← Адаб

Адаб · id 7301

الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي

المعافى بن زكريا

Полный текст (740 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

عَمَدْتَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَهُ مَالهم وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ فَهَدَمْتَ دَارَهُ وَأَخَذْتَ مَالَهُ وَعِيَالَهُ فَحَبَسْتَهُمْ، فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَابْنِ لَهُ دَارَهُ وَارْدُدْ عَلَيْهِ عِيَالَهُ وَمَالَهُ، فَإِنِّي قَدْ أَجَرْتُهُ فَشَفِّعْنِي فِيهِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ زِيَادٌ: مِنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى الْحَسَنِ بن فَاطِمَةَ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَتَانِي كِتَابُكَ تَبْدَأُ فِيهِ بِنَفْسِكَ قَبْلِي، وَأَنْتَ طَالِبُ حاجةٍ، وَأَنَا سُلْطَانٌ وَأَنت سوقة، كَتَبْتَ إِلَيَّ فِي فاسقٍ لَا يُؤْوِيهِ إِلا مِثْلُهُ، وَشَرٌّ مِنْ ذَلِكَ تُوَلِّيهِ أَبَاكَ وَإِيَّاكَ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ قَدْ أَوَيْتَهُ إِقَامَةً مِنْكَ عَلَى سُوءِ الرَّأْيِ وَرِضًى مِنْكَ بِذَلِكَ، وَايْمُ اللَّهِ لَا تَسْبِقُنِي بِهِ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَ جِلْدِكَ وَلَحْمِكَ وَإِنْ نِلْتَ بَعْضَكَ غَيْرَ رفيقٍ بِكَ وَلا مرعٍ عَلَيْكَ، فَإِنَّ أَحَبَّ لحمٍ إِلَيَّ آكُلُهُ لَلَحْمُ الَّذِي أَنْتَ مِنْهُ، فَأَسْلِمْهُ بِجَرِيرَتِهِ إِلَى مَنْ هُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْكَ، فَإِنْ عَفَوْتُ عَنْهُ لَمْ أَكُنْ شَفَّعْتُكَ فِيهِ، وَإِنْ قَتَلْتُهُ لَمْ أَقْتُلْهُ إِلا لِحُبِّهِ إِيَّاكَ. فَلمَّا قَرَأَ الْحَسَنُ ﵇ الْكِتَابَ تَبَسَّمَ وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ يَذْكُرُ لَهُ حَالَ ابْنِ سَرْحٍ وَكِتَابَهُ إِلَى زِيَادٍ فِيهِ وَإِجَابَةَ زيادٍ إِيَّاهُ، وَلَفَّ كِتَابَهُ فِي كِتَابِهِ وَبَعَثَ بِهِ إِلَى مُعَاوِيَةَ. وَكَتَبَ الْحَسَنُ إِلَى زِيَاد: من الْحسن بن فَاطِمَةَ ﵉ إِلَى زِيَادِ بن سميَّة: الْوَلَد للْفراش واللعاهر الْحَجَرُ. فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُ الْحَسَنِ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَقَرَأَ مُعَاوِيَةُ الْكِتَابَ ضَاقَتْ بِهِ الشَّامُ، وَكَتَبَ إِلَى زيادٍ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ بَعَثَ بِكِتَابِكَ إِلَى جَوَابِ كِتَابِهِ إِلَيْكَ فِي ابْنِ سَرْحٍ، فَأَكْثَرْتُ التَّعَجُّبَ مِنْكَ، وَعَلِمْتُ أَنَّ لَكَ رَأْيَيْنِ: أَحَدُهُمَا مِنْ أَبِي سُفْيَانَ وَالآخَرُ مِنْ سُمَيَّةَ، فَأَمَّا الَّذِي مِنْ أَبِي سُفْيَانَ فَحِلْمٌ وَحَزْمٌ. وَأَمَّا رَأْيُكَ مِنْ سُمَيَّةَ فَمَا يَكُونُ رَأْيُ مِثْلِهَا؟ وَمِنْ ذَلِكَ كِتَابُكَ إِلَى الْحَسَنِ تَشْتُمُ أَبَاهُ وَتُعَرِّضُ لَهُ بِالْفِسْقِ، وَلَعَمْرِي لأَنْتَ أَوْلَى بِالْفِسْقِ مِنَ الْحَسَنِ، وَلأَبُوكَ إِذْ كُنْتَ تُنْسَبُ إِلَى عبيدٍ أَوْلَى بِالْفِسْقِ مِنْ أَبِيهِ، وَإِنَّ الْحَسَنَ بَدَأَ بِنَفْسِهِ ارْتِفَاعًا عَلَيْكَ وَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَضَعْكَ. وَأَمَّا تَرْكُكَ تَشْفِيعِهِ فِيمَا شَفَعَ فِيهِ إِلَيْكَ فَحَظٌّ دَفَعْتَهُ عَن نَفسك إِلَى مَنْ هُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْكَ، فَإِذَا قَدِمَ عَلَيْكَ كِتَابِي هَذَا فَخَلِّ مَا فِي يَدَيْكَ لِسَعِيدِ بْنِ سَرْحٍ، وَابْنِ لَهُ دَارَهُ، وَلا تَعَرَّضْ لَهُ، وَارْدُدْ عَلَيْهِ مَالَهُ، فَقَدْ كَتَبْتُ إِلَى الْحَسَنِ أَنْ يُخَيِّرَ صَاحِبَهُ إِنْ شَاءَ أَقَامَ عِنْدَهُ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ، وَلَيْسَ لَكَ عَلَيْهِ سُلْطَانٌ بيدٍ وَلا لسانٍ. وَأَمَّا كِتَابُكَ إِلَى الْحَسَنِ بِاسْمِهِ وَلا تَنْسُبُهُ إِلَى أَبِيهِ فَإِنَّ الْحَسَنَ وَيْلَكَ مِمَّنْ لَا يُرْمَى بِهِ الرَّجَوَانِ، أَفَإِلَى أُمِّهِ وَكَلْتَهُ لَا أُمَّ لَكَ، هِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَفْخَرُ لَهُ إِنْ كُنْتَ تَعْقِلُ؛ وَكَتَبَ فِي أَسْفَلِ الْكِتَابِ: تَدَارَكْ مَا ضَيَّعْتَ مِنْ بَعْدِ جرأةٍ ... وَأَنْتَ أَرِيبٌ بِالأُمُورِ خَبِيرُ أَمَا حَسَنٌ بِابْنِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ ... إِذَا سَارَ سَارَ الْمَوْتُ حَيْثُ يسير وَهل يلد الرِّئْبَالُ إِلا نَظِيرَهُ ... فَذَا حَسَنٌ شِبْهٌ لَهُ وَنَظِيرُ قَالَ الْقَاضِي: الرِّئْبَالُ وَلَدُ الأَسَدِ. وَلَكِنَّهُ لَوْ يُوزن الْحلم الحجى ... بِرَأْيٍ لَقَالُوا فَاعْلَمَنَّ ثَبِيرُ

стр. 492

قَالَ الْغَلابِيُّ: قَرَأْتُ هَذَا الْخَبَرَ عَلَى ابْنِ عَائِشَةَ فَقَالَ: كَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ حِينَ وَصَلَ إِلَيْهِ كِتَابُ الْحَسَنِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ الشِّعْرَ وَالْكَلامَ بَعْدَهُ. تعليقات لغوية ونحوية قَالَ القَاضِي: قَول مُعَاوِيَة: من لَا يرْمى بِهِ الرجوان يَعْنِي تَثْنِيَة الرجا وَهُوَ الْجَانِب والناحية جمعه أرجاء، قَالَ الله : " وَالْملك على أرجائها " الحلاقة:١٧ وَالْعرب تَقول: فلَان لَا يرْمى بِهِ الرجوان أَي لَا يستهان بِهِ وتستضعف مَنْزِلَته فيطرح بِهِ ويرمى بِهِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِر: فَلَا يرْمى بِي الرجوان أَنِّي ... أقل الْقَوْم من يُغني مَكَاني وَأما قَوْله: تدارك مَا ضيعت فَإِنَّهُ حرك الْكَاف فِي الْأَمر لِأَنَّهُ أَرَادَ النُّون الْخَفِيفَة، كَمَا قَالَ الشَّاعِر: اضْرِب عَنْك الهموم طارقها ... ضربك بِالسَّيْفِ قونس الْفرس أَرَادَ: اضربن؛ وَالله تَعَالَى الْمُوفق للصَّوَاب. الْمجْلس السَّابِع وَالسِّتُّونَ معالجة محَارب بْن دثار لشهود الزُّور أَخْبَرَنَا الْمُعَافَى قَالَ حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ بيزَوَيْهِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أَبِي مَنْصُورٍ الشِّيرَازِيِّ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الآخر سنة تسع عشرَة وثلاثمائة قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ شَاذَانُ قَالَ حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ الصَّلْتِ قَالَ حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ الْجَهْمِ أَبُو الْجَهْمِ الْقُرَشِيُّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ الْقِبْطِيِّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مُحَارِبِ بْنِ دَثَّارٍ الذُّهْلِيِّ وَهُوَ فِي قَضَائِهِ حَتَّى تَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَجُلانِ، فَادَّعَى أَحدهمَا قبل الآخر حَقًا فأنتكره، فَقَالَ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ فلَان. فَقَالَ لَهُ الرحل الْمُدَّعِي قَبْلَهُ: إِنَّا للَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَاللَّهِ لَئِنْ شَهِدَ عَلَيَّ لَيَشْهَدَنَّ بزورٍ، وَلَئِنْ سَأَلَنِي عَنْهُ لأُزَكِّيَنَّهُ، فَلَمَّا جَاءَ الشَّاهِدُ قَالَ مُحَارِبُ بْنُ دَثَّارٍ: حَدَّثَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ الطَّيْرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَتَضْرِبُ بِمَنَاقِيرِهَا وَتَقْذِفُ مَا فِي حَوَاصِلِهَا وَتُحَرِّكُ أَذْنَابَهَا مِنْ هَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَا يُكَلَّمُ شَاهِدُ الزُّورِ وَلا تَقَارُّ قَدَمَاهُ عَلَى الأَرْضِ حَتَّى يُقْذَفَ بِهِ فِي النَّارِ. ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ: بِمَ تَشْهَدُ؟ قَالَ كُنْتُ شَهِدْتُ عَلَى شهادةٍ وَقَدْ نَسِيتُهَا، أَرْجِعُ فَأَتَذَكَّرَهَا، فَرَجَعَ وَلَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ شَاذَانَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَزَّازُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بكرٍ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ كَثِيرٍ الْكِنْدِيُّ قَالَ: شَهِدَ رَجُلٌ عَلَى رجلٍ عِنْدَ مُحَارِبِ بْنِ دَثَّارٍ، وَكَانَ مُحَارِبٌ مُتَّكِئًا، فَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ: وَاللَّهِ الَّذِي تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ مَا شَهِدَ عَلَيَّ إِلا بزورٍ، وَمَا عَلِمْتُ إِلا خَيْرًا إِلا هَذِهِ الشَّهَادَةَ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِحِقْدٍ لَهُ عَلَيَّ، فَاسْتَوَى مُحَارِبٌ جَالِسًا ثُمَّ قَالَ: يَا هَذَا سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ

стр. 493

يَوْمٌ تَشِيبُ فِيهِ الْوِلْدَانُ، وَتَضَعُ الْحَوَامِلُ مَا فِي بُطُونِهَا، وَتَضَعُ الطَّيْرُ مَا فِي حَوَاصِلِهَا، وَتَضْرِبُ بِأَذْنَابِهَا وَلا ذَنْبَ عَلَيْهَا، فَإِنْ كُنْتَ شَهِدْتَ عَلَى حقٍ فَأَقِمْ عَلَى شَهَادَتِكَ، وَإِنْ كُنْتَ شَهِدْتَ عَلَى بَاطِلٍ فَاتَّقِ اللَّهَ تَعَالَى وَغَطِّ رَأْسَكَ، وَاخْرُجْ مِنْ هَذَا الْبَابِ، فَغَطَّى الرَّجُلُ رَأْسَهُ وَخَرَجَ مِنَ الْبَابِ. فظاعة شَهَادَة الزُّور قَالَ القَاضِي: الْأَمر فِي عَظِيم جرم شَاهد الزُّور وجسيم إثمه وفظيع مَا تحمله وقبيح مَا ارْتَكَبهُ واقتحمه واحتقبه وأقدم عَلَيْهِ، وَمَا ورد من توعد الله ﷻ إِيَّاه فِي كِتَابه وعَلى لِسَان رَسُوله ﷺ يطول شَرحه ويتعب جمعه، وَمن بليغ مَا ورد فِيهِ هَذَا الْخَبَر الَّذِي روينَاهُ؛ وَقد روى عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: شَاهد الزُّور لَا تَزُول قدماه حَتَّى يُؤمر بِهِ إِلَى لنار. وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضا أَنه قَالَ: عدلت شَهَادَة الزُّور الشّرك. وَقَالَ الله جلّ وَعز: " فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ " الْحَج:٣٠ وَقَالَ تَعَالَى جده: " إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ " النَّحْل:١٠٥ وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ فِي قَوْله جلّ ذكره: " إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ " الْأَعْرَاف: ١٥٢ هِيَ وَالله لكل مفترٍ كذبا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَقد اخْتلف أهل الْعلم فِيمَا يَنْبَغِي أَن يعْمل بِشَاهِد الزُّور: فَذهب بَعضهم إِلَى تعزيره وتأديبه، وَرَأى آخَرُونَ إِظْهَار أمره والنداء عَلَيْهِ والتنكيل بِهِ وشهره وتحذير النَّاس مِنْهُ وَإِسْقَاط شَهَادَته إِلَى أَن يَتُوب وَتظهر تَوْبَته وتحسن إنابته أَو تَأتي عَلَيْهِ منيته، ونسال الله توفيقه وعصمته، وَأَن يجعلنا مِمَّن يُؤثر دينه على دُنْيَاهُ، ورضى ربه على هَوَاهُ، وَأَن لَا يجعلنا مِمَّن يَبِيع حَظه من ولَايَة الله تَعَالَى بشيءٍ من حطام الدُّنْيَا وَزينتهَا، وَلَا يشري صَالح مَا بَينه وَبَين ربه بمنازل الدُّنْيَا ومراتبها، إِنَّه سميع الدُّعَاء لطيف لما يَشَاء. اضربني ضربا تقوى عَلَيْهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دريدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِم، قَالَ ضرب رجل من خدم السُّلْطَان رجلا فأوجعه، فَقَالَ لَهُ: أصلحك الله، اضربني ضربا تقوى عَلَيْهِ فَإِن الْقصاص أمامك. كَيفَ تمّ اسْتِخْلَاف عمر بْن عبد الْعَزِيز حَدثنَا أَحْمَد بْن يحيى بْن الْمولى قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بكر بْن أَبِي خَيْثَمَة قَالَ حَدَّثَنَا عبد الْوَهَّاب بْن نجدة الحوطي قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُبَارك الصُّورِي قَالَ حَدثنَا الْوَلِيد بْن مُسلم عَن عبد الرَّحْمَن بْن حسان الْكِنَانِي قَالَ: لما مرض سُلَيْمَان بْن عبد الْملك الْمَرَض الَّذِي توفّي فِيهِ، وَكَانَ مَرضه بدابق، وَمَعَهُ رَجَاء بْن حَيْوَة، فَقَالَ لرجاء بْن حَيْوَة: يَا رَجَاء من لهَذَا الْأَمر من بعدِي؟ أستخلف ابْني؟ قَالَ: ابْنك غَائِب، قَالَ: فالآخر؟ قَالَ: ذَاك صَغِير، قَالَ: فَمن ترى، قَالَ: أرى أَن تسْتَخْلف عمر بْن عبد الْعَزِيز. قَالَ: أَتَخَوَّف بني عبد الْملك، أَن لَا يرْضوا، قَالَ: فول عمر بْن عبدب الْعَزِيز وَمن بعده يزِيد بْن عبد الْملك، وتكتب كتابا وتختم عَلَيْهِ وَتَدْعُوهُمْ إِلَى بيعَته مَخْتُومًا عَلَيْهَا، قَالَ: لقد رَأَيْت، إيتني بقرطاس، قَالَ: فَدَعَا

стр. 494

بقرطاسٍ فَكتب فِيهِ الْعَهْد لعمر بن عبد الْعَزِيز وَمن عَبده يزِيد بْن عبد الْملك ثُمَّ خَتمه وَدفعه إِلَى رَجَاء، قَالَ: اخْرُج إِلَى النَّاس فمرهم فليبايعوا على مَا فِي هَذَا الْكتاب مَخْتُومًا، قَالَ: فَخرج إِلَيْهِم رَجَاء فَجَمعهُمْ وَقَالَ: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يَأْمُركُمْ أَن تبايعوا لمن فِي هَذَا الْكتاب من بعده، قَالُوا: وَمن فِيهِ؟ قَالَ: مختوم لَا تخبرون بِمن فِيهِ حَتَّى يَمُوت، قَالُوا: لَا نُبَايِع حَتَّى نعلم من فِيهِ، قَالَ: فَرجع رَجَاء إِلَى سُلَيْمَان، قَالَ: انْطلق إِلَى أَصْحَاب الشَّرْط والحرس وناد الصَّلَاة جَامِعَة، وَمر النَّاس فليجتمعوا، ومرهم بالبيعة على مَا فِي هَذَا الْكتاب، فَمن أَبِي أَن يُبَايع مِنْهُم فَاضْرب عُنُقه، قَالَ: فَفعل، فَبَايعُوا على مَا فِيهِ، قَالَ رحاء: فَلَمَّا خَرجُوا خرجت إِلَى منزلي فَبينا أَنا أَسِير فِي الطَّرِيق إِذْ مسعت جلبة موكبٍ، فَالْتَفت فَإِذا هِشَام، فَقَالَ لي: يَا رَجَاء قد علمت موقعك منا وَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد صنع شيئاًِ لَا أَدْرِي مَا هُوَ، وَأَنا أَتَخَوَّف أَن يكون قد أزالها عني، فَإِن يكن عدلها عني فَأَعْلمنِي مَا دَامَ فِي الْأَمِير نفس حَتَّى أنظر فِي هَذَا الْأَمر قبل أَن يَمُوت، قَالَ قلت: سُبْحَانَ الله يستكتمني أَمِير الْمُؤمنِينَ أمرا أطلعك عَلَيْهِ؟ لَا يكون ذَلِك أبدا، فأدارني وَألا صني فأبيت عَلَيْهِ، قَالَ: فَانْصَرف. فَبينا أَنا أَسِير إِذْ سَمِعت جلبة خَلْفي، فَإِذا عمر بْن عبد الْعَزِيز فَقَالَ لي: يَا رَجَاء إِنَّه قد وَقع فِي نَفسِي أَمر كَبِير من هَذَا الرجل، أَتَخَوَّف أَن يكون قد جعلهَا إِلَيّ، وَلست أقوم بِهَذَا الشَّأْن فَأَعْلمنِي مَا دَامَ فِي الْأَمِير نفس لعَلي أتخلص مِنْهُ مَا دَامَ حَيا، قلت: سُبْحَانَ الله يستكتمني أَمِير الْمُؤمنِينَ أَمِيرا أطلعك عَلَيْهِ؟، فأدراني وَألا صني فأبيت عَلَيْهِ، قَالَ رَجَاء وَثقل سُلَيْمَان، وحجب النَّاس عَنْهُ حَتَّى مَاتَ، فَلَمَّا مَاتَ أجلسته وأسندته وهيأته وَخرجت إِلَى النَّاس فَقَالُوا: كَيفَ أصبح أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ فَقلت: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد أصبح سَاكِنا، وَقد أحب أَن تسلموا عَلَيْهِ وتبايعوا على مَا فِي هَذَا الْكتاب، وَالْكتاب بَين يَدَيْهِ، قَالَ: فَأَذنت للنَّاس فَدَخَلُوا وَأَنا قَائِم عِنْده، فَلَمَّا دنوا قلت: إِن أميركم يَأْمُركُمْ بِالْوُقُوفِ، ثُمَّ أخذت الْكتاب من عِنْده، ثُمَّ تقدّمت إِلَيْهِم فَقلت: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يَأْمُركُمْ أَن تبايعوا على مَا فِي الْكتاب أَجْمَعِينَ وفرغت من بيعتهم قلت: لَهُم: آجركم الله فِي أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالُوا: فَمن فافتح الْكتاب، فَإِذا فِيهِ الْعَهْد لعمر بْن عبد الْعَزِيز، فَلَمَّا نظرت بَنو عبد الْملك تَغَيَّرت وُجُوههم، فَلَمَّا قرأوا من بعده يزِيد بْن عبد الْملك كَأَنَّهُمْ تراجعوا، فَقَالُوا: أَيْن عمر بْن عبد الْعَزِيز؟ فطلبوه فَلم يُوجد فِي الْقَوْم، قَالَ: فنظروا فَإِذا هُوَ فِي مُؤخر الْمَسْجِد، قَالَ: فَأتوهُ فَسَلمُوا عَلَيْهِ بالخلافة فعقر فَلم يسْتَطع النهوض حَتَّى أخذُوا بضبعيه فرقوا بِهِ الْمِنْبَر، فَلم يقدر على الصعُود حَتَّى أصعدوه، فَجَلَسَ طَويلا لَا يتَكَلَّم، فَلَمَّا رَآهُمْ رَجَاء جُلُوسًا قَالَ: أَلا تقومون إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فتبايعوه؟ قَالَ: فَنَهَضَ الْقَوْم إِلَيْهِ فَبَايعُوهُ رجلا رجلا، قَالَ فَمد يَده إِلَيْهِم، قَالَ: فَصَعدَ إِلَيْهِ هِشَام فَلَمَّا مد يَده إِلَيْهِ قَالَ يَقُول هِشَام إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون، فَقَالَ عمر: نعم إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون حِين صَار

стр. 495

يَلِي هَذَا الْأَمر أَنا وَأَنت. قَالَ: ثُمَّ قَامَ عمر فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَقَالَ: أَيهَا النَّاس إِنِّي لست بقاضٍ وَلَكِنِّي منفذ، وَلست بِمُبْتَدعٍ وَلَكِنِّي مُتبع، وَإِن حَوْلكُمْ من الْأَمْصَار والمدن فَإِن هم أطاعوا كَمَا أطعتم فَأَنا وَلِيكُم، وَإِن هم نقموا فلست لكم بوالٍ. ثُمَّ نزل يمشي فَأَتَاهُ صَاحب المراكب فَقَالَ: مَا هَذَا؟ أقالك: مركب الْخَلِيفَة، قَالَ: لَا حَاجَة لي فِيهِ، إيتوني بدابتي، فَأتوهُ بدابته فركبها ثُمَّ خرج يسير وَخَرجُوا مَعَه، فمالوا إِلَى طَرِيق، قَالَ: إِلَى أَيْن؟ قَالُوا: إِلَى الْبَيْت الَّذِي يهيأ للخليفة، قَالَ: لَا حَاجَة لي فِيهِ، انْطَلقُوا بِي إِلَى منزلي، قَالَ رَجَاء: فَأتى منزله فَنزل عَن دَابَّته، ثمَّ دَعَا بدواةٍ وقرطاسٍ وَجعل يكْتب بِيَدِهِ إِلَى الْعمَّال فِي الْأَمْصَار ويمل على نَفسه، قَالَ رَجَاء: فَلَقَد كنت أَظن أَن سيضعف فَلَمَّا رَأَيْت صَنِيعه فِي الْكتاب علمت أَنه سيقوى بِهَذَا وَنَحْوه. فَأتى منزله فَنزل عَن دَابَّته، ثمَّ دَعَا بدواةٍ وقرطاسٍ وَجعل يكْتب بِيَدِهِ إِلَى الْعمَّال فِي الْأَمْصَار ويمل على نَفسه، قَالَ رَجَاء: فَلَقَد كنت أَظن أَن سيضعف فَلَمَّا رَأَيْت صَنِيعه فِي الْكتاب علمت أَنه سيقوى بِهَذَا وَنَحْوه. هَل تجوز الشَّهَادَة على الْكتاب الْمَخْتُوم قَالَ القَاضِي ﵀: قد اخْتلف أهل الْعلم فِي الشَّهَادَة على الْكتاب الْمَخْتُوم كَالَّذي جرى فِي هَذِه الْقِصَّة، وكالرجل يكْتب وَصيته فِي صحيفَة وَيخْتم عَلَيْهَا وَيشْهد قوما على نَفسه أَنَّهَا وَصيته من غير أَن يقرأوها عَلَيْهِ أَو يَقْرَأها عَلَيْهِم ويعاينوا كتبه إِيَّاهَا، وَمَا أشبه هَذَا مِمَّا يشْهد الْمَرْء فِيهِ على نَفسه وَإِن لم يقرأه الشَّاهِد أَو لم يقْرَأ عَلَيْهِ، فَأجَاز ذَلِك وأمضاه وأنفذ الحكم فِيهِ جُمْهُور أهل الْحجاز، وَرُوِيَ عَن سَالم بْن عَبد اللَّه، وَذهب إِلَى هَذَا مَالك بْن أنس وَمُحَمّد بْن سَلمَة المَخْزُومِي، وَأَجَازَ ذَلِك مَكْحُول ونمير بْن أَوْس وزرعة بن إِبْرَاهِيم وَالْأَوْزَاعِيّ وَسَعِيد بن عبد الْعَزِيز فِي من وافقهم من فُقَهَاء أهل الشَّام، وَحكى نَحْو ذَلِك خَالِد بْن يزِيد بْن أَبِي مَالك عَن أَبِيه وقضاة جنده، وَهُوَ قَول اللَّيْث بن سعد فِي من وَافقه من فُقَهَاء أهل مصر وَالْمغْرب، وَهُوَ قَول فُقَهَاء أهل الْبَصْرَة وقضاتهم، وَرُوِيَ عَن قَتَادَة وَعَن سوار بْن عَبد اللَّه وَعبيد الله بْن الْحسن ومعاذ بْن معَاذ العنبريين فِي من سلك سبيلهم، وَأخذ بِهَذَا عدد من متأخري أَصْحَاب الحَدِيث مِنْهُم أَبُو عبيد وَإِسْحَاق بْن رَاهَوَيْه. وَأبي ذَلِك جمَاعَة من فُقَهَاء أهل الْعرَاق مِنْهُم إِبْرَاهِيم وَحَمَّاد الْحسن، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَأبي ثَوْر، وَهُوَ قَول شَيخنَا أَبِي جَعْفَر ﵀ عَلَيْهِ، وَكَانَ بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي بالعراق يذهب إِلَى القَوْل الأول لعلل ذكر أَنه حَاج بعض مخالفيه فِيهَا. قَالَ القَاضِي: وَإِلَى القَوْل الَّذِي قدمت حكايته عَن أهل الْحجاز وَالشَّام ومصر وَالْمغْرب وَالْبَصْرَة أذهب، وَلكُل ذِي قولٍ من هذهين الْقَوْلَيْنِ علل يعتل بهَا لقَوْله، ويحتج بهَا على خَصمه، وَلَيْسَ هَذَا الْموضع مِمَّا يحْتَمل إحضارها، وَهِي مشروحة مستقصاة فِي مَا رسمناه من كلامنا فِي كتب الْفِقْه ومسائله. وَقَوله: " أَلا صني " قريب من معنى قَوْله أدارني وَهُوَ ليه وفتله.

стр. 496

أشرف من حَرْب بْن أُميَّة من أكفأ عَلَيْهِ إناءه حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن أَحْمَد الْكَلْبِيّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغَلابِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن بكارٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْغَسَّانِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: دَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَعِنْدَهُ يَزِيدُ ابْنُهُ، فَجَعَلَ يَزِيدُ يُعَرِّضُ بِعَبْدِ اللَّهِ فِي كَلامِهِ وَيَنْسُبُهُ إِلَى الإِسْرَافِ فِي غَيْرِ مَرْضَاةِ اللَّهِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِيَزِيدَ: إِنِّي لأَرْفَعُ نَفْسِي عَنْ جَوَابِكَ، وَلَوْ صَاحِبُ السَّرِيرِ يُكَلِّمُنِي لأَجَبْتُهُ؛ قَالَ مُعَاوِيَةُ: كَأَنَّكَ تَظُنُّ أَنَّكَ أَشْرَفُ مِنْهُ قَالَ: إِي وَاللَّهِ، وَمِنْكَ وَمِنْ أَبِيكَ وَجَدِّكَ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: مَا كُنْتُ أَحْسِبُ أَنَّ أَحَدًا فِي عَصْرِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ يَزْعُمُ أَنَّهُ أَشْرَفُ مِنْ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: بَلَى وَاللَّهِ يَا مُعَاوِيَةَ، إِنَّ أشرف من حَرْب بْن أُميَّة مَنْ أَكْفَأَ عَلَيْهِ إِنَاءَهُ وَأَجَارَهُ بِرِدَائَهِ، قَالَ: صَدَقْتَ يَا أَبَا جَعْفَر، سل حَاجَتك فقتضى حَوَائِجَهُ وَخَرَجَ. قَالَ الشّعبِيّ: وَمعنى قَول عَبد اللَّه لمعاوية إِن أشرف من حَرْب من أكفأ عَلَيْهِ إناءه وَأَجَارَهُ بردائه، لِأَن حَرْب بْن أُميَّة كَانَ إِذا كَانَ فِي سفرٍ فعرضت لَهُ ثنية أَو عقبَة تنحنح فَلم يجترئ أحد أَن يرقاها حَتَّى يجوز حَرْب بْن أُميَّة، وَكَانَ فِي سفرٍ فعرضت لَهُ ثنية فتنحنح، فَوقف النَّاس ليجوز، فجَاء غُلَام من بني تميمٍ فَقَالَ: وَمن حَرْب؟ ثُمَّ تقدمه، فَنظر إِلَيْهِ حَرْب وتهدده وَقَالَ سيمكنني الله تَعَالَى مِنْك إِذا دخلت مَكَّة. فَضرب الدَّهْر من ضربه، ثُمَّ إِن التَّمِيمِي بَدَت لَهُ حَاجَة بِمَكَّة فَسَأَلَ عَن أعز أهل مَكَّة فَقيل لَهُ عبد الْمطلب بْن هَاشم، فَقَالَ: أردْت دون عبد الْمطلب، فقرع عَلَيْهِ بَابه، فَخرج إِلَيْهِ الزُّبَيْر فَقَالَ مَا أَنْت؟ إِن كنت مستجيرًا أجرناك، وَإِن كنت طَالب قرى قريناك، فَأَنْشَأَ التَّمِيمِي يَقُول: لاقيت حَربًا بالثنية مُقبلا ... وَالصُّبْح أَبْلَج ضوءه للساري قف لَا تصاعد واكتنى ليروعني ... ودعا بدعوة معلن وشعار فتركته خَلْفي وسرت أَمَامه ... وكذاك كنت أكون فِي الْأَسْفَار فَمضى يهددني الْوَعيد ببلدةٍ ... فِيهَا الزُّبَيْر كَمثل ليثٍ ضار فتركته كَالْكَلْبِ ينبح وَحده ... وأتيت قرم مكارمٍ وفخارٍ قوما هزبراً يستجار بِقُرْبِهِ ... رحب المباءة مكرمًا للْجَار وَحلفت بِالْبَيْتِ الْعَتِيق وركنه ... وبزمزمٍ وَالْحجر ذِي الأستار إِن لَا لزبير لمانعي بمهندٍ ... عضب المهزة صارمٍ بتار فَقَالَ لَهُ الزُّبَيْر: قد أجرتك، وَأَنا ابْن عبد الْمطلب، فسر أَمَامِي فَإنَّا معشر بني عبد الْمطلب إِذا أحرنا رجلا لم نتقدمه، فَمضى بَين يَدَيْهِ وَالزُّبَيْر فِي أَثَره، فَلَقِيَهُ حَرْب فَقَالَ: الميممي وَرب الْكَعْبَة، ثُمَّ شدّ عَلَيْهِ، ثُمَّ أخترط سَيْفه الزُّبَيْر ونادى فِي إخْوَته، وَمضى حَرْب يشْتَد وَالزُّبَيْر فِي أَثَره حَتَّى صَار إِلَى دَار عبد الْمطلب، فَلَقِيَهُ عبد الْمطلب خَارِجا من الدَّار

стр. 497

فَقَالَ: مَهيم يَا حَرْب، قَالَ: ابْنك، قَالَ: ادخل الدَّار، فَدخل فأكفأ عَلَيْهِ جَفْنَة هاشمٍ الَّتِي كَانَ يهشم فِيهَا الثَّرِيد، وتلاحق بَنو عبد الْمطلب بَعضهم على أثر بعض فَلم يجترئوا أَن يدخلُوا دَار أَبِيهِم، فاحتبوا بحمائل سيوفهم وجلسوا على الْبَاب، فَخرج إِلَيْهِم عبد الْمطلب، فَلَمَّا نظر إِلَيْهِم سره مَا رأى مِنْهُم، فَقَالَ: يَا بني أَصْبَحْتُم أسود الْعَرَب. ثُمَّ دخل إِلَى حَرْب فَقَالَ لَهُ: قُم فَأخْرج، فَقَالَ: يَا بني أَصْبَحْتُم أسود الْعَرَب. ثُمَّ دخل إِلَى حَرْب فَقَالَ لَهُ: قُم فَأخْرج، فَقَالَ يَا بني أَصْبَحْتُم أسود الْعَرَب. ثُمَّ دخل إِلَى حَرْب فَقَالَ لَهُ: قُم فَأخْرج، فَقَالَ يَا أَبَا الْحَارِث هربت من واحدٍ وَأخرج إِلَى عشرَة؟ فَقَالَ: خُذ رِدَائي هَذَا فالبسه فَإِنَّهُم إِذا رَأَوْا رِدَائي عَلَيْك لم يهيجوك. فَلبس رِدَاءَهُ وَخرج فَرفعُوا رؤوسهم فَلَمَّا نظرُوا إِلَى الرِّدَاء عَلَيْهِ نكسوا رؤوسهم، وَمضى حَرْب، فَهُوَ قَوْله إِن أشرف من حَرْب، من أكفأ عَلَيْهِ إناءة وَأَجَارَهُ بردائه. حذف القَوْل وإضماره قَالَ القَاضِي ﵀: قَول التَّمِيمِي جَار الزُّبَيْر فِي أول بَيته الثَّانِي من كَلمته قف لَا تصاعد بعد قَوْله فِي آخر بَيته الأول: وَالصُّبْح أَبْلَج ضوءه للساري مَعْنَاهُ: فَقَالَ قف، فاضمر القَوْل. وَحذف القَوْل وإضماره كثير فِي كَلَام الْعَرَب، قَالَ الله جلّ ثَنَاؤُهُ: " وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ " الرَّعْد:٢٣، ٢٤ الْمَعْنى يَقُولُونَ: سَلام عَلَيْكُم؛ وَقَالَ الله تَعَالَى: " وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى " الزمر: ٣ وَهُوَ كثير فِي الْقُرْآن وَسَائِر الْعَرَبيَّة وَمن ذَلِك قَول الشَّاعِر: مَا للجفان تخطاني كَأَنَّهُمْ ... لم يلف حول ذرى بَيْتِي مَسَاكِين أَرَادَ كَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ، وَقَالَ آخر: وقائلةٍ مَا بَال لونك شاحبًا ... كَأَنَّك يحميك الطَّعَام طَبِيب تتَابع أحداثٍ تخرمن منتي ... وأبلين جسمي فالفؤاد كئيب فأضمر القَوْل. وَفِي هَذَا الْخَبَر: " أكفأ عَلَيْهِ الْإِنَاء " أَي الْجَفْنَة والفصيح السائر فِي كَلَام الْعَرَب: كفأت الْإِنَاء، فَأَما أكفأت فَإِنَّمَا يُقَال فِي بعض عُيُوب الشّعْر، يُقَال: أكفأ الشَّاعِر يكفئ إكفاء. وَبَين أهل الْعلم بالقوافي خلاف فِي ماهيته، وَهُوَ مُبين فِي مَوْضِعه. حلف الفضول حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْعَطَّارُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بكر الْعَدوي، قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْر بْن شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْعَدَوِيُّ، قَالَ حَدَّثَنِي عُثْمَان ابْن الضَّحَّاكِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: سَمِعْتُ جَدِّي حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ يَقُولُ: انْصَرَفَتْ قُرَيْشٌ مِنَ الْفِجَارِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ الْفِجَارُ فِي شَوَّالٍ، وَكَانَ حِلْفُ الْفُضُولِ أَكْرَمَ حلفٍ كَانَ قَطُّ وَأَعْظَمَهُ شَرَفًا، وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ وَدَعَا إِلَيْهِ الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ

стр. 498

الْمُطَّلِبِ، وَذَاكَ أَنَّ الرَّجُلَ مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعَجَمِ، مِمَّنْ كَانَ يَقْدَمُ مَكَّةَ بِتِجَارَتِهِ رُبَّمَا ظَلَمُوا ثَمَنَهَا، وَكَانَ آخِرَ مَنْ ظُلِمَ رَجُلٌ مِنْ زُبَيْدٍ مِنْ مَذْحِجٍ، وَقَدِمَ بسلعةٍ لَهُ فَبَاعَهَا مِنَ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ، وَكَانَ شَرِيفًا عَظِيمَ الْقَدْرِ فَظَلَمَهُ ثَمَنَهَا، فَنَاشَدَهُ الزُّبَيْدِيُّ فِي حَقِّهِ فَأَبَى عَلَيْهِ، فَأَتَى الزُّبَيْدِيُّ الأَحْلافَ: عَبْدَ الدَّارِ وَمَخْزُومًا وَجُمَحَ وَسَهْمًا وَعَدِيَّ بْنَ كَعْبٍ فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُوهُ عَلَى الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ وَزَبَرُوهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الزُّبَيْدِيُّ أَوْفَى عَلَى أَبِي قبيسٍ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقُرَيْشٌ فِي أَنْدِيَتِهَا حَوْلَ الْكَعْبَةِ فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا آلَ فِهْرٍ لمظلومٍ بِضَاعَتَهُ ... بِبَطْنِ مَكَّةَ نَائِيَ الدَّارِ وَالنَّفَرِ ومحرمٍ أشعثٍ لَمْ يَقْضِ عُمْرَتَهُ ... يَا لِلرِّجَالِ وَبَيْنَ الْحِجْرِ وَالْحَجَرِ هَلْ مُخْفَرٌ مِنْ بَنِي سهمٍ بِخَفْرَتِهِ ... فَعَادِلٌ أَمْ ضَلالٌ مَا لِمُعْتَمِرِ إِنَّ الْحَرَامَ لِمَنْ تَمَّتْ حَرَامَتُهُ ... وَلا حَرَامَ لِثَوْبِ الْفَاجِرِ الْغُدَرِ فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: مَا لِهَذَا مَتْرَكٌ؛ فَاجْتَمَعَتْ هَاشِمٌ وَزُهْرَةُ وَتَيْمُ بْنُ مُرَّةَ وَأَسَدُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ، فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا وَتَحَالَفُوا فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فِي شهرٍ حَرَامٍ، وَتَعَاهَدُوا وَتَعَاقَدُوا بِاللَّهِ الْقَائِمِ لَيَكُونُنَّ يَدًا وَاحِدَةً مَعَ الْمَظْلُومِ عَلَى الظَّالِمِ حَتَّى يُرَدَّ إِلَيْهِ حَقُّهُ، مَا بَلَّ بَحْرٌ صُوفَةً، وَمَا رَسَا ثَبِيرٌ وَحِرَاءٌ مَكَانَهُمَا. فَسَمَّتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ الْحِلْفَ حِلْفَ الْفُضُولِ، وَقَالُوا: لَقَدْ دَخَلَ هَؤُلاءِ فِي فَضْلٍ مِنَ الأَمْرِ، ثُمَّ مَشَوْا إِلَى الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ فَانْتَزَعُوا سِلْعَةَ الزُّبَيْدِيِّ مِنْهُ فَدَفَعُوهَا إِلَيْهِ؛ قَالَ ابْنُ مَخْلَدٍ: بَعْضُ هَذَا الْحَدِيثِ لَمْ أَفْهَمْهُ مِنَ ابْنِ شَبِيبٍ وَثَبَّتْنِي فِيهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا. يَا للكهول وللشبان قَالَ القَاضِي ﵀: قَوْله فِي الْبَيْت الثَّانِي يَا للرِّجَال بِفَتْح اللَّام وَهِي التييسميها النحويون لَام الاستغاثة، يُقَال يَا للْقَوْم للْمَاء فتفتح لَام الْمَدْعُو وتكسر اللَّام فِي المَاء لِأَنَّهُ الْمَدْعُو إِلَيْهِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِر: يَا للرِّجَال ليَوْم الْأَرْبَعَاء أما ... يَنْفَكّ يحدث لي بعد النَّهْي طَربا وَإِذا قَالُوا: يَا للْعَرَب وللموالي فتحت اللَّام الأولى وَكسرت الثَّانِيَة لِأَن الأولى فتحت لتفيد معنى الاستغاثة ثُمَّ كسرت الثَّانِيَة لما علم أَنَّهَا معطوفة عَلَيْهَا، كَمَا قَالَ الشَّاعِر: يبكيك ناءٍ بعيد الدَّار مغترب ... يَا للكهول وللشبان للعجب وَذهب بَعضهم إِلَى أَن الأَصْل فِي يَا لبكرٍ وَيَا لتميم: يَا آل بكر وَيَا آل تَمِيم، وَترك الْهَمْز فِيهِ تَخْفِيفًا، وَمِمَّنْ كَانَ يرى هَذَا الرياشي، وَأول أَبْيَات التَّمِيمِي فِي هَذَا الْخَبَر مِمَّا للرياشي فِيهِ مُتَعَلق، وَذَلِكَ قَوْله يَا آل فهر وللبصريين والكوفيين من النَّحْوِيين فِي الِاحْتِجَاج لقَولهم والمحاجة لمن خَالف مَا عَلَيْهِ جمهورهم كَلَام واستشهاد بِالْقِيَاسِ، وأتى فِيهِ من الشّعْر مَا تطول حكايته، وَله مَوضِع هُوَ أولى بِهِ.

стр. 499

الرَّسُول يشْهد حلف الفضول حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو مُصْعَبٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ فَمَا سَأَلَنِي عَنْ شَيْءٍ إِلا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَعَنْ حِلْفِ الْفُضُولِ، فَأَعْلَمْتُهُ أَنَّ الْمَسْحَ جَائِزٌ، وَأَنَّ هَاشِمًا وَزُهْرَةَ وَتَيْمًا كَانُوا أَصْحَابَ حِلْفِ الْفُضُولِ، وَأَنَّ النَّبيّ ﷺ قَالَ: شَهِدْتُ حِلْفًا فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ بَيْنَ هَاشِمٍ وَزُهْرَةَ وَتَيْمٍ، وَأَنَا فِيهِمْ، وَلَوْ دُعِيتُ بِهِ لأَجَبْتُ، وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَخِيسُ بِهِ وَلِي حُمْرُ النَّعَمِ، وَكَانَ تَحَالُفُهُمْ عَلَى الأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَنْ لَا يَدَعُوا لأحدٍ عِنْدَ أَحَدٍ فَضْلا إِلا أَخَذُوهُ وَبِذَلِكَ سُمِّيَ حِلْفَ الْفُضُولِ. قَالَ الْقَاضِي ﵀: وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ سُمِّيَ هَذَا الْحِلْفُ حِلْفَ الْفُضُولِ، فَفِي الأَوَّلِ أَنَّهُ سُمِّيَ بِهَذَا لِقَوْلِهِمْ لَقَدْ دَخَلَ هَؤُلاءِ فِي فَضْلٍ مِنَ الأَمْرِ، وَفِي الْخَبَرِ الثَّانِي لَمَّا قَالُوا فِي حِلْفِهِمْ إِنَّهُمْ لَا يَدَعُونَ لأحدٍ عِنْدَ أَحَدٍ فَضْلا إِلا أَخَذُوهُ. رمي بسهام السحر حَدثنَا أَحْمَد بْن أَبِي سهل بْن عَاصِم أَبُو بكر الْحلْوانِي قَالَ أَبُو بكر ختن الْمبرد قَالَ: لَقِيَنِي الأسباطي على الجسر وَقد أَخذ إِسْمَاعِيل بْن بلبل دور أهل الْخلد فَقَالَ لي: بغى وللبغي سِهَام تنْتَظر ... أنفذ فِي الأكباد من وخز الإبر سِهَام أَيدي القانتين فِي السحر قَالَ فَمَا مَضَت الْأَيَّام حَتَّى كَانَ من أَمر إِسْمَاعِيل مَا كَانَ. أَصْحَاب الحَدِيث يُؤْذونَ ابْن عَيَّاش حَدثنَا مُحَمَّد بْن الْقَاسِم الْأَنْبَارِي قَالَ حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن خلف قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زَكَرِيَّاء وَلَيْسَ بالغلابي قَالَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَان بْن مُحَمَّد بْن عبد الرَّحْمَن الْعَرْزَمِي قَالَ: كنت عِنْد أَبِي بكر بْن عَيَّاش فَجَاءَهُ أَصْحَاب الحَدِيث فآذوه، فَبعث إِلَى صَاحب الرّبع فَجَاءَهُ فَقَالَ لَهُ: حَاجَتك يَا أَبَا بكر، قَالَ: أقِم هَؤُلَاءِ عني قَالَ: وَمَا حَالهم؟ قَالَ: أَصْحَاب يَا أَبَا بكر، قَالَ: أقِم هَؤُلَاءِ عني قَالَ: وَمَا حَالهم؟ قَالَ: أَصْحَاب الحَدِيث، قد آذوني وأضجروني، قَالَ: أرْفق بهم يَا أَبَا بكر فقد قصدوك وَلَهُم حق، فَغَضب وَقَالَ: انْظُرُوا إِلَيّ هَذَا البتيارك!! ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا البتيارك؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: كَانَت امْرَأَة بِالْكُوفَةِ لَهَا زوج قد عسر عَلَيْهِ المعاش، فَقَالَت لَهُ: لَو خرجت فَضربت فِي الْبِلَاد وَطلبت من فضل الله تَعَالَى، فَخرج إِلَى الشَّام فكسب ثَلَاثمِائَة دِرْهَم، فَاشْترى بهَا نَاقَة سَمِينَة فارهة، فركبها وَسَار عَلَيْهَا، فأضجرته فَحلف بِطَلَاق امْرَأَته ليبيعنها يَوْم يقدم الْكُوفَة بدرهم، فَقَالَت لَهُ امْرَأَته: مَا جِئْت بِهِ؟ قَالَ: أصبت ثَلَاثمِائَة دِرْهَم فاشتريت هَذِه النَّاقة فأضجرتني، فَحَلَفت بطلاقك ثَلَاثًا أَن أبيعها أول يومٍ أقدم الْكُوفَة بدرهم، فَقَالَت: أَنا أحتال لَك فعلقت فِي عنث النَّاقة سنورًا وَقَالَت: أدخلها السُّوق فَنَادِ من يَشْتَرِي السنور

стр. 500

بثلاثمائة دِرْهَم والناقة بدرهم، وَلَا أفرق بَينهمَا، قَالَ: فَفعل، فجَاء أَعْرَابِي فَجعل يَدُور حول النَّاقة وَيَقُول: مَا أسمنك مَا أفرهك مَا أرخصك لَوْلَا هَذَا البتيارك. زلَّة الْعَاقِل وزلة الْجَاهِل حَدثنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم الْقَزاز قَالَ حَدثنَا نصر بْن أَحْمَد قَالَ قَالَ الْخَلِيل بْن أَحْمَد: زلَّة الْعَاقِل يضْرب بهَا الطبل، وزلة الْجَاهِل تخفي فِي الْجَهْل. ابْن المنجم يستدين من بختيشوع فيعاتبه المتَوَكل حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر الْعُقَيْليّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد يحيى بْن عَليّ بْن يحيى المنجم، قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: خرجنَا مَعَ المتَوَكل إِلَى دمشق فلحقتنا ضيقَة بِسَبَب الْمُؤَن والنفقات الَّتِي كَانَت تلزمنا، قَالَ: فَبعثت إِلَى بختيشوع وَكَانَ لي صديقا أسأله أَن يقرضني عشْرين ألف دِرْهَم، قَالَ: فأقرضنيها، فَلَمَّا كَانَ بعد يَوْم أَو يَوْمَيْنِ دخلت مَعَ الجلساء إِلَى المتَوَكل، فَلَمَّا فأقرضنيها، فَلَمَّا كَانَ بعد يَوْم أَو يَوْمَيْنِ دخلت مَعَ الجلساء إِلَى المتَوَكل، فَلَمَّا جلسنا بَين يَدَيْهِ قَالَ: يَا عَليّ لَك عِنْدِي ذَنْب وَهُوَ عَظِيم، قلت: يَا سَيِّدي فَمَا هُوَ، فَإِنِّي لَا أعرف لي ذَنبا وَلَا جِنَايَة؟ قَالَ: بلَى، أضقت فاستقرضت من بختيشوع عشْرين ألف دِرْهَم، أَفلا أعلمتني؟ قَالَ قلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ صلات أَمِير الْمُؤمنِينَ عِنْدِي متواترة وأنزاله على دَاره، وَاسْتَحْيَيْت مَعَ مَا قد أنعم الله علينا بِهِ من هَذَا التفضل أَن أسأله شَيْئا، قَالَ: وَلم؟ إياك أَن تستحيي من مَسْأَلَتي والطلب مني وَأَن تعاود مثل مَا كَانَ مِنْك، ثُمَّ قَالَ: مائَة ألف دِرْهَم بِغَيْر صروف، فأحضرت عشر بدر فَقَالَ: خُذْهَا واتسع بهَا. تحول أَبِي الْعَتَاهِيَة من الْغَزل إِلَى الزّهْد حَدثنَا المظفرين يحيى بْن أَحْمَد الشرابي قَالَ حَدَّثَنَا حسن بْن عليل الغنوي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مَالك اليمامي مُحَمَّد بْن مُوسَى بْن يحيى بْن يزِيد النجار، قَالَ حَدَّثَنِي دَاوُد بْن يحيى بْن عِيسَى بْن النجار بْن زِيَاد بْن النجار، قَالَ: صَحِبت أَبَا الْعَتَاهِيَة فِي طَرِيق مَكَّة فترافقنا فَأَنْشَدته يَوْمًا بَيْتا فَضَحِك، وَالشعر: اخلع عذارك فِيمَا تستلذ بِهِ ... واجسر فَإِن أَخا اللَّذَّات من جِسْرًا واحفظ خَلِيلك لَا تغدر بِهِ أبدا ... لَا بَارك الله فِي من خَان أَو غدرا وَالشعر لأبي الْعَتَاهِيَة، فَقَالَ لي: يَا دَاوُد هَل مَعَك من شعري فِي عتبَة شَيْء؟ قلت: نعم، قَالَ: أرنيه، قَالَ: فَأَخْرَجته فَنظر إِلَيْهِ فَجعل يلوي رَأسه، فَلَمَّا مر هَذَا الْبَيْت: فالليل أطول من يَوْم الْحساب على ... عين الشجي إِذا مَا نَومه نَفرا قَالَ: فَجعل يُحَرك رَأسه وَيَقُول: يَا أَبَا الْعَتَاهِيَة لَيْسَ لَك وَالله علم بِيَوْم الْحساب، قَالَ ثُمَّ قَالَ: عَليّ بنارٍ، فَأخذ الْكتب فأحرقها وَقَالَ لي: عَلَيْك بِمَا هُوَ خير من هَذَا، فَأخْرج كتابا فِيهِ مَكْتُوب: أَلا هَل منيب إِلَى ربه ... فيستغفر الله من ذَنبه

стр. 501

على أَن فِي بعض أَحْوَاله ... حوادث يخبرن عَن قلبه فَلم أر كالميت فِي أَهله ... يحب ويهرب من قربه يحب محبوه إبعاده ... وهم مجمعون على حبه وَقَالَ لي: اكْتُبْ فَكتبت، وأملي عَليّ: لَا تكذبن فإنني ... لَك نَاصح لَا تكذبنه واعمل لنَفسك مَا استطع؟ ... ت فَإِنَّهَا نَار وجنه وَاعْلَم بأنك فِي زما ... ن مشبهاتٍ هن هنه صَار التَّوَاضُع بِدعَة ... فِيهِ وَصَارَ الْكبر سنه الْمجْلس الثَّامِن وَالسِّتُّونَ طُوبَى لمن رَآنِي وآمن بِي أَخْبَرَنَا الْمُعَافَى قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْنِ إِسْمَاعِيلَ الأَدَمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا فَضْلٌ يَعْنِي ابْنَ سَهْلٍ، قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ قَالَ حَدثنَا ابْن لَهِيعَة عَن دراجٍ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ، قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ طُوبَى لِمَنْ رَآكَ وَآمَنَ بِكَ، فَقَالَ طُوبَى لِمَنْ رَآنِي وَآمَنَ بِي، وَطُوبَى ثُمَّ طُوبَى ثُمَّ طُوبَى لِمَنْ آمَنَ بِي وَلَمْ يَرَنِي، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا طُوبَى؟ قَالَ: شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ مَسِيرَةَ مِائَةِ سنةٍ، ثِيَابُ أَهْلِ الْجَنَّةِ تَخْرُجُ مِنْ أَكْمَامِهَا. قَالَ الْقَاضِي: قَدْ وَرَدَتِ الأَخْبَارُ مِنْ طرقٍ شَتَّى بِأَنَّ طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجنَّة، وَقَالَ أهل العربيةب طُوبَى فُعْلَى مِنَ الطِّيبِ وَأَصْلُهَا طِيبَى بِالْيَاءِ فَقُلِبَتْ وَاوًا لانْضِمَامِ الطَّاءِ، وَمِثْلُ هَذَا الْكُوسَى مِنَ الْكَيْسِ. هَذَا وَأَبِيك الشّرف حَدثنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دريدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِم عَنِ الْعُتْبِي عَن أَبِيه قَالَ: ابتنى مُعَاوِيَة بِالْأَبْطح مَجْلِسا فَجَلَسَ عَلَيْهِ وَمَعَهُ ابْنة قرظة، فَإِذا هُوَ بِجَمَاعَة على رحالٍ لَهُم، وَإِذا شَاب مِنْهُم قد رفع عقيرته يُغني: من يساجلني يساجل ماجدا ... أَخْضَر الْجلْدَة فِي بَيت الْعَرَب قَالَ: من هَذَا؟ قَالُوا: عَبد اللَّه بْن جَعْفَر، قَالَ: خلوا لَهُ الطَّرِيق فليذهب. ثُمَّ إِذا هُوَ بِجَمَاعَة فيهم غُلَام يُغني: بَيْنَمَا يذكرنني أبصرنني ... عِنْد قيد الْميل يسْعَى بِي الْأَغَر قُلْنَ تعرفن الْفَتى قُلْنَ نعم ... قد عَرفْنَاهُ وَهل يخفى الْقَمَر قَالَ: من هَذَا؟ قَالُوا: عمر بْن أَبِي ربيعَة، قَالَ: خلوا لَهُ الطَّرِيق فليذهب. قَالَ: ثُمَّ إِذا هُوَ بِجَمَاعَة وَإِذا رجل مِنْهُم يسْأَل فَقَالَ: رميت قبل أَن أحلق، وحلقت قبل أَن أرمي، لِأَشْيَاء أشكلت عَلَيْهِم من مَنَاسِك الْحَج، فَقَالَ: من هَذَا؟ قَالُوا: عَبد اللَّه بْن عمر، فَالْتَفت

стр. 502

إِلَى بنت قرظة فَقَالَ: هَذَا وَأَبِيك الشّرف، هَذَا وَالله شرف الدُّنْيَا وَشرف الْآخِرَة. تعليقات وفوائد قَالَ القَاضِي: وَقد رُوِيَ من طَرِيق آخر أَنه قَالَ هَذَا وَالله الشّرف لَا مَا نَحن فِيهِ، وَرُوِيَ أَنه قَالَ: كَاد الْعلمَاء يكونُونَ أَرْبَابًا. وَالشعر الْمُتَقَدّم فِي هَذَا الْخَبَر: الْمَشْهُور مِنْهُ أَنه للفضل بْن الْعَبَّاس بْن عتبَة بْن أَبِي لهبٍ وَرِوَايَته الْمَعْرُوفَة: وَأَنا الْأَخْضَر من يعرفنِي ... أَخْضَر الْجلْدَة فِي بَيت الْعَرَب من يساجلني يساجل ماجدا ... يمْلَأ الدَّلْو إِلَى عقد الكرب وَقد ذكر أَن الفرزدق قالن لما أنْشد هَذَا الْبَيْت: مَا يساجلك إِلَّا من عض بِهن أمه. وَأما تَعْظِيم مُعَاوِيَة شَأْن عَبد اللَّه بْن عمر من أجل الْعلم فقد أحسن القَوْل فِيهِ وأنصف، ومنزلة الْعلمَاء فِي الْمُسلمين وفقههم فِي الدَّين أَعلَى وَأظْهر وَأبين وَأشهر من أَن يحْتَاج فِيهَا إِلَى إطناب وإطالةٍ وإسهاب. شعر لمَجْنُون بني جعدة حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ أنشدنا هَارُون بْن محمدٍ قَالَ أنشدنا الزُّبَيْر لمَجْنُون بني جعدة: يَا حبذا رَاكب كُنَّا نسر بِهِ ... يهدي لنا من أَرَاك الْمَوْسِم القضبا قَالَت لجارتها يَوْمًا تساجلها ... لما تعرت وَأَلْقَتْ عِنْدهَا السلبا ناشدتك الله أَلا قلت صَادِقَة ... أصادفت صفة الْمَجْنُون أم كذبا قَالَ فَقلت: ترَاهُ سَرقه من قَول عمر بْن أَبِي ربيعَة المَخْزُومِي؟: وَلَقَد قَالَت لجاراتٍ لَهَا ... وتعرت ذَات يَوْم تبترد أكما ينعتني تبصرنني ... عمركن الله أم لَا يقتصد فتضاحكن وَقد قُلْنَ لَهَا ... حسن فِي كل عين من تود حسدا مِنْهُنَّ قد حملنه ... وقديمًا كَانَ فِي النَّاس الْحَسَد أَبُو الْعَتَاهِيَة يسرق معنى لبشار حَدثنَا الْحُسَيْن بْن الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس بْن الفَضْل الرَّبَعي قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّان رفيع بْن سَلمَة قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحجَّاج قَالَ قَالَ بشار لأبي الْعَتَاهِيَة أَنْشدني، فأنشده: كم من صديقٍ لي أسا ... رقّه الْبكاء من الْحيَاء فَإِذا تفطن لامني ... فَأَقُول مَا بِي من بكاء لَكِن ذهبت لأرتدي ... فطرفت عَيْني بالرداء قَالَ بشار: مَا أشعرك وَيحك، لَوْلَا أَنَّك سرقتني، قَالَ: وَمَا قلت يَا أَبَا معَاذ؟ قَالَ قلت:

стр. 503

وَقَالُوا قد بَكَيْت فَقلت كلا ... وَقد يبكي من الْجزع الجليد وَلَكِن قد أصَاب سَواد عَيْني ... عُوَيْد قذى لَهُ طرف حَدِيد فَقَالُوا مَا لدمعهما سَوَاء ... أكلتا مقلتيك أصَاب عود معنى الطَّرب قَالَ القَاضِي: بَين هَذِه الأبيات فِي الْخَبَرَيْنِ من التناسب والتقارب فِي معانيهما مَا يُمكن أَن يكون بعض من أنشأهما أَخذ من صَاحبه، وَجَائِز أَن يكون الِاتِّفَاق فيهمَا وَقع من غير شعورٍ، من كل ناظمٍ من الشاعرين بِمَا نظمه غَيره. وَقد رُوِيَ لنا بَيت بشارٍ الْمُتَقَدّم فِي أبياته هَذِه من طَرِيق آخر وعجزه وَهل يبكي من الطَّرب الجليد والطرب هُوَ استطارة تلْحق الرجل عِنْد غَلَبَة السرُور أَو الْحزن عَلَيْهِ، وَهُوَ مِمَّا تغلط فِيهِ الْعَامَّة وَتذهب فِيهِ عَن وَجه الصَّوَاب، فيظنون أَنه يُقَال فِي الْفَرح خَاصَّة دون الْغم، وَالْأَمر فِيهِ بِخِلَاف مَا يتوهمون، وَقد زعم بعض أَصْحَاب اللُّغَة أَنه من الأضداد، وَأنكر ذَلِك كثير مِنْهُم، فَقَالَ لنا ابْن الْأَنْبَارِي: هُوَ عِنْدِي خفَّة تلْحق الرجل عِنْد الشَّيْء يسره أَو يحزنهُ، وَقد قَالَ الْأَعْشَى: فهاجت شوق محزونٍ طروبٍ ... فاسبل دمعه فِيهَا سجاما وَقَالَ لبيد: وَأرَانِي طَربا فِي إثرهم ... طرب الواله أَو كالمختبل وَمِمَّا يدل على مَا وَصفنَا فِي الطَّرب قَول الْكُمَيْت بْن زيدٍ: طربت وَمَا شوقا إِلَى الْبيض أطرب ... وَلَا لعبًا مني وَذُو الشيب يلْعَب ثمَّ قَالَ فِي هَذِه الْكَلِمَة: وَلَكِن إِلَى أهل الْفَضَائِل وَالنَّهْي ... وَخير بني حَوَّاء وَالْخَيْر يطْلب بني هَاشم آل النَّبِي ورهطه ... بهم وَلَهُم ارضي مرَارًا وأغضب وَمَعْلُوم أَن الطَّرب إِلَى بني هَاشم الَّذِي عناه الْكُمَيْت إِنَّمَا هُوَ ارتياحه إِلَيْهِم وَمَا يستفزه ويزدهيه ويستخفه من غَلَبَة الْمُوَالَاة لَهُم وَالْإِخْلَاص فِي مَوَدَّتهمْ، وتوخي الْقرْبَة إِلَى الله تَعَالَى بمسالمة من سالمهم ومحاربة من حاربهم، وَهَذَا هُوَ الْحق الْوَاجِب فِي الدَّين وَاللَّازِم للْمُسلمين. الْفضل وَصَلَاح الإِمَام حَدثنَا أَبِي ﵁ قَالَ حَدَّثَنَا إِدْرِيس بْن عبد الْكَرِيم قَالَ سَمِعت مزدويه يَقُول، سَمِعت لافضيل يَقُول: لَو أَن لي دَعْوَة مستجابة لجعلتها للْإِمَام، فَإِن صَلَاحه صَلَاح الْعباد والبلاد. فَقَامَ إِلَيْهِ ابْن الْمُبَارك فَقبل وَجهه وَقَالَ: يَا معلم الْخَيْر من يحسن هَذَا غَيْرك؟ قَالَ القَاضِي: ولعمري إِن فِي صَلَاح الإِمَام أعظم صلاحٍ للْمُسلمين فِي دينهم ودنياهم، وَإِن دعاءهم لَهُ بذلك من أحسن مَا يأتونه، وَلَهُم فِيهِ من وفور الْحَظ فِي اتساق مَعَايشهمْ

стр. 504

واستقامة متصرفاتهم مَا لَا يخيل على من كَانَ لَهُ قلب ذكي ولب رَضِي. وَقد أصَاب الفضيل فِي قَوْله، وَأحسن ابْن الْمُبَارك فِي فعله، وَنحن نسْأَل الله تَعَالَى أَن يرزقنا معدلة أَئِمَّتنَا وإحسانهم، ويعطف علينا قُلُوبهم، ويمدهم بأيده، ويشد سلطانهم بكيده، ويوفقنا لطاعتهم وتأدية حُقُوقهم، وإخلاص النَّصِيحَة لَهُم، ومظاهرة أَوْلِيَائِهِمْ، وَجِهَاد أعدائهم. عقبَة بْن سلم وَالشعرَاء حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْمَرْزُبَان قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن أبي طَاهِر قَالَ، قَالَ أَحْمَد بْن بدر، حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِي قَالَ: مدح بشار عقبَة بن سلمٍ فَأعْطَاهُ عشرَة آلَاف دِرْهَم، ومدحه مَرْوَان بْن أَبِي حَفْصَة بالقصيدة الَّتِي يَقُول فِيهَا: يَا وَاحِد الْعَرَب الَّذِي ... مَا فِي الْأَنَام لَهُ نَظِير لَو كَانَ مثلك وَاحِد ... مَا كَانَ فِي الدُّنْيَا فَقير وَدخل أَبُو الشمقمق يَوْمًا على عقبَة بْن سلمٍ، وَهُوَ جَالس بَين بشار ومروان، فاستأذنه فِي الإنشاد فَأذن لَهُ فأنشده: يَا عقب يَا عقب وقيت الردى ... يَا قَاتل الْبُخْل ومحيي الندى إِن أَبَا عمْرَة قد زارني ... فشق سربالي وَقد الردا فالطمه يَا عقب لنا لطمة ... إِذا رَآنِي فِي طَرِيق عدا قَالَ: بِمَ ألطمه؟ قَالَ: بِخَمْسِمِائَة درهمٍ قَالَ: أَنا أَبُو الملد، ربحت عَلَيْك أَرْبَعَة آلَاف وَخَمْسمِائة دِرْهَم، ثمَّ قَالَ: أعْطوا شميمقاً خَمْسمِائَة دِرْهَم واحملوه على بقرة. قَالَ الْأَصْمَعِي: عقبَة بْن سلم يكني أَبَا الملد، وَهُوَ الَّذِي يَقُول لَهُ بشار: اسمل وحييت أَبَا الملد توجيهات نحوية قَالَ القَاضِي: قَول مَرْوَان بْن أَبِي حَفْصَة: لَو كَانَ مثلك وَاحِد بجوز فِيهِ مثلك وَمثلك بِالرَّفْع وَبِالنَّصبِ على الْحَال لِأَن صفة النكرَة إِذا قدمت عَلَيْهَا نصبت على الْحَال كَمَا قَالَ الشَّاعِر: لخولة موحشًا طلل ... يلوح كَأَنَّهُ خلل وَقَالَ آخر: وَالشَّر منتشرًا يَأْتِيك عَن عرض ... والصالحات عَلَيْهَا مغلقًا بَاب الْعلَّة فِي نصب النكرَة إِذا قدمت أَن النَّعْت لَا يكون قبل المنعوت وَالْحَال مفعول فِيهَا، وَتقدم الْمَفْعُول وتأخره سائغان، وَقد يكون النصب بِأَن يَجْعَل خَبرا لَكَانَ. صور شعرية محورها الْبَرْق حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي قَالَ حَدَّثَنَا عونُ بْن مُحَمَّد الْكِنْدِيّ قَالَ: وَعَدَني سُلَيْمَان بْن وهب وَهُوَ يزر للمهدي أَن يُوقع لي بإيعاز ضَيْعَة أَبِي فَأَبْطَأَ فِي ذَلِك، فَقلت لَهُ:

стр. 505

قد تَأَخَّرت حَاجَتي، فَأَنت وَالله كَمَا قَالَ ابْن الْمولى: وَإِذا تبَاع كرمية أَو تشتري ... فسواك بَائِعهَا وَأَنت المُشْتَرِي وَإِذا تخيل من سحابك لامع ... سبقت مخايله يَد المستمطر فجذب الدواة وَقَالَ: مَا أخلب برقك وَلَا كذبت مخيلتك، وَوَقع لي بِمَا أردْت. قَالَ الصولي: أنشدت الْمبرد يَوْمًا قَول بشار: أبرقت لي حَتَّى إِذا قلت جَادَتْ ... أقشعت عَن سحائب تشفتر تَرَكتنِي وَمَا أومل مِنْهَا ... كالمرجي حلوبة مَا تدر فأنشدني: كَأَنَّك مزنة برقتْ بلَيْل ... لحيران يضيء لَهُ سناها فَلم تمطر عَلَيْهِ وجاوزته ... وَقد أرسى المنى لما رَآهَا فَسَأَلته عَن أرسى فَقَالَ: أَثْبَتَت المنى فِي قلبه، أما قَرَأت " وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا " النازعات:٣٢. قَالَ القَاضِي: قَول بشار: أبرقت لي لُغَة قد أثبتها قوم وَمِنْهَا قَول الْكُمَيْت: أرعد وأبرق يَا يزي؟؟ ... د فَمَا وعيدك لي بضائر وَكَانَ الْأَصْمَعِي يُنكر هَذَا وَيَردهُ وَلَا يعرف إِلَّا رعد وبرق. يعوض على معاونيه بسخاء بَالغ حَدثنِي أَبُو النَّصْر الْعقيلِيّ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن بنان الْكَاتِب قَالَ، قَالَ لي أَبُو الْعَبَّاس ابْن الْفُرَات، حَدَّثَنِي كَاتب إبراهمي بْن سِيمَا قَالَ: لما صرنا إِلَى الْبَصْرَة لمحاربة الناجم بهَا وَقعت النَّار فِي عسكرنا فأحرقت كل مَا كَانَ لإِبْرَاهِيم من مضرب وَغَيره، قَالَ: فانصرفنا إِلَى سر من رأى وعملنا حِسَاب نفقات عسكرنا، ففضل فِي أَيْدِينَا من المَال الَّذِي تسبب لنا أَرْبَعَة وَثَمَانُونَ ألف دِينَار، قَالَ فَقَالَ لي إِبْرَاهِيم: صر إِلَى أَبِي الْقَاسِم عُبَيْد اللَّهِ بْن سُلَيْمَان وأعلمه مَا نالنا فِي مضاربنا وآلتنا، وسله أَن يهب لنا من هَذَا المَال الَّذِي فضل قبلنَا مَا نرم بِهِ حَالنَا، فَلَعَلَّهُ يصفح لنا عَن خَمْسَة آلَاف دِينَار نصرفها فِي نفقتنا، قَالَ: فصرت إِلَيْهِ فَوَجَدته مستخليًا مُسْتَلْقِيا على مُصَلَّاهُ، فَسَأَلَنِي عَن إبراهم وحَدثني سَاعَة، ثُمَّ قَالَ لي: مَا جَاءَ بك فِي هَذَا الْوَقْت؟ إِلَيْهِ مَا قَالَ إِبْرَاهِيم فَقَالَ: وَكم بَقِي قبلك من المَال؟ قلت: أَرْبَعَة وَثَمَانُونَ ألف دِينَار، قَالَ: فَأدْخلهَا فِي حسابكم، وَقل لَهُ يَأْخُذهَا بَارك الله لَهُ فِيهَا قَالَ: فَفعلت ذَلِك وأخذنا المَال كُله، وَإِنَّمَا كَانَ تقديرنا أَن يتْرك لنا مِنْهُ خَمْسَة آلَاف دِينَار. الرَّسُول كَانَ يحب أَن يرى عنترة حَدَّثَنَا يَزْدَادُ بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن يزْدَاد الْمَرْوَزِيُّ الْكَاتِبُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى عِيسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبَصْرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِتِينَةَ، قَالَ وَسَمِعْتُ ابْنَ عَائِشَةَ يَقُولُ: أَنْشَدَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَنْتَرَةَ:

стр. 506

وَلَقَدْ أَبِيتُ عَلَى الطَّوَى وَأَظَلُّهُ ... حَتَّى أُصِيبَ بِهِ كَرِيمَ الْمَأْكَلِ قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا أَحَدٌ مِنْ فُرْسَانِ الْعَرَبِ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَاهُ مَا خَلا عَنْتَرَةَ. عبسي شَدِيد التعصب لعنترة حَدثنَا يزْدَاد بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى، قَالَ حَدَّثَنَا القحذمي عَن عَمه عَن ابْن دأب قَالَ: جَاءَنِي أَعْرَابِي منعبس مَا رَأَيْت قطّ أَشد عصيبةً مِنْهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا الْوَلِيد مَا شَيْء بَلغنِي عَنْك؟ قَالَ قلت: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: بَلغنِي أَنَّك تَقول إِن عنترة فقئت عينه قبل أَن يَمُوت، قَالَ قلت: نعم، قَالَ: وَمن فقأها؟ قَالَ قلت: غُلَام من بني قبال، قَالَ: عنْدك فِي ذَلِك شَاهد؟ قلت: نعم، قَالَ: فأنشدنيه، فَأَنْشَدته: غزا ثُمَّ آب العَبْد خائب جده ... إِلَى ضخمة الْأُذُنَيْنِ والكف شهبره فَبَاتَ إِلَيْهَا كاسرا شقّ عينه ... فَقَالَت لَهُ من عَار عَيْنك عنترة فَقَالَ لَهَا لَا ضير إِن ملمة ... ألمت وَإِن الدَّهْر يقلب أعصره وَإِن غُلَاما من قبالٍ أَصَابَهُم ... وَمَا كَانَ عَن كف القبالي أهدره قَالَ فَقَالَ لي: أَمَعَك غير هَذَا؟ قَالَ قلت: نعم. أما بَنو عبس فَإِن دعيهم ... ولت فوارسه وأفلت أعورا سمع التذامر والتواصي بَينهم ... لَا يَفْلِتَنَّ العَبْد عنتر عنترا قَالَ فَقَالَ لي: يَا أَبَا الْوَلِيد قد صَحَّ هَذَا عنْدك؟ قَالَ قلت: قد حدثتك الحَدِيث وأنشدتك الشّعْر، قَالَ: وَالله ماتفقت عينه فِي قَبره، كَيفَ تزْعم أَنَّهَا تفقت قبل مَوته؟! تَعْلِيق على مَا جَاءَ فِي الْخَبَرَيْنِ السَّابِقين قَالَ القَاضِي: قد روينَا عَنِ النَّبيّ ﷺ فِي غير هَذَا الطَّرِيق فِي ذكر عنترة محبته رُؤْيَة عنترة وَأَنه قَالَ: لَو أَدْرَكته نفعته؛ وَقَول الشَّاعِر إِلَى ضخمة الْأُذُنَيْنِ والكف شهبرة الشهبرة: الْعَجُوز المولية، وَيُقَال شهورة وينشد فِي هَذَا: أم الْحُلَيْس لعجوز شهوره وَجَاء فِي بعض الْأَخْبَار أنَّ النَّبيّ ﷺ قَالَ لزيد بْن حارثه لَا تتَزَوَّج خمْسا، فَذكر فِيهِنَّ الشهبرة. وَيُقَال أَيْضا عَجُوز شهربة وأنشدوا فِي هَذَا: أم الْحُلَيْس لعجوز شهربه ... ترْضى من اللَّحْم بِعظم الرَّقَبَة وَقَوله: وَمَا كَانَ عَن كف القبالي أهدره يُقَال أهْدر دم فلَان إِذا طل وَلم يثأر بِهِ وَأسْقط الْقصاص وَالْعقل عَنْهُ. وَقَول الشَّاعِر فِي الشّعْر الثَّانِي: لَا يَفْلِتَنَّ العَبْد عنتر عنترا فِيهِ إغراء بِهِ، كَأَنَّهُ قَالَ عَلَيْك عنترة أَو اقْتُل عنترة، كَمَا تَقول: الطَّرِيق الطَّرِيق فأضمر الْفِعْل، وَمثله قَوْلك لمن رايته يضْرب رجلا أَو يتهيأ لضربه: رَأسه؛ وَهَذَا بَاب وَاسع مَعْرُوف فِي الْعَرَبيَّة يضمر الْفِعْل فِيهِ اكْتِفَاء بِمَا حضر أَو ظهر من الْأَحْوَال والأشياء الدَّالَّة على الْعَامِل

стр. 507

الْمَنوِي والمتروك. وَأما قَول الْعَبْسِي " تفقت عينه " فَإِنَّهُ ترك الْهَمْز فِي هَذِه الْكَلِمَة وَهُوَ أصل فِيهَا، قَالَ الشَّاعِر: تفقأ فَوْقه قلع السَّوَارِي ... وجن الخازباز بِهِ جنونا وَقد يتْرك الْهَمْز كثيرا وخاصة فِي الشّعْر كَقَوْل الشَّاعِر: وَكنت أَبَا ستةٍ كالبدور ... أفقي بهم أعين الحاسدينا بَيت شرِيف فِي امْرَأَة خفرة حَدثنَا عَبد اللَّه بْن مَنْصُور الْحَارِثِيّ، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زَكَرِيَّاء الْغلابِي، قَالَ حَدَّثَنَا مهْدي بْن سابقٍ، قَالَ حَدَّثَنِي الهَيْثَم بْن عَدِيّ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْد صَالح بْن حسان فَقَالَ: أنشدوا بَيْتا شريفًا فِي امرأةٍ خفرة، قُلْنَا قَول حَاتِم الطَّائِي: يضيء لَهَا الْبَيْت الظليم خصَاصَة ... إِذا هِيَ يَوْمًا حاولت أَن تبسما فَقَالَ: أُرِيد أحسن من هَذَا الْبَيْت. قُلْنَا قَول الْأَعْشَى: كَأَن مشيتهَا من بَيت جارتها ... مر السحابة لَا ريث وَلَا عجل قَالَ: أُرِيد أحسن من هَذَا. قُلْنَا بَيت ذِي الرمة: تنوء بأولاها فلأيا قِيَامهَا ... وتمشي الهوينا من قريب فتبهر قَالَ: أُرِيد أحسن من هَذَا. قُلْنَا: مَا عندنَا شَيْء، قَالَ بَيت أَبِي قيس ابْن الأسلت: ويكرمنها جاراتها فيزرنها ... وتعتل عَن إتيانهن فَتعذر أحسن بَيت فِي وصف الثريا ثمَّ قَالَ: أَتَدْرُونَ أحسن بيتٍ وصفت بِهِ الثريا؟ قُلْنَا بَيت ابْن الزُّبَيْر: وَقد لَاحَ فِي الجو الثريا كَأَنَّهُ ... بِهِ راية بَيْضَاء تخفق لِلطَّعْنِ فَقَالَ: أُرِيد أحسن من هَذَا، قُلْنَا: بَيت امْرِئ الْقَيْس: إِذا مَا الثريا فِي السَّمَاء تعرضت ... تعرض أثْنَاء الوشاح الْمفصل قَالَ: أُرِيد أحسن من هَذَا، قُلْنَا: بَيت ابْن الطثرية: إِذا مَا الثريا فِي السَّمَاء كَأَنَّهَا ... جمان وَهِي من سلكه فتسرعا قَالَ: أُرِيد أحسن من هَذَا؛ قُلْنَا قَول ذِي الرمة: وردتاعتسافاً والثريا كَأَنَّهَا ... على قمة الرَّأْس ابْن مَاء محلق يدف على آثارها دبرانها ... فَلَا هُوَ مَسْبُوق وَلَا هُوَ يلْحق بِعشْرين من صغري النُّجُوم كَأَنَّهَا ... وإياه فِي الجرباء لَو كَانَ ينْطق قلاص حداها رَاكب متعمم ... هجائن قد كَادَت عَلَيْهِ تفرق قَالَ: أُرِيد أحسن من هَذَا؛ قُلْنَا: مَا عندنَا شيءن قَالَ بَيت أَبِي قيس ابْن الأسلت: وَقد لَاحَ فِي الجو الثريا لمن رأى ... كعنقود ملاحيةٍ حِين نورا

стр. 508

تعليقات للْقَاضِي على مَا تقدم قَالَ القَاضِي: قَول حَاتِم: الْبَيْت الظليم أَرَادَ: المظلم، ومفعل قد ينْصَرف إِلَى فعيل، وَمن ذَلِك عَذَاب أَلِيم أَي مؤلم، قَالَ الله ﵎: " وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ " يُونُس:٤ وَمن هَذَا قَول الشَّاعِر: ونرفع من صُدُور شمردلاتٍ ... يصك وجوهها وهج أَلِيم وَمِنْه سميع بِمَعْنى مسمع، قَالَ الشَّاعِر: أَمن ريحانه الدَّاعِي السَّمِيع ... يؤرقني وأصحابي هجوع أَرَادَ المسمع. وَقد يُقَال سميع بِمَعْنى سامع، وَيَأْتِي على فعيل للْمُبَالَغَة مثل رَاحِم وَرَحِيم، وحافظ وحفيظ، وعالم وَعَلِيم، وقادر وقدير، وناصر ونصير، فِي نَظَائِر لهاذا كَثِيرَة جدا. وَقَول ذِي الرمة فلأياً قِيَامهَا أَي بطيء؛ وَقَالَ زُهَيْر: وقفت بهامن بعد عشْرين حجَّة ... فلأيا عرفت الدَّار بعد توهم وَقَول أبي قيس: " وكيرمنها جاراتها " هَكَذَا رُوِيَ لنا على لُغَة من يَأْتِي بعلامة الْجمع مَعَ تقدم الْفِعْل وفراغه من الضَّمِير، كَمَا قَالَ الشَّاعِر: وَلَكِن ديافي أَبوهُ وَأمه ... بحوران يعصرن السليط أَقَاربه الْأَفْصَح ويكرمها وَقد مضى فِي بعض مَا تقدم من مجالسنا هَذِه قَول لنا فِي هَذَا الْمَعْنى وتفريق بَين عَلامَة التَّثْنِيَة وَالْجمع فِي العلاقة، وَبَين عَلامَة التَّأْنِيث، ويستغنى بِهِ عَن إِعَادَته فِي هَذَا الْموضع. وَقَول أَبِي قيس بْن الأسلت " كعنقود ملاحية " رُوِيَ لنا فِي هَذَا الْخَبَر ملاحية بتَشْديد اللَّام، ولغة الْعَرَب الفصيحة السائرة ملاحية يَقُولُونَ عِنَب ملاحي، وَرَوَاهُ الحَدِيث وَالْأَخْبَار الَّذين لَا علم لَهُم بِكَلَام الْعَرَب يغلطون فِي هَذَا كثيرا وَفِي مَا أشبهه، وَأرى أَن الَّذِي أوقعهم فِي هَذَا أَنهم لما رَأَوْا هَذَا الْبَيْت رَأَوْا ظُهُور الزحاف فِيهِ إِذا رُوِيَ مخففًا على الْوَجْه الصَّحِيح وسلامته من ذَلِك إِذا شدد، ثُمَّ لم يعلمُوا جَوَاز الزحاف واطّراده وَظُهُور اسْتِعْمَاله وَأَن أَكثر الشّعْر مزاحف، وَمَا لَا زحاف فِيهِ قَلِيل نزر جدا؛ وَهَذَا الْبَيْت من الطَّوِيل والزحاف فِيهِ ذهَاب يَاء مفاعيلن ورده إِلَى مفاعلن، وَيُسمى هَذَا النَّوْع من الزحاف قبضا لذهاب خَامِس حُرُوف الْجُزْء، وَيُسمى الْجُزْء الَّذِي لحقه هَذَا الزحاف مَقْبُوضا، وَقد يسقطون نون مفاعيلن على معاقبة الْقَبْض فِيهِ وَهُوَ ذهَاب الْيَاء وَلَا يَجْتَمِعَانِ فِي السُّقُوط، وَيُسمى هَذَا الزحاف الْكَفّ لذهاب السَّابِع من حُرُوف جزئه، وَيُسمى الْجُزْء مكفوفًا. الْمجْلس التَّاسِع وَالسِّتُّونَ حَدِيث فِي الْخَطِيئَة أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ الْقَاضِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدِينِيُّ بِمَدِينَةِ الرَّسُولِ ﷺ ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا

стр. 509

أَحْمَد بْن يحيى، قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ مِهْرَانَ الأَسَدِيُّ، قَالَ حَدثنَا أَبُو بكر ابْن عَيَّاشٍ عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ زيادٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ عَنِ الْعُرْسِ، وَهُوَ ابْنُ عُمَيْرَةَ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ فِي أَرْضٍ فَمَنْ أَنْكَرَهَا كَانَ كمن غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ رَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا. تَعْلِيق الْجريرِي على الحَدِيث قَالَ القَاضِي: قد ثَبت بِدَلِيل الْعقل والسمع أَن الراضي بِفعل المحسن شريك فِي إحسانه، والراضي بِفعل الْمُسِيء شريك فِي إساءته، من جِهَة الْمَدْح والذم، وَالْأَجْر والأثم. وَقد ذمّ الله تَعَالَى فِي كِتَابه من كَانَ من الْيَهُود فِي عصر نبيه ﷺ بإضافته قتل أَنْبِيَائهمْ إِلَيْهِم، وَإِن كَانَ الْمُبَاشر لذَلِك من تقدم من آبَائِهِم لرضاهم بِهِ وموافقتهم إيَّاهُم فِي دينونتهم بِمَا ضلوا فِيهِ وَكَفرُوا بِفِعْلِهِ وعصوا بارتكابه. حسن سياسة ملك حَدثنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِم عَن الْمَدَائِنِي قَالَ: بلغ بعض مُلُوك الطوائف حسن سياسة ملكٍ، قَالَ: فَكتب إِلَيْهِ يسْأَله أَن يفِيدهُ علم الَّذِي بلغ بِهِ ذَلِك، فَكتب إِلَيْهِ: لم أهزل فِي أَمر ولانهي، وَلَا وعدٍ وَلَا وعيدٍ، واستكفيت أهل الْكِفَايَة، وَأثبت على الْغناء لَا على الْهوى، وأودعت الْقُلُوب هَيْبَة لم يشنها مقت، وودا لم يشبه كذب، وعممت بالقوت ومنعت الْفضل. قَول لبَعض الْحُكَمَاء حَدثنَا أَبُو النَّصْر الْعقيلِيّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْحسن بْن رَاهْوَيْةِ الْكَاتِب قَالَ: بَلغنِي أَن بعض الْحُكَمَاء قَالَ: إِن الله ﵎ جعل خَزَائِن نعْمَته عرضةً لمؤمليه، وَجعل مفايتحها صدق نيةٍ راجية. دفتر لِابْنِ دُرَيْد قَالَ القَاضِي ﵀: أَخْبرنِي بعض أَصْحَابنَا أَنه قَرَأَ على دفترٍ لِابْنِ دُرَيْد بِخَطِّهِ: حسبي من خَزَائِن عطاياه مَفْتُوحَة لمؤمليه، وَمن جعل مفاتيحها صِحَة الطمع فِيهِ. قَالَ: وقرأت على هَذَا الدفتر أَيْضا: أفوض مَا تضيق بِهِ الصُّدُور ... إِلَى من لاتغالبه الْأُمُور محاورة بَين ابْن عَبَّاس وَمُعَاوِيَة حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَزْيَدٍ الْخُزَاعِيّ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّبَيْر بْن بَكَّارٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ الأَثْرَمُ عَنْ هِشَامِ بْنِ محمدٍ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ أَكْثَرَ غِشْيَانًا لِمُعَاوِيَةَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَوَفَدَ إِلَيْهِ مَرَّةً وَعِنْدَهُ وُفُودُ الْعَرَبِ فَأَقْعَدَهُ عَلَى يَمِينِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: نشدتك الله يَا ابْن عباسٍ أَنْ لَوْ وَلَّيْتُمُونَا أَتَيْتُمْ إِلَيْنَا مَا أَتَيْنَا إِلَيْكُمْ مِنَ التَّرْحِيبِ وَالتَّقْرِيبِ وَعَطَائِكُمُ الْجَزِيلِ وَإِكْرَامِكُمْ عَنِ الْقَلِيلِ، وَصَبَرْتُمْ عَلَى مَا صَبَرْنَا عَلَيْهِ مِنْكُمْ؟ إِنِّي

стр. 510

لَا آتِي إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا إِلا صغر تموه: أُعْطِيكُم الْعَطِيَّةَ فِيهَا قَضَاءُ حُقُوقِكُمْ فَتَأْخُذُونَهَا مُتَكَارِهِينَ عَلَيْهَا، تَقُولُونَ: قَدْ نَقُصَ حَقُّنَا وَلَيْسَ هَذَا تَأْمِيلُنَا، فَأَيُّ أملٍ بَعْدَ أَلْفِ ألفٍ أُعْطِيهَا الرَّجُلَ مِنْكُمْ ثُمَّ أَكُونُ أَسَرَّ بِإِعْطَائِهَا مِنْهُ بِأَخْذِهَا؟ وَاللَّهِ لَقَدِ انْخَدَعْتُ لَكُمْ فِي مَالِي، وَذَلَلْتُ لَكُمْ فِي عِرْضِي، أَرَى انْخِدَاعِي تَكَرُّمًا، وَذُلِّي حِلْمًا، وَلَوْ وَلَّيْتُمُونَا رَضِينَا مِنْكُمْ بِالإِنْصَافِ ثُمَّ لَا نَسْأَلُكُمْ أَمْوَالَكُمْ، لِعِلْمِنَا بِحَالِنَا وَحَالِكُمْ، وَيَكُونُ أَبْغَضُ الأَمْوَالِ إِلَيْنَا أَحَبَّهَا إِلَيْكُمْ لأَنَّ أَبْغَضَهَا إِلَيْنَا أَحَبُّهَا إِلَيْكُم، قل يَا ابْن عباسٍ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ وُلِّينَا مِنْكُمْ مِثْلَ الَّذِي وُلِّيتُمْ مِنَّا اخْتَرْنَا الْمُوَاسَاةَ ثُمَّ لَمْ يَعَشِ الْحَيُّ بِشَتْمِ الْمَيِّتِ، وَلَمْ نَنْبُشِ الْمَيِّتَ بِعَدَاوَةِ الْحَيِّ، وَلأَعْطَيْنَا كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فَأَمَّا إِعْطَاؤُكُمُ الرَّجُلَ مِنَّا أَلْفَ أَلْفٍ فَلَسْتُمْ بِأَجْوَدَ مِنَّا أَكُفًّا، وَلا أَسْخَى مِنَّا أَنْفُسًا، وَلا أَصْوَنَ لأَعْرَاضِ الْمُرُوءَةِ وَأَهْدَافِ الْكَرَمِ؛ وَنَحْنُ وَاللَّهِ أَعْطَى فِي الْحَقِّ مِنْكُمْ عَلَى الْبَاطِلِ، وَأَعْطَى عَلَى التَّقْوَى مِنْكُمْ عَلَى الْهَوَى. فَأَمَّا رِضَاكُمْ مِنَّا بِالْكِفَافِ فَلَوْ رَضِيتُمْ بِهِ مِنَّا لَمْ نَرْضَ لأَنْفُسِنَا بِذَلِكَ والكفاف رضى من لَاحق لَهُ، فَلَوْ رَضِيتُمْ بِهِ مِنَّا الْيَوْمَ مَا قَتَلْتُمُونَا عَلَيْهِ أَمْسِ، فَلا تَسْتَعْجِلُونَا حَتَّى تَسْأَلُونَا، وَلا تَلْفِظُونَا حَتَّى تَذُوقُونَا. فَقَالَ الْفَضْلُ بْن الْعَبَّاس بْن عتبَة بْن أَبِي لهبٍ: وَقَالَ ابْنُ حربٍ قَوْلَةً أُمَوِيَّةً ... يُرِيدُ بِمَا قَدْ قَالَ تفتيش هَاشم أجب يَا ابْن عَبَّاسٍ تُرَاكُمْ لَوْ أَنَّكُمْ ... مَلَكْتُمْ رِقَابَ الأَقْرَبِينَ الأَكَارِمِ أَتَيْتُمْ إِلَيْنَا مَا أَتَيْنَا إِلَيْكُمْ ... مِنَ الْكَفِّ عَنْكُمْ وَاجْتِبَاءِ الدَّرَاهِمِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَقَالا أُمْضِهِ ... وَلَمْ يَكُ عَنْ رَدِّ الْجَوَابِ بِنَائِمِ نَعَمْ لَوْ وَلَّيْنَاكُمْ عَدَلْنَا عَلَيْكُمْ ... وَلَمْ تَشْتَكُوا مِنَّا انْتِهَاكَ الْمَحَارِمِ وَلَمْ نَعْتَمِدْ لِلْحَيِّ وَالْمَيِّتِ غُمَّةً ... تُحْدِثُهَا الركْبَان أهل المواسم وَلم نُعْطِكُمْ إِلا الْحُقُوقَ الَّتِي لَكُمْ ... وَلَيْسَ الَّذِي يُعْطِي الْحُقُوقَ بِظَالِمِ وَمَا أَلَفُ ألفٍ تَسْتَمِيلُ ابْنَ جعفرٍ ... بهَا يَا ابْن حربٍ عِنْد حز الحلاقم فَأصْبح يَرْمِي مَنْ رَمَاكُمْ بِبُغْضِهِ ... عَدُوُّ الْمَعَادِي سَالِمًا لِلْمُسَالِمِ فَأَعْظِمْ بِمَا أَعْطَاكَ مِنْ نُصْحِ جَيْبِهِ ... وَمِنْ أَمْنِ غيبٍ لَيْسَ فِيهِ بِنَادِمِ رِسَالَة من خَالِد الْقَسرِي إِلَى أبان البَجلِيّ حَدثنَا الْحُسَيْن بْن الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر أَحْمَد بْن عبيد بْن نَاصح قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عمرَان عَن أَبِيه قَالَ: كتب خَالِد بْن عَبْد اللَّه الْقَسرِي إِلَى أبان بْن الْوَلِيد البَجلِيّ وَكَانَ قد ولاه الْمُبَارك: أما بعد فَإِن بالرعية من الْحَاجة إِلَى ولاتها مثل الَّذِي بالولاة من الْحَاجة إِلَى رعيتها، وَإِنَّمَا هم من الْوَالِي بِمَنْزِلَة جسده من رَأسه، وَهُوَ مِنْهُم بِمَنْزِلَة رَأسه من جسده فَأحْسن إِلَى رعيتك بالرفق بهم، وَإِلَى نَفسك بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهَا، وَلَا يكونُونَ هم إِلَى صَلَاحهمْ أسْرع مِنْك إِلَيْهِ، وَلَا عَن فسادهم أدفَع مِنْك عَنْهُ، وَلَا يحملك فضل الْقُدْرَة على

стр. 511

شدَّة السطوة بِمن قل ذَنبه ورجوت مُرَاجعَته، وَلَا تطلب مِنْهُم إِلَّا مثل الَّذِي تبذل لَهُم، وَاتَّقِ الله تَعَالَى فِي الْعدْل عَلَيْهِم وَالْإِحْسَان إِلَيْهِم، فَإِن الله مَعَ الَّذين اتَّقوا وَالَّذين هم محسنون. اصرم فِيمَا علمت، وأكتب إِلَيْنَا فِيمَا جهلت يأتك أمرنَا فِي ذَلِك إِن شَاءَ الله، وَالسَّلَام. أَبُو الْأسود يُوصي حَارِثَة أَن يستغل ولَايَته حَدثنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْمَرْزُبَان قَالَ حَدَّثَنِي الْمُغيرَة بْن مُحَمَّد المهلبي قَالَ حَدَّثَنِي الْعُتْبِي قَالَ: كَانَ حَارِثَة بْن بدر الغداني صديقا لزياد بْن أَبِيه وَكَانَ أَبُو الْأسود الدؤَلِي مؤاخيا لحارثة بْن بدرٍ، فقلد زِيَاد حَارِثَة بْن بدر سرق، فَكتب إِلَيْهِ أَبُو الْأسود: أحار بْن بدرٍ قد وليت إِمَارَة ... فَكُن جرذا فِيهَا تعق وتسرق وباه تميمًا بالغنى إِن للغنى ... لِسَانا بِهِ الْمَرْء الهيوبة ينْطق وَلَا تحقرن يَا حَار شَيْئا أصبته ... فحظك من ملك العراقين سرق فَإِنِّي رَأَيْت النَّاس إِمَّا مكذب ... يَقُول بِمَا يهوى وَإِمَّا مُصدق يَقُولُونَ أقوالا بِظَنّ وشبهةٍ ... فَإِن قيل هاتوا حققوا لم يحققوا فَكتب إِلَيْهِ حَارِثَة بْن بدرٍ: لم يعم علينا الرَّأْي يَا أَبَا الْأسود، وَختم كِتَابه بِهَذَا الشّعْر: جَزَاك مليك النَّاس خير جَزَائِهِ ... فقد قلت مَعْرُوفا وأوصيت كَافِيا أمرت بحزمٍ لَو أمرت بِغَيْرِهِ ... لألفيتني فِيهِ لأمرك عَاصِيا ستلقى امْرَءًا يصفيك بالود مثله ... ويوليك حفظ الْغَيْب إِن كنت نَائِبا وَأقرب مَا عِنْدِي الْمُوَاسَاة مسمحًا ... إِذا لم يجد قوم صديقا مكافيًا تَفْسِير التَّرْخِيم وَشرح السماحة قَالَ القَاضِي: رخم أَبُو الْأسود حَارِثَة فِي شعره، فَحذف الْهَاء والثاء، وَبَعض النَّحْوِيين لَا يُجِيز هَذَا، وَيَقُول يَا حَارِث فِي ترخيم حَارِثَة فتحذف الْهَاء خَاصَّة فَيَقُول: أحارث وأحارث على لغتين للْعَرَب فِيهِ، أفصحهما إِقْرَار حَرَكَة الْحَرْف فِي التَّرْخِيم على مَا كَانَت عَلَيْهِ، وَهُوَ الْوَجْه الْمُخْتَار، وَالْأُخْرَى صمه على حكم النداء الْمُفْرد وَالْقَضَاء على مَا بَقِي بعد حذف الطّرف للترخيم بِأَنَّهُ اسْم قد قَامَ بِنَفسِهِ وَكفى من غَيره، وَلَا نجيز هَذَا التَّرْخِيم على هذَيْن الوجيهن إِلَّا فِي ترخيم حَارِث، وَقد احْتج بِشعر أَبِي الْأسود وَغَيره فِي إجَازَة هَذَا التَّرْخِيم من أجَازه. وَقَوله: وَأقرب مَا عِنْدِي الْمُوَاسَاة مسمحًا يُقَال من السماحة والسماح، سمعح فلَان بِمَالِه ومعروفه وسامح وتسمح وتسامح، وَيُقَال أسمح فلَان فَهُوَ مسمح إِذا انْقَادَ وأصحب وَلِأَن جَانِبه وقارب غير مستصعب، قَالَ تَمِيم بْن أَبِي بْن مُقْبل الْعجْلَاني: هَل الْقلب عَن دهماء سالٍ فمسمح ... فتاركه مِنْهَا الخيال المبرح

стр. 512

رِوَايَة أُخْرَى عَن تَوْلِيَة حَارِثَة وَوَصِيَّة أَبِي الْأسود حَدثنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْميُّ عَن أَبِيه قَالَ حَدَّثَنَا خَالِد بْن سعيدٍ عَن أَبِيه قَالَ: لما ولي زِيَاد حَارِثَة بْن بدرٍ الغداني سرق خرج مَعَه المشيعون، فَقَالَ لَهُ أَبُو الْأسود الدؤَلِي مسيرًا إِلَيْهِ: أحار بْن بدرٍ وَذكر الشّعْر وَجَوَاب حَارِثَة عَنْهُ، والألفاظ فِيهِ وَفِي خبر ابْن الْأَنْبَارِي متقاربه الْمعَانِي، وَفِي هَذَا الْخَبَر زِيَادَة بَيت يَلِي قَول أَبِي الْأسود: يَقُولُونَ أقوالا بظنٍ وشبهةٍ. وَهُوَ: وَلَا تعجزن فالعجز أوطأ مركب ... وَمَا كَانَ من يدعى إِلَى الرزق يرْزق سَمَّاهُ مَعْرُوفا وكناه أَبَا الْحسن حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي قَالَ حَدَّثَنَا الغَلابِي قَالَ حَدَّثَنَا ابْن عَائِشَة قَالَ: سمى رجل ولدا لَهُ مَعْرُوفا وكناه بِأبي الْحسن، فَلَمَّا شب قَالَ لَهُ: يَا بني إِنَّمَا سميتك مَعْرُوفا وكنيتك بِأبي الْحسن لأحبب إِلَيْك مَا سميتك بِهِ وكنيتك بِهِ. قَالَ الصولي: فَحدثت بِهَذَا الحَدِيث وكيعًا فَقَالَ لي: يُقَال إِن قَائِل هَذَا أَبُو مَعْرُوف الْكَرْخِي لمعروف. نباذة عَن مَعْرُوف الْكَرْخِي قَالَ القَاضِي: العروف من كنية معروفٍ الْكَرْخِي أَبُو مَحْفُوظ، وَاسم أَبِيه الفيرزان، وَكَانَ من المعروفين بالصلاح فِي دينه مَشْهُورا بِالِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَة والورع والزهادة، فَكَانَ النَّاس فِي زَمَانه وَبعد مضيه لسبيله يتحدثون أَنه مستجاب الدعْوَة، وَله أَخْبَار مستحسنة جمعهَا النَّاس تشْتَمل على أخلاقه وَسيرَته، وَقد رويت لنا عَنْهُ أَخْبَار مُسندَة وموقوفة. وَحدثت عَن عَبد اللَّه بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن حَنْبَل أَنه قَالَ، قلت لأبي: هَل كَانَ مَعَ مَعْرُوف الْكَرْخِي شَيْء من الْعلم؟ فَقَالَ لي: يَا بني كَانَ مَعَه راس الْعلم، خشيَة الله ﵎. قَالَ القَاضِي: ولعمري إِن خشيَة الله تَعَالَى وتقواه رَأس الْعلم. وَإِنَّمَا يكْتَسب الْعلم ليؤدي إِلَى خشيَة الله تَعَالَى ومراقبته، وَالسَّعْي إِلَى مَا يعود بثوابه والأمن من عِقَابه، وَقد قَالَ مُجَاهِد: إِنَّمَا الْفَقِيه من يخْشَى الله لِأَنَّهُ قَالَ عز ذكره: " إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ " فاطر: ٢٨ وَقد كَانَ نَبينَا ﷺ أعلم النَّاس بربه، وأفقههم فِي دينه، وأخشاهم لَهُ، وأحفظهم لحدوده. وَقد جَاءَ فِي الْأَثر: إِن رَأس الْحِكْمَة خشيَة الله تَعَالَى وَإِن حب الدُّنْيَا رَأس كل خَطِيئَة. نسْأَل الله الْكَرِيم إصلاحنا لَهُ حَتَّى نؤثر رِضَاهُ على هوانا، وَلَا نشتغل عَن الاستعداد لمعادنا إِلَيْهِ بغرور دُنْيَانَا، إِنَّه سميع الدُّعَاء لطيف لما يَشَاء. حَمْدَوَيْه صَاحب الزَّنَادِقَة والطويل الزنديق حَدثنَا مُحَمَّد بْن عبد الْوَاحِد أَبُو عمر الزَّاهِد قَالَ أَخْبرنِي أَبُو بكر الْمَلْطِي قَالَ أَخْبرنِي

стр. 513

من رأى حَمْدَوَيْه الزنديق النَّائِب، تائب الزَّنَادِقَة، قَالَ: فَأَخْبرنِي أَن الْخَلِيفَة رأى فِي مَنَامه كَأَن الْكَعْبَة قد مَالَتْ، وَكَأَنَّهُ أَقَامَهَا هُوَ وَآخر يعرف صورته إِذا رَآهُ فِي الْيَقَظَة، فاستوت الْكَعْبَة، قَالَ: فطلبوني فَقيل لي يَا حَمْدَوَيْه مَا نشك فِيك أَنَّك أَنْت صَاحب الْخَلِيفَة، قَالَ: فأدخلت عَلَيْهِ فَقَالَ: نعم هَذَا هُوَ، قَالَ: فَخلع عَليّ وحملني، ثُمَّ أَمر صَاحب الشرطة أَن يقبل مني كل شَيْء أقوله، وَقَالَ لَهُ: مر أَصْحَاب الأرباع والأعوان بِالطَّاعَةِ لَهُ، قَالَ: نعم، ثُمَّ قَالَ لي أنظر كل زنديق فارفعه إِلَيّ، قَالَ: وَأمر لي بسجن حَتَّى أحبس فِيهِ الزَّنَادِقَة، فَقَالَ لي ابْن مَسْرُوق الصُّوفِي: هِيَ الَّتِي يُقَال لَهَا دَار مُفْلِح قَالَ حَمْدَوَيْه: فالتقطت مِنْهُم جمَاعَة، فَمن أقرّ وَتَابَ خلاه السُّلْطَان وَمن جحد حَبسه، قَالَ، فمررت ذَات يومٍ على مَسْجِد الطَّوِيل وَهُوَ يَقُول فِي أَذَانه: أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ، قَالَ حَمْدَوَيْه: فَقلت زنديق وَالله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ، قَالَ: فَبعثت إِلَى صَاحب الرّبع فَركب، فَقلت: اقبض على ذَا، فرفعه إِلَى السُّلْطَان، قَالَ: وَكَانَ مقرئا قد علم ألوفا من النَّاس، قَالَ: فتسامع أهل الكرخ، قَالَ: فَاجْتمعُوا وهم ثَلَاثُونَ ألفا فَدَخَلُوا على السُّلْطَان الْأَعْظَم فَقَالُوا لَهُ: لَيْسَ حَمْدَوَيْه نَبيا وَلَا صحابياً وَلَا تابيعاً حَتَّى يصدق فِي كل شيءٍ يَقُوله، وَنحن وُجُوه الرَّعْي نحلف للسُّلْطَان بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ لقد أبطل حَمْدَوَيْه، قَالَ: وابتدأ قوم فَحَلَفُوا بِالطَّلَاق وأيمان الْبيعَة أَن حَمْدَوَيْه كذب على أستاذنا، قَالَ: وَخَرجُوا وَقد وعدهم أَن يتَوَقَّف فِي قَتله ثَلَاثَة أَيَّام، فَإِن خرج حَمْدَوَيْه بعذرٍ بَين قتل حَمْدَوَيْه وخلى الْمقري، قَالَ: فَخَلا بِي من بعد مَا خرج النَّاس فَقَالَ لي: يَا حَمْدَوَيْه، قد بلغك الْخَبَر وَرَأَيْت الْأمة قد اقبلت إِلَيّ وَزَعَمُوا أَنه أستاذهم وَقد حلفوا بِالطَّلَاق، وَقد أجلته ثَلَاثَة أَيَّام فَإِذا كَانَ الْيَوْم الرَّابِع فإمَّا قتلته وَإِمَّا أَقْتلك، فَقلت: قد رضيت بِاللَّه رَبًّا وبمحمدٍ ﷺ نَبيا وَقد رضيت بِاللَّه كَافِيا ومعينا وَأَنا أَقمت مَعَك الْكَعْبَة لاهم، قَالَ: وَخرجت فأخذني الْمُقِيم المقعد وَلَا أجد أحدا إِلَّا وَهُوَ يثني عَلَيْهِ بالصيام وَالْقِيَام وَالْأَذَان والإمامة، قَالَ: فَدخلت فِي الْيَوْم الثَّالِث إِلَى سجني، قَالَ: وَكَانَ من الزَّنَادِقَة فِي حبسي غُلَام عَاقل نظيف، قَالَ فَقَالَ لي: مَالِي أَرَاك مهتما؟ قَالَ قلت: دَعْنِي لَيْسَ هَذِه السَّاعَة من ساعاتك، قَالَ: لَعَلَّ فرجك عِنْدِي، قَالَ قلت لَهُ: وَيحك الطَّوِيل المقرى، قَالَ قل لي: وَقعت عَلَيْهِ، قَالَ قلت: وَيحك فرج عني، قَالَ فَقَالَ لي: فَفرج عني حَتَّى أفرج عَنْك، قَالَ فَقلت: وَمَا صدقت عَلَيْك فِيهِ؟ قَالَ فَقَالَ لي: وَالله مَا كذبت عَليّ وَلَا على غَيْرِي، قَالَ قلت: تب حَتَّى أخليك، قَالَ فَقَالَ لي: قد تبت، قَالَ فَقلت: فَحَدثني بحدثني بِحَدِيث هَذَا الرجل وَأَنا أخرجك معي السَّاعَة من الْحَبْس لِأَنِّي مُطَاع عِنْد السُّلْطَان، قَالَ فَقَالَ لي: هَذَا أستاذي الْكَبِير فِي الزندقة، وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا زنديق دَاعِيَة إِلَّا من قبل هَذَا الَّذِي يُقَال لَهُ الطَّوِيل، قَالَ قلت: صدقت، وَلَكِن السُّلْطَان لَا يجعلك أَنْت حجَّة على رجل لَهُ

стр. 514

ثَلَاثُونَ ألف نَاصِر، قَالَ فَقَالَ لي: أعرض عَلَيْهِ ثَلَاثَة أَشْيَاء، فَإنَّك لَو قطعت الزنديق مَا فعلهَا، قَالَ قلت: مَا هِيَ؟ قَالَ: فِي إصبعه خَاتم يخْتم بهَا، عَلَيْهِ مَكْتُوب: أَنا زنديق فَإِذا وافى خَاتمه بعض الزَّنَادِقَة قضى حَاجَة الرجل وَلَو كَانَ فِيهَا فَقده وتلفه، قَالَ قلت: فَإِن خرج مِنْهَا؟ قَالَ فَقَالَ لي: ادْفَعْ إِلَيْهِ ديكًا نبطيًا قلطيًا أصفر المنقار دَقِيق السَّاقَيْن أبح الصَّوْت حَتَّى يذبحه، قَالَ قلت: فَإِن خرج مِنْهَا؟ قَالَ: بقيت وَاحِدَة لَا يَفْعَلهَا زنديق أبدا، فَإِن فعلهَا فقد سلم وَهَلَكت أَنْت، وَإِن لم يَفْعَلهَا وَلَيْسَ يَفْعَلهَا أبدا فقد نجوت أَنْت وَهلك هُوَ، وَأعلم أَنِّي قد آمَنت بِاللَّه وصدقت النَّبِي وَالْمُرْسلِينَ، وَآمَنت بِكُل كتاب نزل وكل نبيٍ مُرْسل، وَأَن مُحَمَّدًا ﷺ خَاتم النَّبِيين وقائد الغر المحجلين إِلَى جنَّات النَّعيم، من صدقه نجا، وَمن كذبه هلك؛ قَالَ حَمْدَوَيْه: فَأخذت يَده وأخرجته حَتَّى أديته إِلَى منزله، ووهبت لَهُ دَنَانِير وَقلت لَهُ: أَنا آتِيك بالْخبر فِي غدٍ إِن شَاءَ الله تَعَالَى فهات الْعَلامَة الثَّالِثَة، قَالَ: فَأخْرج إِلَيّ من جيبه خرقَة حريرٍ فِيهَا صُورَة سمجة جدا: حاجباها غليظان وأنفها مفلطح وفمها كَأَنَّهُ مشافر، قَالَ لي: قل لَهُ فليبزق على هَذِه الصُّورَة، قَالَ حَمْدَوَيْه فَقلت: وَمَا هَذِه الصُّورَة؟ قَالَ: هَذِه صُورَة ماني، قَالَ حَمْدَوَيْه: فَبت بليلةٍ كليلة الحبلى إِذا أَخذهَا الطلق، قَالَ: ثُمَّ غَدَوْت إِلَى السُّلْطَان، قَالَ: فَجَلَسَ على سَرِيره سَرِير الْخلَافَة قَالَ: وَغدا الكرخيون فَامْتَلَأَ الصحن، ثُمَّ قلت: يَا سَيِّدي إِن رَأَيْت أَن تحضر خصمي، قَالَ: فقوي قلب السُّلْطَان لقُوَّة كَلَامي، قَالَ فَقَالَ: الطَّوِيل الطَّوِيل، قَالَ: فَأتي بِهِ، قَالَ: فتشرف النَّاس، وَحَضَرت الْقُضَاة والعدول والمحدثون وَالْفُقَهَاء، قَالَ فَقَالَ لي الطَّوِيل: هَات مَا عنْدك يَا كَذَّاب، قَالَ قلت خاتمك، قَالَ: هَذَا خَاتمِي، قَالَ فَقلت لبَعض الْعُدُول: اقْرَأ مَا عَلَيْهِ، فَقَرَأَ ذَلِك أَنا ونديق، قَالَ فَقَالَ الطَّوِيل: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذَا الْعدْل أبكم من هَذَا الْكذَّاب، وَأعلم أَن لي صديقا فِي ذَلِك الْجَانِب يكني أَبَا زيد فنقشت على خَاتمِي أَبَا زيد ثق وجعلتها عَلامَة بيني وَبَينه لقَضَاء حوائجي، وَهُوَ باقٍ، قَالَ: فَنظر إِلَى الْخَلِيفَة فَقلت: عَلامَة أُخْرَى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فأخرجت الديك وَقلت: فليذبح هَذَا، قَالَ فَقَالَ الْخَلِيفَة لَهُ: اذْبَحْ هَذَا، قَالَ فَقَالَ لَهُ الطَّوِيل: وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا ذبحت شَيْئا قطّ بيَدي، وَمَا أمتنع من ذبحه إِلَّا من ارتعاشٍ فِي يَدي، قَالَ فَنظر إِلَى الْخَلِيفَة فَقلت: عَلامَة أُخْرَى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فأخرجت الديك وَقلت: فليذبح هَذَا، قَالَ فَقَالَ الْخَلِيفَة لَهُ: اذْبَحْ هَذَا، قَالَ فَقَالَ لَهُ الطَّوِيل: وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا ذبحت شَيْئا قطّ بيَدي، وَمَا أمتنع من ذبحه إِلَّا من ارتعاشٍ فِي يَدي، قَالَ فَنظر إِلَيّ الْخَلِيفَة وَقَالَ: يُمكن مَا قَالَ، فهات غَيرهَا، قَالَ: فأخرجت الصُّورَة قَالَ فَقلت لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: مره فليبزق على هَذِه الصُّورَة، قَالَ فَقَالَ لَهُ: أبصق على هَذِه الصُّورَة، قَالَ فَقَالَ: هَاتِهَا، قَالَ: فدفعتها إِلَيْهِ، قَالَ فَقَالَ: بِأبي هَذِه الصُّورَة، وَأمي هَذِه الصُّورَة، ثمَّ قبلهَا وَسجد لَهَا ووضعها على عَيْنَيْهِ وَبكى، قَالَ حَمْدَوَيْه: فَلَو طَار إِنْسَان فَرحا لطرت أَنا تِلْكَ السَّاعَة، قَالَ فَدَعَا الْخَلِيفَة بِصَاحِب الشرطة فَقَالَ: خُذْهُ وَاضْرِبْ عُنُقه فِي بَاب الطاق فِي رحبة الجسر، قَالَ: وَقَامَ السُّلْطَان، وَانْصَرف الْقَوْم والعامة تصيح بهم: رحم الله مُعَاوِيَة، رحم الله مُعَاوِيَة.

стр. 515

حَدثنَا أَبُو عَمْرو قَالَ أَخْبرنِي أَبُو بكر الْمَلْطِي قَالَ أَخْبرنِي أَبُو عَبد اللَّه بْن أَبِي عَوْف الْبزورِي قَالَ أَخْبرنِي رُوَيْم الْمقري قَالَ: كنت ذَات يَوْم سلمت من صَلَاتي وَقَعَدت لآخذ على بعض غلماني، قَالَ: فجاءتن جاريتي فَقَالَت: يَا مولَايَ إِن أردْت أَن تنظر إِلَى الطَّوِيل الْمقري فَإِن النَّاس قد انجفلوا وَقَالُوا إِنَّه تضرب عُنُقه السَّاعَة فِي بَاب الطاق فِي رحبة الجسر لِأَنَّهُ قد صحت زندقته، قَالَ فَقلت لغلامي: أَسْرج الْحمار، قَالَ: فركبت، قَالَ: فَلَمَّا رَآنِي النَّاس قَالُوا لصَاحب الشرطة هَذَا أستاذ الْقُرَّاء، قَالَ: فأوسعوا لي قَالَ: فَجئْت فَرَأَيْت رَأسه قد شدّ وَقد مد رقبته، قَالَ فَقلت للسياف: أَصْبِر لي حَبَّة حَتَّى ُأكَلِّمهُ، قَالَ فصاح بِهِ السُّلْطَان: اقْضِ حَاجَة الشَّيْخ، قَالَ: فتقدمت إِلَى الطَّوِيل فَقلت: يَا طَوِيل، إِنَّمَا كَانَ بلغنَا عَنْك أَنَّك تَشْتُم أَبَا بكرٍ وَعمر ﵄ فَخرجت زنديقًا؟! قَالَ فَقَالَ لي: يَا مبلغم أَي شَيْء كَانَ بَين وَبَين أَبِي بكر وَعمر؟ إِنَّمَا أردْت صَاحبهمَا وَإِنِّي لم أجد من يُعِيننِي على صَاحبهمَا، قَالَ فَقلت للسياف: اضْرِب رَقَبَة عَدو الله وعدو رَسُوله ﷺ ، قَالَ فَرمى بِرَأْسِهِ وانصرفت وَكبر النَّاس. فضل فِي تَارِيخ الزندقة قَالَ القَاضِي ﵀: قد كَانَت الزندقة فَشَتْ فِي عهد الْمهْدي، وأنتشر الدائنون بهَا، فوفقه الله تَعَالَى للفحص عَن أَهلهَا وَالسَّعْي فِي محوها وتعفية آثارها، وعني بِالنّظرِ فِي هَذَا، وَقتل جمَاعَة مِنْهُم وَأسلم آخَرُونَ خوفًا من الفناء وَآخَرُونَ لما أُقِيمَت حجَّة الْإِسْلَام ووضحت أَعْلَامه لَهُم، وَنصب للتنقير عَنْهُم وَالْجد فِي طَلَبهمْ حَمْدَوَيْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي هَذَا الْخَبَر. وَكَانَ مِنْهُم ذَوُو عددٍ يحامون عَن جهالتهم يَذبُّونَ عَن ضلالتهم، وَجَرت بَين بعض من بَقِي مِنْهُم مناظرات وَبَين بعض متكلمي أهل الْإِسْلَام بِحَضْرَة الرشيد والمأمون وَكَانَ فِي من يُجَادِل مِنْهُم يَزْدَان بخت ويزدا نفروخ وَغَيرهمَا، وَلَهُم أَخْبَار عدَّة، ولعلنا نأتي بِمَا يتَّفق خُرُوجه لنا من أخبارهم وأخبار ماني اللعين صَاحبهمْ الضال المضل لَهُم. بعض أَخْبَار الخناقين وَمن عَجِيب مَا بلغنَا من أخبارهم مَا حدّثنَاهُ الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْعَبَّاس الْهَرَوِيّ أَحْمَد بْن مُحَمَّد قَالَ أَخْبرنِي سهل بْن صَالح الْأَصْبَهَانِيّ الْكَاتِب قَالَ: أَخذ النخشبي بِالْبَصْرَةِ رجلا يخنق النَّاس وَلَا يسلبهم ثِيَابهمْ فَقَالَ لَهُ: وَيلك وَلم تفعل هَذَا؟ إِذا كنت لَا ترغب فِي ثِيَاب الرجل وَمَاله فَلم تقتله؟ فَقَالَ لَهُ: وَيلك أما أول ذَلِك فَإِنِّي الْحق الْمَخْلُوق بالخالق، وَالثَّانيَِة أَن هَذِه الْأَرْوَاح محتبسة فِي هَذِه الأجساد فأخلصها تلْحق بالهيولي والصفا، قَالَ: فَلم لَا تخلص نَفسك أَنْت؟ قَالَ: أخْلص مائَة نفسٍ أحب إِلَيّ من أَن أخْلص نفسا وَاحِدَة، على أَن نَفسِي لَا بُد لَهَا من مخلص، وَنَفْسِي نفس طَاهِرَة وأنفس هَؤُلَاءِ قذرة، وَأَيْضًا يخف عَنَّا السّفل وَلَا يزاحمونا فِي الْأُمُور، ويطيب الْهَوَاء وتتسع الديار وَيَنْقَطِع الْغُبَار. وَبعد فَكل من كَانَ من أهل الْخَيْر ألحقته بِالْخَيرِ الَّذِي لَهُ فِي الْآخِرَة، وَأَيْضًا

стр. 516

إِن كَانَ الْإِنْسَان فِي هَذِه الدُّنْيَا فِي ضيق أرحته مِنْهُ، وَإِن كَانَ فَاسد الكيموس أرحته، وَإِن كَانَ سفلَة أرحت الْكِرَام من معاشرته، فَأمر بِضَرْب عُنُقه. قَالَ القَاضِي ﵀: فِي هَذَا الْخَبَر السّفل وسفلة على كَلَام الْعَامَّة، وَالصَّوَاب: فلَان من السفلة. أَبُو شَاكر الديصاني وَقد حُكيَ لنا عَن أَبِي شَاكر الديصاني والديصانية ضرب من الثنوية أَنه اشْترى كارة دَقِيق وَحملهَا على رَأس رجل شيخ، فَلَمَّا صَار إِلَى دَاره سَأَلَ الْحمال عَن سنه وَرَأى ضعف جِسْمه، فَأخْبرهُ بسنٍ عاليةٍ، وَسَأَلَهُ عَن عِيَاله ومعيشته فَذكر لَهُ سوء حَاله وَكَثْرَة عِيَاله، فَقَالَ: لقد رحمتك ورققت لَك، وَأُرِيد أَن أذبحك وأميط الشَّقَاء عَنْك، فأضجعه فذبحه. وَنحن نَعُوذ بِاللَّه من الخذلان ونسأله أَن يوفقنا لما وفْق لَهُ أولياءه من أهل الْإِيمَان. وَقد كَانَ من الْمهْدي مَا يجازيه الله تَعَالَى بِحسن نِيَّته فِيهِ ويجزل مثوبته عَلَيْهِ. الْمجْلس السبعون سُفْيَان يُدَلس فِي الحَدِيث أَخْبَرَنَا الْمُعَافَى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مخلدٍ بْنِ حَفْصٍ الْعَطَّارُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حبيبٍ أَبُو رِفَاعَةَ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ الرَّمَادِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يُبَيِّتُ مَالا وَلا يُقَيِّلُهُ. قَالَ رَجُلٌ يَا أَبَا محمدٍ سَمَاعًا مِنْ عَمْرٍو؟ قَالَ: ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَمَاعًا مِنَ ابْنِ جُرَيْجٍ؟ قَالَ: وَيْحَكَ لِمَ تُفْسِدُهُ؟ قَالَ: سَمَاعًا من انب جُرَيْجٍ؛ قَالَ: أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمَاعًا مِنْ أَبِي عَاصِمٍ؟ قَالَ: وَيْحَكَ لِمَ أَفْسَدْتَهُ؟ قَالَ: سَمَاعًا مِنْ أَبِي عَاصِمٍ؟ قَالَ: حَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ. وَحَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اللَّيْثِ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ نَاجِيَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ هَاشِمٍ يَقُولُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قُلْتُ لَهُ: سَمَاعًا مِنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ؟ قَالَ: وَيْحَكَ لَا تُفْسِدْهُ، حَتَّى كَرَّرْتَ عَلَيْهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ. قَالَ القَاضِي ﵀: وَهَذَا مِمَّا دلسه سُفْيَان بْن عُيَيْنَة. وَقد ذكرنَا فِي بعض مَا تقدم من مجالسنا هَذِه بعض مَا وَقع إِلَيْنَا فِيهِ من الْأَخْبَار تَدْلِيس، وَذكرنَا أَن خبر المدلس مَقْبُول غير مردودٍ إِذا كَانَ عدلا وَلم يكن فِي مَا يخبر بِهِ مَا يُوجب توهِينه، وَأَن الشَّافِعِي وَمن وَافقه كَانُوا لَا يرَوْنَ خبر المدلس حجَّة إِلَّا أَن يوقل حَدَّثَنَا أَوْ أَخْبَرَنَا أَوْ سَمِعْتُ؛ وَقد حَدَّثَنَا اللَّيْث بْن مُحَمَّد بْن اللَّيْث المَرْوَزِيّ قَالَ سَمِعت عبد الرَّزَّاق بْن مُحَمَّد الْمعدل الْفَارِسِي قَالَ سَمِعت مُحَمَّد بْن عِيسَى بْن زيد الطرسوسي يَقُول، سَمِعت أَبَا حَفْص الفلاس

стр. 517

يَقُول، سَمِعت ابْن عُيَيْنَة يَقُول: نخطى ونصحف وندلس وَلَا نكذب. أَبُو النشناش النَّهْشَلِي حَدثنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِم عَنْ أبي عُبَيْدة قَالَ: كَانَ أَبُو النشناش النَّهْشَلِي من ولد مخربة بْن أبير بْن نهشل وَأم أَبِي جهل والْحَارث ابْني هِشَام أَسمَاء بنت مخربة وَكَانَ أَبُو النشناش يُصِيب الطَّرِيق، فَطلب فخاف وَأَنْشَأَ يَقُول: وسائلةٍ أَيْن ارتحالي وسائلٍ ... وَمن يسْأَل الصعلوك أَيْن مذاهبه ودويةٍ تيهاء يخْشَى بهَا الردى ... سرت بِأبي النشناش فِيهَا ركائبه ليدرك ثأرًا أَو ليكسب مغنمًا ... جزيلا وَهَذَا الدَّهْر جم عجائبه إِذا الْمَرْء لم يسرح سوامًا وَلم يرح ... سواما وَلم تعطف عَلَيْهِ أَقَاربه فللموت خير للفتى من قعوده ... عديمًا وَمن مولى تدب عقاربه وَلم أر مثل الْفقر ضاجعه الْفَتى ... وَلَا كسواد اللَّيْل أخفق صَاحبه فمت معدمًا أَو عش كَرِيمًا فإنني ... أرى الْمَوْت لَا ينجو من الْمَوْت هاربه ودع عَنْك مولى السوء والدهر إِنَّه ... ستكفيه أَيَّام لَهُ ونوائبه تلقى عدوا مرّة فَيردهُ ... إِلَيْك وتلقاه وَقد لَان جَانِبه فَأَنْشد عبد الْملك هَذِه القصيدة فَلَمَّا سمع قَوْله: وَلَا كسواد اللَّيْل أخفق صَاحبه قَالَ: لص وَرب الْكَعْبَة، وَأمر بِطَلَبِهِ فَطلب فأعجز. شرح لبَعض مَا جَاءَ فِي الأبيات قَالَ القَاضِي ﵀: قَوْله يسرح سواما يَعْنِي الغدو بالماشية إِلَى المسرح إِلَى الرَّعْي. وَلم يرح يَعْنِي الرواح إِذا أراحت من المرعى قَالَ الله تَعَالَى وَذكر إنعامه على خلقه بِمَا سَخَّرَهُ لَهُم من الْأَنْعَام وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ النَّحْل: ٦ وَقَوله: فإنني أرى الْمَوْت لَا ينجو من الْمَوْت هاربه فَأتى بِالْمَوْتِ ثَانِيًا بالإظهار فِي الْموضع الَّذِي بَابه الْإِضْمَار لتقدم اسْمه ظَاهرا، لإِقَامَة وزن الشّعْر، وَلَو أَتَى بِهِ فِي منثور الْكَلَام لَكَانَ أظهر، وَنَحْو هَذَا أَن تَقول: فإنني أرى الْمَوْت لَا ينجو مِنْهُ هاربه، وَقد أَتَى مثل هَذَا كثير فِي الشّعْر، من ذَلِك قَول الشَّاعِر: لَا أرى الْمَوْت يسْبق الْمَوْت شَيْء ... نغص الْمَوْت ذَا الْغنى والفقيرا وَقَالَ آخر: إِذا الْوَحْش ضم الْوَحْش فِي ظللاتها ... سواقط من حرٍ وَقد كَانَ أظهرا وَقد قَالَ الله تَعَالَى ذكره " وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ " النُّور: ٤٢ فَحَمله قوم على أَنه جَاءَ على هَذَا لِأَن الْإِظْهَار فِيهِ والإضمار وَاحِد، وَلَيْسَ الْأَمر على مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا أَتَى الْإِظْهَار هَاهُنَا لتعظيم الْقِصَّة، وَلما فِي إِعَادَة ذكر

стр. 518

الْمَوْت بِالِاسْمِ الظَّاهِر من التخويف والحض على الِاعْتِبَار والمراعاة والإذكار، وَقد قَالَ الله جلّ وَعز فِي مَوضِع آخر: " وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ " هود: ١٢٣ فَأَعَادَ على الأسم الظَّاهِر اسْما مضمرًا على أصل الْبَاب وَظَاهره؛ وَمن قَالَ لقِيت زيدا فأكرمت زيدا لم يقل لقِيت زيدا فأكرمت أَبَا عَبد اللَّه، وَهِي كنية زيد، لِأَنَّهُ مُشكل لَا دلَالَة لَهُ فِيهِ تَنْفِي اللّبْس عَنْهُ. الْمعرفَة تَنْفَع عِنْد الْكَلْب الْعَقُور حَدَّثَنَا يزْدَاد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزْدَادَ الْمَرْوَزِيُّ الْكَاتِبُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى عِيسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبَصْرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِتِينَةَ قَالَ حَدَّثَنِي التَّوَّزِيُّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيْيَنَةَ قَالَ: عَرَضَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ بِالْكُوفَةِ فَوَجَدَهُمْ أَرْبَعَةَ آلافٍ، فَمَرَّ بِهِ شَابٌّ مِنَ الْجُنْدِ فَقَالَ: يَا غُلامُ زِدْ هَذَا فِي عَطَائِهِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَقَامَ شَابٌّ كَانَ إِلَى جَانِبِهِ فَقَالَ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ هَذَا ابْنُ عَمِّي لَحًّا لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ فَضِيلَةٌ فِي نسبٍ وَلا نجدةٍ فَأَلْحِقْنِي بِهِ، قَالَ: لَا، قَالَ فَمُرْ مَنْ يُحِطُّ مِنْ عَطَائِي لِيَظُنَّ مَنْ حَضَرَ أَنَّ بِكَ عَلَيَّ مَوْجِدَةً، قَالَ: لَا، إِنَّ أَبَا هَذَا كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ وَكَانَ صَدِيقًا لِي وَإِنَّ الْمَعْرِفَةَ تَنْفَعُ عِنْدَ الْجمل الصؤول وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ فَكَيْفَ بِالرَّجُلِ ذِي الْمُرُوءَة والحسب؟ الرّبيع بن خثيم وَصديقه العابد حَدثنَا عَليّ بن مُحَمَّد بْن الجهم أَبُو طَالِب الْكَاتِب قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يحيى السُّوسِي قَالَ حَدَّثَنَا عَليّ بْن عَاصِم عَن أَبِي الْأَصْبَغ قَالَ: كَانَ رجل من هَمدَان فِي الْكُوفَة يذكر بعبادةٍ، فَلَزِمَ بَيته وَترك النَّاس، وَكَانَ لَا يخرج من بَيته إِلَّا لصلاةٍ مَكْتُوبَة أَو حقٍ يلْزمه لَا يجد مِنْهُ بدا، وَكَانَ صديقا للربيع بن خثيم، وَالَّذِي بَينهمَا حسن، لَا يأتيان أحدا إِلَّا أَحدهمَا لصَاحبه، قَالَ: وَكَانَ الْهَمدَانِي لَا ينَام من اللَّيْل إِلَّا قليلاًن فَنَامَ سَاعَته الَّتِي كَانَ ينَام فِيهَا، فَأَتَاهُ آتٍ فِي مَنَامه فمغثه شَدِيدا وَقَالَ لَهُ: إيت الرّبيع بن خثيم فَقل لَهُ: إِنَّك من أهل النَّار، ثُمَّ تنحى عَنْهُ فانتبه الْهَمدَانِي فتعاظمه ذَلِك وَقَالَ: الرّبيع بْن خثيم؟! قَالَ: فَلم يَأْته وَأَبْطَأ عَنْهُ، قَالَ ثُمَّ أَتَاهُ فِي اللَّيْلَة الْأُخْرَى وَهُوَ نَائِم فمغثه مغثًا شَدِيدا فَقَالَ: ألم أقل لَك أَن تَأتي الرّبيع بْن خثيم تَقول لَهُ إِنَّك من أهل النَّار؟ لَئِن لم تفعل لَأَفْعَلَنَّ بك وَلَأَفْعَلَن بك وَلَأَفْعَلَن، ثُمَّ تنحي عَنْهُ فانتبه الْهَمدَانِي وَقد تعاظمه ذَلِك، وَقَالَ: الرّبيع بْن خثيم؟! قَالَ: فَلم يَأْته وَأَبْطَأ عَن الرّبيع قَالَ: فَلَمَّا كَانَت اللَّيْلَة الثَّالِثَة أَتَاهُ فمغثه مغثًا شَدِيدا فَقَالَ: لَئِن لم تفعل لَأَفْعَلَنَّ بك وَلَأَفْعَلَن، وَتَنَحَّى عَنْهُ فانتبه الْهَمدَانِي وَقد تعاظمه ذَلِك، فَلَمَّا أصبح وَرَأى الرّبيع بْن خثيم أَنه قد أَبْطَأَ عَنْهُ أَتَاهُ فَدخل عَلَيْهِ فَسلم عَلَيْهِ فَرَآهُ متثاقلا عَنْهُ، فَقَالَ: يَا أخي مَالك؟ قَالَ: خير، قَالَ: الرّبيع: إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون، يَا أخي، إِنَّمَا هَذَا الشَّيْطَان، فأعيذك بِاللَّه وَنَفْسِي من الشَّيْطَان، وتفل الرّبيع عَن يسَاره ثَلَاث تفلاتٍ وتعوذ بِاللَّه من

стр. 519

الشَّيْطَان، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى منزله، فَلَمَّا كَانَت اللَّيْلَة الْمُقبلَة قَامَ الْهَمدَانِي فِي سَاعَته الَّتِي كَانَ ينَام فِيهَا وَقد قوي بعض الْقُوَّة مِمَّا سمع من الرّبيع، فَإِذا هُوَ قد أَتَاهُ آتٍ فِي مَنَامه بِيَدِهِ ساجور كلبٍ أسود، فِي وَجه الْكَلْب ثَلَاث جراحاتٍ، قَالَ لَهُ: أَتَدْرِي من أَنا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَل تَدْرِي من هَذَا الْكَلْب؟ قَالَ: لَا، قَالَ: هَذَا الشَّيْطَان الَّذِي دخل بَيْنك وَبَين أَخِيك الرّبيع بْن خثيم، وَقد وكلت بكما وَبِهَذَا إِلَى أَن تموتا لَا ينفلت من هَذَا الساجور، تَدْرِي مَا هَذِه الْجِرَاحَات الَّتِي بِوَجْه الْكَلْب؟ قَالَ: لَا، قَالَ هِيَ بزقات الرّبيع بْن خثيم عَن يسَاره، قَالَ: فانتبه الْهَمدَانِي، فَلَمَّا أصبح غَدا على الرّبيع فَأخْبرهُ بِمَا رأى فَحَمدَ الله وَقَالَ: قد أَخْبَرتك أَنه من عمل الشَّيْطَان. معنى المغث قَالَ القَاضِي ﵀: قَوْله فمغثه مغثًا شَدِيدا أَي ناله بمكروه من الجذب والمعصر وَمَا أشبهه، وَيُقَال بَين الْقَوْم مغث إِذا كَانَ بَينهم شَرّ ومكروه من الْأَمر، قَالَ حسان بْن ثَابت فِي صفة الْخمر: نوليها الْمَلَامَة إِن ألمت ... إِذا مَا كَانَ مَغْثٌ أَوْ لِحاءُ يحب عليا لثلاث حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد بْن مَنْصُورٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْعُتْبِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الدِّمَشْقِيِّ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ لِخَالِدِ بْنِ الْمُعَمَّرِ السَّدُوسِيِّ: إِن لَتُحِبُّ عَلِيًّا حُبًّا مُفْرِطًا، قَالَ: أُحِبُّهُ وَاللَّهِ لِحِلْمِهِ إِذَا غَضِبَ، وَعَدْلِهِ إِذَا حَكَمَ، وَوَفَائِهِ إِذَا وَعَدَ. قَالَ الْقَاضِي ﵀: هَكَذَا كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ﵇، وَلَقَدْ فَازَ مَنْ أَحَبَّهُ وَاهْتَدَى مَنِ اقْتَدَى بِهِ وَسَلَكَ سَبِيلَهُ. سُلَيْمَان يقرع يزِيد بْن أَبِي مُسلم حَدثنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ قَالَ حَدَّثَنِي أبي قَالَ أَخْبرنِي أَحْمَد بْن الْحَارِث قَالَ قَالَ الْمَدَائِنِي: دخل يزِيد بْن أَبِي مسلمٍ كَاتب الْحجَّاج على سُلَيْمَان بْن عبد الْملك، وَكَانَ مصفرًا، فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَان: على رجل أجرك رسنك وسلطك على الْمُسلمين لعنة الله، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، رَأَيْتنِي وَالْأَمر عني مُدبر وَلَو رَأَيْتنِي وَالْأَمر عَليّ مقبل لَا ستعظمت مني مَا استصغرت الْيَوْم، قَالَ: فَأَيْنَ الْحجَّاج؟ قَالَ: يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة بَين أَبِيك وأخيك فاجعله حَيْثُ شِئْت. الْمَأْمُون يغرم يحيى بْن خاقَان حَدثنَا أَبُو النَّضر الْعقيلِيّ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن بنان قَالَ قَالَ أَبُو الْعَبَّاس انب الْفُرَات حَدَّثَنِي دِينَار بْن يزِيد بْن عَبد اللَّه قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَن يحيى بْن خاقَان قَالَ: كنت كَاتب

стр. 520

الْحسن بْن سهل، فَقدم الْمَأْمُون مَدِينَة السَّلَام فَقَالَ لي: يَا يحيى خلوت بِالسَّوَادِ ولعبت فِي أَمْوَالِي واحتجنتها واقتطعتها، قَالَ فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّمَا أَنا كَاتب لرجلٍ، والمناظرة فِي الْأَمْوَال والأعمال مَعَ صَاحِبي لامعي، قَالَ: مَا أطلب غَيْرك، وَلَا أعرف سواك، فصالحني على مائَة ألف ألف، قَالَ: فَضَحكت، فَقَالَ: يَا يحيى أجد وتهزل؟، قلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّمَا ضحِكت تَعَجبا، وَبِاللَّهِ مَا أملك إِلَّا سبعماة ألف دِرْهَم، فَكيف أصالحك على مائَة ألف ألف؟ قَالَ دع عَنْك وَأَعْطِنِي خمسين ألف ألف، قَالَ: فَمَا زلت أجاذبه ويجاذبني إِلَى أَن بلغ إِلَى اثْنَي عشر ألف ألف، فَلَمَّا بلغ إِلَيْهَا قَالَ: نفيت من الرشيد إِن نقصتك شَيْئا مِنْهَا، فَقلت: السّمع وَالطَّاعَة، قَالَ: أقِم لي ضمينا إِن لم تف طالبته بهَا، قلت: صَاحِبي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ يضمنني، قَالَ: أَترَانِي إِن دافعت بِالْأَدَاءِ أطالب الْحسن بْن سهل بِمَا عَلَيْك؟ هَذَا مَا لَا يكون، قَالَ فَقلت: عَبد اللَّه بْن طَاهِر، فَقَالَ: عَبد اللَّه سَبيله سَبِيل صَاحبك، قلت: فحميد، قَالَ: وَهَذِه سَبيله، فَقلت: أتضمنه يَا فرج؟ قَالَ: نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَقَالَ: إِنِّي وَالله أحْرجهُ بالإلحاح عَلَيْهِ فِي الْمُطَالبَة حَتَّى يهرب أَو يسْتَتر ثُمَّ آخذك بِالْمَالِ فتؤديه لِأَنَّك ملي بِهِ، فَقَالَ فرج: صَاحِبي ثِقَة وَهُوَ لَا يخفرني إِن شَاءَ الله. قَالَ يحيى: فَكتبت إِلَى الْحسن بْن سهل وَعبد الله بْن طَاهِر وَحميد ودينار بْن عَبد اللَّه وغسان وَرِجَال الْمَأْمُون أسألهم إعانتي فِي هَذَا المَال، قَالَ: فَحَمَلُوهُ إِلَيّ كُله عَن آخِره، حمل كل إِنْسَان مِنْهُم على قدره، قَالَ يحيى: وكتبت رقْعَة إِلَى المأمن أعرفهُ أَن المَال قد حضر وأسأله أَن يَأْمر بِقَبْضِهِ. قَالَ: فأحضرني، فَلَمَّا وَقعت عينه عَليّ قَالَ لي: يَا خائن الْحَمد لله الَّذِي بَين خِيَانَتك وَأظْهر لي كَذبك، ألم تذكر أَنَّك لَا تملك إِلَّا سَبْعمِائة ألف دِرْهَم، فَكيف تهَيَّأ لَك أَن حملت فِي عشرَة أَيَّام اثْنَي عشر ألف ألف؟ قَالَ قلت: حملتها يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ من هَذِه المجريدة، وَدفعت إِلَيْهِ الجريدة بأسماء من حمل المَال ومبلغ مَا حمل كل واحدٍ مِنْهُم، قَالَ: فَقَرَأَ الجريدة ثُمَّ أطرق مَلِيًّا وَرفع رَأسه فَقَالَ: لَا يكون أَصْحَابنَا أَجود منا بِهَذَا المَال، قد وهبناه لَك وأبرأنا ضمينك، قَالَ يحيى: فَانْصَرَفت ورددت المَال إِلَى أَصْحَابه فَأَبَوا أَن يقبلوه وَقَالُوا: قد وهبناه لَك فَاصْنَعْ بِهِ مَا أَحْبَبْت، قَالَ فَحَلَفت أَن لَا أقبل مِنْهُ درهما وَاحِدًا، وَقلت لَهُم: أَخَذته فِي وَقت حَاجَتي إِلَيْهِ، ورددته عِنْد استغنائي عَنْهُ، وقبولي إِيَّاه فِي هَذَا الْوَقْت ضرب من التغنم، فرددته عَلَيْهِم. فِي قدر وَجْهَان قَالَ القَاضِي ﵀: حمل كل إِنْسَان مِنْهُم على قدره يجوز أَن يكون فِيهِ إسكان الدَّال وَفتحهَا، وهما لُغَتَانِ يرجعان إِلَى معنى وَاحِد، وَقد قَرَأت القرأة " وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ " الْبَقَرَة: ٢٣٦ بِالتَّحْرِيكِ والإسكان وَقد أنْشد أهل الْعلم بِالْعَرَبِيَّةِ هَذَا الْبَيْت:

стр. 521

وَمَا صب رجْلي فِي حَدِيد مجاشع ... مَعَ الْقدر إِلَّا حَاجَة لي أريدها بِمَعْنى مَعَ الْقدر. أَبُو حَرْمَلَة الْحجام راوية للشعر حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مَنْصُور الْحَارِثِيّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن مَيْمُون الْكَاتِب قَالَ حَدَّثَنِي جدي أَبُو الْفضل مَيْمُون بْن هَارُون قَالَ: أَرَادَ سُلَيْمَان بْن وهب أَن يَأْخُذ من شعره فِي وقتٍ من الْأَوْقَات، فَطلب أَبَا حَرْمَلَة فَلم يجده، وَوجد غُلَام أَبِي حَرْمَلَة، فَأخذ من شعره، فَقبل أَن يفرغ جَاءَ أَبُو حَرْمَلَة فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَان: قُم يَا غُلَام، أعْط الْقوس باريها، فَقَالَ لَهُ أَبُو حَرْمَلَة: تعرف يَا سَيِّدي أول هَذَا الْبَيْت قَالَ: مَا أعرف فِيهِ غير هَذَا، فَقَالَ أَبُو حَرْمَلَة أنْشد ابْن الْأَعرَابِي: يَا ابري الْقوس بريًا لَيْسَ يحكمه ... لَا تفْسد الْقوس أعْط الْقوس باريها حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مَحْمُود الْكَاتِب قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَليّ اسباط خَليفَة مُحَمَّد بْن يحيى قَالَ، قَالَ لي أَبُو حَرْمَلَة: حذفت عبيد الله بْن سُلَيْمَان فَلَمَّا فرغت قَالَ: أعْط الْقوس باريها، فَقلت: أتعرف صدر هَذَا الْبَيْت؟ قَالَ: لَا، فَأَنْشَدته إِيَّاه، فَضرب يَده إِلَى الدواة وَكتبه، وَهُوَ: يَا باري الْقوس بريا لَيْسَ يحكمه ... أفسدت قوسك أعْط الْقوس باريها تعليقات نحوية ولغوية قَالَ القَاضِي فِي الرِّوَايَة الأولى: تعرف من غير حرف اسْتِفْهَام فِي الْكَلَام أَو فِي مَا عطف بِهِ عَلَيْهَا، وَهَذَا عِنْد بعض الْمُحَقِّقين من النُّحَاة خطأ، وَقد أجَازه كثير مِنْهُم، وأنشدوا فِيهِ أبياتًا مِنْهَا قَول عمر بْن عُبَيْد الله بن أبي ربيع سامحه الله: ثمَّ قَالُوا تحبها قلت بَهْرًا ... عدد الرَّمْل والحصى وَالتُّرَاب وَقَالُوا أَرَادَ: أتحبها، وَأنكر هَذَا من قدمنَا الْحِكَايَة عَنْهُ، وَقَالَ: هُوَ خبر وَلَيْسَ باستفهام وَغير جَائِز الاشراك بَين الْخَبَر والاستخبار، لما فِيهِ من فَسَاد الْكَلَام فِي الْقيَاس، وَدخُول الْإِشْكَال والالتباس، وَقد عَابَ كثير من أهل الْمعرفَة بِالْعَرَبِيَّةِ على امْرِئ الْقَيْس إيتانه بِمثل هَذَا فِي بَيت من شعره يَقُول فِيهِ: أصاح ترى برقًا أريك وميضه ... كَلمعِ الْيَدَيْنِ فِي حبي مكلل فَقَالَ: ترى وَالْمعْنَى أَتَرَى؛ فَأَما قَوْله: تروح من الحَيِّ أم تَبْتَكِرْ ... وماذا يَضرك لَو تنْتَظر فَإِنَّهُ جَائِز لِأَن قَوْله: أم تبتكر قد دلّ على الْمَعْنى، وَمثله كثير، من ذَلِك قَول الشَّاعِر: لعمرك مَا أَدْرِي وَإِن كنت داريًا ... بِسبع رَمَيْن الجَمْر أم بثمان وَأما قَول الشَّاعِر فِي الْبَيْت الَّذِي أنْشدهُ أَبُو حرملو: أعْط الْقوس باريها فَإِنَّهُ أنشدوناه

стр. 522

باريها بتسكين الْيَاء الَّتِي هِيَ مُدَّة، وَهِي الرِّوَايَة الْجَارِيَة على أَلْسِنَة خَاصَّة النَّاس وعامتهم، وَحَقِيقَة الْإِعْرَاب فِيهَا هَاهُنَا أَن تنصب فِي الْفِعْل، وَقد تسكن فِي الشّعْر تَخْفِيفًا كَمَا قَالَ الراجز: كَأَن أَيْدِيهنَّ بالقاع القرق وَقَالَ الْأَعْشَى: فَتى لَو يباري الشَّمْسُ ألقتْ قِنَاعها ... أَو القَمَر الساري لألقى المقالدا وَرُبمَا اسكنوها وحذفوها فِي النصب كَمَا قَالَ الشَّاعِر: فَلَو أَن واشٍ بالميمامة بَيته ... وداري بِأَعْلَى حضر موت اهْتَدَى ليا فَإِذا رُوِيَ هَذَا الْبَيْت على هَذَا كَانَ من الْبَسِيط الثَّانِي وبيته فِي الْعرُوض: قد أشهد الْغَارة الشعواء تحملنِي ... جرداء معروقة اللحيين سرحوب عروضه فعلن وضربه فعل، وعروضه فِي مصرعه فعلن إِلْحَاقًا لَهُ بضربه؛ وَإِن رَوَاهُ راوٍ على أَصله فِي تَحْقِيق الْإِعْرَاب فتح الْيَاء فَقَالَ باريها وَكَانَ إِذا من الضَّرْب الأول من الْبَسِيط، وبيته فِي الْعرُوض: يَا حَار لَا أُرْمَيَنْ مِنْكُمْ بداهيةٍ ... لَمْ يَلْقها سُوقَةٌ قبلي وَلَا ملك وَإِذا رُوِيَ هَكَذَا استقام إعرابه ووزنه، واستوى عروضه وضربه فَكَانَا مَعًا فعلن فِي إِطْلَاقه وتصريفه، إِذْ لَيْسَ بَينهمَا فِي الْمُطلق اخْتِلَاف فِي الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فيغير الْعرُوض ليلحق الضَّرْب بِهِ. قولة لِابْنِ مسمع تَضَمَّنت مَعْنَاهَا أَبْيَات للبحتري حَدثنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي قَالَ حَدَّثَنَا الْغلابِي قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَائِشَةَ قَالَ قَالَ مَالك بْن مسمع للأحنف: يَا أَبَا بحرٍ مَا أنتفع بِالشَّاهِدِ إِذا غبت، وَلَا أفتقد غَائِبا إِذْ شهِدت. قَالَ القَاضِي: لكأن البحتري ألم بِهَذَا الْمَعْنى: رحلت فَلم نفرح بأوبة آيب ... وأبت فمل نجزع لغيبة غَائِب قدمت فأقدمت النَّهْي عمل الرضى ... إِلَى كل غَضْبَان على الدَّهْر عَاتب فَعَادَت بك الْأَيَّام زهرًا كَأَنَّمَا ... جلا الدَّهْر مِنْهَا عَن خدود الكواعب خطْبَة للمنصور فِي يَوْم عَرَفَة حَدثنَا مُحَمَّد بْن الْعَبَّاس العسكري قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن يُونُس بن زُهَيْر ابْن الْمسيب قَالَ حدثت عَن إِسْمَاعِيل الفِهري قَالَ: سَمِعت الْمَنْصُور فِي يَوْم عَرَفَة، على مِنْبَر عَرَفَة يَقُول فِي خطبَته: أَيهَا النَّاس إِنَّمَا أَنا سُلْطَان الله فِي أرضه، أسومكم بتوفيقه ورشده، وخازنه على فيئه بمشيئته أقسمه بإرادته وأعطيه بِإِذْنِهِ، وَقد جعلني الله تَعَالَى عَلَيْهِ قفلا إِذا شَاءَ أَن يفتحني لإعطائكم وَقسم أرزاقكم يسر لي، وَإِذا شَاءَ أَن يقفلني عَلَيْهِ أقفلني، فارغبوا إِلَى الله تَعَالَى أَيهَا النَّاس وَسَلُوهُ فِي هَذَا الْيَوْم الشريف الَّذِي وهب لكم فِيهِ من فَضله مَا أعلمكُم بِهِ فِي كِتَابه إِذْ يَقُول: " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ

стр. 523

دِينًا " الْمَائِدَة:٣ أَن يوفقني للصَّوَاب ويسددني للرشاد، ويلهمني الرأفة بكم وَالْإِحْسَان إِلَيْكُم، ويفتحني لإعطائكم وَقسم أرزاقكم بِالْعَدْلِ عَلَيْكُم فَإِنَّهُ سميع مُجيب. جَعْفَر بْن مُحَمَّد يعلم نصر بْن كثير وَالثَّوْري مَا يَقُولُونَهُ فِي الْحَج حَدثنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن أَحْمَد بْن يزِيد الطَّبَرِيّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد جَعْفَر بْن مُحَمَّد الْجَوْهَرِي قَالَ حَدَّثَنَا عبيد بْن إِسْحَاق الْعَطَّار قَالَ حَدَّثَنَا نصر بْن كثير قَالَ: دخلت على جَعْفَر بْن مُحَمَّد ﵉ أَنا وسُفْيَان الثَّوْريّ مُنْذُ سِتِّينَ سنة أَو سبعين سنة فَقلت لَهُ: إِنِّي أُرِيد الْبَيْت الْحَرَام فعلمني شَيْئا أَدْعُو بِهِ، قَالَ: إِذا بلغت الْبَيْت الْحَرَام فضع يدك على حَائِط الْبَيْت ثُمَّ قل: يَا سَابق الْفَوْت، وَيَا سامع الصَّوْت، وَيَا كاسي الْعِظَام لَحْمًا بعد الْمَوْت، ثُمَّ ادْع بعده با شِئْت؛ فَقَالَ لَهُ سُفْيَان شَيْئا لم أفهمهُ، فَقَالَ ﵇: يَا سُفْيَان أَو يَا أَبَا عَبد اللَّه، إِذا جَاءَك مَا تحب فَأكْثر من الْحَمد لله وَإِذا جَاءَك مَا تكره فَأكْثر مِنْ قَوْلِ لَا حَوْلَ وَلا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَإِذا اسْتَبْطَأَتْ الرزق فَأكْثر من الاسْتِغْفَار. دُعَاء جَعْفَر يردده الْجريرِي ويكتبه الطَّبَرِيّ قَالَ القَاضِي: كنت مُنْذُ سِنِين كَثِيرَة دَعَوْت الله وَقلت يَا سَابق الْفَوْت، وَقلت فِي وقتٍ آخر: يَا سَابق كل فوتٍ، وَكَانَ عِنْدِي أَنه شَيْء خطر لي وَلم أكن ذَاكِرًا لهَذِهِ الرِّوَايَة وَلَا عَالما بهَا فِي الْوَقْت، فاستحسنت هَذِه الدعْوَة ثُمَّ وَجدتهَا عِنْدِي فِي مَا سمعته وكتبته ورويته. وَحكى لي بعض بني الْفُرَات عَن رجلٍ مِنْهُم، أَو من غَيرهم، أَنه كَانَ بِحَضْرَة أَبِي جَعْفَر الطَّبَرِيّ ﵀ قبل مَوته وَتُوفِّي بعد سَاعَة أَو أقل مِنْهَا، فَذكر لَهُ هَذَا الدُّعَاء عَن جَعْفَر بْن مُحَمَّد ﵉ فاستدعى محبرة وصحيفة فكتبها، فَقيل لَهُ أَفِي هَذِه الْحَال؟ فَقَالَ: يَنْبَغِي للْإنْسَان أَن لَا يدع اقتباس الْعلم حَتَّى يَمُوت. الْمجْلس الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ حيونا نحييكم أَخْبَرَنَا الْمُعَافَى حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ صَاحِبُ أَبِي صَخْرَةَ قَالَ حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي الْوَاسِطِيَّ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ عَنْ أَبِيه عَن السَّائِب ين يَزِيدَ قَالَ: لَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ جَوَارِيَ يَتَغَنَّيْنَ يَقُلْنَ: حَيُّونَا نُحَيِّيكُمْ فَوَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ بِهِنَّ ثُمَّ دَعَاهُنَّ فَقَالَ: لَا تَقُلْنَ هَكَذَا، قُلْنَ: حَيَّانَا اللَّهُ وَحَيَّاكُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُرَخِّصُ لِلنَّاسِ فِي هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّهُ نِكَاحٌ لَا سِفَاحٌ، أَشِيدُوا بِالنِّكَاحِ. أَي غناء فِيهِ رخصَة قَالَ القَاضِي: وَقد ذكرنَا فِي غير مَوضِع من كتبنَا غناء النصب وماجاء فِيهِ من

стр. 524

الرُّخْصَة عَن النَّبِي ﷺ وَعَن الْأَئِمَّة بعده من الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم وحظر مَا فِيهِ تَرْجِيع وتمطيط، وَإِن ذَلِك مَنْهِيّ عَنْهُ فِي تِلَاوَة الْقُرْآن وَغَيرهَا، وَذكرنَا مَا أَمر بِهِ النَّبِي ﷺ من الضَّرْب فِي النِّكَاح بالدف، وَأَنه قَالَ: أعْلنُوا النِّكَاح واضربوا عَلَيْهِ بالدف. وَرخّص فِي هَذَا فِي عرسات الْمُسلمين ومواطن مسارهم، وَأَنه فِي النِّكَاح سنة لَا يَنْبَغِي تَركهَا. وَقَوله: أشيدوا بِالنِّكَاحِ مَعْنَاهُ أظهروه وأعلنوه. وَقد ذهب مَالك فِي من وَافقه من أهل الْمَدِينَة إِلَى أَن نِكَاح السِّرّ بَاطِل؛ وحضرني بعد إثباتي هَذَا الْخَبَر خبر إِسْمَاعِيل بْن جَامع مَعَ الرشيد فرايت أَن أرسمه هَاهُنَا إِذْ هُوَ مِمَّا يستحسنه ويصغي إِلَى استماعه ذَوُو الْفضل من الأدباء، وينشك للوقوف عَلَيْهِ أولو الحجى من الرؤساء. خبر ابْن جَامع فِي مجْلِس الرشيد حَدثنَا أَبُو النَّضر الْعقيلِيّ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن نعيم الْكَاتِب، قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن ضوء التَّيْمِيّ قَالَ مسعت إِسْمَاعِيل بْن جَامع السَّهْمِي يَقُول: ضمني الدَّهْر ضمًا شَدِيدا بِمَكَّة، فانتقلت مِنْهَا بعيالي إِلَى الْمَدِينَة، فَأَصْبَحت يَوْمًا لَا أملك إِلَّا ثَلَاثَة دَرَاهِم، فَخرجت وَهِي فِي كمي، فَإِذا بجاريةٍ حميراء على رقبَتهَا جرة تُرِيدُ الركي، تمشي بَين يَدي وتترنم بصوتٍ شجيٍ تَقول فِيهِ: شَكَوْنَا إِلَى أحبانبا طول ليلنا ... فَقَالُوا لنا مَا أقصر اللَّيْل عندنَا وَذَلِكَ أَن النّوم يغشى عيونهم ... سرَاعًا وَمَا يغشى لنا النّوم أعينا إِذْ مَا دنا اللَّيْل المضر بِذِي الْهوى ... جزعنا وهم يستبشرون إِذا دنا فَلَو أَنهم كَانُوا يلاقون مثل مَا ... نلاقي لكانوا فِي الْمضَاجِع مثلنَا فو الله مَا دَار لي مِنْهُ حرف وَاحِد فَقلت لَهَا: يَا جَارِيَة مَا أَدْرِي أوجهك أحسن أم صَوْتك أم جرمك، فَإِن شِئْت أعدتيه عَليّ، فَقَالَت: حبا وكرامة، ثُمَّ أسندت ظهرهَا إِلَى جدارٍ كَانَ بِالْقربِ مِنْهَا وَرفعت إِحْدَى رِجْلَيْهَا فَوَضَعتهَا على ركبتها وحطت الجرة فَوَضَعتهَا على سَاقهَا واندفتعت تغني بِأَحْسَن صَوت، فو الله مَا دَار لي مِنْهُ حرف وَاحِد، فَقلت لَهَا: لقد أَحْسَنت وتفضلت فَلَو شِئْت أعذتيه مرّة أُخْرَى، فقطبت وكلحت وَقَالَت: مَا أعجب هَذَا، أحدكُم يَجِيء إِلَى الْجَارِيَة عَلَيْهَا ضريبة فَيَقُول لَهَا: أعيدي مرّة بعد أخرىن فَضربت يَدي إِلَى الثَّلَاثَة الدَّرَاهِم فدفعتها إِلَيْهَا وَقلت لَهَا: أقيمي بِهَذَا وَجهك الْيَوْم إِلَى أَن نَلْتَقِي، فأخذتهاشبه المتكرهة ثُمّ قَالَت: الْآن تُرِيدُ أَن تَأْخُذ عني صَوتا أحسبك تَأْخُذ عَلَيْهِ ألف دينارٍ، وَألف دينارٍ وَألف دينارٍ، ث٣م انبعثت تغني وأعملت فكري فِي غنائها فدار لي الصَّوْت وفهمته، وانصرفت بِهِ مَسْرُورا إِلَى منزلي المكاري على بَاب المحول، فَدخلت لَا أَدْرِي أَيْن أتوجه وَلَا من أقصد، وانْتهى بِي النَّاس إِلَى الجسر، فعبرت فِي من عبر حَتَّى انْتَهوا بِي إِلَى شَارِع الميدان عِنْد دَار الْفضل بْن الرّبيع، فَرَأَيْت هُنَاكَ

стр. 525

مَسْجِدا مرتفعًا فَقلت: هَذَا مَسْجِد قوم سراةٍ، وَحَضَرت الْمغرب فَصَعدت الْمَسْجِد فَمَا لَبِثت أَن جَاءَ الْمُؤَذّن فَأذن وَأقَام وَصليت، وَانْصَرف النَّاس وأقمت مَكَاني إِلَى أَن رَجَعَ الْمُؤَذّن فَأذن وَأقَام، وَصليت وَانْصَرف النَّاس وأقمت مَكَاني إِلَى أَن رَجَعَ الْمُؤَذّن فَأذن وَأقَام، وَصليت مَعَ النَّاس على تعبٍ وجوع، وَانْصَرف النَّاس وَبَقِي رجل يُصَلِّي مَلِيًّا وَخَلفه جمَاعَة من الخدم والفحولة ينتظرونه، فَلَمَّا فرغ من صلَاته انْصَرف إِلَيّ بِبدنِهِ كُله فَقَالَ: أحسبك غَرِيبا، قلت: أجل، قَالَ: مَتى كنت بِهَذِهِ الْمَدِينَة؟ قلت: آنِفا دَخَلتهَا، وَلَيْسَ لي بهَا معرفَة، وَلَيْسَت صناعتي من الصَّنَائِع الَّتِي يمت بهَا إِلَى أهل الْخَيْر، قَالَ: وَمَا صناعتك؟ قلت: الْغناء، فَوَثَبَ مبادرًا ووكل بِي رجلا، فَقلت للْمُوكل بِي: من هَذَا؟ قَالَ: أوما تعرفه؟ هَذَا سَلام الأبرش قَالَ: وَإِذا رَسُول قد جَاءَ فِي طلبي ثُمَّ مشينا حَتَّى انْتهى بِي إِلَى قصرٍ من قُصُور الْخلَافَة وَجعل يُجَاوز بِي مَقْصُورَة بعد مقصورةٍ إِلَى أَن دَخَلنَا مَقْصُورَة فِي آخر الدهليز، فَدَعَا لي بِالطَّعَامِ، فَأتيت بمائدةٍ عَلَيْهَا من كل شَيْء، فَأَقْبَلت على أكلي حَتَّى تراجعت إِلَى نَفسِي، وَسمعت ركضًا فِي الدهليز، فَإِذا إِنْسَان يَقُول: أَيْن الرجل، أَيْن الرجل؟ فَقيل: هَا هُوَ ذَا، فَقَالَ يدعى لَهُ بغسول وَطيب وخلعةٍ، فغلفت وخلع عَليّ وَأخذ الرجل بيَدي فَحَمَلَنِي على دابةٍ وأتى بْن منزل الْخَلِيفَة فاستدللت على ذَلِك بالحرس وَالتَّكْبِير والنيران، فَمَا زَالَ يدخلني من دَار إِلَى دَار إِلَى أَن دخلت إِلَى دارٍ قوراء وَإِذا فِيهَا أسرة مُضَاف بَعْضهَا إِلَى بعض، فَلَمَّا انْتَهَيْت إِلَى الأسرة أَمرنِي بالصعود فَصَعدت، وَإِذا رجل جَالس على يَمِينه ثَلَاث جوارٍ فِي حجورهن العيدان، وَإِذا فِي حجر الرجل عود فَسلمت فَرَحَّبَ بِي وَأَمرَنِي بِالْجُلُوسِ فَجَلَست، وَإِذا مجَالِس خَالِيَة قد كَانَ فِيهَا قوم فَقَامُوا عَنْهَا، فَمَا لَبِثت أَن خرج خَادِم من وَرَاء السّتْر فَقَالَ للرجل: تغنه، فَانْدفع يُغني بصوتٍ لي يَقُول فِيهِ: لم تمش ميلًا وَلم تركب على جملٍ ... وَلم تَرَ الشَّمْس إِلَّا دونهَا الكلل تمشي الهوينا كَأَن الشوك يحبسها ... مشي اليعافير فِي جيئاتها الوجل فو الله مَا أحسن الْغناء، وَلَقَد غنى بِغَيْر إصابةٍ وأوتارٍ متنافرة ودساتين مختلفةٍ، ثمَّ عَاد ذَلِك الْخَادِم إِلَى الْجَارِيَة الَّتِي تلِي الرجل فَقَالَ لَهَا: تغني فانبعثت تغني بِصَوْت لي كَانَت فِيهِ أحسن حَالا من الرجل تَقول فِيهِ: يَا دَار أضحت خلاء لَا أنيس بهَا ... إِلَّا الظباء وَإِلَّا الناشط الْفَرد أَيْن الَّذين إِذا مَا زرتهم جذلوا ... وطار عَن قلبِي التشواق والكمد ثمَّ عَاد الْخَادِم إِلَى الْجَارِيَة الثَّانِي فَقَالَ لَهَا: تغني فانبعث تغني بِصَوْت حكم الْوَادي تَقول فِيهِ: فو الله مَا أَدْرِي أيغلبني الْهوى ... إِذا جد وَشك الْبَين أم أَنا غالبه فَإِن أستطع أغلب وَإِن يغلب الْهوى ... فَفِي دون مَا لاقيت يغلب صَاحبه

стр. 526

ثمَّ عَاد الْخَادِم إِلَى الْجَارِيَة الثَّالِثَة فَقَالَ لَهَا: تغني فغنت بِصَوْت لحنين تَقول فِيهِ: مَرَرْنَا على قيسيةٍ عامريةٍ ... لَهَا بشر صافي الْأَدِيم هجان فَقَالَت وَأَلْقَتْ جَانب السجف دونهَا ... من آيَة حَيّ أَو من الرّجلَانِ فَقلت لَهَا أما تَمِيم فاسرتي ... هديت وَأما صَاحِبي فيماني رفيقان ضم السّفر بيني وَبَينه ... وَقد يلتقي الشتى فيأتلفان قَالَ فَعَاد الْخَادِم إِلَى الرجل فَقَالَ لَهُ: تغنه، فغنى بصوتٍ لي شبه فِيهِ، وَالشعر لعمر بن أبي ربيعَة الْغناء للغريض يَقُول فِيهِ: أمس بأسماء هَذَا الْقلب معمودا ... إِذا أَقُول صَحا يعتاده عيدا كَأَن أحور من غزلان شيهمةٍ ... أعارها شبها خديه والجيدا قَامَت ترَاءى وَقد جد الرحيل بِنَا ... لتنكأ الْقرح من قلبٍ قد اصطلدا بمشرق كشعاع الشَّمْس بهجته ... ومسبكر على لباتها سُودًا ثمَّ عاج الْخَادِم إِلَى الْجَارِيَة الَّتِي تليه فَقَالَ لَهَا: تغني، فغنت بصوتٍ لحكم الْوَادي يَقُول فِيهِ: تعيرنا أَنا قيل عديدنا ... فَقلت لَهَا إِن الْكِرَام قَلِيل وَمَا ضرنا أَنا قَلِيل وجارنا ... عَزِيز وجار الْأَكْثَرين ذليل وَإِنَّا لقوم مَا نرى الْقَتْل سبةً ... إِذا كرهته عَامر وسلول يقرب حب الْمَوْت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول وتغنت الْجَارِيَة الثَّانِيَة عِنْد قَول الْخَادِم لَهَا تغني: وددتك لما كَانَ ودك خَالِصا ... وأعرضت لما صَار نهبًا مقسمًا وَلنْ يلبث الْحَوْض الوثيق بناءه ... إذاكثر الوراد أَن يتهدما وتغنت الثَّالِثَة بِشعر الخنساء بنت عَمْرو بْن الْحَارِث فِي أَخِيهَا صَخْر: وَمَا كرّ إِلَّا كَانَ أول طَاعن ... وَلَا أبصرته الْعين إِلَّا اقشعرت فيدرك ثأرا ثُمَّ لم يخطه الْغنى ... فَمثل أخي يَوْمًا بِهِ الْعين قرت وَإِن طلبُوا وترا بدا بتراتهم ... ويضربهم شزرا إِذا الْخَيل ولت فلست أرزا بعده برزيةٍ ... فأذكره إِلَّا سلت وتجلت وَكَانَ غناء الرجل فِي الدّور الثَّالِث: لحا الله صعلوكا يبيت وهمه ... من الدَّهْر أَن يلقى لبوسا ومطعما ينَام الضُّحَى حَتَّى إِذا نَومه اسْتَوَى ... تنبه مسلوب الْفُؤَاد مورما

стр. 527

وَلَكِن صعلوكا يساور همه ... وَيَمْشي على الهيجاء ليثا مصمما فَذَلِك إِن يلق الْمنية تلقه ... كَرِيمًا وَإِن يسْتَغْن يَوْمًا فَرُبمَا وَكَانَ غناء الْجَارِيَة فِي الدّور الثَّالِث بِشعر لحاتم يَقُول فِيهِ: إِذا كنت رَبًّا للقلوص فَلَا تدع ... رفيقك بمشي خلفهَا غير رَاكب أنخها فأردفه فَإِن حملتكما ... فَذَاك وَإِن كَانَ الْعقَاب فعاقب وَكَانَ غناءالجارية الثَّانِيَة فِي الدّور بِشعر عَمْرو بْن معدي كرب: ألم تَرَ لما ضمني الْبَلَد القفر ... سَمِعت نِدَاء يصدع الْقلب يَا عَمْرو أغثنا فَإنَّا معشر مذحجية ... نزار على وفرٍ وَلَيْسَ لنا وفر وَكَانَ غناء الثَّالِثَة بشعرٍ لعمر بْن أَبِي ربيعَة والغناء فِيهِ للغريض: فَلَمَّا تلاقينا وسلمت أشرقت ... وُجُوه زهاها الْحسن أَن تتقنعا تبالهن بالعرفان لما رأينني ... وقلن امْرُؤ بَاغ أكل وأوضعا فَلَمَّا تواضعنا الْأَحَادِيث قُلْنَ لي ... أخفت علينا أَن نغر ونخدعا قَالَ فَقلت فِي نَفسِي: أَي شَيْء أنْتَظر؟ يَجِيء الْخَادِم السَّاعَة يطالبني بِمثل مَا طَالب بِهِ أَصْحَابِي، فَقلت للرجل: بِأبي أَنْت خُذ الْعود إِلَيْك وَشد وتر كَذَا وارفع الطَّبَقَة وَغير وتر كَذَا وَحط دستان كَذَا، فَعلم مَا أُرِيد فوزنه، فَلم البث أَن خرج الْخَادِم فَقَالَ لي تغنه، عافاك الله، فانبعثت أُغني بِصَوْت الرجل الأول على غير مَا غنى بِهِ فَإِذا بنحوٍ من خمسين أَو سِتِّينَ خَادِمًا يحْضرُون حَتَّى استندوا إِلَى الأسرة ثُمَّ قَالُوا: وَيحك لمن هَذَا الْغناء؟ قلت: لي، فانصرفوا عني بِتِلْكَ السرعة، فَخرج إِلَيّ الْخَادِم فَقَالَ: كذبت هَذَا الْغناء لِابْنِ جَامع، فَسكت، وَدَار الدّور فَلَمَّا انْتهى إِلَيّ خرج الْخَادِم فَقَالَ تغنه، فَقلت لِلْجَارِيَةِ الَّتِي تلِي الرجل: خذي الْعود فانبعثت أُغني صَوتهَا، فَخرجت الْجَمَاعَة من الخدم فَقَالُوا: وَيحك لمن هَذَا؟ فَقلت: لي، فَمَضَوْا وَرجع الْخَادِم فَقَالَ لي: كذبت، هَذَا لِابْنِ جَامع. فَأَمْسَكت عَنْهُ وَدَار الدّور، فَلَمَّا بلغ إِلَيّ خرج الْخَادِم فَقَالَ: تغنه، فَقلت فِي نَفسِي، وَقد شربت وقويت منتي: مَا أنْتَظر؟ فاندفعت أُغني بصوتٍ لَا يعرف إِلَّا بِي: عوجي عَليّ فسلمي جبر ... فيمَ الْوُقُوف وَأَنْتُم سفر مانلتقي إِلَّا ثَلَاث منى ... جتى يفرق بَيْننَا النَّفر قَالَ: فتزلزلت وَالله عَلَيْهِم الدَّار، وَخرج الْخَادِم فَقَالَ: وَيحك، لمن هَذَا؟ فَقلت: لي، قَالَ: فَرَجَعُوا فَقَالُوا: هَذَا لِابْنِ جَامع، فَقلت: أَنا إِسْمَاعِيل ابْن جَامع، قَالَ: فَمَا شَعرت إِلَّا وأمير الْمُؤمنِينَ وجعفر بْن يحيى قد أَقبلَا من وَرَاء السّتْر، فَلَمَّا صعدا السرير وَثَبت على قدمي، فابتدأني أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ: ابْن جَامع؟ فَقلت: ابْن جَامع جعلني الله فدَاك يَا أَمِير

стр. 528

الْمُؤمنِينَ، قَالَ: وَيحك مَتى كنت فِي هَذِه الْمَدِينَة؟ قلت: آنِفا دَخَلتهَا فِي الْوَقْت الَّذِي علم بِي أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ: أَجْلِس وَيحك يَا ابْن جَامع، وَجلسَ أَمِير المؤمين وجعفر بْن يحيى فِي بعض تِلْكَ الْمجَالِس الفرغ وَقَالَ لي: يَا ابْن جَامع، أبشر وأبسط أملك، فدعوت لَهُ دعواتٍ ثُمَّ قَالَ: عَن يَا ابْن جَامع، قَالَ: فخطر بقلبي صَوت الْجَارِيَة المدينية، فَقلت للرجل: أصلح عودك وارفع طبقته، قَالَ: فَعلم مَا أُرِيد فوزن الْعود وزنا، وتعهدته حَتَّى استقامت الأوتار وَأخذت الدساتين موَاضعهَا، وانبعثت أُغني بصوتٍ الْجَارِيَة الْحُمَيْرَاء، فَنظر أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى جَعْفَر بْن يحيى فَقَالَ لَهُ: أسمعت كَذَا قطّ؟ قَالَ: لَا وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا سَمِعت وَلَا خرق سَمْعِي مثله قطّ، وَلَا ظَنَنْت أَن الله خلق على وَجه الأَرْض مثل مَا أسمع، قَالَ فَرفع الرشيد رَأسه إِلَى خَادِم بِالْقربِ مِنْهُ فَقَالَ لَهُ: كيس فِيهِ ألف دينارٍ قَالَ: فَمضى الْخَادِم فَلم يلبث أَن عَاد بكيسٍ فِيهِ ألف دينارٍ، فصيرته تَحت فَخذي ودعوت لأمير الْمُؤمنِينَ، فَقَالَ لي: يَا ابْن جَامع رد على أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذَا الصَّوْت، فرددته وتزيدت فِي غنائي وأعانني على ذَلِك اسْتِوَاء الأوتار، قَالَ: فَنظر جَعْفَر إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ: يَا سَيِّدي أما تسمعه كَيفَ يتزايد فِي الْغناء؟ هَذَا خلاف الَّذِي سمعنَا أَولا، على أَن الْأَمر فِيهِ وَاحِد، قَالَ: فَرفع الرشيد رَأسه إِلَى الْخَادِم فَقَالَ: كيس فِيهِ ألف دِينَار، فَمضى الْخَادِم وَجَاء بكيس فِيهِ ألف دِينَار فَرمى بِهِ إِلَيّ فصيرته تَحت فَخذي، ثُمَّ قَالَ لي أَمِير الْمُؤمنِينَ: تغن مَا حضرك، فَأَقْبَلت أقصد إِلَى الصَّوْت بعد الصَّوْت مِمَّا كَانَ يبلغنِي أَنه يَشْتَرِي عَلَيْهِ الْجَوَارِي فأغنيه، فَلم أمزل أفعل ذَلِك إِلَى أَن عسعس اللَّيْل، فَقَالَ: يَا إِسْمَاعِيل قد أتعبناك فِي هَذِه اللَّيْلَة لسروري بغنائك، فتعيد عَليّ الصَّوْت الَّذِي تَغَنَّيْت بِهِ أَولا يَعْنِي صَوت الْجَارِيَة فغنيته إِيَّاه، فَرفع رَأسه إِلَى الْخَادِم فَقَالَ: كيس فِيهِ ألف دِينَار، وَذكرت قَول الْجَارِيَة: إِنِّي أحسبك تَأْخُذ عَلَيْهِ ألف دِينَار وَألف دِينَار وَألف دينارٍ، فَكَانَ مني شبه التبسم، ولحظني من بَين الشمع فَقَالَ لي: مِم تبسمت؟ قَالَ: فجثوت على ركبتي ثُمَّ قلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الصدْق منجاة، فَقَالَ لي بانتهار: قل، فَحَدَّثته حَدِيث الْجَارِيَة فَقَالَ: صدقت قد يكون هَذَا وأعجب مِنْهُ؛ ثُمَّ قَالَ لي: انْصَرف مودعًا، فَقُمْت لَا أَدْرِي إِلَى أَيْن انفذ ذَلِك الْوَقْت، فَمَا هُوَ إِلَّا أَن نزلت من الأسرة حَتَّى وثب إِلَيّ غفيران من الفراشين، فَأخذ أَحدهمَا بيَدي المينى وَالْآخر باليسرى ومضيا بِي لَا أَدْرِي أَيْن يتوجهان بِي، حَتَّى وَقفا بِي على بَاب دَاري هَذِه، فَإِذا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد أَمر سَلاما فَابْتَاعَ لي هَذِه الدَّار وحول أَهلهَا، وحشيت بالفرش والوصائف والوصفاء وَالطَّعَام وَالشرَاب، وَدفع إِلَيّ أَحدهمَا إضبارة مَفَاتِيح وَقَالَ لي: ادخل بَارك الله لَك فِيهَا، وَهَذَا مِفْتَاح بَيت كَذَا، وَهَذَا مِفْتَاح بَيت مَالك، وَهَذَا مِفْتَاح سُبْرَة الْجَوَارِي، وَهَذَا مِفْتَاح بَيت فرشك وآنتيك، وأوقفني على مَا أردْت، فَأَصْبَحت وَأَنا من مياسير أهل بَغْدَاد، ودخلتها وَأَنا أفقر أَهلهَا، وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين.

стр. 529

تعليقات على بعض مَا جَاءَ فِي هَذَا الْخَبَر قَالَ القَاضِي ﵀: قَول الشَّاعِر فِي هَذَا الْخَبَر اليعافير اليعافير جمع يَعْفُور وَهِي الَّتِي يضْرب لَوْنهَا إِلَى الْحمرَة من الْوَحْش، وَهِي المعفرة، وَيُقَال للتراب أعفر كَمَا قَالَ أَبُو كَبِير الْهُذلِيّ: يَا لهف نَفسِي كَانَ جدة خالدٍ ... وَبَيَاض وَجهك للتراب الأعفر وَقَالَ الشَّاعِر: وبلدةٍ لَيْسَ بهَا أنيس ... إِلَّا اليعافير وَإِلَّا العيس والعيس: الْبيض. وَقَوله فِي الشّعْر الَّذِي يَلِيهِ وَإِلَّا الناشط الْفَرد الناشط: الثور الوحشي قَالَ الشَّاعِر: واستقبلت ظعنهم لما احزأل بهم ... مَعَ الضُّحَى ناشط من داعيات دَد وَقَول عمر بْن أَبِي ربيعَة: وقلن امْرُؤ بَاغ أكل وأوضعا الْبَاغِي هَاهُنَا طَالب ضالةٍ وناشدها؛ أكل يَعْنِي أَن ركابه كلت من سيره عَلَيْهَا وَقَوله: أوضعا يعيني أَنه أسْرع بهَا قَالَ الله تَعَالَى: " ولأضعوا خِلالَكُمْ " التَّوْبَة:٤٧ وَمن الإيضاع قَول دُرَيْد بْن الصمَّة: يَا لَيْتَني فِيهَا جذع ... أخب فِيهَا وأضع الخبب والإيضاع ضَرْبَان من السّير السَّرِيع. وَقَول الرشيد لِابْنِ جَامع: أبن جَامع وَجه الْكَلَام فِيهِ فتح الْهمزَة، وَذَلِكَ أَن الْألف فِي ابْن جامعٍ ألف وصل وَإِنَّمَا جِيءَ بهَا فِي الْخَبَر لسكون الْبَاء وَأَنه لَا يبْدَأ بساكن فَإِذا دخلت عَلَيْهَا الْهمزَة للاستفهام سَقَطت كَمَا قَالَ ابْن قيس الرقيات: فَقَالَت ابْن قيسٍ ذَا ... وَبَعض الشيب يعجبها قَالَ الله : " افْتَرَى عَلَى الله كذبا " سبأ: ٨ وَقَالَ عز ذكره: " أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ " الصافات: ١٥٣ وَقد رُوِيَ لنا بَيت ذِي الرمة على وَجْهَيْن: استحدث الركب من أشياعهم خَبرا ... أم رَاجع الْقلب من أطرابه طرب بالوصل وَالْقطع على مَا بَينا اكْتِفَاء بِدلَالَة قَوْله: أم رَاجع الْقلب من أطرابه طرب، كَمَا قَالَ امْرُؤ الْقَيْس: تَرُوح من الحَيِّ أم تَبْتَكِرْ ... وماذا يَضرك لَو تنْتَظر وَقَول ابْن جَامع: إِلَى أَن عسعس اللَّيْل يُقَال عسعس اللَّيْل إِذا أقبل وعسعس إِذْ ولى، وَقيل هُوَ من الأضداد، وَقَالَ الله جلّ ذكره: " وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ " التكوير: ١٧ قيل فِيهِ الْقَوْلَانِ اللَّذَان ذكرنَا، وَقَالَ الشَّاعِر: عسعس حَتَّى لَو يَشَاء ادنى ... كَانَ لَهُ من ضوئه مقتبس قيل فِي قَوْله: ادنى قَولَانِ أَحدهمَا أَنه افتعل من الدنو، وَأَصله ادتنا، وَقيل بل هُوَ اذدنا

стр. 530

وَأَصله أَن يقطع فَيُقَال: لَو يَشَاء اذدنا، وَلكنه ترك الْهَمْز فِي الشّعْر لإِقَامَة وَزنه، وَقد جَاءَ مثله فِي الشّعْر كَقَوْل الطرماح بْن حَكِيم: أَلا أَيهَا اللَّيْل الطَّوِيل أَلا أصبح ... سَرِيعا وَمَا الإصباح فِيك بأصلح وَأَصله أَلا أصبح لِأَنَّهُ رباعي من أصبح يصبح، فعلى هَذَا الْوَجْه أَكثر مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَيْت، وَقد رَوَاهُ بَعضهم أَلا أَيهَا اللَّيْل الَّذِي طَال أصبح فَأتى بِهِ على أَصله. وفادة جرير على الْحجَّاج حَدثنَا أَبُو النَّضر الْعقيلِيّ قَالَ أَخْبرنِي الزُّبَيْر قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَيُّوب الْيَرْبُوعي عَن أَبِي الذَّيَّال السَّلُولي قَالَ حَدَّثَنِي جرير قَالَ: وفدت على الْحجَّاج بْن يُوسُف فِي سفرةٍ تسمى سفرة الْأَرْبَعين، فَأَعْطَانِي أَرْبَعِينَ رَاحِلَة ورعاءها وحشو حقائبها القطائف والأكسية، كسْوَة لِعِيَالِي، وأوقرها حِنْطَة ثُمَّ خرجت فَلَمَّا شددت على رَاحِلَتي كورها وَأَنا أُرِيد الْمُضِيّ جائني خَادِم فَقَالَ: أجب الْأَمِير، فَرَجَعت مَعَه، فَدخلت على الْحجَّاج، فَإِذا هُوَ قَاعد على كرْسِي، وَإِذا جَارِيَة قَائِمَة تعممه بعمامة فَقلت: السَّلَام عَلَيْك أَيهَا الْأَمِير فَقَالَ: هَات قل فِي هَذِه، فَقلت: بِأبي وَأمي تمنعني هَيْبَة الْأَمِير وإجلاله، وأفحمت فَمَا أَدْرِي مَا أَقُول، فَقَالَ: بل هَات قل فِيهَا، فَقلت: بِأبي وَأمي فَمَا اسْمهَا؟ قَالَ: أُمَامَة، فَلَمَّا أُمَامَة فتح عَليّ فَقلت: ودع أُمَامَة حَان مِنْك رحيل ... إِن الْوَدَاع لمن تحب قَلِيل تِلْكَ الْقُلُوب صواديا تيمتها ... وَأرى الشِّفَاء وَمَا إِلَيْهِ سَبِيل فَقَالَ: بل إِلَيْهِ سَبِيل، خُذ بِيَدِهَا فجبذبتها فتعلقت بالعمامة وجبذتها حَتَّى رَأَيْت عنق الْحجَّاج قد صغت ومالت مِمَّا جبذتها، وَتعلق بالعمامة، قَالَ: ويخطر ببالي بَيت من شعر فَقلت: إِن كَانَ طبكم الدَّلال فَإِنَّهُ ... حسن دلالك يَا أميم جميل فَقَالَ الْحجَّاج: إِنَّه وَالله مَا بهَا دلال وَلَكِن بهَا بغض وَجهك وَهُوَ أهل ذَلِك، خُذْهَا بِيَدِهَا جرها، فَلَمَّا سَمِعت ذَلِك مِنْهُ خلت الْعِمَامَة. وَخرجت بهَا فكنيتها أم حَكِيم وجعلتها تقوم على ودي لي وعمالي وتعطيهم نفقاتهم بقريةٍ يُقَال لَهَا الغنية من قرى الوشم حَتَّى نفد الودي. قَالَ طَلْحَة: فَأَخْبرنِي الزُّبَيْر قَالَ، قَالَ مُحَمَّد بْن أَيُّوب: وَسمعت حجناء بْن نوح يَقُول: كَانَت وَالله مباركة. شُرُوح وتعليقات قَالَ القَاضِي ﵀: قَول جرير جبذتها وأجبذها بِمَعْنى جذبتها وأجذبها، تَقول جبذته أجبذه جبذًا، وجذبته أجذبه جذبا، وَمثله تبيغ بِهِ الدَّم وتبغي، وَمَا أيطبه وَمَا أطيبه، وَمثله كثير. وَأما الودي فَإِنَّهُ الفسيل كَمَا قَالَ الشَّاعِر: نَحن بغرس الودي أعلمنَا ... منا بركب الْجِيَاد فِي الْغَلَس
следующие страницы →