← Адаб

Адаб · id 7301

الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي

المعافى بن زكريا

Полный текст (740 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

أَحْمَد بْن يحيى وَلكنه قَالَ: أنْشد إِسْحَاق لأعرابي يصف دَعْوَة دَعَا بهَا مظلوم: وساريةٍ لم تسر فِي الأَرْض تبتغي محلا ... وَلم يقطع بهَا الْبعد قَاطع سرت حَيْثُ لم تحد الركاب وَلم تنخ ... لوردٍ وَلم يقصر لَهَا الْقَيْد مَانع تمر مُرُور اللَّيْل وَاللَّيْل ضَارب ... بجثمانه فِيهِ سمير وهاجع إِذا وَردت لم يردد الله وفدها ... على أَهلهَا وَالله رَاء وسامع تفتح أَبْوَاب السَّمَوَات دونهَا ... إِذا قرع الْأَبْوَاب مِنْهُنَّ قارع وَإِنِّي لأرجو الله حَتَّى كَأَنَّمَا ... أرى بجميل الظَّن مَا الله صانع المؤتمن يتَعَلَّم النَّحْو حَدثنَا الْعَبَّاس بْن الْعَبَّاس بْن الْمُغيرَة أَبُو الْحُسَيْن الْجَوْهَرِي حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن مُوسَى الوَاسِطِيّ الفراقي قَالَ أَبُو الْحُسَيْن: الفراقي هَذَا كَانَ نَظِير ثَعْلَب، قَالَ حَدَّثَنِي سَلمَة أَو الطوَال شكّ أَبُو الْحُسَيْن قَالَ حَدَّثَنِي الْفراء أَنه دخل على المؤتمن وَكَانَ قُرَيْش مؤدبة فَقَالَ لَهُ الْفراء: أَيْن بلغ الْأَمِير؟ يَعْنِي من الْعَرَبيَّة فَقَالَ: سَله، فَقَالَ لَهُ الْفراء: كَيفَ تَقول: إِن مَا ضربت زيد؟ فَقَالَ لَهُ المؤتمن: إِنَّمَا ضربت زيد، فَقَالَ الْفراء: يجمل بالأمير النّظر فِيهَا، وَلم يقل لَهُ أَخْطَأت، فَقَالَ: قد أصبت، فَقَالَ لَهُ الْفراء: وَأَيْنَ تُوجد مَا فِي معنى الَّذِي؟ قَالَ: فِي كتاب الله تَعَالَى، قَالَ: أَيْن؟ قَالَ: قَول الله تَعَالَى: " أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ " النِّسَاء:٣ مَعْنَاهُ الَّذِي ملكت أَيْمَانكُم، قَالَ الْفراء: فَقُمْت وَقد حممت. قَالَ أَبُو الْحُسَيْن: وَكَانَ الْكسَائي يُؤَدب المؤتمن، فَظهر بِهِ فِي كَفه بَيَاض، فَبلغ ذَلِك أمه فَخَشِيت أَن يُؤْذِيه الْكسَائي وَجِيء بقريشٍ يؤدبه. مَا وَمن قَالَ القَاضِي: قد ذهب قوم إِلَى أَن مَا تَأتي بِمَعْنى الَّذِي وَمن، وَالْأَصْل الظَّاهِر اخْتِصَاص من يعلم وَمن يعقل ب؟ من وَأَن مَا لما لَا يعقل ولجنس مَا يعقل، وان الَّذِي لَهما جَمِيعًا، وَمن أَحْكَام مَا أَنَّهَا قد تكون هِيَ وصلتها بِمَعْنى الْمصدر، وَقد حكى عَن بعض الْعَرَب: سُبْحَانَ مَا سبحت لَهُ، يعنون الرَّعْد، فَذهب بِهِ بَعضهم إِلَى معنى من وَكَذَلِكَ قَوْله: " وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا " الشَّمْس:٥ ٧ وَقَالَ منكروه من محققي النُّحَاة: هَذَا كُله بِمَعْنى الْمصدر وَالْمعْنَى وبنائها وطحوها وتسويتها، وَقَالُوا: معنى " وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ " النِّسَاء: ٣٦ وَأَيْمَانهمْ أَي ملك أَيْمَانكُم وَأَيْمَانهمْ كَقَوْلِك: أعجبني مَا صنعت أَي صنيعك. وَقيل فِي قَوْله: " وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى " اللَّيْل:٣ أَنه بِمَعْنى: وخلقه الذّكر وَالْأُنْثَى، وَقيل غير ذَلِك. وَيُقَال: مَا زيد؟ فَيُقَال: إِنْسَان فَهَذَا صَحِيح فِي جنس مَا يعقل. وَالْعجب من استخذاء الْفراء عِنْدَمَا احْتج عَلَيْهِ المؤتمن بِهِ وَكَيف لم يُورد شَيْئا مِمَّا

стр. 457

تعلق بِهِ الموافقون لَهُ فِي مذْهبه، وَقد كَانَت رتبته تجل عَن أَن يذهب هَذَا الْمَعْنى عَلَيْهِ، وَأَن يَنْفَكّ عَن نصْرَة قَوْله وَالْقِيَام بِهِ، وَلَكِن رُبمَا ارتبك النحرير والبليغ المزير عِنْد شَيْء يفجؤه أَو عَارض يفدحه. كتاب من عَمْرو بْن مسْعدَة إِلَى ابْن الزيات حَدثنَا عَليّ بْن مُحَمَّد بْن الجهم أَبُو طَالب الْكَاتِب قَالَ حَدَّثَنِي عَبد اللَّه ابْن هَارُون قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن مُوسَى البيمار ستاني، قَالَ أَبُو طَالب: أَحْسبهُ سَمعه من أبي عبد الله البيمار ستاني، هُوَ البرطني، قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو حَفْص الْكرْمَانِي، وَكَانَ من كتاب عَمْرو بْن مسْعدَة، أَنه كتب إِلَى مُحَمَّد بْن عبد الْملك الزيات: أما بعد فَإنَّك مِمَّن إِذا غرس سقى وَإِذا أسس بنى، ليستتم بِنَاء أسه، يجتني ثَمَر غرسه، وبناؤك فِي ودي قد وهى وشارف الدُّرُوس، وغرسك عِنْدِي قد عَطش وأشفى على اليبوس. فتدارك بِنَاء مَا أسست، وغرس مَا زرعت. قَالَ أَبُو عبد الله البيمار ستاني: فَحدثت بذلك أَبَا عبد الرَّحْمَن العطوي فَقَالَ فِي هَذَا الْمَعْنى أبياتًا يمدح بهَا مُحَمَّد بْن عمرَان بْن مُوسَى بْن يحيى بْن خَالِد بْن برمك: إِن البرامكة الْكِرَام تعلمُوا ... فعل الْكِرَام فعلموه الناسا كَانُوا إِذا غرسوا سقوا وَإِذا بنوا ... لم يهدموا لبنائهم أساسًا وَإِذا هم صَنَعُوا الصَّنَائِع فِي الورى ... جعلُوا لَهَا طول الْبَقَاء لباسا فعلا تسقيني وَأَنت سقيتني ... كأس الْمَوَدَّة من جفاتك كاسا آنستني متفضلا أَفلا ترى ... أَن القطيغة توحش الإيناسا منامان حَدثنَا عَبد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن الْفرج الوَاسِطِيّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بكر بْن أَبِي الدُّنْيَا قَالَ حَدَّثَنَا يحيى بْن عَبد اللَّه الْمقدمِي قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّد بْن عُمَر بْن عَليّ يحدث عَن هَارُون بْن رَحِيم قَالَ: رَأَيْت الْحسن بْن حبيب بْن ندبة فِي النّوم فَقلت: مَا صنع بك رَبك؟ قَالَ: مَا ترَاهُ صنع بِي؟ رحمني وأكرمني وَغفر لي وطيبني وَقَالَ: هَكَذَا أفعل بأبناء ثَلَاث وَثَمَانِينَ. حَدثنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عَليّ الديباجي، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يُونُس، قَالَ حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِي، قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: رأى رجل فِي الْمَنَام جرير بْن الخطفى فَقَالَ: مَا فعل بك رَبك؟ قَالَ: غفر لي، قَالَ: بِمَاذَا؟ قَالَ: بتكبيرةٍ كَبرت الله تَعَالَى فِي الْمقر قَالَ الْأَصْمَعِي: مَاء بالبادية قلت: فَمَا فعل أَخُوك الفرزدق؟ قَالَ: هَيْهَات أهلكه قذف الْمُحْصنَات، قَالَ الْأَصْمَعِي: لم يَدعه فِي الْحَيَاة وَلَا فِي الْمَمَات. الْمجْلس الثَّالِث وَالسِّتُّونَ عَليّ بْن الجهم وَحَدِيث الْعشْرَة المبشرين بِالْجنَّةِ أَخْبَرَنَا الْمُعَافَى قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو محمدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ

стр. 458

عَبْدِ الرَّحِيمِ الْمَعْرُوفُ بِعَبْدَانَ الشَّافِعِيِّ بِالْبَصْرَةِ، قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ صَالِحٍ الشِّيَرازِيُّ قَالَ: نَزَلَ عَلَيَّ بْنُ الْجَهْمِ بِشِيرَازَ فَقَالَ لِي: أَخُصُّكَ بِحَدِيثٍ؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: افْعَلْ، فَقَالَ: قَالَ لِيَ الْمُتَوَكِّلُ يَوْمًا: يَا عَلِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : عَشَرَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِي الْجَنَّةِ، أَيُّ حَدِيثٍ هُوَ؟ قَالَ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَصَحُّ حديثٍ، قَالَ: فَمَنْ رَوَاهُ؟ قَالَ قُلْتُ: رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ منصورٍ عَنْ هِلالِ بْنِ يسافٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ظَالِمٍ عَنْ سعيدٍ بْنِ زَيْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عَشَرَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ فَقَالَ لِي: مَا أَحْسَنَهُ مِنْ حَدِيثٍ!! قَالَ: قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ حَضَرَنِي شَيْءٌ فَأَقُولُهُ؟ قَالَ: قل، قُلْتُ: مُحَمَّدٌ خَيْرُ بَنِي النَّضْرِ ... حَكَاهُ بِالْعَدْلِ أَبُو بَكْرِ صَدِيقُ خَيْرِ الْخَلْقِ لَا وَانِيَ ... يَنْصُرُهُ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَثَالِثُ الْقَوْمِ الَّذِي بَعْدَهُ ... يَخْلُفُهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ذَاكَ أَبُو حَفْصٍ فَمَا مِثْلُهُ ... يَكُونُ حَتَّى آخِرِ الدَّهْرِ سُبْحَانَ مَنْ أَكْرَمَهُمْ بِالتُّقَى ... وَصَيَّرَ الأَبْرَارَ فِي قَبْرِ هَذَا هُوَ الْفَخْرُ فَلا غَيْرُهُ ... مَا بَعْدَ ذَاكَ الرَّمْسِ مِنْ فَخْرِ وَرَابِعُ الْقَوْمِ إِمَامُ الْهُدَى ... عُثْمَانُ ذُو النُّورِ أَبُو عَمْرِو كَفَى رَسُولُ اللَّهِ مَا هَمَّهُ ... وَجَهَّزَ الْجَيْشَ لَدَى الْعُسْرِ يَخْمِسُهُمُ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ ... إِمَامُ عدلٍ ظَاهِرُ النَّصْرِ صَاحِبُ صِفِّينَ فَمَا قَبْلَهَا ... إِلَى حُنَيْنٍ وَإِلَى بَدْرِ وَطَلْحَةُ الْخَيْرِ لَهُمْ سَادِسٌ ... أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنَ الْكفْر وَسبع الْقَوْمِ الزُّبَيْرُ الَّذِي ... كَانَ حَلِيفَ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ هَذَا وَسَعْدٌ لَهُمْ ثَامِنٌ ... وَابْنُ عوفٍ طَيِّبُ النَّشْرِ وَحَمْزَةُ السَّيِّدُ فِي قَوْمِهِ ... عَلَى وُجُوهِ الْقَوْمِ كَالْبَدْرِ وَعَمُّ خَيْرِ الْخَلْقِ لَا يُمْتَرَى ... أَبُو الْمُلُوكِ السَّادَةُ الزَّهْرِ فَالْمُلْكُ فِيهِمْ أَبَدًا ثَابِتٌ ... مِنْ أَوَّلِ الدَّهْرِ إِلَى الْحَشْرِ قَالَ: فَضَحِكَ، وَأَخْرَجَ ذَلِكَ الْيَوْمَ مَالا عَظِيمًا وَقَسَّمَهُ عَلَى بني هَاشم وقريشٍ وَالْأَنْصَار وَبَين الْمُهَاجِرِينَ وَأَعْطَانِي مِنْهُ صَدْرًا صَالِحًا. تَعْلِيق الْجريرِي قَالَ القَاضِي: الْخَبَر الْوَارِد عَن النَّبِي ﷺ بِشَهَادَتِهِ للعشرة من أَصْحَابه بِالْجنَّةِ خبر

стр. 459

صَحِيح، وَقد أَتَت الرِّوَايَة بِهِ من طرقٍ عدَّة، وَفِي بَعْضهَا أنَّ النَّبيّ ﷺ ذكر نَفسه وَتِسْعَة مَعَه، وَفِي بَعْضهَا أَنه ذكر من صحابته عشرَة، وَالْأَخْبَار بِكُل واحدٍ من الْوَجْهَيْنِ ثَابِتَة. وَقَول عَليّ بْن الجهم فِي شعره لَا واني أَتَى بِهِ على الأَصْل، وَهَذَا مِمَّا يسوغ للشاعر لإِقَامَة الْوَزْن، قَالَ الشَّاعِر: كمشتريٍ بِالْحَمْد أحمرة تترى وَقَالَ آخر: لَا بَارك الله فِي الغواني هَل ... يصبحن إِلَّا لَهُنَّ مطلب وَقَوله: كَفَى رَسُولُ اللَّهِ مَا هَمَّهُ الْعَرَب تَقول: همك مَا أهمك أَي أذابك مَا يعذبك، وَيُقَال: هَمَمْت الشَّحْم أَي أذبته، فَكَأَنَّهُ قَالَ: مَا كرثه ولذعه بمضضه، وَقَوله: يخمسهم ابْن أَبِي طَالب يُقَال: خمست الْقَوْم أخمسهم إِذا صرت خَامِسًا لَهُم، وَمثله ثلثتهم أثلثهم وسدستهم أسدسهم، وَمثله ثمنتهم وعشرتهم، فَإِذا قلت أخمسهم بِالضَّمِّ فمعنا أخذت خمس أَمْوَالهم، وَمثله أثلثهم وأسدسهم وأثمنهم وأعشرهم إِذا أخذت هَذِه الْأَجْزَاء مِنْهُم، فَإِذا قلت: ربعتهم وسبعتهم وتسعتهم قلت فِي الْوَجْهَيْنِ أربعهم وأتسعهم، ففتحت عين الْفِعْل من أجل حرف الْحلق. وَقَوله: ابْن أَبِي طالبٍ وابْن عوفٍ بِالْقطعِ وَالْألف فِيهِ للوصل لضَرُورَة الشّعْر وَتَصْحِيح الْوَزْن، وَقد أَتَى مثل هَذَا كثيرا فِي أشعار الْعَرَب، وَذكرنَا مِنْهُ فِيمَا مضى من كتَابنَا هَذَا أبياتًا عدَّة، من ذَلِك قَول الشَّاعِر: إلّا لَا أرى إثنين أكرمَ شِيمَةً ... عَلَى حِدْثان الدَّهْر مِنِّي وَمن جمل وَقَالَ آخر: فَأَي امْرِئ ألشامُ بيني وَبَينه ... أَتَتْنِي ببشرى برده ورسائله ولاستقصاء القَوْل فِي هَذَا بَين يَدي هِشَام حَدثنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دريدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَنِ الْعُتْبِيِّ قَالَ: صعد رجل إِلَى هِشَام بْن عبد الْملك فِي خضراء مُعَاوِيَة، فَمثل بَين يَدَيْهِ لَا يتَكَلَّم، فَقَالَ لَهُ هِشَام: مَالك لَا تَتَكَلَّم؟ قَالَ: هَيْبَة الْملك وبهر الدرج؛ فَلَمَّا رجعت نَفسه إِلَيْهِ قَالَ لَهُ هِشَام: تكلم وَإِيَّاك ومدحنا، فَقَالَ: لست أحمدك إِنَّمَا أَحْمَد الله تَعَالَى فِيك. ثُمَّ قَالَ: إِن الدُّنْيَا ذمت بأعمال الْعباد إِذا أساءوا، وَلم تحمد بأعمالهم فِيهَا إِذا أَحْسنُوا، وَإِن الدُّنْيَا لم تكْتم بِمَا فِيهَا فتذم وَلَكِن إِنَّمَا جهرت بِهِ، فَأَخذهَا من أَخذهَا بذلك وَهِي عَلَيْهِ، وَتركهَا من تَركهَا لذَلِك وَهِي لَهُ. وَإِن الدُّنْيَا نادت أَهلهَا بِأَنَّهَا تاركة من أَخذهَا، ومفارقة من صحبها، ومخربة عمرَان من عمرها، فَمن زرع فِيهَا شرورًا حصد حزنا، وَمن أبر فِيهَا هوى اجتنى ندامة، وَإِنَّمَا هِيَ لمن زهد فِيهَا الْيَوْم وَأعْرض عَنْهَا وآثر الْحق عَلَيْهَا؛ وَأَخذهَا من أَخذهَا بعد الْبَيَان مِنْهَا والإخبار عَن نَفسهَا، فغر نَفسه وسماها غرارة، وَكذب نَفسه وسماها كذابة، وزهد فِيهَا

стр. 460

آخَرُونَ فصدقوا مقالتها، وَرَأَوا آثارها فِي فعلهَا فَأخذُوا مِنْهَا قَلِيلا، وَقدمُوا فِيهَا كثيرا، وسلموا من الْبَاطِل، وَصَارَت لَهُم عونًا على الْحق فِي غَيرهَا، فَلم تحمد بِإِحْسَان من أحسن فِيهَا وَهِي لَهُ، وذمت بإساءة من أَسَاءَ فِيهَا وَهِي عَلَيْهِ، فَأَنت أَحَق بإساءتك فِيهَا إِذْ كَانَ الْإِحْسَان لَك دونهَا. فَأَطْرَقَ هِشَام يفكر فِي كَلَامه وأملس الرجل فَلم يره. شرح غَرِيب النَّص قَالَ القَاضِي: وَمن أبر فِيهَا هوى أَي لقح يُقَال: أبرت النّخل وأبرته إِذا ألقحته، وَمِنْه قَول النَّبيّ ﷺ : من بَاعَ نخلا مؤبرًا، وَقَوله: سكَّة مأبورة، وَقَالَ الشَّاعِر: لَا تأمنن قوما وترتهم ... وبدأتهم بالغشم وَالظُّلم أَن يأبروا نخلا لغَيرهم ... وَالشَّيْء تحقره وَقد ينمي وَقَوله: فأملس مَعْنَاهُ زَالَ عَن مَوْضِعه بسهولةٍ، وَهُوَ مَأْخُوذ من الملاسة، يُقَال: أملس من كَذَا وتملس أَي زَالَ بسرعةٍ لملاسة مَوْضِعه وَأَنه لَيْسَ فِيهِ أَجزَاء لَهَا نتوء ونبو وتضريس. وَيُقَال فِي هَذَا الْمَعْنى املص وتملص فَكَأَنَّهُ من الدحض والزلق، وَيُقَال إِن هَذَا الْوَجْه أفْصح الْكَلَامَيْنِ، وَمِنْه أملصت الْمَرْأَة فأزلقت إِذا أسقطت جَنِينهَا، وَمِنْه الْخَبَر الْوَارِد أَن النَّبيّ ﷺ قضى فِي إملاص امْرَأَة بغرةٍ: عبدٍ أَو أمةٍ وَذَلِكَ إِذا ضربت فَأسْقطت جَنِينا مَيتا. وَهَذَا الْخَبَر مِمَّا يُنَبه على الحذر من غرور الدُّنْيَا، وَقَالَ الله تَعَالَى ذكره: " يَا أَيهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ " فاطر:٥. شعوانة تبْكي وتبكي حَدثنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الْخُتلِي قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن يحيى قَالَ: كَانَت شعوانة تردد هَذَا الْبَيْت فتبكي وتبكي النِّسَاء مَعهَا: لقد أَمن الْمَغْرُور دَار إقامةٍ ... ويوشك يَوْمًا أَن يخَاف كَمَا أَمن مَا أنْفق يَوْم تحذيق المعتز حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو يُوسُف يَعْقُوب بْن بنان الْكَاتِب قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن مُوسَى بْن الْفُرَات قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي وَجَمَاعَة من شُيُوخنَا قَالَ: لما حذق المعتز الْقُرْآن دَعَا المتَوَكل شَفِيعًا الْخَادِم بِحَضْرَة الْفَتْح بْن خاقَان فَقَالَ: إِنِّي عزمت على تحذيق أَبِي عَبد اللَّه فِي يَوْم كَذَا وَتَكون خطبَته عَليّ وحذاقة ببركوارا، فَأخْرج من خزانَة الْجَوْهَر جوهرًا بِقِيمَة مائَة ألف دينارٍ فِي عشر صواني فضَّة للنثار على من يقرب من القواد مثل مُحَمَّد بْن عَبد اللَّه ووصيف وبغا وجعفر الْخياط ورجاء الحصاري وَنَحْو هَؤُلَاءِ من قادة الْعَسْكَر، وَأخرج مائَة ألف دينارٍ عددا للنثار على القواد الَّذين دون هَؤُلَاءِ فِي الرواق بَين يَدي الْأَبْوَاب، وَأخرج ألف ألف درهمٍ بيضًا صحاحًا للنثار على من فِي الصحن من خلفاء القواد والنقباء.

стр. 461

قَالَ شَفِيع: فوجهت إِلَى أَحْمَد بْن حباب الْجَوْهَرِي فَأَقَامَ مَعنا حَتَّى صنفنا فِي عشر صواني من الْجَوْهَر الْأَبْيَض والأحمر والأزرق والأخضر بِقِيمَة مائَة ألف دينارٍ وَوزن كل صينية ثَلَاثَة أُلَّاف دِرْهَم؛ وَقَالَ شَفِيع لِابْنِ حباب: اجْعَل فِي صينيةٍ من هَذِه الصواني جوهرًا يكون قِيمَته خَمْسَة آلَاف دِينَار وانتقصه من بَاقِي الصواني حَتَّى يكون فِي كل وَاحِدَة تِسْعَة آلَاف دِينَار وانتقصه من بَاقِي الصواني حَتَّى يكون فِي كل وَاحِدَة تِسْعَة آلَاف وَخَمْسمِائة دِينَار فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ أَمرنِي أَن أدفَع هَذِه الصينية إِلَى مُحَمَّد بْن عمرَان مؤدب الْأَمِير أَبِي عَبد اللَّه إِذا فرغ من خطبَته، فَفعل ذَلِك، وشدوا كل صينية فِي منديلٍ، وختمت بِخَاتم شَفِيع، وَتقدم شَفِيع إِلَى من كَانَ مَعَه من الخدم أَن ينثروا الْعين فِي الرواق، وَالْوَرق فِي الصحن، وأوعز إِلَى النَّاس من الأكابر ووجوه الموَالِي والشاكرية بِحُضُور بركوارا فِي يومٍ سمي لَهُم ليشهدوا خطْبَة الْأَمِير المعتز، وَكتب إِلَى مُحَمَّد بْن عَبد اللَّه وَهُوَ بِمَدِينَة السَّلَام بالقدوم إِلَى سر من رأى لحضور الحذاق. قَالَ: فتوافي النَّاس إِلَى بركوارا قبل ذَلِك بِثَلَاثَة أَيَّام، وَضربت الْمضَارب، وَانْحَدَرَ المتَوَكل غَدَاة ذَلِك الْيَوْم وَمَعَهُ قبيحة وَمن اخْتصّت من حرم المتَوَكل وَمن حشمها إِلَى بركوارا، وَجلسَ المتَوَكل فِي الإيوان على منصته وَأخرج مِنْبَر أبنوس مضببٍ بِالذَّهَب مرصعٍ بالجوهر مقابضة عاج، وَقَالَ بَعضهم: عود هندي، فنصب تجاه المنصة وسط الإيوان، ثُمَّ أَمر بِإِدْخَال مُحَمَّد بْن عمرَان الْمُؤَدب، فَدخل فَسلم على أَمِير الْمُؤمنِينَ بالخلافة ودعا لَهُ، فَجعل أَمِير الْمُؤمنِينَ يستدنيه حَتَّى جلس بَين يَدي الْمِنْبَر، وَخرج المعتز من بابٍ فِي جنبة الإيوان حَتَّى صعد الْمِنْبَر، فَسلم على أَمِير الْمُؤمنِينَ وعَلى من حضر، ثُمَّ خطب، فَلَمَّا فرغ من خطبَته دفعت الصينية إِلَى مُحَمَّد بْن عمرَان، ونثر شَفِيع صواني الْجَوْهَر على من فِي الإيوان، ونثر الخدم الَّذين كَانُوا فِي الرواق والصحن مَا كَانَ مَعَهم من الْعين وَالْوَرق، وَأقَام المتَوَكل ببركوار أَيَّامًا فِي يومٍ مِنْهَا دَعَتْهُ قبيحة، فَيُقَال إِنَّه يَوْم لم ير مثله سُرُورًا وحسنا وَكَثْرَة نفقةٍ، وَإِن الشمع كُله كَانَ عنبرًا إِلَّا الشمعة الَّتِي فِي الصحن فَإِنَّهُ كَانَ وَزنهَا ألف من فَكَادَتْ تحرق الْقصر، وَوجد حرهَا من كَانَ فِي الْجَانِب الغربي من دجلة. وَقد كَانَ أَمر المتَوَكل أَن يصاغ لَهُ سريران: أَحدهمَا ذهب وَالْآخر فضَّة، ويفرش السرير الْفضة ببساط حبٍ وبرذعة حبٍ ووسادي حب ومخدتي حبٍ ومسند حبٍ منظوم على ديباج أسود، وَكَانَ طول السرير تِسْعَة أذرعٍ، قَالَ: فَأخْرج من خزانَة الْجَوْهَر حب عمل لَهُ ذَلِك فَكَانَ أرفع قيمَة الْحبَّة دِينَارا، وَأَقل الْقيمَة درهما، فأتخذ لَهُ ذَلِك وَأمر بفرش السرير الذَّهَب بِمثل فرش السرير الْفضة مَنْقُوشًا بأنواع الْجَوْهَر الْأَحْمَر والأخضر والأصفر والأنواع، ففرشا فَقعدَ عَلَيْهِمَا هُوَ وقبيحة ثُمَّ وهبهما لَهَا. دَافع عَن أَبِي هُرَيْرَة فِي مجْلِس الرشيد حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْكُدَيْمِي قَالَ حَدَّثَنَا

стр. 462

يزِيد بْن مرّة الدّباغ قَالَ حَدَّثَنَا عمر بْن حبيب قَالَ: كُنَّا عِنْد هَارُون أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَبَين يَدَيْهِ قوم تيناظرون، فَذكرُوا حَدِيثا فَقَالُوا: رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكذب أَبُو هُرَيْرَة، وَارْتَفَعت أَصْوَاتهم بتكذيب أَبِي هُرَيْرَة، فَرَأَيْت هَارُون قد نحا نحوهم وَمَال إِلَى قَوْلهم، فَقلت أَنا: صدق أَبُو هُرَيْرَة، وَأَبُو هُرَيْرَة الصَّادِق فِي رِوَايَته عَن رَسُول اللَّهِ ﷺ ، وَقمت فَانْصَرَفت. فَلَمَّا دخلت منزلي وافيى بريد فأدخلته فَقَالَ: أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ إِجَابَة مقتول لِأَنَّك لَا ترجع، فَقلت فِي نَفسِي: الله يعلم إِنِّي قُمْت بحقٍ، ونصرت صَاحب رَسُول اللَّهِ ﷺ ، ومضيت إِلَى هَارُون فَدخلت عَلَيْهِ وَهُوَ جَالس على كرْسِي من ذهب حاسرًا عَن ذِرَاعَيْهِ، بِيَدِهِ سيف، فَقَالَ: يَا عمر بْن حبيب، تقبل عَليّ بِالرَّدِّ بِمَا أَقبلت بِهِ؟! فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، الَّذِي قلته إزراء على رَسُول اللَّهِ ﷺ ، إِذا كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ كَذَّابين فَأمر الْإِسْلَام كُله بَاطِل، وَالصَّلَاة الصَّوْم وَالطَّلَاق وَالْحُدُود. قَالَ: صدقت يَا عمر بْن حبيب، أحييتني أحياك الله، أحييتني أحياك الله. قَالَ القَاضِي: الفصيح زريت على الرجل زراية وأزريت بِهِ إزراء. تقبل السوَاد فِي أَيَّام الْمَأْمُون فربح كثيرا حَدثنَا عَليّ بْن مُحَمَّد بْن الجهم أَبُو طَالِب الْكَاتِب، قَالَ حَدَّثَنِي الْقَاسِم ابْن أَحْمَد الْكَاتِب، قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن مدبرٍ، قَالَ حَدَّثَنِي إِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم بْن مصعبٍ قَالَ: تَضَمَّنت السوَاد من الْمَأْمُون لسنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ بأربعمائة ألف كرّ شَعِيرًا مصرفًا بالفالج حَاصِلا، وَثَمَانِية آلَاف ألف درهمٍ سوى مُؤَن الْعَمَل وأرزاق الْعمَّال وَغير ذَلِك، فارتفع لي فِيهِ من الْفضل بعد الْمُؤَن والأرزاق الْجَارِيَة عشرُون ألف ألف دِرْهَم، قَالَ: فَأتيت الْمَأْمُون، فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنِّي قد استفضلت فِي ضَمَان السوَاد عشْرين ألف ألف دِرْهَم، قَالَ: قد سررتني وَقد سوغتها، وَلَكِن اكْتُبْ إِلَى عَبد اللَّه بْن طاهرٍ فَعرفهُ أَنِّي إِنَّمَا ضمنتك السوَاد لَهُ وسوغتك هَذَا الْفضل لمكانه وَمحله مني، فَفعلت، قَالَ: فَكتب إِلَى عَبد اللَّه بْن طَاهِر: قد سرني مَا كتبت بِهِ من ربحك عشْرين ألف ألف دِرْهَم وتسويغ أَمِير الْمُؤمنِينَ إياك ذَلِك، وأمير الْمُؤمنِينَ أجل قدرا وَأعظم خطرًا من أَن يستكثر هَذَا من فعله، إِذْ كَانَ أَهلا لما هُوَ أَكثر مِنْهُ، وَلَيْسَ يَنْبَغِي أَن نقنع لَك بِهَذَا دون أَن أضيف إِلَيْهِ شَيْئا آخر من مَالِي فاقبض من غلَّة ضياعي مائَة ألف ألف دِرْهَم. بَين بني هَاشم وَبني أُميَّة حَدثنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغَلابِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَائِشَة عَن جوَيْرِية قَالَ، قَالَ عمر بْن عبد الْعَزِيز: مَا زلنا نَحن وَبَنُو عمنَا من بني هَاشم مرّة لنا وَمرَّة علينا، نلجأ إِلَيْهِم ويلجأون إِلَيْنَا حَتَّى طلعت شمس الرسَالَة فأكسدت كل

стр. 463

نَافق وأخرست كل نَاطِق. جرير يحكم بتفوق الأخطل حَدثنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن جَعْفَر الأَزْدِيّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن يحيى قَالَ حَدَّثَنَا ابْن الْأَعرَابِي قَالَ، قيل لجرير: أَيّمَا أشعر أَنْت فِي قَوْلك. حَيّ الْغَدَاة برامة الأطلال ... رسما تحمل أَهله فأحالا أم الأخطل فِي جوابها: كذبتك عَيْنك أم رَأَيْت بواسط ... غلس الظلام من الربَاب خيالا قَالَ: هُوَ أشعر مني، إِلَّا أَنِّي قد قلت فِي قصيدتي بَيْتا لَو أَن الأفاعي نهشتهم فِي أستاههم مَا حكوها حَيْثُ أَقُول: والتغلبي إِذا تنحنح للقرى ... حك استه وتمثل الأمثالا تعليقات للمعافى بْن زَكَرِيَّا قَالَ القَاضِي: من فضل جرير تفضيله الأخطل فِي الشّعْر واعترافه بِأَن شعره يفضل شعر نَفسه، على مَا بَينهمَا من الْعَدَاوَة والملاحاة والمقارعة والمهاجاة والمفاخرة والمباراة، مَعَ أَن جَرِيرًا قد أَتَى فِي قصيدته هَذِه بِمَا لَيْسَ فِي قصيدة الأخطل وَلَا غَيرهَا من شعره مَا يدانيه وَيُقَارب مَعْنَاهُ، وَذَلِكَ قَوْله: مَا زلت تحسب كل شَيْء بعدهمْ ... خيلاص تكر عَلَيْكُم ورجالا وَهَذَا من أخصر كَلَام وأفصحه، وأبلغ نظامٍ وأروضحه. وَقد رُوِيَ أَن الأخطل لما أنْشد هَذَا الْبَيْت بهت عِنْده وَكثر تعجبه مِنْهُ وَقَالَ: من أَيْن لِابْنِ المراغة هَذَا؟ فَقيل لَهُ: إِن هَذَا الْمَعْنى فِي الْقُرْآن وتلي عَلَيْهِ قَول الله جلّ وَعز: " يَحْسَبُونَ كُلَّ صيحةٍ عَلَيْهِم هم الْعَدو " والمنافقون: ٤ فَقَالَ الأخطل: أَنا من أَيْن لي مثل كتاب محمدٍ آخذ مِنْهُ وأستعين بِهِ؟! وَالَّذِي أَتَى الْقُرْآن بِهِ فِي هَذَا مبر على مَا قَالَه الشُّعَرَاء فِيهِ لأمرٍ متفاوت فِي قلَّة عدد حُرُوفه وَقرب مأخذه ووضوح مَعْنَاهُ. وَمِمَّا يشبه قَول جرير فِي هَذَا الْمَعْنى قَول الَّذِي قَالَ: وَلَو أَنَّهَا عصفورة لحسبتها ... مسومة تَدْعُو عبيدا وأزنما وَنَحْو هَذَا قَول الآخر كَأَن بِلَاد الله وَهِي عريضة ... على الْخَائِف الْمَطْلُوب كفة حابل تُؤدِّي إِلَيْهِ أَن كل ثنيةٍ ... تطلعها ترمي إِلَيْهِ بِقَاتِل ويروى تسنمها. قَالَ القَاضِي: قَوْله: كَفه حابل يَعْنِي حبالة الصَّائِد، وَقَالَ اللغويون: الكفة مَا كَانَ مستديرًا ككفة الْمِيزَان، والكفة بِالضَّمِّ مَا كَانَ مستطيلا ككفة الثَّوْب، والوجهان يرجعان إِلَى معنى وَاحِد، وَهُوَ الْكَفّ والحصر وَالْحَبْس وإحاطة النهايات بالحواشي المتوسطات؛

стр. 464

وَمِنْه حَاجَة لَهَا كفة، وحاجات لَهَا كفف أَي نِهَايَة تجمعها وتحيط بهَا وتكفها عَن التشذب والانتشار. وَمن ذَلِك قَول الْأَعْشَى مَيْمُون بن قيسٍ: كَانَت وصاة وحاجات لَهَا كفف ... وَأَن صحبك إِن ناديتهم وقفُوا هفوة من سوارح الْعقل الْبَاطِن حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ قَالَ حَدَّثَنِي أبي قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن سَعْدَان قَالَ حَدَّثَنَا ا؟ لأصمعي عَن عَبد اللَّه بْن صَالح قَالَ، قَالَ لي رجل من حَارِثَة بْن لَام: أضافني رجل من بني تغلب فَأحْسن ضيافتي فَأَفلَت من لساني هَذَا الْبَيْت: والتغلبي إِذا تنحنح للقرى ... حك آسته وتمثل الأمثالا فَلَمَّا قلته خجلت وَسقط فِي يَدي، فَقَالَ لي: يَا عَبد اللَّه انبسط، فَإِنَّمَا قلت كلمة مقولة. أحلى قولٍ للمستملي حَدثنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن زيادٍ الْمقري قَالَ حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مَحْمُود بمرو قَالَ، سَمِعت يحيى بْن أَكْثَم يَقُول: كنت قَاضِيا وأميراً ووزيرا وقاضيا عَليّ الْقُضَاة مَا ولج سَمْعِي أحلى من قَول الْمُسْتَمْلِي: من ذكرت رَضِيَ اللَّهُ عَنْك؟ مَجْمُوعَة حكم حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبد اللَّه السليطي قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُنْذر الْهَرَوِيّ أَبُو عبد الرَّحْمَن شكر، قَالَ حَدَّثَنِي حطَّان بْن عبد الرَّحْمَن الجندي، قَالَ حَدَّثَنَا عَبد اللَّه بْن سُلَيْمَان الجندي قَالَ، قَالُوا: دعامة الْعقل الْحلم وَجَمَاعَة الصَّبْر. وَأعلم أَن هَذِه الدُّنْيَا دوَل، فَمَا كَانَ مِنْهَا للْإنْسَان أَتَاهُ على ضعفه، وَمَا كَانَ مِنْهَا عَلَيْهِ لم يَدْفَعهُ بقوته. وَقَالُوا: الشَّرّ مخوف من كل وجهٍ، والنفع مرجو من كل ناحيةٍ، وَمَا أَكثر مَا يَأْتِي الْخَيْر من وُجُوه الْخَوْف وَيَأْتِي الشَّرّ من نَاحيَة الرَّجَاء. حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عَليّ القَاضِي النَّيْسَابُورِي، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمسيب الأرغياني، قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خبيق، قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَبد اللَّه الْحلَبِي، قَالَ سَمِعت أَبَا إِسْحَاق الْفَزارِيّ يَقُول: إِن للحوئج فُرْسَانًا كفرسان الْحَرْب. وَقَالَ لي أَبُو إسحاقك إِن الرجل ليسألني عَن حَالي وَلَو أخْبرته لشمت بِي. عَمْرو بْن عبيد يعظ الْمَنْصُور حَدثنَا عُمَر بْن الْحَسَن بْن عليّ بْن مَالك الشَّيْبَانيّ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَارِث بْن أَبِي أُسَامَة، قَالَ حَدَّثَنَا الْمَدَائِنِي، قَالَ: دخل عَمْرو بْن عبيد على الْمَنْصُور فَقَالَ: إِن الله تَعَالَى أَعْطَاك الدُّنْيَا بأسرها، فاشتر نَفسك مِنْهُ بِبَعْضِهَا، وَاحْذَرْ لَيْلَة تمخض عَن يومٍ لَا لَيْلَة بعده. قَالَ: فَبكى أَبُو جَعْفَر، قَالَ عَمْرو: انبذ عَنْك الْبكاء واترك مَا تنكر إِلَى مَا تعرف، وَاعْلَم أَن رَبك لبالمرصارد، وَالسَّلَام.

стр. 465

شعر إِسْحَاق الْموصِلِي حِين أبل صباح بْن خاقَان حَدثنَا مُحَمَّد بْن عَبد اللَّه بْن إِبْرَاهِيم الشَّافِعِي قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن عمار قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الْقَاسِم بْن جَعْفَر بْن سُلَيْمَان بْن عَليّ قَالَ حَدَّثَنَا صباح بْن خاقَان قَالَ: اعتللت عِلّة أشفيت مِنْهَا، فَبلغ ذَلِك إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي فَاغْتَمَّ مِنْهَا، ثُمَّ ورد عَلَيْهِ الْخَبَر بإفاقتي فَكتب إِلَيّ: حمدت الله إِذْ عافى صباحا ... وأعقبه السَّلامَة والصلاحا وَكُنَّا خَائِفين على صباح ... من الْخَبَر الَّذِي قد كَانَ باحا وخوفني من الْحدثَان أَنِّي ... رَأَيْت الْمَوْت إِن لم يغد رَاحا الأخطل يسرق معنى للأعشى حَدثنَا المظفر بْن يحيى بْن أَحْمَد الشرابي، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس المرثدي، قَالَ أَخْبرنِي طَلْحَة بن عبد الله الطلحي، قَالَ أَخْبرنِي إِبْرَاهِيم بْن سَعْدَان، قَالَ حَدَّثَنَا ابْن بشير الْمَدِينِيّ قَالَ: وفدت إِلَى بعض مُلُوك بني أُميَّة فمررت بقريةٍ فَإِذا رجل مرنح من الشَّرَاب قَائِم يَبُول، فَسَأَلته عَن الطَّرِيق فَقَالَ: أمامك، ثُمَّ لَحِقَنِي فَقَالَ: أنزل، فَنزلت، فَقَالَ: ادن دُونك وَعَلَيْك الحانة، فَدخلت، فأحضر سفرة واستل سلة فَأخْرج مِنْهَا رغفًا ووذرًا من لحمٍ فَقَالَ: أصب، ثُمَّ سقاني خمرًا، فَإِذا أَبُو مَالك. ثُمَّ قَالَ لي: كَيفَ علمك بالشعر؟ قلت: قد رويت، فأنشدني قصيدته: صرمت حبالك زَيْنَب ورعوم فَلَمَّا انْتهى حبالك زَيْنَب ورعوم فَلَمَّا انْتهى إِلَى قَوْله: حَتَّى إِذا أَخذ الزّجاج أكفنا ... نفحت فَأدْرك رِيحهَا المزكوم قَالَ: أَلَسْت تزْعم أَنَّك تبصر الشّعْر؟ قلت: بلَى، قَالَ: فَكيف لم تشقق بَطْنك فضلا عَن ثَوْبك عِنْد هَذَا الْبَيْت؟! قَالَ: قلت: قد فعلت عِنْد الْبَيْت الَّذِي سرقت هَذَا مِنْهُ، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قلت: بَيت الْأَعْشَى: من خمر عانة قد أَتَى لختامها ... حول، تفض غمامة المزكوم قَالَ: أَنْت تبصر الشّعْر، فَلَمَّا صرتُ إِلَى سُلَيْمَان سمرت مَعَه بِهَذَا أول بدأتي. تَعْلِيق الْجريرِي قَالَ القَاضِي: للأعشى فِي هَذَا الْمَعْنى بَيت هُوَ أبلغ من هَذَا الْبَيْت فِي كلمةٍ لَهُ أُخْرَى وَهُوَ. من اللَّاتِي حملن على الروايا ... كريح الْمسك تستل الزكاما واستلال الزُّكَام أبلغ من فضه لِأَن استلاله نَزعه وإخراجه، وفضه نشره وتفريقه وكسره كفض الْخَاتم، وَفِي فضه مَعَ هَذَا إِزَالَته وتنحيته كَمَا يَزُول الْخَاتم عِنْد فضه وَيُفَارق

стр. 466

مَا كَانَ حَالا فِيهِ ولازمًا لَهُ. وَفِي قَول الأخطل: فَأدْرك رِيحهَا المزكوم من البلاغة أَنه إِنَّمَا يفوتهُ إِدْرَاك المشمول لحلول الزُّكَام بِهِ وغلبته إِيَّاه، فَإِذا أدْرك ريح الْخمر الَّتِي كَانَ الزُّكَام حَائِلا بَينه وَبَينهَا عندنفحتها فَإِنَّمَا ذَلِك لزوَال الزُّكَام وَزَوَال بعضه وَإِن لم يزل بكليته، فَمن هَاهُنَا كَانَ الفض والاستلال أبلغ وَأبين فِي الْمَعْنى. مَا يَقُوله الْحسن إِذا أصبح وَإِذا أَمْسَى حَدثنَا طَلْحَة بْن مُحَمَّد بْن إِسْرَائِيل الْجَوْهَرِي قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَن أَحْمَد ابْن عَبْد الرَّحْمَن الجوهريّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَان الثَّوْريّ عَن حُصَيْن الْأَسدي قَالَ: كَانَ الْحسن إِذا أصبح قَالَ: يسر الْفَتى مَا كَانَ قدم من تقى ... إِذا عرف الدَّاء الَّذِي هُوَ قَاتله وَإِذا أَمْسَى قَالَ: فَمَا الدُّنْيَا بباقيةٍ لحي ... وَلَا حَيّ على الدُّنْيَا بَاقٍ من أول من قَالَ شعرًا يَعْقُوب أم آدم حَدثنَا أَحْمَد بْن جَعْفَر بْن مُحَمَّد الْمُنَادِي، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل بْن يُونُس أَبُو إِسْمَاعِيل إملاء، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو صَالح سهل بْن خاقَان، وَكَانَ من خِيَار النَّاس، قَالَ: سَمِعت أَبَا الْمُوَرِّع يَقُول: أول من قَالَ بَيت شعر يَعْقُوب ﷺ لما جَاءُوهُ فأخبروه عَن يُوسُف ﵇ بِالَّذِي أَخْبرُوهُ بِهِ فَقَالَ: فَصَبر جميل بِالَّذِي جئْتُمْ بِهِ ... وحسبي إلهي فِي الْمُهِمَّات كَافِيا قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: قد أَتَت هَذِه الرِّوَايَة بِمَا وصفناه، وَقد رُوِيَ لنا أَن أول من قَالَ الشّعْر آدم ﵇ لما قتل قابيل أَخَاهُ هابيل، وَأَن إِبْلِيس لَعنه الله أجَاب آدم ﵇ عَن شعره ذَلِك، وَهِي رِوَايَة مَعْرُوفَة، ولعلنا نأتي بهَا فِيمَا بعد إِذا خرجت لنا إِن شَاءَ الله تَعَالَى. مُعَاوِيَة يغري ابْن عمر بِالْمَالِ ليبايع ليزِيد حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ نَجِيحٍ الْبَزَّازُ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْوَكِيعِيُّ مِنْ كِتَابِ أَبِيهِ يُلَقَّنُ، قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُبَايِعَ لِيَزِيدَ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ بِمِائَةِ ألفٍ ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنْ بَايِعْ لِيَزِيدَ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنْ كَانَ ذَاكَ لِذَلِكَ إِنَّ دِينِي عِنْدِي إِذَنْ لَرَخِيصٌ. لماذا يخْتَلف إِلَى النَّاس حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن سَعِيدٍ الْكَلْبِيُّ الدِّينَوَرِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ نُعَيْمٍ الدِّينَوَرِيُّ، قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ الْوَاسِطِيُّ بِسُرَّ مَنْ رَأَى، فِي سَنَةِ ثَلاثٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، قَالَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ بَهْرَامَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جابرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇ قَالَ: لَا يُؤْتَى الرَّجُلُ إِلا لخصلةٍ مِنْ أَرْبَعِ خصالٍ: لشرفٍ، أَوْ

стр. 467

لِشُكْرِ معروفٍ سَلَفَ، أَوْ لأمرٍ يُؤْتَنَفُ، أَوْ لِحَدِيثٍ يُطَّرَفُ. حَدثنَا مُحَمَّد بْن زيادٍ الْمقري قَالَ سَمِعت أَحْمَد بْن صَالح النَّحْوِيّ السَّرخسِيّ قَالَ، سَمِعت المَسْعُودِيّ يَقُول، قَالَ الْمَأْمُون: يخْتَلف إِلَى النَّاس لأربعة أَشْيَاء: لصِحَّة شرفٍ، أَو لعلمٍ مطرف، أَو لأمرٍ مؤتنفٍ، أَو لمعروفٍ قد سلف. مَا فِي جيب ابْن الجهم حِين قتل حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن أستاذ الْهَرَوِيّ، قَالَ سَمِعت عَبد اللَّه بْن عُرْوَة يَقُول، سَمِعت أَبَا عشانة يَقُول: لما قتل عَليّ بْن الجهم وجد فِي جيبه رقْعَة فِيهَا: يَا وحشتا للغريب فِي الْبَلَد لنا ... زح مَاذَا بِنَفسِهِ صنعا فَارق أحبابه فَمَا انتفعوا ... بالعيش من بعده وَلَا انتفعا أُفٍّ للدنيا وتف حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن الْحَسَن بْن محمدٍ الْبَزَّاز قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن خَلَف قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْزُوق الْعَتكِي عَن عبد الْوَاحِد بْن غياث أَو آخر غَيره ذهب عني اسْمه الْعَتكِي يَقُول هَذَا قَالَ: قد دخلت دَار المورياني لَيْلًا فَسمِعت قَائِلا يَقُول: أُفٍّ للدنيا وتف ... كل من فِيهَا يلف فَأَجَابَهُ آخر: لم تقل وَالله شَيْئا ... إِن فِيهَا من يعف مِنْهُم القَاضِي وَيحيى ... والهجيمي المخف توضيح قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: القَاضِي معَاذ بْن معَاذ، وَيحيى بْن سعيد الْقطَّان، وخَالِد بْن الْحَارِث الهُجَيْمِي. قَالَ القَاضِي: أُفٍّ عِنْد جُمْهُور أهل الْعلم كلمة يَقُولهَا الْمَرْء عِنْد الشَّيْء يضجره أَو يتبرم مِنْهُ ويتقذره، وتف بمعناها، وَقيل إِنَّهَا إتباع لأفٍ مثل حسن بسن وعطشان نطشان. وَقيل هِيَ بِمَعْنى النتن، وَقيل التف الشَّيْء الحقير نَحْو الشظية تُؤْخَذ من الأَرْض. وَقَالَ بعض الْمُحَقِّقين فِي علم الْعَرَبيَّة الأف وسخ الظفر، والتف وسخ الْأذن. وَقَالَ الله تَعَالَى: " فَلا تَقُلْ لَهُمَا أفٍ " الْإِسْرَاء:٢٣ وَأَتَتْ هَذِه اللَّفْظَة فِي مَوَاضِع عدةٍ من الْقُرْآن وفيا لُغَات عدَّة وقراءات مُخْتَلفَة، وَقد ذكرنَا هَذَا مستقصى فِي مَوَاضِع من كتبنَا. الْمجْلس الرَّابِع وَالسِّتُّونَ كَيفَ تولى عمر بْن حبيب الْقَضَاء حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ يَحْيَى إِمْلاءً مِنْ لَفْظِهِ سَنَةَ تِسْعِينَ وثلاثمائةٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْكُدَيْمِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا

стр. 468

عُمَرُ بْنُ حبيبٍ الْعَدَوِيُّ الْقَاضِي قَالَ: قَدِمْتُ مَعَ وفدٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمَأْمُونِ، فَجَلَسْنَا وَكُنْتُ أَصْغَرَهُمْ سِنًّا، فَطَلَبَ قَاضِيًا يُوَلَّى عَلَيْنَا بِالْبَصْرَةِ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ جِيءَ بِرَجُلٍ مقيدٍ بِالْحَدِيدِ مفولةٍ يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ، فَحُلَّتْ يَدُهُ مِنْ عُنُقِهِ، ثُمَّ جِيءَ بنطعٍ فَوُضِعَ فِي وَسَطِهِ وَمُدَّتْ عُنُقُهُ، وَقَامَ السَّيَّافُ شَاهِرًا السَّيْفَ، فَاسْتَأْذَنَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي ضَرْبِ عُنُقِهِ فَأَذِنَ لَهُ، فَرَأَيْتُ أَمْرًا فَظِيعًا، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: وَاللَّهِ لأَتَكَلَّمَنَّ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَنْجُوَ، فَقُمْتُ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اسْمَعْ مَقَالَتِي. فَقَالَ لِي: قُلْ، فَقُلْتُ: إِنَّ أَبَاكَ حَدَّثَنِي عَنْ جَدِّكَ عَنِ ابْنِ عباسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يُنَادِي منادٍ مِنْ بُطْنَانِ الْعَرْشِ لِيَقُمْ مَنْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَجْرُهُ، فَلا يَقُومُ إِلا مَنْ عَفَا عَنْ ذَنْبِ أَخِيهِ. فَاعْفُ عَنْهُ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: لِي: أَللَّهِ إِنَّ أَبِي حَدَّثَكَ عَنْ جَدِّي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا؟ فَقُلْتُ: أَللَّهِ إِنَّ أَبَاكَ حَدَّثَنِي عَنْ جَدِّكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبيّ ﷺ بِهَذَا. فَقَالَ: صَدَقْتَ، إِنَّ أَبِي حَدَّثَنِي عَنْ جَدِّي عَنِ ابْنِ عباسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا. فَقَالَ: صَدَقْتَ، إِنَّ أَبِي حَدَّثَنِي عَنْ جَدِّي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِهَذَا، يَا غُلامُ أَطْلِقْ سَبِيلَهُ، فَأَطْلَقَ سَبِيلَهُ ثُمَّ أَمَرَ أَنْ أُولَّى الْقَضَاءَ ثُمَّ قَالَ لِي: عَنْ مَنْ كَتَبْتَ؟ قُلْتُ: أَقْدَمُ مَنْ كَتَبْتُ عَنْهُ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هندٍ، قَالَ: فَحَدِّثْ، قُلْتُ: لَا، قَالَ: بَلَى فَحَدِّثْ، فَإِنَّ نَفْسِي مَا طَلَبَتْ مِنِّي شَيْئًا إِلا وَقَدْ نَالَتْهُ مَا خَلا هَذَا الْحَدِيثَ فَإِنِّي كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَقْعُدَ عَلَى كُرْسِيٍّ وَيُقَالَ لِي مَنْ حَدَّثَكَ.؟ فَأَقُولَ: حَدَّثَنِي فُلانٌ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَلِمَ لَا تُحَدِّثُ؟ قَالَ: لَا يَصْلُحُ الْمُلْكُ وَالْخِلافَةُ مَعَ الْحَدِيثِ لِلنَّاسِ. مدح حسن الْعَفو قَالَ القَاضِي: مَا قَرَّرَهُ الله فِي الْعُقُول من حسن الْعَفو وتفضيل أَهله وَمَا أنزلهُ فِيهِ وأحكمه فِي كِتَابه وعَلى لِسَان رَسُول الله أَكثر من أَن نأتي على ذكر جَمِيعه وَقد قَالَ الله تَعَالَى: " فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ " الشورى:٤٠ وَقَالَ جلّ ذكره: " وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ " الْبَقَرَة: ٢٣٧ وكل هَذَا مُؤَكد لما مكنه الله جلّ وَعلا فِي الْعُقُول وَشَاهد لما تَوَاتر من الْأَخْبَار عَن الرَّسُول ﷺ . العائف اللهبي حَدثنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دريدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَن عَنْ عمّه عَن يُونُس عَن شيخ من عنزة قَالَ: خرج رجل من لَهب، وهم حَيّ من الأزد، وهم أعيف الْعَرَب، وَمَعَهُ سقاء لبن، فَسَار صدر يَوْمه ثُمَّ عَطش فَأَنَاخَ ليشْرب فَإِذا غراب ينعب، فأثار رَاحِلَته وَمضى؛ فَلَمَّا أجهده الْعَطش أَنَاخَ ليشْرب فنعب الْغُرَاب، فأثار رَاحِلَته وَمضى؛ فَلَمَّا أجهده الْعَطش أَنَاخَ ليشْرب فنعب الْغُرَاب، فأثار رَاحِلَته فَمضى، ثُمَّ أَنَاخَ ليشْرب فنعب الْغُرَاب وتمرغ فِي التُّرَاب، فَضرب الرجل السقاء بِسَيْفِهِ فَإِذا فِيهِ أسود سالخ. ثُمَّ مضى لوجهه فَإِذا غراب وَاقع على سدرةٍ، فصاح بِهِ فَوَقع على سلمةٍ، فصاح بِهِ فَوَقع على صخرةٍ، فَإِذا تَحت الصَّخْرَة كنز ذهبٍ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَبِيه قَالَ لَهُ: مَا صنعت؟ قَالَ: سرت صدر يومي، ثُمَّ أنخت لأشرب فنعب غراب، فَقَالَ:

стр. 469

أَثَره وَإِلَّا لست بِابْني، قَالَ: فأثرته ثُمَّ أنخت لأشرب فنعب غراب قَالَ: أَثَره وَإِلَّا لست بِابْني، قَالَ: أثرته، ثُمَّ أنخت الثَّالِثَة لأشرب فنعب غراب وتمرغ فِي التُّرَاب فَقَالَ: اضْرِب السقاء بِالسَّيْفِ وَإِلَّا لست بِابْني، قَالَ: فضربته فَإِذا فِيهِ أسود سالخ. قَالَ: ثُمَّ مَه، قَالَ: ثُمَّ رَأَيْت غرابًا وَاقعا على سدرةٍ قَالَ: أطره وَإِلَّا فلست بِابْني، قَالَ: أطرته فَوَقع على صخرةٍ، قَالَ: أحذني يَا بني، قَالَ: فأحذاه. معنى أحذى قَالَ القَاضِي: قَوْله أحذني أَي أَعْطِنِي فَأعْطَاهُ، يُقَال: أحذى فلَان فلَانا شَيْئا من مَاله إِذا رضخ لَهُ؛ قَالَ رجل من بني سعدٍ لرؤبة بْن العجاج: أحذ أَبَا الجحاف إِذْ حبينا أعرابية ترثي قوما هَلَكُوا حَدثنَا عَليّ بْن مُحَمَّد بْن الجهم الْكَاتِب أَبُو طَالب، قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْحُسَيْن الْحسن بْن عَمْرو السبيعِي، قَالَ حَدَّثَنِي رجل من الْأَعْرَاب وَفد إِلَى ابْن البعيث، قَالَ حَدَّثَنِي عَم لي قَالَ: نزلت مَاء لبني فَزَارَة ثُمَّ ارتحلت عَنْهُ وأتيته فِي الْعَام الْمقبل فَإِذا لَيْسَ من الْحَيّ أحد خلا عَجُوز فِي سفح جبلٍ تبْكي، فَقلت: مَا يبكيك يَا عَجُوز؟ قَالَت: على أثر الْحَيّ، قلت لَهَا: أعسى حييًا نزلت بِهِ عَام أول؟ قَالَت: أقلت حييًا؟ وَالله لقد كَانَ حَيّ ربحل، إِذا ارتحلوا على ألف فَحل، لقد كَانَ فيهم مليل، وَمَا مليل؟ سَحَاب ذيلٍ على ذيلٍ عطاؤه سيل، وغضبه ويل، لم تحمل مثله إبل وَلَا خيل، وَلَقَد كَانَ فيهم مَالك وَمَا مَالك؟ خير من هُنَالك. وَلَقَد كَانَ فيهم مهجعة وَمَا مهجعة؟ فَارس كأربعة، يكر وَالْخَيْل مَعَه، وَلَقَد كَانَ فيهم عمار وَمَا عمار؟ يَوْم الْفَخر فخار، وَيَوْم الْجَرّ جرار، لم تخمد لَهُ نَار طلاب بأوتار، وَلَقَد كَانَ فيهم هجين لَهُم يُقَال لَهُ حممة، وَمَا حممة؟ لَهُ ألف نَاقَة مسنمة، وَألف مهرَة مسومة، وَألف نعجةٍ مزنمةٍ، وَألف عبد وَأمة، قعد ذَات يومٍ قعدة لَهُ حَسَنَة فأنهبها كلهَا فِي ساعةٍ لم يقْض نهمه، قَالَ: فَكَأَنَّمَا ألقمتني عَنْهَا وَعَن قَومهَا حجرا. شرح الْغَرِيب فِي حَدِيث الأعرابية قَالَ القَاضِي: قَوْلهَا حَيّ ربحل أَي حَيّ قيلٍ كريم نبيه، وَاسع عطاؤه، رحبٍ فناؤه، وَمِنْه قَول الْقَائِل: مرْحَبًا وَأهلا، وناقة ورحلا، وملكًا ربحلا، يُعْطي عَطاء جزالاً. وَأما قَوْلهَا: وَلَقَد كَانَ فيهم هجين لَهُم فالهجين الَّذِي أمه أمة، وَمِنْه قَول عنترة قبل أَن يحرره أَبوهُ: أَنا الهجين عنترة وَجمع الهجين هجناء مثل أَمِين وأمناء، وقرين وقرناء، وكمين وكمناء. وَمن الهجين قَول الشَّاعِر: أَلا ضربت تِلْكَ الفتاة هجينها ... الا قضب الرَّحْمَن رَبِّي يَمِينهَا وَقَول الشماخ:

стр. 470

إِذا بَركت على نشزٍ وَأَلْقَتْ ... عسيب جِرَانهَا كعصا الهجين والمسنمة من الْإِبِل: الْعَظِيمَة الأسنمة؛ والمسومة من الْخَيل: المحسنة المهيأة. وَقيل فِي قَول اللَّه : " واتلخيل المسومة " آل عمرا:١٤ هِيَ المطهمة، أَي الَّتِي يَعْنِي بهَا ويقام عَلَيْهَا، وَالْغنم المزنمة: ذَوَات الزنمات الَّتِي تَحت ألحيها الزنمات. وعسيب الجران: الْحُلْقُوم، والجران: بَاطِن الْعُنُق. رُؤْيا الْمَأْمُون وَمَا قَالَ أرسطاطاليس حَدثنَا الْحُسَيْن بْن الْقَاسِم الكوكبي، قَالَ حَدَّثَنَا ابْن أَبِي سعدٍ قَالَ أَخْبرنِي مُحَمَّد بْن يحيى بْن خَالِد بْن يزِيد بْن مثنى الْمروزِي، قَالَ حَدَّثَنِي مَنْصُور بْن طَلْحَة بْن طاهرٍ بْن الْحُسَيْن، قَالَ حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن طَاهِر قَالَ: عجبني أَمِير الْمُؤمنِينَ من رُؤْيا رَآهَا، فَسَأَلته عَنْهَا فَذكر أَنه رأى فِي مَنَامه كَأَن رجلا جلس مجْلِس الْحُكَمَاء فَقلت لَهُ: من أَنْت؟ قَالَ: أَنا أرسطاطاليس الْحَكِيم، فَقلت لَهُ: أَيهَا الحك مَا أحسن الْكَلَام؟ قَالَ: مَا يَسْتَقِيم فِي الرَّأْي قلت: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: مَا يستحسنه سامعه، قلت: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: مَا لَا تخشى عاقبته، قلت: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ لَا ثُمَّ. قَالَ الْمَأْمُون: لَو كَانَ حَيا مَا كَانَ يتَكَلَّم بِأَكْثَرَ مِمَّا تكلم بِهِ. الْكِنْدِيّ رَأْي جالينوس فِي الْمَنَام وَحدثنَا الْحُسَيْن بْن الْقَاسِم الكوكبي قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْحسن الْأَشَج قَالَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوب الْكِنْدِيّ قَالَ: رَأَيْت جالينوس فِيمَا يرى النَّائِم فَقلت بِأبي أَنْت، رجل من الْمُلُوك اعتل لَا يُبرئهُ إِلَّا فتح الباسليق وَلَيْسَ يُوجد لَهُ فَمَا ترى؟ قَالَ: افْتَحْ لَهُ عرقًا بَين الْخِنْصر والبنصر يُقَال لَهُ الأسيلم، قَالَ الْكِنْدِيّ: فَأَنا أول من فصد الأسيلم. أَعْرَابِي يسْأَل حَدثنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ قَالَ حَدثنِي أبي قَالَ حَدثنَا أحم بْن عبيدٍ عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: قدم أَعْرَابِي من الْبَادِيَة فَوقف على النَّاس فَقَالَ: أَنا عكاب بْن عدينة أبوت عشرَة وأخوت عشرَة، وَكنت مفزعًا للجمة، مقنعا للهمة، أهنأ الْفَقِير، وأفك الْأَسير، وأذيل العسير، فانباق عَليّ الدَّهْر متخوفًا لإخوتي وبنيه يوديهم وَاحِدًا وَاحِدًا حَتَّى اخترم ظهرتي، وأفنى عمارتي، وأساف ماليه، وأباد رجاليه، وَكنت أورد إبلي سحرًا، وأصدرها طفْلا، عكرًا دثرًا، ومالا وفرًا، قَليلَة الْفرش والإفال، حَسَنَة الْحِلْية والفحال، فانتسفها الزَّمَان، واجتملها الْحدثَان، حبجًا وغدة، فقرع مراحي، وفنت أوضاحي، فَهَل من راحمٍ أَخا جهدٍ ولأواء وشصاصاء، شملكم الله بإسباغ الرزق. تَفْسِير حَدِيث الْأَعرَابِي قَالَ أَبُو بكر ابْن الْأَنْبَارِي قَوْلهم: أبوت وأخوت مَعْنَاهُ كنت أَبَا لعشرة وأخا لعشرة. وَقَوله: أهنأ الْفَقِير: أصلح شَأْنه؛ قَالَ القَاضِي: وَأَصله من الهناء الَّذِي تطلى بِهِ الْإِبِل من

стр. 471

الجرب، قَالَ زُهَيْر: فأبرى موضحات الرَّأْس مِنْهُ ... وَقد يشفي من الجرب الهناء وَمِنْه قَول الآخر: مَا إِن رَأَيْت وَلَا سَمِعت بِهِ ... كَالْيَوْمِ طالي أينقٍ جرب متبذلا تبدو محاسنه ... يضع الهناء مَوَاضِع النقب ثمَّ استعير هَذَا فِي كل من رفد غَيره لسد فقرٍ أَو إصْلَاح أَمر، وَهُوَ من حسن التَّشْبِيه وقريبه؛ قَالَ أَبُو بكرٍ: وأذيل العسيرة مَعْنَاهُ: أَلين النَّاقة الصعبة لأحمل عَلَيْهَا الضَّعِيف والمجتدي. وَقَوله: فانباق عَليّ الدَّهْر مَعْنَاهُ: قصدني ببائقةٍ، وَهِي البلية والداهية، ومتخوفا: متنقصا قَالَ الله : " أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تخوفٍ " النَّحْل: ٤٧ قَالَ القَاضِي: يُقَال تخوفه إِذا انتقصه، كَمَا قَالَ الشَّاعِر: تخوف السّير مِنْهَا تامكًا قردًا ... كَمَا تخوف عود النبعة السفن يَعْنِي نَاقَة تنقص سَيرهَا من سنامها بعد تمكنه واكتنازه. والنبع شجر مَعْرُوف وَقَالَ الْأَعْشَى: ونَحْنُ أُنَاسٌ عُودُنا عود نبعةٍ ... إِذا افتحر اليحان بكر وتغلب والسفن: الفأس، وَهُوَ يتنقص الْعود وينحته حَتَّى يصنع مِنْهُ سفينة، وَمِنْه سميت سفينة بِمَعْنى مسفونة أَي منحوتة منجورة منتقصة الأعواد بالسفن. وَقد قرئَ على تخوف بِمَعْنى الانتقاص من الحافات والجوانب. قَالَ أَبُو بكرٍ: والجمة: الْقَوْم يسْأَلُون فِي الدِّيَة وَيُقَال أَيْضا للدية جمة. قَالَ الشَّاعِر: وجمةٍ تسالني أَعْطَيْت ... وَسَائِل عَن خبري لويت فَقلت لَا أَدْرِي وَقد دَريت وَقَوله: حَتَّى اخترم ظهرتي فِي الظهرة قَولَانِ: الظهرة قَولَانِ: الظهرة عشيرة الرجل. وَقَالَ لي أَبِي قَالَ أَحْمَد بْن عبيد: الظهرة والأهرة مَتَاع الْبَيْت وَمَا يصونه الرجل مِمَّا يودعه منزله من الْآنِية وأفنى عمارتي الْعِمَارَة: الْقَبِيلَة. وأساف ماليه مَعْنَاهُ أَو قع السواف فِي إبلي. وأصدرها طفْلا مَعْنَاهُ عِنْد غيبوبة الشَّمْس، يُقَال ظفلت الشَّمْس إِذا تهيأت للغروب. وَفِي السواف لُغَتَانِ: السواف والسواف بِضَم السِّين وَفتحهَا وَهُوَ دَاء يَأْخُذ الْإِبِل فيقتلها. قَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ: السواف من أدواء الْإِبِل بِالْفَتْح، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: السواف مضموم من الأدواء بِمَنْزِلَة الكباد والسعال والنخار. عكرًا دثرًا العكر جمع عكرة وَهِي سَبْعُونَ من الْإِبِل إِلَى الْمِائَة، والدثر هُوَ المَال الْكثير وَجمعه دثور. قَالَ امْرُؤ الْقَيْس: لعمري لقوم قد نرى فِي دِيَارهمْ ... مرابط للأمهار والعكر الدثر

стр. 472

يُرِيد العكر الدثر، فَكسر الثَّاء لكسرة الرَّاء على لُغَة من يَقُول قَامَ بكر ومررت ببكرٍ. وَقَالَ أَبُو ذرٍ: يَا رَسُول اللَّهِ ذهب أهل الدُّثُور بِالْأُجُورِ، يَعْنِي أَصْحَاب الْأَمْوَال الْكَثِيرَة. قَالَ القَاضِي: وَالْوَقْف فِي بكر على حَرَكَة إِعْرَاب طرفه لُغَة مَعْرُوفَة للْعَرَب، وَقد روى عَنْ أبي عَمْرو أَنَّهُ قَرَأَ: " وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ " الْبَلَد: ١٧ فِي بِالْوَقْفِ بِكَسْر الْبَاء، وَمن هَذِه اللُّغَة قَول الشَّاعِر: علمنَا إِخْوَاننَا بَنو عجل ... شرب النَّبِيذ واعتقالا بِالرجلِ وَقد شرحنا عِلّة هَذِه اللُّغَة فِي موضعهَا. وَالْعرب أَيْضا تَقول مَال دثر وأموال دثر. قَالَ أَبُو بكر: قَليلَة الْفرش والإفال الْفرش: الصغار من الْإِبِل الَّتِي لَا تطِيق أَن يحمل عَلَيْهَا، والإفال: الصغار من الْإِبِل وَاحِدهَا أفيل. قَالَ القَاضِي: قد قيل إِن الْفرش الْغنم، والحمولة الْإِبِل وَالْبَقر وَالْبِغَال وَالْحمير، فَأَما الإفال فَهِيَ الصغار عِنْد اللغويين، قَالَ الفرزدق: وَجَاء قريع الشول قبل إفالها ... يزف وَجَاءَت خَلفه وَهِي زفف ويروى يرف، وَهِي رفف، وَالْمعْنَى وَاحِد، وَهُوَ الْمَشْي السَّرِيع. قَالَ الله عز ذكره: " فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ " الصافات: ٩٤ وَمن القرأة من يقْرَأ يرفون. قَالَ أَبُو بكرٍ واجتملها الْحدثَان ذهب بجملتها وَلم يبْق مِنْهَا شَيْئا. حبجًا وغدة الغدة: من أدواء الْإِبِل، الحبج: أَن تَأْكُل الْإِبِل النَّبَات فتنتفخ بطونها حَتَّى تَمُوت. وَقَالَ الزُّبَيْر بْن بَكَّار: لما ورد نعي مُصعب بْن الزُّبَيْر على أهل مَكَّة صعد عَبد اللَّه بْن الزُّبَيْر الْمِنْبَر فَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي لَهُ الْخلق وَالْأَمر يُؤْتِي الْملك من يَشَاء وَينْزع الْملك مِمَّن يَشَاء، ويعز من يَشَاء ويذل من يَشَاء؛ أَلا وَإنَّهُ لم يذلل الله تَعَالَى من كَانَ الْحق مَعَه وَلَو كَانَ فَردا، وَلم يعزز من كَانَ الشَّيْطَان وليه وَحزبه وَلَو كَانَ الْأَنَام كلهم مَعَه، أَلا وَإنَّهُ أَتَانَا خبر من الْعرَاق أحزنا وأفرحنا، أَتَانَا قتل المصعب بْن الزُّبَيْر ﵀، فَأَما الَّذِي أحزننا فَإِن لفراق الْحَمِيم لذعة يجدهَا حميمه عِنْد الْمُصِيبَة ثُمَّ يرعوي من بعْدهَا ذَوُو الْعَزْم إِلَى جميل الصَّبْر وكرم العزاء، وَأما الَّذِي أفرحنا فَإِن الْقَتْل كَانَ لَهُ شَهَادَة، وَإِن الله جعل ذَلِك لنا وَله خيرة. أَلا وَإِن أهل الْعرَاق أهل الْغدر والنفاق أسلموه وباعوه بِأَقَلّ الثّمن، فَإِن يقتل فَإنَّا وَالله مَا نموت حبجًا كَمَا يَمُوت بَنو أَبِي الْعَاصِ، وَمَا نموت إِلَّا قتلا قعصًا بِالرِّمَاحِ وموتًا تَحت ظلال السيوف، أَلا وَإِنَّمَا الدُّنْيَا عَارِية من الْملك الْأَعْلَى الَّذِي لَا يَزُول ملكه وَلَا يبيد، فَإِن تقبل على الدُّنْيَا لَا آخذها أَخذ الأشر البطر، وَإِن تدبر عني لَا أبك عَلَيْهَا كالخرف المهتر. قَالَ أبوب بكر: فقرع مراحي المراح: مَوضِع الْإِبِل الَّذِي تراح إِلَيْهِ، يَعْنِي أَن إبِله مَاتَت وَتَلفت وَبَقِي مراحها أَقرع، وَالْعرب تَقول قد قرع مراح الرجل إِذا ذهب مَاله، قَالَ الشَّاعِر: إِذا آداك مَالك فانتهبه ... لجاديه وَإِن قرع المراح

стр. 473

فَإِن أعيا عَلَيْك فَلم تَجدهُ ... فنبت الأَرْض وَالْمَاء القراح فَإِن الْفقر إلْف فنَاء قوم ... وَإِن أسوك وَالْمَوْت الرواح وفنت وضاحي مَعْنَاهُ: فنيت دراهمي، فنت بلغَة طَيء، يَقُولُونَ فِي فني فنى وَفِي رَضِي رضى وَفِي بَقِي بقى، قَالَ الشَّاعِر: لعمرك مَا أخْشَى التصعلك مَا بقى ... على الأَرْض قيسي يَسُوق الأباعرا واللأواء والشصاصاء: الشدَّة وكلب الزَّمَان. قَالَ القَاضِي: الَّذِي ذكره أَبُو بكرٍ فِي نفى ورضى وبقى أَنه لُغَة طَيء هُوَ على مَا ذكر، وَقد ذكرنَا من هَذِه اللُّغَة وحكايتها صَدرا فِي مَا مضى من مجَالِس كتَابنَا هَذَا، وَقد تتداخل لُغَات الْعَرَب وَيَأْخُذ بَعضهم من لُغَة بعض، قَالَ زُهَيْر: تربع صارةً حَتَّى إِذا إِذا ... فنى الدحلان عَنْهُ والأضاء يُرِيد فني.. إِسْمَاعِيل بْن صَالح يُغني الرشيد حَدثنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد الطَّالقَانِي قَالَ حَدَّثَنِي فضل اليزيدي عَن مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل بْن صبيحٍ قَالَ: قَالَ الرشيد للفضل بن يحيى وَهُوَ بالقرقة: قد قدم إِسْمَاعِيل بْن صَالح بْن عَليّ وَهُوَ صديقك، وَأُرِيد أَن أرَاهُ، فَقَالَ لَهُ: إِن أَخَاهُ عبد الْملك فِي حَبسك، وَقد نَهَاهُ أَن يجيئك، قَالَ الرشيد: فَإِنِّي أتعلل حَتَّى يجيئني عَائِدًا، فتعلل، فَقَالَ الْفضل لإسماعيل: أَلا تعود أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: بلَى، فَجَاءَهُ عَائِدًا، فأجلسه ثُمَّ دَعَا بالغداء فَأكل، وَأكل إِسْمَاعِيل بَين يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الرشيد: كَأَنِّي قد نشطت برؤيتك إِلَى شرب قدح، فَشرب وسقاه، ثُمَّ أَمر فَأخْرج جوارٍ يغنين وَضربت ستارة وَأمر بسقيه، فَلَمَّا شرب أَخذ الرشيد الْعود من يَد جاريةٍ وَوَضعه فِي حجر إِسْمَاعِيل، وَجعل فِي عنق الْعود سبْحَة فِيهَا عشر درات اشْتَرَاهَا بِثَلَاثِينَ ألف دِينَار وَقَالَ: غنني يَا إِسْمَاعِيل وَكفر عَن يَمِينك بِثمن هَذِه السبحة فَانْدفع يُغني بِشعر الْوَلِيد بن يزِيد فِي غلية أُخْت عمر بْن عبد الْعَزِيز وَكَانَت تَحْتَهُ، وَهِي الَّتِي ينْسب إِلَيْهَا سوق غَالِيَة بِدِمَشْق: فأقسم مَا أدنيت كفي لريبةٍ ... وَلَا حَملتنِي نَحْو فاحشةٍ رجْلي وَلَا قادني سَمْعِي وَلَا بَصرِي لَهَا ... وَلَا دلَّنِي رَأْيِي عَلَيْهَا وَلَا عَقْلِي أعلم أَنِّي لم تصبني مُصِيبَة ... من الدَّهْر إِلَّا قد أَصَابَت فَتى قبلي فَسمع الرشيد أحسن غناءٍ من أحسن صوتٍ، فَقَالَ: الرمْح يَا غُلَام، فجيء بِالرُّمْحِ، فعقد لَهُ لِوَاء على إِمَارَة مصر، قَالَ إِسْمَاعِيل: فَوليتهَا سِتّ سِنِين، أَو سعتهم عدلا وانصرفت بِخَمْسِمِائَة ألف دينارٍ، قَالَ: بلغت عبد الْملك أَخَاهُ ولَايَته فَقَالَ: غنى وَالله الْخَبيث لَهُم، لَيْسَ هُوَ لصالح بابنٍ.

стр. 474

إِذا قصر من يؤاكل الْمَأْمُون حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن زِيَاد الْمُقْرِي قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن مَحْمُود قَالَ حَدَّثَنَا يحيى بْن أَكْثَم قَالَ: كَانَ الْمَأْمُون إِذا قصر بعض من يَأْكُل مَعَه أَمر بإقامته عَن الْمَائِدَة وَلَقَد رَأَيْته يَوْمًا وَقد أَمر أَن يُقَام بِابْنِهِ الْعَبَّاس عَن الْمَائِدَة لتقصيرٍ كَانَ مِنْهُ، وَقَالَ: إِذا قصرت احتشم غَيْرك لتقصيرك، فَقَالَ الْعَبَّاس: لم أقصر وَلَكِنِّي وجدت عِلّة، قَالَ: هلا ذكرتها قبل جلوسك على الطَّعَام، فإمَّا احتملناك على التَّقْصِير وَإِمَّا أعفيناك من الْأكل مَعنا. أعرابية تمثل نموذجًا للصبر حَدثنَا عبد الْبَاقِي بن قانعٍ قَالَ تحدثنا مُحَمَّد بْن زَكَرِيَّاء قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بن عَمْرو بنب حبيب قَالَ حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِي قَالَ: خرجت أَنا وصديق لي إِلَى الْبَادِيَة فضللنا الطَّرِيق، فَإِذا نَحن بخيمةٍ عَن يَمِين الطَّرِيق، فقصدنا نَحْوهَا فسلمنا، فَإِذا امْرَأَة ترد علينا السَّلَام، ثُمّ قَالَت: مَا أَنْتُم؟ فَقُلْنَا: قوم ضالون رأيناكم فأنسنا بكم، فَقَالَت: يَا هَؤُلَاءِ ولوا وُجُوهكُم عين حَتَّى أَقْْضِي من حقكم مَا أَنْتُم لَهُ أهل، فَفَعَلْنَا، فَأَلْقَت لنا مسحًا فَقَالَت: اجلسوا عَلَيْهِ إِلَى أَن يَأْتِي ابْني، ثُمَّ جعلت ترفع طرف الْخَيْمَة وتردها إِلَى أَن رفعتها فَقَالَت: أسأَل الله بركَة الْمقبل، أما الْبَعِير فبعير ابْني وَأما الرَّاكِب فَلَيْسَ بِابْني، فَوقف الرَّاكِب عَلَيْهَا فَقَالَ: يَا أم عقيل، عظم الله أجرك فِي عقيل، قَالَت: وَيحك مَاتَ ابْني "؟ قَالَ نعم، قَالَت: وَمَا سَبَب مَوته؟ قَالَ: ازدحمت عَلَيْهِ الْإِبِل فرمت بِهِ فِي الْبِئْر، فَقَالَت: انْزِلْ فَاقْض ذمام الْقَوْم، وَدفعت إِلَيْهِ كَبْشًا فذبحه وَأَصْلحهُ وَقرب إِلَيْنَا الطَّعَام، فَجعلنَا نَأْكُل ونتعجب من صبرها، فَلَمَّا فَرغْنَا خرجت إِلَيْنَا وَقد تكورت فَقَالَت: يَا هَؤُلَاءِ، هَل فِيكُم أحد يحسن من كتاب الله تَعَالَى شَيْئا؟ قلت: نعم أَنا، قَالَت: اقْرَأ على آياتٍ من كتاب الله عز جلّ أتعزى بهَا، قلت: يَقُول الله تَعَالَى وَجل جَلَاله: " وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إنّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون. أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ " الْبَقَرَة: ١٥٥ ١٥٧ قَالَت: الله إِنَّهَا لفي كتاب الله هَكَذَا؟ فَقلت: آللَّهُ لفي كتاب الله تَعَالَى هَكَذَا. قَالَت: السَّلَام عَلَيْكُم، ثُمَّ صفت قدميها وصلت رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَت: إنّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون، وَعند الله تَعَالَى أحتسب عقيلا، تَقول ذَلِك ثَلَاثًا، اللَّهُمَّ إِنِّي فعلت مَا أَمرتنِي فأنجز لي مَا وَعَدتنِي. لأي عِلّة خلق الله الذُّبَاب حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدِ بْنِ حَفْص الْعَطَّار قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْمُون قَالَ حَدَّثَنِي وزيرة بْن مُحَمَّد بِمصْر قَالَ حَدَّثَنِي معمر بْن شبيب بْن شيبَة قَالَ: سَمِعت الْمَأْمُون يَقُول لمُحَمد بْن إِدْرِيس: يَا مُحَمَّد لأي علةٍ خلق الله تَعَالَى الذُّبَاب؟ فَسكت ثُمَّ قَالَ: مذلة للملوك، فَضَحِك الْمَأْمُون ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّد رَأَيْت الذبابة وَقد سَقَطت على خدي؟

стр. 475

قَالَ: نعم وَلَقَد سَأَلت عَنْهَا وَمَا عِنْدِي فِيهَا جَوَاب، فأخذني من ذَلِك الزمع، فَلَمَّا رَأَيْت الذبابة قد سَقَطت مِنْك بِموضع لَا يَنَالهُ من مَعَه عشرَة آلَاف سيف وَعشرَة آلَاف رمح انْفَتح لي فِيهَا الْجَواب، فَقَالَ: لله دَرك يَا مُحَمَّد. ذُبَاب وذبان قَالَ القَاضِي: قيل فِي هَذَا الْخَبَر الذبابة على لغةٍ حكيت ضَعِيفَة، يُقَال فِيهَا ذُبَابَة فِي التَّوْحِيد وذباب فِي الْجمع، مثل رقاقة ورقاق، وثمامة وثمام، وجزارة وجزار فَمَا أشبه هَذَا مِمَّا سبق جمعه واحده وَكَانَت الْهَاء فارقة بَين واحده وَجمعه، فَأَما اللُّغَة الفصيحة فِي الْعَرَبيَّة الفاشية عِنْد أهل اللُّغَة فَهُوَ أَن الذُّبَاب وَاحِد. قَالَ الله : " إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ " الْحَج:٧٣ وَيجمع الذُّبَاب فِي القة أذبة، وَفِي الْكَثْرَة ذبان، مثل غراب وأغربة وغربان. الْمَأْمُون يمْتَحن مُحَمَّد بْن الْعَبَّاس حَدثنَا ابْن مخلد قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحسن، قَالَ حَدَّثَنَا وزيرة، قَالَ حَدَّثَنَا معمر بْن شبيب، قَالَ سَمِعت الْمَأْمُون يَقُول: قد امتحنت مُحَمَّد بْن الْعَبَّاس فِي كل شَيْء فَوَجَدته كَامِلا، وَقد بقيت خصْلَة وَهُوَ أَن أسقيه من النَّبِيذ مَا يغلب على الرجل الْجيد الشّرْب، قَالَ فَحَدثني ثَابت الْخَادِم وَقد دَعَا بِهِ فَأعْطَاهُ رطلا فَقَالَ: اشرب يَا مُحَمَّد، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا شربت قطّ، قَالَ: عزمت عَلَيْك لتشربن، فشربه، ثُمَّ والى عَلَيْهِ بالأرطال حَتَّى سقَاهُ عشْرين رطلا، فَمَا تغير وَلَا زَالَ عَن حجَّة. قولة طبع ووثاقة بنية قَالَ القَاضِي: وَهَذَا مِمَّن لم يعْتد شربه وَلم يأنس بِهِ مزاجه وطباعه أبلغ فِي الأعجوبة وأدل على اعْتِدَال التَّرْكِيب وَقُوَّة الطَّبْع ووثاقة البنية، وَالله أعلم بِصِحَّة هَذِه الْحِكَايَة وثبوتها من جِهَة الرِّوَايَة. مُحَمَّد بْن الْحسن وَالشَّافِعِيّ حَدثنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن الْحَسَن الصَّواف قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن أَبِي الصَّلْت الْحمانِي قَالَ، سَمِعت أَبَا عبيدٍ يَقُول: رَأَيْت الشَّافِعِي عِنْد مُحَمَّد بْن الْحسن وَقد دفع إِلَيْهِ خمسين دِينَارا، وَقد كَانَ دفع إِلَيْهِ قبل هَذَا خمسين درهما وَقَالَ: إِن اشْتهيت الْعلم فَالْزَمْ، ثُمَّ دفع إِلَيْهِ هَذِه الدَّنَانِير وَلَزِمَه الشَّافِعِي؛ قَالَ أَبُو عبيد: فَسمِعت الشَّافِعِي يَقُول: كتبت عَن مُحَمَّد بْن الْحسن وقر بعير؛ وسمعته يَقُول لمُحَمد بْن الْحسن وَقد دفع إِلَيْهِ الدَّنَانِير بعد الْخمسين درهما وَقَالَ لَهُ: لَا تحتشم، فَقَالَ: مَا أَنْت عِنْدِي فِي مَوضِع أحتشمك. وَجرى ذكر الشَّرَاب فَقَالَ الشَّافِعِي: الْحَمد الله لَو علمت أَن المَاء الْبَارِد يضر مرؤءتي فِي ديني لما شربت إِلَّا المَاء الْحَار ألْقى الله تَعَالَى، وَلَو كنت عِنْدِي مِمَّن أحتشمك مَا قبلت برك.

стр. 476

الْمجْلس الْخَامِس وَالسِّتُّونَ معنى النعم الظَّاهِرَة والباطنة أَخْبَرَنَا الْمُعَافَى قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَمْدَانَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْخُتُلِّيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ الْعَبْسِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْن محمدٍ بْن مَيْمُون، قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ أَبُو مَالِكٍ الْجَنْبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: " وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً " لُقْمَان: ٢٠ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذِهِ مِمَّا سَأَلْتُ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قلت: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذِهِ النِّعْمَةُ؟ فَقَالَ: أَمَّا مَا ظَهَرَ فَالإِسْلامُ وَمَا سَوَّاهُ مِنْ خَلْقِكَ وَمَا أَسْبَغَ عَلَيْكَ مِنْ رِزْقِهِ، وَأَمَّا مَا بَطَنَ فَمَا سَتَرَ عَلَيْكَ مِنْ مَسَاوِئِ عَمَلِكَ، يَا ابْن عَبَّاس إِبْنِ اللَّهَ يَقُولُ: ثَلاثٌ جَعَلْتُهُنَّ لِلْمُؤْمِنِ: صَلاةُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ، وَجَعَلْتُ لَهُ ثُلُثَ مَالِهِ يُكَفِّرُ عَنْهُ مِنْ خَطَايَاهُ، وَسَتَرْتُ مَسَاوِئَ عَمَلِهِ أَنْ أَفْضَحَهُ بشيءٍ مِنْهَا وَلَوْ أُبْدِيهَا لَنَبَذَهُ أَهْلُهُ فَمَنْ سِوَاهُمْ. آراء فِي تَفْسِير الْآيَة قَالَ القَاضِي: جَاءَ هَذَا الْخَبَر بِتِلَاوَة هَذِه الْآيَة وتأويلها ووردت بتلاوتها فِيهِ على قِرَاءَة من قَرَأَ: " وَأَسْبَغَ عَلَيْكُم نعْمَة " بِلَفْظ التَّوْحِيد وَهِي قِرَاءَة كثيرٍ من المكيين والكوفيي، وَقد قَرَأَهَا كثير من الْمَدَنِيين والشاميين والبصريين " وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ " على لفظ الْجمع وهما قراءتان مشهورتان قد استفاض نقلهما، وقرأت الْأَئِمَّة بهما وراثة عَن النَّبِي ﷺ ، ومعناهما يرجع إِلَى معنى واحدٍ لِأَن قَائِلا لَو قَالَ: مَا يتقلب فِيهِ فلَان من المَال وَالْولد وَالصِّحَّة والأمن وأنواع الْخَيْر وَجَمِيل السّتْر نعْمَة أسداها الله تَعَالَى إِلَيْهِ، أَو قَالَ هَذِه نعم من الله تَعَالَى تفضل بهَا عَلَيْهِ، لَكَانَ الْقَوْلَانِ صَحِيحَيْنِ، وَكَذَلِكَ تقَارب الْمَعْنى فِي قِرَاءَة من قَرَأَ: فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ " الرّوم: ٥٠ وَمن قَرَأَ: أثر رَحْمَة الله " وَقِرَاءَة من قَرَأَ: " بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خطيئته " الْبَقَرَة: ٨١ وخطيئاته وَقد قيل إِن معنى قَوْله خطيئته فِي هَذَا الْموضع الشّرك، وَقيل بل كَبَائِر ذنُوبه الَّتِي مَاتَ وَلم يتب مِنْهَا. وَرُوِيَ عَن عَبد اللَّه بْن كثير أَنه قَالَ فِي معنى قَوْله تَعَالَى: وأسبغ عَلَيْكُم نعْمَة " هِيَ شَهَادَة أَن لَا إِلَيْهِ إِلَّا الله فِي مَا زَعَمُوا، وَقيل بل هُوَ عَام شَامِل للنعم؛ وَمثل هَذَا فِي الْقُرْآن كثير. وَقيل إِن هَذَا مِمَّا يُنبئ الْوَاحِد مِنْهُ عَن جملَة جنسه، كَقَوْلِهِم: هَلَكت الشَّاة وَالْبَعِير، وَكثر الدِّرْهَم الدِّينَار فِي أَيدي النَّاس، وَقَالَ الله تَعَالَى ذكره: " وَالْعَصْرِ. إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خسرٍ " الْعَصْر: ١، ٢ أَرَادَ الْجِنْس دون اخْتِصَاص إِنْسَان واحدٍ، أَلا ترى أَنه اسْتثْنى مِنْهُ جمعا فَقَالَ: " إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ " الْعَصْر: ٣ وَهَذَا بَاب مستقصى فِي مَا رسمناه من عُلُوم الْقُرْآن.

стр. 477

وَصِيَّة أَبِي بكر ليزِيد بْن أَبِي سُفْيَان حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَن بْن دريدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِم عَنْ أبي عُبَيْدة قَالَ، قَالَ أَبُو بكرٍ ﵁ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَقَدْ بَعَثَهُ إِلَى الشَّامِ: ابْدَأْ بِالصَّلاةِ إِذَا حَلَّ لَكَ وَقْتُهَا وَلا تَشَاغَلْ عَنْهَا بِغَيْرِهَا، فَإِنَّ الإِمَامَ تَقْتَدِي بِهِ رَعِيَّتُهُ وَتَعْمَلُ بِعَمَلِهِ فِي نَفْسِهِ، وَإِذَا وَعَظْتَ فَأَوْجِزْ، وَلا تُكْثِرِ الْكَلامَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الْكَلامِ تُنْسِي بَعْضَهُ بَعْضًا، وَإِنَّمَا يُغْنِي مِنْهُ مَا وُعِيَ عَنْكَ. وَإِذَا اسْتَشَرْتَ فَاصْدُقِ الْحَدِيثَ تُصْدَقِ الْمَشُورَةَ، وَلا تَدَّخِرَنَّ عَنِ الْمُشِيرِ شَيْئًا فَتَكُونَ إِنَّمَا تُؤْتِي مِنْ نَفْسِكَ، وَلا تَلَجَّنْ فِي عقوبةٍ فَإِن أَدْنَاهَا وَجِيعٌ، وَلا تُسْرِعَنَّ إِلَيْهَا وَأَنْتَ مكتفٍ بِغَيْرِهَا، وَلا تَكْشِفِ النَّاسَ عَنْ أَسْرَارِهِمْ، وَاسْتَغْنِ بِعَلانِيَّتِهِمْ وَلا تَجَسَّسْ فِي عَسْكَرِكَ فَتَفْضَحَهُ، وَلا تُغْفِلْهُ فَتُفْسِدَهُ، وَلا تُقَاتِلَنَّ بِمَجْرُوحٍ فَإِنَّ بَعْضَهُ لَيْسَ مَعَهُ، واستشل النَّاس بالدينا فَإِنَّ ذَا النِّيَّةِ تَكْفِيكَ نِيَّتُهُ، وَمَنْ أَعْطَيْتَهُ شَيْئًا بشيءٍ فَفِ لَهُ، وَلا تَتَّخِذَنَّ حَشَمًا تَضَعُ عَنْهُمْ مَا تَحْمِلُهُ عَلَى غَيْرِهِمْ فَإِنَّ ذَلِكَ يُضْغِنُ النَّاسُ عَلَيْكَ وَيَسْتَحِلُّونَ بِهِ مَعْصِيَتَكَ. قَالَ القَاضِي: رَضِيَ اللَّهُ عَن أَبِي بكر فقد أبلغ فِي وَصيته، وَبَالغ فِي نصيحته، وَمن حفظ عَنْهُ مَا علمه، احتذى مَا أَشَارَ بِهِ ورسمه، كَانَ سالكًا محجة الرشاد، فِي الْمَعيشَة والمعاد، ونسأل الله التَّوْفِيق للسداد وَحسن الاستعداد. عَمْرو بْن معدي كرب الأكول الشجاج يغلبه ربيعَة بْن مكدم حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مَزْيَد الْخُزَاعِيّ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّبَيْر بْن بكار، قَالَ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بكرٍ الْمُؤَمَّلِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: دَخَلَ عَمْرو بن معد يكرب الزُّبَيْدِيُّ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَعِنْدَهُ الرَّبِيعُ بْنُ زيادٍ وَشَرِيكُ بْنُ الأَعْوَرِ الْحَارِثِيَّانِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ دَخَلْتُ عَلَى خَالِكَ أَبِي سُلَيْمَانَ يَعْنِي خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَأَتَى بثورٍ وقوسٍ وكعبٍ فَأَطْعَمَنِيهِ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَشُبْعَةً، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤمنِينَ لَك أولي؟ قَالَ: بَلْ لِي وَلَكَ، قَالَ كَلا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَقَدْ رَأَيْتنِي آكل الأَزْهَرِ: التِّبْنُ هُوَ الْقَدَحُ الْعَظِيمُ، وَالثَّوْرُ: الأَقْطُ، وَالْكَعْبُ الْقِطْعَةُ مِنَ التَّمْر رثيئةً وصريفاً. قَالَ الْقَاضِي: وَلَيْسَ فِي كِتَابِي عَنِ ابْنِ أَبِي الأزْهَرِ، تَفْسِيرُ الْقَوْسِ، وَهُوَ الْقِطْعَةُ مِنَ السَّمْنِ، وَقِيلَ إِنَّ هَذِهِ الأَسْمَاءَ الثَّلاثَةَ هِيَ القية الفضلة مِنَ الأَنْوَاعِ الَّتِي وَصَفْنَا. قَالَ: فَنَظَرَ عُمَرُ إِلَى الرَّبِيعِ بْنِ زِيَادٍ كَالْمُتَعَجِّبِ مِنْ قَوْلِهِ، فَقَالَ لَهُ الرَّبِيعُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ لَكَذَلِكَ، وَإِنَّ الْخَيْلَ لَتُتَّقَى ذُرَاهُ إِذَا كَانَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ وَانْتَعَلَتِ الْخَيْلُ الدِّمَاءَ؛ عَلَى أَنَّهُ قَدْ نَقَضَ الإِلَّ قَالَ ابْنُ أَبِي الأَزْهَرِ: الإِلُّ هُوَ الْعَهْدُ وَقطع أَو صرنا قَالَ ابْنُ أَبِي الأَزْهَرِ: الأَوَاصِرُ الأُصُولُ قَالَ عَمْرٌو: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ جَاوَرْتُ هَذَا الْحَيَّ مِنْ بَنِي

стр. 478

الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ عِشْرِينَ سَنَةً فَمَشَوْا إِلَى الضَّرَاءِ وَدَبُّوا إِلَى الْخَمَرِ. قَالَ الْقَاضِي: الضَّرَاءُ: مَا وَارَاكَ مِنْ شجرةٍ، وَالْخَمَرُ: مَا وَرَاك مِنْ شيءٍ، قَالَ زُهَيْرٌ فَمَهْلا آلَ عَبْدِ اللَّهِ عُدُّوا ... مَخَازِيَ لَا يُدَبُّ لَهَا الضَّرَاءُ وَقَالَ آخَرُ: أَلا يَا زَيْدُ وَالضَّحَّاكُ سِيرا ... فقد جَاوَزْتُما خَمْر الطّرِيقِ فَلَمَّا بَدَتْ لِي ضِبَابُ صُدُورِهِمْ وحسك قُلُوبهم أَو جرتهم أَمَرَّ مِنْ نَقِيعِ الْحَنْظَلِ. فَقَالَ شَرِيكُ بْنُ الأَعْوَرِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ هَذَا مَا أَعَجْزَنَا لِمَا أَخَذَتْهُ أَنْيَابُنَا وَكَلَمَتْهُ أَظْفَارُنَا، فَقَالَ عَمْرو: إِلَيْك يَا ابْن الأَعْوَرِ فَإِنِّي لَا أُغْمَزُ غَمْزَ التِّينِ وَلا يُقَعْقَعُ لِي بِالشِّنَانِ؛ فَلَمَّا خَشِيَ عُمَرُ أَنْ يَتَفَاقَمَ الأَمْرُ بَيْنَهُمْ وَيَخْرُجُوا إِلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا قَالَ: إِيهًا عَنْكُمُ الآنَ، وَأَقْبَلَ عَلَى عمروٍ فَقَالَ: يَا أَبَا ثَوْرٍ لَقَدْ حَدَّثْتَ عَنْ نَفْسِكَ بمأكلٍ ومشرب، وَلَقَد لَقِيتَ النَّاسَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالإِسْلامِ فَأَخْبِرْنِي هَلْ صَدَفْتَ عَنْ فَارِسٍ قَطُّ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ كُنْتُ أَكْرَهُ الْكَذِبَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا مُشْرِكٌ فَكَيْفَ إِذْ هَدَانِيَ اللَّهُ تَعَالَى لِلإِسْلامِ؟ لَقَدْ قُلْتُ ذَاتَ يومٍ لِخَيْلٍ مِنْ بَنِي ذُهْلٍ: هَلْ لَكُمْ فِي الْغَارَةِ؟ قَالُوا: عَلَى مَنْ؟ قُلْتُ: عَلَى بَنِي الْبَكَّاءِ، قَالُوا: مَغَارٌ بَعِيدٌ عَلَى شِدَّةِ كَلْبٍ وَقِلَّةِ سَلْبٍ، قُلْتُ: فَعَلَى مَنْ؟ قَالُوا: عَلَى هَذَا الْحَيِّ مِنْ كِنَانَةَ فَإِنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ رِجَالَهُمْ خُلُوفٌ. فَخَرَجْتُ فِي خَيْلٍ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى وادٍ مِنْ أَوْدِيَتِهِمْ فَدَفَعْتُ إِلَى قومٍ سراةٍ؛ قَالَ لَهُ عُمَرُ: وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهُمْ سَرَاةٌ؟ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى قبابٍ عظيمةٍ من أَدَم، وقدورٍ متأقةٍ وإبلٍ وَغَنَمٍ، فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا لعمري عَلامَة السرُور، قَالَ عَمْرٌو: فَانْتَهَيْنَا إِلَى أَعْظَمِهَا قُبَّةً فَأَكْشِفُهَا عَنْ جاريةٍ مِثْلِ الْمَهَاةِ، فَلَمَّا رَأَتْنِي ضَرَبَتْ يَدَهَا عَلَى صَدْرِهَا وَبَكَتْ، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكِ؟ قَالَتْ: مَا أَبْكِي عَلَى نَفْسِي وَلا عَلَى الْمَالِ، فَقُلْتُ: عَلَى أَيِّ شيءٍ تَبْكِينَ؟ قَالَتْ: عَلَى جوارٍ أترابٍ لِي قَدْ أَلِفْتُهُنَّ وَهُنَّ فِي هَذَا الْوَادِي، قَالَ: فَهَبَطْتُ الْوَادِي عَلَى فَرَسِي فَإِذَا أَنَا برجلٍ قاعدٍ يَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَإِلَى جَانِبِهِ سَيْفٌ مَوْضُوعٌ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ عَلِمْتُ أَنَّ الْجَارِيَةَ قد خدعتني وَمَا كرتني، فَلَمَّا رَآنِي الرَّجُلُ قَامَ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ، ثُمَّ عَلا رَابِيَةً، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى قِبَابِ قَوْمِهِ مَطْرُوحَةٍ حَمَلَ عَلَيَّ وَهُوَ يَقُولُ: قَدْ عَلِمْتُ إِذْ مَنَحَتْنِي فَاهَا ... وَلَحَفَتْنِي بَكْرَةَ رِدَاهَا أَنِّي سَأَحْمِي الْيَوْمَ مَنْ حَمَاهَا ... يَا لَيْتَ شِعْرِي مَا الَّذِي دَهَاهَا فَقُلْتُ مُجِيبًا لَهُ: عَمْرٌو عَلَى طُولِ السُّرَى دَهَاهَا ... بِالْخَيْلِ يُزْجِيهَا عَلَى وَجَاهَا حَتَّى إِذا جلّ بِهَا احْتَوَاهَا ثُمَّ حَمَلْتُ عَلَيْهِ وَأَنَا أَقُولُ: أَنَا ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَحْمُودُ الشِّيَمِ ... مُؤْتَمَنُ الْغَيْبِ وَفِيٌّ بِالذِّمَمِ

стр. 479

مِنْ خَيْرِ مَنْ يَمْشِي بساقٍ وَقَدَمِ قَالَ: فَحَمَلَ عَلَيَّ وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا ابْنُ ذِي الأَقْيَالِ أَقْيَالِ الْبُهَمْ ... مَنْ يَلْقَنِي يُودَ كَمَا أُودَتْ إِرَمْ أَتْرُكْهُ لَحْمًا عَلَى ظَهْرٍ وَضَمْ قَالَ: وَاخْتَلَفْنَا ضَرْبَتَيْنِ، فَأَضْرِبُهُ أَحْذَرَ مِنَ الْعَقْعَقِ، وَيَضْرِبُنِي أَثْقَفَ مِنَ الْهِرِّ، فَوَقَعَ سَيْفُهُ فِي قَرَبُوسِ سَرْجِي فَقَطَعَهُ، وَعَضَّ كَاثِبَةَ الْفَرَسِ، فَوَثَبْتُ عَلَى رِجْلِي قَائِمًا وَقُلْتُ: يَا هَذَا مَا كَانَ يَلْقَانِي مِنَ الْعَرَبِ إِلا ثَلاثَةٌ: الْحَارِثُ بْنُ ظَالِمٍ لِسِنِّهِ وَالتَّجْرِبَةِ، وَعَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ لِلشَّرَفِ وَالنَّجْدَةِ، وَرَبِيعَةُ بْنُ مُكَدَّمٍ لِلْحَيَاءِ وَالْبَأْسِ، فَمَنْ أَنْتَ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ؟ قَالَ: بَلْ مَنْ أَنْتَ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ؟ قُلْتُ: أَنَا عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ الزُّبَيْدِيُّ، قَالَ: وَأَنَا رَبِيعَةُ بْنُ مُكَدَّمٍ، قُلْتُ: اخْتَرْ مِنِّي إِحْدَى ثَلاثِ خِصَالٍ: إِمَّا أَنْ نَتَضَارَبَ بِسَيْفَيْنَا حَتَّى يَمُوتَ الأَعْجَزُ؛ وَإِمَّا أَنْ نَصْطَرِعَ فَأَيُّنَا صَرَعَ صَاحِبَهُ قَتَلَهُ، وَإِمَّا الْمُسَالَمَةَ، قَالَ: ذَاكَ إِلَيْكَ فَاخْتَرْ، قُلْتُ: إِنَّ بِقَوْمِكَ إِلَيْكَ حَاجَةً وَبِقَوْمِي إِلَيَّ حَاجَةً، وَالْمُسَالَمَةُ أَوْلَى وَخَيْرٌ لِلْجَمِيعِ. ثُمَّ أَخَذْتُ بِيَدِهِ فَأَتَيْتُ بِهِ أَصْحَابِي وَقُلْتُ لَهُمْ: خَلُّوا مَا بِأَيْدِيكُمْ قَالُوا: يَا أَبَا ثَوْرٍ غَنِيمَةٌ بَارِدَةٌ بِأَيْدِينَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَتْرُكَهَا؟ فَقُلْتُ لَهُمْ: لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ لَخَلَّيْتُمْ وَزِدْتُمْ، خَلُّوا وَسَلُونِي عَنْ فَرَسِي مَا فَعَلَ؛ قَالَ: فَتَرَكْنَا مَا بِأَيْدِينَا وَانْصَرَفْنَا رَاجِعِينَ. معنى الْغَنِيمَة الْبَارِدَة قَالَ القَاضِي: فِي قَوْله: غنيمَة بَارِدَة وَجْهَان: أَحدهمَا أَنَّهَا الْغَنِيمَة الَّتِي لم ينل غانمها حر السِّلَاح وحازوها سَالِمين ظَاهِرين موفورين غير مكلومين، وَقد يكون الْبرد فِي هَذَا القَوْل بِمَعْنى الطُّمَأْنِينَة والراحة كَمَا يُقَال: اللَّهُمَّ أذقنا برد عفوك، وَمِنْه برد الْيَقِين بِمَعْنى الطُّمَأْنِينَة والسكون، وَيَقُولُونَ برد الْمَيِّت أَي سكن. وَالْوَجْه الثَّانِي أَن الْغَنِيمَة الْبَارِدَة هِيَ المستقرة الْحَاصِلَة والمحوزة الثَّابِتَة من قَوْلهم: مَا برد بيَدي من هَذَا شَيْء، أَي مَا حصل وَلَا ثَبت، كَمَا قَالَ الراجز: الْيَوْم يَوْم بَارِد سمومه ... من عجز الْيَوْم فَلَا تلومه أَي ثَابت سمومه. وَقد أنشدنا مُحَمَّد بْن الْقَاسِم الْأَنْبَارِي: عافت الشّرْب فِي الشتَاء فَقُلْنَا ... برديه تصادفيه سخينا على وَجْهَيْن: برديه أَي أحبسيه وأقريه لينكسر برده، وَالْآخر بل رديه من الْورْد، فأدغم اللَّام فِي الرَّاء، وَهَذَا كثير فِي كَلَام الْعَرَب، والإظهار هَاهُنَا قَلِيل فِي السماع ضَعِيف فِي الْقيَاس، وَإِن كَانَ بَعضهم قد أظهر، وَقد رُوِيَ عَن حَفْص بْن سُلَيْمَان الْأَسدي عَن عَاصِم بْن أَبِي النجُود " بَلْ رَانَ " المطففين: ١٤ بالإظهار.

стр. 480

نصيحة وصيف وَتردد ابْن بلبل حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن بنان الْمنْقري قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس ابْن الْفُرَات، وَقد جرى ذكر إِسْمَاعِيل بْن بلبل وأيامه، فَقَالَ: كنت يَوْمًا بَين يَدَيْهِ وَقد ورد عَلَيْهِ خبر النَّاصِر ودخوله قرماسنين، فرأيته قد أَطَالَ الْفِكر ثُمَّ قَالَ لِأَحْمَد الْحَاجِب: وَجه إِلَى أبي عَليّ وصيف إِلَى مُوسَى ابْن أُخْت مُفْلِح، فَلم نَلْبَث أَن حضرا ثُمَّ قَالَ: وَجه إِلَى عَبد اللَّه بْن الْفَتْح، فَقَالَ لَهُ وصيف: أُرِيد أَن أَقُول شَيْئا قبل أَن توجه إِلَى عَبد اللَّه بْن الْفَتْح، فَقَالَ لَهُ وصيف: أُرِيد أَن أَقُول شَيْئا قبل أَن توجه إِلَى عَبد اللَّه بْن الْفَتْح، فَقَالَ: قل، فَكَأَنَّهُ كره أَن يَقُول بِسَبَب من حضر الْمجْلس، فَقَالَ أَبُو الصَّقْر: نحتاج أَن نخلو، وَلم يكن بالحضرة إِلَّا أَرْبَعَة أَنا خاسمهم: أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن خَالِد أَخُو أَبِي صَخْرَة، وَمَا شَاءَ الله الَّذِي كَانَ يكْتب للطائي وَإِسْمَاعِيل بْن ثَابت الزغل، وَابْن فراس وَقد كَانَ اسْتَكْتَبَهُ للعبدي، فقمنا، فَقَالَ: مَكَانك يَا أَحْمَد، فَجَلَست نَاحيَة وَبَين يَدي أَعمال أنظر فِيهَا، وَقَالَ لوصيف: قل، فَقَالَ لَهُ: إِن كنت توجه إِلَى عَبد اللَّه بْن الْفَتْح تشاوره فِي أمرٍ ورد عَلَيْك وتظن أَنه لَك مثل من حضر فَلَا تظن ذَاك، فَإِن عَبد اللَّه كَانَ بِمصْر يَقُول: لَيْسَ لي صَلَاة مَا دمت مَعَ ابْن طولون لِأَن النَّاصِر لَيْسَ براض عَنْهُ، وَهُوَ الْآن إِنَّمَا هُوَ مَعَك على أَن النَّاصِر يستنصحك ويرضى بك فِيمَا ولاك من أمره، فَإِن وقف على تدبيرٍ تدتبره على غير مَا يُوَافق النَّاصِر رأى أَن دمك حَلَال، فأفكر أَبُو الصَّقْر سَاعَة وَقَامُوا مَعَه فَدَخَلُوا مَجْلِسا وأسبلت الستور دونهم، وَمَعَهُمْ خَادِم لأبي الصَّقْر أسود يُقَال لَهُ صندل حسن الْفِكر؛ فَلَمَّا قدم النَّاصِر ونكب إِسْمَاعِيل وتخلصنا من النكبة واستخلفني أَبُو الْقَاسِم عُبَيْد اللَّهِ بْن سُلَيْمَان كَانَ الْخَادِم يجيئني كثيرا، فَسَأَلته عماجرى فِي تِلْكَ الْخلْوَة فَقَالَ لي: لَا تَلد النِّسَاء مثل وصيف الْخَادِم، وَلَا يرى فِي الدول مثله، قَالَ مولَايَ لَهما يعين يوصيفاً ومُوسَى: قد قرب هَذَا الرجل وَلم يبْق فِي بيُوت الْأَمْوَال شَيْء وَلَا وَالله مَا ورائي مَا أرضيه بِهِ، وَنحن فِي عدةٍ عظيمةٍ قد أنفقت الْأَمْوَال عَلَيْهَا لأدفع بهَا عَن نَفسِي، وَقد أفكرت فِي أَن أوجه وأقطع جسر النهروان وأوجه بِأَكْثَرَ الْجَيْش إِلَيْهِ مَعَ أَحْمَد بْن الْحسن المادرائي، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: الرَّأْي لسيدنا وَنحن بَين يَدَيْهِ فِي كل مَا نهضنا إِلَيْهِ، فَقَالَ لوصيفٍ: مَا تَقول يَا أَبَا عَليّ؟ فَقَالَ: أرى لَك رَأيا لَا يخلص لَك غَيره، أرى أَن تَأْخُذ ابْنه وَتَأْخُذ مَعَك من الْجَيْش من تعلم أَنه لَك نَاصح، وتقيد من تتهمه، وَتخرج فِي الْجُمْلَة الَّتِي تثق بهَا حَتَّى توافي الْمَدَائِن، فتأخذ الْمُعْتَمد وَأَوْلَاده وتخلفني بواسط وَتصير أَنْت إِلَى الصرة، والخليفة وَأَوْلَاده مَعَك، وَيكون أَبُو الْعَبَّاس وَمن قد قيدته مَعَك، فَإِن أهل الْبَصْرَة إِذا رَأَوْا الْخَلِيفَة حَارب دُونك رِجَالهمْ وخولهم وصبيانهم وَنِسَاؤُهُمْ، وَيكون مَا ل الأهواز وواسط وَالْبَصْرَة فِي يَديك، وتحدر مَعَك الشذاءات والحراقات والزلالات والطيارات، وتكاتب عَمْرو بْن اللَّيْث فَإِنَّهُ عدوه، فَإِن كفيت أمره بِهَذِهِ الْعلَّة الَّتِي يُقَال إِنَّه فِيهَا رجعت إِلَى بَغْدَاد

стр. 481

وَأَنت أعز النَّاس، وَإِن عَاشَ كنت مَعَ أَمِير الْمُؤمنِينَ وَإِمَام الْمُسلمين لم تخلع وَلم تحدث فِي أمره حَادِثَة تزيل إِمَامَته، ومعك ولي عهدٍ مقدم على أَخِيه وَلم تخرج من طاعةٍ، فَالنَّاس كلهم مَعَك، وقاتلناه أَشد قتال، ولعنته على المنابرن وَكَانَ ابْنه فِي يَديك وَأَنت مستظهر بِهِ وبابنه الآخر، وأولادك وحاشيتك مَعَك. وَإِذا نظر الْأَوْلِيَاء إِلَى جودك وبخله واستنقاذك خَليفَة مَظْلُوما وقيامك بنصرته ناصحوك وبذلوا مجهودهم لَك، وَإِن خَالَفت هَذَا فَأَنت وَالله مَأْخُوذ مقتول، وَأَنت أعلم. فَقَالَ لَهُ: القَوْل مَا قلت، وَهَذَا هُوَ التَّدْبِير، وَأَنا آخذ فِي هَذَا وأعمل بِهِ، وخرجا من عِنْده. فَبلغ وصيفًا أَن مولَايَ عرض دوابه وبغاله لاستقبال النَّاصِر، وَأَنه أنفذ كتابا إِلَى أَبِي بكر ابْن أُخْته، وَكَانَ مَعَ النَّاصِر، ليعرضه على النَّاصِر ليجد لَهُ موضعا فِي استقباله، وَورد الْكتاب بِدُخُول النَّاصِر حلوان، فَجَاءَهُ وصيف فَقَالَ: مَا عزم سيدنَا الْوَزير؟ قد كَاد مَا جرى أَن يفوت، فَقَالَ: اللَّيْلَة أنظر فِي هَذَا، فَقَالَ: فَإلَى أَن تنظر أتقدم أَنا إِلَى وَاسِط لأَكُون هُنَاكَ إِلَى أَن توافي، فَقَالَ: وَيحك، الرجل قد كتب إِلَى ابْن أُخْتِي أَنه لم يبْق فِيهِ من الرّوح مَا يدْخل بَغْدَاد، فَمَا معنى الانزعاج وتنبيه الْأَوْلِيَاء على الْمُطَالبَة بالشخوص؟ فَقَالَ: وَالله إِن دخل النَّاصِر بَغْدَاد فِي تابوتٍ ليخرجن الْمَحْبُوس من غير أَمرك، ليجتمعن النَّاس كلهم لَهُ، ولينقلبن عَنْك كل من اصطنعته، فَإِن كنت لَا تطيعني فِيمَا أَشرت بِهِ فَدَعْنِي حَتَّى أكبس الحسني كَأَنِّي قد عاصيتك، وَأخذ الْمَحْبُوس معي، وَأخذ الْمَحْبُوس معي، وآخذ الْخَلِيفَة من الْمَدَائِن معي كَأَنَّهُ عَن غير أَمرك، فَإِنَّهُ يتهيأ لَك إِن وَقعت على شيءٍ يُخَالف محبتك أَن تتخلص حَتَّى تلْحق بِي أَو تستتر إِلَى أَن تَجِد الفرصة بالتخلص، فَقَالَ لَهُ: إِلَى أَن يقفل ذَاك من حلوان رُبمَا ينجلي المر، فَقَالَ لَهُ: أما أَنا فَمَا أقيم سَاعَة أخرج من عنْدك وَأَنا بواسطٍ إِلَى أَن يأتيني أَمرك إِن بَقِي لَك أَمر، وودعه وَخرج، فَخَلا بِهِ المادرائي وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِمثل هَذَا فَلم يَفْعَله، وَدخل النَّاصِر، وَكَانَت الكائنة والجلاء الَّذِي لم ير مثله. رَأْي مُعَاوِيَة فِي مَا يستحسن من الشّعْر حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِم الْأَنْبَارِي قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ عَنْ أَشْيَاخِهِ قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ: أَرَاكَ تُعْجَبُ بِالشِّعْرِ، فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِيَّاكَ وَالنَّسِيبَ بِالنِّسَاءِ فَإِنَّكَ تَعُرُّ بِهِ الشَّرِيفَةَ وَتَرْمِي بِهِ الْعَفِيفَةَ وَتُقِرُّ عَلَى نَفْسِكَ بِالْفَضِيحَةِ، وَإِيَّاكَ وَالْهِجَاءَ فَإِنَّكَ تُحْنِقُ بِهِ كَرِيمًا وَتَسْتَثِيرُ بِهِ لَئِيمًا، وَإِيَّاكَ وَالْمَدْحَ فَإِنَّهُ كَسْبُ الْوَقَاحِ وَطُعْمَةُ السُّؤَالِ، وَلِكِنِ افْخَرْ بِمَفَاخِرِ قَوْمِكَ، وَقُلْ مِنَ الأَمْثَالِ مَا تُزِيِّنُ بِهِ نَفْسَكَ وَشِعْرَكَ وَتَوَدَّدُ بِهِ إِلَى غَيْرِكَ. وَيُقَالُ الشِّعْرُ أَدْنَى مُرُوءَةِ السَّرِيِّ وَأَفْضَلُ مُرُوءَةِ الدَّنِيِّ.

стр. 482

نصيب الشَّاعِر ورأيه فِي شعراء عصره أخبرنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن عَرَفَة الأَزْدِيّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يحيى، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْر، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد عَن مُحَمَّد بْن عَبد اللَّه عَن معاذٍ صَاحب الْهَرَوِيّ قَالَ: دخلت مَسْجِد الْكُوفَة فَرَأَيْت رجلا لم أر قطّ أنقى ثيابًا مِنْهُ ولَا أَشد سوادًا، فَقلت لَهُ: من أَنْت؟ فَقَالَ: أَنا نصيب، فَقلت: أَخْبرنِي عَنْك وَعَن أَصْحَابك، فَقَالَ: جميل إمامنا، وَعمر أوصفنا لربات الحجال، وَكثير أبكانا على الأطلال والدمن، وَقد قلت مَا سَمِعت، قلت: فَإِن النَّاس يَزْعمُونَ أَنَّك لَا تحسن أَن تهجو، قَالَ: فأقروا لي أَنِّي أحسن المديح؟ قلت: نعم، قَالَ: أفترى لَا أحسن أَن أجعَل مَكَان عافك الله أخزاك الله؟ قلت: بلَى، قَالَ: وَلَكِنِّي رَأَيْت النَّاس رجلَيْنِ: رجلا لم أسأله فَلَا يَنْبَغِي أَن أهجوه فأظلمه، ورجلا سَأَلته فَمَنَعَنِي فَكَانَت نَفسِي أَحَق بالهجاء إِذْ سَوَّلت لي أَن أطلب مِنْهُ. شَاعِر يسترفد مكديًا حَدثنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي قَالَ حَدَّثَنَا الْغلابِي قَالَ: قدم أَحْمَد أَو إِبْرَاهِيم بْن الْحسن بْن سهل الْبَصْرَة وَقد ولي شَيْئا من أَعمالهَا فَنزل طاحية، فَمضى إِلَيْهِ بعض شعراء الْبَصْرَة فامتدحه، فَوَقع إِلَيْهِ: شَاعِر يطْلب رفدًا ... من أخي شعرٍ مكدي إِن ذَا أعجب أمرٍ ... خَاضَ فِيهِ النَّاس بعدِي أَنا فِي أَخذ ثِيَاب الن؟ ... اس مذ كنت أسدي جلب الرّيح إلري؟ ... ح الَّذِي يطْلب رفدي قَالَ: فَأَرَدْت هجاءه فَلم أفعل، فلقيني يَوْمًا فَقَالَ لي: يَا هَذَا مازحناك فجددت فِي هجرنا، ثُمَّ قَالَ لغلامه: لَا تُفَارِقهُ، فَمضى بِي مَعَه فأقمت عِنْده يومي ووهب لي خَمْسمِائَة درهمٍ وَقَالَ: لَا تقطعني، فَكنت أمضي إِلَيْهِ، فَلَمَّا أَرَادَ الْخُرُوج من الْبَصْرَة أَمر لي بِجَمِيعِ مَا بقاه فِي الدَّار مِمَّا لم يحملهُ مَعَه، فَبِعْته بِمِائَة دِينَار، قَالَ أَبُو عبد لله: لَا أَدْرِي من حَدَّثَنِي بِهَذَا الجماز أَو الحمدوي أوغيرهما. ضروب من الْقبْح حَدثنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن زيادٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يحيى ثَعْلَب، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَالِيَة، قَالَ سَمِعت الْمَأْمُون يَقُول: مَا أقبح اللجاجة بالسلطان، وأقبح وَالله من ذَلِك الضجر من الْقُضَاة قبل التفهم، وأقبح مِنْهُ سخافة الْفُقَهَاء بِالدّينِ، وأقبح مِنْهُ الْبُخْل بالأغنياء والمزاح بالشيوخ والكسل بالشباب والجبن بالمقاتل. لَا تغرق فِي شَتمنَا حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن جَعْفَر قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن شَاكر قَالَ حَدَّثَنَا ابْن إِسْحَاق بْن

стр. 483

إِسْمَاعِيل الطَّالقَانِي قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن عُيَيْنَة قَالَ: كَانَ بَين عمر بْن ذَر وَبَين رجلٍ يُقَال لَهُ ابْن عَيَّاش شَحْنَاء، وَكَانَ يبلغ عمر بْن ذرٍ أَن ابْن عياشٍ يتَكَلَّم فِيهِ، قَالَ: فَخرج عمر ذَات يَوْم فلقي ابْن عَيَّاش فَوقف مَعَه، فَقَالَ لَهُ: لَا تغرق فِي شَتمنَا ودع للصلح موضعا فَإنَّا لَا نكافئ أحدا عصى الله تَعَالَى فِينَا بِأَكْثَرَ من أَن نطيع الله تَعَالَى فِيهِ. لَا تدع على أَخِيك حَدَّثَنَا ابْن الْمُنَادِي قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَر الصَّائِغ أَيْضا قَالَ حَدَّثَنَا الْحسن بْن بشر، قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن عَيَّاش عَن عبد الْعَزِيز بِهن عُبَيْد اللَّهِ قَالَ: سمع مُسلم بْن يسَار رجلا يَدْعُو على أخٍ لَهُ من أجل أَنه ظلمه، فَقَالَ لَهُ مُسلم: يَا أخي لَا تدع على أَخِيك وَلَا تقطع رَحمَه، وَكله إِلَى الله فَإِن خطيئته أَشد لَهُ طلبا من أعدى عَدو لَهُ. كَبْش من افريقية حَدثنَا عَبدِي اللَّهِ بْن مُسلم الْعَبْدي قَالَ حَدَّثَنَا الْغلابِي، قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن حبيب القَاضِي الْغلابِي قَالَ: رَأَيْت فِي دَار مُحَمَّد بْن زبيدة كَبْشًا قدم بِهِ من إفريقية أسود فِيهِ حلق مَكْتُوب ببياض: لَا إِلَه إِلَّا الله وَفِي الشق الآخر مُحَمَّد رَسُول الله. انْتقل من جوَار ابْن طَاهِر حَدثنَا أَحْمَد بْن أَبِي سهلٍ بْن عَاصِم الْحلْوانِي، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحسن عَليّ بْن هَارُون بْن عَليّ بْن يحيى بْن أَبِي مَنْصُور قَالَ: كَانَ أَبِي نازلا فِي جوَار عُبَيْد اللَّهِ بْن عَبْد اللَّه بْن طَاهِر فانتقل عَنْهُ إِلَى دارٍ ابتاعها بنهر الْمهْدي وَهِي دَار إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي، فَكتب إِلَيْهِ عُبَيْد اللَّهِ مستوحشًا: يَا من تحول عَنَّا وَهُوَ يألفنا ... بَعدت جدا فلأيا صرت تلقانا فَاعْلَم بأنك إِذْ بدلت جيرتنا ... بدلت دَارا وَمَا بدلت إخْوَانًا فَأَجَابَهُ هَارُون بْن عَليّ: بَعدت عَنْكُم بداري دون خالصتي ... ومحض ودي وعهدي كَالَّذي كَانَا وَمَا تبدلت مذ فَارَقت قربكم ... إِلَّا همومًا أعانيها وأحزانا وَهل يسر بسكنى دَاره أحد ... وَلَيْسَ أحبابه للدَّار جيرانا غزل لهارون الرشيد حَدثنَا عمر بْن أَحْمَد بْن عَليّ الْمروزِي الْجَوْهَرِي إملاء من حفظه سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثلاثمائة قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد النَّيْسَابُورِي أَن هَذِه الأبيات كتبهَا هَارُون الرشيد إِلَى جاريةٍ لَهُ كَانَ يُحِبهَا وَكَانَت تبْغضهُ: إِن الَّتِي عذبت نَفسِي بِمَا قدرت ... كل الْعَذَاب فَمَا أبقت وَلَا تركت مازحتها فَبَكَتْ واستعبرت جزعًا ... عني فَلَمَّا رأتني باكيًا ضحِكت فعدت أضْحك مَسْرُورا بضحكتها ... حَتَّى إِذا مَا رأتني ضَاحِكا فَبَكَتْ تبغي خلافي كَمَا خبت براكبها ... يَوْمًا قلُوص فَلَمَّا حثها بَركت أَو لَعَلَّه لِابْنِ إِيَاس حَدثنَا جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن نصير الخَوّاص، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس ابْن مَسْرُوق، قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَحْمَد أَبُو الْحسن الْمَدَائِنِي، قَالَ حَدَّثَنِي عَبد اللَّه بْن يحيى بْن فرقد مولى الْمهْدي قَالَ: اشْترى مُحَمَّد بْن إِيَاس جَارِيَة مغنية فهويها وَكَانَ مستهترًا بحبها وعشقها فَأَعْرَضت بوجهها عَنْهُ يَوْمًا، فلقيني وَهُوَ كئيب حَزِين، فَقلت: مَا شَأْنك؟ فَأَنْشَأَ يَقُول: أَلَيْسَ من عجب بل زادني عجبا ... مَمْلُوكَة ملكت من بعد مَا ملكت هِيَ الَّتِي عذبتني فِي مودتها ... كل الْعَذَاب فَمَا أبقت وَلَا تركت أَو لشاعر آخر أنشدنا بعقوب بْن مُحَمَّد بْن صَالح الكريزي قَالَ أنشدنا عبد الْجَلِيل بْن الْحسن لذؤيب: هِيَ الَّتِي عذبتني فِي مودتها ... كل الْعَذَاب فَمَا أبقت وَلَا تركت عاتبتها فَبَكَتْ واستعبرت أسفا ... عني فَلَمَّا رأتني باكيًا ضحِكت

стр. 484

فظلت أضْحك مَسْرُورا لضحكها ... فاستعبرت إِذْ رأتني ضَاحِكا فَبَكَتْ تبغي خلافي كَمَا خبت براكبها ... يَوْمًا قلُوص فَلَمَّا حثها بَركت كَأَنَّهَا درة قد كنت أذخرها ... ليَوْم عسرٍ فَلَمَّا رمتها هَلَكت الْمجْلس السَّادِس وَالسِّتُّونَ يذهب إِلَى دمشق ليسمع حَدِيثا من أَبِي الدَّرْدَاء أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا قِرَاءَةً عَلَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْن إِسْمَاعِيل الْمحَامِلِي، قَالَ حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خِدَاشٍ، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ عَنْ قَيْسِ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ: قَدِمَ رَجُلٌ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى أبي بالدرداء وَهُوَ بِدِمَشْقَ، فَقَالَ: مَا أَقْدَمَكَ يَا أَخِي؟ قَالَ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: أَمَا جِئْتَ لحاجةٍ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: مَا قَدِمْتَ لتجارةٍ؟ قَالَ: مَا جِئْتُ إِلا فِي طَلَبِ هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعت رَسُول ﷺ يَقُولُ: مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي بِهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا إِرْضَاءً لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا وَإِنَّمَا أروثوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظٍّ وافرٍ. قَالَ الْقَاضِي: هَذَا خَبَرٌ قَدْ كَتَبْنَاهُ عَنْ عددٍ مِنَ الشُّيُوخِ، وَرُوِّينَا فِي مَعْنَاهُ عَنِ النَّبيّ ﷺ وَأَئِمَّةِ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. وَاسْتِقْصَاءِ الْقَوْلِ فِي شَرَفِ الْعِلْمِ وَفَضْلِهِ، وَارْتِفَاعِ

стр. 485

مَنْزِلَتِهِ، وَعُلُوِّ شَأْنِ اقْتِبَاسِهِ وَحَمْلِهِ، وَجَلالَةِ الْقَائِمِينَ بِرِوَايَتِهِ وَنَقْلِهِ، مِمَّا يُصْعِبُ وَيُبْعِدُ وَيُتْعِبُ الْمُتَعَاطِي لَهُ وَلا يَتَيَسَّرُ، وَنَحْنُ نَأْتِي بِالشَّيْءِ بَعْدَ الشَّيْءِ فِي الْمَجْلِسِ بَعْدَ الْمَجْلِسِ فَيَسْهُلُ مَوْرِدُهُ، وَيَعْظُمُ عَلَى النَّاظِرِ فِيهِ الانْتِفَاعُ بِهِ، وَبِاللَّهِ نَسْتَعِينُ فَإِنَّهُ خَيْرُ مُعِينٍ. الْخَلِيل يرى أَن الرِّجَال أَرْبَعَة حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دريدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو مَعْمَر عَنْ أَبِيه قَالَ حَدَّثَنَا النَّضر بْن شُمَيْل قَالَ، سمعتُ الْخَلِيل بْن أَحْمَد يَقُول: الرِّجَال أَرْبَعَة: رجل يدْرِي وَلَا يدْرِي أَنه يدْرِي فَذَاك غافل فنبهوه، وَرجل لَا يدْرِي ويدري أَنه لَا يدْرِي فَذَاك جَاهِل فعلموه، وَرجل يدْرِي ويدري أَنه يدْرِي فَذَاك عَاقل فَاتَّبعُوهُ، وَرجل لَا يدْرِي أَنه لَا يدْرِي فَذَاك مائق فَاحْذَرُوهُ. وأنشدت فِي بعض مَا يشْتَمل بعض الْحِكَايَة عَلَيْهِ: مَا زلت فِي تيه الظلام أجري ... حَتَّى دَريت أنني لَا أَدْرِي بَين الطاهري وَبَعض أهل الْأَدَب حَدثنَا الحسني بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحسن عَليّ بْن عصمَة الْأَوَانِي الشهراباني الشَّاعِر قَالَ حَدَّثَنِي بعض الْمَشَايِخ من أهل الْأَدَب قَالَ: كنت مُقيما بِالريِّ فدعاني ذَات يَوْم مُحَمَّد بْن عَليّ الطاهري، فَلَمَّا اسْتَوَى مجلسي عِنْده قَالَ لي: قد خطرت ببالي أَشْيَاء أَنا سَائِلك عَنْهَا فَقل فِيهَا بِمَا حضرك، قلت: يسْأَل الْأَمِير وأسمع، قَالَ: مَا أطيب الطَّعَام؟ قلت: طَعَام لَقِي جوعا ومطعم وَافق شَهْوَة، قَالَ: فَمَا ألذ الشَّرَاب؟ قلت: شربة ماءٍ باردٍ تبرد غليلك أَو كأس رَاح تعاطيها خَلِيلك، قَالَ: فَمَا أمتع الْغناء؟ قلت: أوتار أَرْبَعَة، وَجَارِيَة متربعة، غنَاؤُهَا مُصِيب، وضربها عَجِيب، قَالَ: فَمَا أذكى الطّيب؟ قلت: ريح بدن تحبه، أَو ولدٍ تربه، قَالَ: فَمَا أشهى النِّسَاء؟ قلت الَّتِي تخرج من عِنْدهَا كَارِهًا، وَترجع إِلَيْهَا والهًا، قَالَ: فَمَا أفره الْخَيل؟ قلت: الأسوق الْأَعْنَق الَّذِي إِذا طلب لم يسْبق، وَإِذا طلب لم يلْحق، إِذا صَهل أطربك، وَإِذا رَأَيْته أعْجبك، قَالَ: أَحْسَنت يَا غُلَام أعْطه مائَة دِينَار قلت: أعز الله الْأَمِير وَأَيْنَ تقع مني مائَة دِينَار؟ فَقَالَ لقد زِدْت نَفسك مائَة دِينَار قلت: أولست كَذَا؟ قَالَ الْأَمِير قَالَ: لَا، وَلَا كني أحقق ظَنك، يَا غُلَام أعْطه مِائَتي دِينَار. إهانة الْحجَّاج لأنس وَمَا نجم عَنْهَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْن القَاسِم الأنبَاريّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عبيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّد بْن السّائب الْكَلْبِيّ عَنْ عَوَانَةَ بْنِ الْحَكَمِ الْكَلْبِيِّ قَالَ: دَخَلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ سَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ إِيهًا يَا أُنَيْسُ، يَوْمٌ لَكَ مَعَ عَلِيٍّ، وَيَوْمٌ لَكَ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَيَوْمٌ لَكَ مَعَ ابْنِ الأَشْعَثِ، وَاللَّهِ لأَسْتَأْصِلَنَّكَ كَمَا تُسْتَأْصَلُ الشَّأْفَةُ، وَلأَقْلَعَنَّكَ كَمَا تُقْلَعُ الصَّمْغَةُ، فَقَالَ أَنَسٌ: إِيَّايَ يَعْنِي الأَمِيرُ أَصْلَحَهُ اللَّهُ؟ فَقَالَ: إِيَّاكَ سَكَّ اللَّهُ سَمْعَكَ، قَالَ أَنَسٌ: إنّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون، وَاللَّهِ لَوْلا الصِّبْيَةُ الصِّغَارُ مَا

стр. 486

بَالَيْتُ أَيَّ قتلةٍ قُتِلْتُ وَلا أَيَّ ميتةٍ مِتُّ. ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدَ الْحَجَّاجِ فَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ، فَلَمَّا قَرَأَ عَبْدُ الْمَلِكِ كِتَابَ أَنَسٍ اسْتَشَاطَ غَضَبًا وَصَفَّقَ عَجَبًا، وَتَعَاظَمَهُ ذَلِكَ مِنَ الْحَجَّاجِ. وَكَانَ كِتَابُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْحَجَّاجَ قَالَ لِي هَجْرًا، وَأَسْمَعَنِي نُكْرًا، وَلَمْ أَكُنْ لِذَلِكَ أَهْلا، فَخُذْ لِي عَلَى يَدَيْهِ فَإِنِّي أَمُتُّ بِخِدْمَتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَصُحْبَتِي إِيَّاهُ، وَالسَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. فَبَعَثَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ، وَكَانَ مُصَادِقًا لِلْحَجَّاجِ، فَقَالَ لَهُ: دُونَكَ كِتَابِي هَذَيْنِ فَخُذْهُمَا وَارْكَبِ الْبَرِيدَ إِلَى الْعِرَاقِ، فَابْدَأْ بِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَادْفَعْ كِتَابَهُ إِلَيْهِ وَأَبْلِغْهُ مِنِّي السَّلامَ وَقُلْ لَهُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ قَدْ كَتَبْتُ إِلَى الْحَجَّاجِ الْمَلْعُونِ كِتَابًا إِذَا قَرَأَهُ كَانَ أَطْوَعَ لَكَ مِنْ أَمَتِكَ. وَكَانَ كِتَابُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ خَادِمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ قَرَأْتُ كِتَابَكَ وَفَهِمْتُ مَا ذَكَرْتَ مِنْ شَكَاتِكَ لِلْحَجَّاجِ، وَمَا سَلَّطْتُهُ عَلَيْكَ وَلا أَمَرْتُهُ بِالإِسَاءَةِ إِلَيْكَ، فَإِنْ عَادَ لِمِثْلِهَا فَاكْتُبْ إِلَيَّ بِذَلِكَ أُنْزِلْ بِهِ عُقُوبَتِي، وَتَحْسُنْ لَكَ مَعُونَتِي، وَالسَّلامُ، فَلَمَّا قَرَأَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ كِتَابَهُ وَأُخْبِرَ بِرِسَالَتِهِ قَالَ: جَزَى اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنِّي خَيْرًا وَعَافَاهُ وَكَافَأَهُ عَنِّي بِالْجَنَّةِ، فَهَذَا كَانَ ظَنِّي بِهِ وَالرَّجَاءَ مِنْهُ. فَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ لأَنَسٍ: يَا أَبَا حَمْزَةَ إِنَّ الْحَجَّاجَ عَامِلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَيْسَ بِكَ عَنْهُ غِنًى وَلا بِأَهْلِ بَيْتِكَ، وَلَوْ جُعِلَ لَكَ فِي جامعةٍ ثُمَّ دُفِعَ إِلَيْكَ لِقَدَرٍ أَنْ يَضُرَّ وَيَنْفَعَ، فَقَارِبْهُ وَدَارَهُ، فَقَالَ أَنَسٌ: أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ خَرَجَ إِسْمَاعِيلُ مِنْ عِنْدِهِ فَدَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ، فَلَمَّا رَآهُ الْحَجَّاجُ قَالَ: مَرْحَبًا برجلٍ أُحِبُّهُ وَكُنْتُ أحبلقاءه، فَقَالَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ: وَأَنَا وَاللَّهِ كُنْتُ أُحِبُّ لِقَاءَكَ فِي غَيْرِ مَا أَتَيْتُكَ بِهِ، قَالَ: وَمَا أَتَيْتَنِي بِهِ؟ قَالَ: فَارَقْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ أَشَدُّ النَّاسِ عَلَيْكَ غَضَبًا وَمِنْكَ بُعْدًا، قَالَ: فَاسْتَوَى الْحَجَّاجُ جَالِسًا مَرْعُوبًا فَرَمَى إِلَيْهِ إِسْمَاعِيلُ بِالطُّومَارِ، فَجَعَلَ الْحَجَّاجُ يَنْظُرُ فِيهِ مَرَّةً وَيَعْرِقُ وَيَنْظُرُ إِلَى إِسْمَاعِيلَ أُخْرَى، فَلَمَّا نَفَضَهُ قَالَ: قُمْ بِنَا إِلَى أَبِي حَمْزَةَ نَعْتَذِرُ إِلَيْهِ وَنَتَرَضَّاهُ، فَقَالَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ: لَا تَعْجَلْ، قَالَ: كَيْفَ لَا أَعْجَلُ وَقَدْ أَتَيْتَنِي بآبدةٍ؟ وَكَانَ فِي الطُّومَارِ: إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكَ عَبْدٌ طَمَتْ بِكَ الأُمُورُ فَسَمَوْتَ فِيهَا وَعَدَوْتَ طَوْرَكَ، وَجَاوَزْتَ قَدْرَكَ، وَرَكِبْتَ دَاهِيَةً إِدًّا، وَأَرَدْتَ أَنْ تَبُورَنِي، فَإِنْ سَوَّغْتَكَهَا مَضَيْتَ قُدُمًا، وَإِن لم أسوغها رَجَعْتَ الْقَهْقَرَى، فَلَعَنَكَ اللَّهُ عَبْدًا أَخْفَشَ الْعَيْنَيْنِ مَنْقُوصَ الْجَاعِرَتَيْنِ، أَنَسِيتَ كاسب آبَائِكَ بِالطَّائِفِ وَحَفْرَهُمُ الآبَارِ وَنَقْلَهُمُ الصُّخُورِ عَلَى ظُهُورِهِمْ فِي الْمَنَاهِلِ يَا ابْن المستفرمة بعجم الزَّبِيب؟! وَاللَّهِ لأَغْمِزَنَّكَ غَمْزَ اللَّيْثِ الثَّعْلَبِ وَالصَّقْرِ الأَرْنَبِ، وَثَبْتَ عَلَى

стр. 487

رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَلَمْ تَقْبَلْ لَهُ إِحْسَانَهُ وَلم تجَاوز لَهُ إساءته، جرْأَة مِنْكَ عَلَى الرَّبِّ ، وَاسْتِخْفَافًا مِنْكَ بِالْعَهْدِ، وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى رَأَتْ رَجُلا خَدَمَ عُزَيْرِ بْنِ عَزْرَةَ وَعِيسَى بن مَرْيَمَ لَعَظَّمَتْهُ وَشَرَّفَتْهُ وَأَكْرَمَتْهُ، فَكَيْفَ وَهَذَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ خَادِمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَدَمَهُ ثَمَانِي سِنِينَ يُطْلِعُهُ عَلَى سِرِّهِ وَيُشَاوِرُهُ فِي أَمْرِهِ، ثُمَّ هُوَ مَعَ هَذَا بَقِيَّةٌ مِنْ بَقَايَا أَصْحَابِهِ، فَإِذَا قَرَأْتَ كِتَابِي هَذَا فَكُنْ أَطْوَعَ لَهُ مِنْ خُفِّهِ وَنَعْلِهِ، وَإِلا أَتَاكَ مِنِّي سَهْمٌ مُثْكِلٌ بحتفٍ قاضٍ وَ " لِكُلِّ نبأٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تعلمُونَ " الْأَنْعَام:٦٧. تَفْسِير بعض المفرادات قَالَ القَاضِي: قَول الْحجَّاج: سك الله سَمعك يُقَال: استكت الأذنان واصطكت الركبتان. وَقَوله للحجاج: يَا ابْن المستفرمة بعجم الزَّبِيب كَانَت الْمَرْأَة تسْتَعْمل عجم الزَّبِيب لتضيق قبلهَا فِي مَا ذكر بعض أهل الْعلم وَهُوَ حبه، والنوى كُله يُقَال لَهُ عجم واحدته عجمة، قَالَ الْأَعْشَى: مقادك بِالْخَيْلِ أَرض الْعَدو ... وجذعانها كلقيط الْعَجم قيل: صَارَت من صلابتها مثل النَّوَى. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: عجم عجمًا أَي ليك لِأَنَّهُ نوى الْفَم فَهُوَ أَصْلَب لَيْسَ بنوى خل وَلَا نبيذٍ فَهُوَ أَصْلَب وأملس، وَإِنَّمَا أرارد صلابتها وضمرها، ولقيط أَرَادَ ملقوط مثل جريح ومجروح، ويروى كلفيظ الْعَجم أَي ملفوظ ملقى. بَين دعبل وَالْمطلب الْخُزَاعِيّ حَدثنَا مُحَمَّد بن الصولي قَالَ حَدَّثَنِي عون بْن مُحَمَّد قَالَ لما هجا دعبل الْمطلب بْن عَبْد اللَّه بْن مَالك الْخُزَاعِيّ فَقَالَ: اضْرِب ندى طَلْحَة الطلحات متئدا ... ببخل مطلبٍ فِينَا وَكن حكما تخرج خُزَاعَة من لؤمٍ وَمن كرمٍ ... فَلَا تعد لَهَا لؤمًا وَلَا كرما ويروى تسلم خُزَاعَة. فَدَعَاهُ بعد ذَلِك الْمطلب، فَلَمَّا دخل إِلَيْهِ قَالَ: وَالله لأَقْتُلَنك لهجائك لي، فَقَالَ: لَهُ فأشبعني إِذن وَلَا تقتلني جائعًا، فَقَالَ: قبحك الله هَذَا أهجى من الأول، ثُمَّ وَصله فَحلف أَنه يمدحه مَا عَاشَ، فَقَالَ فِيهِ: سَالَتْ الندى لَا عدمت الندى ... وَقد كَانَ منا زَمَانا غرب فَقلت لَهُ طَال عهد اللِّقَاء ... فَهَل غبت بِاللَّه أم لم تغب فَقَالَ بلَى لم أزل غَائِبا ... وَلَكِن قدمت مَعَ الْمطلب قَالَ القَاضِي: فِي هَذَا الْخَبَر مَا دلّ على دهاء دعبل ولطف حيلته وأنبأ عَن ذكاء الْمطلب ودقة فطنته. وَقد روى مثل هَذَا عَن معن بْن زَائِدَة وَأتي بجماعةٍ قد عاثوا فِي عمله فَأمر بِقَتْلِهِم، فَقَالَ لَهُ أحدهم: أُعِيذك بِاللَّه أَن تَقْتُلنَا عطاشا فَأمر بإحضار ماءٍ يسقونهم، فأحضر، فَلَمَّا شربوا قَالَ: أَيهَا الْأَمِير لَا تقتل أضيافك، فَقَالَ: أولى لَك، وَأمر بتخليتهم.

стр. 488

حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي قَالَ حَدَّثَنَا عون قَالَ: أَنْشدني دعبل لنَفسِهِ يرثي الْمطلب: مَاتَ الثَّلَاثَة لما مَاتَ مطلب ... مَاتَ الْحيَاء وَمَات الرغب والرهب لله أَرْبَعَة قد ضمهَا كفن ... أضحى يعزى بهَا الْإِسْلَام وَالْعرب يَا يَوْم مطلب أصحبت أَعيننَا ... دمعًا يَدُوم لَهَا مَا دَامَت الحقب هذي خدود بني قحطان قد لصقت ... بالترب مُنْذُ اسْتَوَى من فَوْقك الترب جمع فعلة قَالَ القَاضِي: قَول دعبل فِي شعره فِي الْخَبَر الْمُتَقَدّم: اضْرِب ندى طَلْحَة الطلحات أسكن اللَّام فِي قَوْله الطلحات للضَّرُورَة وحقها التحريك، وَالْعرب تَقول طَلْحَة الطلحات، وَحَمْزَة وحمزات، وَتَمْرَة وتمرات، وجمرة وجمرات، وَمثله الرَّكْعَات والسجدات بِفَتْح عين الْفِعْل من فعلات فِي الْأَسْمَاء من هَذَا الْبَاب، مالم تكن الْعين واوا أَو يَاء أَو ألفا. وَقد أسكن الراجز الْعين من الِاسْم فِي الْبَاب الَّذِي وصفت فَقَالَ: عل صروف الدَّهْر أَو دولاتها ... تديلنا اللمة من لماتها فتستريح النَّفس من زفراتها هَكَذَا رُوِيَ عل صروف بِالْجَرِّ وَله عِلّة مُخْتَلف فِيهَا، فَمن النَّاس من زعم أَن إِحْدَى لامي عل الَّتِي فِي معنى لَعَلَّ حذفت وَأَن اللَّام الَّتِي فِي الظّرْف هِيَ اللَّام الخافضة فَفَتحهَا لُغَة، وَأكْثر أهل الْعلم يُنكرُونَ هَذَا التَّأْوِيل ويذهبون إِلَى أَن خفض مَا يَلِي لَعَلَّ لُغَة من لُغَات الْعَرَب. وَمَا كَانَ من الْأَسْمَاء فِي هَذَا الْبَاب عينه مدغمةً فِي لامه لتجانسهما مثل حبةٍ وحبات وعمة وعمات فَإِنَّهُ سَاكن، وَكَذَلِكَ الْألف مثل دارةٍ ودارات، وَتارَة وتاراتٍ، وبابةٍ وباباتٍ، لِأَن الْألف لَا تكون إِلَّا سَاكِنة، وَمَتى مَا ريم تحريكها انقلبت عَن جِنْسهَا إِلَى الْهمزَة. فَأَما الْوَاو وَالْيَاء كجوزةٍ ولوزةٍ وعورةًٍ وغيبةٍ وبيضةٍ وربطةٍ، فالمستفيض من لُغَة الْعَرَب فِيهِ الإسكان للتَّخْفِيف وَلِئَلَّا يلْزم الْقلب فِيهِ الْوَاو ولاياء لتحركهما وانفتاح مَا قبلهمَا وَيَقَع الالتباس، فَتكون عارة فِي عَورَة بِمَنْزِلَة دارةٍ، وهذيل بْن مدركة يحركون فَيَقُولُونَ عورات وبيضات. قَالَ الله تَعَالَى ذكره: " ثَلاثُ عوراتٍ لَكُمْ " النُّور: ٥٨ فَهَذِهِ الْقِرَاءَة السائرة بِنَقْل الْعَامَّة والخاصة، وَقد قَرَأَ بَعضهم عورات بِالتَّحْرِيكِ، وَهَذِه قِرَاءَة شَاذَّة. وَأما فعلات إِذا كَانَت نعتًا فبابها التسكين تَخْفِيفًا مثل: ضخمةٍ وضخمات، وعبلةٍ وعبلاتٍ، وكما شَذَّ فِي الْأَسْمَاء قَول الراجز زفراتها على مَا قدمنَا ذكره، فقد شَذَّ فِي الْقيَاس واطرد فِي الِاسْتِعْمَال قَوْلهم: ربعات فِي جمع رجل ربعَة وَامْرَأَة ربعةٍ. وَقد زعم جمَاعَة من النُّحَاة أَن مِمَّا شَذَّ أَيْضا فِي هَذَا الْموضع قَوْلهم شَاة لجبة وشياه لجبات، وَهِي

стр. 489

القليلة اللَّبن. وَأرى أَنه قيل على التفاؤل بالغزر كَمَا قيل للعطشان ناهل، وللضرير بَصِير، وللديغ سليم، فِي قَول كثير مِنْهُم. أَلا ترى إِلَى قَول الشَّاعِر: فِي جحفل لجب وَقد حُكيَ شَاة لجبة بِالْفَتْح، وَحكى الْكسَائي عَن الْعَرَب فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ لجبة ولجبة، فعلى هذَيْن الْوَجْهَيْنِ يكون لجبات جَارِيا على أَصله وَقِيَاسه وَغير خَارج عَن بَابه. وَأما قَوْلهم لقبيلة من قُرَيْش العبلات فَإِنَّهُ تقرر فِي أَصله اسْما وَخرج أَن يكون صفة ونعتًا. قَالَ الشَّاعِر فِي لُغَة هُذَيْل الَّتِي قدمنَا ذكرهَا: أَبُو بيضاتٍ رائح متأوب ... رَفِيق بمسح الْمَنْكِبَيْنِ سبوح وَقد اخْتلف أهل الْعلم بِالْعَرَبِيَّةِ فِي عِلّة تَحْرِيك عين فعلات بِحَيْثُ وَصفنَا وفعلة مِنْهُ سَاكِنة الْعين، فَقَالَ أَكْثَرهم: فعل هَذَا ليفرق بَين الْأَسْمَاء فِي هَذَا الْبَاب وَبَين النعوت، وَكَانَت الْأَسْمَاء لخفتها أحمل للحركة والنعوت أولى بالتسكين لثقلها وَأَنَّهَا تَأتي ثَانِيَة بعد الْأَسْمَاء. وَقَالَ بَعضهم: فعلات فِي هَذ١ الْبَاب فِيهَا تاءان فِي الأَصْل وَالتَّقْدِير، وإحداهما هَاء تنْقَلب فِي الْوَقْف تَاء كَقَوْلِك جَفْنَة وَكَانَ التَّقْدِير فِي جمعهَا جفنتات لِأَن التَّاء الأولى لَازِمَة فِي الْوَاحِدَة وَالتَّاء الثَّانِيَة أَتَت للْجمع، فاكتفي بِإِحْدَاهُمَا جعلت حَرَكَة الْعين عوضا مِمَّا حذف، وَكَانَت الْأَسْمَاء أَحَق بِهَذَا لسعتها وخفتها، وَلم يُؤْت بهَا فِي النعب للتَّخْفِيف. وَقد حكى امْرَأَة صعدة، كَأَنَّهَا صعدة تُوصَف بالطول تَشْبِيها بالقناة، يُقَال فِي يَد فلانٍ صعدة يَمَانِية، كَمَا قَالَ الشَّاعِر: فِي كَفه صعدةً يَمَانِية ... فيا سِنَان كشعلة القبس يَعْنِي وهجًا وَمثله: صعدة قد ثبتَتْ فِي حائرٍ ... أَيْنَمَا الرّيح تميلها تمل فأسكن هَاهُنَا المشبة والمشبه بِهِ وَهُوَ النَّعْت وَالِاسْم فِي الْوَاحِد، وَقَالُوا: نسْوَة صعدات فاسكنوا لِأَنَّهُ نعت، وكأنهن صعدات فحركوا لِأَنَّهُ اسْم. قَالَ القَاضِي: وَهَذَا بَاب تتصل بِهِ أَبْوَاب تشاركه فِي أُصُوله وَلها أَحْكَام وَعلل، وفيهَا لُغَات تتشعب وتتفرع، وَهِي مرسومة على حُدُودهَا مقرونة بعللها فِي أَو إِلَى الْمَوَاضِع بهَا. حِكْمَة لِلْحسنِ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن يُونُس بْن أبي اليسع أَبُو إِسْحَاق، قَالَ حَدَّثَنَا يحيى بْن جَعْفَر بْن عَبد اللَّه بْن أَبِي طَالب، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الشَّامي، قَالَ حَدَّثَنَا الْوَلِيد بْن مُسلم وضمرة بْن ربيعَة عَن أَحْمَد بْن أَبِي حميدٍ عَن الْحسن قَالَ: مَا عرف الْخَيْر من لم يتبعهُ، وَلَا عرف الشَّرّ من لم يجتنبه، وَمَا أَيقَن عبد بِالْجنَّةِ وَالنَّار حق يقينهما إِلَّا رُؤِيَ ذَلِك فِي عمله، فَانْظُر مَا تجب أَن يكون مَعَك غَدا فقدمه الْيَوْم.

стр. 490

خسف بدركلتي وَنَجَا أَبُو زبيبة حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن أَسد الْهَرَوِيّ، قَالَ حَدَّثَنَا ابْن أَبِي سعد الْوراق قَالَ: كَانَ رجل يُقَال لَهُ أَبُو زبيبة متعبدًا يَجِيء إِلَى مَدِينَة من مَدَائِن الْيمن يُقَال لَهَا دركلتى قَالَ: فيقف عَلَيْهِم فينشد هَذِه الأبيات: غر جهولا أمله ... يَمُوت من جا أَجله فَمَا بَقَاء آخرٍ ... قد مَاتَ عَنْهُ أَوله قَالَ فَكَانَ هَذَا دأبه، وَكَانَ أهل الْقرْيَة ملحين فِي الْمعاصِي فَخسفَ بهم، فَمر بهَا رجل فَلَقِيَهُ آخر فَقَالَ: مَا فعلت دركلتى؟ قَالَ: خسف بهَا، قَالَ: فَأَبُو زبيبة؟ قَالَ: سلم. الْمَشْي إِلَى الصين أَهْون من تِلْكَ الخطوة حَدثنَا عُمَر بْن الْحَسَن بْن عليّ بْن مَالك الشَّيْبَانيّ، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْقَاسِم، قَالَ حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِي قَالَ: نظر الْأَحْنَف إِلَى سيفٍ مَعَ رجلٍ من بني تَمِيم فَقَالَ لَهُ: إِن فِيهِ لقصرًا وَإنَّهُ لجيد، فَقَالَ صَاحب السَّيْف: يَا أَبَا بَحر إِنَّهَا تطيله خطْوَة، كَمَا قَالَ الشَّاعِر: نصل السيوف إِذا قصرن بخطونا ... قدما ونلحقها إِذا لم تلْحق قَالَ الْأَحْنَف: يَا ابْن أخي، الْمَشْي وَالله إِلَى الصين أَهْون من تِلْكَ الخطوة. لَا بُد من إنصاف الشُّعَرَاء حَدثنَا أَبُو النَّضر الْعقيلِيّ، قَالَ حَدَّثَنَا عسل بْن ذكْوَان، قَالَ حَدَّثَنَا الزيَادي قَالَ: كَانَ الْخَلِيل بْن أَحْمَد صديقا لجَعْفَر بْن سُلَيْمَان الْهَاشِمِي، فجَاء يَوْمًا ليدْخل عَلَيْهِ فَوجدَ على بَابه شعراء قد أنشدوه وَقبلت أشعارهم وتأخرت جوائزهم، فشكوا ذَلِك إِلَيْهِ وسألوه إذكاره، فَدخل إِلَيْهِ فأنشده: لَا تقبلن اشعر ثُمَّ تعقه ... فتنام وَالشعرَاء غير نيام وَاعْلَم بِأَنَّهُم إِذا لم ينصفوا ... حكمُوا لأَنْفُسِهِمْ على الْحُكَّام وَجِنَايَة الْجَانِي عَلَيْهِم تَنْقَضِي ... وعقابهم يبْقى على الْأَيَّام قَالَ القَاضِي: وَقد روينَا هَذِه الأبيات منسوبة إِلَى ابْن الرُّومِي فِي مَا رُوِيَ لنا من شعره، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْأَمر فِي ذَلِك. بَين الْحسن بْن عَليّ وَزِيَاد حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْكَلْبِيّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زَكَرِيَّاءَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الضَّحَّاكِ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ سرحٍ مَوْلَى حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ شِيعَةً لعي بْن أبي طَالِب ﵇، فَلَمَّا قَدِمَ زِيَادٌ الْكُوفَةَ وَالِيًا عَلَيْهَا أَخَافَهُ وَطَلَبَهُ زِيَادٌ، فَأَتَى الْحسن بِهن عَلِيٍّ، فَوَثَبَ زِيَادٌ عَلَى أَخِيهِ وَوَلَدِهِ وَامْرَأَتِهِ فَأَخَذَهُمْ وَحَبَسَهُمْ وَأَخَذَ مَالَهُ وَهَدَمَ دَارَهُ، فَكَتَبَ الْحَسَنُ إِلَى زِيَادٍ: مِنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ إِلَى زِيَادٍ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكَ

стр. 491

عَمَدْتَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَهُ مَالهم وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ فَهَدَمْتَ دَارَهُ وَأَخَذْتَ مَالَهُ وَعِيَالَهُ فَحَبَسْتَهُمْ، فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَابْنِ لَهُ دَارَهُ وَارْدُدْ عَلَيْهِ عِيَالَهُ وَمَالَهُ، فَإِنِّي قَدْ أَجَرْتُهُ فَشَفِّعْنِي فِيهِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ زِيَادٌ: مِنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى الْحَسَنِ بن فَاطِمَةَ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَتَانِي كِتَابُكَ تَبْدَأُ فِيهِ بِنَفْسِكَ قَبْلِي، وَأَنْتَ طَالِبُ حاجةٍ، وَأَنَا سُلْطَانٌ وَأَنت سوقة، كَتَبْتَ إِلَيَّ فِي فاسقٍ لَا يُؤْوِيهِ إِلا مِثْلُهُ، وَشَرٌّ مِنْ ذَلِكَ تُوَلِّيهِ أَبَاكَ وَإِيَّاكَ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ قَدْ أَوَيْتَهُ إِقَامَةً مِنْكَ عَلَى سُوءِ الرَّأْيِ وَرِضًى مِنْكَ بِذَلِكَ، وَايْمُ اللَّهِ لَا تَسْبِقُنِي بِهِ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَ جِلْدِكَ وَلَحْمِكَ وَإِنْ نِلْتَ بَعْضَكَ غَيْرَ رفيقٍ بِكَ وَلا مرعٍ عَلَيْكَ، فَإِنَّ أَحَبَّ لحمٍ إِلَيَّ آكُلُهُ لَلَحْمُ الَّذِي أَنْتَ مِنْهُ، فَأَسْلِمْهُ بِجَرِيرَتِهِ إِلَى مَنْ هُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْكَ، فَإِنْ عَفَوْتُ عَنْهُ لَمْ أَكُنْ شَفَّعْتُكَ فِيهِ، وَإِنْ قَتَلْتُهُ لَمْ أَقْتُلْهُ إِلا لِحُبِّهِ إِيَّاكَ. فَلمَّا قَرَأَ الْحَسَنُ ﵇ الْكِتَابَ تَبَسَّمَ وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ يَذْكُرُ لَهُ حَالَ ابْنِ سَرْحٍ وَكِتَابَهُ إِلَى زِيَادٍ فِيهِ وَإِجَابَةَ زيادٍ إِيَّاهُ، وَلَفَّ كِتَابَهُ فِي كِتَابِهِ وَبَعَثَ بِهِ إِلَى مُعَاوِيَةَ. وَكَتَبَ الْحَسَنُ إِلَى زِيَاد: من الْحسن بن فَاطِمَةَ ﵉ إِلَى زِيَادِ بن سميَّة: الْوَلَد للْفراش واللعاهر الْحَجَرُ. فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُ الْحَسَنِ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَقَرَأَ مُعَاوِيَةُ الْكِتَابَ ضَاقَتْ بِهِ الشَّامُ، وَكَتَبَ إِلَى زيادٍ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ بَعَثَ بِكِتَابِكَ إِلَى جَوَابِ كِتَابِهِ إِلَيْكَ فِي ابْنِ سَرْحٍ، فَأَكْثَرْتُ التَّعَجُّبَ مِنْكَ، وَعَلِمْتُ أَنَّ لَكَ رَأْيَيْنِ: أَحَدُهُمَا مِنْ أَبِي سُفْيَانَ وَالآخَرُ مِنْ سُمَيَّةَ، فَأَمَّا الَّذِي مِنْ أَبِي سُفْيَانَ فَحِلْمٌ وَحَزْمٌ. وَأَمَّا رَأْيُكَ مِنْ سُمَيَّةَ فَمَا يَكُونُ رَأْيُ مِثْلِهَا؟ وَمِنْ ذَلِكَ كِتَابُكَ إِلَى الْحَسَنِ تَشْتُمُ أَبَاهُ وَتُعَرِّضُ لَهُ بِالْفِسْقِ، وَلَعَمْرِي لأَنْتَ أَوْلَى بِالْفِسْقِ مِنَ الْحَسَنِ، وَلأَبُوكَ إِذْ كُنْتَ تُنْسَبُ إِلَى عبيدٍ أَوْلَى بِالْفِسْقِ مِنْ أَبِيهِ، وَإِنَّ الْحَسَنَ بَدَأَ بِنَفْسِهِ ارْتِفَاعًا عَلَيْكَ وَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَضَعْكَ. وَأَمَّا تَرْكُكَ تَشْفِيعِهِ فِيمَا شَفَعَ فِيهِ إِلَيْكَ فَحَظٌّ دَفَعْتَهُ عَن نَفسك إِلَى مَنْ هُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْكَ، فَإِذَا قَدِمَ عَلَيْكَ كِتَابِي هَذَا فَخَلِّ مَا فِي يَدَيْكَ لِسَعِيدِ بْنِ سَرْحٍ، وَابْنِ لَهُ دَارَهُ، وَلا تَعَرَّضْ لَهُ، وَارْدُدْ عَلَيْهِ مَالَهُ، فَقَدْ كَتَبْتُ إِلَى الْحَسَنِ أَنْ يُخَيِّرَ صَاحِبَهُ إِنْ شَاءَ أَقَامَ عِنْدَهُ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ، وَلَيْسَ لَكَ عَلَيْهِ سُلْطَانٌ بيدٍ وَلا لسانٍ. وَأَمَّا كِتَابُكَ إِلَى الْحَسَنِ بِاسْمِهِ وَلا تَنْسُبُهُ إِلَى أَبِيهِ فَإِنَّ الْحَسَنَ وَيْلَكَ مِمَّنْ لَا يُرْمَى بِهِ الرَّجَوَانِ، أَفَإِلَى أُمِّهِ وَكَلْتَهُ لَا أُمَّ لَكَ، هِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَفْخَرُ لَهُ إِنْ كُنْتَ تَعْقِلُ؛ وَكَتَبَ فِي أَسْفَلِ الْكِتَابِ: تَدَارَكْ مَا ضَيَّعْتَ مِنْ بَعْدِ جرأةٍ ... وَأَنْتَ أَرِيبٌ بِالأُمُورِ خَبِيرُ أَمَا حَسَنٌ بِابْنِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ ... إِذَا سَارَ سَارَ الْمَوْتُ حَيْثُ يسير وَهل يلد الرِّئْبَالُ إِلا نَظِيرَهُ ... فَذَا حَسَنٌ شِبْهٌ لَهُ وَنَظِيرُ قَالَ الْقَاضِي: الرِّئْبَالُ وَلَدُ الأَسَدِ. وَلَكِنَّهُ لَوْ يُوزن الْحلم الحجى ... بِرَأْيٍ لَقَالُوا فَاعْلَمَنَّ ثَبِيرُ

стр. 492

قَالَ الْغَلابِيُّ: قَرَأْتُ هَذَا الْخَبَرَ عَلَى ابْنِ عَائِشَةَ فَقَالَ: كَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ حِينَ وَصَلَ إِلَيْهِ كِتَابُ الْحَسَنِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ الشِّعْرَ وَالْكَلامَ بَعْدَهُ. تعليقات لغوية ونحوية قَالَ القَاضِي: قَول مُعَاوِيَة: من لَا يرْمى بِهِ الرجوان يَعْنِي تَثْنِيَة الرجا وَهُوَ الْجَانِب والناحية جمعه أرجاء، قَالَ الله : " وَالْملك على أرجائها " الحلاقة:١٧ وَالْعرب تَقول: فلَان لَا يرْمى بِهِ الرجوان أَي لَا يستهان بِهِ وتستضعف مَنْزِلَته فيطرح بِهِ ويرمى بِهِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِر: فَلَا يرْمى بِي الرجوان أَنِّي ... أقل الْقَوْم من يُغني مَكَاني وَأما قَوْله: تدارك مَا ضيعت فَإِنَّهُ حرك الْكَاف فِي الْأَمر لِأَنَّهُ أَرَادَ النُّون الْخَفِيفَة، كَمَا قَالَ الشَّاعِر: اضْرِب عَنْك الهموم طارقها ... ضربك بِالسَّيْفِ قونس الْفرس أَرَادَ: اضربن؛ وَالله تَعَالَى الْمُوفق للصَّوَاب. الْمجْلس السَّابِع وَالسِّتُّونَ معالجة محَارب بْن دثار لشهود الزُّور أَخْبَرَنَا الْمُعَافَى قَالَ حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ بيزَوَيْهِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أَبِي مَنْصُورٍ الشِّيرَازِيِّ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الآخر سنة تسع عشرَة وثلاثمائة قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ شَاذَانُ قَالَ حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ الصَّلْتِ قَالَ حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ الْجَهْمِ أَبُو الْجَهْمِ الْقُرَشِيُّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ الْقِبْطِيِّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مُحَارِبِ بْنِ دَثَّارٍ الذُّهْلِيِّ وَهُوَ فِي قَضَائِهِ حَتَّى تَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَجُلانِ، فَادَّعَى أَحدهمَا قبل الآخر حَقًا فأنتكره، فَقَالَ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ فلَان. فَقَالَ لَهُ الرحل الْمُدَّعِي قَبْلَهُ: إِنَّا للَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَاللَّهِ لَئِنْ شَهِدَ عَلَيَّ لَيَشْهَدَنَّ بزورٍ، وَلَئِنْ سَأَلَنِي عَنْهُ لأُزَكِّيَنَّهُ، فَلَمَّا جَاءَ الشَّاهِدُ قَالَ مُحَارِبُ بْنُ دَثَّارٍ: حَدَّثَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ الطَّيْرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَتَضْرِبُ بِمَنَاقِيرِهَا وَتَقْذِفُ مَا فِي حَوَاصِلِهَا وَتُحَرِّكُ أَذْنَابَهَا مِنْ هَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَا يُكَلَّمُ شَاهِدُ الزُّورِ وَلا تَقَارُّ قَدَمَاهُ عَلَى الأَرْضِ حَتَّى يُقْذَفَ بِهِ فِي النَّارِ. ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ: بِمَ تَشْهَدُ؟ قَالَ كُنْتُ شَهِدْتُ عَلَى شهادةٍ وَقَدْ نَسِيتُهَا، أَرْجِعُ فَأَتَذَكَّرَهَا، فَرَجَعَ وَلَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ شَاذَانَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَزَّازُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بكرٍ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ كَثِيرٍ الْكِنْدِيُّ قَالَ: شَهِدَ رَجُلٌ عَلَى رجلٍ عِنْدَ مُحَارِبِ بْنِ دَثَّارٍ، وَكَانَ مُحَارِبٌ مُتَّكِئًا، فَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ: وَاللَّهِ الَّذِي تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ مَا شَهِدَ عَلَيَّ إِلا بزورٍ، وَمَا عَلِمْتُ إِلا خَيْرًا إِلا هَذِهِ الشَّهَادَةَ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِحِقْدٍ لَهُ عَلَيَّ، فَاسْتَوَى مُحَارِبٌ جَالِسًا ثُمَّ قَالَ: يَا هَذَا سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ

стр. 493

يَوْمٌ تَشِيبُ فِيهِ الْوِلْدَانُ، وَتَضَعُ الْحَوَامِلُ مَا فِي بُطُونِهَا، وَتَضَعُ الطَّيْرُ مَا فِي حَوَاصِلِهَا، وَتَضْرِبُ بِأَذْنَابِهَا وَلا ذَنْبَ عَلَيْهَا، فَإِنْ كُنْتَ شَهِدْتَ عَلَى حقٍ فَأَقِمْ عَلَى شَهَادَتِكَ، وَإِنْ كُنْتَ شَهِدْتَ عَلَى بَاطِلٍ فَاتَّقِ اللَّهَ تَعَالَى وَغَطِّ رَأْسَكَ، وَاخْرُجْ مِنْ هَذَا الْبَابِ، فَغَطَّى الرَّجُلُ رَأْسَهُ وَخَرَجَ مِنَ الْبَابِ. فظاعة شَهَادَة الزُّور قَالَ القَاضِي: الْأَمر فِي عَظِيم جرم شَاهد الزُّور وجسيم إثمه وفظيع مَا تحمله وقبيح مَا ارْتَكَبهُ واقتحمه واحتقبه وأقدم عَلَيْهِ، وَمَا ورد من توعد الله ﷻ إِيَّاه فِي كِتَابه وعَلى لِسَان رَسُوله ﷺ يطول شَرحه ويتعب جمعه، وَمن بليغ مَا ورد فِيهِ هَذَا الْخَبَر الَّذِي روينَاهُ؛ وَقد روى عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: شَاهد الزُّور لَا تَزُول قدماه حَتَّى يُؤمر بِهِ إِلَى لنار. وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضا أَنه قَالَ: عدلت شَهَادَة الزُّور الشّرك. وَقَالَ الله جلّ وَعز: " فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ " الْحَج:٣٠ وَقَالَ تَعَالَى جده: " إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ " النَّحْل:١٠٥ وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ فِي قَوْله جلّ ذكره: " إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ " الْأَعْرَاف: ١٥٢ هِيَ وَالله لكل مفترٍ كذبا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَقد اخْتلف أهل الْعلم فِيمَا يَنْبَغِي أَن يعْمل بِشَاهِد الزُّور: فَذهب بَعضهم إِلَى تعزيره وتأديبه، وَرَأى آخَرُونَ إِظْهَار أمره والنداء عَلَيْهِ والتنكيل بِهِ وشهره وتحذير النَّاس مِنْهُ وَإِسْقَاط شَهَادَته إِلَى أَن يَتُوب وَتظهر تَوْبَته وتحسن إنابته أَو تَأتي عَلَيْهِ منيته، ونسال الله توفيقه وعصمته، وَأَن يجعلنا مِمَّن يُؤثر دينه على دُنْيَاهُ، ورضى ربه على هَوَاهُ، وَأَن لَا يجعلنا مِمَّن يَبِيع حَظه من ولَايَة الله تَعَالَى بشيءٍ من حطام الدُّنْيَا وَزينتهَا، وَلَا يشري صَالح مَا بَينه وَبَين ربه بمنازل الدُّنْيَا ومراتبها، إِنَّه سميع الدُّعَاء لطيف لما يَشَاء. اضربني ضربا تقوى عَلَيْهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دريدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِم، قَالَ ضرب رجل من خدم السُّلْطَان رجلا فأوجعه، فَقَالَ لَهُ: أصلحك الله، اضربني ضربا تقوى عَلَيْهِ فَإِن الْقصاص أمامك. كَيفَ تمّ اسْتِخْلَاف عمر بْن عبد الْعَزِيز حَدثنَا أَحْمَد بْن يحيى بْن الْمولى قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بكر بْن أَبِي خَيْثَمَة قَالَ حَدَّثَنَا عبد الْوَهَّاب بْن نجدة الحوطي قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُبَارك الصُّورِي قَالَ حَدثنَا الْوَلِيد بْن مُسلم عَن عبد الرَّحْمَن بْن حسان الْكِنَانِي قَالَ: لما مرض سُلَيْمَان بْن عبد الْملك الْمَرَض الَّذِي توفّي فِيهِ، وَكَانَ مَرضه بدابق، وَمَعَهُ رَجَاء بْن حَيْوَة، فَقَالَ لرجاء بْن حَيْوَة: يَا رَجَاء من لهَذَا الْأَمر من بعدِي؟ أستخلف ابْني؟ قَالَ: ابْنك غَائِب، قَالَ: فالآخر؟ قَالَ: ذَاك صَغِير، قَالَ: فَمن ترى، قَالَ: أرى أَن تسْتَخْلف عمر بْن عبد الْعَزِيز. قَالَ: أَتَخَوَّف بني عبد الْملك، أَن لَا يرْضوا، قَالَ: فول عمر بْن عبدب الْعَزِيز وَمن بعده يزِيد بْن عبد الْملك، وتكتب كتابا وتختم عَلَيْهِ وَتَدْعُوهُمْ إِلَى بيعَته مَخْتُومًا عَلَيْهَا، قَالَ: لقد رَأَيْت، إيتني بقرطاس، قَالَ: فَدَعَا

стр. 494

بقرطاسٍ فَكتب فِيهِ الْعَهْد لعمر بن عبد الْعَزِيز وَمن عَبده يزِيد بْن عبد الْملك ثُمَّ خَتمه وَدفعه إِلَى رَجَاء، قَالَ: اخْرُج إِلَى النَّاس فمرهم فليبايعوا على مَا فِي هَذَا الْكتاب مَخْتُومًا، قَالَ: فَخرج إِلَيْهِم رَجَاء فَجَمعهُمْ وَقَالَ: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يَأْمُركُمْ أَن تبايعوا لمن فِي هَذَا الْكتاب من بعده، قَالُوا: وَمن فِيهِ؟ قَالَ: مختوم لَا تخبرون بِمن فِيهِ حَتَّى يَمُوت، قَالُوا: لَا نُبَايِع حَتَّى نعلم من فِيهِ، قَالَ: فَرجع رَجَاء إِلَى سُلَيْمَان، قَالَ: انْطلق إِلَى أَصْحَاب الشَّرْط والحرس وناد الصَّلَاة جَامِعَة، وَمر النَّاس فليجتمعوا، ومرهم بالبيعة على مَا فِي هَذَا الْكتاب، فَمن أَبِي أَن يُبَايع مِنْهُم فَاضْرب عُنُقه، قَالَ: فَفعل، فَبَايعُوا على مَا فِيهِ، قَالَ رحاء: فَلَمَّا خَرجُوا خرجت إِلَى منزلي فَبينا أَنا أَسِير فِي الطَّرِيق إِذْ مسعت جلبة موكبٍ، فَالْتَفت فَإِذا هِشَام، فَقَالَ لي: يَا رَجَاء قد علمت موقعك منا وَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد صنع شيئاًِ لَا أَدْرِي مَا هُوَ، وَأَنا أَتَخَوَّف أَن يكون قد أزالها عني، فَإِن يكن عدلها عني فَأَعْلمنِي مَا دَامَ فِي الْأَمِير نفس حَتَّى أنظر فِي هَذَا الْأَمر قبل أَن يَمُوت، قَالَ قلت: سُبْحَانَ الله يستكتمني أَمِير الْمُؤمنِينَ أمرا أطلعك عَلَيْهِ؟ لَا يكون ذَلِك أبدا، فأدارني وَألا صني فأبيت عَلَيْهِ، قَالَ: فَانْصَرف. فَبينا أَنا أَسِير إِذْ سَمِعت جلبة خَلْفي، فَإِذا عمر بْن عبد الْعَزِيز فَقَالَ لي: يَا رَجَاء إِنَّه قد وَقع فِي نَفسِي أَمر كَبِير من هَذَا الرجل، أَتَخَوَّف أَن يكون قد جعلهَا إِلَيّ، وَلست أقوم بِهَذَا الشَّأْن فَأَعْلمنِي مَا دَامَ فِي الْأَمِير نفس لعَلي أتخلص مِنْهُ مَا دَامَ حَيا، قلت: سُبْحَانَ الله يستكتمني أَمِير الْمُؤمنِينَ أَمِيرا أطلعك عَلَيْهِ؟، فأدراني وَألا صني فأبيت عَلَيْهِ، قَالَ رَجَاء وَثقل سُلَيْمَان، وحجب النَّاس عَنْهُ حَتَّى مَاتَ، فَلَمَّا مَاتَ أجلسته وأسندته وهيأته وَخرجت إِلَى النَّاس فَقَالُوا: كَيفَ أصبح أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ فَقلت: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد أصبح سَاكِنا، وَقد أحب أَن تسلموا عَلَيْهِ وتبايعوا على مَا فِي هَذَا الْكتاب، وَالْكتاب بَين يَدَيْهِ، قَالَ: فَأَذنت للنَّاس فَدَخَلُوا وَأَنا قَائِم عِنْده، فَلَمَّا دنوا قلت: إِن أميركم يَأْمُركُمْ بِالْوُقُوفِ، ثُمَّ أخذت الْكتاب من عِنْده، ثُمَّ تقدّمت إِلَيْهِم فَقلت: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يَأْمُركُمْ أَن تبايعوا على مَا فِي الْكتاب أَجْمَعِينَ وفرغت من بيعتهم قلت: لَهُم: آجركم الله فِي أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالُوا: فَمن فافتح الْكتاب، فَإِذا فِيهِ الْعَهْد لعمر بْن عبد الْعَزِيز، فَلَمَّا نظرت بَنو عبد الْملك تَغَيَّرت وُجُوههم، فَلَمَّا قرأوا من بعده يزِيد بْن عبد الْملك كَأَنَّهُمْ تراجعوا، فَقَالُوا: أَيْن عمر بْن عبد الْعَزِيز؟ فطلبوه فَلم يُوجد فِي الْقَوْم، قَالَ: فنظروا فَإِذا هُوَ فِي مُؤخر الْمَسْجِد، قَالَ: فَأتوهُ فَسَلمُوا عَلَيْهِ بالخلافة فعقر فَلم يسْتَطع النهوض حَتَّى أخذُوا بضبعيه فرقوا بِهِ الْمِنْبَر، فَلم يقدر على الصعُود حَتَّى أصعدوه، فَجَلَسَ طَويلا لَا يتَكَلَّم، فَلَمَّا رَآهُمْ رَجَاء جُلُوسًا قَالَ: أَلا تقومون إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فتبايعوه؟ قَالَ: فَنَهَضَ الْقَوْم إِلَيْهِ فَبَايعُوهُ رجلا رجلا، قَالَ فَمد يَده إِلَيْهِم، قَالَ: فَصَعدَ إِلَيْهِ هِشَام فَلَمَّا مد يَده إِلَيْهِ قَالَ يَقُول هِشَام إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون، فَقَالَ عمر: نعم إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون حِين صَار

стр. 495

يَلِي هَذَا الْأَمر أَنا وَأَنت. قَالَ: ثُمَّ قَامَ عمر فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَقَالَ: أَيهَا النَّاس إِنِّي لست بقاضٍ وَلَكِنِّي منفذ، وَلست بِمُبْتَدعٍ وَلَكِنِّي مُتبع، وَإِن حَوْلكُمْ من الْأَمْصَار والمدن فَإِن هم أطاعوا كَمَا أطعتم فَأَنا وَلِيكُم، وَإِن هم نقموا فلست لكم بوالٍ. ثُمَّ نزل يمشي فَأَتَاهُ صَاحب المراكب فَقَالَ: مَا هَذَا؟ أقالك: مركب الْخَلِيفَة، قَالَ: لَا حَاجَة لي فِيهِ، إيتوني بدابتي، فَأتوهُ بدابته فركبها ثُمَّ خرج يسير وَخَرجُوا مَعَه، فمالوا إِلَى طَرِيق، قَالَ: إِلَى أَيْن؟ قَالُوا: إِلَى الْبَيْت الَّذِي يهيأ للخليفة، قَالَ: لَا حَاجَة لي فِيهِ، انْطَلقُوا بِي إِلَى منزلي، قَالَ رَجَاء: فَأتى منزله فَنزل عَن دَابَّته، ثمَّ دَعَا بدواةٍ وقرطاسٍ وَجعل يكْتب بِيَدِهِ إِلَى الْعمَّال فِي الْأَمْصَار ويمل على نَفسه، قَالَ رَجَاء: فَلَقَد كنت أَظن أَن سيضعف فَلَمَّا رَأَيْت صَنِيعه فِي الْكتاب علمت أَنه سيقوى بِهَذَا وَنَحْوه. فَأتى منزله فَنزل عَن دَابَّته، ثمَّ دَعَا بدواةٍ وقرطاسٍ وَجعل يكْتب بِيَدِهِ إِلَى الْعمَّال فِي الْأَمْصَار ويمل على نَفسه، قَالَ رَجَاء: فَلَقَد كنت أَظن أَن سيضعف فَلَمَّا رَأَيْت صَنِيعه فِي الْكتاب علمت أَنه سيقوى بِهَذَا وَنَحْوه. هَل تجوز الشَّهَادَة على الْكتاب الْمَخْتُوم قَالَ القَاضِي ﵀: قد اخْتلف أهل الْعلم فِي الشَّهَادَة على الْكتاب الْمَخْتُوم كَالَّذي جرى فِي هَذِه الْقِصَّة، وكالرجل يكْتب وَصيته فِي صحيفَة وَيخْتم عَلَيْهَا وَيشْهد قوما على نَفسه أَنَّهَا وَصيته من غير أَن يقرأوها عَلَيْهِ أَو يَقْرَأها عَلَيْهِم ويعاينوا كتبه إِيَّاهَا، وَمَا أشبه هَذَا مِمَّا يشْهد الْمَرْء فِيهِ على نَفسه وَإِن لم يقرأه الشَّاهِد أَو لم يقْرَأ عَلَيْهِ، فَأجَاز ذَلِك وأمضاه وأنفذ الحكم فِيهِ جُمْهُور أهل الْحجاز، وَرُوِيَ عَن سَالم بْن عَبد اللَّه، وَذهب إِلَى هَذَا مَالك بْن أنس وَمُحَمّد بْن سَلمَة المَخْزُومِي، وَأَجَازَ ذَلِك مَكْحُول ونمير بْن أَوْس وزرعة بن إِبْرَاهِيم وَالْأَوْزَاعِيّ وَسَعِيد بن عبد الْعَزِيز فِي من وافقهم من فُقَهَاء أهل الشَّام، وَحكى نَحْو ذَلِك خَالِد بْن يزِيد بْن أَبِي مَالك عَن أَبِيه وقضاة جنده، وَهُوَ قَول اللَّيْث بن سعد فِي من وَافقه من فُقَهَاء أهل مصر وَالْمغْرب، وَهُوَ قَول فُقَهَاء أهل الْبَصْرَة وقضاتهم، وَرُوِيَ عَن قَتَادَة وَعَن سوار بْن عَبد اللَّه وَعبيد الله بْن الْحسن ومعاذ بْن معَاذ العنبريين فِي من سلك سبيلهم، وَأخذ بِهَذَا عدد من متأخري أَصْحَاب الحَدِيث مِنْهُم أَبُو عبيد وَإِسْحَاق بْن رَاهَوَيْه. وَأبي ذَلِك جمَاعَة من فُقَهَاء أهل الْعرَاق مِنْهُم إِبْرَاهِيم وَحَمَّاد الْحسن، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَأبي ثَوْر، وَهُوَ قَول شَيخنَا أَبِي جَعْفَر ﵀ عَلَيْهِ، وَكَانَ بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي بالعراق يذهب إِلَى القَوْل الأول لعلل ذكر أَنه حَاج بعض مخالفيه فِيهَا. قَالَ القَاضِي: وَإِلَى القَوْل الَّذِي قدمت حكايته عَن أهل الْحجاز وَالشَّام ومصر وَالْمغْرب وَالْبَصْرَة أذهب، وَلكُل ذِي قولٍ من هذهين الْقَوْلَيْنِ علل يعتل بهَا لقَوْله، ويحتج بهَا على خَصمه، وَلَيْسَ هَذَا الْموضع مِمَّا يحْتَمل إحضارها، وَهِي مشروحة مستقصاة فِي مَا رسمناه من كلامنا فِي كتب الْفِقْه ومسائله. وَقَوله: " أَلا صني " قريب من معنى قَوْله أدارني وَهُوَ ليه وفتله.
следующие страницы →