Полный текст (740 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
الْوَجْه. قَالَ زُهَيْر:
أَهْوى لَهَا أسفع الْخَدين مطرق ... ريش القوادم لم ينصب لَهُ الشّرك
فالنصب فِي ريش القوادم كالنصب فِي زيد الْحسن الْوَجْه، وَالْحسن الْوَجْه أقوى عِنْد الْبَصرِيين من حسن الْوَجْه وهما عِنْد الْكُوفِيّين سَوَاء. قَالَ الْحَارِث بْن ظَالِم:
فَمَا قومِي بِثَعْلَبَة بْن سعدٍ ... وَلَا بفزارة الشّعْر الرقابا
وَقَالَ عدي بْن زيدٍ:
من وليٍ أَو أخي ثقةٍ ... والبعيد الشاحط الدارا
وَهَذَا بَاب من النَّحْو لَهُ شعب وفروع وَلَا ستقصائه مَوضِع هُوَ أولى بِهِ.
بَين عريب وعلويه حَدثنَا الْحُسَيْن بْن الْقَاسِم الكوكبي قَالَ حَدَّثَنَا الْفضل بْن الْعَبَّاس أَبُو الْفضل الربعِي قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن عِيسَى الْهَاشِمِي قَالَ، قَالَ علوِيَّة: أَمرنِي الْمَأْمُون وأصحابي أَن نغدو عَلَيْهِ لنصطبح، فَغَدَوْت فلقيني عَبد اللَّه بْن إِسْمَاعِيل صَاحب المراكب فَقَالَ: يَا أَيهَا الرجل الظَّالِم المعتدي، أما ترحم وَلَا ترق وَلَا تَسْتَحي من عريب، هِيَ هائمة بك وتحتلم عَلَيْك فِي كل لَيْلَة ثَلَاث مَرَّات؟ قَالَ علوِيَّة: وَكَانَت عريب أحسن النَّاس وَجها وأظرف النَّاس وأفكه، وَأحسن غناء مني وَمن صَاحِبي مُخَارق؛ فَقلت لَهُ: مر حَتَّى أجيء مَعَك. فحين دخلت قلت لَهُ: استوثق من الْأَبْوَاب فَإِنِّي أعرف النَّاس بِفُضُول الْحجاب. فَأمر بالأبواب فأغلقت، وَدخلت فَإِذا عريب جالسة على كرْسِي بَين يَديهَا ثَلَاث قدور زجاج، فَلَمَّا رأتني قَامَت إِلَى فعانقتني وقبلتني وأدخلت لسانها فِي فمي، ثُمَّ قَالَت: مَا تشْتَهي تَأْكُل؟ قلت: قدرا من هَذِه الْقُدُور، فأفرغت قدرا مِنْهَا بيني وَبَينهَا فأكلنا ثُمَّ دعت بالنبيذ فصبت رطلا فَشَرِبت نصفه وسقتني نصفه، فَمَا زلنا نشر حَتَّى سكرنا. ثُمَّ قَالَت يَا أَبَا الْحسن، أخرجت البارحة شعر أَبِي الْعَتَاهِيَة فاخترت مِنْهُ شعرًا، وَقلت: مَا هُوَ؟ قَالَت:؟
وَإِنِّي لمشتاق إِلَى ظلّ صَاحب ... يروق ويصفو إِن كدرت عَلَيْهِ
عذيري من الْإِنْسَان لَا إِن جفوته ... صفا لي وَلَا إِن كنت طوع يَدَيْهِ
فصيرناه مَجْلِسنَا، فَقَالَت: بَقِي عَليّ فِيهِ شَيْء فأصلحه، قلت: مَا فِيهِ شَيْء، قَالَت: بلَى فِي مَوضِع كَذَا، فَقلت: أَنْت أعلم، فصححناه جَمِيعًا. ثُمَّ جَاءَ الْحجاب فكسروا الْبَاب واستخرجت فأدخلت على الْمَأْمُون، فَأَقْبَلت أرقص من أقْصَى الصحن وأصفق بيَدي وَأغْنِي الصَّوْت، فَسمع وسمعوا مالم يعرفوه فاستظرفوه. فَقَالَ الْمَأْمُون: أدن يَا عُلْوِيَّهُ، فدنوت فَقَالَ: رد الصَّوْت، فرددته سبع مَرَّات، فَقَالَ: أَنْت الَّذِي تشتاق إِلَى ظلّ صَاحب يروق ويصفوا إِن كدرت عَلَيْهِ؟ فَقلت: نعم، فَقَالَ: خُذ مني الْخلَافَة وَأَعْطِنِي هَذَا الصاحب بدلهَا. وسألني عَن خَبره فَأَخْبَرته فَقَالَ: قاتلها الله فَهِيَ أجل أبزارٍ من أَبَا زير الدُّنْيَا.
стр. 422
من الحكم السياسية
أَخْبَرَنَا الْمُعَافَى قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الأزْهَرِ الْبُوشَنْجِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُبَارَكٌ الطَّبَريّ قَالَ: سَمِعت أَبَا عُبَيْد اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْمَنْصُورَ يَقُولُ: الْخَلِيفَة لَا يصلحه إِلَّا التَّقْوَى، وَالسُّلْطَان لَا يصلحه إِلَّا الطَّاعَة، والرعية لَا يصلحها إِلَّا الْعدْل، وَأولى النَّاس بِالْعَفو أقدرهم على الْعقُوبَة، وأنقص النَّاس عقلا من ظلم من هُوَ دونه.
فِي وصف الأحمق
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بن عبيد قَالَ، قَالَ الْهَيْثَم بْن عدي قَالَ وهب بْن مُنَبّه: الأحمق إِذا تكلم فضحه حمقه، وَإِذا سكت فضحه عيه، وَإِذا عمل أفسد وَإِذا ترك أضاع. لَا علمه يُغْنِيه، وَلَا علم غَيره يَنْفَعهُ، تود أمه لَو أَنَّهَا ثكلته، وتود امْرَأَته لَو أَنَّهَا عدمته، ويتمنى جَاره مِنْهُ الْوحدَة، وَتَأْخُذ جليسه مِنْهُ الوحشة؛ وَأنْشد لمسكين الدَّارمِيّ فِي ذَلِك:
اتَّقِ الأحمق أَن تصحبه ... إِنَّمَا الأحمق كَالثَّوْبِ الْخلق
كلما رقعت مِنْهُ جانبًا ... حركته الرّيح وَهنا فانخرق
أَو كصدع فِي زجاج فَاحش ... هَل ترى صدع زجاج يتَّفق
وَإِذا جالسته فِي مجْلِس ... أفسد الْمجْلس مِنْهُ بالخرق
وَإِذا نهنهته كي يرعوي ... زَاد جهلا وَتَمَادَى فِي الْحمق
من جاد بِمَالِه وبنفسه فقد جاد بنفسيه
قَالَ الْمُعَافَى: وحَدثني أَبُو النَّضْر الْعُقَيْليّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن أبي طَاهِر قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو تَمام حبيب بْن أَوْس الطَّائِي قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن خَالِد الشَّيْبَانِيّ قَالَ، قَالَ يزِيد بن أبي يزِيد الغساني: من جاد بِنَفسِهِ عِنْد اللِّقَاء، وبماله عِنْد الْعَطاء، فقد جاد بنفسيه كليهمَا.
طوق بْن مَالك يستزير العتابي
حَدثنَا عَبد اللَّه بْن مَنْصُور الْحَارِثِيّ، قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن أَبِي طَاهِر قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دعامة الشَّاعِر قَالَ: كتب طوق بْن مَالك إِلَى العتابي يستزيره ويدعوه إِلَى أَن يصل الْقَرَابَة بَينه وَبَينه، فَرد عَلَيْهِ: إِن قريبك من قرب مِنْك خَيره، وَإِن عمك من عمك نَفعه، وَإِن عشيرتك من أحسن عشرتك، وَإِن أحب النَّاس إِلَيْك أجداهم بِالْمَنْفَعَةِ عَلَيْك، وَلذَلِك أَقُول:
وَلَقَد بلوت النَّاس ثُمَّ سبرتهم ... وخبرت مَا وصلوا من الْأَسْبَاب
فَإِذا الْقَرَابَة لَا تقرب قَاطعا ... وَإِذا الْمَوَدَّة أقرب الْأَنْسَاب
ويدوى أكبر
стр. 423
الْمجْلس الثَّامِن وَالْخَمْسُونَ
خطْبَة لعمر ﵁
أَخْبَرَنَا الْمُعَافَى بْن زَكَرِيّا قَالَ حَدَّثَنَا ابْن أَبِي دَاوُدَ عَبدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ سِتَّ عشرَة وَثَمَانمِائَة إِمْلاءً مِنْ لَفْظِهِ بِتَلْقِينِ ابْنِهِ أَبِي مَعْمَرٍ إِيَّاهُ قَالَ حَدَّثَنَا الْمُسَيَّبُ بْنُ وَاضِحٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاق الْفَزارِيّ عَن سيعدٍ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي فِرَاسٍ قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ بْن الخَطَّاب ﵁ فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا كُنَّا نَعْرِفُكُمْ إِذْ كَانَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَكَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ وَإِذْ يُنَبِّئُنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَخْبَارِكُمْ، أَلا فَقَدْ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَانْقَطَعَ الْوَحْيُ، وَإِنَّمَا نَعْرِفُكُمْ بِمَا نَقُولُ لَكُمْ: مَنْ أَظْهَرَ مِنْكُمْ خَيْرًا ظَنَنَّا بِهِ خَيْرًا وَأَحْبَبْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ، وَمَنْ أَظْهَرَ مِنْكُمْ شَرًّا ظَنَنَّا بِهِ شَرًّا وَأَبْغَضْنَاهُ عَلَيْهِ. أَسْرَارُكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أَرَى أَحَدًا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ يُرِيدُ بِهِ إِلا مَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ خُيِّلَ إِلَيَّ أَنَّ أُنَاسًا يقرأون الْقُرْآنَ يُرِيدُونَ بِهِ مَا عِنْدَ النَّاسِ، أَلا فَأَرِيدُوا اللَّهَ بِقِرَاءَتِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ أَلا وَإِنِّي لَمْ أَبْعَثْ عَلَيْكُمْ عُمَّالا لِيَضْرِبُوا أَبْشَارَكُمْ وَلا ليأكلوا أَمْوَالكُم. وَلَكِن بعثتم لِيَحْجُزُوا بَيْنَكُمْ وَيَقْسِمُوا فِيكُمْ فَيْئَكُمْ، فَمَنْ كَانَتْ لَهُ قِبَلَ أحدٍ مِنْهُمْ مَظْلَمَةٌ فَلْيَقُمْ. فَمَا قَامَ أَحَدٌ غَيْرُ رَجُلٍ واحدٍ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ عَامِلَكَ ضَرَبَنِي مِائَةَ سوطٍ، فَسَأَلَهُ عُمَرُ لِمَ ضَرَبَهُ فَاعْتَلَّ لَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: قُمْ فَاسْتَقِدْ مِنْهُ، فَقَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْ هَذَا عَلَى عُمَّالِكَ كَبُرَ عَلَيْهِمْ وَكَانَتْ سُنَّةً يَأْخُذُ بِهَا من بعْدك، فَقَالَ عمر: أَن رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقَادَ مِنْ نَفْسِهِ، قُمْ فَاسْتَقْدِ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: أَوْ فَدَعْنَا إِذَنْ فَلْنُرْضِهِ، قَالَ: دُونَكُمْ فَأَرْضَوْهُ. فافتدوا مِنْهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ، قَالَ قُلْنَا لعطاء يعين ابْنَ عَجْلانَ: وَكَيْفَ أَقَصَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نَفْسِهِ؟ قَالَ: أَقْبَلَ مِنْ مِنًى يَزُورُ الْبَيْتَ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ عَرَضَ لَهُ إِنْسَانٌ، فَكَرِهَ أَنْ يُوطِئَهُ فَضَرَبَهُ بِمِخْصَرَتِهِ، فَلَمَّا طَافَ بِالْبَيْتِ وَصلى قَالَ: يَا أَيهَا النَّاسُ إِنِّي أَقْبَلْتُ مِنْ مِنًى فَعَرَضَ لِي إِنْسَانٌ فَضَرْبُتُه بِمِخْصَرَتِي، فَإِنْ كَانَ فِي النَّاسِ فَلْيَقُمْ. فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: أَنَا، فَقَالَ لَهُ رَسُول لله ﷺ : اسْتَقِدْ فَقَالَ: بَلْ أَعْفُو يَا رَسُولَ اللَّهِ.
تَعْلِيق الْمُؤلف على خطْبَة عمر
قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: قد ضمن عمر ﵁ خطبَته هَذِه من الحكم الَّتِي تتقبلها الْعُقُول وَيشْهد بِصِحَّتِهَا الْمَعْقُول مَا فِيهِ أَكثر النَّفْع لمن اسْتمع إِلَيْهِ، وأجرى أمره فِي دينه عَلَيْهِ، وَذكر أَنه يحمل النَّاس فِي مُوَالَاتهمْ ومعاداتهم على مَا أبدوه ويكلهم إِلَى رَبهم فِيمَا أخفوه، ونصح النَّاس
فِي مَا أَمرهم بِهِ من أَن يُرِيدُوا الله تَعَالَى بِتِلَاوَة كِتَابه كَمَا كَانَ السّلف الَّذين نزل الْوَحْي بَينهم، وَأخْبر أَنه سَيَأْتِي من يُرِيد بتلاوته النَّاس وحطام الدُّنْيَا، وَيَأْتِي بالتلاوة للسمعة والرياء، وَذكر مَا لم يكن عِنْد أحد مِمَّن سَمعه رد لَهُ وَلَا مرية
стр. 424
فِيهِ من إِنْفَاذه عماله على النَّاس للعدل فيهم وَأَدَاء حُقُوقهم إِلَيْهِم، وَأَنه حكم بِالْقصاصِ مِمَّن جنى مِنْهُم، وبإنصاف مظلومهم من ظالمهم، وَهَا نَحن فِي زمانٍ الْجور فِيهِ ظَاهر غامر، والظالم قاهر، والمظلوم حائر؛ وَأما تِلَاوَة الْقُرْآن فِي زَمَاننَا فَإِن من يتلوه فِيهِ تقربًا إِلَى ربه واعتبارًا بِهِ، وتفكرًا فِي حكمه، وتدبرًا فِي آيَاته، وتفقهًا فِي دينه، فَإِنَّهُ فِي قلته ومهانته وذلته على حد عَظِيم فِي مَنْزِلَته، وَهُوَ بِمَنْزِلَة الكبريت الْحمر فِي عزته، وبمنزلة الشامة الْبَيْضَاء فِي الثور الْأسود، إِذا نظر فِي أمره فِي عدد أَهله، ومعظم من يتلوه فِي وقتنا إِمَّا مباهٍ لأمثاله مفاخر، أَو مبارٍ لأشكاله مُكَاثِر، أَو مستميحًا للحطام والسحت الْحَرَام من ذَوي الْبَغي والضلالة، وَاللَّهْو والبطالة، بالتغني لَهُم بِهِ على الْوَجْه الَّذِي زجر الله تَعَالَى عَنْهُ وَرَسُوله من ألحان اللاهين وترجيع اللعابين، قد جعل ذَلِك لَهُ طعمه واتخذه لنَفسِهِ معيشة، وَدرت عَلَيْهِ الهبات، والعطايا والصلات، من المغرورين، المسحورين مِنْهُم والمفتونين، المطبوع على قُلُوبهم، وتعلقوا عِنْد الْعَامَّة بادعاء التَّأْوِيل فِي الْخَبَر الْوَارِد عَن النَّبِي ﷺ أَنَّهُ قَالَ: زَينُوا الْقُرْآن بِأَصْوَاتِكُمْ، وَبِقَوْلِهِ: لَيْسَ منا من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ، فَحَمَلُوهُ على غير وَجهه ووجهوه إِلَى خلاف مَا قصد لَهُ بِهِ، فَكَانُوا فِي تلاوتهم لِلْقُرْآنِ من الَّذين ذكر النَّبِي ﷺ أَنهم يتعجلونه وَلَا يتأجلونه، وَضَلُّوا عَن سَوَاء السَّبِيل فِي مَا يتأولونه.
وَقد أَتَيْنَا من الْكَلَام فِي هَذَا الْمَعْنى بِمَا ينْتَفع بِهِ النَّاظر فِيهِ، إِذا وقف على مَعَانِيه، ناصحًا لنَفسِهِ، مشفقًا من خشيَة ربه، فِي كتَابنَا الْمُسَمّى: التَّذْكِير والتحذير وَفِي بعض مَا مضى من مجَالِس كتَابنَا هَذَا وَفِي غَيرهمَا.
تعال فاستقد
وَمِمَّا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَعْنَى الْقَصَاصِ الَّذِي ذَكَرَهُ عُمَرُ فِي خُطْبَتِهِ مَا حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعَ عشرَة وثلاثمائة قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَيُّوبَ يُحَدِّثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبي حبيب بن بُكَيْرِ بْنِ عَبدِ اللَّهِ عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ مُسَافِعٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ شَيْئًا إِذَا أَكَبَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَطَعَنَهُ بِعُرْجُونٍ كَانَ فِي يَدِهِ، فَصَاحَ الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : فَاسْتَقِدْ، فَقَالَ الرَّجُلُ: قَدْ عَفَوْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ: وَمَا رُوِيَ فِي هَذَا النَّحْوِ كَثِيرٌ، وَإِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ زَمَانِ السُّوءِ الْمُشْتَكَى وَالْمَفَرُّ وَالْمَلْجَأُ، وَغَوْثُهُ الْمَأْمُولُ الْمُرْتَجَى، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
اضْرِب ضربا تقوى عَلَيْهِ
حَدثنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد الْأَزْدِيّ قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِم قَالَ: ضرب رجل من ذَوي السُّلْطَان رجلا فأوجعه فَقَالَ لَهُ: أصلحك الله اضربني ضربا تقوى عَلَيْهِ فَإِن الْقصاص أمامك.
стр. 425
الأشتر وجيداء
حَدثنَا الْحُسَيْن بْن الْقَاسِم الكوكبي قَالَ حَدَّثَنَا عَبد اللَّه بْن مُوسَى الْقرشِي ابْن أَبِي الدُّنْيَا قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن صَالح الحسني قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَن نمير بْن قحيف الْهِلَالِي قَالَ: كَانَ فِي بني هِلَال فَتى يُقَال لَهُ بشر وَيعرف بالأشتر، وَكَانَ سيدًا حسن الْوَجْه شَدِيد الْقلب سخي النَّفس، وَكَانَ معجبًا بِجَارِيَة من قومه تسمى جيداء، وَكَانَت الْجَارِيَة بارعة الْجمال، فاشتهر أمره وأمرها، وَوَقع الشَّرّ بَينه وَبَين أَهلهَا حَتَّى قتلت بَينهم الْقَتْلَى وَكَثُرت الْجِرَاحَات، ثُمَّ افْتَرَقُوا واصطلحوا على أَلا ينزل أحد مِنْهُم بِقرب الآخر، قَالَ نمير بْن قحيف: فَلَمَّا طَال على الأشتر الْبلَاء والهجر جَاءَنِي فِي ذَات يَوْم فَقَالَ: يَا نمير، هَل فِيك من خير؟ قلت: عِنْدِي كل مَا أَحْبَبْت، قَالَ: أسعدني على زِيَارَة جيداء، فقد ذهب الشوق إِلَيْهَا بروحي وتنغصت عَليّ حَياتِي، قلت: بالحب والكرامة، فانهض إِذا شِئْت؛ فَركب وركبتُ مَعَه. فسرنا يَوْمنَا وليلتنا والغد، حَتَّى إِذا أَن قريب من مغرب الشَّمْس نَظرنَا إِلَى مَنَازِلهمْ ودخلنا شعبًا خفِيا فأنخنا راحلتينا وجلين، فَجَلَسَ عِنْد الراحلتين وَقَالَ: يَا نمير اذْهَبْ بِأبي أَنْت وَأمي فَأدْخل الْحَيّ، وَاذْكُر لمن لقيك أَنَّك طَالب ضالةٍ، وَلَا تعرضن بذكري بينب شفةٍ ولسان، فَإِن لقِيت جاريتها فُلَانَة الراعية فأقرها مني السَّلَام، وسلها عَن الْخَبَر وأعلمها بمكاني. فَخرجت لَا أعذر فِي أَمْرِي حَتَّى لقِيت الْجَارِيَة فأبلغتها الرسَالَة وأعلمتها بمكانه وسألتها عَن الْخَبَر، فَقَالَت: هِيَ وَالله مشدد عَلَيْهَا متحفظ مِنْهَا، وعَلى ذَلِك فموعد كَمَا اللَّيْلَة عِنْد تِلْكَ الشجرات اللواتي عِنْد أعقاب الْبيُوت، فَانْصَرَفت إِلَى صَاحِبي فَأَخْبَرته الْخَبَر، ثُمَّ نهضنا نقود راحلتينا حَتَّى جِئْنَا الْموعد، فَلم نَلْبَث إِلَّا قَلِيلا إِذا جيداء قد جَاءَت تمشي حَتَّى دنت منا، فَوَثَبَ إِلَيْهَا الأشتر فصافحها وَسلم عَلَيْهَا وَقمت موليا عَنْهُمَا، فَقَالَا: إِنَّا نقسم عَلَيْك إِلَّا مَا رجعت، فو الله مَا بَيْننَا رِيبَة وَلَا قَبِيح نخلو بِهِ دُونك، فَانْصَرَفت رَاجعا إِلَيْهِمَا حَتَّى جَلَست مَعَهُمَا، فتحدثا سَاعَة، ثُمَّ أَرَادَت الِانْصِرَاف فَقَالَ لَهَا الأشتر: أما فِيك حِيلَة يَا جيداء، فنتحدث ليلتنا ويشكو بَعْضنَا إِلَى بعض؟ قَالَت: وَالله مَا إِلَى ذَلِك سَبِيل إِلَّا أَن نعود إِلَى الشَّرّ الَّذِي تعلم، قَالَ لَهَا الأشتر: لَا بُد من ذَلِك وَلَو وَقعت السَّمَاء على الأَرْض، قَالَت: هَل فِي صديقك هَذَا من خير أَو مَعَه مساعدة لنا؟ قَالَ: الْخَيْر كُله، قَالَت: يَا فَتى هَل فِيك من خير؟ قلت: سَلِي مَا بدا لَك فَإِنِّي منتهٍ إِلَى رَأْيك وَلَو كَانَ فِي ذَلِك ذهَاب روحي، فَقَامَتْ فنزعت ثِيَابهَا فجعلتها على فلبستها، ثُمَّ قَالَت: انْزعْ ثِيَابك، فخلعتها فلبستها ثُمَّ قَالَت: اذْهَبْ إِلَى بَيْتِي فَادْخُلْ إِلَى خبائي فَإِن زَوجي سيأتيك بعد سَاعَة أَو ساعتين فيطلب إِلَى بَيْتِي فَادْخُلْ إِلَى خبائي فَإِن زَوجي سيأتيك بعد سَاعَة أَو ساعتين فيطلب مِنْك الْقدح ليحلب فِيهِ الْإِبِل فَلَا تعطه إِيَّاه حَتَّى يُطِيل طلبه ثُمَّ ارمه بِهِ رميًا وَلَا تعطه إِيَّاه من يدك فَإِنِّي كَذَلِك كنت أفعل بِهِ، فَيذْهب فيحلب، ثُمَّ يَأْتِيك عِنْد فَرَاغه من الْحَلب والقدح ملآن لَبَنًا فَيَقُول: هاك غبوقك، فَلَا تَأْخُذ
стр. 426
مِنْهُ حَتَّى يُطِيل، نكدًا عَلَيْهِ، ثُمَّ خُذْهُ أَو دَعه حَتَّى يَضَعهُ، ثُمَّ لست ترَاهُ حَتَّى يصبح إِن شَاءَ الله، قَالَ: فَذَهَبت فَفعلت مَا أَمرتنِي بِهِ حَتَّى إِذا جَاءَ بالقدح الَّذِي فِيهِ اللَّبن أَمرنِي أَن آخذه فَلم آخذه حَتَّى طَال نكدي عَلَيْهِ، ثُمَّ أهويت لأَخذه وأهوى ليضعه وَاخْتلفت يَدي وَيَده، فانكفأ الْقدح واندفق مَا فِيهِ، فَقَالَ: إِن هَذَا طماح مفرط، وَضرب بِيَدِهِ إِلَى مقدم الْبَيْت فاستخرج مِنْهُ سَوْطًا مفتولا كمتن الثعبان المطوق ثُمَّ دخل عَليّ فهتك السّتْر عني وَقبض بشعري ثُمَّ أتبع ذَلِك السَّوْط متني، فضربني تَمام ثَلَاثِينَ، ثُمَّ جَاءَت أمه وأخوته وَأُخْت لَهُ فانتزعوني من يَده، وَلَا وَالله مَا أقلع حَتَّى زايلني روحي وهممت أَن أوجرة السكين وَإِن كَانَ فِيهِ الْمَوْت فَلَمَّا. خَرجُوا عني وَهُوَ مَعَهم شددت ستري وَقَعَدت كَمَا كنت، فَلم ألبث إِلَّا قَلِيلا حَتَّى إِذا أم جيداء قد دخلت عَليّ تكلمني، فكلمتني وَهِي تحسبني ابْنَتهَا، فأتقيها بالسكات والبكاء، وتغطيت بثوبي دونهَا، فَقَالَت: يَا بنية اتقِي الله رَبك وَلَا تعرضي لمكروه زَوجك، فَذَاك أولى بك، فَأَما الأشتر فَلَا أشتر لَك آخر الدَّهْر. ثُمَّ خرجت من عِنْدِي وَقَالَت: سأرسل إِلَيْك أختك تونسك وتبيت عنْدك اللَّيْلَة، فَلَبثت غير مَا كثير، فَإِذا الْجَارِيَة قد جَاءَت فَجعلت بتكي وَتَدْعُو على من ضَرَبَنِي، وَجعلت لَا أكلمها، ثُمَّ اضطجعت إِلَى جَانِبي، فَلَمَّا اسْتَمْكَنت مِنْهَا شددت بيَدي على فمها وَقلت: يَا هَذِه تِلْكَ أختك مَعَ الأشتر، وَقد قطع ظَهْري اللَّيْلَة فِي سَببهَا، وَأَنت أولى بالستر عَلَيْهَا، فاختاري لنَفسك وَلها، فو الله لَئِن تَكَلَّمت
بكلمةٍ لأصيحن بجهدي حى تكون الفضيحة شَامِلَة. ثُمَّ رفعت يَدي عَنْهَا فاهتزت الْجَارِيَة كَمَا تهتز القصبة من الزَّرْع، ثُمَّ بَات معي مِنْهَا أَمْلَح رَفِيق رافقته وأعفه وَأحسنه حَدِيثا فَلم تزل تَتَحَدَّث وتضحك مني وَمِمَّا بليت بِهِ من الضَّرْب حَتَّى برق النُّور وَإِذا جيداء قد دخلت علينا من آخر الْبَيْت، فَلَمَّا رأتنا ارتاعت وفزعت وَقَالَت: وَيلك من هَذَا عنْدك؟ قلت: أختك، قَالَت: وَمَا السَّبَب؟ قلت: هِيَ تخبرك، ولعمر الله إِنَّهَا لعالمة بِمَا نزل بِي، وَأخذت ثِيَابِي مِنْهَا ومضيت إِلَى صَاحِبي فَرَكبْنَا وَنحن خائفان فَلَمَّا أطمأننا حدثته بِمَا أصابني وكشفت عَن ظَهْري فَإِذا فِيهِ مَا غرس الله من ضربةٍ إِلَى جَانب أُخْرَى، كل ضَرْبَة تخرج الدَّم وَحدهَا، فَلَمَّا رأى ذَلِك قَالَ: لقد عظمت صنيعتك وَوَجَب شكرك إِذْ خاطرت بِنَفْسِك فبلغني الله مكافأتك. بكلمةٍ لأصيحن بجهدي حى تكون الفضيحة شَامِلَة. ثُمَّ رفعت يَدي عَنْهَا فاهتزت الْجَارِيَة كَمَا تهتز القصبة من الزَّرْع، ثُمَّ بَات معي مِنْهَا أَمْلَح رَفِيق رافقته وأعفه وَأحسنه حَدِيثا فَلم تزل تَتَحَدَّث وتضحك مني وَمِمَّا بليت بِهِ من الضَّرْب حَتَّى برق النُّور وَإِذا جيداء قد دخلت علينا من آخر الْبَيْت، فَلَمَّا رأتنا ارتاعت وفزعت وَقَالَت: وَيلك من هَذَا عنْدك؟ قلت: أختك، قَالَت: وَمَا السَّبَب؟ قلت: هِيَ تخبرك، ولعمر الله إِنَّهَا لعالمة بِمَا نزل بِي، وَأخذت ثِيَابِي مِنْهَا ومضيت إِلَى صَاحِبي فَرَكبْنَا وَنحن خائفان فَلَمَّا أطمأننا حدثته بِمَا أصابني وكشفت عَن ظَهْري فَإِذا فِيهِ مَا غرس الله من ضربةٍ إِلَى جَانب أُخْرَى، كل ضَرْبَة تخرج الدَّم وَحدهَا، فَلَمَّا رأى ذَلِك قَالَ: لقد عظمت صنيعتك وَوَجَب شكرك إِذْ خاطرت بِنَفْسِك فبلغني الله مكافأتك.
قَالَ الكوكبي وحَدثني أَحْمَد بْن جَعْفَر الْمُسْتَمْلِي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو يُونُس مُحَمَّد بْن نعيم الْوراق حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن صَالح مثله سَوَاء.
هَذَا فزدي أَنه
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ قَالَ حَدَّثَنِي أبي قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الْحَارِث قَالَ، قَالَ أَبُو عبد الله ابْن الْأَعرَابِي: كَانَ حَاتِم الطَّائِي أَسِيرًا فِي عنزة فَقَالَت لَهُ امْرَأَة مِنْهُم يَوْمًا: قُم فافصد لنا هَذِه النَّاقة، وَكَانَ الفصد عِنْدهم أَن يقطع عرق من عروق النَّاقة ثُمَّ يجمع الدَّم
стр. 427
فيشوى، فَقَامَ حَاتِم إِلَى النَّاقة فنحرها فلطمته الْمَرْأَة، فَقَالَ حَاتِم: لَو غير ذَات سوارٍ لطمتني. فَذهب قَوْله مثلا. وَقَالَت لَهُ النسْوَة: إِنَّمَا قُلْنَا لَهُ افصدها، فَقَالَ: هَكَذَا فصدي أَنه. قَالَ أَبُو بكر: يُرِيد أَنا وَهِي لُغَة طَيء.
اللُّغَات فِي أَنا
قَالَ أَبُو بكر وَبِغير هَذَا الْإِسْنَاد: فِي أَنا أَربع لُغَات: أَنا قَائِم بِإِثْبَات الْألف فِي الْوَصْل، وَأَنا قَائِم بِإِسْقَاط الْألف فِي الْوَصْل، وَأَنا قَائِم بِإِثْبَات الآلن فِي الْوَصْل. وَأَنه بِإِدْخَال هَاء السكت، وَالرَّابِعَة أَخْبَرَنَا بهَا أَبُو الْعَبَّاس عَن بعض النَّحْوِيين عَن الْعَرَب أَن قَائِم بِإِسْكَان النُّون، يُرَاد بهَا أَنا قَائِم، قَالَ الشَّاعِر:
أنَا شَيْخ العَشِيرةِ فاعْرِفُونِي ... حميدا قد تذريت السناما
فنصب حميدا على الْمَدْح؛ وتذريت مَعْنَاهُ ارْتَفَعت إِلَى ذرْوَة الْحسب، وَذكر السنام مثلا.
تعليقات وتوضيحات
قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: قد كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة فِيمَا ذكر يشوون الدَّم مخلوطًا بالوبر ويأكلونه ويسمونه العلهز. وَلما قَالَ حَاتِم: لَو غير ذَات سوارٍ لطمتني فأرسلها مثلا صَارَت كلمة يَقُولهَا الْقَائِل عِنْد عَدو الدَّقِيق الْحسب على من هُوَ فَوْقه، وَحين يهتضم الرفيع ذَا الْقدر من هُوَ دونه. ويروى أَن حاتمًا قَالَ فِي هَذَا الْخَبَر: هَكَذَا فزدي أَنه، وإشمام الصَّاد الساكنة الزَّاي إِذا ولتيها الدَّال لُغَة للْعَرَب مَعْرُوفَة جَيِّدَة قد قَرَأَ بهَا فِي الْقُرْآن عدد من القرأة كَقَوْلِه: يصدفون، ويصدر النَّاس، ويصدر الرعاء. وَالَّذِي رَوَاهُ لنا أَبُو بكر ابْن الْأَنْبَارِي من اللُّغَات فِي أَنا كَمَا رُوِيَ، وَقد قَرَأَهُ بِإِثْبَات الْألف فِي الْوَصْل وَالْوَقْف بعض قرأة الْمَدِينَة فِي مَوَاضِع عدَّة. وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ هَذَا نَافِع بْن عبد الرَّحْمَن.
خَالِد بْن صَفْوَان يرد على مفاخر اليمنية
حَدثنَا أبحمد بنب الْعَبَّاسِ الْعَسْكَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سعدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو جعفرٍ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن يَعْقُوب بْن دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا الْهَيْثَم بْن عديٍ قَالَ: كَانَ أَبُو الْعَبَّاس يُعجبهُ السمر ومنازعة الرِّجَال، فحضره ذَات ليلةٍ فِي سمره إِبْرَاهِيم بْن مخرمَة الْكِنْدِيّ وناس من بني الْحَارِث بْن كَعْب، وهم أَخْوَاله، وخَالِد بْن صَفْوَان بْن إِبْرَاهِيم التَّمِيمِي فخاضوا فِي الحَدِيث وتذاكروا مُضر واليمن، فَقَالَ إِبْرَاهِيم: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الْيمن هم الْعَرَب الَّذين دَانَتْ لَهُم الدُّنْيَا، وَكَانَت لَهُم الْقرى، وَلم يزَالُوا ملوكًا أَرْبَابًا، ورثوا ذَلِك كَابِرًا عَن كابرٍ وأولا عَن آخر، مِنْهُم النعمانيات والمنذريات والقابوسيات والتبابعة، وَمِنْهُم من حمت لَحْمه الدبر، وَمِنْهُم غسيل الْمَلَائِكَة، وَمِنْهُم من اهتز لمَوْته الْعَرْش، وَمِنْهُم مُكَلم الذِّئْب، وَمِنْهُم الَّذِي كَانَ يَأْخُذ كل سفينة غصبا، وَلَيْسَ شَيْء لَهُ خطر إِلَّا وإليهم ينْسب: من فرس رائع، أَو سيفٍ قَاطع، أَو درعٍ حصينةٍ، أَو حلةٍ مصونةٍ، أَو درةٍ مكنونةٍ،
стр. 428
إِن سئلوا أعْطوا، وَإِن سيموا أَبَوا، وَإِن نزل بهم ضيف قروا، لَا يبلغهم مُكَاثِر، وَلَا ينالهم مفاخر، هم الْعَرَب العاربة وَغَيرهم المتعربة. قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: مَا أَظن التَّمِيمِي يرضى بِقَوْلِك، ثُمَّ قَالَ: مَا تَقول يَا خَالِد؟ قَالَ: إِن أَنْت أَذِنت لي فِي الْكَلَام وأمنتني من الموجدة تَكَلَّمت، قَالَ: قد أَذِنت لَك فَتكلم وَلَا تهب أحدا، فَقَالَ: أَخطَأ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ المتقحم بِغَيْر علمٍ، ونطق بِغَيْر صَوَاب، فَكيف يكون مَا قَالَ؟ الْقَوْم لَيست لَهُم ألسن فصيحة، وَلَا لُغَة صَحِيحَة، وَلَا حجَّة نزل بهَا كتاب، وَلَا جَاءَت بهَا سنة، وهم منا على منزلتين: إِن جاروا عَن قصدنا أكلُوا، وَإِن جازوا حكمنَا قتلوا، يفخرون علينا بالنعمانيات والمنذريات وَغير ذَلِك مِمَّا سنأتي عَلَيْهِ، ونفخر عَلَيْهِم بِخَير الْأَنَام، وَأكْرم الْكِرَام، مُحَمَّد ﵇، وَللَّه عز جلّ علينا الْمِنَّة بِهِ وَعَلَيْهِم، لقد كَانُوا أَتْبَاعه فبه عزوا وَله أكْرمُوا، فمنا النَّبِي المصطفي، وَمنا الْخَلِيفَة المرتضى، وَلنَا الْبَيْت الْمَعْمُور والمسعى وزمزم وَالْمقَام والمنبر والركن والحطيم والمشاعر والحجابة والبطحاء، مَعَ مَالا يخفى من المآثر، وَلَا يدْرك من المفاخر، وَلَيْسَ يعدل بِنَا عَادل، وَلَا يبلغ فضلنَا قَول قَائِل. وَمنا الصّديق والفاروق وَالْوَصِيّ وَأسد الله سيد الشُّهَدَاء، وَذُو الجناحين وَسيف الله، عرفُوا الدَّين وأتاهم الْيَقِين، فتمن زاحمنا زحمناه، وَمن عَادَانَا اصطلمناه. ثُمَّ الْتفت فَقَالَ: أعالم أَنْت بلغَة قَوْمك؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فَمَا اسْم الْعين؟ قَالَ: الجحمة قَالَ: فَمَا اسْم السن؟ قَالَ: الميزم. قَالَ: فَمَا اسْم الْأذن؟ قَالَ: الصنارة، قَالَ: فَمَا اسْم الْأَصَابِع؟ قَالَ الشناتر، قَالَ: فَمَا اسْم الْأذن؟ قَالَ: الزب، قَالَ: فَمَا اسْم الذِّئْب؟ قَالَ: الكتع، قَالَ فَقَالَ لَهُ: أفمؤمن أَنْت بِكِتَاب الله تَعَالَى؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فَإِن الله تَعَالَى يَقُول: " إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ " يُوسُف: ٢ وَقَالَ: " بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ " الشُّعَرَاء:١٩٥ وَقَالَ: " وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ " إِبْرَاهِيم:٤ فَنحْن الْعَرَب وَالْقُرْآن بلساننا نزل؛ ألم تَرَ أَن الله قَالَ: " وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ " الْمَائِدَة:٤٥ وَلم يقل: الجحمة بالجحمة. وَقَالَ: " وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ " الْمَائِدَة: ٤٥ وَلم يقلك الميزم بالميزم وَقَالَ جلّ اسْمه " وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ " الْمَائِدَة:٤٥ وَلم يقل الصنارة بالصنارة. وَقَالَ: " يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ " الْبَقَرَة:١٩ وَلم يقل شناترهم فِي صناراتهم وَقَالَ تَعَالَى: " لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي " طه: ٩٤ وَلم يقل لَا تَأْخُذ بزبي. وَقَالَ: " فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ " يُوسُف: ١٧ وَلم يقل فَأَكله الكتع. ثُمَّ قَالَ: أَسأَلك عَن أَربع إِن أَنْت أَقرَرت بِهن قهرت وَإِن جحدتهن كفرت. قَالَ: وَمَا هن؟ قَالَ: الرَّسُول منا أَو مِنْكُم؟ قَالَ: مِنْكُم، قَالَ: وَالْقُرْآن نزل علينا أَو عَلَيْكُم؟ قَالَ: عَلَيْكُم، قَالَ: فالبيت الْحَرَام لنا أَبُو لكم؟ قَالَ: لكم، قَالَ: فالخلافة فِينَا أَو فِيكُم؟ قَالَ فِيكُم. قَالَ خَالِد فَمَا كَانَ بعد هَذِه الْأَرْبَع فلكم.
стр. 429
الْمجْلس التَّاسِع وَالْخَمْسُونَ
رَائِحَة عتبَة بْن فرقد
أَخْبَرَنَا الْمُعَافَى قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ يَعْنِي ابْنَ يَحْيَى الْحُلْوَانِيَّ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ عَنْ عَبَّادٍ عَنْ حُصَيْنٍ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي أُمُّ عَاصِمٍ امْرَأَةُ عُتْبَةَ بْنِ فرقدٍ قَالَتْ: كُنَّا عِنْدَ عُتْبَةَ نِسْوَةً نَتَطَيَّبُ فَيَخْرُجُ وَهُوَ أَطْيَبُنَا رِيحًا، مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَدَّهِنَ، فَقُلْنَا: مَا هَذِهِ الرِّيحُ؟ قَالَ: أَخَذَنِي الشَّرَى عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَيْهِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَلْبَسَ عَلَيَّ ثَوْبًا، قَالَ: يَعْنِي يُغَطِّي فَرْجَهُ، ثُمَّ تَفَلَ فِي يَدِهِ ثُمَّ مَسَحَ بِهَا ظَهْرِي وَبَطْنِي.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ: وَهَذَا مِمَّا أَبَانَ اللَّهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ مِنْ فَضَائِلِ نَبِيِّهِ ﵇ وَآيَاتِهِ وَخَصَائِصِهِ وَبَرَكَاتِهِ، وَنَحْنُ نَرْجُو إِذْ هَدَانَا إِلَى الإِيمَانِ بِهِ أَنْ نَصِلَ إِلَى شَرِيفِ الْمَنْزِلَةِ بَعْدَ الْبَعْثِ بِبَرَكَتِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلامُهُ.
بَين مُعَاوِيَة وَابْن الزبير
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَحْمَدَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ حبيبٍ أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا حَجَّ مَرَّ بِالْمَدِينَةِ فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: آدِنِي عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ فَقَدْ تَزَايَدَ خَطَلُهُ، وَذَهَبَ بِهِ جَهْلُهُ إِلَى غايةٍ تَقْصُرُ عَنْهَا الأَنْوُقُ، وَدُونَ قَرَارِهَا الْعَيُّوقُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: وَاللَّهِ مَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ يَأْتِينِي يَغْلِي جَوْفُهُ غَلْيَ الْمِرْجَلِ عَلَى ابْنِ عَمِّهِ، فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: أَمَا وَاللَّهِ مَا ذَاكَ عَنْ فرارٍ مِنْهُ وَلا جبنٍ عَنْهُ، وَلَقَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي لَسْتُ بِالْفَهِّ الْكَهَامِ وَلا بِالْهِلْبَاجَةِ النَّثِرِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: إِنَّكَ لَتُهَدِّدُنِي وَقَدْ عَجَزْتَ عَنْ غلامٍ مِنْ قُرَيْشٍ لَمْ يُبِرْ فِي سباقٍ وَلا ضَرَبَ فِي سِيَاقٍ، وَإِنْ شِئْتَ خَلَّيْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ، فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: مَا مِثْلِي يُهَارَشُ بِهِ، وَلَكِنْ عِنْدَكَ مِنْ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ وَمِنْ سَاكِنِي الْحَجُونِ وَالآطَامِ مَنْ إِنْ سَأَلْتَ حَمَلَكَ عَلَى محجةٍ أَبْيَنَ مِنْ ظَهْرِ الْجَفِيرِ، قَالَ: وَمَنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: هَذَا، يَعْنِي أَبَا الْجَهْمِ بْنَ حُذَيْفَةَ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: تَكَلَّمْ يَا أَبَا الْجَهْمِ. فَقَالَ: أَعْفِنِي، قَالَ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ لَتَقُولَنَّ، قَالَ: نِعْمَ أُمُّكَ هِنْدٌ، وَأُمُّهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بكرٍ، وَأَسْمَاءُ خَيْرٌ مِنْ هِنْدٍ، وَأَبُوكَ أَبُو سُفْيَانَ وَأَبُوهُ الزُّبَيْرُ، وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ أَبُو سُفْيَانَ مِثْلَ الزُّبَيْرِ، وَأَمَّا الدُّنْيَا فَلَكَ وَأَمَّا الآخِرَةُ فَلَهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
شرح النَّص السَّابِق
قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: قَول ابْن الزُّبَيْر لمعاوية: آدني على الْوَلِيد مَعْنَاهُ أعدني، وَزعم بَعضهم أَن فلَانا يستأدي على فلَان أفْصح من يَسْتَعْدِي، وهما عِنْدِي سَوَاء. وَقد رُوِيَ أَن رجلا قَالَ للنَّبِي ﷺ : أعدني على رجل من أَصْحَابك، وَقَوله: يقصر عَنْهَا الأنوق، يَعْنِي الرخم وَهُوَ يرتاد لبيضه شوامخ الْجبَال وَحَيْثُ يبعد متناوله وَيخْفى مَكَانَهُ، فَلَا يكَاد إِنْسَان يجده أَو يصل إِلَيْهِ، وَالْعرب تضرب الْمثل فِي من طلب مَا يعز وجوده ويتعذر إِدْرَاكه ونيله فَيَقُولُونَ:
стр. 430
إِنَّه يطْلب بيض الأنوق. وَقد رُوِيَ لنا أَن رجلا سَأَلَ مُعَاوِيَة حَاجَة معتاصة مستثقلة فَرده عَنْهَا، فَسَأَلَهُ حَاجَة هِيَ أيسر مِنْهَا إِلَّا أَن فِيهَا استصعابًا، فَقَالَ مُعَاوِيَة:
طلب الأبلق العقوق فَلَمَّا ... لم ينله أَرَادَ بيض الأنوق
والأبلق: الْفرس، والعقوق: ذَات الْحمل، وَذَلِكَ فِي الذّكر مُسْتَحِيل. وبيض الأنوق مَا فسرنا؛ فَلَمَّا طلب هَذَا الرجل أمرا مستبعدًا لَا سَبِيل إِلَيْهِ، ثُمَّ طلب مَا ينَال على صعوبةٍ لما منع مَا لَا مطمع لَهُ فِيهِ، ضرب مُعَاوِيَة هَذَا الْبَيْت مثلا لَهُ. وَهَذَا من الْمِثَال الْقَرِيب والتشبيه الْمُصِيب. وَأما العيوق فنجم عالٍ مَعْرُوف. وَأما قَوْله: لست بالفه: فَمَعْنَى الفهاهة فِي الْكَلَام مَا يَأْتِي على غير استقامةٍ، وَيُقَال: أَتَى فلَان فِي قَوْله بفهةٍ، أَي بقولٍ ساقطٍ فِي لَفظه وَمَعْنَاهُ. وَأما الكهام فالكليل، يُقَال: سيف كهام إِذا كَانَ نابيًا كليلا. وَأما الهلباجة فالأحمق. وَأما النثر فذو الرَّأْي السخيف واللب الضَّعِيف. كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
هذريان هذر هذاءة ... موشك السقطة ذولب نثر
وَأما قَول مُعَاوِيَة: لم يبر فِي سباق: أَي لم يسْبق مجاريًا فيفضله وَيظْهر غلبته إِيَّاه، يُقَال: أبر فلَان على فلانٍ إِذا غَلبه وَزَاد فِي الْفضل عَلَيْهِ، يبر إبرارًا فَهُوَ مبر، كَمَا قَالَ ذُو الرمة يمدح بِلَال بْن أَبِي بردة:
أبر على الْخُصُوم فَلَيْسَ خصم ... وَلَا خصمان يغلبه جدالا
وَلبس بَين أقوامٍ فَكل ... أعد لَهُ الشغازب والمحالا
قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: الشغازب: جمع شغزبةٍ وَأَصله أَن يدْخل الرجل رجله بَين رجْلي الرجل فيصرعه، يُقَال: صرعه شغزبية. والمحال الكيد وَالْمَكْر، من قَول الله تَعَالَى: " وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ " الرَّعْد:١٣ وَأما قَوْله: وَلَا ضرب فِي سِيَاق فَمَعْنَاه أَنه لم يرض فيحتنك وَلم يُؤْخَذ بالتثقيف ولذع التَّأْدِيب فتستحكم عزيمته وتستحصد مرته. وَأما قَول ابْن الزُّبَيْر: " من سَاكِني الْحجُون والآطام ": فَإِن الْحجُون مَوضِع بِمَكَّة مَعْرُوف وإياه عني الشَّاعِر بقوله:
كَأَن لم يكن بَين الْحجُون إِلَى الصَّفَا ... أنيس وَلم يسمر بِمَكَّة سامر
وَقَالَ آخر:
هيجتني إِلَى الْحجُون شجون ... ليته قد بدا لعَيْنِي الْحجُون
وَأما الْآطَام فَإِنَّهَا جمع أَطَم، وَالْعرب تسمي مَا كَانَ من الْبيُوت مربعًا كَعبه، وَمَا كَانَ مدورًا أطمًا. وَأما الجفير فَإِنَّهُ الكنانة، وَجمعه جفر، قَالَ الشماخ:
وَخفت نَوَاهَا من جنوبٍ عنيزةٍ ... كَمَا خف من نبل المرامي جفيرها
وَحكى أَبُو عُبَيْدَة عَن أَبِي عَمْرو: الكنانة جعبة السِّهَام، والكنانة هِيَ الوفضة وَجَمعهَا وفاض؛ الْكسَائي مثله؛ الْأَحْمَر: الجفير والجشير جَمِيعًا الوفضة أَيْضا.
стр. 431
ابْن أبي دواد يخرج عينا على المعتصم
حَدثنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن بنان الْكَاتِب قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْعَبَّاس ابْن الْفُرَات قَالَ: كُنَّا لَيْلَة فِي دَار أَبِي الصَّقْر إِسْمَاعِيل بْن بلبل فَوَافى يَعْقُوب بْن إِسْحَاق الصَّائِغ برسالةٍ من أَبِي الْقَاسِم عُبَيْد اللَّهِ بْن سُلَيْمَان فِي حاجةٍ لَهُ، فَجَلَسَ مَعنا إِلَى أَن يُؤذن لَهُ على أَبِي الصَّقْر، فَجرى ذكر أَحْمَد بن أبي دوادٍ فَكل حدث عَنْهُ وَعَن أَيَّامه بِشَيْء. فحدثنا يَعْقُوب بْن الصَّائِغ قَالَ: لما وَجه الْمَأْمُون بِأبي إِسْحَاق المعتصم إِلَى مصر وَعقد لَهُ من بَاب الأنبار إِلَى أقْصَى الْمغرب قَالَ ليحيى بْن أَكْثَم: يَنْبَغِي أَن ترتاد لي رجلا حصيفًا لبيبًا لَهُ علم وَأَمَانَة وثقة أنفذه مَعَ أَبِي إِسْحَاق، وأوليه الْمَظَالِم فِي أَعماله، وأتقدم إِلَيْهِ سرا بمكاتبتي سرا بأخباره وَمَا تجْرِي عَلَيْهِ أُمُوره، وَبِمَا يظْهر ويبطن، وَمَا يرى من أَمر قواده وخاصته، وَكَيف تَدْبيره فِي الْأَمْوَال وَغَيرهَا، فَإِنِّي لست أَثِق بأحدٍ مِمَّن يتَوَلَّى الْبَرِيد، وَمَا أحب أَن أجشمه بتقليد صَاحب الْبَرِيد عَلَيْهِ فَيكون معتمدي عَلَيْهِ وَتَكون كتبه سَرِيَّة إِلَيْك لتقرئني إِيَّاهَا إِذا وَردت، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ عِنْدِي رجل من أَصْحَابِي أَثِق بعقله وَدينه ورأيه وأمانته وَصدقه ونزاهته. فَقَالَ: جئني بِهِ فِي يَوْم كَذَا وَكَذَا، فَصَارَ يحيى بْن أَكْثَم بأَحْمَد بْن أبي دوادٍ إِلَى الْمَأْمُون فِي الْيَوْم الَّذِي حَده لَهُ.
فَكَلمهُ الْمَأْمُون فَوَجَدَهُ فهما راحجاً، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أُرِيد إنفاذك مَعَ أخي أَبِي إِسْحَاق، وَأُرِيد أَن تكْتب بأخباره سرا، وتتفقد أَحْوَاله ومجاري أُمُوره وتدبيراته وَخبر خاصته وخلواته، وتنفذ كتبك بذلك إِلَى يحيى بْن أَكْثَم مَعَ ثقاتك وَمن تأمنه على دمك، فَإِنِّي أشهر أَمرك بتقليد الْمَظَالِم فِي عسكره، وأتقدم إِلَيْهِ بمشورتك والأنس بك. فَقَالَ لَهُ أَحْمَد: أبلغ لَك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي ذَلِك فَوق مَا قدرته عِنْدِي وَبِي، وأنتهي إِلَى مَا يُرْضِي أَمِير الْمُؤمنِينَ ويزلف عِنْده. فَجمع الْمَأْمُون بَين أَحْمَد بْن أبي دوادٍ وَبَين المعتصم وَقَالَ لَهُ: إِنَّك تشخص فِي هَذَا الْعَسْكَر وَفِيه أوباش النَّاس وجند وعجم وأخلاط من الرّعية، وَلَا بُد لعسكرك من صَاحب مظالم يكون فِيهِ لينْظر فِي أُمُور النَّاس، وَقد اخْتَرْت لَك هَذَا الرجل فضمه إِلَيْك وَأحسن صحبته وعشرته؛ فَأَخذه المعتصم مَعَه، فَلَمَّا بلغُوا الأنبار وافت كتب أَصْحَاب الْبَرِيد بموافاة المعتصم الأنبار، فَقَالَ الْمَأْمُون ليحيى: ترى مَا كَانَ من بَغْدَاد إِلَى الأنبار خبر يكْتب بِهِ صَاحبك إِلَيْك؟ قَالَ فَقَالَ يحيى: لَعَلَّه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لم يحدث خبر تحسن الْمُكَاتبَة بِهِ؛ وَكتب يحيى إِلَى أَحْمد يعنفه ويستبطئه ويخبره أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد أنكر تَأَخّر كِتَابه. فَلَمَّا ورد الْكتاب على أَحْمَد ووقف على مَا فِيهِ احتفظ بِهِ وَلم يجب عَنْهُ؛ وشخص المعتصم حَتَّى وافي الرحبة وَلم يكْتب أَحْمَد بِحرف واحدٍ من أَخْبَار المعتصم الَّتِي تقدم إِلَيْهِ فِيهَا. وَكتب أَصْحَاب الْبَرِيد بموافاة المعتصم الرحبة وأخبار عسكره، فَدَعَا الْمَأْمُون يحيى بْن أَكْثَم فَقَالَ: يَا أسخن الله عَيْنك، عجبت أَن تخْتَار إِلَّا من
стр. 432
هَذِه سَبيله، تخْتَار لي وَيحك رجلا تصفه بِكُل الصِّفَات فأتقدم إِلَيْهِ بِمَا كنت حاضره، فَلَا يكْتب من بَغْدَاد إِلَى أَن يوافى الرحبة إِلَيْك كتابا فِي معنى مَا أعْتَمد عَلَيْهِ فِيهِ:؟! قَالَ: فَكتب يحيى إِلَى أَحْمَد كتابا أغْلظ لَهُ المخاطبة وأسمعه فِيهِ الْمَكْرُوه وَيَقُول لَهُ: إِنَّمَا أشخصناك لما تقدمنا بِهِ إِلَيْك، وَأَنا إِنَّمَا أظهرنَا تقليدك الْمَظَالِم ليتيسر مَا أمرت بِهِ، فَمَا هَذِه الْغَفْلَة وَمَا هَذَا الْجَهْل بِمَا يُرَاد مِنْك؟ فورد الْكتاب على أَحْمَد فقرأه واحتفظ بِهِ، وَسَار المعتصم من الرحبة حَتَّى وافى الرقة، فَدَعَا الْمَأْمُون بِيَحْيَى فَقَالَ لَهُ: يَا سخين الْعين، هَذَا مِقْدَار رَأْيك وعقلك؟ اللَّهُمَّ إِلَّا أَن تكون غررتني مُعْتَمدًا، وأوطأتني العشوة قصدا أَولا فتجيئني بِرَجُل تعلم موقعه عنْدك وتطلعني على الْوُقُوف عَلَيْهِ فتصفه وتقرظه حَتَّى أودعته سرا من أسراري وأمرًا أقدمه على كل أموري، فَمضى من مَدِينَة السَّلَام إِلَى ديار مصر فَلم يكْتب يحرفٍ مِمَّا أَمر بِالْكتاب بِهِ؟! فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ من يعْمل بِغَيْر مَا يُؤَدِّي إِلَى محبتك ويقود إِلَى إرادتك فأذاقه الله بأسك، وَألبسهُ نكالك، وصب عَلَيْهِ عذابك.
وَكتب إِلَى أَحْمَد كتابا يشْتَمل على كل إيعاد وإرهابٍ وتخويف وتحذير، وخاطبه بأوحش مخاطبةٍ وأنكلها، فورد الْكتاب على أَحْمَد فقرأه واحتفظ بِهِ.
وَأمر الْمَأْمُون عَمْرو بْن مسْعدَة أَن يكْتب إِلَى أَبِي إِسْحَاق المعتصم كتابا يَأْمُرهُ فِيهِ بالبعثه بأَحْمَد بْن أبي دواد مشدودة يَده إِلَى عُنُقه، مُثقلًا بالحديد، مَحْمُولا على غير وطاء. فورد الْكتاب على المعتصم، وَدخل أَحْمد بن أبي دواد إِلَيْهِ وَهُوَ بالرقة مَا جاوزها، فَرَأى المعتصم كئيبًا مغمومًا، فَقَالَ: أَيهَا الْأَمِير أَرَاك متغيرًا وَأرى لونك حَائِلا، فَقَالَ: نعم لكتابٍ ورد عَليّ من أَجلك، ونبذ إِلَيْهِ بِالْكتاب فقرأه أَحْمَد، فَقَالَ لَهُ المعتصم: تعرف لَك ذَنبا يُوجب مَا كتب بِهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: مَا اجترمت ذَنبا، إِلَّا أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا يسْتَحل هَذَا مني إِلَّا بحجةٍ، فَمَا الَّذِي عِنْد الْأَمِير فِيمَا كتب بِهِ إِلَيْهِ؟ فَقَالَ: أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا يُخَالف لكني أعفيك من الغل وَالْحَدِيد، أحملك إِلَيْهِ على حَال لَا توهنك وَلَا تؤلمك وأوجه بك مَعَ غلامٍ من غلماني أتقدم إِلَيْهِ فِي ترفيهك وَأَن لَا يعسفك، فَقَالَ: جَزَاك الله أَيهَا الْأَمِير أفضل مَا جازى منعمًا، فَإِن رأى الْأَمِير أَن يَأْذَن لي فِي الْمصير إِلَى منزلي وَمَعِي من يراعيني إِلَى أَن يردني إِلَى مجْلِس الْأَمِير فيأمر بأَمْره فعل، فَقَالَ لَهُ: امْضِ؛ وَوجه مَعَه خَادِمًا من خدمه، فَصَارَ أَحْمَد إِلَى منزله واستخرج الْكتب الثَّلَاثَة الَّتِي كَاتبه بهَا يحيى بْن أَكْثَم وهم بالأنبار، وَالْكتاب الَّذِي ورد وهم بالرحبة، وَالْكتاب الَّذِي ورد وهم بالرقة، وَرجع إِلَى المعتصم فَأَقْرَأهُ الْكتاب الأول ثُمَّ الثَّانِي ثُمَّ الثَّالِث وَقَالَ لَهُ: إِنَّمَا بعثت لأكتب بأخبارك وأتفقد أحوالك وأكاتب يحيى بذلك ليقرأه على أَمِير الْمُؤمنِينَ فخالفت ذَلِك لما رجوته من الحظوة عنْدك وَلما أملته فِي غدك. فاستشاط المعتصم غَضبا وَكَاد يخرج من ثِيَابه غيظاً وَتكلم فِي يحيى بِكُل مَكْرُوه وتوعده بِكُل بلاءٍ وَقَالَ: ويلي على
стр. 433
البقار البليد السَّرَاوِيل، وَقَالَ لأَحْمَد: يَا هَذَا لقد رعيت لنا رِعَايَة لم يتقدمها إحساننا إِلَيْك وحفظت علينا مَا نرجو أَن نَتَّسِع، لمكافأتك عَلَيْهِ ومعاذ الله أَن أسلمك أَو أفرج عَنْك أَو تنالك يَد ولي قدرَة على منعهَا مِنْك، أَو أوثر خَاصَّة وحميمًا عَلَيْك مَا أمتد بِي عمر أَو تراخي بِي أجل، فَكُن معي فأمرك نَافِذ فِي كل مَا ينفذ فِيهِ أَمْرِي؛ وَلم يجب الْمَأْمُون على كِتَابه، فَلم يزل مَعَه إِلَى أَن ولي الْخلَافَة وَإِلَى أَن ولي الواثق وَإِلَى أَيَّام المتَوَكل، فأوقع بِهِ.
قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: قَول الْمَأْمُون ليحيى: أوطأتني العشوة يُقَال فِيهَا: العشوة والعشوة. وَقَالَ بعض عُلَمَاء اللُّغَة: الضَّم فِيهَا أفْصح اللُّغَات.
لَا ينقص الْكَامِل نفع عِيَاله
حَدثنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمَرْزُبَان قَالَ حَدَّثَنَا عَبد اللَّه بْن مُحَمَّد قَالَ: رأى رجل مُحَمَّد بْن كناسَة يحمل بِيَدِهِ بطن شاه فَقَالَ لَهُ: أَنا أحملهُ لَك فَقَالَ:
لَا نقص الْكَامِل من كَمَاله ... مَا جر من نفع إِلَى عِيَاله
شعر لعريب
حَدثنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو العيناء قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن جَعْفَر بْن حَامِد قَالَ: لما توفّي عمي مُحَمَّد بْن حَامِد وَهُوَ الَّذِي كَانَت عريب تحبه صَار أَبِي إِلَى منزله لينْظر إِلَى تركته فَأخْرج إِلَيْهِ سفط مختوم، فَإِذا فِيهِ رقاع عريب، فَجعل يتصفحها ويضحك، فَأخذت مِنْهَا رقْعَة فَإِذا فِيهَا شعر لَهَا:
ويلي عَلَيْك ومنكا ... أوقعت فِي الْقلب شكا
زعمت أَنِّي خؤون ... جورا عَليّ وإفكا
وَلم يكن ذَاك مني ... إِلَّا مجونًا وفتكا
إِن كَانَ مَا قلت حَقًا ... أَو كنت حاولت تركا
فأبدل الله قلبِي ... بفتكة الْحبّ نسكا
الرشيد وَلحم الْجَزُور
حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحسن بن زِيَاد والمقري قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يَحْيَى ثَعْلَب قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَالِيَة الشَّامي عَن إِبْرَاهِيم بْن الْمهْدي أَنه كَانَ يتغدى مَعَ الرشيد فِي يَوْم شاتٍ، وَأَن الرشيد سَأَلَ صَاحب المطبخ: هَل عِنْده برمة من لحم الْجَزُور؟ فَأعلمهُ أَن عِنْده عدَّة ألوان مِنْهُ، فَأمر بإحضار مَا عِنْده مِنْهُ، فَقدمت إِلَيْهِ صَحْفَة وَمد يَده إِلَى لقْمَة مِنْهَا فَأدْخلهَا فِي فِيهِ، فَلَمَّا حرك لحييْهِ عَلَيْهَا مرَّتَيْنِ ضحك جَعْفَر بْن يحيى، فَسَأَلَهُ الرشيد عَن سَبَب ضحكه، وَأمْسك عَن المضغ، فَقَالَ: ذكرت كلَاما دَار بيني وَبَين جاريتي البارحة فَضَحكت مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ الرشيد: هَذَا محَال، فَأَخْبرنِي عَن السَّبَب بحقي عَلَيْك، فَقَالَ لَهُ جَعْفَر: إِذا ابتلع أَمِير الْمُؤمنِينَ لقمته حدثته السَّبَب، فَأخْرج لقمته من فِيهِ وَأَلْقَاهَا تَحت
стр. 434
الْمَائِدَة، فَلَمَّا فعل ذَلِك قَالَ لَهُ جَعْفَر بكم يتَوَهَّم أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأَلْقَاهَا تَحت الْمَائِدَة، فَلَمَّا فعل ذَلِك قَالَ لَهُ جَعْفَر: بكم يتَوَهَّم أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن هَذَا اللَّوْن يقوم عَلَيْهِ؟ فَقَالَ لَهُ الرشيد: أتوهمه يقوم عَليّ بأَرْبعَة آلَاف دِرْهَم، فَقَالَ لَهُ جَعْفَر: وَالله إِن هَذَا اللَّوْن ليقوم عَلَيْك بِأَرْبَع مائَة ألف دِرْهَم، فَقَالَ: وَكَيف وَيحك؟ فَقَالَ جَعْفَر: سَأَلَ أَمِير الْمُؤمنِينَ صَاحب المطبخ مُنْذُ أَكثر من أَربع سِنِين عَن برمةٍ من لحم الْجَزُور فَأخْبرهُ أَنه لم يتخذها، فَأنْكر ذَلِك على أَمِير الْمُؤمنِينَ وَقَالَ: لَا يفت مطبخي لون يتَّخذ من لحم الْجَزُور فِي كل يَوْم، فَأَنا مُنْذُ ذَلِك الْيَوْم أنحر جزورًا فِي كل يومٍ لِأَن الْخُلَفَاء لَا يبْتَاع لَهُم لحم الْجَزُور من السُّوق، وَلم يدع أَمِير الْمُؤمنِينَ بشيءٍ من لَحمهَا إِلَى يَوْمه هَذَا. قَالَ إِبْرَاهِيم: وَكَانَ الرشيد فِي أول طَعَامه وَلم يكن أكل إِلَّا ملهوجة وَاحِدَة، وَكَانَ أَشد خلق الله تقززاً، فَصعِقَ حِين قَالَ لَهُ جَعْفَر مَا قَالَ، وَضرب بِيَدِهِ الْيُمْنَى وفيهَا الْغمر وَجهه وَمد بهَا لحيته ثُمَّ قَالَ: هَلَكت وَيلك يَا هَارُون، واندفع يبكي، وَأمر بِرَفْع الْمَائِدَة وطفق يبكي حَتَّى أُذُنه المؤذنون بِصَلَاة الظّهْر، ألف ألف دِرْهَم وَأَن يفرق فِي كل جَانب من جانبٍ من جَانِبي بَغْدَاد خَمْسمِائَة ألف دِرْهَم وَأَن يفرق فِي كل مدينةٍ من الْكُوفَة وَالْبَصْرَة خَمْسمِائَة ألف درهمٍ، وَقَالَ: لَعَلَّ الله تَعَالَى أَن يغْفر لي هَذَا الذَّنب. وَقَامَ يُصَلِّي الظّهْر، ثُمَّ عَاد فِي مَكَانَهُ فَلم يزل باكيًا حَتَّى أُذُنه المؤذنون بِصَلَاة الْعَصْر وَقَامَ فصلى: وَعَاد لمكانه إِلَى أَن قرب مَا بَين صَلَاة الْعَصْر وَالْمغْرب، فَأخْبرهُ الْقَاسِم بن الرّبيع مَوْلَاهُ أَن أَبَاهُ يُوسُف القَاضِي بِالْبَابِ فَأمره بإدخاله، فَدخل وَسلم فَلم يرد عَلَيْهِ وَأَقْبل يَقُول: يَا يَعْقُوب هلك هَارُون، فَسَأَلَهُ يَعْقُوب عَن الْقِصَّة فَقَالَ: يُخْبِرك جَعْفَر بهان وَعَاد لبكائه. وَحضر جَعْفَر فَسَأَلَهُ أَبُو يُوسُف عَن الْقِصَّة فَقَالَ: يُخْبِرك جَعْفَر بهَا، وَعَاد لبكائه. وَحضر جَعْفَر فَسَأَلَهُ أَبُو يُوسُف عَن الْقِصَّة وَالسَّبَب الْمخْرج للرشيد إِلَيّ مَا خرج إِلَيْهِ، فحدثه جَعْفَر عَن الْجَزُور الَّتِي كَانَت تنحر فِي كل يَوْم طول تِلْكَ الْمدَّة ومبلغ مَا أنْفق فِي أثمانها من الْأَمْوَال، فَقَالَ لَهُ أَبُو يُوسُف: أَخْبرنِي عَن هَذِه الْإِبِل الَّتِي كَانَت تبْتَاع بِهَذِهِ الدَّرَاهِم هَل كَانَت تتْرك إِذا نحرت حَتَّى تفْسد، وَلَا تُؤْكَل لحومها حَتَّى تنتن فَيرمى بهَا؟ قَالَ جَعْفَر: اللَّهُمَّ لَا، قَالَ أَبُو يُوسُف: فَكَانَ يصنع بهَا مَاذَا؟ قَالَ: يأكلها الحشم والموالي وعيال أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَقَالَ أَبُو يُوسُف: الله أكبر الله أكبر، أبشر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بالثواب الجزيل من الله على نَفَقَتك، وأبشر بِثَوَاب الله تَعَالَى على مَا فتح لَك من الصَّدَقَة فِي يَوْمك هَذَا، وَمن الْبكاء للتقية من رَبك، فَإِنِّي لأرجو يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن لَا يُرْضِي الله تَعَالَى من ثَوَابه على مَا قد داخلك من الْخَوْف من سخطه عَلَيْك إِلَّا الْجنَّة، فَإِنَّهُ يَقُول تَعَالَى: " وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ " الرَّحْمَن: ٤٦ وَأَنا أشهد بِاللَّه تَعَالَى أَنَّك خفت مقَام رَبك، فَسرِّي عَن الرشيد وَطَابَتْ نَفسه وَوصل أَبَا يُوسُف بأربعمائة ألف دِرْهَم، ثُمَّ صلى الْمغرب ودعا بطعامه فَأكل، فَكَانَ غداؤه فِي الْيَوْم عشاءه.
стр. 435
الْمجْلس السِّتُّونَ
بَايعنَا الرَّسُول على السّمع وَالطَّاعَة
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ الْبَزَّازُ، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي مذعورٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن إِدْرِيس، قَالَ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيَّ وَمُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَمُحَمَّدَ بْنَ عَجْلانَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُ مَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ عُبَادَةُ أَنَّهُمْ بَايَعُوا عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي أَمَرَهُ بِالدُّعَاءِ إِلَيْهِ وَالْمُبَايَعَةِ عَلَيْهِ، فَأَدَّاهُ عَنْ رَبِّهِ وَقَامَ للَّهِ تَعَالَى فِيهِ بِحَقِّهِ، نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَنَا وَيُعِينَنَا عَلَيْهِ، وَيَعْصِمَنَا مِنَ الزَّيْغِ عَنْهُ وَالتَّفْرِيطِ فِيهِ، ونرجوا إِجَابَتَهُ دُعَاءَنَا إِنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ.
بَين الْعَبَّاس بْن مرداس وخفاف
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دريدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِم قَالَ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ذَكَرَتْ بَنو سليم أَن الْعَبَّاس يعين ابْنَ مِرْدَاسٍ نَدِمَ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ فِي خفافٍ، قَالَ فَقَالَ فِي مجمعٍ مِنْ قَوْمِهِ: جَزَى اللَّهُ خُفَافًا وَالرَّحِمَ عَنِّي شراٍ، كُنْتُ أَخَفَّ بَنِي سُلَيْمٍ مِنْ دِمَائِهِمْ ظَهْرًا، وَأَخْمَصَهُمْ مِنْ أَذَاهَا بَطْنًا، فَأَصْبَحْتُ ثَقِيلَ الظَّهْرِ مِنْ دِمَائِهَا، مُنْفَضِجَ الْبَطْنِ مِنْ أَذَاهَا وَأَصْبَحَتِ الْعَرَبُ تُعَيِّرُنِي بِمَا كَانَ مِنِّي، وَايْمُ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ أَصَمَّ عَنْ هِجَائِهِ، أَخْرَسَ عَنْ جَوَابِهِ وَلَمْ أَبْلُغْ مِنْ قَوْمِي مَا بَلَغْتُ، ثُمَّ قَالَ:
أَلَمْ تَرَ أَنِّي كَرِهْتُ الْحُرُوبَ ... وَأَنِّي نَدِمْتُ عَلَى مَا مَضَى
نَدَامَةَ زارٍ عَلَى نَفْسِهِ ... وَتِلْكَ الَّتِي عَارُهَا يُتَّقَى
وَأَيْقَنْتُ أَنِّي بِمَا جِئْتُهُ ... مِنَ الأَمْرِ لابس ثوبي خَزًّا
حَيَاءً وَمِثْلِي حَقِيقٌ بِهِ ... وَلَمْ يَلْبَسِ النَّاسُ مِثْلَ الْحَيَا
وَكَانَتْ سُلَيْمٌ إِذَا قَدَّمَتْ ... فَتًى لِلْحَوَادِثِ كُنْتُ الْفَتى
وَكُنْتُ أَفِيءُ عَلَيْهَا النِّهَابَ ... وَأُبْلِي عَلَيْهَا وَأَحْمِي الْحِمَى
وَلَمْ أُوقِدِ الْحَرْبَ حَتَّى رَمَى ... خُفَافٌ بِأَسْهُمِهِ مَنْ رَمَى
فَأَلْهَبْتُ حَرْبًا بِأَصْبَارِهَا ... وَلَمْ أَكُ فِيهَا ضَعِيفَ الْقُوَى
قَالَ الْقَاضِي: الأَصْبَارُ: النَّوَاحِي.
فَإِنْ تَعْطِفِ الْيَوْمَ أَحْلامُهَا ... وَيَرْجِعْ مِنْ وُدِّهَا مَا نَأَى
فَلَسْتُ فَقِيرًا إِلَى حَرْبِهَا ... وَلا بِي عَنْ سَلْمِهَا مِنْ غَنَى
стр. 436
فَلَمَّا بَلَغَتْ خُفَافًا قَالَ: عَرَفَ وَاللَّهِ الْعَبَّاسُ خَطَأَ مَا رَكِبَ، الآنَ لَمَّا فَدَحَتْهُ الْحَرْبُ وَاحْتَمَلَ ثِقَلَ الدِّمَاءِ أَنْشَأَ يُظْهِرُ النَّدَامَةَ، لَا وَاللَّهِ مَا اخْتَلَفَتِ الدُّرَّةُ وَالْجَرَّةُ حَتَّى يَبُوءَ بعذرٍ أَوْ يَلْبَسَ ثَوْبَ ذلٍ، وَقَالَ:
أَعَبَّاسُ إِمَّا كَرِهْتَ الْحُرُوبَ ... فَقَدْ ذُقْتَ مِنْ حَرِّهَا مَا كَفَى
وَأَلْقَحْتَ حَرْبًا لَهَا دُرَّةً ... زبَوُنًا تَسَعُّرُهَا بِاللَّظَى
وَلَمَّا تَرَقَّيْتَ فِي غَيِّهَا ... دُحِضْتَ وَزَلَّ بِكَ الْمُرْتَقى
وَأَصْبَحْتَ تَبْكِي عَلَى زلةٍ ... وَمَاذَا يَرُدُّ عَلَيْكَ الْبُكَا
فَإِنْ كُنْتَ أَخْطَأْتَ فِي حَرْبِنَا ... فَلَسْنَا مُقِيلِيكَ ذَاكَ الْخَطَا
وَإِنْ كُنْتَ تَطْمَعُ فِي صُلْحِنَا ... فَحَاوِلْ ثَبِيرًا وَرُكْنَيْ حِرَا
شرح النَّص
قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: قَول الْعَبَّاس بْن مرداس: وأخمصهم من أذاها بَطنا: من المخمصة، وَهِي المجاعة، وخمص الْبَطن اضطماره، يُقَال: بطن خميص، قَالَ الله تَعَالَى: " فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مخمصةٍ " الْمَائِدَة:٣ وَمن الخمص قَول أعشى بني قَيْس بْن ثَعْلَبَة:
تَبِيتُونَ فِي المَشْتَى مِلاءً بُطُونكُمْ ... وجاراتكم غبر يبتن خمائصا
ويروى غرثى أَي جياعًا. وَيُقَال: امْرَأَة خمصانة إِذا دق خصرها. وَقَالَ الشَّاعِر:
خمصانة قلق موشحها ... رَود الشَّبَاب غلابها عظم
وَقَوله: منفضج الْبَطن أَرَادَ خلوه من أذاها. وَقَوله: أفيء عَلَيْهَا النهاب أَي أرده وَيتَّجه فِي مدحه نَفسه برده النهاب على قومه وَجْهَان: أَحدهمَا أَن يستعيد مَا انتهب من أَمْوَالهم فَيردهُ عَلَيْهِم، وَالْآخر أَنه يعف عَن غنائمهم وَلَا يستأثر بهَا فيحويها لنَفسِهِ دونهم، كَمَا قَالَ عنترة:
يُخْبِرك من شهد الوقيعة أنني ... أغشى الوغي وأعف عِنْد الْمغنم
وَيُقَال: فَاء الشَّيْء إِذا رَجَعَ. وأفاء الرجل الشَّيْء على غَيره أَي رده عَلَيْهِ، قَالَ الله تَعَالَى: " مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى " الْحَشْر: ٧ أَي مَا رده؛ وَمن الْفَيْء قَول امْرِئ الْقَيْس:
تيممت الْعَيْنَ الَّتِي عِنْدَ ضَارِجٍ ... يَفِيءُ عَلَيْهَا الظل عرمضها طامي
والفيئة الرّجْعَة. وَقَوله: وَيرجع من ودها مَا نأى، قد عطفه على قَوْله: فَإِن تعطف الْيَوْم، وَوجه الْإِعْرَاب فِيهِ الْجَزْم، إِذْ هُوَ مَعْطُوف على المجزوم على مَا يجب فِي بَاب الْجَزَاء إِلَّا أَنه لما لم يجد بدا من الْحَرَكَة لتَمام وزن الْبَيْت نوى النُّون الْخَفِيفَة كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
اضْرِب عَنْك الهموم طارقهاضربك بِالسَّيْفِ
قونس الْفرس
стр. 437
وَقد يحمل على إِرَادَة أَن وَبِمَعْنى الْجمع " وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ " آل عمرَان:١٤٢ على مَا بَيناهُ فِي مَا مضى من الْمجَالِس. وَأما قَول خفاف: الْآن لما فدحته الْحَرْب مَعْنَاهُ أثقلته، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
إِذا لم تزل يَوْمًا تُؤدِّي أَمَانَة ... وَتحمل أُخْرَى أفدحتك المغارم
وَجَاء فِي الْأَثر: لَا يتْرك فِي الْإِسْلَام مفدح، فَقيل: مَعْنَاهُ الَّذِي قد فدحه الدَّين وأثقله. وَقَالَ بَعضهم فِي الرِّوَايَة لَا يتْرك مفدج بِالْجِيم وَقيل فِي تَفْسِيره قَولَانِ: أَحدهمَا أَنه لَا أحد يُؤَدِّي عَنْهُ من أَهله، وَالْآخر أَنه الْجَانِي الَّذِي لَا عشيرة لَهُ وَلَا عَاقِلَة تعقله وَتُؤَدِّي عَنْهُ عقل جِنَايَته وَأرش جريرته.
والدرة مَا يحتلب، والجرة مَا يجتر. وَقَوله: ألقحت حَربًا لَهَا درة أَنَّهَا تدر وتتصل وَيتبع بعض مكروهها بَعْضًا. وَقَوله: " زبونًا " أَي تدفع ببأسها من أَصَابَته، يُقَال: حَرْب زبون، والزبن: الدّفع، وَيُقَال زبنه أَي دَفعه، وَمِنْه الزَّبَانِيَة، سموا بذلك لأَنهم يزبنون أَي يدْفَعُونَ أهل النَّار فِيهَا. قَالَ الله تَعَالَى: " يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا " الطّور:١٣ أَي يدْفَعُونَ فِيهَا دفعا.
وَيُقَال: نَاقَة زبون أَي تدفع الْجمال، قَالَ الشَّاعِر:
ومستعجب مِمَّا يرى من أناتنا ... وَلَو زبنته الْحَرْب لم يترمرم
وَنهي النَّبِي ﷺ عَن الْمُزَابَنَة من هَذَا، وَهُوَ بيع الرطب فِي رُؤُوس النّخل بِالتَّمْرِ كَيْلا، وَكَذَلِكَ بيع الْعِنَب بالزبيب، هُوَ من دفع كل وَاحِد من المتزابنين مَا يَبِيعهُ إِلَى صَاحبه.
كَيفَ بدأت نقمة الْمَأْمُون على يحيى بْن أَكْثَم
حَدثنَا الْحُسَيْن بْن الْقَاسِم الكوكبي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو يُوسُف يَعْقُوب بْن بنان الْكَاتِب قَالَ حَدَّثَنَا عَليّ بْن يحيى المنجم أَن الْمَأْمُون كَانَ احتظى يحيى بْن أَكْثَم وَرفع مَنْزِلَته وَخص بِهِ خَاصَّة باطنة، فَدخل عَلَيْهِ يَوْمًا وَهُوَ يتغدى وَعبد الْوَهَّاب بْن عَليّ إِلَى جَانب الْمَأْمُون، فَسلم فَرد ﵇ ثُمَّ قَالَ: هَلُمَّ يَا أَبَا مُحَمَّد؛ يَا غُلَام وضئه، قَالَ: فَخرج يحيى والطويلة على رَأسه يتَوَضَّأ، فَقَالَ الْمَأْمُون: أوسع لأبي محمدٍ، فأوسع لَهُ عبد الْوَهَّاب بَينه وَبَين الْمَأْمُون فَغسل يَده وَدخل فَوضع طويلته من غير إِذْنه، فَقَالَ الْمَأْمُون لعبد الْوَهَّاب: عد إِلَى مَكَانك، وأقعد يحيى بَين يَدَيْهِ، وَكَانَ ذَلِك بَدْء مَا نقمه عَلَيْهِ.
لماذا كَانَ عمر بْن عبد الْعَزِيز كَذَلِك
حَدثنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس، قَالَ حَدَّثَنَا عمر أبن شبة قَالَ حَدَّثَنَا ابْن عَائِشَة، قَالَ سَمِعت أَبِي يَقُول: قيل ليحيى بْن الحكم بْن أَبِي الْعَاصِ: مَا بَال عمر بْن عبد الْعَزِيز ومولده مولده ومنشأه منشأه جَاءَ على مَا قد رَأَيْت؟ فَقَالَ: إِن أَبَاهُ أرْسلهُ إِلَى الْحجاز سوقة فَكَانَ يغْضب النَّاس ويغضبونه، ويمخضهم ويمخضونه، وَلَقَد كَانَ
стр. 438
الْحجَّاج بْن يُوسُف لَا يعرف عَرَبِيّ أحسن مِنْهُ أدبًا فطالت ولَايَته، فَكَانَ لَا يسمع إِلَّا مَا يحب، فَمَاتَ وَإنَّهُ لأحمق وسيئ الْأَدَب.
حول أَبِي الْعَتَاهِيَة وَهُوَ ينشد
حَدثنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي قَالَ حَدَّثَنَا الْغلابِي قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الضَّحَّاك قَالَ: رَأَيْت النَّاس فِي النَّفر وَقد اجْتَمعُوا على رجلٍ وَهُوَ ينشد، فدنوت فَقلت: من هَذَا؟ فَقيل: أَبُو الْعَتَاهِيَة، وَكَانَ ينشد:
أجَاب الله داعيك ... وعادى من يعاديك
كَأَن الشَّمْس والبدر ... جَمِيعًا فِي تراقيك
وَفِي فِيك جنى النَّحْل ... وَمَا أحلاه من فِيك
وَقد شاع بِأَن الخ؟ ... ز يُؤْذِيك ويدميك
وَمَا يدْريك من ذل؟ ... ك أَسمَاء جواريك
وَلَا فَاخِتَة النّخل ... من الطاووس والديك
تَعَالَى الله مَا أحس؟ ... ن مَا براك باريك
فَقَالَ لَهُ رجل: يَا شيخ أَفِي مثل هَذَا الْموضع؟ قَالَ: وَمَا على من قضى حجه أَن يشكو بثه ويصف من هويه.
حسد إِسْحَاق الْموصِلِي للأصمعي
حَدثنَا أَحْمَد بْنُ الْعَبَّاسِ الْعَسْكَرِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي سعدٍ، قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن عَليّ بْن أَبِي نعيم قَالَ: كَانَ الرشيد يحب الْوحدَة، فَكَانَ إِذا ركب حِمَاره عادله الْفضل بْن الرّبيع، وَكَانَ الْأَصْمَعِي يسير قَرِيبا مِنْهُ بِحَيْثُ يحادثه، وَإِسْحَاق الْموصِلِي على دابةٍ يسير قَرِيبا من الْفضل. فَأقبل الْأَصْمَعِي لَا يحدث الرشيد شَيْئا إِلَّا سر بِهِ وَضحك مِنْهُ، فحسده إِسْحَاق.
وَكَانَ فِيمَا حَدثهُ الْأَصْمَعِي قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَرَرْت على رجلٍ زانكي جَالس على بَابه قَالَ: وَيحك فَمَا الزانكي؟ فوصفه لَهُ قَالَ العسكري: هُوَ الشارط قَالَ: فَقلت لَهُ: يَا فَتى أَيَسُرُّك أَنَّك أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: لَا، قلت: وَلم؟ قَالَ: لَا يدعوني أذهب حَيْثُ شِئْت، قَالَ فَقَالَ الرشيد: صدق وَالله مَا يَدْعُونَا نَذْهَب حَيْثُ شِئْنَا. قَالَ: فاستضحك الرشيد. قَالَ فَقَالَ إسحالق للفضل: مَا يَقُول كذب، فَقَالَ الرشيد: أَي شَيْء قَالَ؟ فَأخْبرهُ فَغَضب فَقَالَ: وَالله إِن كَانَ مَا يَقُول كذبا إِنَّه لأظرف النَّاس، وَإِن كَانَ حَقًا إِنَّه لأعْلم النَّاس فَمَكثَ بَينهمَا شَرّ دهراً من الدَّهْر، فَقَالَ إِسْحَاق:
стр. 439
أُصيمع باهلي يستطيل النخار وَمُعَاوِيَة
حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر الْعُقَيْليّ، قَالَ حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّهِ اليزيدي قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حبيبٍ عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: دخل النخار العذري النسابة على مُعَاوِيَة وَعَلِيهِ عباءة فَكَلمهُ فَأَعْرض عَنْهُ، فَقَالَ: يَا مُعَاوِيَة إِن العباءة لَا تكلمك، إِنَّمَا يكلمك من فِيهَا، فَأقبل عَلَيْهِ.
رؤبة والنسابة الْبكْرِيّ
حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مَنْصُور الْحَارِثِيّ قَالَ حَدَّثَنَا الْفضل بْن مُحَمَّد اليزيدي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَان الْمَازِني بكر بْن محمدٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِي عَن الْعَلَاء بْن أسلم قَالَ: سَمِعت رؤبة بْن العجاج يَقُول: أتيت النسابة الْبكْرِيّ فَقَالَ لي: من أَنْت؟ قلت: رؤبة بْن العجاج، فَقَالَ لي: قصرت وَعرفت، لَعَلَّك من قوم عِنْدِي إِن سكت عَنْهُم لم يَسْأَلُونِي وَإِن حدثتهم لم يعوا عني، قَالَ قلت: أَرْجُو أَن لَا أكون كَذَلِك، قَالَ: فَمَا أَعدَاء الْمَرْء؟ قَالَ قلت: لَا أَدْرِي فَأَخْبرنِي، قَالَ بَنو عَم السوء إِن رَأَوْا قبيحًا أذاعوه وَإِن رَأَوْا حسنا دفنوه. ثُمَّ قَالَ لي: إِن للْعلم آفَة ونكدًا وهجنة، فآفته نسيانه، ونكده الْكَذِب فِيهِ، وهجنته نشره عِنْد غير أَهله.
عَافِيَة بْن يزِيد القَاضِي
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَن بْن زيادٍ الْمقري قَالَ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ وَسِيمٍ الْبُوشَنْجِيُّ بِبُوشَنْجَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَمِّهِ عَبْدُ الْملك بْن قُرَيْب الْأَصْمَعِي أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ الرَّشِيدِ يَوْمًا فَرُفِعَ إِلَيْهِ فِي قاضٍ كَانَ اسْتَقْضَاهُ هُوَ يُقَالُ لَهُ عَافِيَةُ، فَكَثُرَ عَلَيْهِ فَأَمَرَ بِإِحْضَارِهِ فَأُحْضِرَ، وَكَانَ فِي مَجْلِسِهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ، فَجَعَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يُخَاطِبُهُ وَيُوقِفُهُ عَلَى مَا رُفِعَ فِيهِ، وَطَالَ الْمَجْلِسُ، ثُمَّ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَطَسَ فَشَمَّتَهُ مَنْ كَانَ بِالْحَضْرَةِ مِنْ قُرْبٍ مِنْهُ سِوَاهُ فَإِنَّهُ لَمْ يُشَمِّتْهُ، فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ: مَا بَالُكَ لَمْ تُشَمِّتْنِي كَمَا فَعَل الْقَوْمُ، فَقَالَ لَهُ عَافِيةُ لأَنَّكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ تَحْمَدِ اللَّهَ فَلِذَلِكَ لَمْ أُشَمِّتْكَ هَذَا النَّبِيُّ ﷺ عَطَسَ عِنْدَهُ رَجُلانِ فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتِ الآخَرَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بَالُكَ شَمَّتَّ ذَاكَ وَلم تشمتني؟ فَقَالَ: إِن هَذَا حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى فَشَمَّتْنَاهُ، وَأَنْتَ فَلَمْ تَحْمَدْهُ فَلَمْ أُشَمِّتْكَ، فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ: ارْجِعْ إِلَى عَمَلِكَ، أَنْتَ لَمْ تُسَامِحْ فِي عطسةٍ، تُسَامِحُ فِي غَيْرِهَا؟ وَصَرَفَهُ مُنْصَرَفًا جَمِيلا.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا عَافِيَةُ بْنُ يَزِيدَ الأَوْدِيُّ قَلَّدَهُ الْمَهْدِيُّ الْقَضَاءَ وَأَشْرَكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبدِ اللَّهِ بْنِ عُلاثَةَ الْكِلابِيِّ، قَالَ أَبُو بكرٍ فَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْخُزَاعِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ قَالَ: رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَعَافِيَةَ بْنِ يَزِيدَ وَقَدْ أَشْرَكَ الْمَهْدِيُّ بَيْنَهُمَا فِي الْقَضَاءِ يَقْضِيَانِ جَمِيعًا.
التشميت والتسميت قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: يُقَال لما يدعى بِهِ للعاطس سمت وشمت، وَهُوَ بالشين الْمُعْجَمَة
стр. 440
أفْصح فِي اللُّغَة وَأشهر فِي الرِّوَايَة، وَقيل إِنَّه مَأْخُوذ من قَوْلهم: استأشمت الْمَاشِيَة فِي الرَّعْي بِمَعْنى أَنَّهَا انبسطت فِيهِ. وَأما التسميت بِالسِّين الْمُهْملَة فَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الرِّفْق والتسكين. وَأخذ من السمت وَمن الْقَصْد وَمثله: رفوت فلَانا إِذا رفقت بِهِ ولاينته كَمَا قَالَ الْهُذلِيّ:
رفوني وَقَالُوا يَا خويلد لَا ترع ... فَقلت وَأنْكرت الْوُجُوه هم هم
وَقَالَ بَعضهم: التشميت مبادرة الْعَاطِس بِالدُّعَاءِ لَهُ، والمبادرة إِلَى تشميته كسرعة الشامت بالشماتة إِلَى من يشمت بِهِ. وَقد ذكر أَن بعض جلساء الرشيد شمت الرشيد وَقد عطس، فَقَالَ لَهُ بعض الْحَاضِرين: لَا يَنْبَغِي أَن تفعل مثل هَذَا، وَلَا تخاطب أَمِير الْمُؤمنِينَ بِمَا يَقْتَضِي مِنْهُ تكلّف الرَّد، وَإِن بَعضهم قَالَ: أصَاب المشمت السّنة وَأصَاب الْمُعْتَرض عَلَيْهِ أدب المجالسة للسُّلْطَان.
قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: قد أصَاب المشمت فِي هَذِه الْقِصَّة إِصَابَة مُطلقَة لَا خطأ فِيهَا وَلَا شريطة، وَأَخْطَأ الرَّاد عَلَيْهِ والمعتذر لمن نَهَاهُ والموبخ لَهُ، وَلَو كَانَ الْأَمر على مَا ذكره لَكَانَ يَنْبَغِي للنَّاس ترك السَّلَام على أئمتهم إِذا دخلُوا عَلَيْهِم والكف عَن تعزيتهم وتهنئتهم، وأحق من شمت ودعي فِي مَوَاطِن الدُّعَاء لَهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَأولى من سارع إِلَى تَحِيَّة الْمُسلم بِأَحْسَن مِنْهُ تحيته أَو مثلهَا كَمَا أَمر الله وبادر بتأدية الْفَرْض فِيهِ وَفِي مَا جرى مجْرَاه من التشميت وَغَيره أَئِمَّة الدَّين. وَقد كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يرد على من شمته من أمته وَأهل ذمَّته ويشمت من عطس من الْمُسلمين بِحَضْرَتِهِ، وَرُوِيَ أَن الْيَهُود كَانُوا يتعاطسون عِنْده رَجَاء أَن يَدْعُو لَهُم. وعَلى نَحْو مَا وَصفنَا مَضَت الْأَئِمَّة الراشدون وَالسَّلَف الصالحون وَالْخُلَفَاء المهديون. وَذكر أَن الْحجَّاج بْن يُوسُف قَالَ للنَّاس يَوْمًا: بَلغنِي أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عبد الْملك عطس فشمته من حوله فَرد عَلَيْهِم، فيا لَيْتَني كنت مَعَهم فأفوز فوزاً عَظِيما. وروى بَعضهم أَنه كتب بِهَذَا القَوْل والأمنية إِلَى عبد الْملك. وَأكْثر من يُشِير فِي هَذِه الْأُمُور بِغَيْر الْحق من لَا رَأْي لَهُ وَلَا أَمَانَة وَلَا للأئمة عِنْده مُوالَاة وَلَا نصيحة. وَقد تجاوزوا هَذَا الْحَد إِلَى السَّعْي فِيمَا يقْدَح فِي المملكة ويشعث أَسبَاب الْخلَافَة، وَلَكِن مَا الْحِيلَة إِذا كَانَ الرَّأْي فِي يَد من يملكهُ ويتمكن من تصريفه على هَوَاهُ فِيهِ دون من يعرفهُ ويضطلع فِي ترتيبه مرتبته وإنزاله مَنْزِلَته ويؤثر الْحق على نَفسه وأقربيه وَلَا يخَاف لومة لاثم.
قَالَ القَاضِي: وَمَا أَتَى فِي سنة العطاس وَمَا ندب فِيهِ الْعَاطِس وأرشد إِلَيْهِ وَصفَة التشميت وَالرَّدّ على المشمت من الْآثَار وَالرِّوَايَة وَالْأَخْبَار ومنظوم الْأَشْعَار أَكثر من أَن يُحِيط امْرُؤ بِهِ فِي مثل هَذَا الْموضع.
الْمجْلس الْحَادِي وَالسِّتُّونَ
حَدِيث فِي أَشْرَاط السَّاعَة
أَخْبَرَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ أَبُو الْحَسَنِ
стр. 441
التِّرْمِذِيُّ فِي صَفَرٍ سَنَةَ سَبْعَ عشرَة وثلاثمائة إِمْلاءً مِنْ أَصْلِ كِتَابِهِ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مَيْسَرَةَ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن أبي شُعَيْبٍ الْخَوَاتِيمِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ سُلَيْمٍ الْخَشَّابِ مَوْلًى لِبَنِي شَيْبَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا حَجَّ النَّبيّ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ أَخَذَ بِحَلْقَتَيْ بَابِ الْكَعْبَةِ ثُمَّ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّاس فَقَالَ: يَا أَيهَا النَّاسُ فَقَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَدَتْكَ آبَاؤُنَا وَأُمَّهَاتُنَا، ثُمَّ بَكَى حَتَّى عَلا انْتِحَابُهُ فَقَالَ: يَا أَيهَا النَّاسُ إِنِّي أُخْبِرُكُمْ بِأَشْرَاطِ الْقِيَامَةِ، إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ الْقِيَامَةِ إِمَاتَةَ الصَّلَوَاتِ وَاتِّبَاعَ الشَّهَوَاتِ وَالْمَيْلَ مَعَ الْهَوَى وَتَعْظِيمَ رَبِّ الْمَالِ، قَالَ فَوَثَبَ سَلْمَانُ فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَإِنَّ هَذَا لَكَائِنٌ؟ قَالَ إِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، عِنْدَهَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ مِمَّا يَرَى، وَلا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُغَيِّرَ، قَالَ سَلْمَانُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَإِنَّ هَذَا لَكَائِنٌ؟ قَالَ إِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ ليمشي بَينهم يؤمئذٍ بِالْمَخَافَةِ، قَالَ سَلْمَانُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَإِنَّ هَذَا لَكَائِنٌ؟ قَالَ: إِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، عِنْدَهَا يَكُونُ الْمَطَرُ قَيْظًا وَالْوَلَدُ غَيْظًا، تفيض اللئام فيضاً، يغيض الْكِرَامُ غَيْضًا، قَالَ سَلْمَانُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَإِنَّ هَذَا لَكَائِنٌ؟ قَالَ: إِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَلْمُؤْمِنُ يومئذٍ أَذَلُّ مِنَ الأَمَةِ، فَعِنْدَهَا يَكُونُ الْمُنْكَرُ مَعْرُوفًا وَالْمَعْرُوفُ مُنْكَرًا وَيُؤْتَمَنُ الْخَائِنُ وَيُخَوَّنُ الأَمِينُ، وَيُصَدَّقُ الْكَذَّابُ، وَيُكَذَّبُ الصَّادِقُ، قَالَ سَلْمَانُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَإِنَّ هَذَا لَكَائِنٌ؟ قَالَ: إِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، عِنْدَهَا يَكُونُ أُمَرَاءُ جَوَرَةً، وَوُزَرَاءُ فَسَقَةً، وَأُمَنَاءُ خَوَنَةً، وَإِمَارَةُ النِّسَاءِ وَمُشَاوَرَةُ الإِمَاءِ، وَصُعُودُ الصِّبْيَانِ الْمَنَابِرَ، قَالَ سَلْمَانُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَإِنَّ هَذَا لَكَائِنٌ؟ قَالَ: إِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ يَا سَلْمَانُ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَإِنَّ هَذَا لَكَائِنٌ؟ قَالَ: إِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ يَا سَلْمَانُ، عِنْدَهَا يليهم أَقْوَامٌ إِنْ تَكَلَّمُوا قَتَلُوهُمْ وَإِنْ سكتوا استباحوهم، ويستأثرون بفيئهم يطأون حَرِيمَهُمْ وَيُجَارُ فِي حُكْمِهِمْ يَلِيهِمْ أَقوام جثاهم جثا النّاس، قَالَ القَاضِي أَبُو الفَرَج: هُوَ هَكَذَا فِي الْكِتَابِ، وَالصَّوَابُ جثثهم جُثَثُ النَّاسِ وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ لَا يُوَقِّرُونَ كَبِيرًا وَلا يَرْحَمُونَ صَغِيرًا قَالَ سَلْمَانُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، وَإِنَّ هَذَا لَكَائِنٌ؟ قَالَ: إِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، يَا سلما، عِنْدَهَا تُزَخْرَفُ الْمَسَاجِدُ كَمَا تُزَخْرَفُ الْكَنَائِسُ وَالْبِيَعُ، وَتُحَلَّى الْمَصَاحِفُ، وَيُطِيلُونَ الْمَنَابِرَ، وَتَكْثُرُ الصُّفُوفُ، قُلُوبُهُمْ مُتَبَاغِضَةٌ وأهواؤهم جَمَّةٌ وَأَلْسِنَتُهُمْ مُخْتَلِفَةٌ، قَالَ سَلْمَانُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَإِنَّ هَذَا لَكَائِنٌ؟ قَالَ: إِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، عِنْدَهَا يَأْتِي سَبْيٌ مِنَ الْمَشْرِقِ يَلُونَ أُمَّتِي فَوَيْلٌ لِلضُّعَفَاءِ مِنْهُمْ، وَوَيْلٌ لَهْمُ مِنَ اللَّهِ، قَالَ سَلْمَانُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَإِنَّ هَذَا لَكَائِنٌ؟ قَالَ: إِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، عِنْدَهَا يَكُونُ الْكَذِبُ ظُرْفًا وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا، وَتَظْهَرُ الرُّشَا، وَيَكْثُرُ الرِّبَا، وَيَتَعَامَلُونَ بِالْعِينَةِ، وَيَتَّخِذُونَ الْمَسَاجِدَ طُرُقًا، قَالَ سَلْمَانُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَإِنَّ هَذَا لَكَائِنٌ؟ قَالَ: إِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ يَا سَلْمَانُ، عِنْدَهَا تُتَّخَذُ جُلُودُ النُّمُورِ صِفَاقًا، وَتَتَحَلَّى ذُكُورُ أُمَّتِي بِالذَّهَبِ وَيَلْبَسُونَ الْحَرِيرَ، وَيَتَهَاوَنُونَ بِالدِّمَاءِ، وَتَظْهَرُ الْخُمُورُ وَالْقَيْنَاتُ وَالْمَعَازِفُ،
стр. 442
وَتُشَارِكُ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا فِي التِّجَارَةِ؛ قَالَ سَلْمَانُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَإِنَّ هَذَا لَكَائِنٌ؟ قَالَ: إِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ يَا سَلْمَانُ، عِنْدَهَا يَطْلُعُ كَوْكَبُ الذَّنَبِ وَتَكْثُرُ السِّيجَانُ وَيَتَكَلَّمُ الرُّوَيْبِضَةُ، قَالَ سَلْمَانُ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ يَتَكَلَّمُ فِي الْعَامَّةِ مَنْ لَمْ يَكُنْ يَتَكَلَّمُ، وَيَحْتَضِنُ الرَّجُلُ للسُّمْنَةِ، وَيُتَغَنَّى بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَيُتَّخَذُ الْقُرْآنُ مَزَامِيرَ، وَتُبَاعُ الْحكمُ وَتَكْثُرُ الشُّرَطُ؛ قَالَ سَلْمَانُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَإِنَّ هَذَا لَكَائِنٌ؟ قَالَ: إِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، عِنْدَهَا يَحُجُّ أُمَرَاءُ النَّاسِ لَهْوًا وَتَنَزُّهًا، وَأَوْسَاطُ النَّاسِ لِلتِّجَارَةِ، وَفُقَرَاءُ النَّاسِ لِلْمَسْأَلَةِ، وَقُرَّاءُ النَّاسِ لِلرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ؛ قَالَ سَلْمَانُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَإِنَّ هَذَا لَكَائِنٌ؟ قَالَ: إِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، عِنْدَهَا يُغَارُ عَلَى الْغُلامِ كَمَا يُغَارُ عَلَى الْجَارِيَةِ الْبِكْرِ، وَيُخْطَبُ الْغُلامُ كَمَا تُخْطَبُ الْمَرْأَةُ، وَيُهَيَّأُ كَمَا تُهَيَّأُ الْمَرْأَةُ، وَتَتَشَبَّهُ النِّسَاءُ بِالرِّجَالِ وَتَتَشَبَّهُ الرِّجَالُ بِالنِّسَاءِ، وَيَكْتَفِي الرِّجَالُ بِالرِّجَالِ وَالنِّسَاءُ بِالنِّسَاءِ، وَتَرْكَبُ ذَوَاتُ الْفُرُوجِ السُّرُوجَ فَعَلَيْهِنِّ مِنْ أُمَّتِي لَعْنَةُ اللَّهِ، قَالَ سَلْمَانُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَإِنَّ هَذَا لَكَائِنٌ؟ قَالَ: إِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، عِنْدَهَا يَظْهَرُ قُرَّاءٌ عِبَادَتُهُمُ التَّلاوُمُ بَيْنَهُمْ، أُولَئِكَ يُسَمَّوْنَ فِي ملكوت السَّمَاء الأنجاس والأرجاس؛ قَالَ سَلْمَانُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَإِنَّ هَذَا لَكَائِنٌ؟ قَالَ: إِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، تَتَشَبَّبُ الْمَشْيَخَةُ، قَالَ
قُلْتُ: وَمَا تَشَبُّبُ الْمَشْيَخَةِ؟ قَالَ: أَحْسبهُ ذهب من كِتَابِي إِنَّ الْحُمْرَةَ هَذَا الْحَرْفُ وَحْدَهُ خِضَابُ الإِسْلامِ وَالصُّفْرَةُ خِضَابُ الإِيمَانِ وَالسَّوَادُ خِضَابُ الشَّيْطَانِ قَالَ سَلْمَانُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَإِنَّ هَذَا لَكَائِنٌ؟ قَالَ: إِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، عِنْدَهَا يُوضَعُ الدِّينُ وَتُرْفَعُ الدُّنْيَا وَيُشَيَّدُ الْبِنَاءُ وَتُعَطَّلُ الْحُدُودُ وَيُمِيتُونَ سُنَّتِي، فَعِنْدَهَا يَا سَلْمَانُ لَا تَرَى إِلا ذَامًّا وَلا يَنْصُرُهُمُ اللَّهُ، قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَهُمْ يَوْمَئِذٍ مُسْلِمُونَ كَيفَ لَا ينْصرُونَ؟ قَالَ: يَا سَلْمَانُ إِنَّ نُصْرَةَ اللَّهِ الأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ النكر، وَإِنَّ أَقْوَامًا يَذُمُّونَ اللَّهَ تَعَالَى وَمَذَمَّتُهُمْ إِيَّاهُ أَنْ يَشْكُوهُ وَذَلِكَ عِنْدَ تَقَارُبِ الأَسْوَاقِ، قَالَ: وَمَا تَقَارُبُ الأَسْوَاقِ؟ قَالَ عِنْدَ كَسَادِهَا كُلٌّ يَقُولُ: مَا أَبِيعُ وَلا أَشْتَرِي وَلا أَرْبَحُ، وَلا رَازِقَ إِلا اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ سَلْمَانُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَإِنَّ هَذَا لَكَائِنٌ؟ قَالَ: إِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، عِنْدَهَا يَعُقُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ وَيَجْفُو صَدِيقَهُ، وَيَتَحَالَفُونَ بِغَيْرِ اللَّهِ وَيَحْلِفُ الرَّجُلُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسْتَحْلَفَ وَيَتَحَالَفُونَ بِالطَّلاقِ، يَا سَلْمَانُ لَا يَحْلِفُ بِهَا إِلا فَاسِقٌ، وَيَفْشُو الْمَوْتُ مَوْتُ الْفُجَاءَةَ وَيُحَدِّثُ الرَّجُلَ سَوْطُهُ؛ قَالَ سَلْمَانُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَإِنَّ هَذَا لَكَائِنٌ؟ قَالَ: إِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، عِنْدَهَا تَخْرُجُ الدَّابَّةُ، وَتَطْلُعُ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَيَخْرُجُ الدَّجَّالُ وَرِيحٌ حَمْرَاءُ، وَيَكُونُ خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهَدْمُ الْكَعْبَةِ، وَتَمُورُ الأَرْضُ، وَإِذَا ذُكِرَ الرَّجُلُ رُؤِيَ. ت: وَمَا تَشَبُّبُ الْمَشْيَخَةِ؟ قَالَ: أَحْسَبُهُ ذهب من كِتَابِي إِنَّ الْحُمْرَةَ هَذَا الْحَرْفُ وَحْدَهُ خِضَابُ الإِسْلامِ وَالصُّفْرَةُ خِضَابُ الإِيمَانِ وَالسَّوَادُ خِضَابُ الشَّيْطَانِ قَالَ سَلْمَانُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَإِنَّ هَذَا لَكَائِنٌ؟ قَالَ: إِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، عِنْدَهَا يُوضَعُ الدِّينُ وَتُرْفَعُ الدُّنْيَا وَيُشَيَّدُ الْبِنَاءُ وَتُعَطَّلُ الْحُدُودُ وَيُمِيتُونَ سُنَّتِي، فَعِنْدَهَا يَا سَلْمَانُ لَا تَرَى إِلا ذَامًّا وَلا يَنْصُرُهُمُ اللَّهُ، قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَهُمْ يَوْمَئِذٍ مُسْلِمُونَ كَيفَ لَا ينْصرُونَ؟ قَالَ: يَا سَلْمَانُ إِنَّ نُصْرَةَ اللَّهِ الأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ النكر، وَإِنَّ أَقْوَامًا يَذُمُّونَ اللَّهَ تَعَالَى وَمَذَمَّتُهُمْ إِيَّاهُ أَنْ يَشْكُوهُ وَذَلِكَ عِنْدَ تَقَارُبِ الأَسْوَاقِ، قَالَ: وَمَا تَقَارُبُ الأَسْوَاقِ؟ قَالَ عِنْدَ كَسَادِهَا كُلٌّ يَقُولُ: مَا أَبِيعُ وَلا أَشْتَرِي وَلا أَرْبَحُ، وَلا رَازِقَ إِلا اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ سَلْمَانُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَإِنَّ هَذَا لَكَائِنٌ؟ قَالَ: إِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، عِنْدَهَا يَعُقُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ وَيَجْفُو صَدِيقَهُ، وَيَتَحَالَفُونَ بِغَيْرِ اللَّهِ وَيَحْلِفُ الرَّجُلُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسْتَحْلَفَ وَيَتَحَالَفُونَ بِالطَّلاقِ، يَا سَلْمَانُ لَا يَحْلِفُ بِهَا إِلا فَاسِقٌ، وَيَفْشُو الْمَوْتُ مَوْتُ الْفُجَاءَةَ وَيُحَدِّثُ الرَّجُلَ سَوْطُهُ؛ قَالَ سَلْمَانُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَإِنَّ هَذَا لَكَائِنٌ؟ قَالَ: إِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، عِنْدَهَا تَخْرُجُ الدَّابَّةُ، وَتَطْلُعُ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَيَخْرُجُ الدَّجَّالُ وَرِيحٌ حَمْرَاءُ، وَيَكُونُ خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهَدْمُ الْكَعْبَةِ، وَتَمُورُ الأَرْضُ، وَإِذَا ذُكِرَ الرَّجُلُ رُؤِيَ.
ابْن عَبَّاس يتَوَقَّع أَشْرَاط السَّاعَة
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا
стр. 443
هَوْذَة بْن خَليفَة قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: غَدَوْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا نِمْتُ حَتَّى أَصْبَحْتُ، قَالَ قُلْتُ: وَلِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: قَالُوا طَلَعَ الْكَوْكَبُ ذُو الذَّنَبِ، خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ الدَّجَّالُ قَدْ طَرَقَ، فَوَاللَّهِ مَا نِمْتُ حَتَّى أَصبَحت.
مَادَّة ش ر ط
قَالَ القَاضِي أَبُو الفَرَج: قَوْله: أَشْرَاط الْقِيَامَة يَعْنِي أعلامها وأماراتها قَالَ الله تَعَالَى: " فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا " مُحَمَّد:١٨ يَعْنِي علاماتها، يُقَال أشرط الرجل نَفسه أَي وسمها بسيما وَجعل لَهَا عَلامَة تعرف بهَا، قَالَ أَوْس بْن حجر
فأشرط فِيهَا نَفسه وَهُوَ معلم ... وَألقى بأسبابٍ لَهُ وتوكلا
وَالْوَاحد من الأشراط، وَشرط المَال رذاله، قَالَ الشَّاعِر:
وَفِي شَرط المعزى لَهُنَّ مُهُور
وَقَوله: يكثر السيجان وَهِي الطيالسة وَاحِدهَا سَاج، وَمثله تَاج وتيجان ونار ونيران وجار وجيران، وَقَالَ بعض اللغويين: هِيَ الْخضر مِنْهَا خَاصَّة.
الْمُؤلف يرى كثيرا من أَشْرَاط السَّاعَة
قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: وَقد رَأينَا كثيرا من أَشْرَاط الْقِيَامَة وأدركنا مِنْهَا مَا فِيهِ عظة وكأنا بباقيها قد ردف مَا فرط من مَا ضيها، وحقيق على كل ذِي مرّة سوى وَأخي دين رَضِي أَن يُبَادر مَا قد أظلهُ بِالتَّوْبَةِ وَبِحسن الإقلاع والإنابة، ويتأهب لما هُوَ لاقيه لَا محَالة، وَلَا يضيع مَا أنعم الله تَعَالَى عَلَيْهِ من المهلة، وَلَا يغتر بالأماني الكاذبة، فَإِن أجل الله إِذا جَاءَ لَا يُؤَخر، والغار نَفسه بالتسويف بعد الزّجر والتخويف لَا يعْذر، وفقنا الله وَإِيَّاكُم للْجدّ فِيمَا يرضيه، وعصمنا من ركُوب مَعَاصيه، وأعاننا على عدوه القاصد بكيده لضلالتنا، والحريص على غوايتنا واستزلالنا، برأفته.
خطْبَة عتبَة فِي حجَّته
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ دُرَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَنِ الْعُتْبِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ سَعِيدٍ الْقَصِيرِ قَالَ: حَجَّ عُتْبَةُ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَالنَّاسُ قَرِيبٌ عَهْدُهُمْ بِالْفِتْنَةِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الْجُمُعَةَ ثُمَّ قَالَ: يَا أَيهَا النَّاسُ إِنَّا قَدْ وُلِّينَا هَذَا الْمَقَامُ الَّذِي يُضَاعَفُ لِلْمُحْسِنِ فِيهِ الأَجْرُ وَعَلَى الْمُسِيءِ فِيهِ الْوِزْرُ، وَنَحْنُ عَلَى طَرِيقِ مَا قَصَدْنَا، فَلا تَمُدُّوا الأَعْنَاقَ إِلَى غَيْرِنَا فَإِنَّهَا تَنْقَطِعُ دُونَنَا، وَرُبَّ مُتَمَنٍّ حَتْفُهُ فِي أُمْنِيَّتِهِ، فَاقْبَلُوا الْعَافِيَةَ مَا قَبِلْنَاهَا فِيكُمْ وَقَبِلْنَاهَا مِنْكُمْ. وَإِيَّاكُمْ وَلَوْ فَإِنَّهَا أَتْعَبَتْ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَلَنْ تُرِيحَ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَأَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُعِينَ كُلا عَلَى كُلٍّ؛ قَالَ فَصَاحَ بِهِ أَعْرَابِيٌّ: أَيُّهَا الْخَلِيفَةُ، فَقَالَ: لَسْتُ بِهِ وَلَمْ تُبْعِدْ، فَقَالَ: يَا أَخَاهُ، فَقَالَ: قد أَسْمَعْتَ فَقُلْ، فَقَالَ: تَاللَّهِ إِنْ تُحْسِنُوا وَقَدْ أَسَأْنَا خَيْرٌ مِنْ أَنْ تُسِيئُوا وَقَدْ أَحْسَنَّا، فَإِنْ كَانَ الإِحْسَانُ لَكُمْ دُونَنَا فَمَا أَحَقَّكُمْ
стр. 444
بِاسْتِتْمَامِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنَّا فَمَا أَوْلاكُمْ بِمُكَافَأَتِنَا، رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ يَلْقَاكُمْ بِالْعُمُومَةِ، وَيقرب إِلَيْكُم بالخؤولة، قَدْ كَثَّرَهُ الْعِيَالُ وَوَطِئَهُ الزَّمَانُ، وَبِهِ فَقْرٌ وَعِنْدَهُ شُكْرٌ، فَقَالَ عُتْبَةُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْكُمْ وَأَسْتَعِينُهُ عَلَيْكُمْ، قَدْ أُمِرْتُ لَكَ بِغِنَاكَ فَلَيْتَ إِسْرَاعَنَا إِلَيْكَ يَقُومُ بِإِبْطَائِنَا عَنْكَ.
قد بلغ السَّيْل الزبى
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مَزْيَد الْخُزَاعِيّ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّبَيْر بْن بكار قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: لَمَّا كَثُرَ الطَّعْنُ عَلَى عُثْمَانَ ﵁ تَنَحَّى عَلِيٌّ ﵇ إِلَى مَالِهِ بِيَنْبُعَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَ السَّيْلُ الزُّبَى وَجَاوَزَ الْحِزَامُ الطُّبْيَيْنِ وَبَلَغَ الأَمْرُ فَوْقَ قَدْرِهِ، وَطَمِعَ فِيَّ مَنْ لَا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ.
فَإِنْ كنت مَأْكُولا فَكُن خيرا آكلٍ ... وَإِلا فَأَدْرَكْنِي وَلَمَّا أُمَزِّقُ
قَالَ ابْنُ مَزْيَدٍ حَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ أَحْمَدُ بْنُ الْحَارِثِ الْخَزَّازُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيِّ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ.
ظلم آل عَليّ أحب إِلَى الزبير
حَدَّثَنَا ابْنُ مَزْيَدٍ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ: كَانَ الزُّبَيْرُ إِذَا جَاءَهُ مِنْ نَاحِيَةِ وَلَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵈ أَذًى وَجَاءَهُ مِنْ نَاحِيَةِ وَلَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵃ مِثْلُهُ قَالَ: وَاللَّهِ لأَنْ يَظْلِمَنِي آلُ عَلِيٍّ أَحَبُّ إِلَيَّ وَيُنْشِدُ:
وَإِنْ كُنْتُ مَقْتُولا فَكُنْ أَنْتَ قَاتِلِي ... فَبَعْضُ مَنَايَا الْقَوْمِ أَكْرَمُ مِنْ بَعْضِ
تَفْسِير مَا تقدم
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: قَوْله: بلغ السَّيْل الزبى فَإِنَّهَا زبى الْأسد الَّتِي تحفر لَهُ، وَإِنَّمَا جعلت مثلا فِي بُلُوغ السَّيْل إِلَيْهَا لِأَنَّهَا إِنَّمَا تجْعَل فِي الروابي من الأَرْض، وَلَا تكون فِي المنحدر، وَلَيْسَ يبلغهَا إِلَّا سيل عَظِيم.
قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج ﵀: وَقَوله: وَجَاوَزَ الحزام الطبيين يَعْنِي قد اضْطربَ من شدَّة السّير حَتَّى خلف الطبيين من اضطرابه، يضْرب هَذَا الْمثل لِلْأَمْرِ الفظيع الفادح الْجَلِيل: وَأما قَوْله:
فَإِن كنت مَأْكُولا فَكُنْ خَيْرَ آكلٍ ... وَإِلا فأدركني وَلما أمزق
فَإِن هَذَا بَيت تمثل بِهِ لشاعر من عبد الْقَيْس جاهلي يُقَال لَهُ الممزق، وَإِنَّمَا سمي ممزقًا لبيته هَذَا، وَقَالَ الْفراء الممزق.
قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: وَمن الزبية الَّتِي هِيَ مصيدة الْأسد قَول الطرماح بن حَكِيم:
يَا طَيء السهل والأجبال مَوْعدكُمْ ... كبمتغي الصَّيْد أَعلَى زبية الْأسد
وَقَالَ الراجز:
стр. 445
قد كنت فِي الْأَمر الَّذِي قد كيدا ... كاللذ تزبى زبية فاصطيدا
اللذ: لُغَة فِي الَّذِي. وَمن الْعَرَب من يَقُول اللذ بِكَسْر الذَّال من غير إِثْبَات يَاء كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
واللذ لَو يكنى لكَانَتْ برا ... أوجبلاً أَشمّ مشمخرا
وَيُقَال من هَذِه اللُّغَة يَعْنِي الذ مسكنة الذَّال، فِي الْمُؤَنَّث اللت، قَالَ الشَّاعِر:
فَقل للت تلومك إِن نَفسِي ... أَرَاهَا لَا تعلل بالنمير
والزبية على مَا بَينا لَا تتَّخذ إِلَّا فِي قلَّة رابيةٍ أَو رَأس قلعةٍ أَو هضبة، قَالَ العجاج: وَقد علا السَّيْل الزبى فَلَا غير أَي جلّ الْأَمر عَن التلافي والإصلاح للتغيير، وَقيل إِن الْغَيْر هَاهُنَا الدِّيات، وَالْمعْنَى لِكَثْرَة الْقَتْل. وَمن الْغَيْر بِمَعْنى الدِّيات قَول هدبة بن الخشرم:
لنجد عَن أنوفاً من أنوفكم ... بني أُميَّة أنْ لَا تقبلُوا الغيرا
وَالْعرب تَقول فِي شدَّة الْأَمر تفاقمه واستشراء الشَّرّ وتعاظمه: قد علا المَاء الزبى، وانقد فِي الْبَطن السلى، وبرح الخفا، وحلت الحبا، وَبلغ السكين الْعَظِيم، والتقت حلقتان البطان، وَهُوَ مضارع لقَولهم: بلغ الحزام الطبيين، قَالَ أَوْس بْن حجر:
وازدحمت حلقتا البطان بأق؟ ... وام وطارت نُفُوسهم جزعًا
وَمن أفْصح مَا أَتَى فِي هَذَا الْمَعْنى مَا جَاءَ الْقُرْآن بِهِ وَذَلِكَ قَوْله : " وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ " الْقِيَامَة:٢٩ وَقَالَ الشَّاعِر:
وَقَامَت الْحَرْب بِنَا على سَاق
والطبيان تَثْنِيَة طبي وَجمعه أطباء، وَيَقُولُونَ: الْتَقت حلقتا البطان والحقب، وَمِنْه:
اشْدُد بمثنى حقبٍ حقواها
وَيُقَال حقب الْبَعِير إِذا صَار الحزام فِي الحقب، قَالَ الشَّاعِر:
إِذا مَا حقب جال ... شددناه بتصدير
والأطباء مَوضِع الثدي من السبَاع، وَيُقَال لذَلِك الْموضع من ذَوَات الْخُف والظلف أخلاف وَالْوَاحد خلف، قَالَ ابْن عبدل:
وأحلب الثرة الصفي وَلَا ... أجهد أخلاف غَيرهَا حَلبًا
عتاب بَين عَليّ وَعُثْمَان
وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْن جَعْفَر الأَزْدِيّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بْن يزِيد الأَزْدِيُّ قَالَ: وَيُرْوَى عَنْ قَنْبَرٍ مَوْلَى عَلِيٍّ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ عَلِيٍّ عَلَى عُثْمَانَ فَأَحَبَّا الْخَلْوَةَ فَأَوْمَى إِلَيَّ عَلِيٌّ بِالتَّنَحِّي فَتَنَحَّيْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ، فَجَعَلَ عُثْمَانُ يُعَاتِبُ عَلِيًّا وَعَلِيٌّ مُطْرِقٌ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عُثْمَان فَقَالَ: مَالك لَا تَقُولُ؟ قَالَ: إِنْ قُلْتُ لَمْ أَقُلْ إِلا مَا تَكْرَهُ، وَلَيْسَ لَكَ عِنْدِي إِلا مَا تُحِبُّ؛ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: تَأْوِيلُ ذَلِكَ أَنِّي إِنْ تَكَلَّمْتُ اعْتَدَدْتُ عَلَيْكَ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَدْتَ
стр. 446
بِهِ عَلَيَّ فَلَذَّعَكَ عِتَابِي، وَعَقْدِي أَنْ لَا أَفْعَلَ وَإِنْ كُنْتُ عَاتِبًا إِلا مَا تُحِبُّ.
تَأْوِيل الْمُؤلف لِمَعْنى العتاب
قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: هَذَا الَّذِي تَأَوَّلَه أَبُو الْعَبَّاس وَجه مَفْهُوم، وَفِي هَذَا القَوْل تَأْوِيل آخر، وَهُوَ أَن يكون أَرَادَ أَنه إِن شرع فِي مخاطبته بِمَا استدعي أَن يخاطبه فِيهِ ذكر لَهُ أَنه أَتَى بِخِلَاف الأصوب عِنْده، وَترك مَا كَانَ الأولى بِهِ أَن يَفْعَله، إِلَّا أَنه لإشفاقه عَلَيْهِ مَعَ إيثاره النَّصِيحَة لَهُ آثر محبته وَكره إِظْهَار مَا فِيهِ تَثْرِيب عَلَيْهِ أَو لائمة لَهُ، وَهَذَا التَّأْوِيل عِنْدِي أصح من تَأْوِيل أَبِي الْعَبَّاس، وَقد ورد فِي مَعْنَاهُ مَا يشْهد لما وصفناه فِي الْقِصَّة الَّتِي ذكرنَا.
عُثْمَان يشكو عليا إِلَى ابْن عَبَّاس حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْعُتْبِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَعَثَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ مَحْصُورٌ عِنْدَهُ مَرْوَانُ بْنُ الحكم، فَقَالَ عُثْمَان: يَا ابْن عَبَّاسٍ أَمَا تَرَى إِلَى ابْنِ عَمه عَمِّكَ كَانَ الأَمْرُ فِي بَنِي يتم وَعَدِيٍّ فَرَضِيَ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا صَارَ الأَمْرُ إِلَى ابْنِ عَمِّهِ بَغَاهُ الْغَوَائِلُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ لَهُ: وَاللَّهِ إِنَّ ابْنَ عَمِّي مَا زَالَ عَنِ الْحَقِّ وَلا يَزُولُ، وَلَوْ أَنَّ حَسَنًا وَحُسَيْنًا بَغَيَا فِي دِينِ اللَّهِ الْغَوَائِلَ لَجَاهَدَهُمَا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ، وَلَوْ كُنْتَ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ لَكَانَ لَكَ كَمَا كَانَ لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ بَلْ كَانَ لَكَ أَفْضَلُ لِقَرَابَتِكَ وَرَحِمِكَ وَسِنِّكَ، وَلَكِنَّك ركبت المر وَهَابَاهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاعْتَرَضَنِي مَرْوَانُ فَقَالَ: دَعْنَا مِنْ تَخْطِئَتِكَ يَا ابْن عَبَّاسٍ فَأَنْتَ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
دَعَوْتُكَ لِلْعِتَابِ وَلَسْتُ أَدْرِي ... أَمِنْ خَلْفِي الْمَنِيَّةُ أَمْ أَمَامِي
فَشَقَقْتُ الْكَلامَ رَخِيَّ بالٍ ... وَقَدْ جَلَّ الْفِعَالُ عَنِ الْكَلامِ
إِنْ يَكُنْ عنْدك لهَذَا الرَّجُلِ غِيَاثٌ فَأَغِثْهُ، وَإِلا فَمَا أَشْغَلَهُ عَنِ التَّفَهُّمِ لِكَلامِكَ وَالْفِكْرِ فِي جَوَابِكَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ لَهُ: هُوَ وَاللَّهِ كَانَ عَنْكَ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِكَ أَشْغَلُ إِذْ أَوْرَدْتُمُوهُ وَلَمْ تُصْدِرُوهُ، ثُمَّ أَقْبَلْتُ عَلَى عُثْمَانَ ﵁ فَقُلْتُ لَهُ:
جَعَلْتَ شِعَارَ جَلَدِكَ قَوْمَ سوءٍ ... وَقَدْ يُجْزَى الْمُقَارَنُ بِالْقَرِينِ
فَمَا نَظَرُوا لِدُنْيَا أَنْتَ فِيهَا ... بإصلاحٍ وَمَا نَظَرُوا لِدِينِ
ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: إِنَّ الْقَوْمَ وَاللَّهِ غَيْرُ قَابِلِينَ إِلا قَتْلَكَ أَوْ خَلْعَكَ، فَإِنْ قُتِلْتَ عَلَى مَا قَدْ عَلِمْتَ وَعَمِلْتَ، وَإِنْ تُرِكْتَ فَإِنَّ بَابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ: فَقَدْ أَنْبَأَ هَذَا الْخَبَرُ أَنَّ أَصَحَّ التَّأْوِيلَيْنِ فِي مَا قَالَهُ عَلِيٌّ لِعُثْمَانَ فِي الْخَبَرِ الْمُتَقَدِّمِ هُوَ مَا وَصَفْنَا.
حق الْعَالم على غَيره
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ القَاسِم الأنبَاريّ قَالَ حَدَّثَنَا أبي قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عُبَيْد قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ الأَعْرَابِيِّ وَسَهْلُ بْنُ هَارُونَ قَالَ، قَالَ عَلِيُّ بْن أبي طَالِب ﵇: مِنْ حَقِّ الْعَالِمِ أَنْ لَا
стр. 447
تُكْثِرَ عَلَيْهِ السُّؤَالَ وَلا تُعْنِتَهُ فِي الْجَوَابِ، وَلا تُلِحَّ عَلَيْهِ إِذَا كَسِلَ، وَلا تَأْخُذَ بِثَوْبِهِ إِذا نَهَضَ، وَلَا نفشي لَهُ سِرًّا، وَلا تَغْتَابَ عِنْدَهُ أَحَدًا، وَأَنْ تَجْلِسَ أَمَامَهُ، وَإِذَا أَتَيْتَهُ خَصَصْتَهُ بِالتَّحِيَّةِ وَسَلَّمْتَ عَلَى الْقَوْمِ كَافَّةً، وَأَنْ تَحْفَظَ سِرَّهُ وَمَغِيبَهُ مَا حَفِظَ أَمْرَ اللَّهِ ؛ فَإِنَّمَا الْعَالِمُ بِمَنْزِلَةِ النَّخْلَةِ تَنْتَظِرُ مَتَى يَسْقُطُ عَلَيْكَ مِنْهَا شَيْءٌ، وَالْعَالِمُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا مَاتَ الْعَالِمُ شَيَّعَهُ سَبْعٌ وَسَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ مُقَرَّبِي السَّمَاءِ وَإِذَا مَاتَ الْعَالِمُ انْثَلَمَ بِمَوْتِهِ فِي الإِسْلامِ ثَلْمَةٌ لَا تُسَدُّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
لَيْلَة قر
حَدثنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يحيى ثَعْلَب قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن سعيد بْن سلم الْبَاهِلِيّ عَن أَبِيه قَالَ: أدخلت إِلَى الرشيد يَوْمًا فَقَالَ لي: أَنْشدني فِي شدَّة الْبرد فَأَنْشَدته لِابْنِ محكان السَّعْدِيّ:
فِي لَيْلَة من جُمَادَى ذَات أنديةٍ ... لَا يبصر الْكَلْب من ظلمائها الطنبا
مَا ينبح الْكَلْب فِيهَا غير واحدةٍ ... حَتَّى يلف على خرطومه الذنبا
قَالَ القَاضِي: وَقد رُوِيَ على خيشومه.
فَقَالَ هَات غير هَذَا، فَأَنْشَدته:
وَلَيْلَة قرٍ يصطلي الْقوس رَبهَا ... وأقدحه اللائي بهَا يتنبل
فَقَالَ لي مَا بعد هَذَا شَيْء. قَالَ الصولي وأنشدني عَبد اللَّه بْن المعتز لنَفسِهِ:
وليلٍ يود المصطلون بناره ... لَو أَنهم حَتَّى الصَّباح وقودها
رفعت لَهَا نَارِي لمن يَبْتَغِي الْقرى ... على شرفٍ حَتَّى أتتها وفودها
شرح وتوضيح قَالَ القَاضِي: قَول انب محكان ذَات أندية: ذكر جُمْهُور أهل الْعلم أَن جمع الندى، أنداء على أَفعَال وَأَنه الْبَاب فِي هَذَا النَّوْع من الْمَقْصُور، وَأَن الْبَاب فِي الْمَمْدُود من جنسه على أَفعلهُ وَمِنْه حَشا وأحشاء وطلا وأطلاء وَأما الْمَمْدُود فَمِنْهُ عَطاء وأعطية وخلاء وأخلية وقباء وأقبية، أَلا ترى أَنهم يَقُولُونَ هوى فِي هوى النَّفس مَقْصُور ويجمعونه أهواء، قَالَ الله تَعَالَى ذكره: " وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ " مُحَمَّد: ١٤، ١٦ وَقَالُوا فِي جمع هَوَاء الجو الْمَمْدُود أهوية، وَأَن أندية فِي بَيت ابْن محكان شَذَّ عَن الْقيَاس. وَزعم بَعضهم أَن أندية فِي هَذَا الْبَيْت جمع نادٍ وَهُوَ الْمجْلس، وَأَن الْمَعْنى أَنهم كَانُوا يَجْلِسُونَ فِي النادي يصطلون عِنْد شدَّة الْبرد، وَأَن ذَلِك بِمَنْزِلَة قَوْلهم وادٍ وأودية، وَقيل إِنَّه جمع ندي وَهُوَ مثل النادي، وَأنكر هَؤُلَاءِ جمع الندى الَّذِي هُوَ فِي معنى الطل أندية. وَقد زعم الْفراء فِي قَول الله تَعَالَى: " وَأَحْسَنُ نَدِيًّا " مَرْيَم: ٧٣ أَن الندي تجمع أندية والنادي نوادي الْقَوْم، وَقَالَ: وَلَو جمعت الندى نوادي والنادي أندية كَانَ صَوَابا لِأَن مَعْنَاهُمَا وَاحِد.
стр. 448
قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: يتَّجه صرف الأندية فِي بَيت ابْن محكان إِلَى وَجه يطرد فِي الْقيَاس جمعه على أَفعلهُ لَكِن الْمَعْنى الظَّاهِر أَنه عني بِهِ يبطل أَو يتشعث، وَالَّذِي عِنْدِي فِي هَذَا أَنهم جمعُوا الندى بِمَعْنى الطل أنداء على أَصله وَقِيَاسه ذُو أندية على الشذوذ وإدخاله فِي غير بَابه، كَمَا قَالُوا فِي جمع رحي أرحاء على الْقيَاس وأرحية على الشذوذ، وَالْبَاب فِي الْجمع أحد الْأَبْوَاب الَّتِي أخرج على الْقيَاس وأرحية على الشذوذ، وَالْبَاب فِي الْجمع أحد الْأَبْوَاب الَّتِي أخرج كثير مِنْهَا عَن أصل قِيَاسه وَالْحق بِغَيْر بَابه. وَمن الأندية بِمَعْنى الْمجَالِس قَول الشَّاعِر:
يَوْمَانِ يَوْم مقامات وأنديةٍ ... وَيَوْم سيرٍ إِلَى الْأَعْدَاء تأويب
التأويب: سير النَّهَار، والسرى: سير اللَّيْل، والإساد: سير اللَّيْل وَالنَّهَار، هَذَا قَول محققي أهل اللُّغَة فِي هَذِه الْفُصُول الَّتِي ذَكرنَاهَا فِي هَذَا الْبَاب من الْجمع. وَقد استقصينا القَوْل فِيهَا وَفِيمَا يضارعها وَفِي الْبَيْت الَّذِي أنشدناه فِي بَيت ابْن محكان فِي مَوضِع غير هَذَا، وأتينا فيهمَا بِمَا لم نر لإعادته فِي هَذَا الْموضع وَجها، وَقد روينَا خَبرا فِي هَذِه الْقِصَّة وفيهَا أَبْيَات لِابْنِ محكان عدَّة وَفِي أَولهَا:
يَا ربة الْبَيْت قومِي غير صاغرةٍ ... ضمي إِلَيْك رجال الْقَوْم والقربا
ولعلنا أَن نورد هَذِه الرِّوَايَة فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الْمجْلس الثَّانِي وَالسِّتُّونَ
يَا عبَادي كلكُمْ مذنب إِلَّا من عافيت
أَخْبَرَنَا الْمُعَافَى قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْفَضْلِ الْحلْوانِي سنة سبع عشرَة وثلاثمائة قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ الْكُوفِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ لَيْثٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ الأَشْعَرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ قَالَ: إِنَّ اللَّهُ يَقُولُ يَا عِبَادِي كلكُمْ مذنب إِلَّا من عافيت، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، وَمَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَى الْمَغْفِرَةِ فَاسْتَغْفَرَنِي بِقُدْرَتِي غَفَرْتُ لَهُ ذُنُوبَهُ، وَكُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلا مَنْ هَدَيْتُ فَسَلُونِي أَهْدِكُمْ، وَكُلُّكُمْ فَقِيرٌ إِلا مَنْ أَغْنَيْتُ فَسَلُونِي أَرْزُقْكُمْ، وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَحَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمُ اجْتَمَعُوا عَلَى إِشْقَاءِ قَلْبِ عبدٍ مِنْ عِبَادِي لم ينقص مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَلَوْ أَنَّ حَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ وَأَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمُ اجْتَمَعُوا فَسَأَلَ كُلُّ سَائِلٍ مَا بَلَغَتْ أُمْنِيَّتُهُ فَأَعْطَيْتُ كُلَّ سَائِلٍ مَا سَأَلَ لَمْ يَنْقُصْ مُلْكِي إِلا كَمَا لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ مَرَّ عَلَى شَفَةِ الْبَحْرِ فَغَمَسَ فِيهِ إِبْرَةً ثُمَّ انْتَزَعَهَا، وَذَلِكَ بِأَنِّي جواد وَاجِدٌ أَفْعَلُ مَا أَشَاءُ، عَطَائِي كَلامٌ، وَعَذَابِي كَلامٌ، إِذَا أَرَدْتُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
تَعْلِيق على الحَدِيث
قَالَ القَاضِي أَبُو الفَرَج: فِي هَذَا الْخَبَر مَا يبْعَث على التفكر فِي عَظمَة الله ورأفته
стр. 449
وَرَحمته وسعة ملكه وجوده وَكَرمه، وَيَدْعُو إِلَى تَوْجِيه كل رَاغِب إِلَيْهِ رغبته ومسألته ومغفرته وإنزاله كل حَاجَة بِهِ ثِقَة بتفضله وإيمانًا بِأَنَّهُ الْملك الْأَعَز الأكرم وَحده الَّذِي بِيَدِهِ ملكوت كل شَيْء، وَهُوَ يجير وَلَا يجار عَلَيْهِ، وَأَنه لَا ملْجأ وَلَا منجى مِنْهُ إِلَّا إِلَيْهِ، وَأَن الْفضل كُله بِيَدِهِ، اللَّهُمَّ فَاغْفِر لنا ذنوبنا واستر عيوبنا واكشف كروبنا وطهر قُلُوبنَا فقد فرطنا فِي أمورنا وظلمنا أَنْفُسنَا، وَإِن لم تغْفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، اللَّهُمَّ وأجرنا من سخطك واعصمنا من معصيتك ووفقنا لطاعتك وأعنا على عبادتك وأوزعنا شكر نِعْمَتك وألهمنا ذكرك، وَيسر لنا الْحَلَال الطّيب من رزقك وألبسنا عافيتك وَافْتَحْ لنا أَبْوَاب فضلك وأحينا متقلبين فِي نعمك منعمين بخيرك وَاخْتِمْ لنا خير خَاتِمَة وَأَكْرمنَا بِحسن المنقلب، وَاجعَل قبضك إيانا رَاحَة لنا من فتن الدُّنْيَا ومهالكها ومفضيًا بِنَا إِلَى روح الْجنَّة وممالكها، إِنَّك جواد كريم رؤوف رَحِيم.
وَصِيَّة عبد الْملك لأبنائه
حَدثنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِم عَنِ الْعُتْبِي قَالَ: لما حضرت عبد الْملك بْن مَرْوَان الْوَفَاة جمع وَلَده وَفِيهِمْ مسلمة وَكَانَ سيدهم فَقَالَ: أوصيكم بتقوى الله تَعَالَى فَإِنَّهَا عصمَة بَاقِيَة وجنة واقية، وَهِي أحصن كهفٍ وأزين حلية، وليعطف الْكَبِير مِنْكُم على الصَّغِير، وليعرف الصَّغِير مِنْكُم حق الْكَبِير، مَعَ سَلامَة الصُّدُور، وَالْأَخْذ بجميل الْأُمُور، وَإِيَّاكُم الْفرْقَة وَالْخلاف فبهما هلك الْأَولونَ، وذل ذَوُو الْعِزَّة المعظمون. انْظُرُوا مسلمة فاصدروا عَن رَأْيه فَإِنَّهُ نابكم الَّذِي عَنْهُ تفترون ومجنكم الَّذِي بِهِ تستجنون، وأكرموا الْحجَّاج فَإِنَّهُ وطأ لكم المنابر وَأثبت لكم الْملك، وَكُونُوا بني أم بَرزَة وَإِلَّا دبت بَيْنكُم العقارب، كونُوا فِي الْحَرْب أحرارًا وللمعروف منارًا، واحلولوا فِي مرارةٍ، ولينوا فِي شدَّة، وضعُوا الذَّخَائِر عِنْد ذَوي الْحساب والألباب، فَإِنَّهُ أصون لأحسابهم وأشكر لما يسدى إِلَيْهِم. ثُمَّ أقبل على ابْنه الْوَلِيد فَقَالَ: لَا ألفينك إِذا مت تجْلِس تعصر عَيْنَيْك وتحن حنين الْأمة، وَلَكِن شمر وائتزر والبس جلدَة نمر ودلني فِي حفرتي وخلني وشأني وَعَلَيْك وشأنك، ثُمَّ ادْع النَّاس إِلَى الْبيعَة فَمن قَالَ هَكَذَا فَقل بِالسَّيْفِ هَكَذَا. ثُمَّ أرسل إِلَى عَبد اللَّه ابْن يزِيد بْن مُعَاوِيَة وخَالِد بْن أسيد فَقَالَ: هَل تدريان لم بعثت إلَيْكُمَا؟ قَالَا: نعم لترينا أثر عَافِيَة الله تَعَالَى إياك، قَالَ: لَا، وَلَكِن قد حضر من الْأَمر مَا تريان، فَهَل فِي أنفسكما من بيعَة الْوَلِيد شَيْء؛ فَقَالَا: لَا، وَالله مَا نرى أحدا أَحَق بهَا مِنْهُ بعْدك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَقَالَ: أولى لَكمَا، أما وَالله وَلَو غير ذَلِك قلتما لضَرَبْت الَّذِي فِيهِ أعينكما، ثُمَّ رفع فرَاشه فَإِذا السَّيْف مَشْهُور، وَلم يزل بَين مقالتين حَتَّى فاظ، مقَالَته الأولى:
فَهَل من خالدٍ إِمَّا هلكنا ... وَهل بِالْمَوْتِ يَا للنَّاس عَار
ومقالته الثَّانِيَة: الْحَمد لله الَّذِي لَا يُبَالِي من أَخذ من خلقه أَو ترك، صَغِيرا أَو كَبِيرا،
стр. 450
حتي مَاتَ، فسجاه الْوَلِيد، وَكَانَ هِشَام أَصْغَر وَلَده فَقَالَ:
وَمَا كَانَ قيس هلكه هلك واحدٍ ... وَلكنه بُنيان قومٍ تهدما
فَلَطَمَهُ الْوَلِيد ثُمَّ قَالَ لَهُ: اسْكُتْ يَا ابْن إِلَّا شجعية فَإنَّك أَحول أكشف، تنطق بِلِسَان شَيْطَان، أَلا قلت:
إِذا مقرم منا ذرى حد نابه ... تخمط منا نَاب آخر مقرم
فَقَالَ مسلمة: إيَّاكُمْ والضجاج فَإِنَّكُم إِن صلحتم صلح النَّاس، وَإِن فسدتم كَانَ الْفساد أسْرع، ثُمَّ قَالَ:
لقد أفسد الْمَوْت الْحَيَاة وَقد أَتَى ... على شخصه يَوْم عَليّ عصيب
فَإِن تكن الْأَيَّام أحسن مرّة ... إِلَى فقد عَادَتْ لَهُنَّ ذنُوب
أَتَى دون حُلْو الْعَيْش حَتَّى أمره ... نكوب على آثارهن نكوب
فَقَالَ سُلَيْمَان: مَاتَ وَالله أَمِير الْمُؤمنِينَ وَصَارَ فِي منزلَة هُوَ فِيهَا والذليل الضَّعِيف سَوَاء. ثُمَّ صعد الْمِنْبَر الْوَلِيد فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَصلى على النَّبيّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون يَا لَهَا مُصِيبَة مَا أعظمها وأفظعها، وأخصها وأعمها وأوجعها، موت أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَيَا لَهَا نعْمَة مَا أعظمها وأجسمها وَأوجب الشُّكْر عَليّ لله فِيهَا: خِلَافَته الَّتِي سربلنيها. فَكَانَ أول من عزى نَفسه وهنأها بالخلافة. ثُمَّ قَالَ: انهضوا رحمكم الله فَبَايعُوا على بركَة الله. فَلَمَّا بَايعه النَّاس جلس مجْلِس عبد الْملك وَجمع أهل بَيته ثُمَّ قَالَ:
القوا الضغائن والتحاسد بَيْنكُم ... عِنْد المغيب وَفِي الْحُضُور الشهد
بصلاح ذَات الْبَين طول بقائكم ... إِن مد فِي عمري وَإِن لم يمدد
فلمثل ريب الدَّهْر ألف بَيْنكُم ... بتواصلٍ وتراحمٍ وتودد
وانفوا الضغائن والتخاذل عَنْكُم ... بتكرمٍ وتوازرٍ وتغمد
حَتَّى تلين جلودكم وقلوبكم ... لمسودٍ مِنْكُم وَغير مسود
إِن القداح إِذا اجْتَمعْنَ فرامها ... بِالْكَسْرِ ذُو حنقٍ وبطش أيد
عزت فَلم تكسر وَإِن هِيَ بددت ... فالوهن والتكسير للمتبدد
شُرُوح وتعليقات
قَالَ القَاضِي: قَوْله: تحن حنين الْأمة، الحنين: الْبكاء، وَقيل صَوت الْبكاء، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
فَلَا تبكوا عَليّ وَلَا تحنوا ... بقول الْإِثْم إِن الْإِثْم حوب
وَأما تمثل هِشَام بِالْبَيْتِ الَّذِي ذَكرْنَاهُ فَإِنَّهُ لعبدة بْن الطَّبِيب قَالَه فِي قيس ابْن عَاصِم يرثيه فِي شعرٍ لَهُ وَهُوَ:
عَلَيْك سَلام الله قيس بْن عاصمٍ ... وَرَحمته مَا شَاءَ أَن يترحما
стр. 451
تَحِيَّة من أسديته مِنْك نعْمَة ... إِذا زار عَن شحط بلادك سلما
فَمَا كَانَ قيس هلكه هلك واحدٍ ... وَلكنه بُنيان قومٍ تهدما
ويروى: هلك واحدٍ، رفعا ونصبًا، فَمن نصب فعلى أَنه خبر كَانَ، وَجعل قَوْله هلكه بَدَلا من قيس، الْبَدَل الْمَعْرُوف بالاشتمال لاشْتِمَاله على الْمَعْنى، كَقَوْلِك أعجبني عَبد اللَّه علمه؛ الْمَعْنى: أعجبني علم عَبد اللَّه.
قَالَ الله تَعَالَى: " يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قتالٍ فِيهِ " الْبَقَرَة: ٢١٧ الْمَعْنى: يَسْأَلُونَك عَن قتال فِي الشَّهْر الْحَرَام. وَمن هَذَا النَّوْع قَول الْأَعْشَى بهجو الْحَارِث بْن وَعلة:
لعمرك مَا أشبهت وَعلة فِي الندى ... شمائله وَلَا أَبَاهُ المجالدا
الْمَعْنى: شمائل وَعلة؛ وَالْبدل فِي الْكَلَام لَهُ أَقسَام وفروع وَأَحْكَام، والكوفيون يعبرون عَن هَذَا الْبَاب بالتكرير والترجمة والإتباع، ولبسطه وَشَرحه مَوضِع هُوَ أولى بِهِ، وَقد ذَكرْنَاهُ فِي غير مَوضِع من كتبنَا وضمنا طرفا مِنْهُ فِي كتَابنَا الْمُسَمّى الشافي فِي طَهَارَة الرجلَيْن.
حوار بَين ابْن الزُّبَيْر وَابْن عَبَّاس
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عِكْرِمَةَ الضَّبِّيُّ عَامِرُ بْنُ عِمْرَانَ قَالَ أَخْبَرَنَا الْعُتْبِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا خَرَجَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵉ إِلَى الْكُوفَةِ اجْتَمَعَ ابْنُ عباسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ، قَالَ: فَضَرَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى جَنْبِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَتَمَثَّلَ:
يَا لَكِ مِنْ قبرةٍ بِمَعْمَرٍ ... خَلا لَكَ الْجَوُّ فَبِيضِي وَاصْفُرِي
وَنَقِّرِي مَا شِئْتِ أَنْ تُنَقِّرِي
خلا وَالله يَا ابْن الزُّبَيْرِ الْحِجَازُ وَصَارَ الْحُسَيْنُ إِلَى الْعِرَاقِ؛ قَالَ فَقَالَ
ابْنُ الزُّبَيْرِ لابْنِ عَبَّاسٍ: وَاللَّهِ مَا تَرَوْنَ إِلا أَنَّكُمْ أَحَقُّ بِهَذَا الأَمْرِ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا يَرَى مَنْ كَانَ فِي شكٍ، فَأَمَّا نَحْنُ فَمِنْ ذَلِكَ عَلَى يَقِينٍ، وَلَكِنْ أَخْبِرْنِي عَنْ نَفْسِكَ: لِمَ زَعَمْتَ أَنَّكَ أَحَقُّ بِهَذَا الأَمْرِ مِنْ سَائِرِ الْعَرَبِ؟ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: لِشَرَفِي عَلَيْهِمْ قَدِيمًا لَا يُنْكِرُونَهُ، قَالَ: فَأَيُّمَا أَشْرَفُ أَنْتَ أَمْ مَنْ شَرُفْتَ بِهِ؟ قَالَ: إِنَّ الَّذِي شَرُفْتُ بِهِ زَادَنِي شَرَفًا. قَالَ: وَعَلَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَقَالَ ابْنُ أَخٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: يَا ابْن عَبَّاس دَعْنَا من قَوْلك فو الله لَا تُحِبُّونَا يَا بَنِي هَاشِمٍ أَبَدًا، قَالَ: فَخَفَقَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بِالنَّعْلِ وَقَالَ: أَتَتَكَلَّمُ وَأَنَا حَاضِرٌ؟، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِمَ ضَرَبْتَ الْغُلامَ وَمَا اسْتَحَقَّ الضَّرْبَ وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الضَّرْبَ من مرق ومذق؟ قَالَ: يَا ابْن عَبَّاسٍ أَمَا تُرِيدُ أَنْ تَعْفُوَ عَنْ كَلِمَةٍ وأحدةٍ؟ قَالَ: إِنَّمَا نَعْفُو عَنْ مَنْ أَقَرَّ فَأَمَّا مَنْ هَرَّ فَلا؛ قَالَ: فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَأَيْنَ الْفَضْلُ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عِنْدَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ لَا نَضَعُهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَنَنْدَمَ، وَلا نَزْوِيهِ عَنْ أَهْلِهِ فَنَظْلِمَ، قَالَ: أَوَلَسْتُ مِنْهُمْ؟ قَالَ: بَلَى إِنْ نَبَذْتَ الْحَسَدَ وَلَزِمْتَ الْجَدَدَ؛ قَالَ: فَاعْتَرَضَ بَيْنَهُمَا رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَأَسْكَتُوهُمَا.
стр. 452
قصَّة جحدر اللص وَالْحجاج والأسد
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ أَخْبرنِي أَحْمَد بْن عبيدٍ عَنْ أبي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْأَعرَابِي قَالَ: بَلغنِي أَنه كَانَ رجل من بني حنيفَة يُقَال لَهُ جحدر بْن مَالك فتاكًا شجاعًا قد أغار على أهل حجرٍ وناحيتها، فَبلغ ذَلِك الْحجَّاج بْن يُوسُف، فَكتب إِلَى عَامله بِالْيَمَامَةِ يوبخه بتلاعب جحدر بِهِ، ويأمره بالإجداد فِي طلبه والتجرد فِي أمره؛ فَلَمَّا وصل الْكتاب إِلَيْهِ أرسل إِلَى فتيةٍ من بني يَرْبُوع من بني حَنْظَلَة فَجعل لَهُم جعلا عَظِيما إِن هم قتلوا جحدرًا أَو أَتَوا بِهِ أَسِيرًا، فَانْطَلق الْفتية حَتَّى إِذا كَانُوا قَرِيبا مِنْهُ أرْسلُوا إِلَيْهِ أَنهم يُرِيدُونَ الِانْقِطَاع إِلَيْهِ والتحرز بِهِ، فاطمأن إِلَيْهِم ووثق بهم، فَلَمَّا أَصَابُوا مِنْهُ غرَّة شدوه كتافًا وَقدمُوا بِهِ على الْعَامِل، فَوجه بِهِ مَعَهم إِلَى الْحجَّاج وَكتب يثني عَلَيْهِم خيرا، فَلَمَّا أَدخل على الْحجَّاج قَالَ لَهُ: من أَنْت؟ قَالَ: أَنا جحدر بْن مَالك، قَالَ: مَا حملك على مَا كَانَ مِنْك؟ قَالَ: جرْأَة الْجنان، وجفاء السُّلْطَان، وكلب الزَّمَان، فَقَالَ لَهُ الْحجَّاج: وَمَا الَّذِي بلغ مِنْك فيجترى جنانك ويجفوك سلطانك ويكلب زَمَانك؟ قَالَ: لَو بلاني الْأَمِير أكْرمه الله لوجدني من صَالح الأعوان وبهم والفرسان، ولوجدني من أنصح رَعيته، وَذَلِكَ أَنِّي مالقيت فَارِسًا قطّ إِلَّا كنت عَلَيْهِ فِي نَفسِي مقتدرًا، قَالَ لَهُ الْحجَّاج: إِنَّا قاذفون بك فِي حائرٍ فِيهِ أَسد عَاقِر ضارٍ فَإِن هُوَ قَتلك كفانا مؤونتك، وَإِن أَنْت قتلته خلينا سَبِيلك؛ قَالَ: أصلح الله الْأَمِير، عظمت الْمِنَّة، وَأعْطيت الْمنية، وقويت المحنة، فَقَالَ الْحجَّاج: فَإنَّا لسنا بتاركيك لتقاتله إِلَّا وَأَنت مكبل بالحديد، فَأمر بِهِ الْحجَّاج فغلت يَمِينه إِلَى عُنُقه وَأرْسل بِهِ إِلَى السجْن. فَقَالَ جحدر لبَعض من يخرج إِلَى الْيَمَامَة: تحمل عني شعرًا، وَأَنْشَأَ يَقُول:
أَلا قد هاجني فازددت شوقًا ... بكاء حَمَامَتَيْنِ تجاوبان
تجاوبتا بلحن أعجمي ... على غُصْنَيْنِ من غربٍ وَبَان
فَقلت لصاحبي وَكنت أحزو ... بِبَعْض الطير مَاذَا تحزوان
فَقَالَا الدَّار جَامِعَة قريب ... فَقلت بل أَنْتُمَا متمنيان
فَكَانَ البان أَن بَانَتْ سليمي ... وَفِي الغرب اغتراب غير داني
أَلَيْسَ اللَّيْل يجمع أم عَمْرو ... وإيانا فَذَاك بِنَا تداني
بلَى وَترى الْهلَال كَمَا نرَاهُ ... ويعلوها النَّهَار إِذا علاني
إِذا جاوزتما نخلات حجرٍ ... وأودية الْيَمَامَة فانعياني
وقولا جحدر أَمْسَى رهينًا ... يحاذر وَقع مصقول يماني
стр. 453
قَالَ: وَكتب الْحجَّاج إِلَى عَامله بكسكر أَن يُوَجه إِلَيْهِ بأسدٍ ضارٍ عاتٍ ويجر على عجل؛ فَلَمَّا ورد كِتَابه على الْعَامِل امتثل أمره، فَلَمَّا ورد الْأسد على الْحجَّاج أَمر بِهِ فَجعل فِي حائرٍ وأجيع ثَلَاثَة أَيَّام، وَأرْسل إِلَى جحدر فَأتي بِهِ من السجْن وَيَده الْيُمْنَى مغلولة إِلَى عُنُقه، وَأعْطِي سَيْفا وَالْحجاج وجلساؤه فِي منظرةٍ لَهُم، فَلَمَّا نظر جحدر إِلَى الْأسد أنشأ يَقُول:
لَيْث وَلَيْث فِي محلٍ ضنك ... كِلَاهُمَا ذُو أنفٍ ومحك
وشدةٍ فِي نَفسه وفتك ... إِن يكْشف الله قناع الشَّك
أَو ظفر بحاجتي ودركي ... فَهُوَ أَحَق منزل بترك
فَلَمَّا نظر إِلَيْهِ الْأسد زأر زأرة شَدِيدَة وتمطى وَأَقْبل نَحوه، فَلَمَّا صَار مِنْهُ على قدر رمح وثب وثبة شَدِيدَة، فَتَلقاهُ جحدر بِالسَّيْفِ فَضَربهُ ضَرْبَة حَتَّى خالط ذُبَاب السَّيْف لهواته، فَخر الْأسد كَأَنَّهُ خيمة قد صرعتها الرّيح، وَسقط جحدر على ظَهره من شدَّة وثبة الْأسد وَمَوْضِع الكبول، فَكبر الْحجَّاج وَالنَّاس جَمِيعًا، وَأَنْشَأَ جحدر يَقُول:
يَا جمل إِنَّك لَو رَأَيْت كريهتي ... فِي يَوْم هولٍ مسدف وعجاج
وتقدمي لليث أرسف موثقًا ... كَيْمَا أثاوره على الإحراج
شثن براثنه كَأَن نيوبه ... زرق المعاول أَو شباة زجاج
يسمو بناظرتين تحسب فيهمَا ... لما أَحدهمَا شُعَاع سراج
وكأنما خيطت عَلَيْهِ عباءة ... برقاء أَو خرق من الديباج
لعَلِمت أَنِّي ذُو حفاظٍ ماجد ... من نسل أَقوام ذَوي أبراج
ثمَّ الْتفت إِلَى الْحجَّاج فَقَالَ:
وَلَئِن قصدت بِي الْمنية عَامِدًا ... إِنِّي بخيرك بعد ذَاك لراجي
ويروى: إِنِّي لخيرك يَا ابْن يُوسُف راج.
علم النِّسَاء بأنني لَا أنثني ... إِذْ لَا يثقن بغيرة الْأزْوَاج
وَعلمت أَنِّي إِن كرهت نزاله ... أَنِّي من الْحجَّاج لست بناج
فَقَالَ لَهُ الْحجَّاج: إِن شِئْت أسنينا عطيتك، وَإِن شِئْت خلينا سَبِيلك، قَالَ: لَا، بل اخْتَار مجاورة الْأَمِير، أكْرمه الله. فَفرض لَهُ وَلأَهل بَيته وَأحسن جائزته.
قَالَ القَاضِي: مسدف: مظلم من السدفة، والرسف: مشي الْمُقَيد، والبرائن: مخالب الْأسد. والشبا والشباة: حد الأسنة، قَالَ أَبُو بكرٍ: البرقاء الَّتِي فِيهَا سَواد وَبَيَاض.
الْمَأْمُون يترحم على ابْن أَبِي خَالِد
حَدثنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي قَالَ: سَمِعت جرير بن أَحْمد بن أبي دواد يَحْكِي عَن أَبِيه أَن أَحْمَد بن أبي خالدٍ وَزِير الْمَأْمُون توفّي فِي آخر سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَأَن الْمَأْمُون صلى
стр. 454
عَلَيْهِ ووقف على قَبره فَلَمَّا دُلي فِي قَبره قَالَ: رَحِمك الله، أَنْت وَالله كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
أَخُو الْجد إِن جد الرِّجَال وشمروا ... وَذُو باطلٍ إِن كَانَ فِي الْقَوْم بَاطِل
سَعَة علم الْمَأْمُون
حَدثنَا عبد الْبَاقِي بْن قانعٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زَكَرِيّا الغَلابِي قَالَ حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن عمرَان العجيفي عَن مُحَمَّد بْن سعدٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن حَفْص الْأنمَاطِي قَالَ: تغدينا مَعَ الْمَأْمُون فِي يَوْم عيدٍ، قَالَ: وَأَظنهُ وضع على مائدته أَكثر من ثَلَاثمِائَة لونٍ، قَالَ: فَكلما وضع لون نظر الْمَأْمُون إِلَيْهِ فَقَالَ: هَذَا نَافِع لكذا ضار لكذا، فَمن كَانَ مِنْكُم صَاحب بلغم فليجتنب هَذَا، وَمن كَانَ مِنْكُم صَاحب بلغم فليجتنب هَذَا، وَمن كَانَ مِنْكُم صَاحب صفراء فَليَأْكُل من هَذَا، وَمن غلبت عَلَيْهِ السَّوْدَاء فَلَا يعرض لهَذَا، وَمن قصد قلَّة الْغذَاء فليقتصر على هَذَا. قَالَ: فو الله إِن زَالَت تِلْكَ حَاله فِي كل لونٍ يقدم إِلَيْهِ حَتَّى رفعت الموائد، فَقَالَ لَهُ يحيى بْن أَكْثَم: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن خضنا فِي الطِّبّ كنت جالينوس فِي مَعْرفَته، أَو فِي النُّجُوم كنت هرمس فِي حسابه، أَو فِي الْفِقْه كنت عَليّ بْن أبي طَالِب ﵇ فِي علمه، أَو ذكر السخاء كنت حَاتِم طَيء فِي صفته، أَو صدق الحَدِيث فَأَنت أَبُو ذرٍ فِي لهجته، أَو الْكَرم فَأَنت كَعْب بْن مامة فِي فعاله، أَو الْوَفَاء فَأَنت السموأل ابْن عاديا فِي وفائه. فسر بِهَذَا الْكَلَام وَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّد إِن الْإِنْسَان إِنَّمَا فضل بعقله، وَلَوْلَا ذَلِك لم يكن لحم أطيب من لحمٍ وَلَا دم أطيب من دمٍ.
ميل الْمَأْمُون إِلَى التَّوَاضُع
قَالَ: وَنظر يَوْمًا إِلَى رُؤُوس آنيته محشوة بقطنٍ وَكَانَت قبل ذَلِك بأطباق فضةٍ، فَقَالَ لصَاحب الشَّرَاب: أَحْسَنت يَا بني إِنَّمَا يباهي بِالذَّهَب وَالْفِضَّة من قلا عِنْده، وَأما نَحن فَيَنْبَغِي أَن نباهي بالأفعال الجميلة والأخلاق الْكَرِيمَة، فإياك أَن تحشو رُؤُوس أوانيك إِلَّا بالقطن فَذَاك بالملوك أهيأ وأبهى.
ولد لأبي دلامة ابْنة
حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الْعَبَّاس العسكري قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سعدٍ قَالَ حَدَّثَنَا يحيى بن خَليفَة بن الجهم الدَّارِمِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَفْص المعجلي قَالَ: ولد لأبي دلامة ابْنة فغدا على أَبِي جَعْفَر الْمَنْصُور فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّه ولد لي اللَّيْلَة ابْنة، قَالَ: فَمَا سميتها؟ قَالَ: أم دلامٍ. قَالَ: وَأي شَيْء تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيد أَن يُعِيننِي عَلَيْهَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، ثُمَّ أنْشدهُ:
لَو كَانَ يقْعد فَوق الشَّمْس من كرم ... قوم لقيل اقعدوا يَا آل عَبَّاس
ثمَّ ارْتَقَوْا فِي شُعَاع الشَّمْس كلكُمْ ... إِلَى السَّمَاء فَأنْتم أكْرم النَّاس
قَالَ: فَهَل قلت فِيهَا شَيْئا؟ قَالَ: نعم، قلت:
فَمَا وَلدتك مَرْيَم أم عِيسَى ... وَلم يكفلك لُقْمَان الْحَكِيم
وَلَكِن قد تضمك أم سوءٍ ... إِلَى لباتها وَأب لئيم
стр. 455
قَالَ: فَضَحِك أَبُو جَعْفَر، ثُمَّ أخرج أَبُو دلامة خريطة من خرق فَقَالَ: مَا هَذِه؟ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أجعَل فِيهَا مَا تحبوني بِهِ، فَقَالَ: املؤوها لَهُ دَرَاهِم فوسعت ألفي دِرْهَم.
إِيَاس دخل الشَّام وَهُوَ غُلَام
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن زيادٍ الْمقري قَالَ حَدَّثَنَا مسبح بْن حَاتِم بِالْبَصْرَةِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبد اللَّه بْن عَائِشَة عَن أَبِيه قَالَ: دخل إِيَاس بْن مُعَاوِيَة الشَّام وَهُوَ غُلَام، فَقدم خصما لَهُ إِلَى قَاض لعبد الْملك بْن مَرْوَان، وَكَانَ خَصمه شَيخا صديقا للْقَاضِي، فَقَالَ لَهُ القَاضِي: يَا غُلَام أما تَسْتَحي أَن تقدم شَيخا كَبِيرا؟! قَالَ إِيَاس: الْحق أكبر مِنْهُ، قَالَ لَهُ: أسكت، قَالَ لَهُ: فَمن ينْطق بحجتي إِذا سكت؟ قَالَ: مَا أحسبك تَقول حَقًا حَتَّى تقوم، قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا الله، قَالَ: مَا أَظُنك إِلَّا ظَالِما، قَالَ: مَا على ظن القَاضِي خرجت من منزلي. فَدخل القَاضِي على عبد الْملك فاخبره الْخَبَر فَقَالَ لَهُ: اقْضِ حَاجته واصرفه عَن الشَّام لَا يفْسد النَّاس علينا.
كرم إِبْرَاهِيم بْن عَاصِم الْعقيلِيّ
حَدثنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن عَليّ الإسكافي حَدَّثَنِي جدي قَالَ وحَدثني أَبُو محلم قَالَ: كَانَ هِشَام بْن عبد الْملك ولى سجستان إِبْرَاهِيم بْن عَاصِم الْعقيلِيّ، وَكَانَ من كرماء النَّاس، فَقَالَ فِيهِ علكم بْن مهير الْعقيلِيّ:
أما قبيحات النِّسَاء فإننا ... أَبينَا، وَأما منجبات الكرائم
فيمنعني مِنْهُنَّ أَن لَيْسَ عندنَا ... لَهُنَّ مُهُور أَو يزار ابْن عَاصِم
قَالَ: فَحمل إِلَيْهِ من سجستان قبل أَن ينْزع إِلَيْهِ مائَة ألف درهمٍ.
أَنْوَاع المفاتيح
حَدثنَا مُحَمَّد بْن الْحسن النقاش قَالَ حَدَّثَنَا السراج قَالَ حَدَّثَنَا دَاوُد بْن رشيد قَالَ حَدَّثَنَا الْوَلِيد بْن مسلمٍ قَالَ حَدَّثَنِي خُلَيْد بْن دعْلج عَن قَتَادَة قَالَ: مَفَاتِيح الْبَحْر السفن، ومفاتيح الأَرْض الطّرق، ومفاتيح السَّمَاء الدُّعَاء.
ضوال الْكَلَام وضوال الْإِبِل
حَدثنَا عَلِيّ بْن سُلَيْمَان الْأَخْفَش قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بْن يزِيد قَالَ، قَالَ بعض الْحُكَمَاء: ضوال الْكَلَام أحب إِلَيّ من ضوال الْإِبِل، قيل لَهُ: نَحْو مَاذَا؟ قَالَ: نَحْو قَول الشَّاعِر:
وَإِنِّي لأرجو الله حَتَّى كَأَنَّمَا ... أرى بجميل الظَّن مَا الله صانع
وصف دَعْوَة مظلوم
حَدثنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي قَالَ أنشدنا أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بْن الْمُدبر قَالَ أَنْشدني مُحَمَّد بْن عمر الْجِرْجَانِيّ قَالَ أَنْشدني إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي، قَالَ الصولي: وأنشدنا
стр. 456
أَحْمَد بْن يحيى وَلكنه قَالَ: أنْشد إِسْحَاق لأعرابي يصف دَعْوَة دَعَا بهَا مظلوم:
وساريةٍ لم تسر فِي الأَرْض تبتغي محلا ... وَلم يقطع بهَا الْبعد قَاطع
سرت حَيْثُ لم تحد الركاب وَلم تنخ ... لوردٍ وَلم يقصر لَهَا الْقَيْد مَانع
تمر مُرُور اللَّيْل وَاللَّيْل ضَارب ... بجثمانه فِيهِ سمير وهاجع
إِذا وَردت لم يردد الله وفدها ... على أَهلهَا وَالله رَاء وسامع
تفتح أَبْوَاب السَّمَوَات دونهَا ... إِذا قرع الْأَبْوَاب مِنْهُنَّ قارع
وَإِنِّي لأرجو الله حَتَّى كَأَنَّمَا ... أرى بجميل الظَّن مَا الله صانع
المؤتمن يتَعَلَّم النَّحْو
حَدثنَا الْعَبَّاس بْن الْعَبَّاس بْن الْمُغيرَة أَبُو الْحُسَيْن الْجَوْهَرِي حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن مُوسَى الوَاسِطِيّ الفراقي قَالَ أَبُو الْحُسَيْن: الفراقي هَذَا كَانَ نَظِير ثَعْلَب، قَالَ حَدَّثَنِي سَلمَة أَو الطوَال شكّ أَبُو الْحُسَيْن قَالَ حَدَّثَنِي الْفراء أَنه دخل على المؤتمن وَكَانَ قُرَيْش مؤدبة فَقَالَ لَهُ الْفراء: أَيْن بلغ الْأَمِير؟ يَعْنِي من الْعَرَبيَّة فَقَالَ: سَله، فَقَالَ لَهُ الْفراء: كَيفَ تَقول: إِن مَا ضربت زيد؟ فَقَالَ لَهُ المؤتمن: إِنَّمَا ضربت زيد، فَقَالَ الْفراء: يجمل بالأمير النّظر فِيهَا، وَلم يقل لَهُ أَخْطَأت، فَقَالَ: قد أصبت، فَقَالَ لَهُ الْفراء: وَأَيْنَ تُوجد مَا فِي معنى الَّذِي؟ قَالَ: فِي كتاب الله تَعَالَى، قَالَ: أَيْن؟ قَالَ: قَول الله تَعَالَى: " أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ " النِّسَاء:٣ مَعْنَاهُ الَّذِي ملكت أَيْمَانكُم، قَالَ الْفراء: فَقُمْت وَقد حممت.
قَالَ أَبُو الْحُسَيْن: وَكَانَ الْكسَائي يُؤَدب المؤتمن، فَظهر بِهِ فِي كَفه بَيَاض، فَبلغ ذَلِك أمه فَخَشِيت أَن يُؤْذِيه الْكسَائي وَجِيء بقريشٍ يؤدبه.
مَا وَمن
قَالَ القَاضِي: قد ذهب قوم إِلَى أَن مَا تَأتي بِمَعْنى الَّذِي وَمن، وَالْأَصْل الظَّاهِر اخْتِصَاص من يعلم وَمن يعقل ب؟ من وَأَن مَا لما لَا يعقل ولجنس مَا يعقل، وان الَّذِي لَهما جَمِيعًا، وَمن أَحْكَام مَا أَنَّهَا قد تكون هِيَ وصلتها بِمَعْنى الْمصدر، وَقد حكى عَن بعض الْعَرَب: سُبْحَانَ مَا سبحت لَهُ، يعنون الرَّعْد، فَذهب بِهِ بَعضهم إِلَى معنى من وَكَذَلِكَ قَوْله: " وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا " الشَّمْس:٥ ٧ وَقَالَ منكروه من محققي النُّحَاة: هَذَا كُله بِمَعْنى الْمصدر وَالْمعْنَى وبنائها وطحوها وتسويتها، وَقَالُوا: معنى " وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ " النِّسَاء: ٣٦ وَأَيْمَانهمْ أَي ملك أَيْمَانكُم وَأَيْمَانهمْ كَقَوْلِك: أعجبني مَا صنعت أَي صنيعك. وَقيل فِي قَوْله: " وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى " اللَّيْل:٣ أَنه بِمَعْنى: وخلقه الذّكر وَالْأُنْثَى، وَقيل غير ذَلِك. وَيُقَال: مَا زيد؟ فَيُقَال: إِنْسَان فَهَذَا صَحِيح فِي جنس مَا يعقل.
وَالْعجب من استخذاء الْفراء عِنْدَمَا احْتج عَلَيْهِ المؤتمن بِهِ وَكَيف لم يُورد شَيْئا مِمَّا
стр. 457
تعلق بِهِ الموافقون لَهُ فِي مذْهبه، وَقد كَانَت رتبته تجل عَن أَن يذهب هَذَا الْمَعْنى عَلَيْهِ، وَأَن يَنْفَكّ عَن نصْرَة قَوْله وَالْقِيَام بِهِ، وَلَكِن رُبمَا ارتبك النحرير والبليغ المزير عِنْد شَيْء يفجؤه أَو عَارض يفدحه.
كتاب من عَمْرو بْن مسْعدَة إِلَى ابْن الزيات حَدثنَا عَليّ بْن مُحَمَّد بْن الجهم أَبُو طَالب الْكَاتِب قَالَ حَدَّثَنِي عَبد اللَّه ابْن هَارُون قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن مُوسَى البيمار ستاني، قَالَ أَبُو طَالب: أَحْسبهُ سَمعه من أبي عبد الله البيمار ستاني، هُوَ البرطني، قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو حَفْص الْكرْمَانِي، وَكَانَ من كتاب عَمْرو بْن مسْعدَة، أَنه كتب إِلَى مُحَمَّد بْن عبد الْملك الزيات: أما بعد فَإنَّك مِمَّن إِذا غرس سقى وَإِذا أسس بنى، ليستتم بِنَاء أسه، يجتني ثَمَر غرسه، وبناؤك فِي ودي قد وهى وشارف الدُّرُوس، وغرسك عِنْدِي قد عَطش وأشفى على اليبوس. فتدارك بِنَاء مَا أسست، وغرس مَا زرعت. قَالَ أَبُو عبد الله البيمار ستاني: فَحدثت بذلك أَبَا عبد الرَّحْمَن العطوي فَقَالَ فِي هَذَا الْمَعْنى أبياتًا يمدح بهَا مُحَمَّد بْن عمرَان بْن مُوسَى بْن يحيى بْن خَالِد بْن برمك:
إِن البرامكة الْكِرَام تعلمُوا ... فعل الْكِرَام فعلموه الناسا
كَانُوا إِذا غرسوا سقوا وَإِذا بنوا ... لم يهدموا لبنائهم أساسًا
وَإِذا هم صَنَعُوا الصَّنَائِع فِي الورى ... جعلُوا لَهَا طول الْبَقَاء لباسا
فعلا تسقيني وَأَنت سقيتني ... كأس الْمَوَدَّة من جفاتك كاسا
آنستني متفضلا أَفلا ترى ... أَن القطيغة توحش الإيناسا
منامان حَدثنَا عَبد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن الْفرج الوَاسِطِيّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بكر بْن أَبِي الدُّنْيَا قَالَ حَدَّثَنَا يحيى بْن عَبد اللَّه الْمقدمِي قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّد بْن عُمَر بْن عَليّ يحدث عَن هَارُون بْن رَحِيم قَالَ: رَأَيْت الْحسن بْن حبيب بْن ندبة فِي النّوم فَقلت: مَا صنع بك رَبك؟ قَالَ: مَا ترَاهُ صنع بِي؟ رحمني وأكرمني وَغفر لي وطيبني وَقَالَ: هَكَذَا أفعل بأبناء ثَلَاث وَثَمَانِينَ.
حَدثنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عَليّ الديباجي، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يُونُس، قَالَ حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِي، قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: رأى رجل فِي الْمَنَام جرير بْن الخطفى فَقَالَ: مَا فعل بك رَبك؟ قَالَ: غفر لي، قَالَ: بِمَاذَا؟ قَالَ: بتكبيرةٍ كَبرت الله تَعَالَى فِي الْمقر قَالَ الْأَصْمَعِي: مَاء بالبادية قلت: فَمَا فعل أَخُوك الفرزدق؟ قَالَ: هَيْهَات أهلكه قذف الْمُحْصنَات، قَالَ الْأَصْمَعِي: لم يَدعه فِي الْحَيَاة وَلَا فِي الْمَمَات.
الْمجْلس الثَّالِث وَالسِّتُّونَ
عَليّ بْن الجهم وَحَدِيث الْعشْرَة المبشرين بِالْجنَّةِ
أَخْبَرَنَا الْمُعَافَى قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو محمدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
стр. 458
عَبْدِ الرَّحِيمِ الْمَعْرُوفُ بِعَبْدَانَ الشَّافِعِيِّ بِالْبَصْرَةِ، قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ صَالِحٍ الشِّيَرازِيُّ قَالَ: نَزَلَ عَلَيَّ بْنُ الْجَهْمِ بِشِيرَازَ فَقَالَ لِي: أَخُصُّكَ بِحَدِيثٍ؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: افْعَلْ، فَقَالَ: قَالَ لِيَ الْمُتَوَكِّلُ يَوْمًا: يَا عَلِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : عَشَرَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِي الْجَنَّةِ، أَيُّ حَدِيثٍ هُوَ؟ قَالَ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَصَحُّ حديثٍ، قَالَ: فَمَنْ رَوَاهُ؟ قَالَ قُلْتُ: رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ منصورٍ عَنْ هِلالِ بْنِ يسافٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ظَالِمٍ عَنْ سعيدٍ بْنِ زَيْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عَشَرَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ فَقَالَ لِي: مَا أَحْسَنَهُ مِنْ حَدِيثٍ!! قَالَ: قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ حَضَرَنِي شَيْءٌ فَأَقُولُهُ؟ قَالَ: قل، قُلْتُ:
مُحَمَّدٌ خَيْرُ بَنِي النَّضْرِ ... حَكَاهُ بِالْعَدْلِ أَبُو بَكْرِ
صَدِيقُ خَيْرِ الْخَلْقِ لَا وَانِيَ ... يَنْصُرُهُ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ
وَثَالِثُ الْقَوْمِ الَّذِي بَعْدَهُ ... يَخْلُفُهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
ذَاكَ أَبُو حَفْصٍ فَمَا مِثْلُهُ ... يَكُونُ حَتَّى آخِرِ الدَّهْرِ
سُبْحَانَ مَنْ أَكْرَمَهُمْ بِالتُّقَى ... وَصَيَّرَ الأَبْرَارَ فِي قَبْرِ
هَذَا هُوَ الْفَخْرُ فَلا غَيْرُهُ ... مَا بَعْدَ ذَاكَ الرَّمْسِ مِنْ فَخْرِ
وَرَابِعُ الْقَوْمِ إِمَامُ الْهُدَى ... عُثْمَانُ ذُو النُّورِ أَبُو عَمْرِو
كَفَى رَسُولُ اللَّهِ مَا هَمَّهُ ... وَجَهَّزَ الْجَيْشَ لَدَى الْعُسْرِ
يَخْمِسُهُمُ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ ... إِمَامُ عدلٍ ظَاهِرُ النَّصْرِ
صَاحِبُ صِفِّينَ فَمَا قَبْلَهَا ... إِلَى حُنَيْنٍ وَإِلَى بَدْرِ
وَطَلْحَةُ الْخَيْرِ لَهُمْ سَادِسٌ ... أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنَ الْكفْر
وَسبع الْقَوْمِ الزُّبَيْرُ الَّذِي ... كَانَ حَلِيفَ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ
هَذَا وَسَعْدٌ لَهُمْ ثَامِنٌ ... وَابْنُ عوفٍ طَيِّبُ النَّشْرِ
وَحَمْزَةُ السَّيِّدُ فِي قَوْمِهِ ... عَلَى وُجُوهِ الْقَوْمِ كَالْبَدْرِ
وَعَمُّ خَيْرِ الْخَلْقِ لَا يُمْتَرَى ... أَبُو الْمُلُوكِ السَّادَةُ الزَّهْرِ
فَالْمُلْكُ فِيهِمْ أَبَدًا ثَابِتٌ ... مِنْ أَوَّلِ الدَّهْرِ إِلَى الْحَشْرِ
قَالَ: فَضَحِكَ، وَأَخْرَجَ ذَلِكَ الْيَوْمَ مَالا عَظِيمًا وَقَسَّمَهُ عَلَى بني هَاشم وقريشٍ وَالْأَنْصَار وَبَين الْمُهَاجِرِينَ وَأَعْطَانِي مِنْهُ صَدْرًا صَالِحًا.
تَعْلِيق الْجريرِي
قَالَ القَاضِي: الْخَبَر الْوَارِد عَن النَّبِي ﷺ بِشَهَادَتِهِ للعشرة من أَصْحَابه بِالْجنَّةِ خبر
стр. 459
صَحِيح، وَقد أَتَت الرِّوَايَة بِهِ من طرقٍ عدَّة، وَفِي بَعْضهَا أنَّ النَّبيّ ﷺ ذكر نَفسه وَتِسْعَة مَعَه، وَفِي بَعْضهَا أَنه ذكر من صحابته عشرَة، وَالْأَخْبَار بِكُل واحدٍ من الْوَجْهَيْنِ ثَابِتَة. وَقَول عَليّ بْن الجهم فِي شعره لَا واني أَتَى بِهِ على الأَصْل، وَهَذَا مِمَّا يسوغ للشاعر لإِقَامَة الْوَزْن، قَالَ الشَّاعِر:
كمشتريٍ بِالْحَمْد أحمرة تترى
وَقَالَ آخر:
لَا بَارك الله فِي الغواني هَل ... يصبحن إِلَّا لَهُنَّ مطلب
وَقَوله: كَفَى رَسُولُ اللَّهِ مَا هَمَّهُ الْعَرَب تَقول: همك مَا أهمك أَي أذابك مَا يعذبك، وَيُقَال: هَمَمْت الشَّحْم أَي أذبته، فَكَأَنَّهُ قَالَ: مَا كرثه ولذعه بمضضه، وَقَوله: يخمسهم ابْن أَبِي طَالب يُقَال: خمست الْقَوْم أخمسهم إِذا صرت خَامِسًا لَهُم، وَمثله ثلثتهم أثلثهم وسدستهم أسدسهم، وَمثله ثمنتهم وعشرتهم، فَإِذا قلت أخمسهم بِالضَّمِّ فمعنا أخذت خمس أَمْوَالهم، وَمثله أثلثهم وأسدسهم وأثمنهم وأعشرهم إِذا أخذت هَذِه الْأَجْزَاء مِنْهُم، فَإِذا قلت: ربعتهم وسبعتهم وتسعتهم قلت فِي الْوَجْهَيْنِ أربعهم وأتسعهم، ففتحت عين الْفِعْل من أجل حرف الْحلق. وَقَوله: ابْن أَبِي طالبٍ وابْن عوفٍ بِالْقطعِ وَالْألف فِيهِ للوصل لضَرُورَة الشّعْر وَتَصْحِيح الْوَزْن، وَقد أَتَى مثل هَذَا كثيرا فِي أشعار الْعَرَب، وَذكرنَا مِنْهُ فِيمَا مضى من كتَابنَا هَذَا أبياتًا عدَّة، من ذَلِك قَول الشَّاعِر:
إلّا لَا أرى إثنين أكرمَ شِيمَةً ... عَلَى حِدْثان الدَّهْر مِنِّي وَمن جمل
وَقَالَ آخر:
فَأَي امْرِئ ألشامُ بيني وَبَينه ... أَتَتْنِي ببشرى برده ورسائله
ولاستقصاء القَوْل فِي هَذَا بَين يَدي هِشَام
حَدثنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دريدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَنِ الْعُتْبِيِّ قَالَ: صعد رجل إِلَى هِشَام بْن عبد الْملك فِي خضراء مُعَاوِيَة، فَمثل بَين يَدَيْهِ لَا يتَكَلَّم، فَقَالَ لَهُ هِشَام: مَالك لَا تَتَكَلَّم؟ قَالَ: هَيْبَة الْملك وبهر الدرج؛ فَلَمَّا رجعت نَفسه إِلَيْهِ قَالَ لَهُ هِشَام: تكلم وَإِيَّاك ومدحنا، فَقَالَ: لست أحمدك إِنَّمَا أَحْمَد الله تَعَالَى فِيك. ثُمَّ قَالَ: إِن الدُّنْيَا ذمت بأعمال الْعباد إِذا أساءوا، وَلم تحمد بأعمالهم فِيهَا إِذا أَحْسنُوا، وَإِن الدُّنْيَا لم تكْتم بِمَا فِيهَا فتذم وَلَكِن إِنَّمَا جهرت بِهِ، فَأَخذهَا من أَخذهَا بذلك وَهِي عَلَيْهِ، وَتركهَا من تَركهَا لذَلِك وَهِي لَهُ. وَإِن الدُّنْيَا نادت أَهلهَا بِأَنَّهَا تاركة من أَخذهَا، ومفارقة من صحبها، ومخربة عمرَان من عمرها، فَمن زرع فِيهَا شرورًا حصد حزنا، وَمن أبر فِيهَا هوى اجتنى ندامة، وَإِنَّمَا هِيَ لمن زهد فِيهَا الْيَوْم وَأعْرض عَنْهَا وآثر الْحق عَلَيْهَا؛ وَأَخذهَا من أَخذهَا بعد الْبَيَان مِنْهَا والإخبار عَن نَفسهَا، فغر نَفسه وسماها غرارة، وَكذب نَفسه وسماها كذابة، وزهد فِيهَا
стр. 460
آخَرُونَ فصدقوا مقالتها، وَرَأَوا آثارها فِي فعلهَا فَأخذُوا مِنْهَا قَلِيلا، وَقدمُوا فِيهَا كثيرا، وسلموا من الْبَاطِل، وَصَارَت لَهُم عونًا على الْحق فِي غَيرهَا، فَلم تحمد بِإِحْسَان من أحسن فِيهَا وَهِي لَهُ، وذمت بإساءة من أَسَاءَ فِيهَا وَهِي عَلَيْهِ، فَأَنت أَحَق بإساءتك فِيهَا إِذْ كَانَ الْإِحْسَان لَك دونهَا. فَأَطْرَقَ هِشَام يفكر فِي كَلَامه وأملس الرجل فَلم يره.
شرح غَرِيب النَّص
قَالَ القَاضِي: وَمن أبر فِيهَا هوى أَي لقح يُقَال: أبرت النّخل وأبرته إِذا ألقحته، وَمِنْه قَول النَّبيّ ﷺ : من بَاعَ نخلا مؤبرًا، وَقَوله: سكَّة مأبورة، وَقَالَ الشَّاعِر:
لَا تأمنن قوما وترتهم ... وبدأتهم بالغشم وَالظُّلم
أَن يأبروا نخلا لغَيرهم ... وَالشَّيْء تحقره وَقد ينمي
وَقَوله: فأملس مَعْنَاهُ زَالَ عَن مَوْضِعه بسهولةٍ، وَهُوَ مَأْخُوذ من الملاسة، يُقَال: أملس من كَذَا وتملس أَي زَالَ بسرعةٍ لملاسة مَوْضِعه وَأَنه لَيْسَ فِيهِ أَجزَاء لَهَا نتوء ونبو وتضريس. وَيُقَال فِي هَذَا الْمَعْنى املص وتملص فَكَأَنَّهُ من الدحض والزلق، وَيُقَال إِن هَذَا الْوَجْه أفْصح الْكَلَامَيْنِ، وَمِنْه أملصت الْمَرْأَة فأزلقت إِذا أسقطت جَنِينهَا، وَمِنْه الْخَبَر الْوَارِد أَن النَّبيّ ﷺ قضى فِي إملاص امْرَأَة بغرةٍ: عبدٍ أَو أمةٍ وَذَلِكَ إِذا ضربت فَأسْقطت جَنِينا مَيتا.
وَهَذَا الْخَبَر مِمَّا يُنَبه على الحذر من غرور الدُّنْيَا، وَقَالَ الله تَعَالَى ذكره: " يَا أَيهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ " فاطر:٥.
شعوانة تبْكي وتبكي
حَدثنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الْخُتلِي قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن يحيى قَالَ: كَانَت شعوانة تردد هَذَا الْبَيْت فتبكي وتبكي النِّسَاء مَعهَا:
لقد أَمن الْمَغْرُور دَار إقامةٍ ... ويوشك يَوْمًا أَن يخَاف كَمَا أَمن
مَا أنْفق يَوْم تحذيق المعتز
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو يُوسُف يَعْقُوب بْن بنان الْكَاتِب قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن مُوسَى بْن الْفُرَات قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي وَجَمَاعَة من شُيُوخنَا قَالَ: لما حذق المعتز الْقُرْآن دَعَا المتَوَكل شَفِيعًا الْخَادِم بِحَضْرَة الْفَتْح بْن خاقَان فَقَالَ: إِنِّي عزمت على تحذيق أَبِي عَبد اللَّه فِي يَوْم كَذَا وَتَكون خطبَته عَليّ وحذاقة ببركوارا، فَأخْرج من خزانَة الْجَوْهَر جوهرًا بِقِيمَة مائَة ألف دينارٍ فِي عشر صواني فضَّة للنثار على من يقرب من القواد مثل مُحَمَّد بْن عَبد اللَّه ووصيف وبغا وجعفر الْخياط ورجاء الحصاري وَنَحْو هَؤُلَاءِ من قادة الْعَسْكَر، وَأخرج مائَة ألف دينارٍ عددا للنثار على القواد الَّذين دون هَؤُلَاءِ فِي الرواق بَين يَدي الْأَبْوَاب، وَأخرج ألف ألف درهمٍ بيضًا صحاحًا للنثار على من فِي الصحن من خلفاء القواد والنقباء.
следующие страницы →