الْقصب، قَالَ القَاضِي: خبر النَّضْرِ بْن شُمَيْل هَذَا قَدْ كتبناه من طرقٍ شَتى مُتَقَارِبَة الْأَلْفَاظ والمعاني، وَفِيه زِيَادَة لَيست فِي غَيره، والأشعار الَّتِي أنشدها النَّضْر المأمونَ فِيهِ لما استنشده غَيْر مَا فِي سَائِر مَا كتبناه من قِبَل الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة، وَهِي بليغة حَسَنَة، فَرَأَيْت إِحْضَار هَذِهِ الرِّوَايَة ليتكامل للنَّاظِر الْفَائِدَة فِي كتَابنَا، وَإِن تكَرر بعض أَلْفَاظ مَتْنِ الْخَبَر. الرِّوَايَة الْأُخْرَى حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخُرَاسَانِيُّ، قَالَ: أَحْمَدُ بْن عُبَيْد بْن نَاصح، قَالَ: أَبُو زَيْدٍ، قَالَ: النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الْمَأْمُونِ، وَعَلَيَّ أطمارٌ أخلاقٌ غسيلٌ، فَقَالَ لِي: يَا نَضْرُ! تَدْخُلُ عَلَيَّ فِي مِثْلِ هَذِهِ الأَخْلاقِ؟ ثُمَّ قَالَ: نَحْمِلُ مِنْكَ هَذَا عَلَى التَّقَشُّفِ، ثُمَّ تَجَاذَبْنَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ: الْمَأْمُونُ: حَدَّثَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ لِدِينِهَا وَجَمَالِهَا وَكَمَالِهَا كَانَ فِيهِ سَدَادٌ مِنْ عَوَزٍ "، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: أَخْبَرَنِي عَوْفٌ الأَعْرَابِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ

стр. 382

الْمَرْأَةَ لِدِينِهَا وَجَمَالِهَا وَكَمَالِهَا كَانَ فِيهِ سِدَادٌ مِنْ عَوَزٍ " وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَجَلَسَ وَاسْتَوَى، وَقَالَ: يَا نَضْرُ! السَّدَادُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لحنٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينِ، وَإِنَّمَا لَحَنَ هُشَيْمٌ، فَقَالَ لي: ماالفرق بَيْنَ السَّدَادِ وَالسِّدَادِ، قُلْتُ: السَّدَادُ: الْقَصْدُ فِي الدِّينِ وَالسَّبِيلِ، وَالسِّدَادُ: الْبُلْغَةُ فِي الشَّيْءِ أَسُدُّ بِهِ الشَّيْءَ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُ ذَلِكَ الْعَرَبُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، هَذَا الْعَرْجِيُّ مِنْ وَلَدِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، يَقُولُ: أَضَاعُونِي وأَيَّ فَتًى أَضَاعُوا ... لِيَوْمِ كريهةٍ وَسِدَادِ ثَغْرِ كَأَنِّي لَمْ أَكُنْ فِيهِمْ وَسِيطًا ... وَلَمْ تَكُ نِسْبَتِي فِي آلِ عَمْرٍو فَأَطْرَقَ طَوِيلا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: قَبَّحَ اللَّهُ مَنْ لَا أَدَبَ لَهُ، ثُمَّ تَجَاذَبَا الْحَدِيثَ ثُمَّ قَالَ: قَبَّحَ اللَّهُ اللَّحْنَ، قُلْتُ: مَا لَحَنَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّمَا لَحَنَ هُشَيْمٌ، وَكَانَ هُشَيْمٌ لَحَّانَةً، فَتَبِعَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَلْفَاظَهُ، قَالَ: وَكَيْفَ رِوَايَتُكَ الشِّعْرَ، قُلْتُ: قَدْ رَوَيْتُ الْكَثِيرَ مِنْهُ، قَالَ: فَأَنْشِدْنِي فِي أَحْسَنِ مَا قَالَتِ الْعَرَبُ فِي الْحِكَمِ، فَأَنْشَدْتُهُ: إِذَا كَانَ دُونِي مَنْ بُلِيتُ بِجَهْلِهِ ... أَبَيْتُ لِنَفْسِي أَنْ أُقَابِلَ بِالْجَهْلِ وَإِنْ كَانَ مِثْلِي فِي مَحَلِّي مِنَ الْعُلا ... هَوَيْتُ إِذًا حِلْمًا وَصَفْحًا عَنِ الْمَثْلِ وَإِنْ كُنْتُ أَدْنَى مِنْهُ فِي الْفَضْلِ وَالْحِجَا ... فَإِنَّ لَهُ حَقَّ التَّقَدُّمِ وَالْفَضْلِ قَالَ: مَا أحسن مَا قَالَ! فَأَنْشِدْنِي أَحْسَنَ مَا قَالَتِ الْعَرَبُ فِي الْحَزْمِ، فَأَنْشَدْتُهُ: عَلَى كُلِّ حالٍ فَاجْعَلِ الْحَزْمَ عُدَّةً ... لِمَا أَنْتَ بَاغِيهِ وَعَوْنًا عَلَى الدَّهْرِ فَإِنْ نِلْتَ أَمْرًا نِلْتَهُ عَنْ عزيمةٍ ... وَإِنْ قَصَّرَتْ عَنْهُ الْحُقُوقُ فَفِي عُذْرِ فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ مَا قَالَ! فَأَنْشِدْنِي مَا قَالَتِ الْعَرَبُ فِي إِصْلاحِ الْعَدُوِّ، حَتَّى يَكُونَ صَدِيقًا فَأَنْشَدْتُهُ: وَذِي غَيْلَةٍ سَالَمْتُهُ فَقَهَرْتُهُ ... فَأَوْقَرْتُهُ مِنِّي بِعِبْءِ التَّجَمُّلِ وَمَنْ لَا يُدَافِعُ سَيِّئَاتِ عَدُوِّهِ ... بِإِحْسَانَهِ لَمْ يَأْخُذِ الطُّولِ مِنْ عَلِ وَلَمْ أَرَ فِي الأَشْيَاءِ أَسْرَعَ مَهْلَكًا ... لضغنٍ قديمٍ من وادٍ مُعَجَّلِ قَالَ: مَا أَحْسَنَ مَا قَالَ! فَأَنْشِدْنِي أَحْسَنَ مَا قَالَتِ الْعَرَبُ فِي السُّكُوتِ، فَأَنْشَدْتُهُ: إِنِّي لَيَهْجُرُنِي الصَّدِيقُ تَجَنُّبًا ... فَأُرِيهِ أَنَّ لِهَجْرِهِ أَسْبَابَا وَأَرَاهُ إِنْ عَاقَبْتُهُ أَغْرَيْتُهُ ... فَيَكُونَ تَرْكِي لِلْعِتَابِ عِتَابَا وَإِذَا بُلِيتُ بجاهلٍ مُتَحَكِّمٍ ... يَجِدُ الْمُحَالَ مِنَ الأُمُورِ صَوَابَا أَوْلَيْتُهُ مِنِّي السُّكُوتَ وَرُبَّمَا ... كَانَ السُّكُوتُ عَنِ الْجَوَابِ جَوَابَا ثُمَّ قَالَ: مَا مَالُكَ؟ قُلْتُ: أريضةٌ بِمَرْوِ الرُّوذِ أَتَمَزَّزُهَا، قَالَ: أَفَلا نُفِيدُكَ مَالا؟ قُلْتُ: إِنْ رَأَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ذَلِكَ، فَدَعَا بدواةٍ وقرطاسٍ وَكَتَبَ، وَلا أَدْرِي مَا كَتَبَ، ثُمَّ قَالَ: إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تُتْرِبَ الْكِتَابَ كَيْفَ تَأْمُرُ، قُلْتُ: يَا غُلام أَتْرِبِ الْكِتَابَ، قَالَ: فَهُوَ مَاذَا؟ قُلْتُ:

стр. 383

متربٌ، قَالَ: فَمِنَ السَّحَاةِ، قُلْتُ: يَا غُلامُ اسْحِ الْكِتَابِ، قَالَ: فَهُوَ مَاذَا؟ قُلْتُ: كِتَابٌ مُسْحًى، قَالَ: الطِّينُ، قُلْتُ: يَا غُلامُ طِنِ الْكِتَابَ، وَأَطِنِ الْكِتَابَ، قَالَ: فَهُوَ مَاذَا؟ قُلْتُ: مطينٌ وَمُطَانٌ، قَالَ: يَا غُلام أَتْرِبْ وَاسْحِ وَطن الْكتاب، ثُمَّ قَالَ امْضِ إِلَى الفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ بِهَذَا الْكِتَابِ، فَمَضَيْتُ فَأَوْصَلْتُهُ، فَقَالَ: بِمَ اسْتَأْهَلْتَ أَنْ يَأْمُرَ لَكَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ؟ فَحَدَّثْتُهُ الْحَدِيثَ عَلَى جِهَتِهِ، فَقَالَ: لَحَّنْتَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قُلْتُ: مَا لُحِّنَ، وَإِنَّمَا لَحَّنَ هُشَيْمٌ، فَتَبِعَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَلْفَاظَهُ، فَأَمَرَ لِي بِأَرْبَعِينَ ألفٍ أُخْرَى مِنْ عِنْدِهِ، وَانْصَرَفْتُ بِكَلِمَةٍ أَفَادُوهَا بِتِسْعِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ. تعقيب للمؤلف بشرح حَال الْعلمَاء فِي زَمَنه قَالَ القَاضِي ﵀: قَدْ كَانَ من مضى من الْعلمَاء وَأهل الْفَضْل من الأدباء، تَمَسُّهم الْفَاقَة، وتنالهم الْعسرَة وَالْإِضَافَة، ثُمّ يصلونَ من الْخُلَفَاء، والسادة الرؤساء، بِيَسِير مَا عِنْدهم من الْعلم وَالْحكمَة، وَالْأَدب والمعرفة، إِلَى الحَظِّ الخطير، والوفر الْكَبِير، والنَّضْرُ بْن شُمَيْل مِمَّن اتّفق لَهُ ذَلِكَ بعد شدَّة عَظِيمَة لحقته، وفاقة مُجْحِفة لَزِمته، وَكَانَ أحد الْأَعْلَام مِمَّنْ أَخَذَ عَنِ الْخَلِيل علم الْعَرَبيَّة، وَلَهُ من رِوَايَة السُّنَنِ والْآثَار، وَالْأَحَادِيث وَالْأَخْبَار، مَنْزِلَته وَلما أضَرَّ بِهِ إيطان البَصْرَةِ، ونَبَتْ بهَا عَنْهُ الْمَعيشَة، شرع فِي الظَّعْن عَنْهَا، فَذكر فِيمَا رُوِيَ لنا عَنْهُ من طَرِيق لَمْ يحضرني فِي هَذَا الْوَقْت، ولعلِّي أوردهُ إِذا عثرتُ عَلَيْهِ بعد، أَنَّهُ تَبِعَهُ سبع مائَة رَجُل أَو نحوهم من أَصْحَابه يشيعونه، وَجعلُوا يَبْكُونَ توجعًا لمفارقته إيَّاهُم، وَأظْهر لَهُم نَحْو هَذَا من استيحاشه وكراهته النأي عَلَيْهَا عَنْهُمْ، وقَالَ: لَو كَانَ لي فِي كُلّ يومٍ رُبْعٌ من الباقِلَّى أَتَقَوتُه لما ظَعَنْتُ، قَالَ الرَّاوِي: فعجبتُ من أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْجمع الْكثير من المتفجِّعين لفقده من يَكْفِيهِ هَذَا الْقدر، وَيقوم لَهُ بِهِ، ثُمّ إنَّه أَتَى خُرَاسَان فاستغنى وأثرى بِمَا أسدَى إِلَيْهِ الْمَأْمُون لما وصل إِلَيْهِ وسَمِع كَلَامه، ووقف عَلَى أدبه، وَلَقَد ظهر من الْمَأْمُون فِي هَذَا الْخَبَر من النُّبْل والإنصاف لأهل الْعلم والتواضع لمن تَجِيء لَهُ من قبله فَائِدَة، وَظهر لَهُ مِنْهُ علم وَمَعْرِفَة، مَا شكر اللَّه تَعَالَى لما أَرَادَهُ بِهِ، أَلا ترَوْنَ إِلَى مَا اقترحه من الْأَشْعَار فِي الْمعَانِي الَّتِي ذكر، وَإِلَى نَقده إِيَّاهَا، وَإِلَى نقد استحسانه لَهَا، وَلَقَد كَانَ فِي الشُّعَرَاء إِذا أنْشدهُ النقاد، وَالشعرَاء إِذا أنشدوه كَانَ من الأجواد، وَلَقَد رُوي لنا عَنْهُ من نقد الشّعْر وتبريزه فِي التَّمْيِيز بَيْنَ جيده ورديئه، وإبرازه عَلَى أَهْل هَذِهِ الصِّنَاعَة فِيهِ، وعُلُوُّهِ بالْحُجَّةِ عَلَيْهِم عِنْد مخالفتهم إِيَّاه مَا يطول ذكره، وسنأتي بِمَا يحضرنا مِنْهُ فِي مُسْتَأْنف مجالسنا هَذِهِ. صناعَة نقد الشّعْر وَنقد الشّعْر وَالتَّحْقِيق فِي مَعَانِيه من الصناعات الَّتِي أَكثر المضطلعين لَهَا قَدْ عُدِمُوا وَقَدْ قَلُّوا، وَقَدْ كَانَ بعض من يخْتَلف إليّ للأخذ عني، وَالْقِرَاءَة عليَّ من أَهْل بعض الْأَطْرَاف،

стр. 384

قَدْ قَرَأَ عليَّ شَيْئا مِمَّا صنفه ابنُ السِّكِّيت فِي هَذَا الْمَعْنى وَابْن قُتَيْبَة، وَمَا أَلفه أَبُو الْفرج قُدَامَةُ الْكَاتِب فِي نقد الشّعْر وَالْكتاب الْمَنْسُوب إِلَى أَبِي عُثْمَان الأُشْنَانْدَانِيّ عَلَّق عني صَدرا صَالحا من الزِّيَادَة فِي ذَلِكَ، وَشرح مستغلقه وإيضاح شكله، وَتَفْسِير مجمله، وتلخيص مُهْمله، وتَخْطئَةِ من أَخطَأ فِي تَأْوِيله، ثُمّ غَابَ عني فَانْقَطَعت عَنِ التفرغ لتتبع مَا بَقِيّ مِنْهُ، وَقَدْ وَقع إِلَيْنَا فِي هَذَا الْبَاب فقرٌ حَسَنَة عَنْ شَيْخَيْ هَذِهِ الصناعةِ فِي زمانهما وهما أَبُو الْعَبَّاس النحويان أَحْمَد بْن يَحْيَى، ومُحَمَّد بْن يَزِيد، وَكَانَ مُحَمَّد بْن يَحْيَى الصولي يتَكَلَّم كثيرا فِي هَذَا النَّوْع، ويَدَّعِي فِيهِ دَعَاوَى يَدْفعُهُ عَنِ التقدُّم فِيهَا، ظهورُ تَأَخره عَنْهَا، وتَفَاحُشُ خطئِهِ فِيمَا يُورِدهُ مِنْهَا، وَقَد أخرج قومٌ من هَذَا الْقَبِيل إعجابهم بِأَنْفسِهِم، وَفَسَاد تَخَيُّلهم، إِلَى تخطئَةِ الفحول من الشُّعَرَاء الجاهليين، ومَنْ بعدهمْ من المخضرمين، وَمن بَينهم من الإسلاميّين الَّذِين قَوْلهم حُجَّة عَلَى مَنْ بَعدهم، وَمن تَأَخّر عَنْهُمْ، فأحسنُ حَالاتِه فِي هَذَا الْبَاب أَن يَكُون تبعا لَهُم، فَمنْ ذَلِكَ أَن لُغْدَةَ الْأَصْبَهَانِيّ أقدم عَلَى تخطئة الطَّبَقَة الأولى، كامرىء الْقَيْس وَزُهَيْر والنابغة والأعشى وَمن يجْرِي مجراهم، فخطَّأَهم فِيمَا أَصَابُوا فِيهِ فتفاقم خَطَؤُه، وتعاظم خَطَله، وَقَدْ كُنْت أمللْتُ عَلَى بعض مَنْ حَضَرني مَا يتبيَّن فِيهِ قُصُور مَعْرفَته، وضَعْف بصيرته، ثُمّ رَأَيْت أَبَا حنيفَة أَحْمَد بْن دَاوُد الدِّينَوَرِيّ قَدْ صَمِد لكتاب لغدة هَذَا فنقضه، وَأورد أَشْيَاء صَحِيحَة تنبيء على إغفاله وَضعف تَأمله، وَمَعَ هَذَا فلسنا ننكر أَن يخطىء الرئيس فِي عمله، وَالسَّابِق فِي فهمه، فَلَا يضع ذَلِكَ من قدره، وَلا يحطُّه عَنْ مرتبته، إِذْ فَوق كُلّ ذِي علم عليم حَتَّى يَنْتَهِي الْعلم إِلَى رَبنَا عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيز الْحَكِيم. وَقَدْ كَانَ للمتوكل خَادِم يُعرف " بعرق الْمَوْت " قَدْ شدا أَشْيَاء من الْأَدَب، وَحفظ صَدرا من الشّعْر إِلا أَنَّهُ حَل بِقَلْبِه من النَّقْص نَحْو مَا حل بجسمه، فَظن أَنَّهُ قَد اضطلع بأفانين الْأَدَب، واطلع عَلَى بلاغات الْعَرَب، وَأخذ فِي نَحْو مَا كَانَ لُغْدة أَخَذَ فِيهِ، وَنسب امْرأ الْقَيْس إِلَى ذَهَابه فِي بعض شعره عَنْ صِحَة تَرْتِيب نظمه، ووَصْل الشَّكل بشكْله، وإلْحَاقِ الْمِثْل بِمِثْلِهِ، وحَمْلِ الفَرْع عَلَى أَصله، وتَوَهَّم عَلَيْه هَذَا الْبَاب من الْعَيْب، ونَعَاه عَلَيْه، وتكلف بإغفاله إِصْلَاحه عِنْد نَفسه، بخطأ أَتَى بِهِ من عِنْده، وذُكِر هَذَا فِي بَيْتَيْنِ من كلمة امرىء الْقَيْس الَّتِي أَولهَا: أَلا أنْعَمْ صَبَاحًا أيُّها الطَلَلُ البَالي ... وَهل يَعمنْ مَنْ كَانَ فِي الْعُصُر الخَالِي والبيتان: كأنِّي لَمْ أرْكَبْ جَوَادًا للذةٍ ... وَلَم أتبطَّنْ كَاعِبًا ذَاتَ خَلْخَالِ وَلَم أسْبأ الزِّقَّ الرَّوِيَّ وَلَم أقُلْ ... لِخَيْلِي كُرِّي كَرَّةً بعد إجْفَالِ فَظن أَن امْرأ الْقَيْس قلبَ وَجْهَ التَّرْتِيب، وعَدَل عَنْ مَحَجَّةِ التَّأْلِيف، وأتى بِذكر الْجواد

стр. 385

فِي صدر الْبَيْت وَقرن بِه تبطُّن الكاعب، ثُمّ صدر الْبَيْت الثَّانِي بسبئهِ الْخمر وَجَعَل عَجزه فِي حَثِّه الْخَيل عَلَى الْكر، وتوهم أَن هَذَا متنافرٌ غَيْر متشاكل، ومتخالف غَيْر متماثل، وَأَن الْوَجْه فِي هَذَا لَو تنبّه عَلَيْه هُوَ أَن يَقُولُ: كَأَنِّي لَمْ أركب جوادًا وَلَم أقلْ ... لِخَيْلِي كُرِّي كَرَّةً بعد إجْفَالِ وَلَم أسبأ الزِّق الرَّوِيَّ للذةٍ ... وَلَم أتبطَّنْ كَاعِبًا ذَاتَ خَلْخَالِ قَالَ القَاضِي ﵀: وَلَو ثاب إِلَى هَذَا الْخَادِم عَازِبُ لُبِّه، وفُتح لَهُ الْقُفْل الضَّاغط عَلَيْه، لتيقظ للوقوف عَلَى فَسَاد تَوهُّمِه، ولتجلَّى لَهُ الْخلَل فِيمَا آثره وَقدمه، وَتعلم أَن تَرْتِيب امرىء الْقَيْس فِي هذَيْن الْبَيْتَيْنِ من أصح التَّرْتِيب وَأحسنه، وأوضح التَّأْلِيف وأبينه، وَأَنه متسقٌ مسْتَتِبّ، ومتفقٌ متلئب، وَلَا ستفاد علما جما لما يتبينُهُ من اطِّرادِهِ وتلاومه، وائتلافه وتقاومه، وَأَنه من أحسن الشُّعَرَاء، وَقَدْ قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : " إِن من الشِّعْر حِكْمَة " وَأَنا مُبين هَذَا بَيَانا كَافِيا، وملخِّصه تلخيصًا مُفِيدا شافيًا إِن شَاءَ اللَّه وَبِه التَّوْفِيق. إِن الْجواد يُركب لأغراضٍ شَتَّى، مِنْهَا الْمُحَاربَة وشّنُّ الْغَارة وإدْراك الْعَدو والهارب، وفوت الثائر الطَّالِب، وَطلب الأوتار وَأخذ الثأر، والتماس الْمَعيشَة والبرهان وزيارة الإخوان ومجاراة الأقران، والسبق والنِّضال، والتدرب بالفروسية والقتال، والركض والرياضة، والإسراع والمواشكة فِي الْحَاجة، فِي لواحق هَذِهِ الْأُمُور وتوابعها، أَو مَا يقاربها ويضارعها، كالمجازاة والمضاهاة والمباهاة، وَكَانُوا إِذا كَانَ لَهُم ذحلٌ يُحرِّمون الْخمر عَلَى أنفسهم حَتَّى يثأروا فحينئذٍ يَسْتحلُّونها، قَالَ امْرُؤ الْقَيْس: حَلَّتْ لِيَ الخَمْرُ وَكنت امْرأً ... عَنْ شُرْبِها فِي شُغُل شاغِلِ فاليوم أسْقَى غَيْر مستحقبٍ ... إِثْمًا من اللَّهِ وَلا وَاغِلِ وَمِنْهَا القصدُ لضروب اللَّهْو والْمُتعة، والنشاط والرَّتَعة، والالتذاذُ باخْتيَالِ الْجواد وقطعه الجدد، قالركوب الَّذِي قصد امْرُؤ الْقَيْس بقوله: كَأَنِّي لَمْ أركب جوادًا، إِنَّمَا عَنَى بِهِ بَعْضَ مَا فِيهِ التذاذ ومُتعة، وَلَهو ورَتَعَة، وَقَدْ أبان ذَلِكَ بقوله: للذة، فَكَانَ من أليق مَا يَلِيهِ، ويقرن بِهِ مَا جانسه فِي التَّمَتُّع وَاللَّهْو، إِذْ لَمْ يَكُنْ ركُوبه للغارة والغزو فَلذَلِك قَالَ: وَلَم أتبطَّنْ كاعبًا ذاتَ خلخال، وَلَو قَالَ بعد قَوْله: كأنِّي لَمْ أركب جوادًا للذة، حسب مَا اقترحه وقَالَ الْخَادِم وَأَشَارَ بِهِ، لَكَانَ قَد أَتَى بمجمع من القَوْل غَيْر متسق، ومضربٍ من التَّأْلِيف غَيْر مُتَّفق، وَلَم يُقْدم هَذَا الْخَادِم عَلَى هَذَا الرَّأْي الفَائِل، والتوهُّم الْبَاطِل، إِلا بعد حذفه من قَول امرىء الْقَيْس مَا ينْكَشف الْمَعْنى بإثباته، ويزداد وضوحه بإحضاره، وَذَلِكَ قَوْله: للذةٍ، وَلَو لَمْ يذكر اللَّذَّة لَمْ يُؤمن عَلَى مثل هَذَا اراد الشُّبْهَة وَإِن كَانَتْ من المتأمل النَّاظر، والنِّحْرير الماهر، مأمورٌ بِهِ لوُجُوب حسن الظَّن بامرىء الْقَيْس فِي نظمه، ونسبته إِلَى وصل بعض كَلَامه بِحَسب مَا يَلِيق بِهِ، وَكَيف وَقَد أوضح الْمَعْنى وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ، وأفصح

стр. 386

بِه وَنَصّ عَلَيْه، وأمّا قَوْله: " وَلَم أسبأ الرزق الروي فَإِنَّهُ قد يسبأ رزق الْخمر للنادم واللذَّة، والارتياح والنشوة، وَقَدْ يُسْبأ للْبيع وَالتِّجَارَة ولإِهدائه إِلَى ذِي الْمُرُوءَة لتحريك الطبائع بشُرْبه عَلَى تذكر الأضغان والغَمْر، وتهيج الْحِقْد وَطلب الْوتر، وَالْجد فِي الْقيام بالثأر، وتجرئة الجبان، وتنشيط الْجنان، والسماحة فِي إِدْرَاك الشّرف بالنفوس، وبذْل كُلّ عِلْقِ مضنةٍ نفيسٍ، وَأَرَادَ امْرُؤ الْقَيْس بِمَا سبأه من الْخمر هَذِهِ الْمعَانِي أَوْ مَا أَرَادَ مِنْهَا، فَكَانَ اللَّائِق بقوله: وَلَم أسبأ الزِّقَّ الرَّوِيَّ أَن يَكُون عجز بَيته هَذَا مَا وَصفه فِي قَوْله: وَلَم أقل لخيلي كُرِّي كَرَّةً بعد إجفال فاغفل هَذَا الْخَادِم المقصوص، والأَتّي المنقوص، هَذَا الْمَعْنى، وَأخذ من الْبَيْت الأول قَوْله للذة فألحقها بِالْبَيْتِ الثَّانِي، فَلم يتم لَهُ بِمَا غَيره مَا قدره، وَذهب عَنْهُ فهم مَا رتَّبه امْرُؤ الْقَيْس وقرّره، وَمَا ذكرنَا من تقسُّم الْمعَانِي الَّتِي وَصفنَا بهَا سَبَايَا الْخمر أشهر فِي عرف النّاس وَكَلَام الْعَرَب من أَن يحْتَاج إِلَى الاستشهاد عَلَيْه، وَقَدْ قَالَ اللَّه جلّ وَعز " يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إثمٌ كبيرٌ ومنافعٌ لِلنَّاسِ، وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ من نفعهما " وَهَذَا معنى بَيْنَ الصِّحَّة غَيْر مشكلٍ عَلَى ذِي بَصِيرَة، قَالَ: حَسَّان بْن ثَابِت: نُوَلِّيها الملامةَ إنْ أَلِمْنَا ... إِذا مَا كَانَ مغثٌ أَوْ لِحاءُ ونشربُها فتتركنا ملوكًا ... وأُسْدًا مَا يُنَهْنِهُنَا اللقاءُ وقَالَ الْأَعْشَى: لعمرك إِن الرّاحَ إِن كُنْت سَائِلًا ... لمختلف عَشيُها وغَدَاتُها لنا من صَحَاهَا خُبْثُ نفسٍ وكأبةٌ ... وذكرُ همومٍ مَا تَغِبُّ أذاتُها وَعند العَشِي طيبُ نفسٍ ولذةٌ ... وَمَال كثير غُدْوَةً نشواتُها وقَالَ المتنخِّل: وَلَقَد شربت من المدا ... مة بالكبير وبالصَّغير فَإِذا انتشيْتُ فإنني ... ربُّ الخَوَرْنقِ والسَّدِير وَإِذَا صحوتُ فإنني ... ربُّ الشويْهةِ وَالْبَعِير وَهَذَا كثير جدا، وَقَول امرىء الْقَيْس: لَمْ أقل لخيلي كُرِّي، أَرَادَ لفرسان خيلي، كَمَا قَالَت الْعَرَب: يَا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي وَأَبْشِرِي بِالْجنَّةِ، أَيّ: يَا فرسَان خيل اللَّه، وقَالَ: اللَّه جلّ ثَنَاؤُهُ، وَقَوله أصدق القَوْل وَأحسنه " واسأل الْقرْيَة " يَعْنِي أَهلهَا، وقَالَ: تَعَالَى ذكره: " فأشربوا فِي قُلُوبهم الْعجل " أَيّ حُبَّ الْعجل فِي قَوْلِ مُعظم أَهْل التَّأْوِيل، وذُكِر بَعضهم أَنَّهُ سُحِلَ وأُلْقِي فِي اليمِّ فشربوه، وَالْقَوْل الأول أولى بِالصَّوَابِ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ فِي مَا شُرب ولُحِسَ من المَاء وَغَيره قَدْ أُشْرِبْتُه فِي قلبِي، وَإِنَّمَا يُقَالُ: أُشْرِبَ فُلان حُبّ فُلان فِي قلبه أَوْ عداوته وبغضه، وذكرتُ أبياتًا غَزِلَة لبَعض الْمُحدثين فأوردتها هَا هُنَا لِأَنِّي استحسنتُها

стр. 387

هَاهُنَا وَفِي بَيت مِنْهَا نَحْو هَذَا الْمَعْنى، وَهِي: وَقَدْ كُنْت أَرْجُو فِي مغيبك سلوةً ... وَلَم أدْرِ أَن الطيف إِن غبت طالبي وَوَاللَّه لَا ينكَى مُحبٌّ بِمِثْلِهَا ... وَإِن كَانَ مَكْرُوها فِرَاق الحبايب وأُشْرِبَ قلبِي حُبَّها وَمَشى بِهِ ... تَمَشِّي حميَّا الكأس فِي رَأس شَارِب يدبُّ هَواهَا فِي عِظَامي ولَحْمِها ... كَمَا دبَّ فِي الملْسُوعِ سمُّ العَقَارِبِ الْمَجْلِسُ الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ من قَالَ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ .. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُدَ الْمُنَادِي، وَأَبُو الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَدْرٍ شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ قَيْسٍ السُّكَّرِيُّ الْكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن زِيَادِ بْنِ أَنْعَمَ الأَثَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ قَيْسٍ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، وَكَانَ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا رَعِيَّةُ الإِبِلِ يَوْمًا، فَكَانَ الْيَوْمُ الَّذِي أَرْعَى فِيهِ، فَبَصُرْتُ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي حلقةٍ يُحَدِّثُهُمْ، فَسَعَيْتُ إِلَيْهِ فَأَدْرَكْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ: مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ لَا يُرِيدُ فِيهِمَا إِلا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى غَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى مَا كَانَ قَبْلَهُمَا مِنْ ذَنْبٍ، فَكَبَّرْتُ فَإِذَا رَجُلٌ يَضْرِبُ عَلَى كَتِفِي فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الَّتِي قَبْلَهَا يَا ابْن عَامِرٍ أَفْضَلُ مِنْهَا، قُلْتُ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مِنْ قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا اللَّه يُصَدِّقُ لِسَانَهُ قَلْبُهُ دَخَلَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ ". رِوَايَة أُخْرَى للْحَدِيث حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُنَادِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ النَّسَائِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى أَبُو مُحَمَّدٍ الْعَبْسِيُّ الْكُوفِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنَا ونفرٌ مِنْ جُهَيْنَةَ فَكُنَّا نَتَنَاوَبُ رَعْيَ الإِبِلِ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا يَوْمٌ، فَجَاءَتْ نَوْبَتِي فَرَعَيْتُهَا ثُمَّ رَوَّحْتُ نَفْسِي فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وهويخطب، فَجَلَسْتُ إِلَى جَنْبِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَأَدْرَكْتُ مِنْ كَلامِهِ وَهُوَ يَقُولُ: مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُومُ إِلَى مُصَلاهُ فَيَعْلَمُ مَا يَقُولُ فِيهَا، إِلَّا انقل كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ مِنَ الْخَطَايَا "، قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُهَا لَمْ أَمْلِكْ نَفْسِي أَنْ قُلْتُ: بخٍ بخٍ، فَقَالَ: عُمَر - وَهُوَ إِلَى جَنْبِي قاعدٌ - قَالَ: أَجْوَدَ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ تَجِيءَ، قُلْتُ: وَمَا هِيَ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي؟ فَقَالَ: قَالَ: " مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ ثُمَّ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إِلا فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ.

стр. 388

معنى بَخْ بَخْ واللغات فِيهَا قَالَ القَاضِي أَبُو الفَرَج: قَوْله بَخْ بَخْ، هَذِهِ كلمة تَقُولهَا الْعَرَب عِنْد الشَّيْء تفضله وتمدحه وتعجب بِهِ، وفيهَا لُغَتَانِ: التسْكين وَالْكَسْر والتنوين، فَمنْ سكن فعلى الأَصْل فِيمَا يُبْنى وَلا يُعرب، وَالْكَسْر عَلَى الْبَاب فِي السَّاكِن إِذا حُرِّك، والتنوين فِي قَول مُحققي نُحاة الْبَصرِيين يُؤْذِن بالتنكير، وحذفُه يدُلّ عَلَى التَّعْرِيف، وَأكْثر مَا تسْتَعْمل هَذِهِ الْكَلِمَة بالتكرير وَلها نَظَائِر فِيمَا وَصفنَا من حكمهَا، قَالَ الشَّاعِر: بَيْنَ الأَشِجِّ وَبَيْنَ قيسٍ باذخٌ ... بخ بخ بوالده وبالمولود وَمثل هَذَا صهٍ صهٍ ومهٍ مهٍ. وَفِي الْقِصَّة الَّتِي رويناها بِهَذَيْنِ السَّنّدَيْن مَا يُرغب فِي الْعَمَل بِمَا أنبأت بفضله، وَيدل عَلَى سَعَة إِحْسَان اللَّه تَعَالَى وتفضله، وَقد روى لَنَا هَذَا الْخَبَر من وجهٍ فِيهِ عللٌ عارضته فِي سَنَده، وَأَنا ذاكره ليحصُل لمن وقف عَلَيْه الْفَائِدَة مِنْهُ إِن شَاءَ اللَّه. الْعِلَل الَّتِي فِي سَنَد الْحَدِيث حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدِ بْنِ حَفْصٍ الْعَطَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ غَالِبٍ الْعَطَّارُ، سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ نَصْرَ بْنَ حَمَّادٍ، قَالَ: كُنَّا عَلَى بَابِ شُعْبَةَ نَتَذَاكَرُ، فَقُلْتُ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: كُنَّا نَتَنَاوَبُ رَعِيَّةَ الإِبِلِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجِئْتُ وَحَوْلَهُ أَصْحَابُهُ، قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى غَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ "، قُلْتُ: بَخٍ بَخٍ، فَحَدَّثَنِي رجلٌ مِنْ خَلْفِي فَإِذَا عُمَرُ، فَقَالَ: الَّذِي قَالَ قبل أحسن، قلت: وَمَا قَالَ؟ قَالَ: " مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول الله قِيلَ لَهُ ادْخُلْ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتَ "، قَالَ: فَخَرَجَ شُعْبَةُ فَلَطَمَنِي ثُمَّ رَجَعَ فَدَخَلَ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَابِ ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ: مَا لَهُ بَعْدُ يَبْكِي، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ: إِنَّكَ أَسَأْتَ إِلَيْهِ، قَالَ شُعْبَةُ: انْظُرْ مَا يُحَدِّثُ عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قُلْتُ لأَبِي إِسْحَاقَ: مَنْ حَدَّثَكَ؟ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قلت: سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ عُقْبَةَ، فَغَضِبَ، وَمِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ حَاضِرٌ، فَقَالَ مِسْعَرٌ: أَغَضِبَ الشَّيْخ؟ قلت: يصححن هَذَا الْحَدِيثَ أَوْ لأَرْمِيَنَّ بِحَدِيثِهِ، فَقَالَ لِي مِسْعَرٌ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَطَاءٍ بِمَكَّةَ. قَالَ شُعْبَةُ: فَرَحَلْتُ إِلَى مَكَّةَ لَمْ أُرِدِ الْحَجَّ أَرَدْتُ الْحَدِيثَ، فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَطَاءٍ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدِّثْنِي، قَالَ شُعْبَة: فَلَقِيت مَالِكًا، قَالَ: سعدٌ بِالْمَدِينَةِ لَمْ يَحُجَّ الْعَامَ، قَالَ شُعْبَةُ: فَرَحَلْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَقِيتُ سَعْدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: الْحَدِيثُ مِنْ عِنْدِكُمْ زِيَادُ بْنُ مِخْرَاقٍ، قُلْتُ: إِيشِ هَذَا الْحَدِيثُ؟ بَيْنَمَا هُوَ كُوفِيٌّ إِذْ صَارَ مَكِّيًّا، إِذْ صَارَ مَدَنِيًّا، إِذْ صَارَ بَصْرِيًّا، قَالَ شُعْبَةُ: فَرَحَلْتُ

стр. 389

إِلَى الْبَصْرَةِ فَلَقِيتُ زِيَادَ بْنَ مِخْرَاق فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا تَبْغِي، قُلْتُ: حَدِّثْنِي بِهِ، قَالَ: لَا تَرُدْهُ، قُلْتُ: حَدِّثْنِي، فَقَالَ: حَدَّثَنِي شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي رَيَّحَانَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا ذَكَرَ شَهْرًا، قُلْتُ: دَمِّرْ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، لَوْ صَحَّ لِي هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَهْلِي وَمَالِي وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. وَقَدْ حَدَّثَنَا أَبِي ﵁، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْفَضْلِ الْبَغْدَادِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ، وَسَاقَ الْقِصَّةَ عَلَى اخْتِلافِ أَلْفَاظِهَا مَعَ تَقَارُبِ مَعَانِيهَا وَفِي آخِرِ الْحَدِيثِ أَعَنِّي حَدِيثَ أَبِي، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْفَضْلِ - قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ: قَدِمَ عَلَيْنَا مُغنِي بْنُ مُعَاذٍ، فَذَكَرْتُ لَهُ هَذَا الْحَدِيثَ، فَقُلْتُ لَهُ: عِنْدَكُمْ أَصْلٌ، قَالَ: نَعَمْ، حَدَّثَنِي بِشْرُ بن الْمفضل، عَن شُعْبَة، كهذه الْقِصَّةُ، وَزَادَ فِيهَا حَرْفًا هُوَ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ: لَمْ أَحْفَظْهُ. التَّدْلِيس فِي الْحَدِيث قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: والتدليس فِي الْحَدِيث كثير، والمدلِّسُون من أَهله كثير، وَكَذَلِكَ الْإِرْسَال وَكَانَ شعبةُ يُنكر التَّدْلِيس، وَيَقُولُ فِيهِ مَا يتَجَاوَز الْحَد مَعَ كَثْرَة رِوَايَته عَنِ المدلِّسين، وشاهدت من كَانَ مدلِّسًا من أعْلام أَهْل الْعلم الْمُحدثين كالأعمشِ وسُفْيَان الثَّوْرِي وسُفْيَان بْن عُيَيْنة وهُشَيْم بْن بَشِير وَغَيْرُهُمْ، والمدلِّس من هَؤُلاءِ لَيْسَ بِكَذَّابٍ فِي رِوَايَته، وَلا مَجْرُوح فِي عَدَالَته، وَلا مغموصٍ فِي أَمَانَته، وأعلام الْفُقَهَاء يحتجون فِي الدّين بنقله، وَكَانَ الشّافعيّ لَا يرى مَا يرويهِ المدلِّسُ حُجَّة، إِلا أَن يَقُولُ فِي رِوَايَته: حَدَّثَنَا أَوْ أَخْبَرَنَا أَوْ سَمِعْتُ، وَقَدْ وَجَدْنَاهُ لشعبة مَعَ سوء قَوْله فِي التَّدْلِيس فِي عدَّة أَحَادِيث رَوَاهَا، وجمعنا ذَلِكَ فِي مَوضِع هُوَ أوْلَى بِهِ، قَالَ القَاضِي: وَفِي ظَاهر هَذِهِ الْحِكَايَة عَنْ شُعْبَة أَنَّهُ قَد انتهك من حُرْمة هَذَا الرَّجُل مَا هُوَ حِمًى مَحْظور، وَإِلَى اللَّه تصير الْأُمُور، وَفِي مَا يصلح إثباتُ مثله فِي هَذَا الْكتاب، من الْأَخْبَار المدلسة وأحوال المدلِّسين مَا يَتَّسِع، فلعنا نأتي مِنْهُ بجملة فِيمَا نستقبل إِن شَاءَ اللَّه. أحكم مَا قالته الْعَرَب وأوجزه حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن دُرَيد، قَالَ: أَبُو عُثْمَان الأُشْنَانْدَانِيّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْعُتْبِي، قَالَ: دخل الشَّعْبِيّ عَلَى عَبْد الْملك، فَقَالَ: يَا شَعْبِي! أَنْشدني أحكم مَا قَالَت الْعَرَب وأوْجَزَه، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين، قَول امرىء الْقَيْس: صُبَّتْ عَلَيْه وَمَا تنصبُّ من أممٍ ... إِن الشَّقَاء عَلَى الأشْقِين مَصْبُوبُ وَقَول زُهَيْر: وَمن يَجْعَل المعروفَ من دون عرضه ... يَفِرْهُ وَمن لَا يتقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ وَقَول النَّابِغَة: ولَسْتَ بمستبقٍ أَخا لَا تلمُّهُ ... عَلَى شعثٍ أيُّ الرجالِ المهذَّبُ

стр. 390

وَقَول عَدِيّ بْن زَيْد: عَنِ الْمَرْء لَا تسْأَل وَأبْصر قرينه ... إِن القرين بالمقارن يَقْتَدِي وَقَول طرفَة: سَتُبْدي لَك الأَيَّامُ مَا كُنْت جَاهِلا ... ويأتيك بالأخبار من لَمْ تُزَوِّدِ وَقَول عُبَيْد بْن الأبْرَص: وكلُّ ذِي غيبةٍ يَؤُوبُ ... وغائبُ الموتِ لَا يَؤُوبُ وَقَول لَبِيد: إِذَا المرءُ أسْرَى لَيْلَة ظنَّ أنَّهُ ... قضى أملا والمرءُ مَا عَاشَ عَاملُ وَقَول الْأَعْشَى: وَمن يَغْتربْ عَنْ قومه لَا يزل يرى ... مصَارِع مظلومٍ مجرًا ومَسْحَبَا وَقَول الْحُطَيْئة: من يفعل الْخَيْر لَا يَعْدِمْ جَوَازِيَهُ ... لَا يذهبُ الْعُرْفُ بَيْنَ اللَّه والنَّاسِ وَقَول الْحَارِث بْن عَمْرو: فَمنْ يَلْقَ خيرا يُحْمِد النّاس أمره ... وَمن يَغْوَ لَا يَعْدم عَلَى الغيِّ لائِمَا وَقَول الشماخ: وكلُّ خليلٍ غيرِ هَاضِمِ نَفسِهِ ... لوصْلِ خليلٍ، صارمٌ أَوْ مُعَارِزُ فَقَالَ عَبْد الْملك: حَجَجْتُكَ يَا شَعْبِي بقول طُفَيْل الغَنَوي: وَلا أُخَالِسُ جَاري فِي حليلته ... وَلا ابنَ عَمِّيَ غَالَتْنِي إِذا غُولُ حَتَّى يُقالَ إِذا دُلِّيتُ فِي جدثٍ ... أيْن ابنُ عوفٍ أَبُو قَرَّانَ مَجْعُولُ قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: بَيْتا طُفَيل اللَّذَان أنشدهما عَبْد الْملك وفَضَّلهما وزَعمَ أَنَّهُ حج الشَّعْبِيّ من أشعار الشُّعَرَاء غَيْر مقصِّر عَنْهُمَا، وَمن تَأمل مَا وَصفنَا وجَدّه عَلَى مَا ذكرنَا، من غَيْر أَن يحْتَاج إِلَى تكلّف تَفْسِير ذَلِكَ، وإطناب فِي الِاحْتِجَاج لَهُ، فَأَما بَيت الشماخ فَإِن معنى قَوْله: غَيْر هاضم نَفسه، أَيّ حَامِل عَلَيْهَا لخليله والهَضْم: النَّقْص، يُقَالُ: هضم فلانٌ فلَانا حَقه أَيّ نَقصه، قَالَ اللَّه ﷻ : " وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مؤمنٌ فَلا يخَاف ظلما وَلَا هضماً " وَأما قَوْله: أَوْ مُعَارِز، فالْمُعارز المتقبِّض، يُقَالُ: استعْرَزَ عليَّ فُلان إِذا انقبض، وألقيت الْبُضْعة عَلَى النَّار فَعَرزَتْ، وَكَأن الشماخ سلك سَبِيل النَّابِغَة فِي بَيته الَّذِي أنْشدهُ الشَّعْبِيّ فِي هَذَا الْخَبَر، وأصل الْغَرَض فِي هَذِهِ الْجُمْلَة، عَلَى مَا بَيْنَ الْبَيْتَيْنِ مِمَّا لأَحَدهمَا من الشَّفِّ من تَنْقِيح أَلْفَاظ الشِّعْر، وَفضل اسْتغْنَاء أَجزَاء أحد الْبَيْتَيْنِ عَلَى أَجزَاء الآخر، وَأَنا قائلٌ فِي هَذَا قولا يُبين صِحَّته ويُوضح حَقِيقَته إِن شَاءَ اللَّه، وَأَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق: إِن جملَة الْأَلْفَاظ للبيتين الَّتِي تجمعهما عَلَى معنى وَاحِد، هُوَ أَن الَّذِي
следующие страницы →