Полный текст (740 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
بِه وَنَصّ عَلَيْه، وأمّا قَوْله: " وَلَم أسبأ الرزق الروي فَإِنَّهُ قد يسبأ رزق الْخمر للنادم واللذَّة، والارتياح والنشوة، وَقَدْ يُسْبأ للْبيع وَالتِّجَارَة ولإِهدائه إِلَى ذِي الْمُرُوءَة لتحريك الطبائع بشُرْبه عَلَى تذكر الأضغان والغَمْر، وتهيج الْحِقْد وَطلب الْوتر، وَالْجد فِي الْقيام بالثأر، وتجرئة الجبان، وتنشيط الْجنان، والسماحة فِي إِدْرَاك الشّرف بالنفوس، وبذْل كُلّ عِلْقِ مضنةٍ نفيسٍ، وَأَرَادَ امْرُؤ الْقَيْس بِمَا سبأه من الْخمر هَذِهِ الْمعَانِي أَوْ مَا أَرَادَ مِنْهَا، فَكَانَ اللَّائِق بقوله: وَلَم أسبأ الزِّقَّ الرَّوِيَّ أَن يَكُون عجز بَيته هَذَا مَا وَصفه فِي قَوْله: وَلَم أقل لخيلي كُرِّي كَرَّةً بعد إجفال فاغفل هَذَا الْخَادِم المقصوص، والأَتّي المنقوص، هَذَا الْمَعْنى، وَأخذ من الْبَيْت الأول قَوْله للذة فألحقها بِالْبَيْتِ الثَّانِي، فَلم يتم لَهُ بِمَا غَيره مَا قدره، وَذهب عَنْهُ فهم مَا رتَّبه امْرُؤ الْقَيْس وقرّره، وَمَا ذكرنَا من تقسُّم الْمعَانِي الَّتِي وَصفنَا بهَا سَبَايَا الْخمر أشهر فِي عرف النّاس وَكَلَام الْعَرَب من أَن يحْتَاج إِلَى الاستشهاد عَلَيْه، وَقَدْ قَالَ اللَّه جلّ وَعز " يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إثمٌ كبيرٌ ومنافعٌ لِلنَّاسِ، وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ من نفعهما " وَهَذَا معنى بَيْنَ الصِّحَّة غَيْر مشكلٍ عَلَى ذِي بَصِيرَة، قَالَ: حَسَّان بْن ثَابِت:
نُوَلِّيها الملامةَ إنْ أَلِمْنَا ... إِذا مَا كَانَ مغثٌ أَوْ لِحاءُ
ونشربُها فتتركنا ملوكًا ... وأُسْدًا مَا يُنَهْنِهُنَا اللقاءُ
وقَالَ الْأَعْشَى:
لعمرك إِن الرّاحَ إِن كُنْت سَائِلًا ... لمختلف عَشيُها وغَدَاتُها
لنا من صَحَاهَا خُبْثُ نفسٍ وكأبةٌ ... وذكرُ همومٍ مَا تَغِبُّ أذاتُها
وَعند العَشِي طيبُ نفسٍ ولذةٌ ... وَمَال كثير غُدْوَةً نشواتُها
وقَالَ المتنخِّل:
وَلَقَد شربت من المدا ... مة بالكبير وبالصَّغير
فَإِذا انتشيْتُ فإنني ... ربُّ الخَوَرْنقِ والسَّدِير
وَإِذَا صحوتُ فإنني ... ربُّ الشويْهةِ وَالْبَعِير
وَهَذَا كثير جدا، وَقَول امرىء الْقَيْس: لَمْ أقل لخيلي كُرِّي، أَرَادَ لفرسان خيلي، كَمَا قَالَت الْعَرَب: يَا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي وَأَبْشِرِي بِالْجنَّةِ، أَيّ: يَا فرسَان خيل اللَّه، وقَالَ: اللَّه جلّ ثَنَاؤُهُ، وَقَوله أصدق القَوْل وَأحسنه " واسأل الْقرْيَة " يَعْنِي أَهلهَا، وقَالَ: تَعَالَى ذكره:
" فأشربوا فِي قُلُوبهم الْعجل " أَيّ حُبَّ الْعجل فِي قَوْلِ مُعظم أَهْل التَّأْوِيل، وذُكِر بَعضهم أَنَّهُ سُحِلَ وأُلْقِي فِي اليمِّ فشربوه، وَالْقَوْل الأول أولى بِالصَّوَابِ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ فِي مَا شُرب ولُحِسَ من المَاء وَغَيره قَدْ أُشْرِبْتُه فِي قلبِي، وَإِنَّمَا يُقَالُ: أُشْرِبَ فُلان حُبّ فُلان فِي قلبه أَوْ عداوته وبغضه، وذكرتُ أبياتًا غَزِلَة لبَعض الْمُحدثين فأوردتها هَا هُنَا لِأَنِّي استحسنتُها
стр. 387
هَاهُنَا وَفِي بَيت مِنْهَا نَحْو هَذَا الْمَعْنى، وَهِي:
وَقَدْ كُنْت أَرْجُو فِي مغيبك سلوةً ... وَلَم أدْرِ أَن الطيف إِن غبت طالبي
وَوَاللَّه لَا ينكَى مُحبٌّ بِمِثْلِهَا ... وَإِن كَانَ مَكْرُوها فِرَاق الحبايب
وأُشْرِبَ قلبِي حُبَّها وَمَشى بِهِ ... تَمَشِّي حميَّا الكأس فِي رَأس شَارِب
يدبُّ هَواهَا فِي عِظَامي ولَحْمِها ... كَمَا دبَّ فِي الملْسُوعِ سمُّ العَقَارِبِ
الْمَجْلِسُ الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ
من قَالَ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ..
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُدَ الْمُنَادِي، وَأَبُو الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَدْرٍ شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ قَيْسٍ السُّكَّرِيُّ الْكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن زِيَادِ بْنِ أَنْعَمَ الأَثَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ قَيْسٍ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، وَكَانَ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا رَعِيَّةُ الإِبِلِ يَوْمًا، فَكَانَ الْيَوْمُ الَّذِي أَرْعَى فِيهِ، فَبَصُرْتُ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي حلقةٍ يُحَدِّثُهُمْ، فَسَعَيْتُ إِلَيْهِ فَأَدْرَكْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ: مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ لَا يُرِيدُ فِيهِمَا إِلا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى غَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى مَا كَانَ قَبْلَهُمَا مِنْ ذَنْبٍ، فَكَبَّرْتُ فَإِذَا رَجُلٌ يَضْرِبُ عَلَى كَتِفِي فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الَّتِي قَبْلَهَا يَا ابْن عَامِرٍ أَفْضَلُ مِنْهَا، قُلْتُ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مِنْ قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا اللَّه يُصَدِّقُ لِسَانَهُ قَلْبُهُ دَخَلَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ ".
رِوَايَة أُخْرَى للْحَدِيث
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُنَادِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ النَّسَائِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى أَبُو مُحَمَّدٍ الْعَبْسِيُّ الْكُوفِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنَا ونفرٌ مِنْ جُهَيْنَةَ فَكُنَّا نَتَنَاوَبُ رَعْيَ الإِبِلِ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا يَوْمٌ، فَجَاءَتْ نَوْبَتِي فَرَعَيْتُهَا ثُمَّ رَوَّحْتُ نَفْسِي فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وهويخطب، فَجَلَسْتُ إِلَى جَنْبِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَأَدْرَكْتُ مِنْ كَلامِهِ وَهُوَ يَقُولُ: مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُومُ إِلَى مُصَلاهُ فَيَعْلَمُ مَا يَقُولُ فِيهَا، إِلَّا انقل كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ مِنَ الْخَطَايَا "، قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُهَا لَمْ أَمْلِكْ نَفْسِي أَنْ قُلْتُ: بخٍ بخٍ، فَقَالَ: عُمَر - وَهُوَ إِلَى جَنْبِي قاعدٌ - قَالَ: أَجْوَدَ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ تَجِيءَ، قُلْتُ: وَمَا هِيَ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي؟ فَقَالَ: قَالَ: " مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ ثُمَّ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إِلا فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ.
стр. 388
معنى بَخْ بَخْ واللغات فِيهَا
قَالَ القَاضِي أَبُو الفَرَج: قَوْله بَخْ بَخْ، هَذِهِ كلمة تَقُولهَا الْعَرَب عِنْد الشَّيْء تفضله وتمدحه وتعجب بِهِ، وفيهَا لُغَتَانِ: التسْكين وَالْكَسْر والتنوين، فَمنْ سكن فعلى الأَصْل فِيمَا يُبْنى وَلا يُعرب، وَالْكَسْر عَلَى الْبَاب فِي السَّاكِن إِذا حُرِّك، والتنوين فِي قَول مُحققي نُحاة الْبَصرِيين يُؤْذِن بالتنكير، وحذفُه يدُلّ عَلَى التَّعْرِيف، وَأكْثر مَا تسْتَعْمل هَذِهِ الْكَلِمَة بالتكرير وَلها نَظَائِر فِيمَا وَصفنَا من حكمهَا، قَالَ الشَّاعِر:
بَيْنَ الأَشِجِّ وَبَيْنَ قيسٍ باذخٌ ... بخ بخ بوالده وبالمولود
وَمثل هَذَا صهٍ صهٍ ومهٍ مهٍ.
وَفِي الْقِصَّة الَّتِي رويناها بِهَذَيْنِ السَّنّدَيْن مَا يُرغب فِي الْعَمَل بِمَا أنبأت بفضله، وَيدل عَلَى سَعَة إِحْسَان اللَّه تَعَالَى وتفضله، وَقد روى لَنَا هَذَا الْخَبَر من وجهٍ فِيهِ عللٌ عارضته فِي سَنَده، وَأَنا ذاكره ليحصُل لمن وقف عَلَيْه الْفَائِدَة مِنْهُ إِن شَاءَ اللَّه.
الْعِلَل الَّتِي فِي سَنَد الْحَدِيث
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدِ بْنِ حَفْصٍ الْعَطَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ غَالِبٍ الْعَطَّارُ، سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ نَصْرَ بْنَ حَمَّادٍ، قَالَ: كُنَّا عَلَى بَابِ شُعْبَةَ نَتَذَاكَرُ، فَقُلْتُ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: كُنَّا نَتَنَاوَبُ رَعِيَّةَ الإِبِلِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجِئْتُ وَحَوْلَهُ أَصْحَابُهُ، قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى غَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ "، قُلْتُ: بَخٍ بَخٍ، فَحَدَّثَنِي رجلٌ مِنْ خَلْفِي فَإِذَا عُمَرُ، فَقَالَ: الَّذِي قَالَ قبل أحسن، قلت: وَمَا قَالَ؟ قَالَ: " مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول الله قِيلَ لَهُ ادْخُلْ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتَ "، قَالَ: فَخَرَجَ شُعْبَةُ فَلَطَمَنِي ثُمَّ رَجَعَ فَدَخَلَ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَابِ ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ: مَا لَهُ بَعْدُ يَبْكِي، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ: إِنَّكَ أَسَأْتَ إِلَيْهِ، قَالَ شُعْبَةُ: انْظُرْ مَا يُحَدِّثُ عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قُلْتُ لأَبِي إِسْحَاقَ: مَنْ حَدَّثَكَ؟ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قلت: سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ عُقْبَةَ، فَغَضِبَ، وَمِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ حَاضِرٌ، فَقَالَ مِسْعَرٌ: أَغَضِبَ الشَّيْخ؟ قلت: يصححن هَذَا الْحَدِيثَ أَوْ لأَرْمِيَنَّ بِحَدِيثِهِ، فَقَالَ لِي مِسْعَرٌ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَطَاءٍ بِمَكَّةَ. قَالَ شُعْبَةُ: فَرَحَلْتُ إِلَى مَكَّةَ لَمْ أُرِدِ الْحَجَّ أَرَدْتُ الْحَدِيثَ، فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَطَاءٍ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدِّثْنِي، قَالَ شُعْبَة: فَلَقِيت مَالِكًا، قَالَ: سعدٌ بِالْمَدِينَةِ لَمْ يَحُجَّ الْعَامَ، قَالَ شُعْبَةُ: فَرَحَلْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَقِيتُ سَعْدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: الْحَدِيثُ مِنْ عِنْدِكُمْ زِيَادُ بْنُ مِخْرَاقٍ، قُلْتُ: إِيشِ هَذَا الْحَدِيثُ؟ بَيْنَمَا هُوَ كُوفِيٌّ إِذْ صَارَ مَكِّيًّا، إِذْ صَارَ مَدَنِيًّا، إِذْ صَارَ بَصْرِيًّا، قَالَ شُعْبَةُ: فَرَحَلْتُ
стр. 389
إِلَى الْبَصْرَةِ فَلَقِيتُ زِيَادَ بْنَ مِخْرَاق فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا تَبْغِي، قُلْتُ: حَدِّثْنِي بِهِ، قَالَ: لَا تَرُدْهُ، قُلْتُ: حَدِّثْنِي، فَقَالَ: حَدَّثَنِي شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي رَيَّحَانَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا ذَكَرَ شَهْرًا، قُلْتُ: دَمِّرْ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، لَوْ صَحَّ لِي هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَهْلِي وَمَالِي وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.
وَقَدْ حَدَّثَنَا أَبِي ﵁، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْفَضْلِ الْبَغْدَادِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ، وَسَاقَ الْقِصَّةَ عَلَى اخْتِلافِ أَلْفَاظِهَا مَعَ تَقَارُبِ مَعَانِيهَا وَفِي آخِرِ الْحَدِيثِ أَعَنِّي حَدِيثَ أَبِي، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْفَضْلِ - قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ: قَدِمَ عَلَيْنَا مُغنِي بْنُ مُعَاذٍ، فَذَكَرْتُ لَهُ هَذَا الْحَدِيثَ، فَقُلْتُ لَهُ: عِنْدَكُمْ أَصْلٌ، قَالَ: نَعَمْ، حَدَّثَنِي بِشْرُ بن الْمفضل، عَن شُعْبَة، كهذه الْقِصَّةُ، وَزَادَ فِيهَا حَرْفًا هُوَ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ: لَمْ أَحْفَظْهُ.
التَّدْلِيس فِي الْحَدِيث
قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: والتدليس فِي الْحَدِيث كثير، والمدلِّسُون من أَهله كثير، وَكَذَلِكَ الْإِرْسَال وَكَانَ شعبةُ يُنكر التَّدْلِيس، وَيَقُولُ فِيهِ مَا يتَجَاوَز الْحَد مَعَ كَثْرَة رِوَايَته عَنِ المدلِّسين، وشاهدت من كَانَ مدلِّسًا من أعْلام أَهْل الْعلم الْمُحدثين كالأعمشِ وسُفْيَان الثَّوْرِي وسُفْيَان بْن عُيَيْنة وهُشَيْم بْن بَشِير وَغَيْرُهُمْ، والمدلِّس من هَؤُلاءِ لَيْسَ بِكَذَّابٍ فِي رِوَايَته، وَلا مَجْرُوح فِي عَدَالَته، وَلا مغموصٍ فِي أَمَانَته، وأعلام الْفُقَهَاء يحتجون فِي الدّين بنقله، وَكَانَ الشّافعيّ لَا يرى مَا يرويهِ المدلِّسُ حُجَّة، إِلا أَن يَقُولُ فِي رِوَايَته: حَدَّثَنَا أَوْ أَخْبَرَنَا أَوْ سَمِعْتُ، وَقَدْ وَجَدْنَاهُ لشعبة مَعَ سوء قَوْله فِي التَّدْلِيس فِي عدَّة أَحَادِيث رَوَاهَا، وجمعنا ذَلِكَ فِي مَوضِع هُوَ أوْلَى بِهِ، قَالَ القَاضِي: وَفِي ظَاهر هَذِهِ الْحِكَايَة عَنْ شُعْبَة أَنَّهُ قَد انتهك من حُرْمة هَذَا الرَّجُل مَا هُوَ حِمًى مَحْظور، وَإِلَى اللَّه تصير الْأُمُور، وَفِي مَا يصلح إثباتُ مثله فِي هَذَا الْكتاب، من الْأَخْبَار المدلسة وأحوال المدلِّسين مَا يَتَّسِع، فلعنا نأتي مِنْهُ بجملة فِيمَا نستقبل إِن شَاءَ اللَّه.
أحكم مَا قالته الْعَرَب وأوجزه
حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن دُرَيد، قَالَ: أَبُو عُثْمَان الأُشْنَانْدَانِيّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْعُتْبِي، قَالَ: دخل الشَّعْبِيّ عَلَى عَبْد الْملك، فَقَالَ: يَا شَعْبِي! أَنْشدني أحكم مَا قَالَت الْعَرَب وأوْجَزَه، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين، قَول امرىء الْقَيْس:
صُبَّتْ عَلَيْه وَمَا تنصبُّ من أممٍ ... إِن الشَّقَاء عَلَى الأشْقِين مَصْبُوبُ
وَقَول زُهَيْر:
وَمن يَجْعَل المعروفَ من دون عرضه ... يَفِرْهُ وَمن لَا يتقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ
وَقَول النَّابِغَة:
ولَسْتَ بمستبقٍ أَخا لَا تلمُّهُ ... عَلَى شعثٍ أيُّ الرجالِ المهذَّبُ
стр. 390
وَقَول عَدِيّ بْن زَيْد:
عَنِ الْمَرْء لَا تسْأَل وَأبْصر قرينه ... إِن القرين بالمقارن يَقْتَدِي
وَقَول طرفَة:
سَتُبْدي لَك الأَيَّامُ مَا كُنْت جَاهِلا ... ويأتيك بالأخبار من لَمْ تُزَوِّدِ
وَقَول عُبَيْد بْن الأبْرَص:
وكلُّ ذِي غيبةٍ يَؤُوبُ ... وغائبُ الموتِ لَا يَؤُوبُ
وَقَول لَبِيد:
إِذَا المرءُ أسْرَى لَيْلَة ظنَّ أنَّهُ ... قضى أملا والمرءُ مَا عَاشَ عَاملُ
وَقَول الْأَعْشَى:
وَمن يَغْتربْ عَنْ قومه لَا يزل يرى ... مصَارِع مظلومٍ مجرًا ومَسْحَبَا
وَقَول الْحُطَيْئة:
من يفعل الْخَيْر لَا يَعْدِمْ جَوَازِيَهُ ... لَا يذهبُ الْعُرْفُ بَيْنَ اللَّه والنَّاسِ
وَقَول الْحَارِث بْن عَمْرو:
فَمنْ يَلْقَ خيرا يُحْمِد النّاس أمره ... وَمن يَغْوَ لَا يَعْدم عَلَى الغيِّ لائِمَا
وَقَول الشماخ:
وكلُّ خليلٍ غيرِ هَاضِمِ نَفسِهِ ... لوصْلِ خليلٍ، صارمٌ أَوْ مُعَارِزُ
فَقَالَ عَبْد الْملك: حَجَجْتُكَ يَا شَعْبِي بقول طُفَيْل الغَنَوي:
وَلا أُخَالِسُ جَاري فِي حليلته ... وَلا ابنَ عَمِّيَ غَالَتْنِي إِذا غُولُ
حَتَّى يُقالَ إِذا دُلِّيتُ فِي جدثٍ ... أيْن ابنُ عوفٍ أَبُو قَرَّانَ مَجْعُولُ
قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: بَيْتا طُفَيل اللَّذَان أنشدهما عَبْد الْملك وفَضَّلهما وزَعمَ أَنَّهُ حج الشَّعْبِيّ من أشعار الشُّعَرَاء غَيْر مقصِّر عَنْهُمَا، وَمن تَأمل مَا وَصفنَا وجَدّه عَلَى مَا ذكرنَا، من غَيْر أَن يحْتَاج إِلَى تكلّف تَفْسِير ذَلِكَ، وإطناب فِي الِاحْتِجَاج لَهُ، فَأَما بَيت الشماخ فَإِن معنى قَوْله: غَيْر هاضم نَفسه، أَيّ حَامِل عَلَيْهَا لخليله والهَضْم: النَّقْص، يُقَالُ: هضم فلانٌ فلَانا حَقه أَيّ نَقصه، قَالَ اللَّه ﷻ : " وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مؤمنٌ فَلا يخَاف ظلما وَلَا هضماً " وَأما قَوْله: أَوْ مُعَارِز، فالْمُعارز المتقبِّض، يُقَالُ: استعْرَزَ عليَّ فُلان إِذا انقبض، وألقيت الْبُضْعة عَلَى النَّار فَعَرزَتْ، وَكَأن الشماخ سلك سَبِيل النَّابِغَة فِي بَيته الَّذِي أنْشدهُ الشَّعْبِيّ فِي هَذَا الْخَبَر، وأصل الْغَرَض فِي هَذِهِ الْجُمْلَة، عَلَى مَا بَيْنَ الْبَيْتَيْنِ مِمَّا لأَحَدهمَا من الشَّفِّ من تَنْقِيح أَلْفَاظ الشِّعْر، وَفضل اسْتغْنَاء أَجزَاء أحد الْبَيْتَيْنِ عَلَى أَجزَاء الآخر، وَأَنا قائلٌ فِي هَذَا قولا يُبين صِحَّته ويُوضح حَقِيقَته إِن شَاءَ اللَّه، وَأَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق: إِن جملَة الْأَلْفَاظ للبيتين الَّتِي تجمعهما عَلَى معنى وَاحِد، هُوَ أَن الَّذِي
стр. 391
يحفظ الْأُخوة بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ، ويحرس الْخلَّة بَيْنَ الخليلين أَن يَلمّ أَحَدهمَا صَاحبه عَلَى شَعَثِهِ ويَهْضِمَ لَهُ نَفسه، وَمَتى لَمْ يفعل هَذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى ثِقَة من استبقائه وَكَانَ بِعرْض مُصارمته، وانقباضه عَنْهُ ومعارزته، وَبَيت النَّابِغَة فِي هَذَا الْبَاب أفحل وأوفى، وأجزل وأشفى، وَقَدْ كشف عَنِ الْعلَّة فِيمَا أَتَى بِهِ بقوله: أَيّ الرِّجَال المهذّب، فَأحْسن الْعبارَة عَنْ هَذَا الْمَعْنى: " مَنْ تَكُ يَوْمًا بأخيك كُلِّه "، وَقَدْ نَوَّه بَيت النَّابِغَة هَذَا رُواةُ الشّعْر ونَقَلَتِه، ونُقَّاده وجهابذته، واستحسنوا تكافُؤَ أَجْزَائِهِ، واستقلال أَرْكَانه، واشتماله عَلَى فِقَر قَائِمَة بأنفسها، كَافِيَة كُلّ وَاحِدَة مِنْهَا، وَهَذَا من النَّوْع الْمُسْتَفْصح، والفن المستعذب، من أَعلَى طَبَقَات البلاغة، وَقَدْ أَتَى الْقُرْآن مِنْهُ بالكثير الَّذِي يقل مَا أَتَى مِنْهُ فِي الشّعْر إِذا قَيْس إِلَيْهِ، فَتبين للمميزين كثير فضل مَا فِي الْقُرْآن عَلَيْه، فَمنْ ذَلِكَ قولُ اللَّهِ جلّ وعَزّ: " فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كتابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ، اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ، لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ، اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ " وَلنَا فِي هَذَا الْبَاب رِسَالَة أبَنَّا فِيهَا رُجحان مَا فِي الْقُرْآن من هَذَا الْجِنْس عَلَى كثرته، عَلَى مَا أَتَى مِنْهُ فِي الشّعْر عَلَى قلته، فَلم نُطِلْ كتَابنَا هَذَا بإعادته، وَقَدْ ضممنا مَعَه شطرًا صَالحا كتَابنَا الْمُسَمَّى " الْبَيَان الْمُوجَزُ فِي عُلُوم الْقُرْآن المعجز " وَمن نظر فِيهِ أرشف عَلَى مَا يبتهج بدراسته، ويغتبط باستفادته بِتَوْفِيق اللَّه تَعَالَى وهدايته.
ثُمَامَة وَهُوَ سَكرَان ومحاورته لِلْمَأْمُونِ
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ، قَالَ: حَدثنَا القربي، قَالَ: حَدَّثَنِي صَالِح بْن سَعِيد الضبعيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ:
قَالَ الْوَلِيد بْن عَيَّاش بْن زُفر، خرج ثُمَامَة من منزل مُحَمَّد بن نوح العمكري مَعَ الْمغرب وَهُوَ سَكرَان، وَإِذَا هُوَ بالمأمون قَدْ ركب فِي نَفَر، فَلَمَّا رَآهُ ثُمامةُ عدل عَنْ طَرِيقه، وبَصُر بِهِ الْمَأْمُون فَضرب كفَلَ دَابَّته وحاذاه، فَوقف ثُمَامَة فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: ثُمَامَة؟ قَالَ: إِي واللَّه، قَالَ: سَكرَان؟ قَالَ: لَا واللَّه، قَالَ: أفتعْرِفُني؟ قَالَ: إِي واللَّه، قَالَ: من أَنَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي واللَّه، فَضَحِك الْمَأْمُون حَتَّى تثنى عَلَيْهِ عَنْ دَابَّته، ثُمّ قَالَ: عَلَيْك لعائنُ اللَّه، قَالَ: تَتْرى يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين، قَالَ: فَعَاد فِي الضحك، وَأمر لَهُ بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم.
مَتَى حلت لَهُ الْخمر
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَبِي مَزْيَد، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْر، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن الْحُسَيْن، قَالَ: حَدَّثَنِي الضَّحَّاك بْن عُثْمَان، قَالَ: أَتَى عَبْد الْملك بْن مَرْوَان بفتًى من قُرَيْش قَدْ شرب نبيذًا، فَقَالَ: لَهُ أَيْنَ شربت؟ فَقَالَ:
شربتُ مَعَ الجوزاءِ كَأْسًا ريوةً ... وَأُخْرَى مَعَ الشِّعْرى إِذا مَا اسْتَقلَّتِ
مُعَتَّقَةً كَانَتْ قريشٌ تصونُها ... فَلَمَّا استحلُّوا قتلَ عُثْمَان حَلّتِ
стр. 392
قَالَ: فَخَلاه، وَأَعْطَاهُ عشرَة آلَاف دِرْهَم.
فِي أقل من هَذَا مَا يُحفظ لَك
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عُبَيْد، عَنِ الْحِرْمَازِيِّ، قَالَ: أَتَى رجلٌ من الْأَنْصَار عُمَر بْن عُبَيْد اللَّه بْن معمر التَّيْمِيّ بِفَارِس فتعرَّض لَهُ فَلم يُصِبْ مِنْهُ طائلا، فَانْصَرف وَهُوَ يَقُولُ:
رَأَيْت أَبَا حَفْص تَجهَّمَ مَقْدَمِي ... فَلَطَّ بقولٍ عدره أَوْ مُوَاربَا
فَلَا تحسبنّي إِن تجهمتَ مَقْدمي ... أرى ذَاك عارًا أَوْ أرى الْخَيْر ذاهبَا
ومثلي إِذا مَا بَلْدَة لَمْ تُواتهِ ... تنكب عَنْهَا واسترم العَوَاقِبا
قَالَ: فبلغت الأبياتُ عُمَر بْن عُبَيْد اللَّه، فَقَالَ: عَليّ بِالرجلِ فَجَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: يَا عَبْد اللَّه! مَا أخرج هَذَا مِنْك؟ أبيني وَبَيْنك قرَابَة؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَفَلَك عِنْدِي يدٌ أسْدَيْتها، قَالَ: لَا، قَالَ: فَمَا دعَاك إِلَى هَذَا؟ قَالَ: أفضل الْأَشْيَاء، كُنْت أدخلُ مَسْجِد المدينةَ أحْفَلُ مَا يَكُون فأتجاوزُ من الحَلَقِ إِلَى حَلَقَتِك فأجلس فِيهَا وأوُثرك، فَقَالَ: فِي أقل من هَذَا واللَّه مَا يُحفظ لَك، كم أَقمت؟ قَالَ: أَرْبَعِينَ لَيْلَة، فَأمر لَهُ بِأَرْبَعِينَ ألفا وجهزه إِلَى أَهله.
بيتان يلغيان قرارًا للأمير
حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد بْن خالويه النَّحْويّ، قَالَ: حَدَّثَنِي اليزيدي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مُوسَى، عَنْ دَمَاذ، عَنِ الأَصْمَعِيّ، قَالَ: حَرَّم خالِدُ بْن عَبْد اللَّه الْقَسرِي الْغناء فَأَتَاهُ حُنَيْنُ بْن بَلْوَع مَعَ أَصْحَاب الْمَظَالِم ملتحفًا عَلَى عُود، فَقَالَ: أصلح اللَّه الْأَمِير شيخ كَبِير ذُو عِيَال، كَانَتْ لَهُ صناعَة حِلْتَ بَينه وَبَينهَا، قَالَ: وَمَا ذَاك؟ فَأخْرج عُودَه وغَنّى:
أَيهَا الشامت الْمُعير بالشي ... ب أَقِلَنَّ بالشَّبابِ افْتِخَارَا
قَدْ لبستُ الشبابَ قبلك حينا ... فوجدتُ الشَّبَاب ثوبا مُعَارَا
فَبكى خَالِد، وقَالَ: صدق واللَّه، إِن الشَّبَاب لثوبٌ معار، عد إِلَى مَا كنت عَلَيْهِ، وَلَا تجَالس شَابًّا وَلَا معربدا.
قل إِن شَاءَ اللَّه
حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عليّ بْن زَكَرِيّا الْبَصْرِيّ، قَالَ: الْحَسَن بْن عَلِيّ بْن رَاشد، قَالَ: سَمِعْتُ القَاضِي شريك بْن عَبْد اللَّه، يَقُولُ: كنتُ ذَات لَيْلَة أُصَلِّي فِي السَّطْح وَإِلَى جنب سطحي امْرَأَة تُطْلَق وَقَدْ عَسُر عَلَيْهَا ولادها، فَكَادَتْ تَمُوت فَشَغَلَتْ قلبِي، وزوجُها فِي نَاحيَة السَّطْح يسمع صراخها، فسمعتُه يَقُولُ: واللَّه يَا هَذِهِ لِئن خَلَّصكِ اللَّه تَعَالَى لَا أَعُود أُضَاجِعُك أبدا، فَقَالَت لَهُ مسرعة: قُل إِن شَاءَ اللَّه يَا مَشُوم، فأضحكني قَوْلهَا، وَمَا ذكرتها وَأَنا فِي الصَّلاة إِلا وضحكتُ من قَوْلهَا.
стр. 393
مَعْلُومَات أَبِي حنيفَة فِي التَّارِيخ
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن زِيَاد الْمُقْرِي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن خُزَيْمة بنَيْسابور، عَنِ الْمُزَني، عَنِ الشّافعيّ، قَالَ: مضى أَبُو يُوسُف القَاضِي ليسمع الْمَغَازِي من أَبِي إِسْحَاق أَوْ من غَيره فأخَلَّ مجْلِس أَبِي حنيفَة أَيَّامًا فَلَمَّا أَتَاهُ، قَالَ لَهُ أَبُو حنيفَة: يَا أَبَا يُوسُف من كَانَ صَاحب راية طالوت؟ قَالَ لَهُ أَبُو يُوسُف: إِنَّك إِمَام وَإِن لَمْ تُمْسِكْ عَنْ هَذَا سَأَلتك واللَّه عَلَى رُؤُوس الْمَلأ أَيّمَا كَانَتْ أولى بَدْرًا أَوْ أُحدًا، فَإنَّك لَا تَدْرِي أَيُّهُمَا كَانَ قبل، فَأمْسك عَنْهُ.
بعض مَا رثى بِهِ البرامكة
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مَزْيَد، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَير بْن بَكَّار، قَالَ: حَدَّثَنِي عمي مُصْعَب بْن عَبْد اللَّه، قَالَ: لما قُتِل جَعْفَر بْن يَحْيَى وصُلِبَ بِبَاب الْحَسَن رأسُه فِي نَاحيَة وَجَسَده فِي نَاحيَة، مرت بِهِ امْرَأَة عَلَى حمارٍ فارهٍ فوقفت عَلَيْه، ثُمّ نظرت إِلَى الرَّأْس، فَقَالَت بِلِسَان فصيح: واللَّه لَئِن صرتَ الْيَوْم آيَة لقَدْ كُنْت فِي المكارم غَايَة، ثُمّ أنشأت تَقُولُ:
بكيتُ عَلَى يَحْيَى وأيقنتُ أَنما ... قُصَارَى الفَتَى يَومًا مُفَارَقَةُ الدُّنْيَا
وَلما رَأَيْتُ السَّيف خَالَطَ جعفرًا ... ونادى مُنَادِي للخليفةِ فِي يَحْيَى
وَمَا هِيَ إِلا دولةٌ بعد دولةٍ ... تُخوِّلُ ذَا نُعْمى وتعقُبُ ذَا بَلْوَى
إِذا أنزلتْ هَذَا منازلَ رِفْعةً ... من الْملك حَطّت ذَا إِلَى غَايَة سُفْلَى
ثُمّ حركتِ الحمارَ فكَأَنَّها كانتْ رِيحًا لَمْ تُعرف.
قَالَ القَاضِي أَبُو الفَرَج: قَدْ رَوَى لنا فِيمَا رُثي بِهِ البرمكيُّ بعض من وقف عَلَى خشبته غَيْر حِكَايَة، وَسَتَأْتِي بعد إِن شَاءَ اللَّه.
أضمر الْملك لنا شرا
حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن كَامِل، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن مُوسَى بْن حَمَّاد القَيْسيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَبِي السرى، قَالَ هِشَام بْن مُحَمَّد بْن السّائب الْكَلْبِيّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خرج كسْرَى فِي بعض أَيَّامه للصَّيْد وَمَعَهُ أَصْحَابه، فَعَن لَهُ صيدٌ فَتَبِعَهُ حَتَّى انْقَطع عَنْ أَصْحَابه وأظلته سَحَابَة فأمطرت مَطَرا حَال بَين أَصْحَابه وَبَين اللحوق بِهِ فَمضى لَا يدْرِي أَيْنَ يقْصد، فرُفع لَهُ كوخٌ فقصده فَإِذا عجوزٌ بِبَاب الكوخ وَأدْخل فرسه وَأَقْبل اللَّيْل فَإِذا ابنةُ الْعَجُوز قَدْ جَاءَت مَعهَا بقرة قَدْ رعتها بِالنَّهَارِ، فأدخلتها الكوخ وكسرى ينظر، فَقَامَتْ الْعَجُوز إِلَى الْبَقَرَة وَمَعَهَا آنِية فاحتلبت الْبَقَرَة لَبَنًا صَالحا وكسرى ينظر، قَالَ: فَقَالَ فِي نَفسه: يَنْبَغِي أَن يَجْعَل عَلَى كُلِّ بقرة إتاوة، فَهَذَا حلابٌ كثيرٌ وَأقَام بمكانه، فَلَمَّا مضى أَكثر اللَّيْل، قَالَت الْعَجُوز: يَا فُلَانَة! قومِي إِلَى فُلَانَة فاحتلبيها، فَقَامَتْ إِلَى الْبَقَرَة فَوَجَدتهَا حَائِلا لَا لبن فِيهَا، فنادت أُمَّها: يَا أُمَّتاه قَدْ واللَّه أضمر لنا المَلِكُ شَرًّا، قَالَتْ: وَمَا ذَاك؟ قَالَتْ: هَذِهِ فُلَانَة حائلٌ مَا تُبِسُّ بقَطْرة، قَالَ: فَقَالَت لَهَا أمهَا: امكُثي عيها قَلِيلا، قَالَ: فَقَالَ
стр. 394
كسْرَى فِي نَفسه: من أَيْنَ عَلِمَتْ مَا أضْمرتُ فِي نَفسِي؟ أما إِنِّي لَا أفعل ذَلِكَ، قَالَ: فَمَكثت ثُمّ نادتها، يَا بُنّية! قُومي إِلَى فُلَانَة، قَالَ: فَقَامَتْ إِلَيْهَا فَوَجَدتهَا جَافلا، فنادت أُمَّها: يَا أُمَّتاه! قَدْ واللَّه ذهب مَا كَانَ فِي نفس الْملك من الشَّرِّ هَذِهِ فُلَانَة جافل فاحتلبتُها، وَأَقْبل الصُّبْح وتتبَّع الرِّجَال إِثْر كِسْرى حَتَّى أَتَوْهُ، فَركب وَأمر بِحمْل الْعَجُوز وابنتها إِلَيْهِ فحملتا، فَأحْسن إِلَيْهِمَا، وقَالَ: كَيفَ علمت أَن الْملك قَدْ أضمر شَرًّا، وَأَن الشَّرّ الَّذِي أضمره قَدْ عَدَل عَنْهُ، قَالَت الْعَجُوز: أَنَا بِهَذَا الْمَكَان من كَذَا وَكَذَا مَا عُمل فِينَا بعدلٍ إِلا خَصْبَ بلدُنا واتسع عيشُنا، وَمَا عمل فِينَا بجورٍ إِلا ضَاقَ عيشُنا وانقطعت موادُّ النَّفْع عنّا.
قَالَ القَاضِي: قَول الْمَرْأَة فِي هَذَا الْخَبَر فُلَانَة يَعْنِي الْبَقَرَة، قَالَ كثير من أَهْل اللُّغَة: إِنَّمَا يُقَالُ فُلَانَة فِي الْمَرْأَة، فَأَما مَا عَداهَا من الْبَهَائِم وَغَيرهَا فَوجْهُ الْكَلَام أَن يُقَالُ: الفلانة، وَالْوَجْه الآخر عِنْدِي غير مستنكرٍ، إِذْ قَدْ كَانُوا يخصُّون كلَّ واحدٍ مِنْهُ التلقيب والتَّسْمية.
المجلِسُ الرَّابِع وَالْخَمْسُونَ
من أدب المؤاكلة
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ الصَّيْدَانِيَّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَرَّاقُ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى الْعَبْسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا وُضِعَتِ الْمَائِدَةُ فَلْيَأْكُلْ أَحَدُكُمْ مِمَّا يَلِيهِ، وَلا يَتَنَاوَلُ مِمَّا يَلِي جَلِيسَهُ، وَلا يَأْكُلُ مِنْ ذِرْوَةِ الْقَصْعَةِ فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَأْتِيهَا مِنْ أَعْلاهَا، وَلا يَرْفَعِ الرَّجُلُ يَدَهُ حَتَّى يَفْرُغَ الْقَوْمُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُخْجِلُ جَلِيسَهُ فَيَمْتَنِعُ مِنَ الطَّعَامِ، وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ حَاجَة ".
تَعْلِيق للمؤلف
قَالَ القَاضِي: وَفِي هَذَا الْخَبَر من أدب الطَّعَام وَحسن الْأكل والمؤاكلة، مَا يحِق عَلَى كُلّ ذِي لُبٍّ وحِجًى الْأَخْذ بِهِ، وَالله تَعَالَى يجازي نَبينَا مُحَمَّد ﷺ عَلَى تَعْلِيمه إيانا أَوْلَى الْأُمُور فِي دِيننا ودُنيانا، أفضلَ مَا جَزَى نَبيا عَنْ أمته.
سَوف يبْحَث عَنْهُ سنة كَامِلَة
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَن بْن الخَضِر، قَالَ: أَبُو بَكْر - أَظن عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:
كتب الْحَسَن بْن سهل إِلَى مُحَمَّد بْن سَمَّاعَة القَاضِي: أما بعد فَإِنِّي قَد احْتجتُ فِي أموري إِلَى رجلٍ جامعٍ لخصال الْخَيْر، ذِي عفةٍ ونزاهةٍ طُعمة، قَدْ هذبته الْآدَاب، وأحكمتْه التجارب، لَيْسَ بظنين فِي رَأْيه، وَلا بمطعون فِي حَسبه، إِن أُؤْتمِن عَلَى الْأَسْرَار قَامَ بهَا، وَإِن قُلِّد مُهِمًّا من الْأُمُور أدّى قبولَهُ، لَهُ سِنٌّ مَعَ أدبٍ ولسانٍ، تُقْعده الرَّزانة، ويسكته الْحلم، قَدْ فُرَّ عَنْ ذكاء وفطنة، وعض عَن قارحةٍ من الْكَمَال، تكفيه اللحظة، وتُرشده السَّكْتة، قَدْ أبْصر خدمَة الْمُلُوك وأحكمها، وَقَامَ بأمورهم فحذقها، لَهُ
стр. 395
أَنَاة الوزراء، وصولة الْأُمَرَاء، وتواضع الْعلمَاء، وَفهم الْفُقَهَاء، وَجَوَاب الْحُكَمَاء، لَا يبيعُ نصيب يَوْمه بحرمان غده، يكَاد يسترق قلوبَ الرِّجَال بحلاوة لِسَانه، وَحسن لَفظه، دَلَائِل الْفَضْل عَلَيْه لائحة، وأمارات الْعلم لَهُ شاهدة، مُضطلع بِمَا استُنْهض، مُسْتَقِلا بِمَا حُمّل، وَقَدْ آثرتُك بِطَلَبِهِ وحبوتك بارتياده، ثِقَة بِفضل اختيارك، وَمَعْرِفَة بِحسن تَأَتِّيك، فَكتب إِلَيْهِ: إِنِّي عازم عَلَى أَن أَرغب إِلَى اللَّه حَوْلا كَامِلا فِي ارتياد هَذِهِ الصّفة، وأفرِّق الرُّسُلَ الثقاتِ إِلَى الْآفَاق لالتماسه، وَأَرْجُو أَن يَمُنَّ اللَّه تَعَالَى بالإجابة، وأفوز لديك بِقَضَاء حَاجَتك إِن شَاءَ اللَّه.
قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: قَوْله: فِي هَذَا الْخَبَر: ونزاهة طِعمة بِكَسْر الطَّاء الطاعم وَهُوَ هَيْئَة عَلَى فِعلة للتَّطعم مثل الرِّكبة والْجِلسة، والطُّعمةُ بِالضَّمِّ الشيءُ المطعوم وَمَا جُعل للْإنْسَان من ضد الطعمة، قَالَ الشَّاعِر:
وَمَا أَن طبنا جبنٌولكنمنايانا وطُعْمَةُ آخرينا
ويُقَالُ: قَدْ جُعِلتْ هَذِهِ الأَرْض لفُلَان طُعمة أَيّ جعلهَا لطُعْمه، والطَّعْمة بِالْفَتْح الْمرة فِي الْقيَاس من طَعِمْتُ طَعْمَةً وَاحِدَة مثل الرَّكبة والجَلْسَة.
لَا آمن أَن يَكُون مَعَه حَدِيدَة
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أَبِي سَعْد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زَكَرِيّا يَحْيَى بْن الْحَسَن بْن عَبْد الْخَالِق، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْقَاسِم.
قَالَ: دخل الرَّبِيع عَلَى الْمهْدي وأَبُو عُبَيْد اللَّه جالسٌ يَعْرض كُتُبًا، فَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْد اللَّه: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين يتَنَحَّى هَذَا، يَعْنِي الرَّبِيع، فَقَالَ لَهُ الْمهْدي: تَنَح، قَالَ: لَا أفعل، قَالَ: كَأَنَّك تراني بِالْعينِ الأولى، قَالَ: بل أَرَاك بِالْعينِ الَّتِي أَنْت بهَا، قَالَ: فَلم لَا تتنحى إِذْ أَمرتك؟ قَالَ: لَا آمن أَن يَكُون مَعَه حَدِيدَة ينالُك بهَا وَأَنت سعرة الْمُسْلِمِين وَقَدْ قَتَلْتَ ابْنه، فَقَامَ الْمهْدي مذعُورًا وَأمر بتفتيشه، فوجدوا بَيْنَ جَوْربه وخُفِّه سِكِّينًا، فَرُدَّت الأشياءُ إِلَى الرَّبِيع، فَجعل كَاتبه يَعْقُوب بْن دَاوُد مَكَانَهُ، فَقَالَ فِيهِ الشَّاعِر:
أدخلته فعلا عَليّ ... ك كَذَاك شُؤْمُ النَّاصِيَهْ
يَعْقُوبُ يحكمُ فِي الأمو ... ر وَأَنت تنظرُ ناحيَهْ
مُحَمَّد البيدق ينْتَقم من النَّمرِيّ
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مزِيد البوشنجي، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَير، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد البيدَق - وَكَانَ أحسن الشُّعَرَاء إنشادًا كَانَ إنشاده أحسن من الْغناء - قَالَ: دَعَاني هَارُون الرشيد فِي عشي يوْم وبَيْنَ يَدَيْهِ طبقٌ وَهُوَ يَأْكُل مِمَّا فِيهِ وَمَعَهُ الْفَضْل بْن الرَّبِيع، فَقَالَ لي الْفَضْل: يَا مُحَمَّد! أنْشد أَمِير الْمُؤْمِنِين مَا يُسْتَحْسَنُ من مديحه، فَأَنْشَدته للنمري، فَلَمَّا بلغت إِلَى هَذَا الْموضع.
أَي امرىءٍ بَات من هَارُون فِي سخطٍ ... فَلَيْس بالصَّلَواتِ الخَمْس ينتفعُ
стр. 396
إِن المكارمَ وَالْمَعْرُوف أوديةٌ ... أحَلَّكَ اللَّه مِنْهَا حَيْثُ تَجْتَمِع
إِذا رفعْت امْرأً فاللَّهُ رافِعُه ... وَمن وضَعْتَ من الأقوام مُتَّضِعُ
نَفسِي فداؤك والأبطال معلمةٌ ... يوْم الوغي والمنايا بَينهم قُرَعُ
قَالَ: فَأمر بِرَفْع الطَّعَام، وقَالَ: هَذَا واللَّه أطيب من كل الطَّعَام وَمن كُلّ شَيْء، وَأَجَازَ النَّمرِيّ بجائزة سنية، قَالَ مُحَمَّد البيدق: فأتيتُ النَّمرِيّ فعرفتُه أنِّي كنتُ سببَ الْجَائِزَة فَلم يُعْطِنِي شَيْئا، وشخص إِلَى رَأس عين فأحفظني وأغاظني، ثُمّ دَعَاني الرشيد يَوْمًا آخر، فَقَالَ: أنْشِدْني يَا مُحَمَّد، فَأَنْشَدته:
شاءٌ من الناسِ راتعٌ هامِلْ ... يُعَلِّلُون النفوسِ بالبَاطِلْ
فَلَمَّا بلغتُ إِلَى قَوْله:
إِلا مَساعِيرُ يَغْضَبُون لَهَا ... بِسَلَّةِ الْبِيضِ والقَنَا الذَّابِلْ
قَالَ: أرَاهُ يُحرِّض عليَّ، ابْعَثُوا إِلَيْهِ من يجيئني بِرَأْسِهِ، فَتكلم الْفَضْل بْن الرَّبِيع فَلم يُغْنِ كَلَامه شَيْئا، فَوجه الرَّسُول إِلَيْهِ فوافاه فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَقَدْ دُفن، فَأَرَادَ نبشه وصَلْبه فكُلِّم فِي ذَلِكَ فَأمْسك عَنْهُ.
قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: النَّمرِيّ مَنْسُوب إِلَى النَّمِرِ بْن قاسط وَالْمِيم من النمر مَكْسُورَة إِلَّا أَنَّهَا فتحت فِي الغضافة استثقالاً للكسرتين واليائين، وَقَدْ أَتَى ذَلِكَ عَنِ الْعَرَب مستفيضًا مطردًا فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، قَالُوا: النمري والشقري فِي النّسَب إِلَى شقرة بن تَمِيم، والسلمي فِي النّسَب إِلَى بني سَلَمَة من الْأَنْصَار، وَقد يَأْتِي النّسَب كثيرا على غير الْقيَاس، وَقد قَالُوا الدُّهَرِيِّ فِي النّسَب إِلَى الدَّهْر إِذا وصفوا الرَّجُل بطول الْعُمر، وَهُوَ كثير جدا وعِلله وشواهده مَذْكُورَة فِي موَاضعهَا.
من الْمُفَاخَرَة بَيْنَ المدن
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَد، حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ بْن بَحر بْن كثير السَّقَّا، مَوْلَى باهلة أَبُو حَفْص، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُبَاد المهلبي، عَنْ أَبِي بَكْر الْهُذلي، قَالَ: كتب بِبَاب أَبِي الْعَبَّاس حِين وُلّي الْخلَافَة فَخرج آذِنُه فَأدْخل من كَانَ بِالْبَابِ من أَهْل الْكُوفَة، فَدخل عَلَيْه مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي ليلى، والحَجَّاج بن أَرْطَأَة، وَالْحسن ابْن زِيَاد، وَأدْخل من كَانَ من أهل الْبَصْرَة، فَقَالَ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي ليلى: نَحْنُ أكثرُ من أَهْل الْبَصْرَة خَراجًا وأوسعُ مِنْهُم أَنهَارًا، فَقَالَ لي: مَا تَقُولُ يَا أَبَا بَكْر؟ قَالَ: قُلْتُ: مَعَاذ اللَّه من ذَلِكَ يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين، وَكَيف يكونُونَ كَذَلِك وَلنَا كِرْمان ومُكْرَان وَفَارِس والأهواز والسِّنْد والهند والقَرْصُ والْقُرْص، افتتحناها بالبيض القواضب، حَتَّى ربطنا أعنه الْخَيل بأُصول القنا بِأَرْض الْفُلفل، قَالَ: فَقَالَ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن: نَحْنُ أَكثر مِنْكُم علما وفقهًا، قَالَ: فَمَا تَقُولُ يَا أَبَا بَكْر؟ قَالَ: قُلْتُ: بل هُمْ
стр. 397
أعظم كبرياء وَأَقل أتقياءً وَأكْثر أَنْبيَاء كَانَ مِنْهُم الْمُغِيرَة الْخَبيث السريرة، وَبَيَان وأَبُو بَيَان، واللَّه يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين، مَا رَأَيْتُ شَيْئا قطّ أَكثر بدنًا مصلوبًا وَلا رَأْسا مَنْصُوبًا من أهل الْكُوفَة، وَمَا لنا إِلا نَبِيّ وَاحِد ﷺ ، قَالَ: فَتَبَسَّمَ أَبُو الْعَبَّاس، فَقَالَ الْحَسَن بْن زِيَاد: أتشتم أَصْحَاب عَليّ؟ وَقَدْ سِرتُم إِلَيْهِ لتقتلوه، فَإِن قُلْتُ: نَحْنُ واللَّه أَصْحَاب عَليّ سرنا إِلَيْهِ لنقتله فَكف اللَّه تَعَالَى شوكتنا وَسِلَاحنَا عَنْهُ حَتَّى أَخْرَجَهُ من بَيْنَ أظهرنَا، فَقتله أَهْل الْكُوفَة من بَيْنَ أظْهركُم فأينا أعظم ذَنبا، فَقَالَ الحَجَّاج بْن أرْطَاة: بَلغنِي أَن أَهْل الْبَصْرَة كَانُوا يومئذٍ ثَلَاثِينَ ألفا وَأهل الْكُوفَة تِسْعَة آلَاف فَلَمَّا التقتْ حَلَقَنا الْبِطان، وتناهد النَّهدان، وَأخذت الرِّجَال أقرانها، مَا كَانُوا إِلا كرمادٍ اشْتدَّتْ بِهِ الريحُ فِي يوْم عاصف، قَالَ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا بَكْر؟ قُلْتُ: مَعَاذ اللَّه تَعَالَى من ذَلِكَ يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين، وَمن أَيْنَ كُنَّا ثَلَاثِينَ ألفا وَقَدْ خرجت رَبِيعَة تعين علينا، وَخرج الأحنفُ بْن قيسٍ فِي سعدٍ والرَّباب وهم الشَّام الْأَعْظَم وَالْجُمْهُور الْأَكْبَر، وَلَكِنْ سَلْهُم كم كَانَ عددُنا يوْم اسْتَغَاثُوا بِنَا؟ فَلَمَّا الْتفت حلقتا الْبِطان، وتناهد النَّهدان، وَأخذت الرِّجَال أقرانها، شدخ مِنْهُم فِي صعيدٍ وَاحِد تِسْعَة آلَاف وذُبحوا ذَبْح الْحُمْلان، قَالَ: فَقَالَ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي ليلى: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين نَحْنُ أَكثر مِنْهُم أشرافًا، وَأكْرم مِنْهُم أسلافًا، قَالَ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا بَكْر؟ قُلْتُ: مَعَاذ اللَّه يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين، هَلْ كَانَ فِي تَمِيم الْكُوفَة مثل الْأَحْنَف بْن قَيْس الَّذِي يَقُولُ فِيهِ الشَّاعِر:
إِذا الأبصارُ أَبْصرت ابنَ قيسٍ ... ظَلَلْنَ مهابة مِنْهُ خُشُوعَا
وَهل كَانَ فِي قَيْس عَيْلان الْكُوفَة مثل قُتَيْبَة بْن مُسْلِم الَّذِي يَقُول فِيهِ الشَّاعِر:
كُلّ يومٍ يَحْوِي قُتَيْبَة نَهْبًا ... ويزيدُ الْأَمْوَال مَالا جَدِيدا
بَاهِليُّ قَدْ عَصَبَ التَّاج حَتَّى ... شَاب مِنْهُ مفارقٌ كن سَواد
ويُروَى: كُلّ يوْم يُجْرِي قُتَيْبَة نهبًا، وَهل كَانَ فِي بَكْر بن وَائِل الْكُوفَة مثل مَالك بْن مِسْمع الَّذِي يَقُولُ لَهُ الشَّاعِر
إِذا مَا خَشِينَا من أميرٍ ظُلامةً ... دَعَوْنا أَبَا الْأَيْتَام يَوْمًا فعَسْكرا
وَهل كَانَ فِي أزْد الْكُوفَة مثل الْمُهَلّب بْن أَبِي صُفْرة الَّذِي يَقُولُ لَهُ الشَّاعِر:
إِذا كَانَ الْمُهَلَّبُ من ورائي ... هدا لَيْلِي وَقَرَّ لَهُ فؤادِي
وَلَم أخشَ الدَّنِيَّة من أناسٍ ... وَلَو صَالُوا بقوةِ قومِ عادِ
وَهل كَانَ فِي عَبْد قَيْس الْكُوفَة مثل الْحَكَم بْن الْمُنْذر بْن الْجَارُود، الَّذِي يَقُولُ لَهُ الشَّاعِر:
يَا حَكَمَ بنَ الْمُنْذِرِ بْن الجارودُ ... أَنْت الجوادُ ابنُ الْجواد المحمودْ
سُرَادِقُ المجدِ عَلَيْك مَمْدُودْ
حكم نذر الْكِتَابِيّ إِذا أسلم
قَالَ: فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس مَا رَأَيْتُ مثل هَذِهِ الْغَلَبَة.
стр. 398
قَالَ: وقَالَ أَبُو حَفْصٍ: حَدَّثَنِي عَوْنُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ الرَّاسِبِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْر الْهُذلي، قَالَ: سَأَلْنَا أَبُو الْعَبَّاسِ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ عَنْ يهوديةٍ مَرِضَتْ فَنَذَرَتْ فِي مَرَضِهَا إِنِ اللَّهُ سَلَّمَهَا لتسرحن فِي كنيسةٍ مِنْ كَنَائِسِ الْيَهُودِ، وَلَتُطْعِمَنَّ مَسَاكِينَ مِنْ مَسَاكِينِهِمْ، فَقَامَتْ مِنْ مَرَضِهَا وَقَدْ أَسْلَمَتْ، قَالَ: فَسَكَتَ الْقَوْمُ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ سَأَلْتُ عَنْهَا الْحَسَنَ بْنَ أَبِي الْحَسَنِ، فَقَالَ: تُسْرِجُ فِي مَسْجِدِ مِنْ مَسَاجِدِ الْمُسْلِمِينَ وَتُطْعِمُ مَسَاكِينَ مِنْ مَسَاكِينِهِمْ، وَسَأَلْتُ قَتَادَةَ وَهُوَ إِلَى جَانِبِهِ، فَقَالَ لِي: مِثْلَ مَقَالَةِ الْحَسَنِ، فَلَقِيتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لِي: لَيْسَ عَلَيْهَا شَيْءٌ، هَدَمَ الإِسْلامُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، فَلَقِيتُ الشَّعْبِيَّ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ، فَقَالَ لِي: فَأَيْنَ أَنْتَ عَنِ الأَصَمِّ ابْنِ سِيرِينَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لِي: لَيْسَ عَلَيْهَا شَيْءٌ هَدَمَ الإِسْلامُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، فَقَالَ: أَصَابَ الأَصَمُّ وَأَخْطَأَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ، وَقَالَ: يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، قَالَ: كُنْتُ أَتَغَدَّى مَعَ الْمُتَوَكِّلِ فَسَأَلْتُ عَنْ نَصْرَانِيٍّ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَنَذَرَ نَذْرًا ثمَّ أسلم، هِيَ يَجِبُ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ لَهُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا أَتَيْتُكَ حَتَّى حَلَفْتَ بِعَدَدِ أُولاءِ، وَجَمَعَ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدِهِ، عَلَى أَنْ لَا آتِيكَ وَلا آتِيَ دِينَكَ، فَقَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِسْلامَهُ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِكَفَّارَةِ يَمِينِهِ.
قَالَ القَاضِي أَبُو الفر: قَد اخْتلف أهل الْعلم فِي الْكَافِر يُنذرُ نذرا فِي هَذِهِ أَو يخلف يَمِينا ثُمّ يسلم، فأسقط عَنْهُ الكفارةَ والإتيانَ بِمَا نَذَره كثيرٌ من فُقهاءِ الحجازِ وَالْعراق، وَأوجب ذَلِكَ عَلَيْه عددٌ مِنْهُم، واحتجُّوا بِأَن الإِسْلام يَجُبُّ مَا قبله، وَأَن الْكَافِر فِي كفره لَا تصحُّ مِنْهُ قُربة إِلَى ربه قبل إِسْلَامه، وَأَن الْأَسْبَاب الَّتِي تُؤدِّي إِلَى وجوب أَسبَاب الطَّاعَات تجْرِي مجْرى مَوَاقِيت الْفُروض والنوافل فِي خُصُوصِيَّة الْمُسْلِمِين بهَا، ومفارقة أَهْل الْكفْر لَهُم فِيهَا، واعتل فِي ذَلِكَ بَعضهم بقول اللَّه : " قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قد سلف " وَاحْتج مخالفوهم بِأَن الْعِبَادَات الَّتِي أَتَتْ شريعةُ الإِسْلام بهَا لَازِمَة لكل ذِي مرةٍ سَوِيٍّ فِعلها وَالرُّجُوع إِلَيْهَا وَالْأَخْذ بهَا، وَمَا أسقط اللَّه عَنْهُمْ بعد الإِسْلام أداءه وقصاءه سقط دون غَيره مِمَّا لَمْ يَنْصِبْ دلَالَة عَلَى إسْقاطه، إِذْ الْوَاجِب إِقْرَاره عَلَى أَصله، وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَن عُمَر بْن الخَطَّاب، قَالَ: نذرت أَن أعتكف لَيْلَة فِي الْجَاهِلِيَّة، فَلَمَّا أسلمتُ سألتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: " أوفِ بِنَذْرِك "، ورأيتُ شَيخنَا أَبَا جَعْفَر ذكر فِي الْكَافِر يحلفُ فِي حَال كُفرة ثُمّ يَحْنَث فِيهَا بعد إِسْلَامه أَنَّهُ لَا كَفَّارَة عَلَيْه، واعْتَلَّ بِأَن الْكَافِر يحلف بإلاهه الَّذِي يعبُده، وَمن مذْهبه أَنَّهُ من حلف بِغَيْر اللَّه تَعَالَى ثُمّ حنث فَلَا كَفَّارَة عَلَيْه، فَكَأَنَّهُ أسقط الْكَفَّارَة عَمَّن حلف بِغَيْر اللَّه من الْكفَّار، وقَالَ فِي حَدِيث عمر، لما رَوَاهُ. أَنَّهُ يدلُّ عَلَى وجوب النَّذْر فِيمَا وَرَدَ خبرُ عُمَر فِيهِ، وَقَدْ شرحتُ مذْهبه فِي هَذَا وأتيت بِمَا حضرني فِيهِ فِيمَا صنفتُه من كتب الْفِقْه، وكرهتُ الإطالة فِي هَذَا الْموضع
стр. 399
بإعادته، وأمّا مَا أفتى فِيهِ الْحَسَن وقَتَادَة من الإسراج فِي مَسْجِد من مَسَاجِد الْمُسْلِمِين مَكَان نذر الناذرة فِي كفرها أَن تُسْرِج فِي كَنِيسَة من كنائس الْيَهُود فَإِن إبِْطَال نَذْرها فِي الْكَنِيسَة صَوَاب إِذْ هُوَ مَعْصِيّة، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِي اللَّهَ فَلا يَعْصِهِ "، وَقَالَ: " وَلا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَالْكَفَّارَةُ فِي هَذَا عندنَا غير وَاجِبَةٍ، وَقَدْ ضعف شَيخنَا سَنَد هَذَا الْخَبَر الْآتِي بهَا وَجُمْهُور فُقَهَاء الْكُوفِيّين يوجبونها ويوجبون مَعهَا كَفَّارَة يَمِين، إِذا كَانَ النَّاذِرُ يمينَا والإسراج فِي مَسْجِد من مَسَاجِد الْمُسْلِمِين غَيْر وَاجِب عندنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة إِذْ لَمْ يَكُنْ نَذْرُه وَلا أَتَتْ حجةٌ بِوُجُوبِهِ وَمن أوجبه فَقَوله: مضَارِعُ لمن أوجب عَلَى النَّاذِر أَن ينحرَ وَلَده ذبح شاةٍ من الْغنم أَوْ نَحْر شيءٍ من الْإِبِل، وَأما مَا أفْتيا بِهِ من إطعامِ مساكينَ من الْمُسْلِمِين مَكَان من منذرت إطعامه من مَسَاكِين الْيَهُود فَإِن إطْعَام مَسَاكِين الْيَهُود يجزىء فِي النّذر إِذا جُعِل لَهُم، وَفِيه قربةٌ إِلَى اللَّه جلّ وَعز، وَقَدْ أجَاز كثيرٌ من فُقَهَاء الْمُسْلِمِين صرف صَدَقَة الْفطر وَكَفَّارَة الأَيْمَان وَالْجهَاد إِلَى أَهْل الذِّمَّة، وَمن أجَاز إطْعَام مَسَاكِين الْمُسْلِمِين مَا نَذَرَ إطعامه مَسَاكِين أَهْل الذِّمَّة، فَشاهِدُه من الْقيَاس جوازُ صَلَاة الْقَادِر أَن يُصَلِّي فِي مَسْجِد سَمَّاهُ وعينه إِذا صلّى فِي مسجدٍ غَيره هُوَ مثله أَوْ أفضلُ مِنْهُ، فَأَما إبِْطَال نَذرِ إطْعَام مَسَاكِين أَهْل الذِّمة وَإِيجَاب نَقله إِلَى مَسَاكِين أَهْل الْمُسْلِمِين فَلَا وَجه لَهُ فِي الصِّحَّة، وأمّا فُتْيا الشَّعْبِيّ وَابْن سِيرِينَ فَهِيَ جاريةٌ عَلَى أصل مَذْهَب من قدمنَا حِكَايَة مذْهبه، مِمَّنْ يبطل أصل نذر الْكَافِر فِي أصل كفره، وَأما الْخَبَر الَّذِي رَوَاهُ جَعْفَر بْن عَبْد الْوَاحِد للمتوكل فَلَا حجَّة لَهُ فِيهِ، وَذَلِكَ أَن جد بهزر بْن حَكِيم الْقُشَيْريّ وَهُوَ مُعَاوِيَة بن حيدة للنَّبِي ﷺ أَنَّهُ حلف، وقَالَ لَهُ: حلفتُ وَلَم يذكر الَّذِي حلف بِهِ، وَجَائِز أَن يَكُون حلف بِغَيْر اللَّه تَعَالَى فَلَا كَفَّارة عَلَيْه عندنَا بعد حِنْثه، وَأَيْضًا فَإنَّهُ قَالَ: حلفْتُ، وَمن قَالَ حلفتُ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا وَكَذَا، أَوْ لَا أفعل كَذَا فَلَيْس عَلَيْه عندنَا مَا عَلَى الْقَائِل: أَحْلف بِاللَّه من الْكَفَّارَة إِذا حنث، حَتَّى يَقُولُ: أَحْلف بِاللَّه وَأقسم بِاللَّه أَوْ أولِي بِاللَّه أَوْ أَشْهَدُ بِاللَّه، وَإِن كَانَ من أَهْل الْعلم من يَجْعَل قَول الْقَائِل: أشهد وأحلفُ وأولي وَأقسم يَمِينا، ويسوِّي بَيْنَ هَذَا وبَيْنَ مَا وَصله باسم اللَّه تَعَالَى، فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّه وأحلف بِاللَّه وأُولي بِاللَّه وَأقسم بِاللَّه.
هَلْ يتلازم الْجُود والشجاعة
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ حَدَّثَنَا الْبَرْبَرِي، قَالَ: من كَلَام أَحْمَد بْن أَبِي خَالِد: لَا يُعَدَّنَّ شجاعًا من لَمْ يَكُنْ جَوادًا، فَإِن من لَمْ يقدرْ عَلَى نَفسه بالبذل لَمْ يقدر عَلَى عدوِّه بِالْقَتْلِ.
قَالَ القَاضِي: ذكر عَنْ بعض أَهْل الْعلم أَنَّهُ قَالَ: كَانَ النّاس يَقُولُونَ إِن الشجاع لَا يَكُون بَخِيلًا، وَإِن الشجَاعَة وَالْبخل لَا يَجْتَمِعَانِ، وَذَلِكَ أَن من جاد بِنَفسِهِ كَانَ بِمَالِه أَجود، حَتَّى
стр. 400
نَشأ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَير فَكَانَ من الشجَاعَة بِحَيْثُ لَا يدانيه كبيرُ أحد، وَكَانَ من الْبُخْل عَلَى مثل هَذَا الْحَد، وَنَحْو قَول من استنكر اجْتِمَاع الشجَاعَة وَالْبخل، قَول الشَّاعِر:
يَجَودُ بالنَّفْس إذْ ضَنَّ الجوادُ بهَا ... والجودُ بالنَّفْسِ أقْصَى غَايَة الْجُودِ
خَليفَة يَأْمر ابْنه بِكِتَابَة بَيْتَيْنِ
حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر الْعُقَيْليّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَر بْن عَبْد اللَّه الإِخباري، قَالَ: سَمِعْتُ الْمُهْتَدِي يَقُولُ: كُنْت أَمْشِي خلف أَبيّ الواثق عَلَى ميدان من الْبُسْتَان فِي الهارُونِي فَالْتَفت إليّ، فَقَالَ: اكْتُبْ هذَيْن الْبَيْتَيْنِ واحفظهما:
تَنَح عَنِ الْقَبِيح وَلا تُرِدْهُ ... وَمن أوليتَهُ حَسَنًا فَزِدْهُ
ستلقى من عدوِّك كُلّ كيدٍ ... إِذا كادَ العدوُّ وَلَم تَكدْهُ
لَا يفرح إِلا بِمَا تَحت يَده
حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن الْجراح، قَالَ: الْعَبَّاس بْن مُحَمَّد الْهَاشِمِي مَوْلَى لَهُم، قَالَ: عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي البَخْتَرِيّ الدَّلال الْكُوفِي، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْن آدم يَقُولُ لأبي بَكْر بْن عَيَّاش: يَا أَبَا بَكْر! مَا أصبحتَ تفرحُ بشيءٍ من الدُّنْيَا؟ فَقَالَ: مَا أفرح إِلا بدرهمٍ فِي كميٍّ مَصْرُور، وقدرٍ قَدْ جعلتْها الجاريةُ فِي التَّنُّور.
رب نصح خير من مَال
حَدَّثَنَا أَبُو هَاشِم الْحِمصِي، عَنْ عَبْد الغافر بْن سَلامَة الْحَضْرَمِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حُمَيد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حبوة، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُتْبَة، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سبأ عُتْبَة بْن تَمِيم التّنُوخيّ، عَنْ أَبِي عُمَير الصُّورِي، قَالَ: كلمةٌ لَك فِي أَخِيك خيرٌ لَك من مالٍ يُعْطيك، لِأَن كَلمته تُحيِيك، وَالْمَال يُطغيك.
من نَوَادِر المعلمين
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن أَبِي شَيْبَة، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو يَعْلَى الْمَعْرُوف بالبربري، قَالَ: جَاءَنِي رجلٌ، فَقَالَ أشغلني فِي موضعٍ أؤدب فِيهِ، قُلْتُ: مَا تحسن حَتَّى أطلب لَك عَلَى قدر ذَلِكَ؟ قَالَ: أحْفَظُ الْقُرْآن ولَيْسَ عِنْدِي من الْعَرَبيَّة شيءٌ، فشغَّلْتُه عِنْد رَجُل فأنشده:
من يَذُقِ الحرْبَ يجدْ طَعْمَها ... مُرًّا وتَتركْهُ بِجَعْجَاعِ
فَقَالَ لَهُ: هَذِهِ الْآيَة فِي أَيّ سُورةٍ هِيَ؟ قَالَ: هِيَ فِي: " حم عسق ".
المجلِسُ الخامِس وَالخمسُونْ
من جَوَامِع الْكَلم
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ أَبُو بَكْرٍ النَّاقِدُ، بِسُرَّ مَنْ رأى، سنة ثَلَاث وَعشْرين وثلثمائة، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ يَعْنِي ابْنَ الْهَيْثَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْعَلاءِ الزُّبَيْدِيُّ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا مُطْعَمُ بْنُ الْمِقْدَامِ، عَنْ نُصَيْحٍ الْقَيْسِيِّ،
стр. 401
عَنْ رَكْبٍ الْمِصْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : " طُوبَى لِمَنْ تَوَاضَعَ فِي نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ مَنْقَصَةٍ، وَذَلَّ فِي غَيْرِ مَسْكَنَةٍ، وَأَنْفَقَ مَالا جَمَعَهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، وَرَحِمَ أَهْلَ الذُّلِّ وَالْمَسْكَنَةِ، وَخَالَطَ أَهْلَ الْفِقْهِ وَالْحِكْمَةِ ".
رِوَايَة أُخْرَى للْحَدِيث
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ حَمْدَوَيْهِ الدَّهَّانُ الْمَرْوَزِيُّ، بِالنَّهْرَوَانِ، قَدِمَ لِلْحَجِّ سنة تسع عشرَة وثلثمائة، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَلْمَانَ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثُمَيْلَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، عَنْ أَبَانٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: سَمِعَ النَّبيّ ﷺ قَهْقَهَةً عِنْدَ الْقُبُورِ، فَقَالَ: مَا يُؤْمِنُ هَذَا بِيَوْمِ الْحِسَابِ، ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! كَأَنَّ الْمَوْتَ فِيهَا عَلَى غَيْرِنَا كُتِبَ، وَكَأَنَّ الْحَقَّ فِيهَا عَلَى غَيْرِنَا وَجَبَ، وَكَأَنَّ الَّذِينَ نُشَيِّعُ مِنَ الْمَوْتَى يَعْنِي فِي نفرٍ وَهُمْ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ، وَكَأَنَّا مُخَلَّدُونَ بَعْدَهُمْ، طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ، طُوبَى لِمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ فِي غَيْرِ مَنْقَصَةٍ، وَأَنْفَقَ مَالا جَمَعَهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، وَرَحِمَ أَهْلَ الذُّلِّ وَالْمَسْكَنَةِ، وخالط أهل الْفِقْه وَالْحكمَة، طُوبَى لِمَنْ ذَلَّ فِي نَفْسِهِ، وَطَابَ كَسبه، وصلحت سبريرته، وَحَسُنَتْ عَلانِيَتُهُ، وَاعْتَزَلَ عَنِ النَّاسِ شَرُّهُ، طُوبَى لِمَنْ عَمِلَ بِعِلْمِهِ، وَأَنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ، وَأَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ قَوْلِهِ، وَوَسِعَتْهُ السُّنَّةُ، وَلَمْ يَتَعَدَّهَا إِلَى بِدْعَةٍ.
قَالَ: القَاضِي: لقَدْ أبلغ رسولُ اللَّه ﷺ فِي هَذِهِ الموعظة، وضمَّنها أصولا من الْحِكْمَة، وأرشد فِيهَا إِلَى مَا يكْسب النجَاة والْعِصمة، ويأمنَ العاملُ بِهِ المتقبِّلُ لَهُ العطبَ والهَلَكة.
وَقَدْ رُوي أَن عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود سَمِع رَجُلا ضحك فِي الْمقْبرَة، فَقَالَ لَهُ: لَا أكلِّمك أبدا.
وحُكِيَ لنا عَن بشر بْن الْحَارِث مثلُه، ولَعَمْري إِن الْمقْبرَة لمحلَّةٌ يدعُو حضورُها ذَا اللُّبِّ وسلامة الصَّدْر وَالْقلب، إِلَى الرَّهبة وَالدُّعَاء، والتذكر والبكاء، رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَأْذن ربَّه فِي زِيَارَة قبر أُمّه، فَأذن لَهُ وَأَنه زارها فِي ألف مُقَنَّع، فَلم يُرَ باكٍ وَلا باكية أَكثر من يَوْمئِذٍ.
مجاهدٌ تلفظه الأَرْض
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: حَدَّثَنَا العكلي، قَالَ: أَخْبَرَنِي رجلٌ من أهل الْبَصْرَة، قَالَ: رَأَيْت رَجُلا لَهُ هَيْئَة وسمتٌ وَعَلِيهِ الصُّوف، فَسَأَلته عَنِ اسْمه، فَقَالَ: اسْمِي عليُّ بْن مُحَمَّد فَجَلَست إِلَيْهِ فَحَدَّثته فخبرني أَنَّهُ مضى إِلَى المصِّيصة غازيًا، فَرَأى فِي مَسْجِدهَا شَيخا جميلا هَيِّبًا، وَحَوله قومٌ يسمعُونَ من حَدِيثه، قَالَ: فجلستُ إِلَيْهِ فَسَأَلَنِي عَنْ حالتي، فَقلت: رجلٌ من أَهْل الْعرَاق قدِمتُ أريدُ وجْهَ اللَّه تَعَالَى والدَّار الْآخِرَة، فَقَالَ: رَزَقَك اللَّهُ حَيَاة طيِّبة ومنقلبًا كَرِيمًا، ثُمّ قَالَ لي: إِن لي إِلَيْك حَاجَة لَا تردَّني عَنْهَا، قُلْتُ: نعم، قَالَ: تتحول إليّ وتنزل عَليّ فَمَا كَانَ إِلا سَاعَة، ثُمّ نزلتُ برجلٍ قَدْ وَهْب اللَّه لَهُ قُوَّة
стр. 402
عَلَى الصيِّام وَالْقِيَام وَطلب الْخَيْر، فأقمتُ عِنْده حَتَّى تهَيَّأ لصَاحب الثغر الغَزْوُ، وخَفّ مَعَه عشرَة آلَاف من الْمُطَوِّعَة، فَقدم ابْنه وَكَانَ حَدَثًا، وَكَانَ ربُّ منزلي فِيمَن خرج فخرجتُ بِخُرُوجِهِ، فَلَمَّا أوغلنا فِي بِلَاد الْعَدو دَلَف إِلَيْنَا جمعٌ عظيمٌ فوقفنا لَهُم وَأَقْبل الْفَتى يحرِّض الناسَ ثُمّ برز الشَّيْخ فَتكلم، وقَالَ: هَذِهِ أَبْوَاب الجَنَّة فافتحوها بسيوفكم، فَحمل الْفَتى فأصيب، وَحمل الشيخُ ربُّ منزلي فأصيب رحمهمَا اللَّه، ثُمّ إِن اللَّه تَعَالَى منحنا أكتاف العَدُوِّ فَقَتَلْنَا وأسرنا ورجعنا إِلَى مواضعنا، فخفرنا لمن أكْرمهم اللَّه بِالشَّهَادَةِ فدفناهم، ودفنا الشَّيْخ، وسوينا عَلَيْه لحده، فارْتَجَّت الأرضُ ورجَفَتْ بِنَا، ثُمّ لَفَظَت الشَّيْخ فَوَقع عَلَى عشرَة أَذْرع من قَبره، فَقُلْنَا: رَجْفَة أَوْ زَلْزَلة، فَحَفَرْنَا لَهُ قبرًا آخر وسَوَيَّنا عَلَيْه، فسمعنا مَا هُوَ أهول وأفظع، ولَفَظَتْ بِهِ الأَرْض أبعد من ذَلِكَ الْموضع، فَحَفَرْنَا لَهُ قبرًا ثَالِثا ودفناه، فجاءتُ هدةٌ طاشت مِنْهَا عقولنا ولفظته الأَرْض، وَسَمعنَا هاتفًا يَقُولُ: أيتها الْعِصَابَة! إِن هَذَا الرَّجُل لَمْ يزل يَدْعُو اللَّه أَن يَجْعَل مَحْشَرَهُ مِن بُطون السِّباع وحواصل الطير، فدعُوه إِن اللَّه ﷻ قَدْ سَمِع نداه، فتركناه وانصرفنا.
ابْن صَفْوَان ينصح السفاح بالاستمتاع بِالنسَاء
حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن الْقَاسِم بْن جَعْفَر الكوكبي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ الرَّبَعِيُّ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْفَضْلِ، قَالَ: قَالَ: إِسْحَاق يَعْنِي ابْن إِبْرَاهِيم الْمَوْصِلِيّ، قَالَ شبيبُ بْن شَيْبَة:
دخل خَالِد بْن صَفْوَان التَّميْميّ عَلَى أَبِي الْعَبَّاس وَلَيْسَ عِنْده أحد، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين! إِنِّي واللَّه مَا زلتُ منذُ قلَّدك اللَّه تَعَالَى خلَافَة الْمُسْلِمِين إِلا وَأَنا أحبّ أَن أصير إِلَى مثل هَذَا الْموقف فِي الْخلْوَة، فَإِن رَأَى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يَأْمر بإمساك الْبَاب حَتَّى أفرغ فعل، قَالَ: فَأمر الحاجبَ بِذَلِك، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! إِنِّي فَكرت فِي أَمرك، وأَجَلْتُ الْفِكر فِيك فَلم أر أحدا لَهُ مثل قَدْرِك، وَلا أقل استمتاعًا فِي الِاسْتِمْتَاع بِالنسَاء مِنْك، وَلا أضيق فِيهِنَّ عَيْشًا، إِنَّك ملكتَ نَفسك امْرَأَة من نسَاء الْعَالمين واقتصرت عَلَيْهَا، فَإِن مَرضَتْ مَرِضْتَ، وَإِن غابتْ غبت، وَإِن عَرَكَتْ عَرَكْتَ، وحَرَمْتَ نَفسك يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين التلذُّذ باستطراف الجَوَارِي وبمعرفة اخْتِلاف أحوالهن، والتلذُّذ بِمَا يُشتهى مِنْهُنَّ؟ إِن مِنْهُنَّ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الطَّوِيلَة الَّتِي تشْتَهى لجسمها، والبيضاء الَّتِي تحب لروعتها، والسَّمْراء اللَّعْسَاء، والصَّفراءُ العجزاءُ، ومولدات الْمَدِينَة والطائف واليمامة ذَوَات الألسن العذبة وَالْجَوَاب الْحَاضِر، وَبَنَات سَائِر الْمُلُوك، وَمَا يشتهى من نظافتهن وَحسن هندامهن، وتخلل بِلِسَانِهِ فأطنب فِي صِفَات ضُروب الجَوَارِي وشَوَّقَهُ إلَيْهِنَّ، فَلَمَّا فرغ خَالِد، قَالَ: وَيحك! مَا سلك مسامعي واللَّه كلامٌ قطّ أحسنَ من هَذَا، فأعدْ عليَّ كلامك فقد وَقع مني موقعًا، فَأَعَادَ عَلَيْه خَالِد كَلَامه بِأَحْسَن مِمَّا ابتدأه، ثُمّ قَالَ: انْصَرف، وَبَقِي أَبُو الْعَبَّاس مُفكِّرًا فِيمَا سَمِع من خَالِد يُقَسّم أمره، فَبينا هُوَ يفكِّر إِذْ دخلت عَلَيْه أم سَلَمَة، وَقَدْ كَانَ أَبُو الْعَبَّاس
стр. 403
حَلَفَ أَن لَا يتَّخذ عَلَيْهَا ووَفَّى لَهَا، فَلَمَّا رَأَتْهُ مفكرًا مُتغيِّرًا، قَالَتْ لَهُ: إِنِّي لأنكرك يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين، فَهَل حدَّث أَمر تكرههُ أَوْ أَتَاك خبرٌ ارْتَعْتَ لَهُ؟ فَقَالَ: لَا، وَالْحَمْد للَّه، ثُمّ لَمْ تزل تستخبره حَتَّى أخْبرهَا بمقالة خَالِد، قَالَتْ: فَمَا قُلْتُ لابْن الفاعلة؟ فَقَالَ: ينصحني وتشتمينه! فَخرجت إليّ مواليها من البخارية فَأَمَرتهمْ بِضَرْب خَالِد، قَالَ خَالِد: فخرجتُ إِلَى الدَّار مَسْرُورا بِمَا ألقيتُ إِلَى أَمِير الْمُؤْمِنِين، وَلَم أَشك فِي الصِّلَة، فَبينا أَنا مَعَ الصَّحَابَة وَاقِفًا إِذْ أَقبلت البخارية تسْأَل عني، فحققتُ الْجَائِزَة والصلة، فَقلت لَهُم: هأنذا، فاسْتَبَقَ إِلَى أحدُهم بخشبةٍ فَلَمَّا أَهْوى إليّ غمزتُ بِرْذَوني ولحقني فَضرب كفله، وتنادى إليّ الْبَاقُونَ وغمزتُ البرذون فأسرع، ثُمّ راكضتهم فَفُتُّهم، واختفيتُ فِي منزلي أَيَّامًا - قَالَ القَاضِي: الصَّوَاب: اسْتخفيتُ - وَوَقع فِي قلبِي أَنِّي أُتِيت من قِبَل أم سَلَمَة، فطلبني أَبُو الْعَبَّاس فَلم يجدني، فَلم أشعر إِلا بِقوم قَدْ هجموا عَليّ، فَقَالُوا: اجب أَمِير الْمُؤْمِنِين، فَسبق إِلَى قلبِي أَنَّهُ الْمَوْت، فَقلت: إنّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون، لَمْ أَرَ دَمَ شيخٍ أضْيع، فركبتُ إِلَى دَار أَمِير الْمُؤْمِنِين، ثُمّ لَمْ ألبث أَن أَذن لي فَأَصَبْته خَالِيا فَرجع إليّ عَقْلِي، ونظرتُ فِي الْمجْلس ببيتٍ عَلَيْه ستورٌ رِقاق، فَقَالَ: يَا خَالِد لم أرك! قُلْتُ: كنتُ عليلا، قَالَ: وَيحك! إِنَّك وَصَفْتِ لأمير الْمُؤْمِنِين فِي آخر دخلةٍ دَخَلتهَا عليَّ من أُمُور النّساء والجواري صفة لَمْ يخرق مسامعي قطّ كَلَام أحسن مِنْهُ، فأعِدْهُ عَليّ، قَالَ: وسَمِعْتُ حِسًّا خلف السِّتْر - فَقَالَ: نعم يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين، أعلمتك أَن الْعَرَب إِنَّمَا اشْتَقَّت اسْم الضُّرَّتين من الضُّر، وَأَن أحدا لَمْ يَكُنْ عِنْده من النّساء أَكثر من وَاحِدَة إِلا كَانَ فِي ضُرٍّ وتنغيص، قَالَ لَهُ أَبُو الْعَبَّاس: لَمْ يَكُنْ هَذَا فِي الْحَدِيث، قَالَ: بلَى واللَّه يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين، قَالَ: فأُنْسيت إِذا، فأَتمم الْحَدِيث، قَالَ: وأخبرتُك أَن الثَّلَاث من النِّسَاء كأثا فِي الْقِدْرِ يُغْلى عَلَيْهِنَّ، قَالَ: برئتُ من قَرَابَتي من رَسُول اللَّهِ ﷺ إِنَّ كُنْت سَمِعْتُ هَذَا مِنْك وَلا مرَّ فِي حَدِيثك، قَالَ: وأخبرتك أَن الْأَرْبَع من النّساء شَرٌّ مَجْمُوع لصاحبهن يُشَيِّبْنَهُ ويهْرِمْنه ويحقرنه ويقسمنه، قَالَ: لَا وَالله مَا سَمِعْتُ هَذَا مِنْك وَلا من غَيْرك، قُلْتُ: بلَى وَالله، قَالَ: أفتكذِّبُني؟ قُلْتُ: أفَتَقْتُلُني! نعم واللَّه يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين وأخبرتك أَن أبكار الْإِمَاء رجال إِلا أَنَّهُنَّ لَيست لَهُنَّ خُصًى، قَالَ خَالِد: فَسمِعت ضحِكًا من خلف السِّتر، ثمَّ قلت: نعم، وأخبرتك أَن عنْدك رَيْحَانَة قُرَيْش، وَأَنَّك تطمح بِعَيْنَيْك إِلَى النّساء والجواري، قَالَ: فَقِيل لي من وَرَاء السّتْر: صَدَقْتَ واللَّه يَا عمّاه، بِهَذَا حدثته وَلكنه غَيْر حَدِيثك ونطق عَنْ لسَانك، فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس: مَالك قَاتلك اللَّه، وَفعل بك وَفعل؟ قَالَ: وانسللت، قَالَ: فَبعثت إِلَى أم سَلَمَة بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم وبرذون وتَختْ.
قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: قَوْله فِي هَذَا الْخَبَر: السَّمراء اللَّعْساء الَّتِي فِي شفتها سُمرة وَسَوَاد، وَمن ذَلِكَ قَول ذِي الرُّمَّة:
стр. 404
لمياءُ فِي شَفَتَيْها حوةٌ لَعَسٌ ... وَفِي اللَّثَاتِ وَفِي أنْيابِها شَنَبُ
اللَّما مَقْصُور: سَمُرَة الشّفة، والحوة: الْحمرَة إِلَى السوَاد شَبيه بِهِ، واللعس مثل ذَلِكَ، والشنب برد وعذوبة فِي الأسفان، ويُقَالُ: امْرَأَة لمياء وَرجل ألمى، وذُكِر عَنِ الأَصْمَعِيّ أَنَّهُ قَالَ: اللَّعس السَّواد الْخَالِص، ويُقَالُ: ليل ألعس، وَلا أَدْرِي يُقَالُ: لعسٌ أم لَا؟ ويُقَالُ: حَوِي يَحْوَى وَقِيَاسه فِي اللَّمالَمِيَ يَلْمي، وَقَوله: ينصحني وتشتمينه الْكَلَام الفصيح السائر: وَينْصَح لي، قَالَ اللَّه تَعَالَى: " إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أنصح لكم " ويُقَالُ: فنصحت لَكُمْ، ونصحتُ فلَانا: لُغة قَدْ حُكِيَت، وَهِي دون هَذِهِ فِي الفصاحة من ذَلِكَ قَول الشَّاعِر:
نصحتُ بني عَوْف فَلم يتقبلوا ... لديهم رسَائِلي
وأصل النصح: الْإِخْلَاص والمناصحة المخالصة ويُقَالُ: هَذَا شيءٌ نَاصح أَيّ خَالص، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
تركْتَ بِنَا لَوْحًا وَلَو شئتَ جادنا ... بعيدُ الْكرَى ثلجٌ بكِرْمان نَاصِحُ
أأزرع أَنا ويحصد يُوشَع
حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الْعَبَّاس الْعَسْكَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْن أَبِي سَعْد، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَصْبَغ، قَالَ: حَدَّثَنَا ضَمْرَة، عَنِ ابْن عَطَاء، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أوحى اللَّه إِلَى مُوسَى بْن عمرَان أَن يُوشَع هُوَ الْقَائِم على النَّاس بعْدك، فَقَالَ: يارب أأزرعُ أَنَا ويحصد يُوشَع أأرعى أَنَا الْغنم حَتَّى إِذا صلحت واستوت صَارَت إِلَى يُوشَع، فَقَالَ اللَّه تَعَالَى: إِن أَيَّام يُوشَع مخرجتك من الدُّنْيَا، فَقَالَ: يارب فَأَنا أكون من قبل يُوشَع، فَقِيل لَهُ: فَاصْنَعْ بِهِ كَمَا كَانَ يصنعُ بك، فَقَالَ: نعم، وَكَانَ من رسْمِ يُوشَع إِن يُنَبِّه مُوسَى للصَّلاةِ، فجَاء مُوسَى إِلَى بَاب يُوشع، فَقَالَ: يَا يُوشَع! فَضرب اللَّه عَلَى أُذُنه فَلم يَنْتبِه، وَجَعَل بَنو إِسْرَائِيل يمرُّون على مُوسَى، فَقَالَ: يارب مائةُ موتةٍ أَهْون من ذُلِّ سَاعَة، وانتبه يُوشع فَلَمَّا رَأَى مُوسَى فَزِع، وقَالَ: يَا نَبِيّ الله أَنْت واقفٌ هَاهُنَا، وَمضى مُوسَى إِلَى الجَبَل واتَّبعه يُوشَع فَجعل مُوسَى يُوصيه: اصْنع ببني إِسْرَائِيل كَذَا وَافْعل كَذَا، ثُمّ قَالَ لَهُ: ارْجع فَأبى فَخلع مُوسَى نَعْلَيْه وَرمى بهما، وقَالَ: جئني بنعلي، فَذهب ليجيء بهما فَأرْسل اللَّه نورا حَال بَيْنَ يُوشَع ومُوسَى فَلم يصل إِلَيْهِ فَرجع يُوشَع إِلَى بني إِسْرَائِيل فَأخْبرهُم فَجَاءُوا إِلَى الْموضع من الجَبَل فَإِذا مُوسَى قَدْ قُبض، ورصفت الْحِجَارَة عَلَيْه.
قَدْ قاربتك جهدي
حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر بْن درسْتوَيْه النَّحْويّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بْن يَزِيد، عَنِ الْمَازِنِيّ، قَالَ: اجْتمعت مَعَ يَعْقُوب بْن السّكيت، عَن مُحَمَّد بْن عبد الْملك الزَّيَّات، فَقَالَ لي مُحَمَّد بْن عَبْد الْملك: سَلْ أَبَا يُوسُف عَنْ مَسْأَلَة، فكرهتُ ذَلِكَ وجعلتُ أتبطأ وأدافع، مخافةَ أَن أُوحشه لِأَنَّهُ كَانَ لي صديقا، فألحَّ عليَّ مُحَمَّد بْن عَبْد الْملك، فَقَالَ لي: لَمْ
стр. 405
لَا تسأله؟ فاجتهدتُ فِي اخْتِيَار مسألةٍ سهلة لأقارب يَعْقُوب، فَقلت لَهُ: مَا وزن " نكتل " من الْفِعْل من قَول اللَّه تَعَالَى: " فَأرْسل مَعنا أخانا نكتل " فَقَالَ لي: نَفْعل، فَقلت: يَنْبَغِي أَن يَكُون ماضيه كتل، فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا وَزنه إِنَّمَا هُوَ نفتعل، فَقلت لَهُ: نفتعل كم هُوَ حرفٌ؟ قَالَ: خَمْسَة أحرف، فَقلت لَهُ: فنكتل كم حرفٌ هُوَ؟ قَالَ: أَرْبَعَة أحرف، فَقلت: لَهُ أَيكُون أَرْبَعَة أحرف بِوَزْن خَمْسَة أحرف، فَانْقَطع وخجل وَسكت، فَقَالَ مُحَمَّد بْن عَبْد الْملك: فَإِنَّمَا تَأْخُذ كُلّ شهر ألفي دِرْهَم عَلَى أنَّكَ لَا تحسن مَا وزن نكتل؟ فَلَمَّا خَرَجْنَا، قَالَ لي يَعْقُوب: يَا أَبَا عُثْمَان! هَلْ تَدْرِي مَا صنعت؟ فَقلت لَهُ: واللَّه لقَدْ قاربتُك جهدي، وَمَا لي فِي هَذَا ذنبٌ
قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: نكتل فِي هَذَا الْموضع هُوَ فِي أوَّليته وابتدائيته فِي ماضيه ومستقبله: كال يَكِيل عَلَى فَعَلَ يَفعِل، مثل مَال يمِيل وَقِيَاسه فِي أصل تَقْدِيره كيل يَكْيِلُ، نَظِيره من الصَّحِيح ضَرَب يَضْرِبُ، إِلا أَن الْيَاء فِي كيل انقلبت ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا، وَالْألف لَا تكون إِلا سَاكِنة إِلا أَنَّهَا فِي نِيَّة حَرَكَة ونقلت كسرة الْيَاء فِي الْمُضَارع ونقلتْ كسرتُها إِلَى الْكَاف وَكَانَت سَاكِنة، فَكسرت إِذْ لَمْ يستقم التقاءُ الساكنين فَصَارَ نكتل، وَقيل فِي الْجمع: كِلْنا نكتل، ثُمّ لما زيدت التَّاء دلَالَة عَلَى الافتعال قِيلَ: اكتال نكتال وَأَصله اكتيل يكتيل، نَحْو افتعل يفتعل نَظِيره من الصَّحِيح: اكتتب يكتتب واكترث يكترث واستبق يستبقُ ثُمّ قلبت الْيَاء من اكتيل ألفا لتحركها وانفتاح مَا قيلها، فَصَارَ اكتال ومضارعه يكتال، وَأَصله يكتيل، وَفِي الْجمع نكتيل وَزنه نفتعل، فَلَمَّا قِيلَ نكتل فأعرب بِالْجَزْمِ إِذْ هُوَ جوابُ الْأَمر اقْتضى الْجَزْم سُكُون اللَّام، فَالتقى ساكنان اللَّام وَالْألف المنقلبة من الْيَاء فَأسْقطت الْألف لذَلِك فَبَقيَ نكتل، ووزنه فِي الأَصْل نفتعل ثُمّ لما حُذفت الْألف المنقلبة من الْيَاء وَهِي عين الْفِعْل صَار نكتل فوزنه نفتل، عَلَى طَريقَة التَّحْرِير وتمييز الزَّوَائِد من الْأُصُول بالعبارة عَنِ الأصليات بِالْفَاءِ وَالْعين وَاللَّام وَتَسْمِيَة الزَّوَائِد بأنفسها، أَلا ترى أَنَا نقُول فِي وزن جهور أَنَّهُ فعول فيعبر عَنِ الْجِيم وَالْهَاء وَالرَّاء الأصليّات بِالْفَاءِ وَالْعين وَاللَّام، وَتَأْتِي باسمها الْوَاو فَهِيَ الزِّيَادَة إِذْ لَيست من الْفِعْل فَاء وَلا عينا وَلا لامًا، وَيَعْقُوب لما رَأَى نكتل مُوَافقا لوزن نَفْعل تسرع إِلَى مَا أجَاب بِهِ مَعَ ذُعْر المحنة وإزعاج البديهة وهيبة الحاثِّ لسائله عَلَى شراسة خلقه وإشفاقه من تَشَعُّثِ مَنْزِلَته عِنْده، وَقطع مَادَّة الْمَعيشَة من جِهَته.
وَوزن أَلْفَاظ الْكَلم تَأتي عَلَى جِهَات مُخْتَلفَة بِحَسب أغراض الوازنين، وعَلى قدر تَرْتِيب الصِّنَاعَة من المقابلين، والنحويون يزنون الْحُرُوف عَلَى أخْصَر من وزن العروضيِّن، لأَنهم يقابلون فِي الزِّنَة الْحَرَكَة بجِنْسها من التحريك الَّذِي هُوَ خلاف السّكُون ونوعها إِن ضَمًّا وَإِن فَتْحًا وَإِن كَسْرًا، عَلَى اخْتِصَاص كُلّ وَاحِد من هَذِه الأنحاء دون صَاحبه، والعناية بِذَات الْحَرْف دون الإِعراب والتنوين وَمَا يُزَاد ويحذف خَطًّا ولفظًا، والعروضيُّون
стр. 406
يراعون ذَلِكَ كُلَّه ويَسُوقُونه ويبنون وزنَهُم عَلَى اللَّفْظ، ويُجْرون وزنهم عَلَى مُقَابلَة الْحَرَكَة جِنْسا لَا نوعا، فيسوون فِيهَا بَيْنَ الضَّمِّ وَالْفَتْح وَالْكَسْر، وَلما تَسَاوِي نكتال واكتال فِي عدد الْحُرُوف وسبيل حرف المضارعة أَن تجْرِي بِهِ الزِّيَادَة عَلَى حُرُوف الْمَاضِي، فَلِأَن همزَة اكتال زَائِدَة للوصل تذْهب إِذا تحركت فَاء الْفِعْل وَلَيْسَت بلازمة للكلمة، وَقَد اخْتلف فِيمَا زَاد من الْأَسْمَاء من الثلاثي الَّذِي هُوَ فاءٌ وعينٌ وَلَام فَأتى رباعيًّا أَوْ خماسيًّا من غَيْر أَن يَكُون فِيهِ شيءٌ من حُرُوف الزِّيَادَة كَقَوْلِك جَعْفَر وفرزدق، فَحكم بعضُهم عَلَى هَذَا بِأَن الْحَرْف والحرفين مِنْهُ مِمَّا أَتَى بعد الْفَاء وَالْعين وَاللَّام مَجْهُول، وَقضى بِأَن الطّرف أوْلَى مِنْهُ بِبَاب الزِّيَادَة، وَذهب آخَرُونَ إِلَى مثل هَذَا فِي الْعين، وميزوا بَيْنَ تجانس الحرفين فِي آخِره، وَذَلِكَ كفَعْلَل الَّذِي هُوَ وزن قَرْدَد، وبَيْنَ مَا اخْتلفَا فِيهِ نَحْو جَعْفَر، وَهَذَا بَاب لَا يحْتَمل كتَابنَا هَذَا الاتساع فِيهِ، وَلَهُ مَوضِع هُوَ أوْلى بِهِ.
وَمِمَّا اتّفق فِي هَذِهِ الْقِصَّة مَعَ مَا ذكرنَا من الْأَحْوَال الْعَارِضَة أَن يَعْقُوب كَانَ فِي صناعَة النَّحْو ذَا بضَاعَة مزجاةٍ نَزِرة، وَقَدْ صنف مَعَ هَذَا فِي النَّحْو كتابا مُخْتَصرا لم يعد فِيهِ القَدْرَ الَّذِي تناله يدُه، وَإِن كَانَ إِمَامًا علما فِي اللُّغَة، وقدوة سَابِقًا مُبرزًا فِي اخْتِلاف أَهلهَا من البصريِّين والكوفيّين، وَلَهُ فِيهَا كتبٌ مؤلفة حَسَنَة، وأنواع مصنفة مفيدة، وأَبُو عُثْمَان الْمَازِنِيّ وَإِن كَانَ قَدْ قصد الْجَمِيل من مقاربته وتسهيل مناظرته فَإِنَّمَا أَتَى بِمَا هُوَ متيسر لَهُ دونه، وَقَدْ كَانَ الأَوْلى بِمَا قَصده تنكُّب مَا فِيهِ اعتلالٌ وقلب، والْعُدول بِهِ عَنِ التصريف الكادِّ للقلب الشاق عَلَى اللُّب، وَقَدْ رد الْمَازِنِيّ عَلَى سِيبوَيْه مسَائِل فِي بَعْضهَا حججٌ وَفِي بَعْضهَا شبهٌ، وَسَأَلَ الأخْفَش عَنْ مسَائِل نسبه إِلَى التَّقْصِير والانقطاع فِي بَعْضهَا، وَحكي أَن الْأَخْفَش رَجَعَ عِنْد أول تَوْقِيف مِنْهُ عَلَيْهَا فِي الْبَعْض مِنْهَا، وَقَدْ ذكرنَا من هَذَا طرفا فِي مَوْضِعه.
بَنو الْأَحْرَار تهجي وتمدح
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي، قَالَ: حَدَّثَنَا الْغلابِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الضَّبِّيّ، قَالَ: سَمِعَ أَعْرَابِي رجلا يَقُول: " الْأَعْرَاب كفرا ونفاقاً " ثُمّ سَمعه يَقُولُ: " وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ " الْآيَة، فَقَالَ: هجا ومدح، لَا بَأْس، ثُمّ أنْشد:
هجوتُ بُحَيْرًا ثُمّ إِنِّي مدحتُهُ ... كَذَاك بَنو الأحْرار تَهْجُو وتمدحُ
كَيفَ يفعل مَعَ هَذَا الْأنف ؟
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن زِيَاد الْمقري، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مَحْمُود، قَالَ: رَأَيْت قَاضِي الْقُضَاة يَحْيَى بْن أَكْثَم بِمَكَّة وَقَدْ وقف يُلَاحظ حجّامًا عَلَيْه أنف كأَنَّه أزجٌ، فَقلت لَهُ: أَيهَا القَاضِي! مَا هَذَا الْوُقُوف، فَقَالَ لي: ذَرْني فَإِنِّي أُرِيد أنظر إِلَى هَذَا كَيفَ يَسْتَوِي لَهُ مَصُّ المحجمة مَعَ هَذَا الْأنف؟ وَقَدْ كَانَ رجلٌ جالسٌ بَيْنَ يَدي الْحجام فَفطن بِهِ الْحجام، فَقَالَ لَهُ: مَالك قَائِم تنظر إليّ؟ لَيْسَ ونورِ اللَّهِ أضْرب فِي قفا هَذَا بمعولي وَأَنت وَاقِف،
стр. 407
فتوارينا عَنْهُ فَإِذا هُوَ يعْطف أَنفه بِيَدِهِ الْيُسْرَى ويمسك المحجمة بِيَدِهِ الْيُمْنَى ويَمُصُّ بِفِيهِ، فَقَالَ يَحْيَى: أما هَكَذَا فَنعم، قَالَ عَبْد اللَّه: وَكَانَ يَحْيَى بْن أَكْثَم أَعور.
شعر مَكْتُوب عَلَى حَائِط
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْقَاسِم الْأَنْبَارِي أَبُو بَكْر، حَدَّثَنَا أَبُو عَليّ العَنَزِي الْحَسَن بْن عليل، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن الْحُسَيْن الدِّرْهمي، قَالَ: كُنَّا عِنْد مُحَمَّد بْن عُبَيْد الطَّنافسيّ، فَقَالَ: قَرَأت عَلَى حائطٍ بالْحِيرة مُنْذُ أَرْبَعِينَ سنة:
إِن البلية أَن تحبَّ ... وَلا يحبُّك من تُحبُّهْ
فَيَصُدَّ عَنْك بِوَجْهِهِ ... وتلح أَنْت فَلَا تغبه
أقلل زيارتك الصدي ... ق يراك كَالثَّوْبِ اسْتَجدَّه
إِن الصِّدِّيق يُمله ... أَلا يزَال يراك عندَه
قَالَ أَبُو بَكْر: هَذَا مِمَّا لَا يُعاب فِيهِ الشَّاعِر.
قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: فِي هَذَا الشّعْر موضعان فيهمَا قَوْله " يراك "، وَذَاكَ أَن وَجه الْكَلَام يَرَكْ بِالْجَزْمِ، لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمر، وَهُوَ قَوْله: أَقْلِل، وَلَو أنْشد يَرَاك عَلَى من يَقُولُ هُوَ يراني كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
أُرِي عَيْنَيَّ مَا لَمْ تَرْأَيَاهُ ... كِلانَا عالمٌ بالتُّرَّهات
لَكَانَ جيدا وزحَافه جَائِزا، وَمَا " يزَال " فَإنَّهُ لَمْ يَحْذِف فِيهِ الْألف، عَلَى ردِّه إِلَى الأَصْل فِي التَّقْدِير، وَلَهُ نَظَائِر فِي الْكَلَام وَقَدْ قَرَأَ بعضُ الْقُرّاء فِي غَيْر مَوضِع من الْقُرْآن عَلَى هَذِهِ اللُّغَة، وَقَدْ ذكرنَا فِي بعض مجَالِس كتَابنَا من هَذَا الْبَاب، وَمَا أَتَى فِيهِ من شَوَاهِد الشّعْر مَا لَا طائل فِي إِعَادَته، وروينا هَذَا لأبياتٍ عَمَّن ذكر أَن الشّافعيّ تمثل بهَا، وأمّا الْوَجْه الآخر فَإِن مِنْهُ مَا قَدْ جَاءَ مثله، وَهُوَ من عُيُوب الشّعْر الْمَعْرُوفَة وَمِنْه مَا لَا يجوز الْبَتَّةَ.
١ ١٢ - /الْمَجْلِسُ السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ
فَضْلُ رَسُولِ الله وَبَنِي هَاشِمٍ
أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن جَعْفَر بْن مُحَمَّد بن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُنَادِي حَدَّثَنَا أَبُو بكرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْعَوَّامِ الرِّيَاحِيُّ حَدَّثَنَا بُهْلُولُ بْنُ الْمُوَرِّقِ أَبُو غَسَّانَ الشَّامي حَدثنَا مُوسَى بن عبيد ة حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَوْفَلٍ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ سَعْدٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَالَ لِي جِبْرِيلُ: قلبتُ الأَرْضَ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا فَلَمْ أَجِدْ رَجُلا أَفْضَلَ مِنْكَ يَا مُحَمَّدُ، وَقَلَّبْتُ الأَرْضَ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا فَلَمْ أَجِدْ بَنِي أَبٍ أَفْضَلَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ: فَالْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي فَضَّلَ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ عَلَى سَائِرِ الأَنْبِيَاءِ، وَفَضَّلَ بَنِي أَبِيهِ عَلَى سَائِرِ بَنِي الآبَاءِ، وَجَعَلَنَا مِنْ أُمَّتِهِ الَّتِي هِيَ خَيْرُ أمةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
стр. 408
وَهَدَانَا لِتَصْدِيقِهِ وَالإِيمَانِ بِهِ، وَوَفَّقَنَا لاتِّبَاعِهِ، وَأَبَانَنَا مِمَّنْ عَانَدَهُ وَجَحَدَهُ، وَبَغَى عَلَيْهِ وَحَسَدَهُ، وَعَصَمَنَا مِنْ أَنْ نَنْفُسَ عَلَى رَهْطِهِ وَأُسْرَتِهِ وَأَقْرَبِيهِ وَعِتْرَتِهِ، بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَكَرَامَتِهِ، وَحَبَاهُمْ بِهِ مِنْ شَرِيفِ نِعْمَتِهِ، وَذَلِكَ بِحُسْنِ توفيقه وَجَمِيل عصمته، وفضلناب عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَنْسِبَائِهِ الرَّاصِدِينَ لِمُحَارَبَتِهِ، وَالْجَادِّينَ فِي مُخَالَفَتِهِ، فَقَدْ هَلَكَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِمُشَاقَّتِهِ؛ أَلا تَسْمَعُونَ إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَبِي لَهَبٍ وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْهَاشِمِيِّينَ، وَإِلَى قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ فِي سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ﵁ وَهُوَ مِنَ الْعَجَمِ الأَجْنَبِيِّينَ إِذْ قَالَ: سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ؛ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ " آل عمرَان:٨٦ ".
نجا إِبْرَاهِيم بْن عَبد اللَّه بحيلة عَجِيبَة
حَدثنَا أَحْمَد بْن أَبِي الْعَلَاء الْأَضَاحِي الْمَعْرُوف بحرمي قَالَ حَدَّثَنَا عَبد اللَّه يَعْنِي ابْن شبيب قَالَ أَخْبرنِي جَعْفَر بْن مُحَمَّد قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيم بْن ريَاح قَالَ أَخْبرنِي مُحَمَّد بْن حَيَّان أَبُو عَبد اللَّه الْحَرَّانِي قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيم بْن عَبد اللَّه بْن حسن بْن حسن قد صَار إِلَى مَدِينَة الْموصل فِي تواريه، وَصَحَّ ذَلِك عِنْد أَبِي جَعْفَر فَكتب إِلَى الْوَالِي هُنَاكَ يُعلمهُ أَنه قد صَحَّ عِنْده أبن إِبْرَاهِيم فِي مَدِينَة الْموصل، ويأمره إِذا ورد عَلَيْهِ كِتَابه أَن يتحفظ فِي بَقِيَّة يَوْمه فَإِذا هُوَ أَمْسَى غلقت أَبْوَاب الْمَدِينَة فَلم يخرج مِنْهَا أحد وَلم يدْخل، ثُمَّ اسْتقْبل التفتيش لغد فَإنَّك ستجده. وَكَانَ مَعَ إِبْرَاهِيم يَوْمئِذٍ من أهل الجزيرة وَمن الزيدية قوم لَهُم بصائر وأموال وغناء عناية بِهِ، وَكَانَت لَهُم عُيُون قد أذكوها على السُّلْطَان، فَبَلغهُمْ خبر الْكتاب وَمَا عزم عَلَيْهِ الْوَالِي فاشتروا بغلين وحذفوهما كَمَا يعْمل ببغال الْبَرِيد، عملت لَهما لجم وأداة على حسب مَا يعْمل بدواب الْبَرِيد، وَخرج أحدهم إِلَى بعض الْقرى الَّتِي تقرب من الْموصل، فَلَمَّا كَانَ وَقت الْعشَاء الْآخِرَة وأغلقت الْأَبْوَاب ركب إِبْرَاهِيم بْن عَبد اللَّه أحد البغلين، وَركب الآخر رجل بتشبه با لفرانق، وَخرج الرجل على الْبَغْل يَصِيح كَمَا يَصِيح الفرانق، وَمَعَهُ خريطة، وَاتبعهُ إِبْرَاهِيم حَتَّى إِذا صَار إِلَى الْبَاب صَاح فَفتح لَهُ الْبَاب على أَنه من قبل الْوَالِي ثُمَّ مضيًا فَانْتَهَيَا إِلَى الرجل ومضيا. وَصَحَّ الْخَبَر على هَذِه الْحِكَايَة عِنْد الْمَنْصُور فَكثر مِنْهُ تعجبه وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ تأسفه.
وَصِيَّة حَكِيم لِابْنِهِ
حَدثنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِم عَنِ الأَصْمَعِيّ قَالَ، قَالَ بعض الْحُكَمَاء لِابْنِهِ: يَا بني أقبل عهدي ووصيتي: إِن سرعَة ائتلاف قُلُوب الْأَبْرَار حِين يلتقون كسرعة اخْتِلَاط قطر الْمَطَر بِمَاء الْأَنْهَار، وَبعد الْفجار من الائتلاف وَإِن طَال تعاشرهم كبعد الْبَهَائِم من التعاطف وَإِن طَال اعتلافها على آري وَاحِد. كن يَا بني بِصَالح الوزراء أعنى مِنْك بِكَثْرَة عَددهمْ، فَإِن اللؤلؤة خَفِيف محملها كثير ثمنهَا، وَالْحجر فادح حمله قَلِيل غناؤه عَنْك.
стр. 409
عَليّ يُرْسل إِلَى مُعَاوِيَة فِي أَمر الْبيعَة
حجثنا مُحَمَّد بْن مَزْيَد الْخُزَاعِيّ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى قَالَ حَدَّثَنِي عمرَان عبد الْعَزِيز بْن عُمَر بْن عبد الرَّحْمَن بن عون قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ قَالَ: بَعَثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ يَأْمُرُهُ أَنْ يُبَايِعَ هُوَ وَمَنْ قَبْلَهُ؛ قَالَ: فَخَرَجْتُ لَا أَرَى أَحَدًا سَبَقَنِي إِلَيْهِ، حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَإِذَا هُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ وَهُمْ حَوْلَهُ يَبْكُونَ حَوْلَ قَمِيصِ عُثْمَانَ ﵁ وَهُوَ مُعَلَّقٌ فِي رُمْحٍ، فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ كِتَابَ عَلِيٍّ، وَمَثَلَ رَجُلٌ إِلَى جَنْبِي كَانَ يَسِيرُ بِمَسِيرِي وَيُقِيمُ بِمُقَامِي لَا أَشْعُرُ بِهِ، فَقَالَ لِمُعَاوِيَةَ:
إِنَّ بَنِي عَمِّكَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ... هُمْ قَتَلُوا شَيْخَكُمْ غَيْرَ كَذِبْ
وَأَنْتَ أَوْلَى النَّاسِ بِالْوَثْبِ فَثِبْ ... وَاغْضَبْ مُعَاوِيَ لِلإِلَهِ وَارْتَقِبْ
بَادِرْ بِخَيْلِ الأُمَّةِ الْغَابِ النَّشِبْ ... بِجَمْعِ أَهْلِ الشَّامِ تَرْشُدُ وَتَصِبْ
وَسِرْ مَسِيرَ الْمُحْزَئِلِّ الْمُتْلَئِبْ ... وَهَزْهِزِ الصَّعْدَةَ لِلشَّأْسِ الشَّغِبْ
قَالَ: ثُمَّ دَفَعَ إِلَيْهِ كِتَابًا مِنَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ أَخِي عُثْمَانَ لأُمِّهِ، فَإِذَا فِيهِ:
معاويَ إِنَّ الْمُلْكَ قَدْ جُبَّ غاربُهْ ... وَأَنْتَ بِمَا فِي كفَّكّ اليومَ صاحبُهْ
أَتَاكَ كتابٌ مِنْ علّيٍ بِخَصْلةٍ ... هِيَ الفصلُ فاخترْ سَلْمَهُ أَو تحاربُهُ
وَإِن كنتَ تَنْوِي أَنْ تجيبَ كتابهُ ... فقبحَ ممليهِ وقبحَ كاتبهْ
وَإِنْ كُنْتَ تَنْوِي تَرْكَ رَجْعِ جَوَابِهِ ... فَأَنْتَ بأمرٍ لَا مَحَالَةَ راكبهْ
فألق إِلَى الْحَيّ اليمانين كَلِمَةً ... تنالُ بِهَا الأَمْرَ الَّذِي أَنْتَ طالبهْ
تقولُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَصَابَهُ ... عَدُوٌّ وَمَالا هُمْ عَلَيْهِ أَقَارِبُهُ
وَكُنْتَ أَمِيرًا قبلُ بِالشَّامِ فيكمُ ... وَحَسْبِي مِنَ الْحَقِّ الَّذِي هُوَ اجبهْ
يُجِيبُوا وَمَنْ أُرْسِي ثَبِيرًا مَكَانَهُ ... تُدَافِعُ بِحَرٍّ لَا تُرَدُّ غَوَارِبُهُ
فَأَكْثِرْ أَوْ أَقْلِلْ مَالَهَا الدَّهْرُ صَاحِبٌ ... سِوَاكَ فَصَرِّحْ لَسْتَ مِمَّنْ تُوَارِبُهُ
قَالَ، فَقَالَ: أَقِمْ فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ نَفَرُوا عَنْهُ لِمَقْتَلِ عُثْمَانَ حَتَّى يَسْكُنُوا؛ قَالَ: فأقمتُ أَرْبَعَةَ أشهرٍ، ثُمَّ جَاءَهُ كتابٌ آخَرُ مِنَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ فِيهِ:
أَلا أَبْلِغْ مُعَاوِيَةَ بْنَ حَرْبٍ ... فَإِنَّكَ مِنْ أَخِي ثقةٍ مُليمُ
قطعتَ الدهرَ كالسَّدِمِ المعَّنى ... تُهَدَّرُ فِي دمشقَ وَمَا تَريم
فَإِنَّكَ والكتابَ إِلَى عَلِيٍّ ... كدابغةٍ وَقَدْ حَلَمَ الأديمُ
стр. 410
فَلَوْ كنتَ القتيلَ وَكَانَ حَيًّا ... لَشَمَّرَ لَا أَلفُّ وَلَا سؤومُ
فَلَمَّا جَاءَهُ كِتَابُهُ وَصَلَ مَا بَيْنَ طُومَارَيْنِ ثمَّ طَوَاهُمَا أَبْيَضَيْنِ وَكَتَبَ عُنْوَانَهُمَا: مِنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَدَفَعَهُمَا إليَّ وَبَعَثَ مَعِي رَجُلا مِنْ عبسٍ وَلا أَدْرِي مَا مَعَ الْعَبْسِيِّ؛ قَالَ: فَخَرَجْنَا حَتَّى قَدِمْنَا الْكُوفَةَ، فَاجْتَمَعَ الناسُ إِلَى عَلِيٍّ فِي الْمَسْجِدِ وَلا يَشُكُّونَ أَنَّهَا بيعةُ أَهْلِ الشَّامِ، فَلَمَّا فُتِحَ الْكِتَابُ لَمْ يُوجد فِيهِ بِشَيْء، وَقَامَ الْعَبْسِي فَقَالَ: من هَاهُنَا مِنْ أَفْنَاءِ قَيْسٍ؟ إِنِّي أَخُصُّ مِنْ قيسٍ غَطَفَانَ وَأَخُصُّ مِنْ غَطَفَانَ عَبْسًا، وَإِنِّي أحلفُ بِاللَّهِ لَقَدْ تركتُ تَحْتَ قَمِيصِ عُثْمَانَ ﵁ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ أَلْفَ شَيْخٍ خَاضِبِينَ لِحَاهُمْ بِدُمُوعِ أَعْيُنِهِمْ، مُتَعَاقِدِينَ مُتَحَالِفِينَ لَيَقْتُلُنَّ قَتَلَتَهُ، وَإِنِّي أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَيَقْتَحِمَنَّهَا عَلَيْكُمُ ابنُ أَبِي سُفْيَانَ بِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ آلافٍ مِنْ خِصْيَانِ الْخَيْلِ فَمَا ظَنُّكُمْ بَعْدُ بِمَا فِيهَا مِنَ الْفُحُولِ؟ فَقَالَ لَهُ قَيْسُ بْنُ سعدٍ: يَا أَخَا عبسٍ لَا نُبَالِي بِخِصْيَانِ خَيْلِكَ وَلا بِبُكَاءِ كُهُولِكَ، وَلا يَكُونُ بُكَاؤُهُمْ بُكَاءَ يَعْقُوبَ عَلَى يُوسُفَ. ثُمَّ دَفَعَ الْعَبْسِيُّ كِتَابًا مِنْ مُعَاوِيَةَ فِيهِ:
أَتَانِي أَمْرٌ فِيهِ للنَّاس غمَّة ... وفيهب اجْتِدَاعٌ للأنوفٍ أَصِيلُ
مُصَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَهَدَّةٌ ... تكادُ لَهَا صمُّ الجبالٍ تزولُ
فَلِلَّهِ عَيْنَا مَنْ رَأَى مثلَ هالكٍ ... أُصيبَ بِلا ذنبٍ وَذَاكَ جليلُ
دعاهم فَضَمُّوا عَنْهُ عِنْدَ دُعَائِهِ ... وَذَاكَ عَلَى مَا فِي النفوسِ دَلِيلُ
ندمتُ عَلَى مَا كَانَ مِنْ تَبَع الْهَوَى ... وحسبيَ مِنْهُ حسرةُ وعويلُ
سأنعَى أَبا عمروٍ بكلَّ مهنَّدٍ ... وبيضٍ لَهَا فِي الدَّارعين صليلُ
فأَمَّا الَّتِي فِيهَا المودةُ بَيْنَنَا ... فَلَيْسَ إِلَيْهَا مَا حييتُ سبيلُ
سأُلْقحُها حَرْبًا عَواناً مُلِحَّةً ... وَإِنِّي بِهَا مِنْ عَامِهَا لكفيلُ
قَالَ: فَأَمَرَ عَلِيٌّ ﵇ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ أَنْ يُجِيبَهُ عَنْ كِتَابِهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ قَيْسٌ:
مُعَاوِيَ لَا تعجلْ عَلَيْنَا مُعَاوِيَا ... فَقَدْ هجتَ بِالرَّأْيِ السفيهِ الأَفَاعِيَا
وحرّكتَ مِنَّا كلَّ شيءٍ كَرِهْتَهُ ... وأبقيتَ حَزَّاتِ النفوسِ كَمَا هِيَا
بعثتَ بِقِرْطَاسَيْنِ صفْرين ضَلَّةَ ... إِلَى خَيْرِ مَنْ يَمْشِي بنعلٍ وَحَافيَا
مَضَى أَبُو بَقى بَعْدَ النَّبِيِّ محمدٍ ... عَلَيْهِ سلامُ اللَّهِ عَوْداً وَبَادِيًا
أَلا لَيْتَ شِعْرِي والأمانُّي ضلَّةٌ ... عَلَى أيِّ مَا تَنْوِي أردتَ الأَمَانِيَا
أَلا لَيْتَ شِعْرِي والأمانُّي ضلَّةٌ ... عَلَى أيِّ مَا تَنْوِي أردتَ الأَمَانِيَا
عَلَى أَنَّ فِينَا لِلْمَوَارِبِ مَطْمَعًا ... وَإِنَّكَ متروكٌ بِشَامِكَ عَاصِيَا
أَبَى اللَّهُ إِلا أَنَّ ذَا غَيْرُ كَائِنٍ ... فَدَعْ عَنْكَ مَا مَنَّتْك نفسُكَ خَالِيَا
стр. 411
وأكثرْ وأقللُ إِنَّ شامَكَ شحمةٌ ... تَعَجَّلها طاهٍ يبادِرُ شَاوِيَا
مِنَ الْعَامِ أَوْ مِنْ قابلٍ كلُ كائنٍ ... قريبٌ، وأبْعدْ بِالَّذْيِ لَيْسَ جَائِيَا
شُرُوح وتعليقات قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج قَوْله: الغابُ النشب؛ الغابُ جمع غابةٍ وَهِي الغيضة، والنشب المشتبك الَّذِي قد انتشب، يُقَال: قد نشبت الخصومةُ بَين فلانٍ وفلانٍ، ويروى الأشب، وَأرَاهُ أصح فِي الرِّوَايَة، وَهُوَ الِاخْتِلَاط، والأشابة: الأخلاط؛ قَالَ الشَّاعِر:
أُولَئِكَ قومِي لم يَكُونُوا أشابة ... وَهل يعظ الضليلَ إِلَّا أولئكا
وَقَوله: المحزئل المتلئب: المحزئل: المنحاز الناهض الْمُجْتَمع، قَالَ الشَّاعِر:
واستطربت ظعنهم لما احزأل بهم ... مَعَ الضُّحَى ناشط من داعيات
والمتلئب: الْمُسْتَقيم المستتب، وَقَوله: وهزهز الصعدة يَعْنِي هز الْقَنَاة، واستثقل الْإِدْغَام فأظهر التَّضْعِيف وَكرر كَمَا قَالُوا قد كركر كَلَامه وكمكم قَالَ الله تَعَالَى: " فَكُبْكِبُوا فِيهَا " الشُّعَرَاء: ٩٤ أَي كبوا. وَهَذَا كثيرٌ فِي الْعَرَبيَّة جدا. والشأس: الشديدُ المستصعب الشرس. وَقَول قيس بْن سعدٍ فِي شعره مضى أَو بقى يُقَال: إِن بقى وَلَقي بِمَعْنى بَقِي وَلَقي لُغَة طَيء، قَالَ الشَّاعِر:
لعمرك مَا أخْشَى التصعلك مَا بقى ... على الأَرْض قيسي يسوقُ الأباعرا
وَقَالَ آخر:
حَتَّى لقى الله على بغيه ... وَالله من ذِي الْبَغي قد ينصف
وَقد ذكر عَن الْحسن أَنه قَرَأَ: " وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ " يُونُس: ١٦ بِمَعْنى أدريتكم، فَحَمله بَعضهم على هَذِه اللُّغَة. وطيء تنحو هَذَا النحوَ فِي الْأَسْمَاء فَتَقول فِي جَارِيَة: جاراة، وَيَقُولُونَ فِي نَاصِيَة: ناصاة، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
أَلا أَذِنت أهل الْيَمَامَة طَيء ... بحربٍ كناصاة الْأَغَر المشقر
وَقد زعم بعضُ الْمُحَقِّقين فِي علل النَّحْو واللغة فِي قَوْلهم أَبِي يَأْبَى من هَذِه اللُّغَة، وَذَاكَ أَنه أنكر أَن يكون فِي الْعَرَبيَّة فعل يفعل مِمَّا لَيست عينه وَلَا لامه من حُرُوف الْحلق، وَأَن سِيبَوَيْهٍ لم يحك غير هَذِه الْكَلِمَة، وَإِن كَانَ غَيره قد حكى فِي هَذَا الْبَاب حروفًا عدَّة. وَزعم من حكينا قَوْله أَن أصل يابى يَأْبَى ثُمَّ اسْتعْمل على هَذِه اللُّغَة، وَمن الفاشي فِي رِوَايَة الْكُوفِيّين قلى يقلى وَقد حكى قلي يقلي والأفصح قلى يقلي.
أَبُو الْأسود يعوذ من جماله
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ قَالَ حَدَّثَنِي أبي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْهَيْثَم الغنوي قَالَ حَدَّثَنَا الرياشي عَنِ الأَصْمَعِيّ عَنْ أَبِي مهدية قَالَ أَخْبرنِي أَبُو عفير الدؤَلِي وَكَانَ شَاعِرًا قَالَ: كنت عِنْد عبد الْملك بْن مَرْوَان إِذْ دخل أَبُو الْأسود الدؤَلِي وَكَانَ أَحول دميمًا قَبِيح
стр. 412
المنظر، فَقَالَ لَهُ عبد الْملك يمازحه: يَا أَبَا الْأسود لَو علقت عَلَيْك عوذة تدفع عَنْك الْعين، فَقَالَ: إِن لَك جَوَابا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَأنْشد:
أفنى الْجَدِيد الَّذِي فارقتُ جدتهُ ... كرُّ الجديدين من آتٍ ومنطلق
لم يتركا ليَ فِي طولِ اخْتِلَافهمَا ... شَيْئا يخافُ عَلَيْهِ لذعةُ الحدق
أما وَالله لَئِن كَانَت أبلتني السنون، وأسرعتْ إِلَيّ الْمنون، لما أبلت ذَلِك إِلَّا فِي مَوْضِعه، ولرب يَوْم كنتُ فِيهِ إِلَى الآنسات الْبيض أشهى مِنْك إلَيْهِنَّ فِي يَوْمك هَذَا على عجبك بِنَفْسِك، وَإِنِّي الْيَوْم لَكمَا قَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
أراهن لَا يحببن من قل مَاله ... وَلَا من رأين الشيب فِيهِ وقوسًا
وَلَقَد كنت كَمَا قَالَ أَيْضا:
يرعن إِلَى صوتي إِذا مَا سمعنه ... كَمَا ترعوي عيط إِلَى صَوت أعيسا
قَالَ لَهُ عبد الْملك: قَاتلك الله من شيخٍ مَا أعظم همتك.
شرح قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: العيط: جمع عيطاء، وَهِي النَّاقة الطَّوِيلَة الْعُنُق والأعيس: فَحل أَبيض تعلوه شقرة؛ وَمن العيط قَول ذِي الرمة:
وعيطٍ كأسراب الحدوج تشوفت ... معاصيرها والعاتقات العوانس
يحرض على بيعَة الْقَاسِم بْن الرشيد
حَدثنَا أَحْمَد بْن الْعَبَّاس العسكري قَالَ حَدَّثَنَا ابْن أَبِي سعد قَالَ حَدَّثَنِي عمر بْن مُحَمَّد بْن حَمْزَة الْكُوفِي قَالَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَان بْن سعد قَالَ حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيل بْن صَالح بْن عليّ بْن عَبْد اللَّه، وَكَانَ انْقِطَاعه إِلَى الرشيد، قَالَ: دخلتُ على الرشيد وَقد عهد إِلَى مُحَمَّد والمأمون فِي من يهنئه من ولد صَالح بْن عَليّ، فأنشأت أَقُول:
يَا أَيهَا الْملك الَّذِي ... لَو كَانَ نجمًا كَانَ سَعْدا
اعقد لقاسم بيعَة ... واقدح لَهُ فِي الْملك زندا
الله فَرد وَاحِد ... فَاجْعَلْ وُلَاة الْعَهْد فَردا
قَالَ: فاستضحك هَارُون، وَبعثت إِلَى أم جَعْفَر: كَيفَ تحبنا وَأَنت شام؟ وَبعثت إِلَى أم الْمَأْمُون: كَيفَ تحبنا وَأَنت أَخُو عبد الْملك بْن صَالح؟ وَبعثت إِلَى أم الْقَاسِم بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم، فاشتريت بهَا ضيعتي بأرتاح.
يحيى بْن أَكْثَم وقاعة فِي النَّاس
حَدثنَا الْحُسَيْن بْن الْقَاسِم الكوكبي قَالَ حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن بنان الْكَاتِب قَالَ حَدَّثَنِي عَليّ بْن يحيى قَالَ: كَانَ يحيى بْن أَكْثَم وقاعة فِي النَّاس وَكَانَ شريرًا، وَكَانَ يغري الْمَأْمُون بِالنَّاسِ وَيَقَع فيهم عِنْده، وَكَانَ يثني على عَمْرو بْن مسْعدَة ويقرظه عِنْده، وَلَا يزَال يذكر
стр. 413
فراهته ونصيحته وَحسن صناعته؛ فَبلغ ذَلِك عمرا فَدخل على الْمَأْمُون فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بَلغنِي أَن يحيى بْن أَكْثَم يثني عَليّ عنْدك، وَأَنا أَسأَلك بِاللَّه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن تريه أَنَّك قبلت شَيْئا من قَوْله فِي، فَإِنَّهُ إِنَّمَا قدم الثَّنَاء عَليّ لوقيعةٍ يُرِيد أَن يوقعها بِي لديك لتصدقه فِيمَا يَقُول، قَالَ: فَضَحِك الْمَأْمُون مِنْهُ وَقَالَ: قد أمنت من ذَلِك فَلَا تخفه مني.
كَيفَ يُسَمِّي يحيى بْن أَكْثَم الثُّقَلَاء
حَدثنَا مُحَمَّد بن السحن بْن زِيَاد الْمقري قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن يحيى ثَعْلَب قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَالِيَة الشَّامي مؤدب ولد الْمَأْمُون قَالَ، قَالَ الْمَأْمُون ذَات يَوْم ليحيى بْن أَكْثَم القَاضِي: أُرِيد مِنْك أَن تسمى لي ثقلاء أهل عسكري وحاشيتي، فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ اعفني فَإِنِّي لست أذكر أحدا مِنْهُم وهم لي على مَا تعلم، فَكيف إِن جرى مثل هَذَا؟ قَالَ لَهُ: فَإِن كنت لَا تفعل فاضطجع حَتَّى أفتل لَك مخراقًا دبيقيًا وأضربك بِهِ وأسمى مَعَ كل ضَرْبَة رجلا، فَإِن كَانَ ثقيلا تأوهت، وَإِن يَك غير ذَلِك سكت، فَأَكُون أَنا على معرفَة مِنْهُم ويقين من ثقلائهم. فاضطجع لَهُ يحيى وَقَالَ: أَرَأَيْت قَاضِي قُضَاة وأميراً ووزيرًا يعْمل بِهِ مثل ذَا؟ فلف لَهُ مخراقاً دبيقياً وضربه بِهِ ضربه وَذكر لَهُ رجلا ثقيلا فصاح يحيى: آه أه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي المخراق آجرة، فَضَحِك الْمَأْمُون مِنْهُ حَتَّى كَاد يغشى عَلَيْهِ وأعفاه من البَاقِينَ.
من أكْرم النَّاس أَبَا وَأما وجده
و حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عليّ بْن الْمَرْزُبَان النَّحْويّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَارُونَ النَّحْوِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيَّ يَقُولُ، قَالَ مُعَاوِيَةُ وَعِنْدَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الأَشْرَافِ: من أكْرم النَّاس أَبَا وَأما وجدا وَجدّة وخالاً وَخَالَة وعماص وعمةً؟ فَقَامَ النُّعْمَان بن العجلان الزُّرَقِيُّ فَأَخَذَ بِيَدِ الْحَسَنِ ﵇ فَقَالَ: هَذَا، أَبُوهُ عَلِيٌّ، وَأُمُّهُ فَاطِمَةُ، وَجَدُّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَجَدَّتُهُ خَدِيجَةُ، وَعَمُّهُ جَعْفَرٌ، وَعَمَّتُهُ أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طالبٍ، وَخَالُهُ الْقَاسِمُ، وَخَالَتُهُ زَيْنَبُ. فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: فَحُبُّ بَنِي هاشمٍ دَعَاكَ إِلَى مَا عَمِلْتَ؟ فَقَالَ ابْن العجلان: يَا ابْن الْعَاصِ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ مَنِ التمس رضى مخلوقٍ بِسَخَطِ الْخَالِقِ حَرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أُمْنِيَّتَهُ وَخَتَمَ لَهُ بِالشَّقَاءِ فِي آخِرِ عُمْرِهِ؟ بَنُو هَاشِمٍ أَنْضَرُ قريشٍ عُودًا، وَأَقْعَدُهَا سَلَفًا، وَأَفْضَلُ أَحْلامًا.
يشْتم عمر بْن ذَر
حَدثنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن هَارُون العسكري قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن عَبد اللَّه ابْن عبد الحميد قَالَ حَدَّثَنِي رجل قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى عمر بْن ذرٍ وَهُوَ فِي مَجْلِسه فشتمه، فَلَمَّا سكت أقبل عمر على أَصْحَابه فَقَالَ: مَا علم الله فَستر، أكثرُ مِمَّا قَالَ هَذَا وَأظْهر.
حِين عَفا الْمَنْصُور عَن أهل الشَّام
حَدثنَا عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد بْن عِيسَى بْن خلف السكرِي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو
стр. 414
يعلي زَكَرِيَّاء بْن يحيى بْن خَلاد الْمنْقري الْبَصْرِيّ الصَّيْرَفِي قَالَ حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِي عَمَّن أخبرهُ أَن أَبَا جَعْفَر المَنْصُور حِين عَفَا عَنْ أَهْل الشَّام قَالَ لَهُ رجلٌ: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين، الانتقامُ عَدْلٌ، والتجاوزُ فَضْل، والْمُتفضِّلُ قَدْ جَاوز حَدَّ الْمُنْصِف، فَنحْن نُعِيذُ أَمِير الْمُؤمنِينَ بِاللَّه من أَن يرضى لنَفسِهِ بأوكس النَّصِيبَيْنِ وَأَن لَا يرْتَفع إِلَى أَعلَى الدرجتين.
ابْن الرُّومِي يجود بِنَفسِهِ
حَدثنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن عَرَفَة الْأَزْدِيّ قَالَ: رَأَيْت عَليّ بْن الْعَبَّاس بْن جريج الرُّومِي يجود بِنَفسِهِ فَقلت لَهُ: مَا حالك؟ فَأَنْشد:
غلطَ الطبيبُ عليَّ مُوردٍ ... عجزتْ مواردُهُ عَن الإصدارِ
والناسُ يَلْحَوْنَ الطبيبَ وَإِنَّمَا ... غَلَطُ الطبيبِ إصابةُ المقدارِ
فِي من صرف عَن عمله
قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: جرت بيني وَبَين بعضُ إِخْوَاننَا من أَهْل الْأَدَب مذاكرة جرى فِيهَا قِطْعَة مِمَّا مدح بِهِ من صرف عَن عمل كَانَ يَتَوَلَّاهُ، وَمَا رُوِيَ عَن بعض أهل الْأَدَب أَنه قَالَ: شيعوا الْمَعْزُول واستقبلوا الْوَالِي؛ وذكرتُ مَا فِي هَذَا من الْحِكْمَة وإرهاص الْمنزلَة والاحتراس من الظنة وإيثار حسن المحالفة وتمكين الْمَوَدَّة، فأنشدني هَذَا الْأَخ أبياتًا ذكر أَنَّهَا لجعيفران فِي إِبْرَاهِيم بْن الْمُدبر وَقد عزل عَن الْبَصْرَة، ثُمَّ أَخْبرنِي صديقنا أَبُو الْحسن بْن حوزان أَنه وجدهَا فِي شعر سوار بْن أَبِي شراعة وَأَن الْأَخْفَش أنْشدهُ إِيَّاهَا لسوار أَيْضا وَهِي هَذِه:
يَا أَبَا إسحاقَ سِرْ فِي دعةٍ ... وامضِ مصحوبًا فَمَا منكَ خَلَفْ
لَيْت شعري أيَّ أرضٍ أجدبت ... فأغيثتْ بك من هَذَا العجفْ
نزل الرحمُ من الله لَهُم ... وَحُرمْناكَ لذنبٍ قد سلف
إِنَّمَا أَنْت ربيعٌ باكرٌ ... حَيْثُ مَا صرَّفَهُ الله انْصَرف
الْأَحْنَف يتستر على مُعَاوِيَة
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سهل بْن الْفَضْل الْكَاتِب قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو زيدٍ يَعْنِي عُمَرَ بْنَ شَبَّةَ قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّ الأَحْنَفَ بْنَ قيسٍ كَانَ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ وَلَيْسَ عِنْدَهُ غَيْرُهُ، فَغَنَّتْ جَارِيَةٌ مِنْ جَوَارِي مُعَاوِيَةَ فِي جَانِبِ الدَّارِ، فَأَقْبَلَ عَلَى الأَحْنَفِ فَقَالَ: يَا أَبَا بحرٍ لَا تَرُمْ حَتَّى أَعُودَ إِلَيْكَ، إِنِّي لأَطْلُبُ خَلْوَةَ هَذِهِ الْجَارِيَةِ فَلا أَكَادُ أَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ قَامَ فِي أَثَرِهَا فَكَأَنَّمَا كَانَتْ لابْنَةِ قَرَظَةَ امْرَأَةِ مُعَاوِيَةَ عَيْنٌ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَأَقْبَلَتْ بِهِ فلبيته، فَقُلْتُ لَهَا: أَكْرِمِي أَسْرَاكُمْ فَقَالَتْ: اسْكُتْ يَا قَوَّادُ.
وَصِيَّة الْمُهلب لِابْنِهِ يزِيد
حَدثنَا عَبد اللَّه بْن أَحْمَد الْمَعْرُوف بِابْن النَّحْوِيّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن
стр. 415
الْعَبَّاس اليزيدي قَالَ وحَدثني مُحَمَّد بْن الْحسن الْأَحول قَالَ حَدثنَا الْمَدَائِنِي قَالَ: أوصى الْمُهلب ابْنه يزِيد فَقَالَ: إياك يَا بني والسرعة عِنْد مسألةٍ بنعم، فَإِن أَولهَا سهل وَآخِرهَا ثقيل فِي فعلهَا، واعمل أَن لَا وَإِن قبحت فَرُبمَا روحت، فَإِن كنت من أمرٍ تسأله على ثِقَة فأطمع وَلَا توجب، ثُمَّ افْعَل، وَإِن علمت أَن لَا سَبِيل إِلَيْهِ، فَاعْتَذر، فَإِنَّهُ من لَا يعْتَذر بالعذر فنفسه ظلم.
مَا بَين نعم وَلَا
قَالَ أَبُو عَبد اللَّه وأنشدنا ثَعْلَب قَالَ، أَنْشدني ابْن الْأَعرَابِي:
لَا تتبعن نعم لَا طَائِعا أبدا ... فَإِن لَا أفسدت من بعْدهَا نعم
إِن قلت يَوْمًا نعم بدءًا فتم بهَا ... فَإِن إمضاءها صنف من الْكَرم
قَالَ القَاضِي ﵀: قد أنشدنا هذَيْن الْبَيْتَيْنِ جمَاعَة من شُيُوخنَا عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي، قَالَ وأنشدنا أَبُو الْحسن عَليّ بْن سُلَيْمَان الْأَخْفَش لرجل من طيءٍ هَذِه الأبيات:
وَالله وَالله لَوْلَا أنني فرق ... من الْأَمِير لعاتبت ابْن نبراس
فِي موعدٍ قَالَه لي ثمَّ أخلفني ... غَدا غَدا ضرب أَخْمَاس لأسداس
حَتَّى إِذا نَحن ألجأنا مواعده ... إِلَى الطبيعة فِي حفز وإبساس
أجلت مخيلته عَن لَا فَقلت لَهُ ... لَو مَا بدأت بهَا مَا كَانَ من باس
وَلَيْسَ يرجع فِي لَا بَعْدَمَا سلفت ... مِنْهُ نعم طَائِعا حر من النَّاس
قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: وَقد روينَا فِي جِهَات نعم وَلَا أَشْيَاء كَثِيرَة من ملح الْأَخْبَار ولطيف الْأَشْعَار وَمن فنون الْآدَاب الغريبة وفوائد الْعلم النبيهة مِمَّا يطول وَلَا يَتَّسِع مجْلِس من مجَالِس كتَابنَا لَهُ، وَلَكنَّا نذْكر فِيمَا هَاهُنَا طرفا مِنْهُ وَفِيمَا نستأنفه من مجالسنا هَذِه مَا نعثر أَولا أَولا عَلَيْهِ.
وحضرني فِي بَاب نعم وَلَا شَيْء كنت نظمته وَهُوَ:
لَا فِي مُقَدّمَة اللأواء مؤذنة ... بالجحد وَالنَّفْي والحرمان والعدم
وَقد رَأينَا نعم فِي أصل بنيتها ... صيغت مُنَاسبَة النعماء وَالنعَم
وَمِمَّا أنشدوناه فِي ذمّ لَا قَول الَّذِي قَالَ:
قبحت لَا فَإِنَّهَا ... خلقت خلقَة الجلم
تذْهب الْعرف والجمي؟ ... ل وَتَأْتِي على الْكَرم
اللُّغَات فِي نعم وَفِي نعم لُغَتَانِ مشهورتان ولغة شَاذَّة، فأشهر المشهورتين مِنْهُمَا نعَم بِفَتْح الْعين، وَعَلَيْهَا قِرَاءَة الْجُمْهُور من أهل الحجار وَالشَّام والعراقيين؛ وَقَرَأَ باللغة الثَّانِيَة عمر بْن الْخطاب ﵁ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ وَهِي نعِم، بِكَسْر الْعين، وَهِي قِرَاءَة أَبِي وَائِل
стр. 416
شَقِيق بْن سَلمَة، واختارها الْكسَائي فَقَرَأَ بهَا فِي الْقُرْآن كُله كَقَوْلِه " قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ " الْأَعْرَاف: ١١٤و " قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذن لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ " الشُّعَرَاء:٤٢ واللغة الشاذة نعام وبالقراءة الأولى نَقْرَأ لاستفاضتها فِي الْخَاصَّة والعامة لُغَة وتلاوة. وَقد ذكر عَن أَبِي وَائِل أَنه كَانَ إِذا سمع قَارِئًا يقْرَأ نعم بِالْفَتْح قَالَ لَهُ: نعم وَشاء، يَعْنِي إبِلا وَغنما؛ كَمَا قَالَ زُهَيْر.
فَيوم مِنْك خيرٌ من أنَاس ... كثيرٍ حَولهمْ نعم وَشاء
وَيُقَال لِلْإِبِلِ وَالْبَقر وَالْغنم نعم وأنعام. وَقَالَ بعض أهل اللُّغَة يُقَال لِلْإِبِلِ على انفرادها نعم، وَلَا يُقَال ذَلِك للبقر وَالْغنم إِلَّا إِذْ كَانَت مَعَ الْإِبِل.
وَأما الْأَنْعَام فيستوي كل نوع من ذَلِك فِي التَّسْمِيَة بِهِ نعم، قَالَ ذَلِك الْأَصْمَعِي. وَقَالَ بَعضهم أَنا عيم لجَماعَة الْإِبِل، يُقَال: نعم ثُمَّ أنعام ثمَّ أَنا عيم قَالَ ذُو الرمة:
داني لَهُ القيدُ فِي ديمومةٍ قذفٍ ... قينيه وانحسرتْ عَنْهُ الأناعيمُ
نعم وَلَا فِيمَا يتَّصل بالفقه
وَمِمَّا فِي نعم وَلَا مِمَّا يتَّصل بِعلم الْفِقْه قَول الرجل للأخر: اعطني سرج بغلي هَذَا أَو لجام دَابَّتي هَذِه فَقَالَ: نعم أَولا، وَلم يصله بأعطيكه، فَإِن شَيخنَا أَبَا جَعْفَر ذهب إِلَى أَن هَذَا إِقْرَار مِنْهُ بالسرج واللجام. وَحكى هَذَا عَن أَبِي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد، وَاحْتج بِأَن قَوْله نعم إنعام بِالْفِعْلِ، لَا إباء لَهُ، وَهَذَا عِنْدِي كَمَا قَالَ. وَحكى عَن أَبِي ثَوْر أَنه قَالَ: قَوْله نعم إِقْرَار وَقَوله لَا لَيْسَ بِإِقْرَار، وَبَين فَسَاد قَوْله بِنَحْوِ مَا قدما بَيَانه.
الْمجْلس السَّابِع وَالْخَمْسُونَ
رَسُول الله يعرض نَفسه على الْقَبَائِل
أَخْبَرَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوفُ بِحَرَمِيٍّ الأَضَاحِي قَالَ حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن شبيبٍ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مِهْرَانَ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نصرٍ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ حَدَّثَنِي عليّ بْن أبي طَالِب ﵇ قَالَ: لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَعْرِضَ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ خَرَجَ وَأَنَا مَعَهُ وَأَبُو بكرٍ، فَدَفَعَنَا إِلَى مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الْعَرَبِ فَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ رَجُلا نَسَّابَةً فَسَلَّمَ فَرَدُّوا السَّلامَ فَقَالَ: مِمَّنِ الْقَوْمُ؟ قَالُوا: مِنْ رَبِيعَةَ، قَالَ: مِنْ هَامَتِهَا أَوْ مِنْ لَهَازِمِهَا، قَالُوا: بَلْ مِنْ هَامَتِهَا الْعُظْمَى قَالَ: وَأَيُّ هَامَتِهَا الْعُظْمَى؟ قَالُوا: ذُهَلُ الأَكْبَرُ، قَالَ: فَمِنْكُمْ عَوْفٌ الَّذِي كَانَ يُقَالُ: لَا حُرَّ بِوَادِي عوفٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَمِنْكُمْ بِسْطَامُ أَبُو اللِّوَاءِ وَمُنْتَهَى الأَحْيَاءِ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَمِنْكُمْ حَسَّانُ بْنُ رَبِيعَةَ حَامِي الذِّمَارِ وَمَانِعُ الْجَارِ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَمِنْكُمُ الْحَوْفَزَانُ قَاتِلُ الْمُلُوكِ وَسَالِبُهَا أَنْفُسَهَا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَمِنْكُمُ الْمُزْدَلِفُ صَاحِبُ الْعِمَامَةِ الْفَرْدَةِ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ:
стр. 417
فَأَنْتُمْ أَخْوَالُ الْمُلُوكِ مِنْ كِنْدَةَ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَأَنْتُمْ أَصْهَارُ الْمُلُوكِ مِنْ لخمٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَلَسْتُمْ أَنْتُمْ ذُهَلُ الأَكْبَرُ أَنْتُمْ ذُهَلُ الأَصْغَرُ. فَقَامَ إِلَيْهِ غُلامٌ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ يُقَالُ لَهُ دعفل حِينَ بَقَلَ وَجْهُهُ، فَقَالَ:
إِنَّ عَلَى سَائِلِنَا أَنْ نَسْأَلَهْ ... وَالْعِبْءُ لَا تَعْرِفُهُ أَوْ تَحْمِلُهْ
يَا هَذَا إِنَّكَ قَدْ سَأَلْتَنَا فَلَمْ نَكْتُمْكَ شَيْئًا، فَمِمَّنِ الرَّجُلُ؟ قَالَ: مِنْ قُرَيْشٍ، قَالَ: بخٍ بخٍ أَهْلُ الشَّرَفِ وَالرِّئَاسَةِ، فَمِنْ أَيِّ قريشٍ أَنْتَ؟ قَالَ: مِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: أَمْكَنْتَ وَاللَّهِ الرَّامِيَ مِنْ صَفَا الثَّغْرَةِ، فَمِنْكُمْ قُصَيُّ بْنُ كِلابٍ الَّذِي جَمَعَ اللَّهُ بِهِ الْقَبَائِلَ مِنْ فهرٍ فَكَانَ يُدْعَى مُجَمِّعًا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَمِنْكُمْ هَاشِمٌ الَّذِي هَشَمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ وَرِجَالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجَافٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَمِنْكُمْ شَيْبَةُ الْحَمْدِ مُطْعِمُ طَيْرِ السَّمَاءِ الَّذِي كَأَنَّ وَجْهَهُ قَمَرٌ يُضِيءُ لَيْلَةَ الظَّلامِ الدَّاجِي؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَفَمِنَ الْمُفِيضِينَ بِالنَّاسِ أَنْتَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَفَمِنْ أَهْلِ النَّدْوَةِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أَفَمِنْ أَهْلِ الْحِجَابَةِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَفَمِنْ أَهْلِ السِّقَايَةِ أَنْتَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فاجتذب أبنو بكرٍ ﵁ زِمَامَ نَاقَتِهِ فَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ دَغْفَلٌ:
صَادَفَ دَرْءُ السَّيْلِ دَرْءًا يَدْفَعُهُ ... يَهْضِبُهُ يَرْفَعُهُ أَوْ يَصْدَعُهُ
وَايْم الله لَو بثت لأَخْبَرْتُكَ أَنَّكَ مِنْ زَمَعَاتِ قُرَيْشٍ أَوْ مَا أَنَا بِدَغْفَلٍ. قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قَالَ عَلِيٌّ فَقُلْتُ: يَا أَبَا بكرٍ وَقَعْتَ مِنَ الأَعْرَابِيِّ عَلَى باقعةٍ، قَالَ: أَجَلْ. إِنَّ فَوْقَ كُلِّ ذِي طامةٍ طَامَّةٌ وَالْبَلاءُ مُوَكَّلٌ بِالْمَنْطِقِ. قَالَ عَلِيٌّ ﵇: ثُمَّ دَفَعَنَا إِلَى مجلسٍ آخَرَ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، فَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ، فَسَلَّمَ، فَرَدُّوا ﵇، فَقَالَ: مِمَّنِ الْقَوْمُ؟ قَالُوا: مِنْ بَنِي شَيْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ، فَالْتَفَتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ بَعْدَ هَؤُلاءِ عِزٌّ فِي قومٍ. وَكَانَ فِي الْقَوْمِ مَفْرُوقُ بْنُ عَمْرٍو وَهَانِئُ بْنُ قَبِيصَةَ وَالْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ وَالنُّعْمَانُ بْنُ يَزِيدَ. وَكَانَ مَفْرُوقُ بْنُ عمروٍ قَدْ عَلاهُمْ جَمَالا وَلِسَانًا، وَكَانَتْ لَهُ غَدِيرَتَانِ تَسْقُطَانِ عَلَى تَرِيبَتِهِ، وَكَانَ أَدْنَى الْقَوْمِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: كَيْفَ الْعَدَدُ فِيكُمْ؟ قَالَ: إِنَّا لَنَزِيدُ عَلَى ألفٍ وَلَنْ نُغْلَبَ عَنْ قِلَّةٍ، قَالَ: فَكَيْفَ الْمَنْعَةُ فِيكُمْ؟ قَالَ: عَلَيْنَا الْجَهْدُ وَلِكُلِّ قَوْمٍ حَدٌّ، قَالَ: فَكَيْفَ الحربُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّكُمْ؟ قَالَ: إِنَّا أَشَدُّ مَا نَكُونُ غَضَبًا حِينَ نَلْقَى وَأَشَدُّ مَا نَكُونُ لِقَاءً حِينَ نَغْضَبُ، وَإِنَّا نُؤْثِرُ جِيَادَنَا عَلَى أَوْلادِنَا، وَالسِّلاحَ على اللقَاح، النَّصْر مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى يُدِيلُنَا لَنَا وَعَلَيْنَا، لَعَلَّكَ أَخُو قُرَيْشٍ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ بَلَغَكُمْ أَنَّهُ رَسُول الله فها هوذا فِي الرَّحْلِ، قَالَ: قَدْ بَلَغَنَا أَنه يَقُول ذَلِك. قَالُوا: فَإلَى مَا تَدْعُو يَا أَخَا قُرَيْشٍ؟ فَقَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَدْعُوكُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَأَنْ تُؤْوُونِي وَتَنْصُرُونِي، فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ ظَاهَرُوا عَلَى أَمْرِ اللَّهِ وَكَذَّبُوا رُسُلَهُ، وَاسْتَغْنَوْا بِالْبَاطِلِ عَنِ الْحَقِّ، وَهُوَ اللَّهُ الْغَنِيّ الحميد، قَالَ فَإلَى مَا تَدْعُو أَيْضًا؟ قَالَ: (فَتَلا عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : " قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وبالوالدين إحساناً " إِلَى قَوْله: " ذَلِكُم وَصَّاكُم بِهِ " " الْأَنْعَام:١٥١ " قَالُوا: وَإِلَى مَا تَدْعُو أيضاص؟ قَالَ: فَتَلا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكر وَالْبَغي " النَّحْل: ٩٠ الْآيَة. فَقَالَ مَفْرُوقُ بْنُ عمروٍ: دَعَوْتَ وَاللَّهِ إِلَى مَحَاسِنِ الأَعْمَالِ وَمَكَارِمِ الأَخْلاقِ وَلَقَدْ أَفِكَ قَوْمٌ ظَاهَرُوا عَلَيْكَ وَكَذَّبُوكَ. وَكَأَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يُشْرِكَهُ فِي الْكَلامِ هَانِئَ بْنَ قَبِيصَةَ فَقَالَ وَهَذَا هَانِئُ بْنُ قبيضة، وَهُوَ شَيخنَا وَصَاحب حبنا، فَتَكَلَّمَ هَانِئُ بْنُ قَبِيصَةَ فَقَالَ: يَا أَخَا قُرَيْشٍ قَدْ سمعتُ مَقَالَتك، وَإِن لَنَرَى تَرْكَنَا دِينَنَا وَاتِّبَاعَنَا دِينَكَ لِمَجْلِسٍ جَلَسْتَهُ مِنَّا لَمْ نَنْظُرْ فِي أَمْرِكَ وَلَمْ نَتَثَبَّتْ فِي عَاقِبَةِ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ وَلَهًا فِي الرَّأْيِ وَإِعْجَالا فِي النَّظَرِ، وَالْوَلَهُ يَكُونُ مَعَ الْعَجَلَةِ، وَمِنْ وَرَائِنَا قوم نكره أَن تعقد عَلَيْهِمْ عَقْدًا، وَلَكِنْ نَرْجِعُ وَتَرْجِعُ، وَنَنْظُرُ وَتَنْظُرُ. وَكَأَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يُشْرِكَهُ فِي الْكَلامِ الْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ فَقَالَ: وَهَذَا شَيْخُنَا وَكَبِيرُنَا وَصَاحِبُ حَرْبِنَا، فَتَكَلَّمَ الْمُثَنَّى فَقَالَ: يَا أَخَا قُرَيْشٍ قَدْ سَمِعْتُ مَقَالَتَكَ، فَأَمَّا الْجَوَابُ فَهُوَ جَوَابُ هَانِئِ بْنِ قَبِيصَةَ، وَأَمَّا أَنْ نُؤْوِيَكَ وَنَنْصُرَكَ فَإِنَّا نَزَلْنَا بَيْنَ صيرين: الْيَمَامَة السمامة. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَمَا هَذَانِ الصِّيرَانِ؟ فَقَالَ: مِيَاهُ الْعَرَبِ وَأَنْهَارُ كِسْرَى، فَأَمَّا مَا كَانَ مِمَّا يَلِي مِيَاهَ الْعَرَبِ فَذَنْبُ صَاحِبِهِ مَغْفُورٌ وَعُذْرُهُ مَقْبُولٌ، وَأَمَّا مَا يَلِي أَنْهَارَ كِسْرَى فَذَنْبُ صَاحِبِهِ غَيْرُ مَغْفُورٍ، وَعُذْرُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَإِنَّمَا نَزَلْنَا عَلَى عَهْدٍ أَخَذَهُ عَلَيْنَا كِسْرَى أَنْ لَا نُحْدِثَ حَدَثًا وَلا نُؤْوِيَ مُحْدِثًا، وَلَسْنَا نَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الأَمْرُ الَّذِي تَدْعُونَا إِلَيْهِ مِمَّا يَكْرَهُ الْمُلُوكُ، فَإِن أَحْبَبْت أَن تؤويك مِمَّا يَلِي مِيَاهَ الْعَرَبِ آوَيْنَاكَ وَنَصَرْنَاكَ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا أَسَأْتُمُ الرَّدَّ إِذْ أَفْصَحْتُمْ بِالصِّدْقِ، وَلَيْسَ يَقُومُ بِدِينِ اللَّهِ إِلا مَنْ حَاطَهُ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ، أَرَأَيْتُمْ إِنْ لَمْ تَلْبَثُوا إِلا قَلِيلا حَتَّى يَمْنَحَكُمُ اللَّهُ أَمْوَالهم ويفرشكم نِسَاءَهُمْ يورثكم دِيَارَهُمْ، أَتُسَبِّحُونَ اللَّهَ تَعَالَى وَتُقَدِّسُونَهُ؟ فَقَالَ النُّعْمَانُ: هَذَا لَكَ، فَتَلا
стр. 418
عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا " الْبَقَرَة: ١١٩ " وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا " الْأَحْزَاب: ٤٦ وَوَثَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ بِيَدِي وَقَالَ: يَا عَلِيُّ، أَيُّ أحلامٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِهَا يَكُفُّ اللَّهُ بَأْسَ بَعْضَهُمْ عَنْ بَعْضٍ وَبِهَا يَتَحَاجَزُونَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا؟!
تعليقات على الْخَبَر
قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: قَول أَبِي بكرٍ ﵁: من لهازمها، اللهازم: نواحي الْعُنُق وجوانبه، قَالَ الراجز:
يَا خاز باز أرسل اللهازما
وَقَوله: من صفا الثغرة: الصَّفَا الْحجر الأملس وَمِنْه " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ " الْبَقَرَة: ١٥٨ قَالَ جرير:
стр. 419
هَبّتْ شَمَالا فذِكْرَى مَا ذَكَرْتُكُمُ ... إِلَى الصَّفَاةِ الَّتِي شَرْقِيَّ حَوْرَانَا
وَقَالَ أَبُو ذُؤَيْب:
حَتَّى كَأَنِّي للحوادث صَخْرَة ... بصفا المشقر كل يومٍ تقرع
ويروى بقفا المشقر، ويروى الْمشرق؛ وَذكرت أبياتًا عَن لي فِي بَعْضهَا ذكر الصَّفَا وقرعها وَهِي:
حَلَفت يَمِينا برة وشفعتها ... فَهَل أَنْت مني باليمينين قَانِع
فَمَا نازعت نَفسِي إِلَى مَا كرهته ... وَلَا خلتها يَوْمًا إِلَيْهِ تنَازع
وَلَا حل من قلبِي هَوَاك محلّة ... من النَّاس مِمَّن أصطفي وأشايع
لقد قرع الواشي بِأَهْوَن سَعْيه ... صفاة قَدِيما أخطأتها القوارع
فأزعجني فِي ضعفه وَهُوَ سَاكن ... وشرد عَن عَيْني الْكرَى وَهُوَ هاجع
وَأما الثغرة فَهِيَ اللبة، قَالَ عنترة:
مَا زلتُ أرْميهم بثُغْرةِ نَحْره ... ولِبَانِهِ حَتَّى تسربل بِالدَّمِ
وَرُوِيَ ثغرة وَجهه. وَقَالَ ثَابت: الثغرة: الهزمة الَّتِي بَين الترقوتين. وَقَوله: الهضبة: الدفعة من الْمَطَر تجمع هضبًا، قَالَ ذُو الرمة:
فَبَاتَ يشئزه ثأد ويسهره ... تذوب الرّيح والوسواس والهضب
وَأما قَول هاني بْن قبيصَة: وَله فِي الرَّأْي الوله: الْحيرَة القلق، وَلَعَلَّه قَالَ: وَهل، فَمن هَا هُنَا اشْتبهَ. والوهل: الْخَطَأ والغلط والزلل.
وَأما قَول الْمثنى بْن حَارِثَة: فَإنَّا نزلنَا بَين صيرين فَإِن الصير: الْجَانِب والناحية وَالْحَد. قَالَ زُهَيْر:
وَقد كنتُ من سلمى سنينَ ثَمانيًا ... على صِيرِ أمرٍ مَا يمر وَلَا يحلو
شاهك يَا أَبَا مُسلم حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دريدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِم عَنِ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كنت أطلب الْعلم فر آتِي مَوْضِعًا إِلا وَجَدْتُ أَبَا مسلمٍ قَدْ سَبَقَنِي إِلَيْهِ، فَأَلِفَنِي فَدَعَانِي إِلَى مَنْزِلِهِ، وَدَعَا بِمَا حَضَرَ فَأَكَلْتُ، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ لَعِبُكَ بِالشِّطْرَنْجِ؟ فَقُلْتُ: إِنِّي لاعِبٌ بِهَا، فَدَعَا بِشِطْرَنْجِهِ، فَتَنَاوَلْتُ السَّوَادَ فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيَّ، فَتَنَاوَلَهَا مِنْ بَين يَدي وَأَعْطَانِي الْبيَاض، فأشفت شَاهُهُ عَلَى الْقَتْلِ، فَدَاخَلَهُ أَمْرٌ عَظِيمٌ، فَاغْتَمَمْتُ لَهُ، ثُمَّ قَالَ لِي: الْعَبْ فَقَدْ فَرَّجَ اللَّهُ، فَخَلَّصَ شَاهَهُ وَجَعَلَ يَقُولُ:
ذَرُونِي ذَرُونِي مَا قَدَرْتُ فَإِنَّنِي ... مَتَّى مَا أُهِجْ حَرْبًا تَضِقْ بِكُمْ أَرْضِي
وَأَبْعَثُ فِي سُودِ الْحَدِيدِ إِلَيْكُمْ ... كَتَائِبَ سُودًا طَالَمَا انْتَظَرَتْ نَهْضِي
قَالَ: فَكُنْتُ أُلاعِبُهُ وَيَلْهُو بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ حَتَّى بَلَغَنِي خُرُوجَهُ.
стр. 420
وُجُوه الْإِعْرَاب فِي وأبعث
قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج وأبعث فِيهِ من جِهَة الْأَعْرَاب ثَلَاثَة أوجه: الْجَزْم على الْعَطف إِلَّا أَنه لَا يسْتَعْمل فِي هَذَا الْموضع لإِقَامَة وزن الْبَيْت، وَالرَّفْع على الِاسْتِئْنَاف، وَالنّصب بإضمار أَن وَالتَّقْدِير: يكون مني هيج فأبعث، فَلَا يعْطف أبْعث على هيج لِأَن هيج مصدر وأبعث فعل فتقدر أَن إِذْ هِيَ وَالْفِعْل مصدر، فَيصح حِينَئِذٍ عطف الثَّانِي على الأول لِأَنَّهُ عطف اسمٍ على اسمٍ، ويسمي الْكُوفِيُّونَ هَذَا الْوَجْه الصّرْف لِأَنَّهُ صرف عَن الْجَزْم؛ وَقد جَاءَ هَذَا كثيرا فِي الْقُرْآن وَالشعر؛ قَالَ الله تَعَالَى: " إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ " مُحَمَّد: ٧ فَجزم الثَّانِي على الْعَطف. قَالَ تَعَالَى: " وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ من يَشَاء " الْبَقَرَة: ٢٨٤ فقرىء فَيغْفر ويعذب جزما ورفعًا ونصبًا، وَقَرَأَ القرأة: " أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ، وَيَعْلَمَ الَّذِينَ " الشورى: ٣٤، ٣٥ بِالرَّفْع وَالنّصب فِي يعلم. وقرىء: " وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ " آل عمرَان:١٤٢ على النصب والجزم. وَقَوْلهمْ لَا تَأْكُل السّمك وتشرب اللَّبن بِالنّصب إِذْ أُرِيد بِهِ النَّهْي عَن الْجمع بَينهمَا دون الْإِفْرَاد، وَإِن أُرِيد النَّهْي عَن كل واحدٍ مِنْهُمَا فالجزم هُوَ الْكَلَام. وَقد أَتَى كثير من هَذَا فِي الشّعْر، قَالَ الشَّاعِر:
فَإِن لم أصدق ظنكم بتيقن ... فَلَا سقت الأوصال مني الرواعد
وَيعلم أكفائي من النَّاس أنني ... أَنا الْحَافِظ الحامي الذمار المداود
وَقَالَ الْأَعْشَى:
وَمن يَغْتربْ عَنْ قومه لَا يزلْ يرى ... مصَارِع مظلومٍ مجرًا ومسحبًا
وتدفن مِنْهُ الصَّالِحَات وَإِن يسئ ... يكن مَا أَسَاءَ النَّار فِي رَأس كبكبا
وَقَالَ النَّابِغَة:
فَإِن يهْلك أَبُو قَابُوس يهْلك ... ربيع النَّاس والبلد الْحَرَام
ونمسك بعده بذناب عَيْش ... أجب الظّهْر لَيْسَ لَهُ سَنَام
ويروى بذناب دهر. الْجَزْم فِي نمسك وَالرَّفْع وَالنّصب وُجُوه جَائِزَة، وَجَاز فِي هَذَا الْبَيْت الْجَزْم الَّذِي لَا يجوز فِيمَا أنشدناه، قيل لعلةٍ أَنا ذاكرها إِن شَاءَ الله.
وَأَقُول مستعينًا بِاللَّه: إِن بَيت النَّابِغَة من النَّوْع الَّذِي يُسَمِّيه العروضيون الوافر وَهُوَ أول أَنْوَاعه عِنْد جمهورهم، وَإِذا رُوِيَ بِالرَّفْع وَالنّصب فَلَا زحاف فِيهِ، وَيُسمى سالما لسلامته من الزحاف، وَإِذا رُوِيَ بِالْجَزْمِ سكنت لَام مفاعلتن فَصَارَ مفاعلتن فنقلت إِلَى مفاعيلن وَيُسمى معصوبًا. وَبَيت النَّابِغَة يرْوى على وَجْهَيْن: أجب الظّهْر بِالْإِضَافَة، وَيصرف أجب فيكسر لِإِضَافَتِهِ، ويروى أجب الظّهْر فَيفتح وَهُوَ فِي مَوضِع جرٍ إِذْ هُوَ صفة لعيشٍ أَو دهر لِأَنَّهُ لَا ينْصَرف والتنوين مُقَدّر فِي أَصله. وَمن هَذَا الْبَاب زيد حسن
стр. 421
الْوَجْه. قَالَ زُهَيْر:
أَهْوى لَهَا أسفع الْخَدين مطرق ... ريش القوادم لم ينصب لَهُ الشّرك
فالنصب فِي ريش القوادم كالنصب فِي زيد الْحسن الْوَجْه، وَالْحسن الْوَجْه أقوى عِنْد الْبَصرِيين من حسن الْوَجْه وهما عِنْد الْكُوفِيّين سَوَاء. قَالَ الْحَارِث بْن ظَالِم:
فَمَا قومِي بِثَعْلَبَة بْن سعدٍ ... وَلَا بفزارة الشّعْر الرقابا
وَقَالَ عدي بْن زيدٍ:
من وليٍ أَو أخي ثقةٍ ... والبعيد الشاحط الدارا
وَهَذَا بَاب من النَّحْو لَهُ شعب وفروع وَلَا ستقصائه مَوضِع هُوَ أولى بِهِ.
بَين عريب وعلويه حَدثنَا الْحُسَيْن بْن الْقَاسِم الكوكبي قَالَ حَدَّثَنَا الْفضل بْن الْعَبَّاس أَبُو الْفضل الربعِي قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن عِيسَى الْهَاشِمِي قَالَ، قَالَ علوِيَّة: أَمرنِي الْمَأْمُون وأصحابي أَن نغدو عَلَيْهِ لنصطبح، فَغَدَوْت فلقيني عَبد اللَّه بْن إِسْمَاعِيل صَاحب المراكب فَقَالَ: يَا أَيهَا الرجل الظَّالِم المعتدي، أما ترحم وَلَا ترق وَلَا تَسْتَحي من عريب، هِيَ هائمة بك وتحتلم عَلَيْك فِي كل لَيْلَة ثَلَاث مَرَّات؟ قَالَ علوِيَّة: وَكَانَت عريب أحسن النَّاس وَجها وأظرف النَّاس وأفكه، وَأحسن غناء مني وَمن صَاحِبي مُخَارق؛ فَقلت لَهُ: مر حَتَّى أجيء مَعَك. فحين دخلت قلت لَهُ: استوثق من الْأَبْوَاب فَإِنِّي أعرف النَّاس بِفُضُول الْحجاب. فَأمر بالأبواب فأغلقت، وَدخلت فَإِذا عريب جالسة على كرْسِي بَين يَديهَا ثَلَاث قدور زجاج، فَلَمَّا رأتني قَامَت إِلَى فعانقتني وقبلتني وأدخلت لسانها فِي فمي، ثُمَّ قَالَت: مَا تشْتَهي تَأْكُل؟ قلت: قدرا من هَذِه الْقُدُور، فأفرغت قدرا مِنْهَا بيني وَبَينهَا فأكلنا ثُمَّ دعت بالنبيذ فصبت رطلا فَشَرِبت نصفه وسقتني نصفه، فَمَا زلنا نشر حَتَّى سكرنا. ثُمَّ قَالَت يَا أَبَا الْحسن، أخرجت البارحة شعر أَبِي الْعَتَاهِيَة فاخترت مِنْهُ شعرًا، وَقلت: مَا هُوَ؟ قَالَت:؟
وَإِنِّي لمشتاق إِلَى ظلّ صَاحب ... يروق ويصفو إِن كدرت عَلَيْهِ
عذيري من الْإِنْسَان لَا إِن جفوته ... صفا لي وَلَا إِن كنت طوع يَدَيْهِ
فصيرناه مَجْلِسنَا، فَقَالَت: بَقِي عَليّ فِيهِ شَيْء فأصلحه، قلت: مَا فِيهِ شَيْء، قَالَت: بلَى فِي مَوضِع كَذَا، فَقلت: أَنْت أعلم، فصححناه جَمِيعًا. ثُمَّ جَاءَ الْحجاب فكسروا الْبَاب واستخرجت فأدخلت على الْمَأْمُون، فَأَقْبَلت أرقص من أقْصَى الصحن وأصفق بيَدي وَأغْنِي الصَّوْت، فَسمع وسمعوا مالم يعرفوه فاستظرفوه. فَقَالَ الْمَأْمُون: أدن يَا عُلْوِيَّهُ، فدنوت فَقَالَ: رد الصَّوْت، فرددته سبع مَرَّات، فَقَالَ: أَنْت الَّذِي تشتاق إِلَى ظلّ صَاحب يروق ويصفوا إِن كدرت عَلَيْهِ؟ فَقلت: نعم، فَقَالَ: خُذ مني الْخلَافَة وَأَعْطِنِي هَذَا الصاحب بدلهَا. وسألني عَن خَبره فَأَخْبَرته فَقَالَ: قاتلها الله فَهِيَ أجل أبزارٍ من أَبَا زير الدُّنْيَا.
стр. 422
من الحكم السياسية
أَخْبَرَنَا الْمُعَافَى قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الأزْهَرِ الْبُوشَنْجِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُبَارَكٌ الطَّبَريّ قَالَ: سَمِعت أَبَا عُبَيْد اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْمَنْصُورَ يَقُولُ: الْخَلِيفَة لَا يصلحه إِلَّا التَّقْوَى، وَالسُّلْطَان لَا يصلحه إِلَّا الطَّاعَة، والرعية لَا يصلحها إِلَّا الْعدْل، وَأولى النَّاس بِالْعَفو أقدرهم على الْعقُوبَة، وأنقص النَّاس عقلا من ظلم من هُوَ دونه.
فِي وصف الأحمق
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بن عبيد قَالَ، قَالَ الْهَيْثَم بْن عدي قَالَ وهب بْن مُنَبّه: الأحمق إِذا تكلم فضحه حمقه، وَإِذا سكت فضحه عيه، وَإِذا عمل أفسد وَإِذا ترك أضاع. لَا علمه يُغْنِيه، وَلَا علم غَيره يَنْفَعهُ، تود أمه لَو أَنَّهَا ثكلته، وتود امْرَأَته لَو أَنَّهَا عدمته، ويتمنى جَاره مِنْهُ الْوحدَة، وَتَأْخُذ جليسه مِنْهُ الوحشة؛ وَأنْشد لمسكين الدَّارمِيّ فِي ذَلِك:
اتَّقِ الأحمق أَن تصحبه ... إِنَّمَا الأحمق كَالثَّوْبِ الْخلق
كلما رقعت مِنْهُ جانبًا ... حركته الرّيح وَهنا فانخرق
أَو كصدع فِي زجاج فَاحش ... هَل ترى صدع زجاج يتَّفق
وَإِذا جالسته فِي مجْلِس ... أفسد الْمجْلس مِنْهُ بالخرق
وَإِذا نهنهته كي يرعوي ... زَاد جهلا وَتَمَادَى فِي الْحمق
من جاد بِمَالِه وبنفسه فقد جاد بنفسيه
قَالَ الْمُعَافَى: وحَدثني أَبُو النَّضْر الْعُقَيْليّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن أبي طَاهِر قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو تَمام حبيب بْن أَوْس الطَّائِي قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن خَالِد الشَّيْبَانِيّ قَالَ، قَالَ يزِيد بن أبي يزِيد الغساني: من جاد بِنَفسِهِ عِنْد اللِّقَاء، وبماله عِنْد الْعَطاء، فقد جاد بنفسيه كليهمَا.
طوق بْن مَالك يستزير العتابي
حَدثنَا عَبد اللَّه بْن مَنْصُور الْحَارِثِيّ، قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن أَبِي طَاهِر قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دعامة الشَّاعِر قَالَ: كتب طوق بْن مَالك إِلَى العتابي يستزيره ويدعوه إِلَى أَن يصل الْقَرَابَة بَينه وَبَينه، فَرد عَلَيْهِ: إِن قريبك من قرب مِنْك خَيره، وَإِن عمك من عمك نَفعه، وَإِن عشيرتك من أحسن عشرتك، وَإِن أحب النَّاس إِلَيْك أجداهم بِالْمَنْفَعَةِ عَلَيْك، وَلذَلِك أَقُول:
وَلَقَد بلوت النَّاس ثُمَّ سبرتهم ... وخبرت مَا وصلوا من الْأَسْبَاب
فَإِذا الْقَرَابَة لَا تقرب قَاطعا ... وَإِذا الْمَوَدَّة أقرب الْأَنْسَاب
ويدوى أكبر
стр. 423
الْمجْلس الثَّامِن وَالْخَمْسُونَ
خطْبَة لعمر ﵁
أَخْبَرَنَا الْمُعَافَى بْن زَكَرِيّا قَالَ حَدَّثَنَا ابْن أَبِي دَاوُدَ عَبدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ سِتَّ عشرَة وَثَمَانمِائَة إِمْلاءً مِنْ لَفْظِهِ بِتَلْقِينِ ابْنِهِ أَبِي مَعْمَرٍ إِيَّاهُ قَالَ حَدَّثَنَا الْمُسَيَّبُ بْنُ وَاضِحٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاق الْفَزارِيّ عَن سيعدٍ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي فِرَاسٍ قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ بْن الخَطَّاب ﵁ فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا كُنَّا نَعْرِفُكُمْ إِذْ كَانَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَكَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ وَإِذْ يُنَبِّئُنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَخْبَارِكُمْ، أَلا فَقَدْ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَانْقَطَعَ الْوَحْيُ، وَإِنَّمَا نَعْرِفُكُمْ بِمَا نَقُولُ لَكُمْ: مَنْ أَظْهَرَ مِنْكُمْ خَيْرًا ظَنَنَّا بِهِ خَيْرًا وَأَحْبَبْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ، وَمَنْ أَظْهَرَ مِنْكُمْ شَرًّا ظَنَنَّا بِهِ شَرًّا وَأَبْغَضْنَاهُ عَلَيْهِ. أَسْرَارُكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أَرَى أَحَدًا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ يُرِيدُ بِهِ إِلا مَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ خُيِّلَ إِلَيَّ أَنَّ أُنَاسًا يقرأون الْقُرْآنَ يُرِيدُونَ بِهِ مَا عِنْدَ النَّاسِ، أَلا فَأَرِيدُوا اللَّهَ بِقِرَاءَتِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ أَلا وَإِنِّي لَمْ أَبْعَثْ عَلَيْكُمْ عُمَّالا لِيَضْرِبُوا أَبْشَارَكُمْ وَلا ليأكلوا أَمْوَالكُم. وَلَكِن بعثتم لِيَحْجُزُوا بَيْنَكُمْ وَيَقْسِمُوا فِيكُمْ فَيْئَكُمْ، فَمَنْ كَانَتْ لَهُ قِبَلَ أحدٍ مِنْهُمْ مَظْلَمَةٌ فَلْيَقُمْ. فَمَا قَامَ أَحَدٌ غَيْرُ رَجُلٍ واحدٍ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ عَامِلَكَ ضَرَبَنِي مِائَةَ سوطٍ، فَسَأَلَهُ عُمَرُ لِمَ ضَرَبَهُ فَاعْتَلَّ لَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: قُمْ فَاسْتَقِدْ مِنْهُ، فَقَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْ هَذَا عَلَى عُمَّالِكَ كَبُرَ عَلَيْهِمْ وَكَانَتْ سُنَّةً يَأْخُذُ بِهَا من بعْدك، فَقَالَ عمر: أَن رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقَادَ مِنْ نَفْسِهِ، قُمْ فَاسْتَقْدِ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: أَوْ فَدَعْنَا إِذَنْ فَلْنُرْضِهِ، قَالَ: دُونَكُمْ فَأَرْضَوْهُ. فافتدوا مِنْهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ، قَالَ قُلْنَا لعطاء يعين ابْنَ عَجْلانَ: وَكَيْفَ أَقَصَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نَفْسِهِ؟ قَالَ: أَقْبَلَ مِنْ مِنًى يَزُورُ الْبَيْتَ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ عَرَضَ لَهُ إِنْسَانٌ، فَكَرِهَ أَنْ يُوطِئَهُ فَضَرَبَهُ بِمِخْصَرَتِهِ، فَلَمَّا طَافَ بِالْبَيْتِ وَصلى قَالَ: يَا أَيهَا النَّاسُ إِنِّي أَقْبَلْتُ مِنْ مِنًى فَعَرَضَ لِي إِنْسَانٌ فَضَرْبُتُه بِمِخْصَرَتِي، فَإِنْ كَانَ فِي النَّاسِ فَلْيَقُمْ. فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: أَنَا، فَقَالَ لَهُ رَسُول لله ﷺ : اسْتَقِدْ فَقَالَ: بَلْ أَعْفُو يَا رَسُولَ اللَّهِ.
تَعْلِيق الْمُؤلف على خطْبَة عمر
قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: قد ضمن عمر ﵁ خطبَته هَذِه من الحكم الَّتِي تتقبلها الْعُقُول وَيشْهد بِصِحَّتِهَا الْمَعْقُول مَا فِيهِ أَكثر النَّفْع لمن اسْتمع إِلَيْهِ، وأجرى أمره فِي دينه عَلَيْهِ، وَذكر أَنه يحمل النَّاس فِي مُوَالَاتهمْ ومعاداتهم على مَا أبدوه ويكلهم إِلَى رَبهم فِيمَا أخفوه، ونصح النَّاس
فِي مَا أَمرهم بِهِ من أَن يُرِيدُوا الله تَعَالَى بِتِلَاوَة كِتَابه كَمَا كَانَ السّلف الَّذين نزل الْوَحْي بَينهم، وَأخْبر أَنه سَيَأْتِي من يُرِيد بتلاوته النَّاس وحطام الدُّنْيَا، وَيَأْتِي بالتلاوة للسمعة والرياء، وَذكر مَا لم يكن عِنْد أحد مِمَّن سَمعه رد لَهُ وَلَا مرية
стр. 424
فِيهِ من إِنْفَاذه عماله على النَّاس للعدل فيهم وَأَدَاء حُقُوقهم إِلَيْهِم، وَأَنه حكم بِالْقصاصِ مِمَّن جنى مِنْهُم، وبإنصاف مظلومهم من ظالمهم، وَهَا نَحن فِي زمانٍ الْجور فِيهِ ظَاهر غامر، والظالم قاهر، والمظلوم حائر؛ وَأما تِلَاوَة الْقُرْآن فِي زَمَاننَا فَإِن من يتلوه فِيهِ تقربًا إِلَى ربه واعتبارًا بِهِ، وتفكرًا فِي حكمه، وتدبرًا فِي آيَاته، وتفقهًا فِي دينه، فَإِنَّهُ فِي قلته ومهانته وذلته على حد عَظِيم فِي مَنْزِلَته، وَهُوَ بِمَنْزِلَة الكبريت الْحمر فِي عزته، وبمنزلة الشامة الْبَيْضَاء فِي الثور الْأسود، إِذا نظر فِي أمره فِي عدد أَهله، ومعظم من يتلوه فِي وقتنا إِمَّا مباهٍ لأمثاله مفاخر، أَو مبارٍ لأشكاله مُكَاثِر، أَو مستميحًا للحطام والسحت الْحَرَام من ذَوي الْبَغي والضلالة، وَاللَّهْو والبطالة، بالتغني لَهُم بِهِ على الْوَجْه الَّذِي زجر الله تَعَالَى عَنْهُ وَرَسُوله من ألحان اللاهين وترجيع اللعابين، قد جعل ذَلِك لَهُ طعمه واتخذه لنَفسِهِ معيشة، وَدرت عَلَيْهِ الهبات، والعطايا والصلات، من المغرورين، المسحورين مِنْهُم والمفتونين، المطبوع على قُلُوبهم، وتعلقوا عِنْد الْعَامَّة بادعاء التَّأْوِيل فِي الْخَبَر الْوَارِد عَن النَّبِي ﷺ أَنَّهُ قَالَ: زَينُوا الْقُرْآن بِأَصْوَاتِكُمْ، وَبِقَوْلِهِ: لَيْسَ منا من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ، فَحَمَلُوهُ على غير وَجهه ووجهوه إِلَى خلاف مَا قصد لَهُ بِهِ، فَكَانُوا فِي تلاوتهم لِلْقُرْآنِ من الَّذين ذكر النَّبِي ﷺ أَنهم يتعجلونه وَلَا يتأجلونه، وَضَلُّوا عَن سَوَاء السَّبِيل فِي مَا يتأولونه.
وَقد أَتَيْنَا من الْكَلَام فِي هَذَا الْمَعْنى بِمَا ينْتَفع بِهِ النَّاظر فِيهِ، إِذا وقف على مَعَانِيه، ناصحًا لنَفسِهِ، مشفقًا من خشيَة ربه، فِي كتَابنَا الْمُسَمّى: التَّذْكِير والتحذير وَفِي بعض مَا مضى من مجَالِس كتَابنَا هَذَا وَفِي غَيرهمَا.
تعال فاستقد
وَمِمَّا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَعْنَى الْقَصَاصِ الَّذِي ذَكَرَهُ عُمَرُ فِي خُطْبَتِهِ مَا حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعَ عشرَة وثلاثمائة قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَيُّوبَ يُحَدِّثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبي حبيب بن بُكَيْرِ بْنِ عَبدِ اللَّهِ عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ مُسَافِعٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ شَيْئًا إِذَا أَكَبَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَطَعَنَهُ بِعُرْجُونٍ كَانَ فِي يَدِهِ، فَصَاحَ الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : فَاسْتَقِدْ، فَقَالَ الرَّجُلُ: قَدْ عَفَوْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ: وَمَا رُوِيَ فِي هَذَا النَّحْوِ كَثِيرٌ، وَإِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ زَمَانِ السُّوءِ الْمُشْتَكَى وَالْمَفَرُّ وَالْمَلْجَأُ، وَغَوْثُهُ الْمَأْمُولُ الْمُرْتَجَى، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
اضْرِب ضربا تقوى عَلَيْهِ
حَدثنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد الْأَزْدِيّ قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِم قَالَ: ضرب رجل من ذَوي السُّلْطَان رجلا فأوجعه فَقَالَ لَهُ: أصلحك الله اضربني ضربا تقوى عَلَيْهِ فَإِن الْقصاص أمامك.
стр. 425
الأشتر وجيداء
حَدثنَا الْحُسَيْن بْن الْقَاسِم الكوكبي قَالَ حَدَّثَنَا عَبد اللَّه بْن مُوسَى الْقرشِي ابْن أَبِي الدُّنْيَا قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن صَالح الحسني قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَن نمير بْن قحيف الْهِلَالِي قَالَ: كَانَ فِي بني هِلَال فَتى يُقَال لَهُ بشر وَيعرف بالأشتر، وَكَانَ سيدًا حسن الْوَجْه شَدِيد الْقلب سخي النَّفس، وَكَانَ معجبًا بِجَارِيَة من قومه تسمى جيداء، وَكَانَت الْجَارِيَة بارعة الْجمال، فاشتهر أمره وأمرها، وَوَقع الشَّرّ بَينه وَبَين أَهلهَا حَتَّى قتلت بَينهم الْقَتْلَى وَكَثُرت الْجِرَاحَات، ثُمَّ افْتَرَقُوا واصطلحوا على أَلا ينزل أحد مِنْهُم بِقرب الآخر، قَالَ نمير بْن قحيف: فَلَمَّا طَال على الأشتر الْبلَاء والهجر جَاءَنِي فِي ذَات يَوْم فَقَالَ: يَا نمير، هَل فِيك من خير؟ قلت: عِنْدِي كل مَا أَحْبَبْت، قَالَ: أسعدني على زِيَارَة جيداء، فقد ذهب الشوق إِلَيْهَا بروحي وتنغصت عَليّ حَياتِي، قلت: بالحب والكرامة، فانهض إِذا شِئْت؛ فَركب وركبتُ مَعَه. فسرنا يَوْمنَا وليلتنا والغد، حَتَّى إِذا أَن قريب من مغرب الشَّمْس نَظرنَا إِلَى مَنَازِلهمْ ودخلنا شعبًا خفِيا فأنخنا راحلتينا وجلين، فَجَلَسَ عِنْد الراحلتين وَقَالَ: يَا نمير اذْهَبْ بِأبي أَنْت وَأمي فَأدْخل الْحَيّ، وَاذْكُر لمن لقيك أَنَّك طَالب ضالةٍ، وَلَا تعرضن بذكري بينب شفةٍ ولسان، فَإِن لقِيت جاريتها فُلَانَة الراعية فأقرها مني السَّلَام، وسلها عَن الْخَبَر وأعلمها بمكاني. فَخرجت لَا أعذر فِي أَمْرِي حَتَّى لقِيت الْجَارِيَة فأبلغتها الرسَالَة وأعلمتها بمكانه وسألتها عَن الْخَبَر، فَقَالَت: هِيَ وَالله مشدد عَلَيْهَا متحفظ مِنْهَا، وعَلى ذَلِك فموعد كَمَا اللَّيْلَة عِنْد تِلْكَ الشجرات اللواتي عِنْد أعقاب الْبيُوت، فَانْصَرَفت إِلَى صَاحِبي فَأَخْبَرته الْخَبَر، ثُمَّ نهضنا نقود راحلتينا حَتَّى جِئْنَا الْموعد، فَلم نَلْبَث إِلَّا قَلِيلا إِذا جيداء قد جَاءَت تمشي حَتَّى دنت منا، فَوَثَبَ إِلَيْهَا الأشتر فصافحها وَسلم عَلَيْهَا وَقمت موليا عَنْهُمَا، فَقَالَا: إِنَّا نقسم عَلَيْك إِلَّا مَا رجعت، فو الله مَا بَيْننَا رِيبَة وَلَا قَبِيح نخلو بِهِ دُونك، فَانْصَرَفت رَاجعا إِلَيْهِمَا حَتَّى جَلَست مَعَهُمَا، فتحدثا سَاعَة، ثُمَّ أَرَادَت الِانْصِرَاف فَقَالَ لَهَا الأشتر: أما فِيك حِيلَة يَا جيداء، فنتحدث ليلتنا ويشكو بَعْضنَا إِلَى بعض؟ قَالَت: وَالله مَا إِلَى ذَلِك سَبِيل إِلَّا أَن نعود إِلَى الشَّرّ الَّذِي تعلم، قَالَ لَهَا الأشتر: لَا بُد من ذَلِك وَلَو وَقعت السَّمَاء على الأَرْض، قَالَت: هَل فِي صديقك هَذَا من خير أَو مَعَه مساعدة لنا؟ قَالَ: الْخَيْر كُله، قَالَت: يَا فَتى هَل فِيك من خير؟ قلت: سَلِي مَا بدا لَك فَإِنِّي منتهٍ إِلَى رَأْيك وَلَو كَانَ فِي ذَلِك ذهَاب روحي، فَقَامَتْ فنزعت ثِيَابهَا فجعلتها على فلبستها، ثُمَّ قَالَت: انْزعْ ثِيَابك، فخلعتها فلبستها ثُمَّ قَالَت: اذْهَبْ إِلَى بَيْتِي فَادْخُلْ إِلَى خبائي فَإِن زَوجي سيأتيك بعد سَاعَة أَو ساعتين فيطلب إِلَى بَيْتِي فَادْخُلْ إِلَى خبائي فَإِن زَوجي سيأتيك بعد سَاعَة أَو ساعتين فيطلب مِنْك الْقدح ليحلب فِيهِ الْإِبِل فَلَا تعطه إِيَّاه حَتَّى يُطِيل طلبه ثُمَّ ارمه بِهِ رميًا وَلَا تعطه إِيَّاه من يدك فَإِنِّي كَذَلِك كنت أفعل بِهِ، فَيذْهب فيحلب، ثُمَّ يَأْتِيك عِنْد فَرَاغه من الْحَلب والقدح ملآن لَبَنًا فَيَقُول: هاك غبوقك، فَلَا تَأْخُذ
следующие страницы →