Полный текст (740 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
ثمَّ عَاد الْخَادِم إِلَى الْجَارِيَة الثَّالِثَة فَقَالَ لَهَا: تغني فغنت بِصَوْت لحنين تَقول فِيهِ:
مَرَرْنَا على قيسيةٍ عامريةٍ ... لَهَا بشر صافي الْأَدِيم هجان
فَقَالَت وَأَلْقَتْ جَانب السجف دونهَا ... من آيَة حَيّ أَو من الرّجلَانِ
فَقلت لَهَا أما تَمِيم فاسرتي ... هديت وَأما صَاحِبي فيماني
رفيقان ضم السّفر بيني وَبَينه ... وَقد يلتقي الشتى فيأتلفان
قَالَ فَعَاد الْخَادِم إِلَى الرجل فَقَالَ لَهُ: تغنه، فغنى بصوتٍ لي شبه فِيهِ، وَالشعر لعمر بن أبي ربيعَة الْغناء للغريض يَقُول فِيهِ:
أمس بأسماء هَذَا الْقلب معمودا ... إِذا أَقُول صَحا يعتاده عيدا
كَأَن أحور من غزلان شيهمةٍ ... أعارها شبها خديه والجيدا
قَامَت ترَاءى وَقد جد الرحيل بِنَا ... لتنكأ الْقرح من قلبٍ قد اصطلدا
بمشرق كشعاع الشَّمْس بهجته ... ومسبكر على لباتها سُودًا
ثمَّ عاج الْخَادِم إِلَى الْجَارِيَة الَّتِي تليه فَقَالَ لَهَا: تغني، فغنت بصوتٍ لحكم الْوَادي يَقُول فِيهِ:
تعيرنا أَنا قيل عديدنا ... فَقلت لَهَا إِن الْكِرَام قَلِيل
وَمَا ضرنا أَنا قَلِيل وجارنا ... عَزِيز وجار الْأَكْثَرين ذليل
وَإِنَّا لقوم مَا نرى الْقَتْل سبةً ... إِذا كرهته عَامر وسلول
يقرب حب الْمَوْت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول
وتغنت الْجَارِيَة الثَّانِيَة عِنْد قَول الْخَادِم لَهَا تغني:
وددتك لما كَانَ ودك خَالِصا ... وأعرضت لما صَار نهبًا مقسمًا
وَلنْ يلبث الْحَوْض الوثيق بناءه ... إذاكثر الوراد أَن يتهدما
وتغنت الثَّالِثَة بِشعر الخنساء بنت عَمْرو بْن الْحَارِث فِي أَخِيهَا صَخْر:
وَمَا كرّ إِلَّا كَانَ أول طَاعن ... وَلَا أبصرته الْعين إِلَّا اقشعرت
فيدرك ثأرا ثُمَّ لم يخطه الْغنى ... فَمثل أخي يَوْمًا بِهِ الْعين قرت
وَإِن طلبُوا وترا بدا بتراتهم ... ويضربهم شزرا إِذا الْخَيل ولت
فلست أرزا بعده برزيةٍ ... فأذكره إِلَّا سلت وتجلت
وَكَانَ غناء الرجل فِي الدّور الثَّالِث:
لحا الله صعلوكا يبيت وهمه ... من الدَّهْر أَن يلقى لبوسا ومطعما
ينَام الضُّحَى حَتَّى إِذا نَومه اسْتَوَى ... تنبه مسلوب الْفُؤَاد مورما
стр. 527
وَلَكِن صعلوكا يساور همه ... وَيَمْشي على الهيجاء ليثا مصمما
فَذَلِك إِن يلق الْمنية تلقه ... كَرِيمًا وَإِن يسْتَغْن يَوْمًا فَرُبمَا
وَكَانَ غناء الْجَارِيَة فِي الدّور الثَّالِث بِشعر لحاتم يَقُول فِيهِ:
إِذا كنت رَبًّا للقلوص فَلَا تدع ... رفيقك بمشي خلفهَا غير رَاكب
أنخها فأردفه فَإِن حملتكما ... فَذَاك وَإِن كَانَ الْعقَاب فعاقب
وَكَانَ غناءالجارية الثَّانِيَة فِي الدّور بِشعر عَمْرو بْن معدي كرب:
ألم تَرَ لما ضمني الْبَلَد القفر ... سَمِعت نِدَاء يصدع الْقلب يَا عَمْرو
أغثنا فَإنَّا معشر مذحجية ... نزار على وفرٍ وَلَيْسَ لنا وفر
وَكَانَ غناء الثَّالِثَة بشعرٍ لعمر بْن أَبِي ربيعَة والغناء فِيهِ للغريض:
فَلَمَّا تلاقينا وسلمت أشرقت ... وُجُوه زهاها الْحسن أَن تتقنعا
تبالهن بالعرفان لما رأينني ... وقلن امْرُؤ بَاغ أكل وأوضعا
فَلَمَّا تواضعنا الْأَحَادِيث قُلْنَ لي ... أخفت علينا أَن نغر ونخدعا
قَالَ فَقلت فِي نَفسِي: أَي شَيْء أنْتَظر؟ يَجِيء الْخَادِم السَّاعَة يطالبني بِمثل مَا طَالب بِهِ أَصْحَابِي، فَقلت للرجل: بِأبي أَنْت خُذ الْعود إِلَيْك وَشد وتر كَذَا وارفع الطَّبَقَة وَغير وتر كَذَا وَحط دستان كَذَا، فَعلم مَا أُرِيد فوزنه، فَلم البث أَن خرج الْخَادِم فَقَالَ لي تغنه، عافاك الله، فانبعثت أُغني بِصَوْت الرجل الأول على غير مَا غنى بِهِ فَإِذا بنحوٍ من خمسين أَو سِتِّينَ خَادِمًا يحْضرُون حَتَّى استندوا إِلَى الأسرة ثُمَّ قَالُوا: وَيحك لمن هَذَا الْغناء؟ قلت: لي، فانصرفوا عني بِتِلْكَ السرعة، فَخرج إِلَيّ الْخَادِم فَقَالَ: كذبت هَذَا الْغناء لِابْنِ جَامع، فَسكت، وَدَار الدّور فَلَمَّا انْتهى إِلَيّ خرج الْخَادِم فَقَالَ تغنه، فَقلت لِلْجَارِيَةِ الَّتِي تلِي الرجل: خذي الْعود فانبعثت أُغني صَوتهَا، فَخرجت الْجَمَاعَة من الخدم فَقَالُوا: وَيحك لمن هَذَا؟ فَقلت: لي، فَمَضَوْا وَرجع الْخَادِم فَقَالَ لي: كذبت، هَذَا لِابْنِ جَامع. فَأَمْسَكت عَنْهُ وَدَار الدّور، فَلَمَّا بلغ إِلَيّ خرج الْخَادِم فَقَالَ: تغنه، فَقلت فِي نَفسِي، وَقد شربت وقويت منتي: مَا أنْتَظر؟ فاندفعت أُغني بصوتٍ لَا يعرف إِلَّا بِي:
عوجي عَليّ فسلمي جبر ... فيمَ الْوُقُوف وَأَنْتُم سفر
مانلتقي إِلَّا ثَلَاث منى ... جتى يفرق بَيْننَا النَّفر
قَالَ: فتزلزلت وَالله عَلَيْهِم الدَّار، وَخرج الْخَادِم فَقَالَ: وَيحك، لمن هَذَا؟ فَقلت: لي، قَالَ: فَرَجَعُوا فَقَالُوا: هَذَا لِابْنِ جَامع، فَقلت: أَنا إِسْمَاعِيل ابْن جَامع، قَالَ: فَمَا شَعرت إِلَّا وأمير الْمُؤمنِينَ وجعفر بْن يحيى قد أَقبلَا من وَرَاء السّتْر، فَلَمَّا صعدا السرير وَثَبت على قدمي، فابتدأني أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ: ابْن جَامع؟ فَقلت: ابْن جَامع جعلني الله فدَاك يَا أَمِير
стр. 528
الْمُؤمنِينَ، قَالَ: وَيحك مَتى كنت فِي هَذِه الْمَدِينَة؟ قلت: آنِفا دَخَلتهَا فِي الْوَقْت الَّذِي علم بِي أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ: أَجْلِس وَيحك يَا ابْن جَامع، وَجلسَ أَمِير المؤمين وجعفر بْن يحيى فِي بعض تِلْكَ الْمجَالِس الفرغ وَقَالَ لي: يَا ابْن جَامع، أبشر وأبسط أملك، فدعوت لَهُ دعواتٍ ثُمَّ قَالَ: عَن يَا ابْن جَامع، قَالَ: فخطر بقلبي صَوت الْجَارِيَة المدينية، فَقلت للرجل: أصلح عودك وارفع طبقته، قَالَ: فَعلم مَا أُرِيد فوزن الْعود وزنا، وتعهدته حَتَّى استقامت الأوتار وَأخذت الدساتين موَاضعهَا، وانبعثت أُغني بصوتٍ الْجَارِيَة الْحُمَيْرَاء، فَنظر أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى جَعْفَر بْن يحيى فَقَالَ لَهُ: أسمعت كَذَا قطّ؟ قَالَ: لَا وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا سَمِعت وَلَا خرق سَمْعِي مثله قطّ، وَلَا ظَنَنْت أَن الله خلق على وَجه الأَرْض مثل مَا أسمع، قَالَ فَرفع الرشيد رَأسه إِلَى خَادِم بِالْقربِ مِنْهُ فَقَالَ لَهُ: كيس فِيهِ ألف دينارٍ قَالَ: فَمضى الْخَادِم فَلم يلبث أَن عَاد بكيسٍ فِيهِ ألف دينارٍ، فصيرته تَحت فَخذي ودعوت لأمير الْمُؤمنِينَ، فَقَالَ لي: يَا ابْن جَامع رد على أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذَا الصَّوْت، فرددته وتزيدت فِي غنائي وأعانني على ذَلِك اسْتِوَاء الأوتار، قَالَ: فَنظر جَعْفَر إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ: يَا سَيِّدي أما تسمعه كَيفَ يتزايد فِي الْغناء؟ هَذَا خلاف الَّذِي سمعنَا أَولا، على أَن الْأَمر فِيهِ وَاحِد، قَالَ: فَرفع الرشيد رَأسه إِلَى الْخَادِم فَقَالَ: كيس فِيهِ ألف دِينَار، فَمضى الْخَادِم وَجَاء بكيس فِيهِ ألف دِينَار فَرمى بِهِ إِلَيّ فصيرته تَحت فَخذي، ثُمَّ قَالَ لي أَمِير الْمُؤمنِينَ: تغن مَا حضرك، فَأَقْبَلت أقصد إِلَى الصَّوْت بعد الصَّوْت مِمَّا كَانَ يبلغنِي أَنه يَشْتَرِي عَلَيْهِ الْجَوَارِي فأغنيه، فَلم أمزل أفعل ذَلِك إِلَى أَن عسعس اللَّيْل، فَقَالَ: يَا إِسْمَاعِيل قد أتعبناك فِي هَذِه اللَّيْلَة لسروري بغنائك، فتعيد عَليّ الصَّوْت الَّذِي تَغَنَّيْت بِهِ أَولا يَعْنِي صَوت الْجَارِيَة فغنيته إِيَّاه، فَرفع رَأسه إِلَى الْخَادِم فَقَالَ: كيس فِيهِ ألف دِينَار، وَذكرت قَول الْجَارِيَة: إِنِّي أحسبك تَأْخُذ عَلَيْهِ ألف دِينَار وَألف دِينَار وَألف دينارٍ، فَكَانَ مني شبه التبسم، ولحظني من بَين الشمع فَقَالَ لي: مِم تبسمت؟ قَالَ: فجثوت على ركبتي ثُمَّ قلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الصدْق منجاة، فَقَالَ لي بانتهار: قل، فَحَدَّثته حَدِيث الْجَارِيَة فَقَالَ: صدقت قد يكون هَذَا وأعجب مِنْهُ؛ ثُمَّ قَالَ لي: انْصَرف مودعًا، فَقُمْت لَا أَدْرِي إِلَى أَيْن انفذ ذَلِك الْوَقْت، فَمَا هُوَ إِلَّا أَن نزلت من الأسرة حَتَّى وثب إِلَيّ غفيران من الفراشين، فَأخذ أَحدهمَا بيَدي المينى وَالْآخر باليسرى ومضيا بِي لَا أَدْرِي أَيْن يتوجهان بِي، حَتَّى وَقفا بِي على بَاب دَاري هَذِه، فَإِذا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد أَمر سَلاما فَابْتَاعَ لي هَذِه الدَّار وحول أَهلهَا، وحشيت بالفرش والوصائف والوصفاء وَالطَّعَام وَالشرَاب، وَدفع إِلَيّ أَحدهمَا إضبارة مَفَاتِيح وَقَالَ لي: ادخل بَارك الله لَك فِيهَا، وَهَذَا مِفْتَاح بَيت كَذَا، وَهَذَا مِفْتَاح بَيت مَالك، وَهَذَا مِفْتَاح سُبْرَة الْجَوَارِي، وَهَذَا مِفْتَاح بَيت فرشك وآنتيك، وأوقفني على مَا أردْت، فَأَصْبَحت وَأَنا من مياسير أهل بَغْدَاد، ودخلتها وَأَنا أفقر أَهلهَا، وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين.
стр. 529
تعليقات على بعض مَا جَاءَ فِي هَذَا الْخَبَر
قَالَ القَاضِي ﵀: قَول الشَّاعِر فِي هَذَا الْخَبَر اليعافير اليعافير جمع يَعْفُور وَهِي الَّتِي يضْرب لَوْنهَا إِلَى الْحمرَة من الْوَحْش، وَهِي المعفرة، وَيُقَال للتراب أعفر كَمَا قَالَ أَبُو كَبِير الْهُذلِيّ:
يَا لهف نَفسِي كَانَ جدة خالدٍ ... وَبَيَاض وَجهك للتراب الأعفر
وَقَالَ الشَّاعِر:
وبلدةٍ لَيْسَ بهَا أنيس ... إِلَّا اليعافير وَإِلَّا العيس
والعيس: الْبيض. وَقَوله فِي الشّعْر الَّذِي يَلِيهِ وَإِلَّا الناشط الْفَرد الناشط: الثور الوحشي قَالَ الشَّاعِر:
واستقبلت ظعنهم لما احزأل بهم ... مَعَ الضُّحَى ناشط من داعيات دَد
وَقَول عمر بْن أَبِي ربيعَة: وقلن امْرُؤ بَاغ أكل وأوضعا الْبَاغِي هَاهُنَا طَالب ضالةٍ وناشدها؛ أكل يَعْنِي أَن ركابه كلت من سيره عَلَيْهَا وَقَوله: أوضعا يعيني أَنه أسْرع بهَا قَالَ الله تَعَالَى: " ولأضعوا خِلالَكُمْ " التَّوْبَة:٤٧ وَمن الإيضاع قَول دُرَيْد بْن الصمَّة:
يَا لَيْتَني فِيهَا جذع ... أخب فِيهَا وأضع
الخبب والإيضاع ضَرْبَان من السّير السَّرِيع. وَقَول الرشيد لِابْنِ جَامع: أبن جَامع وَجه الْكَلَام فِيهِ فتح الْهمزَة، وَذَلِكَ أَن الْألف فِي ابْن جامعٍ ألف وصل وَإِنَّمَا جِيءَ بهَا فِي الْخَبَر لسكون الْبَاء وَأَنه لَا يبْدَأ بساكن فَإِذا دخلت عَلَيْهَا الْهمزَة للاستفهام سَقَطت كَمَا قَالَ ابْن قيس الرقيات:
فَقَالَت ابْن قيسٍ ذَا ... وَبَعض الشيب يعجبها
قَالَ الله : " افْتَرَى عَلَى الله كذبا " سبأ: ٨ وَقَالَ عز ذكره: " أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ " الصافات: ١٥٣ وَقد رُوِيَ لنا بَيت ذِي الرمة على وَجْهَيْن:
استحدث الركب من أشياعهم خَبرا ... أم رَاجع الْقلب من أطرابه طرب
بالوصل وَالْقطع على مَا بَينا اكْتِفَاء بِدلَالَة قَوْله: أم رَاجع الْقلب من أطرابه طرب، كَمَا قَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
تَرُوح من الحَيِّ أم تَبْتَكِرْ ... وماذا يَضرك لَو تنْتَظر
وَقَول ابْن جَامع: إِلَى أَن عسعس اللَّيْل يُقَال عسعس اللَّيْل إِذا أقبل وعسعس إِذْ ولى، وَقيل هُوَ من الأضداد، وَقَالَ الله جلّ ذكره: " وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ " التكوير: ١٧ قيل فِيهِ الْقَوْلَانِ اللَّذَان ذكرنَا، وَقَالَ الشَّاعِر:
عسعس حَتَّى لَو يَشَاء ادنى ... كَانَ لَهُ من ضوئه مقتبس
قيل فِي قَوْله: ادنى قَولَانِ أَحدهمَا أَنه افتعل من الدنو، وَأَصله ادتنا، وَقيل بل هُوَ اذدنا
стр. 530
وَأَصله أَن يقطع فَيُقَال: لَو يَشَاء اذدنا، وَلكنه ترك الْهَمْز فِي الشّعْر لإِقَامَة وَزنه، وَقد جَاءَ مثله فِي الشّعْر كَقَوْل الطرماح بْن حَكِيم:
أَلا أَيهَا اللَّيْل الطَّوِيل أَلا أصبح ... سَرِيعا وَمَا الإصباح فِيك بأصلح
وَأَصله أَلا أصبح لِأَنَّهُ رباعي من أصبح يصبح، فعلى هَذَا الْوَجْه أَكثر مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَيْت، وَقد رَوَاهُ بَعضهم أَلا أَيهَا اللَّيْل الَّذِي طَال أصبح فَأتى بِهِ على أَصله.
وفادة جرير على الْحجَّاج
حَدثنَا أَبُو النَّضر الْعقيلِيّ قَالَ أَخْبرنِي الزُّبَيْر قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَيُّوب الْيَرْبُوعي عَن أَبِي الذَّيَّال السَّلُولي قَالَ حَدَّثَنِي جرير قَالَ: وفدت على الْحجَّاج بْن يُوسُف فِي سفرةٍ تسمى سفرة الْأَرْبَعين، فَأَعْطَانِي أَرْبَعِينَ رَاحِلَة ورعاءها وحشو حقائبها القطائف والأكسية، كسْوَة لِعِيَالِي، وأوقرها حِنْطَة ثُمَّ خرجت فَلَمَّا شددت على رَاحِلَتي كورها وَأَنا أُرِيد الْمُضِيّ جائني خَادِم فَقَالَ: أجب الْأَمِير، فَرَجَعت مَعَه، فَدخلت على الْحجَّاج، فَإِذا هُوَ قَاعد على كرْسِي، وَإِذا جَارِيَة قَائِمَة تعممه بعمامة فَقلت: السَّلَام عَلَيْك أَيهَا الْأَمِير فَقَالَ: هَات قل فِي هَذِه، فَقلت: بِأبي وَأمي تمنعني هَيْبَة الْأَمِير وإجلاله، وأفحمت فَمَا أَدْرِي مَا أَقُول، فَقَالَ: بل هَات قل فِيهَا، فَقلت: بِأبي وَأمي فَمَا اسْمهَا؟ قَالَ: أُمَامَة، فَلَمَّا أُمَامَة فتح عَليّ فَقلت:
ودع أُمَامَة حَان مِنْك رحيل ... إِن الْوَدَاع لمن تحب قَلِيل
تِلْكَ الْقُلُوب صواديا تيمتها ... وَأرى الشِّفَاء وَمَا إِلَيْهِ سَبِيل
فَقَالَ: بل إِلَيْهِ سَبِيل، خُذ بِيَدِهَا فجبذبتها فتعلقت بالعمامة وجبذتها حَتَّى رَأَيْت عنق الْحجَّاج قد صغت ومالت مِمَّا جبذتها، وَتعلق بالعمامة، قَالَ: ويخطر ببالي بَيت من شعر فَقلت:
إِن كَانَ طبكم الدَّلال فَإِنَّهُ ... حسن دلالك يَا أميم جميل
فَقَالَ الْحجَّاج: إِنَّه وَالله مَا بهَا دلال وَلَكِن بهَا بغض وَجهك وَهُوَ أهل ذَلِك، خُذْهَا بِيَدِهَا جرها، فَلَمَّا سَمِعت ذَلِك مِنْهُ خلت الْعِمَامَة. وَخرجت بهَا فكنيتها أم حَكِيم وجعلتها تقوم على ودي لي وعمالي وتعطيهم نفقاتهم بقريةٍ يُقَال لَهَا الغنية من قرى الوشم حَتَّى نفد الودي. قَالَ طَلْحَة: فَأَخْبرنِي الزُّبَيْر قَالَ، قَالَ مُحَمَّد بْن أَيُّوب: وَسمعت حجناء بْن نوح يَقُول: كَانَت وَالله مباركة.
شُرُوح وتعليقات
قَالَ القَاضِي ﵀: قَول جرير جبذتها وأجبذها بِمَعْنى جذبتها وأجذبها، تَقول جبذته أجبذه جبذًا، وجذبته أجذبه جذبا، وَمثله تبيغ بِهِ الدَّم وتبغي، وَمَا أيطبه وَمَا أطيبه، وَمثله كثير. وَأما الودي فَإِنَّهُ الفسيل كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
نَحن بغرس الودي أعلمنَا ... منا بركب الْجِيَاد فِي الْغَلَس
стр. 531
وَقَول جرير: إِن كَانَ طبكم الدَّلال يَعْنِي الْخلق والطبع، كَمَا قَالَ الشَّاعِر.
وَمَا إِن طِبَّنا جُبْنٌ وَلَكِن ... مَنَايَانا وطُعْمَةُ آخرينا
يجوز فِيهِ طبكم الدَّلال، وطبكم الدَّلال لِأَنَّهُمَا معرفتان كَمَا قَالَ الفرزدق:
فقد شهِدت قيس فَمَا كَانَ نصرها ... قُتَيْبَة إِلَّا عضها بالأباهم
ويروى فَمَا كَانَ نصرها إِلَّا عضها، وَقَالَ آخر:
لقد علم الأقوام مَا كَانَ داؤها ... بثهلان إِلَّا الخزي مِمَّن يَقُودهَا
ويروى داءها إِلَّا الخزي، وَقَالَ آخر:
إِن يكن طبك الدَّلال فَهَلا ... ذَاك فِي الدَّهْر والسنين الخوالي
الْمجْلس الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ
وَفَاة أَبِي ذَر
حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ الْجَرِيرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ بُهْلُولٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن محمدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ الطَّائِفِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الأَشْتَرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُمِّ ذَرٍّ قَالَتْ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا ذرٍ الْوَفَاةُ بَكَيْتُ، فَقَالَ: مَا يبكيك؟ فَقلت: وَمَالِي لَا أَبْكِي وَأَنْتَ تَمُوتُ بِفَلاةٍ مِنَ الأَرْضِ، وَلا يَدَ لِي بِدَفْنِكَ وَلَيْسَ عِنْدِي ثَوْبٌ يَسَعُنِي كَفَنًا لِي وَلا لَكَ؟ قَالَ: فَلَا تَبْكِي وَأَبْشِرِي فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لنفرٍ أَنَا فِيهِمْ: لَيَمُوتَنَّ مِنْكُمْ رَجُلٌ بفلاةٍ مِنَ الأَرْضِ يَشْهَدُهُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَيْسَ مِنْ أُولَئِكَ النَّفَرِ أَحَدٌ إِلا وَقَدْ هَلَكَ فِي قريةٍ وَجَمَاعَةٍ، وَأَنَا الَّذِي أَمُوتُ بفلاةٍ، وَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ وَلا كُذِّبْتُ، فَأَبْصِرِي إِلَى الطَّرِيقِ، قَالَتْ قُلْتُ: أَنَّى وَقَدْ ذَهَبَ الْحَاجُّ وَانْقَطَعَ الطَّرِيقُ؟ قَالَ: اذْهَبِي فَتَبَصَّرِي، قَالَتْ: فَكُنْتُ أَذْهَبُ إِلَى كثيبٍ فَأَتَبَصَّرُ عَلَيْهِ وَأَرْجِعُ إِلَيْهِ فَأُمَرِّضُهُ، فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ إِذَا أَنَا برجالٍ عَلَى رِحَالِهِمْ كَأَنَّهُمُ الرَّخَمُ، فَأَلَحْتُ بِثَوْبِي، فَأَقْبَلُوا إِلَيّ حَتَّى وفقوا عَليّ فَقَالُوا: مَالك يَا أَمَةَ اللَّهِ؟ فَقُلْتُ: امْرُؤٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَمُوتُ تُكَفِّنُونَهُ، قَالُوا: وَمَنْ هُوَ؟ قُلْتُ: أَبُو ذرٍ، قَالُوا: صَاحب رسلو اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَتْ: فَفَدَوْهُ بِآبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ وَأَسْرَعُوا إِلَيْهِ، وَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَرَحَّبَ بِهِمْ وَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِنَفَرٍ أَنَا فِيهِمْ: لَيَمُوتَنَّ مِنْكُمْ رَجُلٌ بفلاةٍ مِنَ الأَرْضِ يَشْهَدُهُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ مِنْ أُولَئِكَ النَّفَرِ أَحَدٌ إِلا وَقَدْ هَلَكَ فِي قريةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ، وَأَنَا الَّذِي أَمُوتُ بِالْفَلاةِ، أَتَسْمَعُونَ؟ إِنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدِي ثَوْبٌ لِي يَسَعُنِي كفناً لي أَو لَا مرأتي لَمْ أُكَفَّنْ إِلا فِي ثوبٍ لي أَولهَا، أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ؟ إِنِّي أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ أَنْ يُكَفِّنَنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ كَانَ أَمِيرًا أَوْ عَرِيفًا أَوْ بَرِيدًا أَوْ نَقِيبًا، وَلَيْسَ مِنَ الْقَوْمِ أَحَدٌ إِلا وَقَدْ قَارَبَ بَعْضَ مَا قَالَ إِلا فَتًى مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: يَا عَمُّ أَنَا أُكَفِّنُكَ لَمْ أُصِبْ مِمَّا ذَكَرْتَ شَيْئًا، أُكَفِّنُكَ فِي رِدَائِي هَذَا وَفِي ثَوْبَيْنِ مِنْ عَيْبَتِي مِنْ غَزْلِ أُمِّي حَاكَتْهُمَا لِي، فَكَفَّنَهُ
стр. 532
الأَنْصَارِيُّ فِي النَّفَرِ الَّذِينَ شَهِدُوهُ مِنْهُمْ حُجْرُ بْنُ الأَدْبَرِ وَمَالِكٌ الأَشْتَرُ فِي نفرٍ كُلِّهِمْ يَمَانٍ.
للْخَبَر دلَالَة على نبوة الرَّسُول قَالَ القَاضِي ﵀: فِي هَذَا الْخَبَر أكبر دليلٍ على نبوة رَسُول اللَّهِ ﷺ وَثُبُوت رسَالَته لإخباره من الْغَيْب بِمَا وجد على مَا وَصفه، وَهَذَا مِمَّا لم يُعلمهُ إِلَّا بِوَحْي من الله أَلْقَاهُ إِلَيْهِ ﷺ ، وَفِيه مَا ينبى عَن فضل النَّفر الَّذين ولوا أمرة، و " ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ " الْمَائِدَة: ٥٤.
يشكو وَالِي السماوة إِلَى عبد الْملك
حَدثنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دريدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَان الْمَازِني عَن التوزي عَنْ أبي عُبَيْدة قَالَ: ولي عبد الْملك بْن مَرْوَان صدقَات كلبٍ رجلا من بني أُميَّة، وَكَانَت الرّوم قد نَزَعته، وَكَانَ أشقر غضا، فَدخل أَعْرَابِي جلف جافٍ على عبد الْملك فِي جفة النَّاس، فَلَمَّا مثل بَين يَدَيْهِ قَالَ يَا إِنْسَان إِنَّك مُدبر مربوب، قَالَ: أجل فَمَا تشاءء؟ قَالَ: قد احْتَجَبت بِهَذِهِ المدرة وَوليت خطابنا أصهب غضا كالقرعوش طمطمانيًا أطومًا كَأَن وَجهه جهوة قردٍ قد قشر بصرها، وَكَأن فَاه سرم أتانٍ، قد قاشها عير فَهِيَ ترمز، إِن كشرت بسر، وَإِن خاطبت نهر، وَإِن تألفت زبر، فَلَا الْكَلَام مَدْفُوع، وَلَا القَوْل مسموع، وَلَا الْحق متبوع، وَلَا الْجور مردوع، وَلنَا وَلَك مقَام فِيهِ ينص الْخِصَام، وترجف الْأَقْدَام، وينتصف الْمَظْلُوم، وينعش المهضوم؛ هَا إِن ملكك هُنَاكَ زائل، وعزك حَائِل، وناصرك خاذل، وَالْحَاكِم عَلَيْك عَادل؛ فاكبأن عبد الْملك وتضاءلت أقطاره وترادت عبراته فِي صَدره، ثُمَّ قَالَ: لله أَبوك، أَي ظلم نالك منا حَتَّى أجاءك إِلَى هَذَا الْمقَال؟ قَالَ: ساعيك فِي السماوة، نَهَاره لَهو، ومقاله لَغْو، وغضبه سطو، يجمع المباقط ويحتجن المشائط ويستنجد العمارط، فَأمر عبد الْملك بِصَرْف الْعَامِل.
تَفْسِير أَلْفَاظ وَردت فِي الْخَبَر السَّابِق
قَالَ القَاضِي ﵀: الغضا الغتم، وَقَالَ ابْن دريدٍ القرعوش ولد البختيه وَهُوَ لَا ينجب وَلَا ينفع، والطمطاني: الْأَعْجَم، والأطوم: الَّذِي لَا يفهم وَلَا يفهم. وَإِنَّمَا أَخذ من جلد الأطوم وَهِي دَابَّة من دَوَاب الْبَحْر صلبة الْجلد، وَقَالَ قوم: هِيَ السلحفاة.
قَالَ القَاضِي: فِي السلحفاة لُغَتَانِ سلحفاة وسلحفية. وَقَوله: جهوة قرد: يُرِيد دبره وَمَا وَالَاهُ، وَكَذَلِكَ هُوَ لَك ذِي أَربع، وَرُبمَا اسْتعْمل فِي النَّاس. وَقَوله: قشر بصرها فالبصر قشر أَعلَى كل شَيْء. وَقَوله: قاشها أَي نزا عَلَيْهَا، والترمز التحرك، والمشائط: الْوَاحِد مشياط وَهُوَ الَّذِي يسْرع إِلَيْهِ السّمن، والمباقط المتفرقة، يُقَال بقط هَذَا أَي فرقه، والعمارط الْوَاحِد عمروط وَهُوَ الَّذِي لَا يرى شَيْئا إِلَّا اختلسه وَهُوَ اللص، والوأي: الْوَعْد، والترمز: التحرك؛ رُوِيَ عَن أَبِي حَاتِم عَن أَبِي عُبَيْدَة قَالَ: كَأَن رجل من بني تَمِيم خليعًا يُقَال لَهُ عُمَيْر بْن مَالك فَمَرض فَحَضَرَ نسَاء الْحَيّ يعدنه، فأطلن الْجُلُوس فَقَالَ:
стр. 533
لقل غناء عَن عُمَيْر بْن مالكٍ ... ترمز استاه النِّسَاء العوائد
فقمن وقلن: لَا شفَاه الله. وَقَوله: فاكبأن عبد الْملك أَي تدَاخل بعضه فِي بعض، قَالَ الشَّاعِر.
فَلم يكبئنوا إِذْ رأوني وَأَقْبَلت ... عَليّ وُجُوه كالسيوف تهلل
وَقَوله: تضاءلت أَي تصاغرت، والأقطار: النواحي، وَقَوله: أجاءك أَي اضطرك وَأَصله من الْمَجِيء تَقول جَاءَ زيد وأجاءه غَيره مثل صَار وأصار إِلَيْهِ غَيره. وَمِنْه " فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ " مَرْيَم: ٢٣ كَأَنَّهُ جَاءَ بهَا إِلَيْهِ. قَالَ القَاضِي: وَفِي تَفْسِير ابْن دُرَيْد غَرِيب هَذَا الْخَبَر فِي مَوضِع آخر: المباقط أَي المتفرق من الْمَاشِيَة، وَهُوَ مِمَّا نهى عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي كِتَابه لأكيدر لَا تعد فاردتكم، وَلَا ترد قاصيتكم، والمشائط: واحدتها مشياط وَهِي النَّاقة السريعة السّمن، يُرِيد أَنه يَأْخُذ المشائط فِي الصَّدَقَة، وَهَذَا مِمَّا نهي عَنْهُ أَيْضا من قَوْله ﷺ : لَا تَأْخُذُوا حزرات أنفس النَّاس، يُرِيد خِيَار أَمْوَالهم، والعمروط: اللص يُقَال لص ولص.
ابْن الزيات يتفجع على دَابَّة أَخذهَا المعتصم
حَدثنَا الْحُسَيْن بْن الْقَاسِم الكوكبيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَليّ مُحرز الْكَاتِب قَالَ حَدَّثَنِي سهل بْن عبد الْكَرِيم قَالَ: كَانَ لمُحَمد بْن عبد الْملك دَابَّة أَشهب أحم لم ير مثله فِي الفراهة والوطاء وَالْحسن، فَذكر المعتصم يَوْمًا الدَّوَابّ فَقَالَ: أشتهي دَابَّة فِي نِهَايَة الوطاء تصلح للسرايا، فَقَالَ لَهُ أَحْمَد بْن خَالِد خيلويه قد عَرفته لَك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ على أَن لَا يعلم صَاحبه أَنِّي ذكرته لَك، قَالَ: لَك ستر ذَلِك، قَالَ: عِنْد كاتبك مُحَمَّد بْن عبد الْملك دَابَّة لم ير مثله، فَوجه المعتصم فَأَخذه من مُحَمَّد، فَقَالَ فِيهِ:
قَالُوا جزعت فَقلت إِن مصيبتي ... جلت رزيتها وضاق الْمَذْهَب
كَيفَ العزاء وَقد مضى لسبيلة ... عَنَّا فودعنا الأحم الْأَشْهب
دب الوشاة فباعدوك وَرُبمَا ... بعد الْفَتى وَهُوَ الْحَمِيم الْأَقْرَب
لله يَوْم غَدَوْت عني ظَاعِنًا ... وسلبت قربك أَي علق أسلب
نَفسِي مقسمة أَقَامَ فريقها ... وَغدا لطيتها فريق يجنب
الْآن إِذْ كملت أداتك كلهَا ... ودعا الْعُيُون إِلَيْك زِيّ معجب
واختير من خير الحدائد خَيرهَا ... لَك خَالِصا وَمن الْحَيّ الأغرب
وغدوت طنان اللجام كَأَنَّمَا ... فِي كل عُضْو مِنْك صنج يضْرب
وَكَأن سرجك فَوق متن غمامةٍ ... وكأنما تَحت الغمامة كَوْكَب
стр. 534
وَرَأى عَليّ بك الصّديق مهابة ... وَغدا الْعَدو وصدره يتلهب
أنساك لَا بَرحت إِذا منسية ... نَفسِي وَلَا زَالَت بمثلك تنكب
أضمرت عَنْك الْيَأْس حِين رَأَيْتنِي ... وقوى حبالك من قواي تقضب
وَرجعت حِين رجعت مِنْك بحسرةٍ ... لله مَا صنع الْأَصَم الأشيب
فليعلمن أَلا تزَال عَدَاوَة ... مني مَرِيضَة وثأر يطْلب
يَا صَاحِبي بِمثل ذَا من أمره ... صحب الْفَتى فِي دهره من يصحب
إِن تسعدا فصنيعة مشكورة ... أَو تخذلا فعداوة لَا تذْهب
عوجا نقضي حَاجَة وتبحثا ... بَث الحَدِيث فَإِنَّهُ لَك أعجب
لَا تشعراه بِنَا فَلَيْسَ لذِي هوى ... شكوى الحزازة عِنْده مشتعتب
تَفْسِير أَلْفَاظ
يَعْنِي بالأصم: أَحْمَد بن خَالِد خيلوبه.
قَالَ القَاضِي: الأحم يصف عينه بِالسَّوَادِ. وَقَوله: لَا يرأب يَعْنِي لَا يشعب وَيُقَال لما يرقع بِهِ الْقدح أَو غَيره من الْأَوَانِي رؤبة، وَيُقَال للَّذي يصلح الْفَاسِد ويرقع الصدع هُوَ يرأب الثأى. وَمن ذَلِك قَول الطرماح ابْن حَكِيم:
هَل الْمجد إِلَّا السؤدد الْمَحْض والتقى ... ورأب الثأى وَالصَّبْر عِنْد المواطن
وَمن الثأى قَول ذِي الرمة:
وفراء غرفية أثأى خوارزها ... مشلشل ضيعته بَينهَا الْكتب
الْمُؤلف ينْتَقد ابْن الزيات على موقفه
قَالَ القَاضِي: هَذَا الَّذِي أَتَى بِهِ الْخَبَر فِي هَذِه الْقِصَّة عَن مُحَمَّد بْن عبد الْملك من خلائفه المستعجبة الكاشفة لما كَا فِيهِ من الْآدَاب المستخشنة، وَمَا الَّذِي بلغ من قدر دابةٍ وَلَو أَنه الْوَجِيه ولاحق، أَو الْعَصَا دَابَّة قصير بْن سعد، حَتَّى يضن بهَا عَن المعتصم، وَهُوَ الْخَلِيفَة المبرز فِي فَضله وسروه وجوده وشرفه وَشرف خلائقه وَجَمِيل طرائقه، وَقد اسْتَكْتَبَهُ وموله، وشرفه وخوله، أَو مَا كَانَ قمنا أَن يَبْتَدِئ بقود الدَّابَّة إِلَيْهِ عِنْد وُقُوفه على نزاعه إِلَيْهِ ورغبته فِيهَا ويغتبط بقبوله إِيَّاهَا وَيرى ذَلِك من المآثر الَّتِي يغبط بهَا ويفتخر بحيازتها، وَقد سبق القَوْل السائر بِالْمثلِ المتوارث الغابر: أَي الرِّجَال الْمُهَذّب.
أم قيس ترجو ليلى أَن تزوره
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْمَرْزُبَان قَالَ حَدَّثَنَا زَكَرِيّا بْن مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا شُعَيْب بْن السكن عَنْ يُونُس النَّحْويّ قَالَ: لما اخْتَلَط عقل قَيْس الْمَجْنُون
стр. 535
وَامْتنع من الطَّعَام وَالشرَاب مَضَت أُمّه إِلَى ليلى فَقَالَت لَهَا: يَا هَذِهِ، قَدْ لحق ابْني بسببك مَا قَدْ علمت فَلَو صرت معي إِلَيْهِ رَجَوْت أَن يثوب لُبُّهُ ويرجَع عقلُه إِذا عاينك، فَقَالَت لَهَا: أما نَهَارا فَلَا أقدر عَلَى ذَلِكَ لِأَنِّي لَا آمن الحيَّ عَلَى نَفسِي، وَلَكِن أمضي مَعَك لَيْلًا، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل صَارَت إِلَيْهِ فَقَالَت لَهُ: يَا قَيْس إِن أُمَّك تزْعم أَن عقلك زَالَ بسببي، وَأَن الَّذِي لحقك أَنَا أصلُه، فَفتح عَيْنَيْهِ فَنظر إِلَيْهَا وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
قَالَتْ جُنِنْتَ عَلَى ذِكْرِي فقلتُ لَهَا ... الحبُّ أعظمُ مِمَّا بالمجانين
الحبُّ لَيْسَ يُفِيقُ الدَّهْرَ صاحِبُهُ ... وَإِنَّمَا يُصرعُ المجنونُ فِي الْحِين
أَعْرَابِي مَعَه نصيحة يدْخل على الرشيد
حَدثنَا أَبُو النَّضر الْعقيلِيّ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن إِسْحَاق عَن أَبِيه إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي قَالَ: بَينا أَنا جَالس مَعَ الرشيد على الْمَائِدَة إِذْ دخل الْحَاجِب فَأعلمهُ أَن بِالْبَابِ أَعْرَابِيًا مَعَه نصيحة، فَأمر بإحضاره، فَلَمَّا دخل أمره بِالْجُلُوسِ على الْمَائِدَة فَفعل، وَكَانَ مَعَه صباحة وفصاحة، فَلَمَّا تمّ الْغَدَاء وَرفعت الموائد وَجَاء الْغسْل غسل يَده، ثُمَّ أَمر بِالشرابِ فأحضر، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا حالتي فِي اللبَاس، فَاسْتحْسن هَارُون ذَلِك من فعله وَأمر بِثِيَاب حسنةٍ فطرحت عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: يَا أَعْرَابِي من أَيْن؟ قَالَ: من الْكُوفَة قَالَ: أَعْرَابِي أم مولى؟ قَالَ: بل عربين قَالَ: فَمَا الَّذِي قصد بك إِلَيْنَا وَمَا نصيحتك؟ قَالَ: قصد بِي إِلَيْك قلَّة المَال وَكَثْرَة الْعِيَال، وَأما نصيحتي فَإِنِّي علمت أَنِّي لَا أصل إِلَيْك إِلَّا بهَا، قَالَ: فَأخذ إِسْحَاق الْعود فغني صَوتا يشتهيه الرشيد ويطرب عَلَيْهِ وَهُوَ:
لَيْسَ لي شَافِع إِلَيّ؟ ... ك سوى الدمع يشفع
عِشْت بعدِي ومت قب؟ ... لَك هَل فِيك مطمع
قسم الْحبّ خَمْسَة ... صَار لي مِنْهُ أَربع
فَإلَى الله أشتكي ... كبدا لي تقطع
فَقَالَ الرشيد كالمازح: كَيفَ ترى هَذَا يَا أَعْرَابِي؟ قَالَ: بئس وَالله مَا غنى، فَغَضب من ذلكهارون وصعب عَلَيْهِ، قَالَ إِسْحَاق: وَسقط فِي يَدي، فَقَالَ هَارُون: ويكل يَا أَعْرَابِي، وَهل يكون شَيْء أحسن من هَذَا؟ قَالَ: نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قولي حَيْثُ أَقُول:
لَا وحبيك لَا أصا ... فح بالدمع مدمعا
من بَكَى شجوه استرا ... ح وإنكان موجعا
كَبِدِي فِي هَوَاك أس؟ ... قُم من أَن تقطعا
لم تدع سُورَة الْهوى ... للبلى فِي مطما
стр. 536
قَالَ: فاستملح هَارُون ذَلِك مِنْهُ وَأمر إِسْحَاق أَن يُغْنِيه بِهِ شهرا لَا يقطعهُ عَنْهُ، وَأمر للأعرابي بِعشْرَة آلَاف درهمٍ وَصَرفه.
الْفضل بْن يحيى يودع أَصْحَابه حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يَحْيَى قَالَ: لما خرج الْفضل بْن يحيى إِلَى خُرَاسَان ودع أَصْحَابه ثُمَّ قَالَ:
لما دنا الْبَين بَين الْحَيّ واقتسموا ... حَبل النَّوَى فَهُوَ فِي أَيْديهم قطع
جَادَتْ بأدمعها سلمى وأعجلني ... وَشك الْفِرَاق فَمَا أُبْقِي وَلَا أدع
يَا قلب وَيحك لَا سلمى بِذِي سلمٍ ... وَلَا الزَّمَان الَّذِي قد مر مرتجع
أكلما مر ركب لَا يلا ئمهم ... وَلَا يبالون أَن يشتاق من فحعوا
علقتني بهوى فيهم فقد جعلت ... من الْفِرَاق حَصَاة الْقلب تنصدع
قَالَ القَاضِي: هَذِه أَبْيَات حَسَنَة. وَقَوله: واقتسموا حَبل النَّوَى من أحسن القَوْل وأظرفه.
أَبْيَات اللمصعب تعجب الرشيد حَدثنَا يزْدَاد بْن عبد الرَّحْمَن الْمروزِي قَالَ حَدَّثَنَا الزُّبَيْر بْن بكار قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: كَانَ هَارُون أَمِير الْمُؤمنِينَ يستنشدني كثيرا قَول أَبِي عَبد اللَّه بْن مُصعب وَيُعْجِبهُ:
وَإِنِّي وَإِن قصرت عَن غير بغضةٍ ... مراعٍ لأسباب الْمَوَدَّة حَافظ
وَمَا زَالَ يدعوني إِلَى الصرم مَا أرى ... فآبى وتثنيني عَلَيْك الحفائظ
وأنتظر العتبى وأغضي على القذى ... أَلا ين طورا مرّة وأغالظ
وأنتظر الإقبال بالود مِنْكُم ... وأصبر حَتَّى أوجعتني المغايظ
جربت مَا يسلي الْمُحب على الْهوى ... فأقصرت والتجريب للمرء واعظ
قَالَ القَاضِي: ولعمري إِن هَذِه الأبيات لمن مستحسن الشّعْر فِي مَعْنَاهَا، وَإِعْجَاب الرشيد بهَا مِمَّا ينبى عَن خلوص أدبه وصفاء قريحته.
أَبْيَات لإِبْرَاهِيم بْن الْمهْدي فِي جَارِيَة كَانَت تخدمه حَدثنَا المظفر بْن يحيى بْن أَحْمَد الشرابي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس المرثدي قَالَ حَدَّثَنَا طَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّهِ الطلحي قَالَ أَنْشدني يَعْقُوب بْن عباد الزبيرِي لإِبْرَاهِيم بْن الْمهْدي، وَقد أخدمته بعض العباسيات فِي حَال استخفائه عِنْدهَا جَارِيَة وَقَالَت لَهَا: أَنْت لَهُ، فَإِن مد يَده إِلَيْك فَلَا تمتنعي وَلم يعلم بهبتها لَهُ، وَكَانَت مليحة، فجمشها يَوْمًا بِأَن قبل يَدهَا وَقَالَ:
يَا غزالا لي إِلَيْهِ ... شَافِع من مقلتيه
стр. 537
وَالَّذِي أكرمت خدي؟ ... هـ فَقبلت يَدَيْهِ
بِأبي وَجهك مَا أك؟ ... ثر حسادي عَلَيْهِ
أَنا ضيف وَجَزَاء ال؟ ضيف إِحْسَان إِلَيْهِ
بيتان لِابْنِ عَرَفَة
قَالَ القَاضِي: وَمِمَّا يضارع بعض مَا تضمنته هَذِه الأبيات من جِهَة مَا أنشدناه إبراهمي بن مُحَمَّد بن عَرَفَة لنَفسِهِ:
يَا دَائِم الهجر والصدود ... مَا فَوق بلواي من مزِيد
أَصبَحت عبدا وَلست ترعى ... وَصِيَّة الله فِي العبيد
بيتان لمُحَمد بن دَاوُد
وأنشدني أَبُو النَّضر الْعقيلِيّ عَن مُحَمَّد بْن دَاوُد:
ترى من كوى قلبِي بِنَار فِرَاقه ... وصير حظي من مودته بعدا
تفكر يَوْمًا فِي أَو قَالَ مرّة ... تركنَا لَهُ عبدا أسأنا بِهِ جدا
إِسْمَاعِيل الديلمي اشتهي حلوى
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مخلدٍ بْنِ حَفْص الْعَطَّار قَالَ حَدَّثَنَا حَامِد بْن مُحَمَّد بْن الحكم بْن عبد الرَّحْمَن أَبُو محمدٍ قَالَ حَدثنَا كردان قَالَ قَالَ لي إسماعي الديلمي: اشْتهيت حلوى وأبلغت شَهْوَته إِلَيّ، فَخرجت من الْمَسْجِد بِاللَّيْلِ لأبول فَإِذا جنبتي الطَّرِيق أخاوين حلوى، فنوديت يَا إِسْمَاعِيل هَذَا الَّذِي اشْتهيت وَإِن تَركه خير لَك، فتركته؛ قَالَ ابْن مخلد: وَقد كتبت أَنا عَن كردان وَكَانَ يكون فِي قنطرة بني زُرَيْق، وَقد رَأَيْت إِسْمَاعِيل الديلمي فَكَانَ مَا شِئْت من رجل، رَأَيْته عِنْد أَبِي جَعْفَر بْن إشكاب.
قَالَ القَاضِي: إِسْمَاعِيل الديلمي هَذَا من خِيَار الْمُسلمين، وَالنَّاس يزورون قَبره، وقبره وَرَاء قبر مَعْرُوف الْكَرْخِي، بَينهمَا قُبُور يسيره، وَهُوَ بَينه وَبَين الْمَسْجِد الْمَعْرُوف بِمَسْجِد الْخضر وَقد زرته مرَارًا. وحَدثني بعض شُيُوخنَا من أهل الْعلم أَنه كَانَ حَافِظًا للْحَدِيث كثير السماع وَأَنه كَانَ يذاكر بسبعين ألف حَدِيث.
خوان وأخونة
قَالَ القَاضِي: قَوْله: أخاوين حلوى يُقَال لما يَجْعَل عَلَيْهِ الطَّعَام قبل جعله خوان فَإِذا جعل الطَّعَام عَلَيْهِ فَهُوَ مائدة، فَإِذا رفع الطَّعَام عَنهُ عَاد إِلَى تَسْمِيَته خوانًا. وَزعم بَعضهم أَن الْمَائِدَة إِنَّمَا تسمى بِهَذَا الِاسْم إِذا خف مَا عَلَيْهَا من الطَّعَام لِأَنَّهَا حينئذٍ تميد. وَزعم الْفراء أَنه بِمَنْزِلَة المهدى يرجع إِذا كَانَ فَارغًا إِلَى اسْمه الأول فَيُقَال: طبق وقناع وَمثله عِنْده الكأس تسمى كأسًا إِذا كَانَ فِيهَا الشَّرَاب، فَإِذا أخذت مِنْهُ رجعت إِلَى اسْمهَا؛ وَقَالَ بعض أهل اللُّغَة: الخوان بِالْكَسْرِ كَلَام الْعَرَب، وَهُوَ خوان بِالضَّمِّ بِاللِّسَانِ الْفَارِسِي.
стр. 538
وَرُوِيَ لنا عَن الْفراء الْكسر وَالضَّم فِي الخوان من كَلَام الْعَرَب، وَجمعه أخاوين مثل سوار وأساوير وَيجمع السوار أَيْضا أسورة وأساورة، وَالْهَاء فِي أساورة عوض من الْيَاء فِي أساوير. وَذكر نَحْو هَذَا سِيبَوَيْهٍ فِي زنديق وزنادقة وفرزان وفرازنة.
وَقَالَ الْأَخْفَش إسوار وأسورة فِي قَوْله تَعَالَى: " فلولا ألقِي عَلَيْهِ أسورة " الزخرف: ٥٣ لِأَنَّهُ جمع أسوار وأسورة وَقَالَ بَعضهم أساورة فَجعله جمعا للأسورة وَأَرَادَ أساوير، وَالله أعلم، فَجعل الْهَاء عوضا من الْيَاء الَّتِي فِي أساوير.
قَالَ القَاضِي: وَقد قَالَ الله جلّ ذكره: " وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فضةٍ الْإِنْسَان: ٢١ وَقَالَ تَعَالَى: " يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ " الْكَهْف: ٣١ فَأتى الْجمع هَاهُنَا على أساور. وَحكى ثَعْلَب أَن الْفراء قَالَ: أسورة جمَاعَة سوار للَّذي فِي الْيَد يضم وَيكسر بِلَا ألف وَجمعه أسورة، وَيجوز أَن يكون أساورة جمع أسورة كَمَا قيل فِي الأسقية أساق، والأسوار والإسوار الرَّامِي. وَقد قيل فِي سوار الْيَد إِنَّه يجوز فِيهِ إسوار وأسوار، فَيجوز على هَذِه اللُّغَة أَن تكون أساورة جمعه. وَقَالَ الْفراء فِي كِتَابه فِي الْمعَانِي: من قَرَأَ أساورة جعل وَاحِدهَا أسواراً، وَمن قَرَأَ سُورَة فواحدها سوار وَقد تكون الأساورة جمع أسورة، كَمَا يُقَال فِي جمع الأسقية النَّحْوِيين: فِي وَاحِد أساور لُغَتَانِ: ضم السِّين وَكسرهَا، وَهُوَ على الْقيَاس، لِأَن جمع فعال وفعال أفعلة، فَأَما أسوار بِمَعْنى سوار فَلَيْسَ بِصَحِيح فِي الْقيَاس، فَإِن كَانَت لُغَة فَهِيَ شَاذَّة، وَلَا يكون جمعه أسورة لِأَن أفعالا لَا يجمع على أَفعلهُ وَإِنَّمَا الأسوار على أَفعَال فارسية معربة، وهواسم الْفَارِس بِالْفَارِسِيَّةِ وَلَيْسَ باسم الرَّامِي كَمَا زعم الْفراء. وَجمعه أساوير وأساور بياءٍ وَبلا يَاء، وأساورة بِالْهَاءِ عوضا عَن الْيَاء. وَلَيْسَت أساورة مثل أساق لِأَن أساقي لَا هَاء فِيهَا فَهِيَ مثل أساور.
قَالَ القَاضِي: وَهَذَا القَوْل أشبه الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ.
الجلس الثَّالِث وَالسَّبْعُونَ
حَدِيث إِن أمتك مفتتنة بعْدك
حَدثنَا عبد بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حِمْيَرَ عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ عَنْ أَبِي قِلابَةَ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلانِيِّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ عَنْ عُمَر بْن الخَطَّاب ﵁ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ بِلِحْيَتِي وَأَنَا أَعْرِفُ الْحُزْنَ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇ آنِفا فَقَالَ لَك إنّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون، قلت: أجل إنّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون، فَمِمَّ ذَاكَ يَا جِبْرِيلُ:؟ قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ مُفْتَتَنَةٌ بَعْدَكَ بِقَلِيلٍ مِنَ الدَّهْرِ غَيْرِ كَثِيرٍ، فَقُلْتُ: فِتْنَةُ كفرٍ أَوْ فِتْنَةُ ضَلالَةٍ؟ قَالَ: كُلٌّ سَيَكُونُ، قُلْتُ: مِنْ أَيْنَ ذَاكَ وَأَنَا تَارِكٌ فِيهِمْ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ يَضِلُّونَ، وَأَوَّلُ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ أُمَرَائِهِمْ وَقُرَّائِهِمْ، يَمْنَعُ الأُمَرَاءُ الْحُقُوقَ
стр. 539
وَيَسْأَلُ النَّاسُ حُقُوقَهُمْ فَلا يُعْطَوْنَهَا، فَيَقْتَتِلُونَ وَيُفْتَتِنُونَ، فَيَتَّبِعُ الْقُرَّاءُ هَوَى الأُمَرَاءِ فَيَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ، قُلْتُ: فَبِمَ يَسْلَمُ مَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: بِالْكَفِّ وَالصَّبْرِ، إِنْ أُعْطُوا الَّذِي لَهُمْ أَخَذُوهُ وَإِنْ مُنِعُوهُ تَرَكُوهُ.
الْجريرِي يستغيث بِاللَّه من الظُّلم والظلمة
قَالَ القَاضِي: قد رَأينَا مَا قدم نَبينَا ﷺ الْإِخْبَار بِهِ وشاهدناه وَظهر لنا مَا أَنبأَنَا بِهِ وعايناه ومنعنا الَّذِي لنا فصبرنا، وليت مَا نعنا حثنا والمستبد بِهِ اقْتصر على مَا أَتَاهُ وَلم يتجاوزه إِلَى اغتصاب التالد والطريف من أَمْوَالنَا بالخبط والعسف والتعذيب والعنف، وَلم يتخطه إِلَى تكليفنا مَا لَا نقدر عَلَيْهِ وَلَا نصل إِلَيْهِ، فَإلَى الله المشتكى والملتجأ، وَهُوَ المستغاث المرتجى، بعدله نستجير من جور من غلبنا على أقواتنا فشبع بهَا وأجاعنا، وَحفظ بهَا نَفسه وأضاعنا، فَإِنَّهُ قاصم العتاة المترفين، وَعَاصِم العناة الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَمَا هُوَ بغافل عَمَّا يعْمل الظَّالِمُونَ. وَقد " قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا من يَشَاء من باده وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ " الْأَعْرَاف: ١٢٨١٢٩ اللَّهُمَّ وَإِنَّا أَصْبَحْنَا مستغيثني بك فصبرنا على بلائك ووفقنا لشكر آلَائِكَ وألهمنا تقواك حَتَّى تكون الْعَاقِبَة لنا واستنقذنا من عَدوك وعدونا إِنَّك رؤوف رَحِيم جواد كريم. فَأَما ممالأة قراء السوء أشكالهم من أمرائهم فقد ظللنا مِنْهُ فِي أَمر عَظِيم وخطب جسيم، وَصَارَ من يعتزي إِلَى تِلَاوَة الْقُرْآن ويدعى لَهُ علم شرائع الْإِيمَان مِمَّن لَيْسَ عِنْده مِمَّا ينْسب إِلَيْهِ إِلَّا ادعاؤه وَقد تموه لَهُ بجده وامتحان الْعباد بِهِ مَا يظنّ أَنه حَاصِل لَهُ وَإِن كَانَ صفرًا مِنْهُ، وَمِنْهُم من قد جعل الزخرفة والغلط والهجر لَهُ صفة معرضة الَّذِي يُدَلس بِهِ نَفسه، ويوهم الْجُهَّال أَن وَرَاء مَا يظهره مَا يضاهي مَا اغتروا بِهِ، وَمِنْهُم من قد اتّفق لَهُ من بعض المترفين وجهله المتعلمين قبُول لَهُ وصبابة نَحوه، واطراح الدَّين شَامِل لهَذِهِ الْفرق الْمُتَقَدّمَة المفتتن بهَا، وَالله نسْأَل إدالة أوليائه وَإِزَالَة أعدائه.
الجمانة الكنانية تقع فِي حب حممة
حَدثنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد قَالَ أَخْبرنِي عمي الْحُسَيْن بْن دُرَيْد عَن أَبِيه قَالَ حَدَّثَنَا هِشَام بْن مُحَمَّد بْن السَّائِب الْكَلْبِيّ وَعَن أبي مسكني عَن عبد الرَّحْمَن بْن مغراء أَبِي زُهَيْر الدوسي قَالُوا: كَانَ حممة بْن رَافع بْن الْحَارِث الدوسي من أجمل الْعَرَب وَكَانَت لَهُ جمة يُقَال لَهَا الرّطبَة كَانَ يغسلهَا بِالْمَاءِ ثُمَّ يعقصها وَقد احتقن فِيهَا المَاء، فَإِذا مضى لَهَا يَوْمَانِ حلهَا ثُمَّ يعصرها فَيمْلَأ جلساءه، فحج على فرسٍ لَهُ، فَنَظَرت إِلَيْهِ الجمانة الكنانية وَهِي خناس، وَكَانَت عِنْد رجل من بني كنَانَة يُقَال لَهُ ابْن الحمارس فَوَقع بقلبها، فَقَالَت لَهُ: من أَنْت؟ فو الله مَا أَدْرِي أوجهك أحسن أم شعرك أم فرسك، مَا أَنْت بالنجي الثلب، وَلَا التهامي الترب، فاصدقني، قَالَ: أَنا امْرُؤ من الأزد من دوس، ومنزلي ببروق، قَالَت: فَأَنت أحب النَّاس إِلَيّ، وَقد وَقعت فِي نَفسِي فَاحْمِلْنِي مَعَك، فأردفها خَلفه وَمضى إِلَى بَلَده، فَلَمَّا أوردهَا أرضه قَالَ: قد علمت هربك معي كَيفَ كَانَ؛ وَالله لَا تهربين بعدِي إِلَى رجل أبدا، فَقطع عرقوبيها، فَولدت لَهُ عَمْرو بْن حممة، وَكَانَ سيداص، وَولد عَمْرو بْن حممة الطُّفَيْل بْن عَمْرو ذَا النُّور، وَفد عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالُوا: وَخرج زَوجهَا ابْن الحمارس فِي طلبَهَا فَلم يقدر عَلَيْهَا فَرجع وَهُوَ يَقُول:
أَلا حَيّ الخناس على قلاها ... وَإِن شحطت وَإِن بَعدت نَوَاهَا
تبدلت الطبيخ وَأَرْض دوسٍ ... بهجمة فَارس حمرٍ ذراها
وَقد خبرتها جاعت وذلت ... وَأَن الْحر من طود شواها
وَقد خبرتها نحلت ركيا ... وأثوارا معرقة شواها
وَقد أنبئتها ولدت غُلَاما ... فَلَا شب الْغُلَام وَلَا هناها
فَلَمَّا أنْشد عمر بْن الْخطاب هَذَا الشّعْر قَالَ: قد وَالله شب الْغُلَام وَقد هناها.
قَالَ القَاضِي: قَوْلهَا: " مَا أَنْت بالنجدي الثالب وَلَا
стр. 540
التهامي الترب من التُّرَاب جَمِيعًا، والأثلب من أَسمَاء التُّرَاب، يُقَال: بِفِيهِ الأثلب والإثلب، وَقَوله: " لَا هناها " من قَوْلهم كل هنيًا مريًا، وَأَصله الْهَمْز، يُقَال: هنأني الطَّعَام وَقد يتْرك همزه وَتَركه فِي الشّعْر كثير لتصحيح الْوَزْن كَمَا قَالَ:
فارعي فَزَارَة لَا هُنَاكَ المرتع
أَلْسِنَة السّمك يقدمهَا إِبْرَاهِيم بْن الْمهْدي للرشيد
حَدثنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن أَبِي طَاهِر قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن إِسْحَاق عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: استزار إِبْرَاهِيم بْن الْمهْدي الرشيد بالرقة فزاره، وَإِن الرشيد كَانَ لَا يَأْكُل الطَّعَام الْحَار قبل الْبَارِد، وَأَنه لما وضعت البوارد على الْمَائِدَة رأى فِيمَا قرب مِنْهُ جَام قريس السّمك، فاستصفر طباخي الْقطع، وَإِنَّمَا هَذِه أَلْسِنَة السّمك، فَقَالَ: يشبه أَن يكون فِي هَذَا الْجَام مائَة لِسَان، فَقَالَ لَهُ مراقب خَادِم إِبْرَاهِيم وَكَانَ يتَوَلَّى قهرمة إِبْرَاهِيم: فِيهِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَكثر من مائَة لِسَان، فاستحلفه على مبلغ ثمن السّمك فَأخْبرهُ أَنه ألف دِرْهَم، فَرفع هَارُون يَده علن الطَّعَام وَحلف أَن لَا يطعم شَيْئا دون أَن يحضر مراقب ألف دِينَار، فَأمر أَن يصدق بهَا، وَقَالَ لإِبْرَاهِيم: أَرْجُو أَن تكون هَذِه كَفَّارَة لسرفك فِي إنفاقك عَليّ جَام سمك ألف دِرْهَم، ثُمَّ أَخذ الْجَام بِيَدِهِ وَدفعه إِلَى بعض خدمه وَقَالَ: اخْرُج بِهِ من دَار أخي ثُمَّ أنظر إِلَى أول سَائل ترَاهُ فادفعه إِلَيْهِ، قَالَ إِبْرَاهِيم: وَكَانَ شِرَاء الْجَام عَليّ مِائَتَيْنِ وَسبعين دِينَارا، فغمزت خدمي أَن يخرجُوا مَعَ الْجَام فيبتاعونه
стр. 541
مِمَّن يدْفع إِلَيْهِ، وَكَأن الرشيد فهم ذَلِك مني، فَهَتَفَ بالخادم فَقَالَ: إِذا دفعت الْجَام إِلَى السَّائِل فَقل لَهُ: يَقُول لَك أَمِير الْمُؤمنِينَ احذر أَن تبيع الْجَام بِأَقَلّ من مِائَتي دِينَار فَإِنَّهُ خير مِنْهَا، فَفعل خادمه مَا أمره بِهِ، فو الله مَا أمكن خادمي يخلص الْجَام إِلَّا بِمِائَتي دِينَار.
السَّرف والإسراف
قَالَ القَاضِي: إِن طعم اللِّسَان من السّمك أشبه الطعوم بطعم لحم الْخِنْزِير، وَقل الرشيد: كَفَّارَة لسرفك فَإِن السَّرف فِي كَلَام الْعَرَب التجاوز للشَّيْء، حُكيَ عَن الْعَرَب مَرَرْت بكم فسرفتكم، وَقَالَ الشَّاعِر:
أعْطوا هنيدة يحدوها ثَمَانِيَة ... مَا فِي عطائهم من وَلَا سرف
فَأَما الزِّيَادَة فِي الْإِنْفَاق وَغَيره فَهُوَ الْإِسْرَاف، وَهُوَ ضد التقتير، يُقَال: أسرف يسرف إسرافًا، قَالَ الله تَعَالَى ذكره: " وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا " الْفرْقَان: ٦٧ وَقَالَ: " فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ " الْإِسْرَاء:٣٣ وَقَالَ: " وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا " النِّسَاء:٦ وَقَالَ: " وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ " الْأَنْعَام:١٤١ وَقَالَ: " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أنفسهم " وَهَذَا كثير جدا.
خطْبَة زِيَاد البتراء
حَدثنَا مُحَمَّد بْن الْقَاسِم الأنبَاريّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَبِي يَعْقُوب الدِّينَوَرِيّ قَالَ حَدَّثَنَا عبيد بن مُحَمَّد الفيرياب قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْد الْملك بْن عُمَير قَالَ: شهدتُ زيادَ بْن أَبِي سُفْيَان وَقَدْ صعد الْمِنْبَر فسَلَّم تَسْلِيمًا خَفِيًّا، وانْحرف انحرافًا بطيا، وخطب خطْبَة بتيراء، قَالَ ابْن الفيريابي والْبُتَيْراء الَّتِي لَا يُصَلَّى فِيهَا عَلَى النَّبيّ ﷺ ثُمّ قَالَ: إِن أَمِير الْمُؤْمِنِين قَدْ قَالَ مَا سَمِعْتُمْ، وَشهد الشُّهُود بِمَا قد علمْتُم، وَإِنَّمَا كنت امْرَءًا حفظ الله مني مَا ضيع النّاس، وَوصل مني مَا قطعُوا، أَلا إِنَّا قَدْ سُسْنا وساسنا السائِسُون، وجَرَّبْنا وجربنا المجربون، وولينا وولينا الوالون، وَإِنَّا وجدنَا هَذَا الْأَمر لَا يصلحه إِلا شدةٌ فِي غَيْر عُنْف، ولينٌ فِي غَيْر ضَعف، وأيم اللَّه إِن لي فِيكُم صَرْعَى فليحذر كُلّ رجلٍ مِنْكُم أَن يكون من صرعاي، وَالله لآخذن البريء بالسقيم، والمطيع بالعاصي، والمقبل بالمدبر، حَتَّى تلين لي قناتكم، وَحَتَّى يَقُول الْقَائِل مِنْكُم: انج سعد فقد قتل سعيد، فَرب فَرِحٍ بإمارتي لن تَنْفَعَه، ورُبَّ كارهٍ لَهَا لن تَضُرَّه. وَقَدْ كَانَت بيني وَبَين أقوامٍ مِنْكُم دمن وأحقاد، وَقد جعلت ذَلِك خلف ظَهْري وَتَحْت قدمي، فَلَو بَلغنِي عَنْ أحدكُم أَن الْبُغْضَ لي قَتَلَهُ، مَا كَشفْتُ لَهُ قِناعًا وَلا هَتكتُ لَهُ سِتْرًا حَتَّى يُبْدِي صفيحته، فَإِذا أبداها لم أَقَله عثر تهز أَلا وَلَا كذبة أكبر شَاهدا عَلَيْهَا من كذبة أميرٍ على مِنْبر، فَإِذا سمعتموها مني فاغتمزوها فِي، وَإِذَا وعدتكم خيرا أَوْ شرا فَلم أُفٍّ لكم بِهِ فَلَا طَاعَة لي فِي رِقَابكُمْ، أَلا وَأي رجل مِنْكُم مِمَّن كَانَ مكتبه خُرَاسَان فأجَلُه سنَتَان، ثُمّ هُوَ أميرُ نَفسه، وَأَيّمَا رَجُل مِنْكُم كَانَ مكتبه دون خُرَاسَان فَأَجله سِتَّةُ أشهر، ثُمّ هُوَ أَمِير نَفسه، وأيُّما امرأةٍ احْتَاجَت فإننا نعطيها عطاءَ زَوجهَا ثُمّ نقاصه بِهِ، وَأَيّمَا عقال فقد تموه من مُقامِي هَذَا إِلَى خُرَاسَان فَأَنا لَهُ ضامنٌ.
فَقَامَ إِلَيْهِ نُعيم بْن الْأَهْتَم الْمِنْقَرِيّ فَقَالَ: أشهد لقد أُوتيت الْحِكْمَة وَفصل الْخطاب، فَقَالَ: كذبت أَيهَا الرجلن ذَاك نَبِيَّ اللَّه دَاوُد ﵇،، ثُمّ قَامَ إِلَيْهِ الْأَحْنَف بْن قَيْس فَقَالَ: أَيهَا الرَّجُل، إِنَّمَا الجوادُ بِشَدِّه، والسيفُ بِحَدِّه، والمرء بِجَدِّه، وَقَدْ بلَّغَك جَدُّك مَا ترى، وَإِنَّمَا الشُّكْر بعد الْعَطاء، والثناءُ بعد الْبلَاء، ولسنا نُثْنِي عَلَيْك حَتَّى نَبْتليَك، فَقَالَ: صدقت، ثُمّ قَامَ أَبُو بِلَال مِرْداسُ بْن أُدَيَّة فَقَالَ: أَيهَا الرَّجُل قَدْ سَمِعْتُ قَوْلك: واللَّه لآخذن البريء بالسقيم الْمُطِيع بالعاصي والمقبل بالمدبر ولَعَمْرِي لقَدْ خَالَفت مَا حكم اللَّه فِي كِتَابه إِذْ يَقُولُ: " وَلا تَزِرُ وازة وِزْرَ أُخْرَى " الْأَنْعَام:١٦ فَقَالَ: إيها عني، فو الله مَا أجدُ السَّبيل إِلَى مَا تريدُ أَنْت وأصحابُك حَتَّى أخوض الْبَاطِل خوضًا، ثُمّ نزل فَقَامَ إِلَيْهِ مرداس بْن أدية وَهُوَ يَقُول؛
يَا طَالب الْخَيْر مهر الجَوْرِ مُعْترضٌ ... طولُ التهجُّدِ أَوْ فتك بجبار
لَا كنت إِن لَمْ أَصمّ عَنْ كُلّ غانيةٍ ... حَتَّى يكون بريق الْحور إفطاري
فَقَالَ لَهُ رَجُل: أَصْحَابك يَا أَبَا بِلَال شباب، فَقَالَ: شباب متكهلون فِي شبابهم، ثُمَّ قَالَ:
إِذا مَا اللَّيْل أظْلم كَابَدُوهُ ... فيسفر عَنْهُم وهم سُجُود
فشرى وانجفل النَّاس مَعَه، وَكَانَ قد ضيق الْكُوفَة على زِيَاد.
قَالَ القَاضِي: قد رُوِيَ لنا هَذَا الشّعْر فِي بعض أَخْبَار الْفَوَائِد على غير هَذِه القافية وَهُوَ:
إِذا مَا اللَّيْل أظْلم كَابَدُوهُ ... فيسفر عَنْهُم وهم رُكُوع
أطار الْخَوْف نومهم فَقَامُوا ... وَأهل الْأَمْن فِي الدُّنْيَا هجوع
تَفْسِير مَا ورد فِي البتراء
رغم تكَرر وُرُودهَا
قَالَ القَاضِي: كتبت هَذَا الْخَبَر هَاهُنَا وَأَنا أُرِيد كتب غَيره خطأ مني، لِأَنِّي قد رسمته فِي بعض مَا تقدم من مجَالِس هَذَا الْكتاب، وَأَنا أذكر هَاهُنَا من تَفْسِيره مَا يخرج بِهِ من كتبه عَن أَن يكون لاقي عناء بتكرارٍ لَا فَائِدَة فِيهِ.
قَالَ القَاضِي: قَول زِيَاد: إِن هَذَا الْأَمر لَا يصلحه إِلَّا مَا ذكره قد سبق إِلَى مَعْنَاهُ وَلَفظه عمر بْن الْخطاب ﵁، فَذكر منيلي شَيْئا من أُمُور الْمُسلمين فَقَالَ: يكون قَوِيا فِي غير عنف، لينًا فِي غير ضعف، وَفِي ضعف لُغَتَانِ: الضَّم وَالْفَتْح، وَقد قَرَأت القرأة بهما فِي الْقُرْآن، وَزعم بعض عُلَمَاء اللُّغَة أَن وَجه الْكَلَام فِيهِ أَن يضم حَيْثُ يكون إِعْرَاب الْكَلِمَة فِيهِ غير النصب، وَيفتح مَعَ النصب، واستقصاء الْكَلَام فِي هَذَا فِي مَوْضِعه من الْكتب الْمُؤَلّفَة فِي عُلُوم الْقُرْآن. وَقَوله: قد كَانَت بيني وَبَين قوم مِنْكُم دمن وأحقاد الدمن: الأحقاد وَاحِدهَا: دمنة، يُقَال فِي نَفسه دمنة وحسيكة وغمر وسخيمة وضغن وكتيفة، وَيجمع كتائف كَقَوْل الشَّاعِر:
أَخُوك الَّذِي لَا يملك الْحس نَفسه ... وتهتز عِنْد المحفظات الكتائف
وَفِيه غل، فِي أَسمَاء كَثِيرَة. وَقَوله: انج سعد فقد قتل سعيد كَانَ ابْنا ضبة بْن أد خرجا فِي بغاء إبلٍ لَهما، فَرجع سعد وَلم يرجع سعيد، فَكَانَ أَبوهُمَا إِذا أقبل أَحدهمَا يَقُول: أسعد أم سعيد، فأرسلها مثلا.
أَخ يعشق زَوْجَة أَخِيه وهما من بني كنة
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدِ بْنِ حَفْص الْعَطَّار قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن رَاشد بْن سُلَيْمَان الأدمِيّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَان الثَّقَفِيّ قَالَ حَدَّثَنَا الْمفضل بْن فضَالة مولى عمر بْن الْخطاب ﵁ عَن مُحَمَّد بْن سِيرِين عَن عُبَيْدَة السَّلمَانِي قَالَ: كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة أَخَوان من حَيّ يدعونَ بني كنة، أَحدهمَا متزوج وَالْآخر عزب، فَقضى أَن المتزوج خرج فِي بعض مَا يخرج النَّاس فِيهِ، وَبَقِي الآخر مَعَ امْرَأَة أَخِيه، فَخرجت ذَات يومٍ حَاسِرَة فَإِذا أحسن النَّاس وَجها وَأحسن النَّاس ثغرا، فَلَمَّا علمت أَن قد رَآهَا ولولت وصاحت وَقَالَت بمعصمها فغطت وَجههَا قَالَ القَاضِي: المعصم مَوضِع السوار فزاده ذَلِك فتْنَة، فَحمل الشوق على بدنه حَتَّى لم يبْق إِلَّا رَأسه وَعَيناهُ تدوران فِي رَأسه، وَقدم الْأَخ فَقَالَ: يَا أخي مَا الَّذِي أرى بك؟ فاعتل عَلَيْهِ فَقَالَ: الشوثة قَالَ: الشوصة يسميها الْعَرَب اللوي وَذَات الْجنب فَقَالَ لَهُ ابْن عَم لَهُ: لَا تكذبنه، ابْعَثْ إِلَى الْحَارِث بْن كلدة فَإِنَّهُ من أطب الْعَرَب، فجيء بِهِ فلمس عروقه فَإِذا ساكنها سَاكن وضاربها ضَارب، فَقَالَ: مَا بأخيك إِلَّا الْعِشْق، فَقَالَ: سُبْحَانَ الله تَقول هَذَا لرجل ميت، قَالَ: هُوَ ذَاك، عنْدكُمْ شَيْء منشراب:؟ فجيء بِهِ ودعا بمسعطٍ فصب فِيهِ وَحل صرة من صراره فذر فِيهِ ثُمَّ سقَاهُ، ثُمَّ سقَاهُ الثَّانِيَة ثُمَّ سقَاهُ الثَّالِثَة، فانتشى يُغني سكرا فَقَالَ:
تهيد مَا تهيج وَيذكر ... أَيهَا الْقلب الحزين مَا يكوننه
стр. 542
ألما بِي على الأبيا ... ت من خيفٍ أزرهنه
غزالاً مَا رَأَيْت الي؟ ... وم فِي دور بني كنه
غزال أحور الْعين ... وَفِي مَنْطِقه غنه
قَالَ القَاضِي: الْبَيْت الأول من هَذِه الأبيات مُضْطَرب، وَأرى بعض من رَوَاهُ كَسره وأخل بُنْيَانه ونظمه لِأَنَّهُ لم يكن لَهُ علم بِوَزْن الشّعْر فَقَالَ الرجل: هَذِه دور بني كنه فليت شعري من؟ فَقَالَ الْحَارِث: لَيْسَ فِيهِ مستمتع غير هَذَا الْيَوْم، وَلَكِن أغدو عَلَيْكُم من الْغَد فَفعل كَفِعْلِهِ بالْأَمْس، فانتشى يُغني سكرا وَاسم امْرَأَة أَخِيه ريا فَقَالَ:
أَيهَا الجيرة اسلموا ... كي تحيوا وتكرموا
خرجت مزنة من البح؟ ... ر ريا تحمحم
هِيَ مَا كنتي وتز ... عَم أَنِّي لَهَا حمو
فَقَالَ الرجل لمن حَضَره: أشهدكم أَنَّهَا طَالِق ثَلَاثًا ليرْجع إِلَى أخي فُؤَاده، فَإِن الْمَرْأَة تُوجد وَالْأَخ لَا يُوجد، فجَاء النَّاس يسعون وَيَقُولُونَ: هَنِيئًا لَك يَا أَبَا فلَان، فَإِن فلَانا قد نزل لَك عَن فُلَانَة، فَقَالَ لمن حضر: أشهدكم أَنَّهَا عَليّ مثل أُمِّي إِن تَزَوَّجتهَا، قَالَ عَبد اللَّه بْن عُثْمَان، قَالَ الْمفضل قَالَ ابْن سِيرِين قَالَ عُبَيْدَة السَّلمَانِي: مَا أَدْرِي أَي الرجلَيْن أكْرم: الأول أم الآخر.
خبر الْأَخَوَيْنِ من بني كنة بِرِوَايَة أُخْرَى
قَالَ القَاضِي: قد رُوِيَ هَذَا الْخَبَر من غير هَذِه الطَّرِيق وَفِي بعض أَلْفَاظه اخْتِلَاف، فَرَأَيْت تكْرَار جملَته لتكمل الْفَائِدَة، وَلَا يفوت مِنْهُ شَيْء، وَمَا يتَكَرَّر من اقتصاصه لَا ضَرَر فِيهِ: حَدَّثَنَا أبي ﵁ قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن سهل الرَّازِيّ قَالَ حَدَّثَنَا سعيد بْن يحيى الْأمَوِي قَالَ، حَدَّثَنِي عمي مُحَمَّد بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْملك بن عيمر قَالَ: كَانَ أَخَوان من ثَقِيف من بني كنة بَينهمَا من التبار والتحاب شَيْء لَا يُعلمهُ إِلَّا الله، كل واحدٍ مِنْهُمَا أَخُوهُ عِنْد رَأسه، وَإِن الْأَكْبَر خرج إِلَى سفر وَله امْرَأَة، فأوصى أَخَاهُ بحاجة أَهله، فَبينا الْمُقِيم فِي دَار الظاعن إِذْ مرت امْرَأَة أَخِيه، وَكَانَت من أجمل الْبشر، تجوز من بيتٍ إِلَى بَيت، فرآها فأى شَيْئا مُخْتَلفا، فَلَمَّا رَأَتْهُ ولولت وَوضعت يَدهَا على رَأسهَا وَدخلت بَيْتا، فَوَقع حبها فِي قلبه، فَجعل يذوب وينحل جِسْمه وَتغَير لَونه، وَقدم أَخُوهُ وَقَالَ: يَا أخي مَالِي أَرَاك هَكَذَا؟ وَمَا وجعك:؟ قَالَ: مَا بِي وجع، فَدَعَا الْأَطِبَّاء فَلم يَقع أحد على دائه، حَتَّى أُتِي الْحَارِث بن كلدة وَكَانَ طَبِيبا فَقَالَ: أرى عينين صحيحتين وَمَا أَدْرِي مَا هَذَا الوجع، وَمَا أَظُنهُ إِلَّا عَاشِقًا، فَقَالَ أَخُوهُ: سُبْحَانَ الله، أَسَالَك عَن وجع أخي وَأَنت تستهزئ بِي؟! قَالَ: مَا فعلت، وسأسقيه شرابًا عِنْدِي، فَإِن
стр. 543
كَانَ عَاشِقًا فسيستبين لكم، فَأتى بشراب فَجعل يسْقِيه قَلِيلا قَلِيلا كَمَا يزق الفرخ، فَلَمَّا أَخذ الشَّرَاب مِنْهُ تهيج فَتكلم فَقَالَ:
ألما بِي على الأبيا ... ت بالخيف أزرهنه
عزالاً مَا رَأَيْت الي؟ ... وم فِي دور بني كنه
أسيل الخد مربوب ... وَفِي منْطقَة غنه
فَقَالَ: أَنْت أطب الْعَرَب، فَمن؟ قَالَ: سأعيد الشَّرَاب فَلَعَلَّهُ يُسَمِّي فَأَعَادَ لَهُ بِالشرابِ فَقَالَ:
أَيهَا الجيرة أَسْلمُوا ... وأربعوا كي تكلمُوا
وتقضى لبانة ... وتحيوا فتغنموا
خرجت مزنة من البح؟ ... ر ريا تحمحم
هِيَ مَا كنتي وتز ... عَم أَنِّي لَهَا حمو
قَالَ: فَطلق أَخُوهُ امْرَأَته، فَقَالَ لَهُ الْمَرِيض: عَليّ كَذَا وَكَذَا إِن تَزَوَّجتهَا أبدا فماتا وَلم يتزوجا.
مَوَدَّة ابْن المُهَاجر للعباسيين حَدثنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرو بْن تركي القَاضِي أَبُو الْفضل قَالَ حَدَّثَنَا الْوَلِيد بْن هِشَام القحذمي قَالَ: لما قتل أَبُو الْعَبَّاس سُلَيْمَان بْن هِشَام دخل عَلَيْهِ إِبْرَاهِيم بْن المُهَاجر البَجلِيّ فأنشده:
إِن بني الْعَبَّاس إِن كنت سَائِلًا ... هم قتلوا من كَانَ أَعْتَى وأظلما
هم ضربوا رَأس النِّفَاق بسيفهم ... وهم ملأوا ثوبيه من دَمه دَمًا
فَمن لم يدن منا بحبك ربه ... فَلَيْسَ يلاقيه إِذا مَاتَ مُسلما
فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس: مَا أدل ظَاهر ابْن المُهَاجر على بَاطِنه فِي ودنا، إِن ذَلِك ليبين فِي عَيْنَيْهِ أَكثر ممايبين فِي لِسَانه.
يسْأَل شَرِيكا الطنبور أطيب أم الْعود
حَدثنَا الْحسن بْن عَليّ بْن زَكَرِيَّا الْعَدوي قَالَ أَخْبَرَنَا الْحَسَن بْن عليّ بْن رَاشد قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى شريك بْن عَبْد اللَّه فَقَالَ: أَيهَا القَاضِي أَيّمَا أطيب الطنبور أم الْعود؟ فَقَالَ: أحسبك بَايَعت يَا عَدو الله، فَحلف أَنه لم يُبَايع، وَأَنه مستفهم، فَقَالَ لَهُ: كم على الطنبور من وتر؟ قَالَ: أثنان، قَالَ: وعَلى الْعود؟ قَالَ: أَرْبَعَة، فَقَالَ: فَكلما كثر هَذَا كَانَ أطيب.
قولة لأبي يُوسُف يَرْوِيهَا ابْن حَنْبَل
حَدثنَا مُحَمَّد بْن الْحسن بْن زِيَاد قَالَ أَخْبَرَنَا عَبد اللَّه بْن أَحْمَد بْن حَنْبَل قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا يُوسُف القَاضِي يَقُول: إِن للعيون خبايا بالغدوات مَا لَيْسَ لَهَا بالعشيات،
стр. 544
فَقلت لَهُ: يَا أَبَت، أَلَيْسَ ذكرت أَنَّك لَا تروي عَن أَبِي يُوسُف؟ فَقَالَ: هَذِه حِكْمَة يَأْخُذهَا العَبْد عَن كل من وجدهَا عِنْده.
الْمجْلس الرَّابِع وَالسَّبْعُونَ
حَدِيث وَجَبت
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ عَنْ مُوسَى يَعْنِي ابْنَ عُبَيْدَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَأُتِيَ بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَى عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ: وَجَبَتْ، ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَى عَلَيْهَا بَعْضَ الثَّنَاءِ فَقَالَ: وَجَبَتْ، فَقَالَ نَاسٌ: مَا وَجَبَتْ؟ فَقَالَ: إِنَّ الْمَلائِكَةَ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي السَّمَاءِ وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ، وَمَا شَهِدْتُمْ عَلَيْهِ مَنْ شَيْءٍ وَجَبَ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: " وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ " التَّوْبَة:١٠٥.
تَعْلِيق للْقَاضِي
قَالَ القَاضِي: فَمَا أولى بِالْمَرْءِ الْمُؤمن الناصح لنَفسِهِ الراجي لرَبه، الْخَائِف من غَضَبه أَن يَتَّقِي الله ويهذب سَرِيرَته، ويخلص من الرِّيَاء وَالْفساد عمله، حَتَّى يَجْعَل الله تَعَالَى المقة بعد وَفَاته فِي قُلُوب عباده، فيثني مؤمنهم عَلَيْهِ، غير مسفٍ إِلَى ثنائهم وتزكيتهم فِي حَيَاته، فقد قَالَ جلّ ثناءه: " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا " مَرْيَم: ٩٦ وَمن فَارق الدُّنْيَا على الطَّرِيق الَّتِي وَصفنَا أظهر الله حَسَنَاته، وأجراها على أَفْوَاه عباده، وَستر مَا خَفِي على النَّاس من مساوئ عمله، أصحبنا الله وَإِيَّاكُم جميل ستره فِي دُنْيَانَا، وَبعد قَبضه إيانا، إِنَّه جواد كريم رؤوف رَحِيم.
صَبر أعرابية يفوق صَبر الرِّجَال حَدثنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَن عَنْ عَمه قَالَ: كَانَ بحمي ضرية عَجُوز من بني أَبِي بكر بْن كلاب يتحدث قَومهَا عَن سروها وعقلها، فَأَخْبرنِي من حضرها وَقد مَاتَ ابْن لَهَا وَقد كَانَ وَاحِدهَا، وَقد طَالَتْ علته فأحسنت تمريضه، فَلَمَّا فاظ قعدت بفنائها وحضرها قَومهَا فاقبلت على شيخ مِنْهُم فَقَالَت: يَا فلَان أَو يَا أَبَا فلَان مَا أَحَق من ألبس الْعَافِيَة وأسبغت عَلَيْهِ النِّعْمَة فاعتدلت بِهِ الْفطْرَة أَن لَا يعجز عَن التويق لفنسه قبل حل عقدته، والحلول بعقوته، والحيال بَينه وَبَين نَفسه، ثُمَّ أنشأت تَقول:
هُوَ ابْني وأنسى أجره لي وعزني ... على نَفسه رب إِلَيْهِ ولاؤها
فَإِن احتسب أَو جر وَإِن ابكه أكن ... كباكيةٍ لم يغن شَيْئا بكاؤها
فَقَالَ الشَّيْخ: إِنَّا لم نزل نسْمع أَن الْجزع إِنَّمَا هُوَ للنِّسَاء فَلَا يأس رجل فِي مصيبته، وَلَقَد كرم صبرك وَمَا أشبهت النِّسَاء، فَأَقْبَلت عَلَيْهِ بوجهها وَقَالَت: إِنَّه مَا خير امْرُؤ بَين جزع وصَبر إِلَّا وجد بَينهمَا نهجين بعيدي التَّفَاوُت فِي حاليتهما، أما الصَّبْر فَحسن
стр. 545
الْعَلَانِيَة مَحْمُود الْعَاقِبَة، وَأما الْجزع فَغير معوضٍ عوضا مَعَ مأثمه، وَلَو كَانَا فِي صُورَة رجلَيْنِ لَكَانَ الصَّبْر أولاهما بالغلبة بِحسن الصُّورَة وكرم الطبيعة فِي عاجله فِي الدَّين وآجله فِي الثَّوَاب، وَكفى بِمَا وعد الله فِيهِ لمن آلهمه الله إِيَّاه.
تَفْسِير بعض الْأَلْفَاظ
قَالَ القَاضِي: فِي هَذَا الْخَبَر أَن هَذِه الْمَرْأَة قَالَت: والحيال بَينه وَبَين نَفسه وَلَا يعرف الحيال فِي هَذَا الْموضع وَإِنَّمَا يُقَال: حَالَتْ النَّاقة أَو الشَّاة حيالا إِذا لم تلقح وَهِي حَائِل. وَرُوِيَ عَن النَّبيّ ﷺ أَنه قَالَ فِي سبي أَوْطَاس: لَا تقربُوا حَامِلا حَتَّى تضع وَلَا حَائِلا حَتَّى تحيض.
وَمن الحيال قَول الشَّاعِر:
قربا مربط النعامة مني ... لقحت حَرْب وَائِل عَن حِيَال
وَقَالَ الْفراء: وَمن كَلَام الْعَرَب: حَائِل حولٍ، إِذا تتَابع الحيال عَلَيْهَا ثَلَاثَة أَعْوَام.
وَأما الْحول بَين الشَّيْء وَغَيره من قَول الله تَعَالَى: " وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ " الْأَنْفَال:٢٤ وَقَوله: " وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ هود: ٤٣ وَقَوله: " وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ " سبأ: ٥٤ وَهَذَا معنى اللَّفْظَة الْوَارِدَة فِي هَذَا الْخَبَر فَإِنَّهُ يُقَال فِيهِ: حلت بَين الرجلَيْن حولا وحؤولا.
وَقَوله: والحلول بعقوته يُقَال: ساحة الدَّار وباحتها وقاعتها وعقوتها كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
فَمن بعقوته كمن بنجوته ... والمستكن كمن يمشي بقرواح
الْأَحْوَص يسرق شعر ابْن أَبِي دباكل
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْن عبد الْملك قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْر بْن بكار قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرو بْن أَبِي بكر المؤملي عَنْ عَبْد اللَّه بْن أبي عُبَيْدَة بْن عمار بْن يَاسر قَالَ: خرجت أَنا والأحوص الْأنْصَارِيّ مَعَ عَبْد اللَّه بْن حَسَن لِلْحَجِّ، فَلَمَّا كُنَّا بِقديد قُلْنَا لعبد الله بْن حسن: لَو أرْسلت إِلَى سُلَيْمَان بْن أَبِي دباكل الْخُزَاعِيّ فأنشدنا من شعره، فَأرْسل إِلَيْهِ فجاءنا فأنشدنا قصيدته:
يَا بَيت خنساء الَّذِي أتجنب ... ذهب الزَّمَان وحبها لَا يذهب
أَصبَحت أمنحك الصدود وإنني ... قسما إِلَيْك مَعَ الصدود لأجنب
مَالِي أحن إِذا جمالك قربت ... وأصد عَنْك وَأَنت مني أقرب
لله دَرك هَل لديك معول ... لمتيمٍ أم هَل لودك مطلب
فَلَقَد رَأَيْتُك قبل ذَاك وإنني ... لمتيم بهواك لَو يتَجَنَّب
وَأرى السمية باسمكم فيزيدني ... شوقا إِلَيْك جنابك المتسبب
وَأرى الْعَدو يودكم فأوده ... إِذْ كَانَ ينْسب مِنْك أَو يتنسب
стр. 546
وأخالق الواشين فِيك تجملا ... وهم عَليّ ذَوُو ضغائن ذرب
ثمَّ اتخذتم عَليّ وليجة ... حَتَّى غضِبت وَمثل ذَلِك يغْضب
وَانْصَرف. فَلَمَّا كَانَ الْقَابِل حج أَبُو بكر بن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان فَمر بِالْمَدِينَةِ، فَدخل عَلَيْهِ الْأَحْوَص واستصحبه فأصحبه، فَلَمَّا خرج الْأَحْوَص قَالَ لَهُ بعض من عِنْده: تقدم بالأحوص الشَّام فتعير بِهِ، فَبعث إِلَى الْأَحْوَص فَقَالَ لَهُ: يَا خَال إِنِّي نظرت فِيمَا سَأَلتنِي من الِاسْتِصْحَاب فَكرِهت أَن أهجم بك على أَمِير الْمُؤمنِينَ بِلَا إِذن، وَلَكِنِّي أستأذنه لَك فَإِن أذن كتبت إِلَيْك بِالْمَسِيرِ إِلَيّ؛ فَقَالَ الْأَحْوَص: لَا وَالله مَا بك مَا ذكرت، وَلَكِنِّي سبعت عنْدك، ثُمَّ خرج فَأرْسل إِلَيْهِ عمر بْن عبد الْعَزِيز بصلةٍ واستوهبه عرض أَبِي بكر فوهبه لَهُ ثُمَّ قَالَ:
يَا بَيت عَاتِكَة الَّذِي أتعزل ... حذر العدى وَبِه الْفُؤَاد مُوكل
إِنِّي لأمنحك الصدود وإنني ... قسما إِلَيْك مَعَ الصدود لأميل
ثمَّ قَالَ فِيهَا يعرض بِأبي بكر بْن عبد الْعَزِيز:
ووعدتني فِي حَاجَتي فصدقتني ... ووفيت إِذْ كذبُوا الحَدِيث وبدلوا
حَتَّى إِذا رفع الحَدِيث مطامعي ... يأسًا وأخلفني الَّذين أُؤَمِّل
زايلت مَا صَنَعُوا إِلَيْك برحلةًٍ ... عجلا وعندك عَنْهُم متحول
وأراك تفعل مَا تَقول وَبَعْضهمْ ... مذق اللِّسَان يَقُول مَا لَا يفعل
فَقَالَ لَهُ عمر بْن عبد الْعَزِيز: مَا أَرَاك أعفيتني مِمَّا استعفيتك مِنْهُ.
إِنَّه أَبُو ثَابت وَابْنه أثبت مِنْهُ
حَدثنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ قَالَ: حَدَّثَنِي أبي قَالَ حَدَّثَنِي الْحَسَن بْن عَبْد الرَّحْمَن الربعِي قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن عمر بْن عمرَان بْن إِسْمَاعِيل بْن عبد الْعَزِيز بْن أَبِي ثَابت بْن عمر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف قَالَ حَدَّثَنِي عمي عمر بْن عمرَان قَالَ: انتظرت قُرَيْش عمرَان بْن عبد الْعَزِيز يَوْم قدم الْمهْدي الْمَدِينَة فَقَالَت قُرَيْش: لَا ندخل حَتَّى يدْخل أَبُو ثَابت فَدخل أَبُو ثَابت فَتكلم، فَلَمَّا فرغ من كَلَامه قَالَ النَّاس: الْأَمِير، يعنون المهدين وَكَانَ ولي عهد، فَقَالَ عمرَان: انبي عمر يتَكَلَّم بعدِي، قَالَ: فَتكلم عمر بْن عمرَان فأبلغ قَالَ: فَخرج الْحَاجِب فَقَالَ: أَنا أشهد إِنَّه أَبُو ثَابت، وَابْنه أثبت مِنْهُ، قَالَ: فَأَنْشد الْمهْدي هَذِه القصيدة من قَول عمر:
غشيت لهندٍ بالعقيق ربوعا ... فأذريت فِي دَار الحبيب دموعا
وَلَيْسَ بهَا إِلَّا أثافٍ كَأَنَّهَا ... حمائم ظلت فِي الديار وقوعا
فيا سائلي مَا الْحبّ صادفت عَالما ... بَصيرًا بِمَا عَنْهُ سَأَلت سميعًا
стр. 547
فَإِنِّي وجدت الْحبّ كالنار حره ... وحلوًا وَمَرا بعد ذَاك فظيعا
فَمن مسرع يَأْتِي الإِمَام بمنطقي ... ويبلغني مِنْهُ الْجَواب سَرِيعا
لطفت أَمِير الْمُؤمنِينَ لهاشمٍ ... وَكنت لَهَا بعد المحول ربيعا
فأديت حق الله فِي بر والدٍ ... فَلَا تَكُ للْبَاقِي هديت مضيعا
رفعنَا وَأَنْتُم بالحبيب محمدٍ ... وَكَانَ على الْخلق النَّبِي رفيعا
فأعمامه كُنْتُم وَكَانَ ابْن أُخْتنَا ... فَجَاءَت بِهِ طلق الْيَدَيْنِ قريعا
فَلَنْ يقبل الرَّحْمَن برا لوالدٍ ... إِذا لم يبر الْوَالِدين جَمِيعًا
فقد أَمر الرَّحْمَن بِالْبرِّ فيهمَا ... فَكُن فيهمَا يَا ابْن الْكِرَام مُطيعًا
قَالَ: فَألْحق بني زهرَة فِي الْعَطاء ببني هَاشم يَوْمئِذٍ.
أَحْمَد بْن حَنْبَل يكْتب شعر أَبِي نواس
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيد قَالَ: سَمِعت أَحْمَد بْن يحيى ثَعْلَب يَقُول: دخلت على أَحْمَد بْن حَنْبَل فَرَأَيْت رجلا تهمه نَفسه لَا يحب أَن يكثر عَلَيْهِ كَأَن النيرَان قد سعرت بَين يَدَيْهِ، فَمَا زلت أرْفق بِهِ، وتوسلت بالشيبانية إِلَيْهِ فَقلت: أَنا من مواليك يَا أَبَا عَبد اللَّه، وَذكرت لَهُ عَبد اللَّه بْن الْفرج، قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: وَعبد الله بْن الْفرج هَذَا من صالحي أهل الْبَلَد فقرم إِلَى حَدِيثي وانبسط إِلَيّ وَقَالَ: فِي أَي شيءٍ نظرت؟ فَقلت: فِي علم اللُّغَة وَالشعر، فَقَالَ: مَرَرْت بِالْبَصْرَةِ وَجَمَاعَة يَكْتُبُونَ الشّعْر عَن رجل، فَقيل لي هَذَا أَبُو نواس، فتخللت النَّاس ورآني، فَلَمَّا جَلَست أمل علينا:
إِذا مَا خلوت الدَّهْر يَوْمًا فَلَا تقل ... خلوت وَلَكِن قل عَليّ رَقِيب
وَلَا تحسبن الله يغْفل سَاعَة ... وَلَا أَن مَا يخفى عَلَيْهِ يغيب
لهونا لعمر الله حَتَّى تَتَابَعَت ... ذنُوب على آثارهن ذنُوب
فيا لَيْت أَن الله يغْفر مَا مضى ... وَيَأْذَن فِي توباتنا فنتوب
ثمَّ أطرق، فَعلمت أَنه قد مل، فَسلمت وانصرفت.
قَالَ مُحَمَّد بْن الْعَبَّاس: فَحدث أَبِي بِهَذَا عَبد اللَّه بْن المعتز وَأَنا حَاضر أسمع فأنشده الأبيات، فَقَالَ لنا عَبد اللَّه: هَذِه الأبيات لأبي نواس من زهدياته.
قَالَ مُحَمَّد بْن الْعَبَّاس: فَنَظَرت فِيمَا حَدَّثَنَا بِهِ النَّاس عَن أَبِي عَبد اللَّه هَل رأى أَبَا نواس فَوجدت فِيمَا حَدَّثَنَا عَبد اللَّه بطرِيق خُرَاسَان وَهُوَ قَاضِي النَّاحِيَة قَالَ: سَمِعت أَبِي يَقُول: كنت فِي الْبَصْرَة فِي مجْلِس ابْن علية فَالْتَفت فَإِذا بداعابةٍ وَضحك، وَإِذا بِأبي نواس يكْتب عَنْهُ من زهدياته.
стр. 548
قَالَ القَاضِي: وَقد رويت لنا هَذِه الأبيات عَن بعض من تقدم أَبَا نواس من الشُّعَرَاء، وَاسْتشْهدَ بِبَعْضِهَا طَائِفَة من النَّحْوِيين فِي مَوضِع من فُصُول النَّحْو، وَقَدْ ذكرنَا من هَذَا طرفا فِي مَوضِع غير هَذَا فَلم أر لإعادته فِي هَذَا الْموضع وَجها.
وفادة عَبد اللَّه بْن جَعْفَر على مُعَاوِيَة
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْعَسْكَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي سَعْد قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ التَّمِيمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الرِّيَاحِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: وَفَدَ عبد الله جَعْفَرٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَأَنْزَلَهُ فِي دَارِهِ فَقَالَتْ لَهُ ابْنَةُ قَرَظَةَ امْرَأَتُهُ: إِنَّ جَارَكَ هَذَا يَسْمَعُ الْغِنَاءَ، قَالَ: فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَعْلِمِينِي فَأَعْلَمَتْهُ فَاطَّلَعَ عَلَيْهِ فَإِذَا جَارِيَةٌ لَهُ تُغَنِّيهِ وَهِيَ تَقُولُ:
إِنَّكَ وَاللَّهِ لَذُو ملةٍ ... يَطْرِفُكَ الأَدْنَى عَنِ الأَبْعَدِ
وَهُوَ يَقُولُ: يَا صِدْقَكَاهُ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ اسْقِينِي قَالَتْ: مَا أَسْقِيكَ؟ قَالَ: مَاءً وعَسَلا، قَالَ: فَانْصَرَفَ مُعَاوِيَةُ وَهُوَ يَقُولُ: مَا أَرَى بَأْسًا. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَتْ لَهُ: إِنَّ جَارَكَ هَذَا لَا يَدَعُنَا نَنَامُ اللَّيْلَ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، قَالَ: هَكَذَا قَوْمِي رُهْبَانٌ بِاللَّيْلِ مُلُوكٌ بِالنَّهَارِ.
بَان الْمُبَارك يقسم لاخوانه
حَدثنَا مُحَمَّد بن دَاوُد سُلَيْمَان النَّيْسَابُورِي قَالَ: سَمِعت الْحسن بْن سُفْيَان يَقُول: قَالَ حبَان عَن ابْن الْمُبَارك إِنَّه قسم يَوْمًا لاخوانه وَمن حَضَره من أَصْحَابنَا ألف دِرْهَم ثُمّ قَالَ:
لَا خير فِي المَال وكنازه ... بل لجواد الْكَفّ وهابه
يفعل أَحْيَانًا بزاواره ... مَا يفعل الْخمر بشرابه
قَالَ القَاضِي: ذكر ابْن الْمُبَارك الْخمر وَالْمَعْرُوف تأنيثها، أَرَادَ الشَّرَاب.
قَول شُرَيْح فِي الْجَرَاد
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن زِيَاد قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عبد الرَّحِيم قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيع عَن الْأَعْمَش قَالَ: أَخْبَرَنَا عَامر قَالَ: سُئِلَ شُرَيْح القَاضِي عَن الْجَرَاد قَالَ: قبح الله الجرادة فِيهَا خلقَة سَبْعَة جبابرة: رَأسهَا رَأس فرس وعنقها عنق ثَوْر وصدرها صدر أَسد وجناحها جنَاح نسر ورجلاها رجلا جمل وذنبها ذَنْب حَيَّة وبطنها بطن عقوب.
أفتنت سعيدًا
حَدثنَا مُحَمَّد بْن مخلد قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن بكر بْن خَالِد قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس دَاوُد بْن رشيد قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو نميلَة عَن عَمْرو بْن زَائِدَة قَالَ: حَدثنِي امْرَأَة من بني أَسد قَالَت: زففنا عروسًا فِي الْحَيّ فمررنا بِسَعِيد بْن جُبَير والمغنية تَقول:
لَئِنْ فَتَنَتْنِي لَهِيَ بِالأَمْسِ أَفْتنتْ ... سعيدًا فأضحى قد قلى كل مسلمٍ
وَألقى مَفَاتِيح الْمَسَاجِد وَاشْترى ... وصال الغواني بِالْكتاب المنمنم
стр. 549
قَالَ ابْن مخلد؛ فَقَالَ سعيد: كذب.
التآخي بَين صَعب بْن جثامة وعَوْف بْن مَالك
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْعَلاءِ الْحَرَمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن شَبِيب قَالَ حَدَّثَنِي ابْن عَائِشَة قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ صَعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ وَعَوْفِ بْنِ مَالِكٍ كَانَا مُتَوَاخِيَيْنِ فَقَالَ صَعْبٌ لِعَوْفٍ: أَيْ أَخِي أَيُّنَا مَاتَ قبل صَاحبه فليتراءى لَهُ قَالَ: أَيَكُونُ ذَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَمَاتَ صَعْبٌ، قَالَ: فَرَأَى عَوْفٌ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّهُ أَتَاهُ قَالَ: فَقُلْتُ: أَيْ أَخِي مَا فُعِلَ بِكُمْ؟ قَالَ: غُفِرَ لَنَا بَعْدَ الْمَشَائِبِ قَالَ: وَرَأَيْتُ لُمْعَةَ سَوَادٍ فِي عُنُقِهِ فَقُلْتُ: أَيْ أَخِي مَا هَذَا؟ قَالَ: عَشَرَةُ دَنَانِيرَ اسْتَسْلَفْتُهَا مِنْ فُلانٍ الْيَهُودِيِّ فَهِيَ فِي قَرْنِي فَأَعْطُوهَا إِيَّاهُ، وَاعْلَمْ أَيْ أَخِي أَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ فِي أَهْلِي حَدَثٌ بَعْدِي إِلا وَقَدْ لَحِقَ بِي أَجْرُهُ حَتَّى هِرَّةٌ لَنَا مَاتَتْ لَنَا مُنْذُ أَيَّامٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ بِنْتي تَمُوتُ إِلَى سِتَّةِ أَيَّامٍ فَاسْتَوْصُوا بِهَا مَعْرُوفًا، قَالَ: فَلَمَّا اسْتَيْقَظْتُ قُلْتُ إِنَّ فِي هَذَا لَمَعْلَمًا، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ أَهْلَهُ فَقَالُوا: مَرْحَبًا مَرْحَبًا بِعَوْفٍ أَهَكَذَا تَصْنَعُونَ بِتَرِكَةِ إِخْوَانِكُمْ، لَمْ تَقْرَبْنَا مُنْذُ مَاتَ صَعْبٌ، قَالَ: فَاعْتَلَلْتُ بِمَا يَتَعَلَّلُ بِهِ النَّاسُ، قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَى الْقَرْنِ فَأَنْزَلْتُهُ، وَانْتَثَلْتُ مَا فِيهِ فَنَدَرْتُ الصُّرَّةَ الَّتِي فِيهَا الدَّنَانِيرُ، فَبَعَثْتُ إِلَى الْيَهُودِيِّ فَجَاءَ فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ كَانَ لَكَ عَلَى صَعْبٍ شَيْءٌ؟ قَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ صَعْبًا كَانَ مِنْ خِيَارِ أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ هِيَ لَهُ، قُلْتُ لَتُخْبِرَنِّي قَالَ: نَعَمْ، أَسْلَفْتُهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ، فَنَبَذْتُهَا إِلَيْهِ، قَالَ: هِيَ وَاللَّهِ بِأَعْيَانِهَا قَالَ: قُلْتُ هَذِهِ وَاحِدَةٌ، قَالَ، قُلْتُ: فَهَلْ حَدَثَ فِيكُمْ حَدَثٌ بَعْدَ مَوْتِهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ حَدَثَ فِينَا كَذَا، قُلْتُ: اذْكُرُوا، قَالَ: نَعَمْ هِرَّةٌ مَاتَتْ لَنَا مُنْذُ أَيَّامٍ، قَالَ: قُلْتُ هَاتَانِ اثْنَتَانِ، قَالَ: قُلْتُ: أَيْنَ ابْنَةُ أَخِي؟ قَالُوا: تَلْعَبُ، قَالَ: فَأُتِيَ بهَا فمستها فَإِذَا هِيَ مَحْمُومَةٌ، فَقُلْتُ: اسْتَوْصُوا بِهَا خَيْرًا، فَمَاتَتْ لِسِتَّةِ أَيَّامٍ.
تَفْسِير مَا يتطلب توضيحًا
قَالَ القَاضِي: قَوْله: بعد المشائب يتَّجه فِيهِ وَجْهَان من التَّأْوِيل احدهما: أَنه من قَوْلهم شَاب الشَّيْء إِذا خالطه ومازحه فَكَأَنَّهُ عني أَنه لَقِي مَعَ أَنه نجا وفاز أمورًا فظيعة راعته حيت عاينها يَوْمئِذٍ، وَهُوَ يَوْم الْفَزع الْأَكْبَر، نسْأَل الله الْعَظِيم خَيره والسلامة فِيهِ، ونعوذ بِهِ من شَره. وَالْوَجْه الثَّانِي أَنه من الشيب والمشيب، وَقد وَصفه الله تَعَالَى بِأَنَّهُ يَجْعَل الْولدَان شيبا.
وَأما الْقرن فَإِنَّهُ الكنانة أَو الْقنْدِيل، فَإِذا اجْتمعت الكنانة النبل من السِّلَاح فَهُوَ قرن كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
يَا ابْن هِشَام أهلك النَّاس اللَّبن ... فكلهم بمشي بسيفٍ وَقرن
مَا هُوَ إِلَّا شَيْء جرى على لساني
حَدثنَا مُحَمَّد بْن مزِيد البوشنجي قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي عَن معافى بْن
стр. 550
نعيم: أَن واليًا كَانَ على الْيَمَامَة ولاه بِلَال بْن جرير بعض أَعماله، فَجَلَسَ يَوْمًا يحكم والخصوم جُلُوس إِذْ تمثل أحدثم:
وَابْن المراغة حَابِس أعياره ... مرمى القصية مَا يذقن بِلَالًا
وَلَا يشْعر أَنه من ذَلِك بسبيل، قَالَ فَقَالَ: أَيْن هَذَا الراوية:؟ قَالَ: هَا أَنا ذَا أصلحك الله، قَالَ: ادن أَنْت وخصمك، فدنوا قَالَ: هَلُمَّ أعد الْبَيْت، فغمزه إِنْسَان، فَقَالَ: أصلحك الله، وَالله مَا هُوَ إِلَّا شَيْء جرى على لساني وَمَا أردْت بذلك مَكْرُوها، فَقَالَ: هُوَ أشهر من ذَلِك، هَلُمَّ، فاحتجا.
كِتَابَة على قبر
حَدثنَا أَبِي ﵁ قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الْخُتلِي قَالَ، حَدَّثَنَا عمر يَعْنِي ابْن مُحَمَّد بْن عبد الحكم النَّسَائِيّ، حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن بشير بْن سُلَيْمَان الشَّيْبَانِيّ قَالَ: سَمِعت أَحْمَد بْن عَبد اللَّه الدينَوَرِي يَقُول: قَرَأت على قبر:
أَخ طَال مَا سرني ذكره ... فقد صرت أشجى لَدَى ذكره
وَقد كنت أغدو إِلَى قصره ... فقد صرت أغدو إِلَى قَبره
وَقد كنت دهري ضنينا بِهِ ... عَن النَّاس لَو مد فِي عمره
وَكنت إِذا جِئْت فِي جاجةٍ ... فأمري يجوز على أمره
فَصَارَ عَليّ إِلَى ربه ... وَكَانَ عَليّ فَتى دهره
أتم وأكمل مَا لم يزل ... وأنبل من كَانَ فِي عصره
أَتَتْهُ الْمنية مغتالة ... رويدا تخَلّل من ستره
فَلم تغن أجناده حوله ... وَلَا المسرعون إِلَى نَصره
أَشد الْبَريَّة وجدا بِهِ ... أجد الْبَريَّة فِي طمره
فَأصْبح يهدى إِلَى منزل ... تنوق ناعيه فِي حفره
تغلق بالترب أبوابه ... إِلَى يَوْم يُؤذن فِي حشره
وخلى الْقُصُور الَّتِي شادها ... وَحل من الْقَبْر فِي قَعْره
وَبدل بالعرش بسط الثرى ... وريح ثرى الأَرْض من عطره
أَخُو سفرةٍ مَاله أوبة ... غَرِيب وَإِن كَانَ فِي مصره
فلست مشيعه غادياً ... أَمِيرا يسير إِلَى ثغره
وَلَا متلقٍ لَهُ قَافِلًا ... بقتل عدوٍ وَلَا أسره
فَلَا يبعدن أخي هَالكا ... فَكل سيمضي على إثره
стр. 551
توجيهات نحوية
قَالَ القَاضِي: قَوْله وَلَا متلقٍ لَهُ بِالْجَرِّ، وَقد عطفه على قَوْله: فلست مشيعه وَهُوَ مَنْصُوب لِأَن قَوْله: فلست مشيعه بِمَعْنى: فلست بمشيعه، وَمن هَذَا قَول زُهَيْر:
بدا لي أَنِّي لست مدرك ماضى ... وَلَا سابقٍ شَيْئا إِذا كَانَ جائيا
وَقد اسْتشْهد النُّحَاة فِي هَذَا الْوَجْه بقول امْرِئ الْقَيْس:
فظل طهاة اللَّحْم من بَين منضجٍ ... صفيف شواءٍ أَو قديرٍ معجل
وَقَالُوا: قد عطف على قَوْله: صفيف شواء، وَحمل هَذَا بَعضهم على أَنه مَعْطُوف على قَوْله: شواء وَتَأَول هَذَا بَعضهم على الْجوَار كَمَا حُكيَ هَذَا جُحر ضبٍ خربٍ، وَهَذَا بَاب يَتَّسِع القَوْل فِيهِ، وَلنَا فِيهِ كَلَام كثير مشروح فِي مَوَاضِع من كتبنَا فِي الْقُرْآن وَالْفِقْه والنحو.
شعر لسابق الْبَرْبَرِي
حَدثنَا عبد لاله بْن مُحَمَّد بْن جَعْفَر الأَزْدِيّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أبي الدُّنْيَا قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن الْوَلِيد الْحَنْظَلِي قَالَ: سَمِعت عمر بْن ذَر يذكر أَنه بلغه عَن مَيْمُون بْن مهْرَان أَنه قَالَ: دخلت على عمر بْن عبد الْعَزِيز يَوْمًا وَعِنْده سَابق الْبَرْبَرِي الشَّاعِر فَانْتهى فِي شعره إِلَى هَذِه الأبيات:
فكم من صَحِيح بَات للْمَوْت آمنا ... أَتَتْهُ المنايا بَغْتَة بَعْدَمَا هجع
فَلم يسْتَطع إِذْ جَاءَهُ الْمَوْت بَغْتَة ... فِرَارًا وَلَا مِنْهُ بحيلته امْتنع
فَأصْبح تبكيه النِّسَاء مقنعا ... وَلَا يسمع الدَّاعِي وَإِن صَوته رفع
وَقرب من لحدٍ فَصَارَ مقِيله ... وَفَارق مَا قد كَانَ بالْأَمْس قد جمع
فَلَا يتْرك الْمَوْت الْغَنِيّ لمَاله ... وَلَا معدمًا فِي المَال ذَا حَاجَة يدع
فَلم يزل عمر يضطرب ويبكي حَتَّى غشي عَلَيْهِ، قَالَ: فقمنا فانصرفنا عَنْهُ.
وَلَكِن تفيض النَّفس عِنْد امتلائها
أنشدنا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي قَالَ: أنشدنا الْمبرد:
ولي حَاجَة قد راث عني نَجَاحهَا ... وجودك أجدى وافدٍ فِي اقتضائها
وَمَال شَفِيع غير نَفسك إِنَّنِي ات؟ ... كلت من الدُّنْيَا على حسن رائها
عطاؤك لَا يفنى ويستغرق المنى ... وَتبقى وُجُوه الراغبين بِمَائِهَا
شَكَوْت وَمَا الشكوى لنَفْسي عَادَة ... وَلَكِن تفيض النَّفس عِنْد امتلائها
стр. 552
كن باذلا للخير أنشدنا عمر بْن الْحسن الشَّيْبَانِيّ، قَالَ: أنشدنا أَبُو بَكْر الْقُرَشِيّ قَالَ: أَنْشدني الْحُسَيْن بْن عَبْد الرَّحْمَن:
إِذَا مَا اللَّيَالِي أَقبلت بإساءةٍ ... رجونا بِأَن تَأتي بِحسن صَنِيع
وَذَلِكَ فعل الله بِالنَّاسِ كلهم ... فَكُن باذلا للخير غير منوع
الْمجْلس الْخَامِس وَالسَّبْعُونَ
طير الْجنَّة
حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدَوَيْهِ الْمروزِي البرائي قَالَ حَدَّثَنَا الزَّعْفَرَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ عطينة عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ فِي الْجَنَّةِ طَيْرًا فِيهِ سَبْعُونَ أَلْفَ ريشةٍ فَيَجِيءُ حَتَّى يَقَعَ عَلَى صَحْفَةِ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَنْتَفِضُ فَيَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ كُلِّ ريشةٍ لَوْنٌ أَبْيَضُ مِنَ الثَّلْجِ وَأَلْيَنُ مِنَ الزُّبْدِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ لَيْسَ فِيهَا لَوْنٌ يُشْبِهُ صَاحِبَهُ، ثُمَّ يَطِيرُ فَيَذْهَبُ.
تَعْلِيق القَاضِي على الحَدِيث
قَالَ القَاضِي: قد أنبأ هَذَا الْخَبَر عَن عَظِيم قدرَة الله تَعَالَى ذكره وجسيم نعْمَته وَعَجِيب رزقه، وَعَما أعده لأوليائه فِي جنته مِمَّا لم تتصوره نُفُوسهم، وَلم تبلغه أمانيهم، فهنيئًا لَهُم مَا أنعم بِهِ عَلَيْهِم رَبهم، وإياه نسْأَل أَن يدخلنا جنته وَلَا يحرمنا رَحمته، فَإِنَّهُ لَا يتعاظمه خير يجود بِهِ، وَلَا يتسصعب عَلَيْهِ شَرّ يصرفهُ، بِيَدِهِ الْخَيْر كُله، وَهُوَ على كل شَيْء قدرير.
إعجاب الأخطل بِأَبْيَات للقطامي
حَدثنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِم عَنْ الْأَصْمَعِي قَالَ: سَأَلَ عَمْرو بْن سعيد الْقرشِي الأخطل: أَيَسُرُّك أَن لَك شعرًا بشعرك؟ قَالَ: لَا وَالله مَا يسرني أَن لي بمقولي مقولا من مقاول الْعَرَب، غير أَن رجلا من قومِي قد قَالَ أبياتًا حَسَدْته عَلَيْهَا، وإيم الله إِنَّه لمغدف القناع، ضيق الذِّرَاع، قَلِيل السماع، قَالَ: وَمن هُوَ؟ قَالَ: الْقطَامِي، قَالَ: وَمَا هَذِه الأبيات؟ قَالَ: قَوْله:
يمشي رهوا فَلَا الأعجاز خاذلة ... وَلَا الصُّدُور على الأعجاز تنكل
من كل سامية الْعَينَيْنِ تحسبها ... مَجْنُونَة أَو ترى مَا لَا ترى الْإِبِل
حَتَّى وردن ركيات الغوير وَقد ... كَاد الملاء من الْكَتَّان يشتعل
يَمْشين معترضاتٍ والحصى رمض ... وَالرِّيح ساكرة والظل معتدل
والعيش لَا عَيْش إِلَّا مَا تقربه ... عَيْني وَلَا حَال إِلَّا سَوف ينْتَقل
إِن تصبحي من أَبِي عُثْمَان منجحة ... فقد يهون على المستنجح الْعَمَل
стр. 553
وَالنَّاس من يلق خيرا قَائِلُونَ لَهُ ... مَا يَشْتَهِي ولأم الْمُخطئ الهبل
قد يدْرك المتأني بعض حَاجته ... وَقد يكون مَعَ المستعجل الزلل
تَعْلِيق للْقَاضِي وتفسيرات
قَالَ القَاضِي: لعمري إِن هَذِه الأبيات لمن رصين الشّعْر وبليغه، وَكلمَة الْقطَامِي الَّتِي هَذِه الأبيات مِنْهَا من أَجود شعره، وأولها:
إِنَّا محيوك فَاسْلَمْ أَيهَا الطلل ... وَإِن بليت وَإِن طَالَتْ بك الطول
ويروى الطيل.
وَقد ذكر بَعضهم أَن أَجود مَا أَتَى من أشعار الْعَرَب على هَذِه الْعرُوض وَهَذَا الروي هَذِه الْكَلِمَة وَكلمَة الْأَعْشَى الَّتِي أَولهَا:
ودع هُرَيْرَة إِن الركب مرتحل ... وَهل تطِيق وداعا أَيهَا الرجل
وَقَول الأخطل: إِنَّه لمغدف القناع المغدف: المغطى فَكَأَنَّهُ نسبه إِلَى الخمول وقصوره عَن الشّرف وَأَن يكون بارزًا مبدياً صفحته مجداً وافتخاراً، كَمَا قَالَ سحيم بْن وثيل الريَاحي:
أَنا ابْن جلا وطلاع الثنايا ... مَتى أَضَع العماخمة تعرفوني
وَيُقَال أعدفت الْمَرْأَة قناعها كَمَا قَالَ عنترة:
إِن تغدفي دوني القناع فإنني ... طب بِأخذ الْفَارِس المستئم
وَأما قَول الْقطَامِي: يَمْشين رهوا فَإِنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُنَّ يَمْشين فِي سكونٍ وتؤدة، وَقد قيل فِي قَول الله تَعَالَى: " وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا " الدُّخان: ٢٤ أَي سَاكِنا وَقيل طَرِيقا يبسًا. وَحكى أَن بعض الْعَرَب قَالَ فِي فالج من الْإِبِل: رهو بَين سنَامَيْنِ. وَقَالَ بعض أهل الْمعرفَة: لَو كَانَ الْقطَامِي قَالَ هَذَا الْبَيْت فِي صفة النِّسَاء لَكَانَ قد أحسن. وَمن الزهو قَول الشَّاعِر:
كَأَنَّمَا أهل حجرٍ ينظرُونَ مَتى ... يرونني خَارِجا طير بباديد
طير رَأَتْ بازيًا نضح الدِّمَاء بِهِ ... وَأمه خرجت رهوا إِلَى عيد
وَقل عَمْرو بْن كُلْثُوم:
نصبنا مثل رهوة ذَات حدٍ ... مُحَافظَة وَكُنَّا السابقينا
ويروى: نصبنا مثل رهوة وادحر.
قيل هِيَ الْخَيل، وَقَوله: وَالرِّيح ساكرة يَعْنِي سَاكِنة، وَإِذا كَانَت سَاكِنة فَهِيَ فعل الْأَشْيَاء المفقودة المعدومة، يُقَال سكر الشَّيْء إِذا سكن، وَقيل للسكر الَّذِي هُوَ منسكر الأودية والأنهار سكر، لِأَنَّهُ سكن إِذا انسد وعدمت سورته، وَمِنْه السكر من الشَّرَاب وَغَيره، قيل فِيهِ ذَلِك لاحتباس مَا كَانَ مُنْطَلقًا من السَّكْرَان وَصِحَّة رَأْيه وصواب مَنْطِقه، وَقيل سكر الْحر إِذا سكنت فورته وهدأ احتدامه وشدته، كَمَا قَالَ الراجز:
جَاءَ الشتَاء واجثأل الْقَبْر
стр. 554
واستخفت الأفعى وَكَانَت تظهر
وَجعلت عين الحرور تسكر
وَقد قَالَ الله تَعَالَى وَهُوَ أصدق الْقَائِلين " لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا " الْحجر: ١٥ بِمَعْنى سدت وصعب النّظر بإسكانها عَن الْحَرَكَة الَّتِي تدْرك المبصرات بهَا. وَقَرَأَ جُمْهُور القرأة سكرت بِالتَّشْدِيدِ للتكرار إِذْ كَانَت الْأَبْصَار جمَاعَة، وَقَرَأَ بَعضهم سكرت بِالتَّخْفِيفِ لدلَالَة هَذِه الْقِرَاءَة على الْمَعْنى، وَمثله فتحت أَبْوَابهَا وَفتحت فِي نَظَائِر لهَذَا كَثِيرَة، وَهِي مشروحة فِيمَا تضمنته الْكتب فِي عُلُوم الْقُرْآن من كلامنا وَكَلَام من تقدمنا، وبالتخفيف قَرَأَ ابْن كثير فِي من وَافقه من المكيين. وَقَوله:
إِن تصبحي من أَبِي عُثْمَان منجحة ... فقد يهون على المستنجح الْعَمَل
من الْكَلَام الْحسن فِي الإنباء عَن أَن من أنجح سَعْيه وَأدْركَ مَا أمه هان عَلَيْهِ مَا كَانَ أنصبه وعناه وأتعبه فِي قصد مَطْلُوبه، وَمثله قَول سَابق الْبَرْبَرِي:
إِذا مَا نَالَ ذُو طلبٍ نجاحًا ... بأمرٍ لم يجد ألم الطلاب
ونظائر هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة يتعب إحصاؤها ويمل استقصاؤها.
قصَّة خيالية عَن احتيال مُعَاوِيَة
لتطليق زوج ابْن عَامر ليتزوج هُوَ مِنْهَا وَمَا نجم عَن ذَلِك
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِم الكوكبي قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زَكَرِيّا الغَلابِي قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَائِشَةَ، قَالَ الْكَوْكَبِيُّ وَحَدَّثَنَا عسل بْن ذكْوَان قَالَ حَدَّثَنَا التوزي عَنْ أبي عُبَيْدة، قَالَ الْكَوْكَبِيُّ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ قَالَ حَدَّثَنِي شُعَيْبُ بْنُ صَخْرٍ، قَالَ الْكَوْكَبِيُّ وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الضَّرِيرُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَائِشَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُخْتَارِ عَنْ أَبِيهِ، يُزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى حَدِيثِ بعضٍ، قَالُوا: كَانَ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ جَمَاعَةُ نفرٍ مِنْ سُمَّارِهِ فِي ذَاتِ لَيْلَةٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ فَنَى مِنِّي اللَّذَّاتُ مِنَ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ إِلا مِنْ صبيٍ صَغِيرٍ يُلاعِبُنِي وَأُلاعِبُهُ وَأَضُمُّهُ إِلَى صَدْرِي، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: أَفَلا أَدُلُّكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى امْرَأَةٍ لَوْ تَزَوَّجْتَهَا عُدْتَ بِهَا شَابًّا فِي سِنِّ ابْن ثلاثني سَنَةً ثُمَّ لَا تَزَالُ مَعَهَا أَنْعَمَ النَّاسِ عَيْشًا بَقِيَّةَ عُمُرِكَ؟ قَالَ مُعَاوِيَةُ: وَمَنْ هِيَ؟ " قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ أَبُو الْعَيْنَاءِ دُونَ الْجَمَاعَةِ: هِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ، وَقَالَتِ الْجَمَاعَةُ دُونَ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ: هِيَ هِنْدَ بِنْتَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَحْسِبُهُ هُوَ الثَّبْتُ قَالَ مُعَاوِيَةُ: أوليست تَحْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ.؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَبِئْسَ مَا عَرَضْتَ بِهِ إِلَيَّ، أَنْ تَذْكُرَ زَوْجَةَ رجلٍ مِنْ خِيَارِ قُرَيْشٍ، قَالَ عَمْرٌو: رَأَيْتُكَ حَدَّثْتَ نَفْسَكَ بشيءٍ فَعَرَضْتُ عَلَيْكَ مَا عَرَضْتُ، وَقَدْ يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ وَيَتَزَوَّجُهَا غَيْرُهُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: اكْتُمُوا هَذَا الأَمْرَ لَا تُشْهِرُوهُ، فَلَعَمْرِي إِنْ نَالَ أَحَدٌ حَاجَتَهُ بالرفق والتأني الْحِيلَة لأنالنه
стр. 555
مِنْهَا. ثُمَّ دَعَا مُعَاوِيَةُ خَادِمًا لَهُ مِنْ أَبَرِّ خَدَمِهِ عِنْدَهُ وخصهم لَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: انْطَلِقْ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ فَزُرْهُ، وَإِذا حضر اباب فَأَلْطِفْهُ وَأَكْرِمْهُ وَأَوْقِعْ فِي قَلْبِهِ كَثْرَةَ ذِكْرِي لَهُ وَأَنِّي رُبَّمَا ذكرته عِنْد نِسَائِي وَحَرَمِي وَحَيْثُ لَا يُذْكَرُ فِيه أَحَدٌ مِنَ الرِّجَالِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إِلا لِقَدْرِهِ عِنْدِي وَمَنْزِلَتِهِ مِنِّي، فَإِذَا أَوْقَعْتَ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ فَأَعْلِمْنِي، فَفَعَلَ الْخَادِمُ مَا أَمَرَهُ بِهِ حَتَّى ظَنَّ عَبْدُ اللَّهِ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِلْخَادِمِ: انْطَلِقِ الآنَ شِبْهَ النَّاصِحِ وَالْمُتَحَظِّي عِنْدَهُ فَمُرْهُ أَنْ يَخْطُبَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا أَحَبَّ. فَتَهَيَّأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ لِذَلِكَ وَهَيَّأَ لَهُ كَلامَهُ، فَأَدْخَلَهُ الْخَادِمُ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَبَرَّهُ وَأَلْطَفَهُ وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ يُحَدِّثُهُ، وَدَعَا بِالطَّعَامِ وَأَلْوَانِ الأَشْرِبَةِ وَأَقْبَلَ يَسْتَطْعِمُهُ الْكَلامَ، فَحَصِرَ عَبْدُ اللَّهِ وَانْقَطَعَ وَانْقَبَضَ وَهَابَهُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ حِينَ رَأَى حصره وهيبته: إِنَّه لن يَمْنَعُكَ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْخَلْوَةُ، قُلْ مَا أَحْبَبْتَ وَانْبَسِطْ فِي كَلامِكَ وَسَلْ مَا أَحْبَبْتَ فَدَعَا لَهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَانْصَرَفَ يَوْمَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يُكَلِّمْهُ فِي شَيْءٍ، فَدَعَا مُعَاوِيَةُ خَادِمَهُ ذَلِكَ فَأَعْلَمَهُ أَنَّ الرَّجُلَ هَابَ وَحَصِرَ؛ فَاغْدُ إِلَيْهِ وَمُرْهُ أَنْ يَسْأَلَ حَاجَتَهُ وَشَجِّعْهُ وَأَعْلِمْهُ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قاضٍ حَاجَتَهُ. فَمَضَى الْخَادِمُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَأَمَرَهُ بِالْعَوْدِ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَمَسْأَلَتِهِ حَاجَتِهِ فَإِنَّهُ لَنْ يُمْنَعَ مَا يُرِيدُ؛ فَغَدَا عَبْدُ اللَّهِ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَأَكْرَمَهُ وَأَلْطَفَهُ وَدَعَا لَهُ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَلَمَّا أَكَلا وَشَرِبَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: جِئْتُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي حاجةٍ عَلَى حُسْنِ ظَنِّي بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْزِلَتِي مِنْهُ، فَإِنْ وَافَقَ مِنْهُ مَا أَحَبَّ فَذَاكَ الَّذِي أَبْغِي، وَإِنْ خَالَفَهُ فَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سَخَطِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَمِنْ موجدته، قَالَ مُعَاوِيَة: تكلم يَا ابْن أَخِي بِمَا بَدَا لَكَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: جِئْتُكَ أَخْطُبُ ابْنَتَكَ رَمْلَةَ، قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ شِبْهَ الْمُنْكِرِ عَلَيْهِ الْمُسْتَعْظِمِ لَهُ وَالْمُنْقَبِضِ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: نَنْظُرُ فِي ذَلِكَ، فَقَامَ ابْنُ عَامِرٍ وَقَدْ سَقَطَ فِي يَدَيْهِ وَظَنَّ أَنَّهُ أَغْضَبَهُ، فَلَمَّا خَرَجَ دَعَا مُعَاوِيَةُ خَادِمَهُ فَقَالَ: انْطَلِقِ الآنَ فَلا تَظْهَرْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ ابْنَ عامرٍ سَيَطْلُبُكَ، ثُمَّ الْقَهُ بعد وأعلمه أه أَحْمَقُ رَجُلٍ فِي قُرَيْشٍ وَأَقَلُّهُمْ عَقْلا حَيْثُ يَخْطُبُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ابْنَتَهُ وَعِنْدَهُ امْرَأَةٌ غَيْرُهَا إِنَّمَا يُرِيدُ الإِضْرَارَ بِهَا وَأَنْ يُؤْذِيَهَا، وَتَشَدَّدْ بِذَلِكَ، وَمُرْهُ أَنْ يَعُودَ وَيَكْتُبَ كِتَابًا يَذْكُرُ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَطْلُبْ هَذَا الأَمْرَ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَضُرَّ بِابْنَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَيَكُونَ عِنْدَهُ غَيْرُهَا، وَأَنَّهُ يُخَلِّي عَنْ كُلِّ امرأةٍ تَعْظِيمًا لِحَقِّهَا، فَفَعَلَ الْخَادِمُ ذَلِكَ ثُمَّ لَقِيَ ابْنَ عَامِرٍ فَبَلَغَ مِنْهُ مَا أَرَادَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَامِرٍ: كَيْفَ الْحِيلَةُ لإِصْلاحِ هَذَا الأَمْرِ؟ قَالَ: تَدْخُلُ إِنْ شِئْتَ أَوْ تَكْتُبُ كِتَابًا تَذْكُرُ فِيهِ أَنَّكَ مُطَلِّقٌ لِنِسَائِكَ إِكْرَامًا لابْنَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَتَعْظِيمًا لِحَقِّهَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عَامِرٍ، فَلَمَّا قَرَأَ مُعَاوِيَةُ كِتَابَهُ دَعَا بعشرةٍ مِنْ قريشٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّكُمْ عَرَفْتُمْ حَالَ ابْنِ عَامِرٍ فِي شَرَفِهِ وَحَسَبِهِ وَمَكَانِهِ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَقَرَابَتِهِ، وَقَدْ خَطَبَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ابْنَتَهُ، وَقَدْ زَوَّجَهُ عَلَى مَا ضَمِنَ مِنْ تَطْلِيقِ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ: فَإِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كَمَا قَالَ أَبُو
الْعَيْنَاءِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: فَإِنَّ هِنْدَ بِنْتَ سُهَيْل بن عَمْرو طلق أَلْبَتَّةَ، فَدَعَا لَهُ مُعَاوِيَةُ وَالْقَوْمُ جَمِيعًا. ثُمَّ خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى دارٍ سِوَى الدَّارِ الَّتِي كَانَتْ فِيهَا، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهَا أَنِ اعْتَدِّي، فَلَمَّا أَتَاهَا الرَّسُولُ قَالَتْ لَهُ: وَيْحَكَ مَالَكَ؟ قَالَ: طَلَّقَكِ عَبْدُ اللَّهِ، قَالَتْ: مَا أَظُنُّهُ فَعَلَ هَذَا وَعَقْلُهُ مَعَهُ، ثُمَّ سَأَلَتْ عَنِ الأَمْرِ فَأُخْبِرَتْ، فَدَعَتْ قَهْرَمَانَهَا فَأَمَرَتْهُ أَنْ يُجَهِّزَهَا، ثُمَّ ارْتَحَلَتْ نَحْوَ الْمَدِينَةِ وَقَالَتْ: فَرَّقَ مُعَاوِيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ صَاحِبِي لِيَتَزَوَّجَنِي، وَاللَّهِ لَا يَصِلُ إِلَى ذَلِكَ حَتَّى يَصِلَ إِلَى أُمِّهِ، وَقِيلَ لِمُعَاوِيَةَ إِنَّهَا قَدْ شَخَصَتْ، قَالَ: دَعْهَا فَلْتَذْهَبْ حَيْثُ شَاءَتْ فَلَعَمْرِي لَا تَخْرُجُ مِنْ سُلْطَانِي إِلا أَنْ تَخْرُجَ إِلَى أَرْضِ الشّرك. ناء، وَقَالَ غَيْرُهُ: فَإِنَّ هِنْدَ بِنْتَ سُهَيْل بن عَمْرو طلق
стр. 556
أَلْبَتَّةَ، فَدَعَا لَهُ مُعَاوِيَةُ وَالْقَوْمُ جَمِيعًا. ثُمَّ خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى دارٍ سِوَى الدَّارِ الَّتِي كَانَتْ فِيهَا، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهَا أَنِ اعْتَدِّي، فَلَمَّا أَتَاهَا الرَّسُولُ قَالَتْ لَهُ: وَيْحَكَ مَالَكَ؟ قَالَ: طَلَّقَكِ عَبْدُ اللَّهِ، قَالَتْ: مَا أَظُنُّهُ فَعَلَ هَذَا وَعَقْلُهُ مَعَهُ، ثُمَّ سَأَلَتْ عَنِ الأَمْرِ فَأُخْبِرَتْ، فَدَعَتْ قَهْرَمَانَهَا فَأَمَرَتْهُ أَنْ يُجَهِّزَهَا، ثُمَّ ارْتَحَلَتْ نَحْوَ الْمَدِينَةِ وَقَالَتْ: فَرَّقَ مُعَاوِيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ صَاحِبِي لِيَتَزَوَّجَنِي، وَاللَّهِ لَا يَصِلُ إِلَى ذَلِكَ حَتَّى يَصِلَ إِلَى أُمِّهِ، وَقِيلَ لِمُعَاوِيَةَ إِنَّهَا قَدْ شَخَصَتْ، قَالَ: دَعْهَا فَلْتَذْهَبْ حَيْثُ شَاءَتْ فَلَعَمْرِي لَا تَخْرُجُ مِنْ سُلْطَانِي إِلا أَنْ تَخْرُجَ إِلَى أَرْضِ الشّرك.
فَلَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَهُوَ عَامِلُهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، يَأْمُرُهُ أَنْ يَخْطُبَهَا عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا بِذَلِكَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ: إِنَّ عِدَّتِي لَمْ تَنْقَضِ، فَقَالَ: نَحْنُ أَعْلَمُ بِعِدَّتِكِ، فَقَالَتْ: فَإِنِّي لَا أُخْبِرُكَ دُونَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ أَرْسَلَتْ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵇: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَأْتِيَنِي لأَمْرٍ أَسْتَفْتِيكَ فِيهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا: إِنَّ مِثْلِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ لِلْفُتْيَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ: إِنْ لَمْ تَأْتِنِي أَتَيْتُكَ فِي مجلسٍ حَاسِرَةً فَإِنْ كُنْتَ تَرْضَى أَنْ تَخْرُجَ إِلَيْكَ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ حَاسِرَةً حَتَّى تُفْتِيَهَا فَأَنْتَ وَرَأْيُكَ، فَأَعْظَمَ ذَلِكَ وَخَرَجَ حَتَّى أَتَاهَا، فَأَذِنَتْ لَهُ فَدَخَلَ وَأَمْسَكَ جَوَارِيهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ثَوْبًا، فَحَمِدَتِ اللَّهَ وَصَلَّتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَتْ: أعندك يَا ابْن رَسُولِ اللَّهِ خَيْرٌ؟ قَالَ الْحَسَنُ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَلْجَأْتِنِي إِلَى أَمْرٍ لَمْ يَكُنْ مِنْ كَلامِي، مَنْ أَحَقُّ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ الْخَيْرُ مِنِّي وَأَدْنَى طَرَفَيْ رَسُولُ اللَّهِ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا، قَالَتْ: إِنَّهُ كَانَ مِنْ مُعَاوِيَةَ فِي فُرْقَتِهِ بَيْنِي وَبَيْنَ صَاحِبِي مَا أَحْسِبُ أَنَّهُ قد بلغك، وَوَاللَّه مَالِي فِيهِ مِنْ حَاجَةٍ، وَلَقَدِ اخْتَرْتُكَ لِنَفْسِي، فَإِنْ وَجَدْتَ أَحَدًا أَحَقَّ بِي مِنْكَ فَقَدْ رَضِيتُ بِحُكْمِكَ، أَوْ مَا شِئْتَ، قَالَ الْحَسَنُ ﵁: قَدْ عَلِمْتِ مَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ حَتَّى أَصْلَحَ اللَّهُ ذَلِكَ، وَهَذَا أَمْرٌ مَا أُحَدِّثُ بِهِ نَفْسِي، وَمَالِي يَوْمِي هَذَا فِيهِ مِنْ حَاجَةٍ، قَالَتْ: أُذَكِّرُكَ اللَّهَ أَنْ تَرُدَّ عَلَيَّ نَفْسِي بَعْدَ إِذْ بَذَلْتُهَا لَك واخترتك، قَالَ: مَالِي إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ، فَلَمَّا رَأَتْ تَأَبِّيهِ عَلَيْهَا قَالَتْ لِجَوَارِيهَا نَحِّينَ الثَّوْبَ عَنِّي، فَنَحَّيْنَ الثَّوْبَ فَإِذَا بِمثل الْقَمَر لأَرْبَع عشرَة، وَكَانَتْ مِنْ أَحْسِنِ النِّسَاءِ وَأَتَمِّهِنَّ وَكَانَ الْحَسَنُ صَاحِبَ نِسَاءٍ، فَلَمَّا رَأَى جَمَالَهَا، وَلَمْ يَكُنْ رَأَى مِثْلَهَا، أَخَذَتْ بِقَلْبِهِ، فَقَالَ: قَدْ رَضِيتُ وَقَبِلْتُ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَأَشْهَدَتْهُمْ أَنَّهَا قَدْ جَعَلَتْ أَمْرَهَا إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وأشهدهم أَنه قد تزَوجهَا علاى كَذَا وَكَذَا، وَبَلَغَ الْخَبَرُ مَرْوَانَ فَأرْسل إِلَى السحن فَحَبَسَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَحَبَسَهَا وَأَقَامَ عَلَيْهَا الرُّقَبَاءَ، وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ يُعْلِمُهُ أَنَّ الْحَسَنَ وَثَبَ فَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ عِلْمِ قاضٍ وَلا سلطانٍ وَلا وَلِيٍّ، جُرْأَةً عَلَيْكَ وَخِلافًا لَكَ، وَإِنِّي قَدْ أَمَرْتُ بِحَبْسِهِمَا إِلَى إِن يَأْتِين مِنْكَ رَأْيٌ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ: قَدْ فَهِمْتُ مَا كَتَبْتَ بِهِ فِي أَمْرِ الْحَسَنِ وَأَمْرِهَا، وَقَدْ أَجَبْتُكَ فِي ذَلِكَ بِكِتَابٍ بَعَثْتُ بِهِ إِلَيْكَ مَخْتُومًا، فَاجْمَعْ إِلَيْكَ ثَلاثِينَ رَجُلا مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ فُضَّ الْخَاتَمَ بِحَضْرَةِ الْحَسَنِ وَحَضْرَةِ الْقَوْمِ، ثُمَّ اقْرَأْ كِتَابِي وَاعْمَلْ بِمَا
стр. 557
فِيهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ مَرْوَانُ، فَإِذَا فِيهِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكَ كَتَبْتَ إِلَيَّ تَذْكُرُ مِنْ تَزْوِيجِ الْحَسَنِ بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ وَلا عِلْمِ سُلْطَانٍ، وَسَأَلْتَنِي أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكَ بِرَأْيِي فِيهِمَا وَمَكَانِهِمَا، وَلَعَمْرِي مَا بغل مِنْ أَمْرِ مُعَاوِيَةَ أَنْ يُحَرِّمَ شَيْئًا قَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ أَوْ يُحِلَّ شَيْئًا قَدْ حَرَّمَهُ اللَّهُ، وَالْحَسَنُ إِنَّمَا تَرَكَ أَنْ يُعْلِمَ السُّلْطَانَ لِمَخَافَتِهِ مِنِّي، لِمَا سَبَقَ مِنْ خِطْبَتِي الْمَرْأَةَ قَبْلَهُ، وَاخْتَارَتْهُ وَآثَرَتْهُ عَلَيَّ، فَإِذَا قَرَأْتَ كِتَابِي هَذَا فَخَلِّ عَنِ الْحَسَنِ، وَادْفَعْ إِلَيْهِ زَوْجَتَهُ، وَلا تَعَرَّضْ لَهُمَا فِي شيءٍ يُؤْذِيهِمَا، وَادْفَعْ إِلَى الْحسن مَا مَالِي قِبَلَكَ عَشَرَةَ آلافِ دِينَارٍ مَعُونَةً لَهُ عَلَى تَزْوِيجِهِ، وَادْفَعْ إِلَى زَوْجَتِهِ خَمْسَةَ آلافِ دِينَارٍ، وَأَحْسِنْ جِوَارَهُمَا، فَلَمَّا قَرَأَ مَرْوَانُ الْكِتَابَ قَبِلَ مَا أُمِرَ بِهِ وَأَعَانَهُمَا أَيْضًا مِنْ مَالِهِ، وَمَنَعَ مُعَاوِيَةُ عَنِ ابْنِ عامرٍ ابْنَتَهُ وَقَالَ: إِنَّمَا زَوَّجْتُكَ عَلَى أَنْ أَتزوّج امْرَأَتك وبنتي صغية حَتَّى تَبْلُغَ، فَاسْتَأْذَنَ ابْنُ عامرٍ لِلْحَجِّ وَأَتَى الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْحَسَنَ عَلَى بَابِهِ فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ فَسَلَّمَ، فَرَحَّبَ بِهِ السحن وَأَنْزَلَهُ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَامِرٍ: أَبَا مُحَمَّدٍ أَتَأْذَنُ فِي الدُّخُولِ عَلَى فَاطِمَةَ بِلَفْظِ أَبِي الْعَيْنَاءِ وَالسَّلامِ عَلَيْهَا؟ قَالَ: وَكَرَامَةً، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهَا هَذَا ابْنُ عَمِّكِ عَبْدُ اللَّهِ يُرِيدُ الدُّخُولَ عَلَيْكِ فَأْذَنِي لَهُ، فَأَذِنَتْ لَهُ وَجَلَسَتْ وَأَخَذَتْ زِينَتَهَا، ثُمَّ قَامَ الْحَسَنُ فَدخل عَلَيْهِ فَإِذَا هِيَ تَبْكِي، فَقَالَ الْحَسَنُ: يَا هَذَا قَدْ عَلِمْتُ مِثْلَ هَذَا، وَقَدْ صَيَّرَ اللَّهُ الأَمْرَ إِلَى مَا تُرِيدُ، وَأَنَا طَيِّبُ النَّفْسِ بِالنُّزُولِ عَنْهَا وَالتَّخْلِيَةِ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا غَيْرَ زَاهِدٍ فِيهَا وَلا قالٍ لَهَا، وَلَكِنْ كَرَاهَةَ مَسَاءَتِكَ، قَالَ ابْنُ عَامِرٍ: لَا وَاللَّهِ مَالِي بِذَاكَ مِنْ حَاجَةٍ، وَقَالَتْ هِيَ: وَاللَّهِ لَا أَرْجِعُ إِلَيْهِ وَقَدْ طَلَّقَنِي بِغَيْرِ ذَنْبٍ وَلا حدثٍ إِلا طَمَعًا فِي ابْنَةِ مُعَاوِيَةَ، قَالَ الْحَسَنُ: فَمَا بُكَاؤُكُمَا؟ قَالَتْ: ذَكَرْتُ ابْنَتِي حَيْثُ نَظَرْتُ إِلَى وَجْهِهِ، وَكَانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ مِنْهَا ابْنَةٌ، وَكَانَتْ عِنْدَ أَخَوَاتِ عَبْدِ اللَّهِ بِالْمَدِينَةِ. ثُمَّ كَشَفَ عَبْدُ اللَّهِ عَنْ شيءٍ تَحت ثَوْبه فغذا سَفَطَانِ فِي أَحَدِهِمَا جَوْهَرٌ وَفِي الآخِرِ دُرٌّ، فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ إِنَّ هَذَا شَيْءٌ كَانَ لِي عِنْدَهَا سَأَلْتُهَا عَنْهُ وَمَا أَطْمَعُ أَنْ تَرُدَّهُ عَلَيَّ، وَمَا أَظن أحدا تَسْخُو نَفْسُهُ عَنْ مِثْلِهِ، فَرَدَّتْهُ عَلَيَّ، فَأَقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَمَا أَخَذْتَ مِنْهُ
حَاجَتك، قَالَ الْحسن: مَالِي فِيهِ مِنْ حاجةٍ وَأَنْتَ أَحَقُّ بِمَا لَك، وَلَكِنْ حَاجَتِي إِلَيْكَ غَيْرُ هَذَا، أُحِبُّ أَنْ تُسْعِفَنِي بِهَا، قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ: ابْنَتُكَ هِيَ ابْنَتِي وَأُحِبُّ أَنْ تَضُمَّهَا إِلَى أُمِّهَا، قَالَ: هِيَ لَكَ، فَأَرْسَلَهَا إِلَيْهَا مِنْ سَاعَتِهَا فَحُمِلَتْ وَكُلُّ مَا كَانَ لَهَا مِنْ خَدَمٍ ومالٍ فَدَفَعَهَا إِلَى الْحَسَنِ. قَالَ الْحسن: مَالِي فِيهِ مِنْ حاجةٍ وَأَنْتَ أَحَقُّ بِمَا لَك، وَلَكِنْ حَاجَتِي إِلَيْكَ غَيْرُ هَذَا، أُحِبُّ أَنْ تُسْعِفَنِي بِهَا، قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ: ابْنَتُكَ هِيَ ابْنَتِي وَأُحِبُّ أَنْ تَضُمَّهَا إِلَى أُمِّهَا، قَالَ: هِيَ لَكَ، فَأَرْسَلَهَا إِلَيْهَا مِنْ سَاعَتِهَا فَحُمِلَتْ وَكُلُّ مَا كَانَ لَهَا مِنْ خَدَمٍ ومالٍ فَدَفَعَهَا إِلَى الْحَسَنِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ: فَأَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي وَكَانَ أَبُوهُ قَاضِي الْمَنْصُورِ قَالَ: لَمَّا طَلَّقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ هِنْدَ بِنْتَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وَلَهُ مِنْهَا ابْنَةٌ وَتَزَوَّجَهَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵇ فَلَمْ يَدْرِ مَا الْحِيلَةُ لَهَا لِمَا كَانَ فِي نَفْسِهِ مِنْهَا، فَبَعَثَ إِلَى ابْنَتِهِ لِيَقْبِضَهَا فَصَرفهُ السحن بِالرِّجَالِ فَكَلَّمَهُ وَكَانَ مِنْ قَوْلِهِ: ماحجر رجلٍ عِنْدِي أَشْرَفُ وَلا أَفْضَلُ مِنْ حِجْرِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵇، وَلَكِنَّهَا امْرَأَةٌ قَدْ بَلَغَتْ وَأُحِبُّ كَيْنُونَتَهَا عِنْدِي وَالأُنْسُ بِهَا، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ هِنْدٌ قَالَت لِلْحسنِ:
стр. 558
إِنِّي وَلَا لَهُ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَا يَدَعُهَا لأحدٍ إِلا لِي فَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ لأَنَّكَ الْمَأْمُونَةُ وَهُوَ الْمَأْمُونُ، وَكَانَ قَدْ قَبَضَ ابْنَتَهُ إِلَيْهِ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ: إِنِّي آتِيكَ لَيْلَةَ كَذَا وَكَذَا، فَأَقَامَ لَهَا ابْنُ عَامِرٍ فِي دَارِهِ الْخَارِجَةَ وَصَفَاءً بِالشَّمْعِ وَفِي قُبَّتِهِ الَّتِي كَانَ يسكنهَا من دراته وَصَائِفُ، وَجَلَسَ عَلَى سَرِيرٍ إِلَى بَابٍ خَلْفَهُ وَقَدْ بُسِطَ لَهُ، وَجَاءَتْ فَجَلَسَتْ أَسْفَلَ مِنْ سَرِيرِهِ، وَجَاءَتِ ابْنَتُهَا فَاعْتَنَقَتْهَا وَتَبَاكَيَا، فَقَالَتْ هِنْد لانب عَامِرٍ: إِنِّي جِئْتُكَ فِي بِنْتِي وَلا حِجْرَ لَهَا خَيْرٌ مِنْ حِجْرِي وَلا أَدَبَ أَنْفَعُ لَهَا مِنْ أَدَبِي، وَاللَّهِ إِنَّ أَحَبَّ مَا فِيهَا إِلَيَّ أَنَّهَا مِنْكَ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَهَبَهَا لِي وَتُشَفِّعَنِي فِيهَا فَعَلْتُ، قَالَ: هِيَ لَكِ، ثُمَّ دَعَا بِسَبَنِيَّةِ خزٍ فَمُلِئَتْ خَزًّا، وَدَعَا مِنْ أَصْنَافِ الثِّيَابِ بثوبٍ فَمَلأهُ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ، وَدَعَا بِأَرْبَعَةِ آلافِ دِينَارٍ وَحُلَلٍ مَا يُدْرَى مَا قَيْمَتُهَا ثُمَّ وَلَّى إِلَى الْبَابِ الَّذِي خَلْفَ سَرِيرِهِ فَقَامَ بَيْنَ الْبَابَيْنِ ثُمَّ قَالَ: لَكِ مَا بَيْنَ سَرِيرِي هَذَا إِلَى مَا دَخَلْتِ فِيهِ مِنْ مُلْكِي، فَانْصَرَفَتْ بِذَلِكَ الْمَتَاع المَال وَالرَّقِيقِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا، قَالَ أَبُو عُثْمَانَ وَأَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: كَانَ ابْنُ عَامِرٍ قَدِ اسْتَوْدَعَ هِنْدًا بِنْتَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرو أسفاظاً فِيهَا حُلِيٌّ كَثِيرٌ وَدُرٌّ وَجَوْهَرٌ لَمْ يَأْمَنْ عَلَيْهَا أَحَدًا غَيْرَهَا، وَطَلَّقَهَا وَهُوَ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ، وَهِيَ بِالْمَدِينَةِ، قَدِ انْتَقَلَتْ مِنْ مَنْزِلِهِ وَتَزَوَّجَهَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا ابْنُ عَامِرٍ يَطْلُبُ مَا اسْتَوْدَعَهَا، فَأَنْكَرَتِ الرَّسُولَ أَنْ يَكُونَ اسْتَوْدَعَهَا شَيْئًا أَوله عِنْدَهَا شَيْءٌ! فَلَمَّا كَثُرَتِ الرُّسُلُ فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ لَقِيَ ابْنُ عَامِرٍ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ ﵉، فَقَالَ لَهُ: كُنْتُ اسْتَوْدَعْتُ هِنْدًا وَدِيعَةً وَقَدْ أَرْسَلْتُ إِلَيْهَا فِيهَا، وَقَدْ سَبَقَ إِلَى قَلْبِي أَنَّ جَحْدَهَا لِمَنْ أَرْسَلْتُهُ مَحَبَّةَ أَنْ لَا يَفْشُوَ ذَلِكَ، وَأَنَّهَا لَا تُحِبُّ دَفْعَهُ إِلا إِلَيَّ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَأْذَنَ لِي عَلَيْهَا فَعَلْتُ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَجَاءَ الْحَسَنُ فَأَعْلَمَهَا أَنَّ ابْنَ عامرٍ بِالْبَابِ، فَشَدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا، فَلَمَّا دَخَلَ ابْنُ عَامِرٍ غَلَبَتْهُ الْعَبْرَةُ وَبَكَتِ الأُخْرَى قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ أَحَدُهُمَا، فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ لَمَّا رَأَى ذَلِكَ، إِنْ شِئْتُمَا كُنْتُ خَيْرَ مُحِلٍّ. فَقَالَ ابْنُ عَامِرٍ: إِذًا وَاللَّهِ لَا نَجْتَمِعُ أَبَدًا، فَسَأَلَهَا عَمَّا وَضَعَ عِنْدَهَا فَقَالَتْ: نَعَمْ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ لأُقِرَّ بِهِ لأحدٍ أَبَدًا وَلا أَدْفَعَهُ إِلَى سِوَاكَ أَبَدًا، يَا جَارِيَةُ ضَعِي لِي هُنَاكَ فِرَاشًا، فَوُضِعَ لَهَا فِرَاشٌ وَاسْتَقَرَّ مَجْلِسُهَا، ثُمَّ قَالَتْ: ارْفَعِي الْفِرَاشَ الَّذِي كَانَ تَحْتِي فَرُفِعَ ثُمَّ قَالَتْ: احْفِرِي، فَحَفَرَتْ تَحْتَ فِرَاشِهَا فَأَخْرَجَتْ تِلْكَ الأَسْفَاطَ بِخَاتَمِ ابْنِ عَامِرٍ لَمْ تُحَرَّكْ، فَقَالَت: واله مَا رَأَيْتُهَا وَمَا زِلْتُ أَنْقُلُهُ مَعِي حَيْثُ مَا كُنْتُ مَعَ فِرَاشِي، إِلَى أَنْ رَدَّهُ اللَّهُ إِلَيْكَ، قَالَ ابْنُ عَامِرٍ: خُذِي مِنْهُ مَا أَحْبَبْتِ، وَفَتَحَ بَعْضَهَا ليعطيها فحلقت لَا تَأْخُذُ مِنْهُ شَيْئًا، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ وَقَدْ قَبَضَ مَتَاعَهُ.
غُلَام يمازح أَبَا نواس وَهُوَ ضجر
حَدثنَا مُحَمَّد بْنُ الْقَاسِمِ الأَنْبَارِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو عَليّ بْن سعيد الشَّيْبَانِيّ قَالَ حَدَّثَنِي هَارُون بْن سُفْيَان مولى بجيلة قَالَ: كنت مَعَ أَبِي نواس يَوْمًا فِي بعض طرق بَغْدَاد وَهُوَ
стр. 559
ضجر قَلِيل النشاط، فجَاء غُلَام حسن الْوَجْه رائق، فَجعل يمازحه ويعبث بِهِ وَأَبُو نواس لَا يلْتَفت إِلَيْهِ، فَانْصَرف الْغُلَام وَهُوَ يَقُول: أَصبَحت وَالله يَا أَبَا نواس بَارِدًا، فَقَالَ لي أَبُو نواس أَمَعَك أَلْوَاح:؟ قلت، نعم، قَالَ اكْتُبْ:
اذْهَبْ نجوت من الهجاء ولذعه ... وَأما ولثغة أَحْمَد بْن نجاح
لَوْلَا فتور فِي كلامك يَشْتَهِي ... وترفقي لَك بعد واستملاحي
وتكسر فِي مقلتيك هُوَ الَّذِي ... عطف الْقُلُوب عَلَيْك بعد جماح
لعَلِمت أَنَّك لَا تمازح شَاعِرًا ... فِي ساعةٍ لَيست بِحِين مزاح
الْمجْلس السَّادِس وَالسَّبْعُونَ
معنى كل يَوْم هُوَ فِي شَأْن
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنْطَاكِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ يَعْنِي أَبَا الْحَارِثِ الرَّمْلِيَّ قَالَ حَدَّثَنَا صَفْوَان بْن صَالح الجمشقي قَالَ حَدَّثَنَا الْوَزِيرُ بْنُ صُبَيْحٍ الثَّقَفِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مَيْسَرَةَ بْنِ حَلْبَسٍ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " كُلَّ يومٍ هُوَ فِي شأنٍ " الرَّحْمَن: ٢٩ مِنْ شَأْنِهِ يَغْفِرُ ذَنْبًا وَيَكْشِفُ كَرْبًا وَيُجِيبُ دَاعيا وَيرْفَع قوما يضع آخَرِينَ.
قَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ رُوِّينَا هَذَا الْخَبَر من طَرِيق آخر وَفِيهِ: وَيُعْطِي سَائِلا. اللَّهُمَّ فَاجْعَلْنَا مِمَّنْ غَفَرْتَ ذَنْبَهُ وَكَشَفْتَ كَرْبَهُ، وَأَجَبْتَ دُعَاءَهُ وَأَعْطَيْتَهُ سُؤْلَهُ وَرَجَاءَهُ، وَمِمَّنْ تَرْفَعُهُ بِتَوْفِيقِكَ إِيَّاهُ لِطَاعَتِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، وَأَجِرْنَا أَنْ نَكُونَ مِمَّنْ تَضَعُهُ وَتَخْفِضُ قَدْرَهُ وَتَحُطُّ مَنْزِلَتَهُ لِتَقْصِيرِهِ فِي تَأْدِيَةِ حَقِّكَ وَمُخَالَفَتِهِ لأَمْرِكَ، وَاحْلُلِ الضَّيْعَةَ بِأَعْدَائِكَ وَأَعْدَائِنَا مِنَ الْعُتَاةِ الْمُسْرِفِينَ، وَالطُّغَاةِ الْمُتْرَفِينَ، وَالْبُغَاةِ الْجَبَّارِينَ، وَالْفَجَرَةِ، الظَّالِمِينَ، إِنَّكَ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ وَمُهْلِكُ الْكَفَرَةِ الضَّالِّينَ.
خِدَاش وَمذهب الخداشية
حَدثنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد قَالَ أخبرنَا عبد الأول عَن ابْن أَبِي خَالِد قَالَ: كَانَ خِدَاش صَاحب الخداشية يفْسد قوما من أهل الدعْوَة بِرَأْيهِ، وَهُوَ رَأْي
الخرمية ، إِبَاحَة الْمَحَارِم، وَكَانَ مِمَّن رأى هَذَا الرَّأْي مَالك بْن الْهَيْثَم والحريش بْن سليم الأعجمي، وَكَانَ خِدَاش يَقُول لَهُم: لَا صَوْم وَلَا صَلَاة وَلَا حج، وَيَقُول: إِنَّمَا تَأْوِيل الصَّوْم أَن يصام عَن ذكر الإِمَام وَلَا يُبَاح باسمه لأحد، وَالصَّلَاة الدُّعَاء للْإِمَام وَذكره وطاعته، الْحَج أَن تَحُجُّوا الإِمَام أَي تقصدوه فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَج إِلَى الْكَعْبَة دَرك، وَلَا فِي ترك الْأكل وَالشرب للصَّائِم مَنْفَعَة، وَلَا فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود طائل، فَلَا يَنْبَغِي أَن تمتنعوا مِمَّا تحبون من طَعَام أَو شراب أَو جماع أَو غير ذَلِك فِي كل حِين، وَلَا جنَاح عَلَيْكُم فِيهِ، ويتأول لَهُم من الْقُرْآن قَوْله : " لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا
стр. 560
اتَّقَوْا وَآمَنُوا " الْمَائِدَة: ٩٣ الْآيَة، وَكَانَ خِدَاش نَصْرَانِيّا بِالْكُوفَةِ ثُمَّ أسلم وَلحق بخراسان وَهُوَ الَّذِي يَقُول فِيهِ الشَّاعِر:
تَفَرَّقت الظباء على خداشٍ ... فَمَا يدْرِي خِدَاش مَا يصيد
قَالَ القَاضِي ﵀: وَقد كَانَ الْمَنْصُور عِنْد خُرُوج من خرج عَلَيْهِ ونهدوا لمحاربته تمثل بِهَذَا الْبَيْت عِنْد إِخْبَار بعض المخبرين لَهُ عَنْهُم.
الخرمية
وَأما رَأْي الخرمية هَذَا فقد كثر المتدينون بِهِ والعاملون عَلَيْهِ من غير أَن يعتقدوه دينا لَهُم، لكِنهمْ ركبُوا المجون والخلاعة، وانقادوا لدواعي نُفُوسهم الأمارة بالسوء الخداعة، وانهمكوا فِي الشَّهَوَات الخسيسة، واستثقلوا عبَادَة الله وطاعته المفضية بهم إِلَى الْمَرَاتِب النفيسة، وَالله نسْأَل التَّوْفِيق والعصمة.
الرشيد وأعرابي باقعة
حَدثنِي الْحُسَيْن بْن الْقَاسِم الكوكبي قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْفضل الرَّبَعيّ قَالَ حَدَّثَنِي أبي قَالَ: خرج الرشيد فِي بعض متنزهاته فَلَمَّا اسرع السّير فِي بعض البراري انْفَرد من النَّاس على نَحْو من ميل، فَرفع لَهُ خباء مَنْصُوب فأمه حَتَّى وقف عَلَيْهِ، فَإِذا فِيهِ أَعْرَابِي جَالس، فَسلم عَلَيْهِ الرشيد، فَرد عَلَيْهِ الْأَعرَابِي السَّلَام ثُمَّ رفع رَأسه إِلَيْهِ فَقَالَ: من أَنْت يَا حسن الْوَجْه؟ فَقَالَ لَهُ الرشيد: أَنا من أبْغض النَّاس إِلَى النَّاس، قَالَ الْأَعرَابِي: أَنْت إِذا من معد، قَالَ نعم، قَالَ: من أَي معد؟ قَالَ: من أبْغض معد ألى معد، قَالَ: فَأَنت إِذا من مُضر، قَالَ: نعم، قَالَ: فَمن أَي مُضر أَنْت؟ قَالَ: من أبْغض مُضر إِلَيّ مُضر، قَالَ: فَأَنت إِذا من كنَانَة، قَالَ: نعم، قَالَ: من أَي كنَانَة؟ قَالَ: من أبْغض كنَانَة إِلَى كنَانَة، قَالَ: فَأَنت إِذا من قُرَيْش، قَالَ: نعم، قَالَ: من أَي قُرَيْش أَنْت؟ قَالَ: من أبْغض قُرَيْش إِلَى قُرَيْش، قَالَ: فَأَنت إِذا من بني هَاشم، قَالَ نعم، قَالَ: فَمن أَي بني هَاشم أَنْت؟ قَالَ: من أبْغض بني هَاشم إِلَى بني هَاشم، قَالَ: فَأَنت إِذا من ولد الْعَبَّاس، قَالَ: نعم، قَالَ: فَمن أَي ولد الْعَبَّاس؟ قَالَ: من أبْغض بني الْعَبَّاس إِلَيّ بني الْعَبَّاس، قَالَ: فَوَثَبَ الْأَعرَابِي قَائِما ثُمَّ قَالَ: السَّلَام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته، وتوافت الجيوش، فَقَالَ الرشيد: احملوه قَاتله الله أَعْرَابِيًا مَا أدهاه!!
هِشَام بْن عبد الْملك يعْزل إِبْرَاهِيم المَخْزُومِي
حَدثنَا أَحْمَد بْن الْعَبَّاسِ الْعَسْكَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحسن الْأنْصَارِيّ قَالَ حَدَّثَنَا عبد الْعَزِيز بْن مُحَمَّد المَخْزُومِي قَالَ: كتب هِشَام بْن عبد الْملك إِلَى إِبْرَاهِيم بْن هِشَام المَخْزُومِي، وَكَانَ عَامله على الْحجاز: أما بعد فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد قلد مَا كَانَ ولاك من الْحجاز خَالِد بْن عبد الْملك، وَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ لم يعزلك حَتَّى كنت وإياه كَمَا قَالَ الْقطَامِي:
стр. 561
أُمُور مَا يدبرها حَكِيم ... بلَى فَنهى وهيب مَا استطاعا
وكلن الْأَدِيم إِذا تفرى ... بل وتعيبًا غلب الصناعا
وَإِنِّي وَالله مَا عزلتك حَتَّى لم يبْق من أديمك شَيْء أتمسك بِهِ.
فَلَمَّا ورد كِتَابه على إِبْرَاهِيم تغير وَجهه وَقَالَ: إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون، أَصبَحت الْيَوْم واليًا، وَأَنا السَّاعَة سوقة، فَقَامَ إِلَيْهِ رجل من بني أَسد بْن خُزَيْمَة فَقَالَ:
فَإِن تكن الْإِمَارَة عَنْك راحت ... فَإنَّك للهشام وللوليد
وَقد مر الَّذِي أَصبَحت فِيهِ ... على مَرْوَان ثُمَّ على سعيد
قَالَ: فَسرِّي عَنْهُ وَأحسن جَائِزَة الْأَسدي.
قَالَ القَاضِي: قَول هِشَام حَتَّى كنت وإياه عطف وإياه الَّذِي هُوَ النصب على التَّاء، وَهِي فِي مَوضِع رفع، لِأَنَّهُ من بَاب الْمَفْعُول مَعَه، كَقَوْلِهِم: مَا صنعت وإياكن وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
فَكَانَ وَإِيَّاهَا كحران لم يفق ... عَن المَاء إِذْ لاقاه حَتَّى تعذرا
أَبُو الْأسود يُرِيد وليدة
حَدثنَا يزْدَاد بْن عبد الرَّحْمَن قَالَ قَالَ أَبُو مُوسَى، يَعْنِي تينة، حَدَّثَنِي القحذمي قَالَ: جَاءَ أَبُو الْأسود الدؤَلِي إِلَى بحير بْن ريسان الحيمري فَقَالَ:
بحير بْن ريسان الَّذِي سَاد حميراً ... بأفعاله الدائرات تَدور
وَإِنِّي لأرجو من بحيرٍ وليدة ... وَذَاكَ على الْمَرْء الْكَرِيم يسير
فَقَالَ: يَا أَبَا الْأسود سألتنا على قدرك، وَلَو سألتنا لعى قَدرنَا مَا رَضِينَا بهَا لَك، قَالَ: إِمَّا لَا فا جعلهَا روقة أَي تعجب مَالِكهَا.
أَعْرَابِي ثكل تِسْعَة من أبنائه
حَدثنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عمَارَة الْمُسْتَمْلِي قَالَ حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِي قَالَ: رَأَيْت أَعْرَابِيًا بِمَكَّة يَصِيح واويلاه واثكلاه، فَقلت لَهُ: مَا ثكلك يَا أَعْرَابِي؟ قَالَ: ستعة من الذُّكُور فِي تسعةٍ من الشُّهُور كَأَنَّهُمْ البدور، قلت: لَا إخالك إِلَّا وَقد قلت فِي ذَلِك شعرًا، قَالَ: أجل، ثُمَّ أَنْشدني:
أَلا يزْجر الدَّهْر عَنَّا المنونا ... يوقي الْبَنَات وفني البنينا
وَكنت أَبَا تسعةٍ كالبدور ... قد فقأوا أعين الحاسيدنا
فَمروا على حادثات الزَّمَان ... كمر الدَّرَاهِم بالناقدينا
أضرّ بهم ريب هَذَا الْمنون ... حَتَّى أبادهم أجمعينا
وَحَتَّى بكاهم حسادهم ... فقد أقرحوا بالدموع الجفونا
وحسبك من حَادث بامرئ ... ترى حاسديه لَهُ راحمينا
стр. 562
أفتنت سعيدًا
حَدثنَا مُحَمَّد بْن مخلد قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن بكر بْن خَالِد قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس دَاوُد بْن رشيد قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو نميلَة عَن عَمْرو بْن زَائِدَة قَالَ حَدَّثتنِي امْرَأَة بني أَسد قَالَت: زففنا عروسًا فِي الْحَيّ، فمررنا بِسَعِيد بْن جُبَير والمغنية تَقول:
لَئِن فتنتني فَهِيَ بالْأَمْس أفتنت ... سعيدًا فأضحى قد قلى كل مُسلم
وَألقى مَفَاتِيح الْمَسَاجِد وَاشْترى ... وصال الغواني بِالْكتاب المنمنم
قَالَ ابْن مخلد فَقَالَ سعيد: كذب.
الْأَصْمَعِي يصحف فِي شعر الرَّاعِي
حَدثنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي قَالَ حَدَّثَنَا القَاسِم بْن إِسْمَاعِيل قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو ذفافة بْن سعيد بْن سلم الْبَاهِلِيّ قَالَ: قَرَأنَا على الْأَصْمَعِي شعر الرَّاعِي، فَمر فِي قصيدته مَا بَال دفك بالفراش مذيلا:
وَكَأن ريضها إِذا باشرتها ... كَانَت معودة الرحيل ذلولا
فَقُلْنَا لَهُ: مَا معنى باشرتها؟ قَالَ: ركبتها من الْمُبَاشرَة، فحكينا ذَلِك لأبي عُبَيْدَة فَقَالَ: صحف وَالله الْأَصْمَعِي، إِنَّمَا هُوَ إِذا يَا سرتها وَهَذَا كَقَوْل الآخر:
إِذا يوسرت كَانَت ذلولا أديبة ... وتحسبها إِن عوسرت لم تؤدب
قَالَ القَاضِي: الْأَمر فِي هَذَا لعمري كَمَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَة، واستشهاده فِيهِ صَحِيح على مَا وصف.
الْأَصْمَعِي لَا يأبه لاعتراض ابْن الْأَعرَابِي
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي قَالَ حَدَّثَنَا الطّيب بْن مُحَمَّد الْبَاهِلِيّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن سَعِيد بْن سلم الْبَاهِلِيّ قَالَ قَرَأنَا على الْأَصْمَعِي شعر العجاج، فَمر بِنَا:
من أَن تبدلت بآد آدا ... لم يَك يناد فأمسى إنادا
فقد أَرَانِي أصل القعادا
قَالَ: وَدخل ابْن الْأَعرَابِي فَأَوْمأ إِلَيْنَا: سلوه مَا القعاد، فَقَالَ: الشُّيُوخ الَّذين قعدوا عَن الْغَزل كبرا وَكَذَلِكَ هُوَ من النِّسَاء، فَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: أما القعاد من الرِّجَال فَصَحِيح، وَأما النِّسَاء فقواعد كَمَا قَالَ الله : " وَالْقَوَاعِدُ من النِّسَاء " النُّور: ٦٠ قَالَ: فو الله مَا الْتفت الْأَصْمَعِي إِلَيْهِ، ثُمَّ أنْشد للقطامي:
أبصارهن إِلَى الشبَّان مائلة ... وَقد أَرَاهُم عني غير صداد
فَمَا الْفرق بَين صداد وقعاد، فَمَا نطق ابْن الْأَعرَابِي بحرفٍ وَقَامَ فَخرج.
قَالَ القَاضِي: الْأَمر فِي هَذَا على مَا قَالَ الْأَصْمَعِي، وَقد أغفل ابْن الْأَعرَابِي إِنْكَاره مِنْهُ مَا أنكرهُ.
خطْبَة للحجاج بعد دير الجماجم
حَدثنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْكَلْبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغَلابِيُّ قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد، يَعْنِي ابْن عُبَيْد اللَّهِ بْن عَبَّاس، عَن عَطاء، يَعْنِي ابْن مُصعب، عَن عَاصِم قَالَ: خطب الْحجَّاج أهل الْعرَاق بعد دير الجماجم، فَقَالَ: يَا أهل الْعرَاق إِن الشَّيْطَان قد استبطنكم فخالط اللَّحْم وَالدَّم والعصب والمسامع والأطراف، ثُمَّ أفْضى إِلَى الأصماخ والأمخاخ، ثُمَّ ارْتَفع فعشش، ثُمَّ باض وفرخ، ثُمَّ دب ودرج، فحشاكم نفَاقًا وشقاقًا، وأشعركم خلافًا، اتخذتموه دَلِيلا تتبعونه، وَقَائِدًا تطيعونه، ومؤامراً تشاورونه، فَكيف تنفعكم تجربة أَو
стр. 563
ينفعكم بَيَان؟ ألستم أَصْحَابِي بالأهواز حَيْثُ رمتم الْمَكْر وأجمعتم على الْكفْر، وظننتم أَن الله يخذل دينه وخلافته، وَأَنا أرميكم بطرفي وَأَنْتُم تتسللون لِوَاذًا وتنهزمون سرَاعًا يَوْم الزاوية بِمَا كَانَ من فشلكم وتنازعكم وتخاذلكم وَبَرَاءَة الله مِنْكُم ونكوص وَلِيكُم، إِذا وليتم كَالْإِبِلِ الشاذة عَن أوطانها النوازع، لَا يسْأَل الْمَرْء عَن أَخِيه، وَلَا يلوي الشَّيْخ على بنيه، حِين عضكم السِّلَاح وتجشمتكم الرماح يَوْم ير الجماجم، وَمَا يَوْم دير الجماجم، بهَا كَانَت المعارك والملاحم ب؟:
ضربٍ يزِيل الْهَام عَن مقِيله ... وَيذْهل الْخَلِيل عَن خَلِيله
يَا أهل الْعرَاق: الكفرات بعد الفجرات، والغدرات بعد الخترات، والنزوة بعد النزوات، إِن بعثناكم إِلَى ثغوركم غللتم وجبنتم، وَإِن أمنتم أرجفتم وَإِن خِفْتُمْ نافقتم، لَا تتذكرون نعْمَة، وَلَا تشكرون مَعْرُوفا. هَل استخفكم ناكث أَو استغواكم غاوٍ أَو استفزكم عاصٍ أَو استنصركم ظَالِم أَو استعضدكم خَالع إِلَّا لبيتم ثُمَّ دَعوته وأجبتم صيحته، ونفرتم إِلَيْهِ خفافاً وثقالاً وفرسناناً ورجالا؟؟! يَا أهل الْعرَاق: هَل شغب شاغب أَو نعب ناعب أَو زفر زَافِر إِلَّا كُنْتُم أَتْبَاعه وأنصاره؟! يَا أهل الْعرَاق: ألم تنفعكم المواعظ؟ ألم تزجركم الوقائع؟ ألم يشدد الله عَلَيْكُم وطأته ويذقكم حر سَيْفه وأليم بأسه ومثلاته؟! ثمَّ الْتفت إِلَى أخل الشَّام فَقَالَ: يَا أهل الشَّام، إِنَّمَا أَنا لكم كالظليم الرامح عَن فِرَاخه يَنْفِي عَنْهَا القذر، ويباعد عَنْهَا الْحجر، ويكنها من الْمَطَر، ويحميها من الضباب ويحرسها من الذُّبَاب. يَا أهل الشَّام أَنْتُم الْجنَّة والرداء، وانتم الملاءة والحذاء، أَنْتُم الْأَوْلِيَاء وَالْأَنْصَار، والشعار دون الثار، بكم يذب عَن الْبَيْضَة والحوزة، وبكم ترمي كتائب الْأَعْدَاء ويهزم من عاند وَتَوَلَّى.
القَاضِي شُرَيْح يتَزَوَّج زَيْنَب التميمية
حَدثنَا أَبُو النَّضر الْعقيلِيّ قَالَ حَدَّثَنَا الْغلابِي قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الضَّحَّاك قَالَ حَدَّثَنَا الْهَيْثَم بْن عدي عَن الشّعبِيّ قَالَ، قَالَ لنا شُرَيْح: يَا شعبي عَلَيْكُم بنساء بني تَمِيم فَإِنَّهُنَّ النِّسَاء، قُلْنَا: وَكَيف ذَلِك يَا أَبَا أُميَّة؟ قَالَ: رجعت يَوْمًا من جنازةٍ مظْهرا فمررت بخباءٍ فَإِذا بِعَجُوزٍ مَعهَا جَارِيَة رؤد، فاستسقيت فَقَالَت: اللَّبن أعجب إِلَيْك أم المَاء أم النَّبِيذ؟ قَالَ قلت: اللَّبن أعجب إِلَيّ. قَالَت: يَا بنية اسقيه لَبَنًا فَإِنِّي أَظُنهُ غَرِيبا، فسقتني، فَلَمَّا شربت قلت: من هَذِه الْجَارِيَة؟ قَالَت: هَذِه بِنْتي زَيْنَب بنت حدير إِحْدَى نسَاء بني تَمِيم ثُمَّ من بني حَنْظَلَة ثُمَّ من بني طهية، قلت: أتزوجينيها، قَالَت: نعم إِن كنت كفؤنا، قَالَ: فَانْصَرَفت إِلَيّ منزلي، فامتنعت من القائلة، فَلَمَّا صليت الظّهْر وجهت إِلَى إخْوَانِي الثِّقَات: مَسْرُوق بْن الأجدع وَالْأسود بْن يزِيد فَصليت الْعَصْر ثُمَّ رحت إِلَى عَمها وَهُوَ فِي مَسْجده، فَلَمَّا رَآنِي تنحى لي عَن مَجْلِسه، فَقلت: أَنْت أَحَق بمجلسك، وَنحن طالبو حاجةٍ، فَقَالَ: مرْحَبًا بك يَا أَبَا أُميَّة، مَا حَاجَتك؟ قلت: إِنِّي ذكرت زَيْنَب بنت أَخِيك،
стр. 564
فَقَالَ: وَالله مَا بهَا عَنْك رَغْبَة وَلَا بك عَنْهَا مقصر، قَالَ: وتكلمت فَزَوجنِي ثُمَّ انصرفت فَمَا وصلت إِلَى منزلي حَتَّى نَدِمت وَقلت: مَاذَا صنعت بنفسي، فهممت أَن أرسل إِلَيْهَا بِطَلَاقِهَا، ثُمّ قلت: لَا أجمع بَين حمقتين، وَلَكِنِّي أضمها إِلَيّ، فَإِن رَأَيْت مَا أحب حمدت الله تَعَالَى، وَإِن تكن الْأُخْرَى طَلقتهَا. فَأرْسلت إِلَيْهَا بصداقها وكرامتها، فَلَمَّا أهديت إِلَيّ وَقَامَ النِّسَاء عَنْهَا قلت: يَا هَذِه إِن من السّنة إِذا أهديت الْمَرْأَة إِلَى زَوجهَا أَن تصلي رَكْعَتَيْنِ خَلفه ويسألا الله الْبركَة، فَقُمْت أُصَلِّي فَإِذا هِيَ خَلْفي، فَلَمَّا فرغت رجعت إِلَى مَكَانهَا، ومددت يَدي فَقَالَت: على رسلك، فَقلت: إِحْدَاهُنَّ وَرب الْكَعْبَة، فَقَالَت: الْحَمد لله وَصلى الله على مُحَمَّد وَآله، أما بعد، فَإِنِّي امْرَأَة غَرِيبَة، وَلَا وَالله مَا ركبت مركبا هُوَ أصعب عَليّ من هَذَا، وَأَنت رجل لَا أعرف أخلاقك، فخبرني بِمَا تحب آته وَبِمَا تكره أزدجر عَنْهُ، أَقُول قولي هَذَا، واستغفر الله لي وَلَك. قَالَ فَقلت: الْحَمد لله وَصلى الله على مُحَمَّد وَآله، أما بعد فقد قدمت خير مقدمٍ، قدمت على أهل دارٍ زَوجك سيد رِجَالهمْ، وَأَنت إِن شَاءَ الله سيدة نِسَائِهِم، أحب كَذَا وأكره كَذَا، قَالَت: فَحَدثني عَن أختانك، أَتُحِبُّ أَن يزوروك؟ قَالَ قلت: إِنِّي رجل قاضٍ وأكره أَن يملوني، وأكره أَن ينقطعوا عني، قَالَ: فأقمت مَعهَا سنة أَنا كل يومٍ اشد سُرُورًا مني بِالْيَوْمِ الَّذِي مضى، فَرَجَعت يَوْمًا من مجْلِس الْقَضَاء فَإِذا عَجُوز تَأمر وتنهي فِي منزلي، فَقلت: من هَذِه يَا زَيْنَب؟ قَالَت: هَذِه ختنتك، هَذِه أُمِّي، قلت: كَيفَ حالك يَا هَذِه؟ قَالَت: كَيفَ حالك يَا أَبَا أُميَّة، وَكَيف رَأَيْت أهلك؟ قَالَ قلت: كل الْخَيْر، قَالَت: إِن الْمَرْأَة لَا تكون أَسْوَأ خلقا مِنْهَا فِي حالتين: إِذا ولدت غُلَاما وَإِذا حظيت عِنْد زَوجهَا، فَإِن رَابَك من أهلك ريب فالسوط السَّوْط، قلت: أشهد أَنَّهَا ابْنَتك، قد كفيتني الرياضة وأحسنت الْأَدَب. فَكَانَت تجيئني فِي كل حولٍ مرّة فتوصي بِهَذِهِ الْوَصِيَّة ثُمَّ تَنْصَرِف، فاقمت مَعهَا عشْرين سنة مَا غضِبت عَلَيْهَا يَوْمًا وَلَا لَيْلَة، إِلَّا يَوْمًا وَكنت لَهَا ظَالِما وَذَلِكَ أَنِّي ركعت رَكْعَتي الْفجْر وأبصرت عقربًا فعجلت عَن قَتلهَا فكفأت عَلَيْهَا الْإِنَاء وبادرت إِلَى الصَّلَاة وَقلت: يَا زَيْنَب إياك والإناء، فعجلت إِلَيْهِ فحركته فضربتها الْعَقْرَب، فَلَو رَأَيْتنِي يَا شعبي وَأَنا أمص إصبعيها وأقرأ عَلَيْهِمَا المعوذتين، وَكَانَ لي جَار يُقَال لَهُ قيس بْن جرير لَا يزَال يقرع مريئته، فَعِنْدَ ذَلِك أَقُول:
رَأَيْت رجَالًا يضْربُونَ نِسَاءَهُمْ ... فشلت يَمِيني يَوْم أضْرب زينبًا
وَأَنا الَّذِي أَقُول:
إِذا زَيْنَب زارها أَهلهَا ... حشدت وأكرمت زوارها
وَإِن هِيَ زارتهم زرتها ... وَإِن لم تكن لي هوى دارها
يَا شعبي، فَعَلَيْك بنساء بني تَمِيم فَإِنَّهُنَّ النِّسَاء.
стр. 565
شُرُوح وتعليقات على خبر شُرَيْح
قَالَ القَاضِي: قَدْ رُوِّينَا خبر شُرَيْح فِي نِكَاحه زَيْنَب من غير طَرِيق، عثرنا على هَذَا مِنْهَا فأثبتناه، وَهُوَ كافٍ من غَيره. وَفِي بعض مَا روينَاهُ، بَيت يَلِي قَوْله:
رَأَيْت رجَالًا يضْربُونَ نِسَاءَهُمْ ... فشلت يَمِيني يَوْم أضْرب زينبًا
وَهُوَ:
وَزَيْنَب شمس وَالنِّسَاء كواكب ... إِذا طلعت لم تبْق مِنْهُنَّ كوكبا
قَالَ القَاضِي: وَقد أغار شُرَيْح فِي هَذَا الْبَيْت على قَول النَّابِغَة فِي مدح النُّعْمَان بْن الْمُنْذر:
ألم تَرَ أَن اللَّه أَعْطَاك سُورةً ... تَرى كُلّ ملكٍ دُونها يَتَذَبْذَبُ
فَإنَّك شمس والملوكُ كواكبُ ... إِذا طلعتْ لَمْ يَبْدُ مِنْهُنَّ كَوْكَبُ
قَالَ القَاضِي: قَوْله فِي الْخَبَر جَارِيَة رؤد يُرِيد وصفهَا بِأَنَّهَا فِي اقتبال شبابها كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
خمصانة قلق موشحها ... رؤد الشَّبَاب غلا بهَا عظم
وَقَوله: أهديت إِلَى زَوجهَا فِيهِ لُغَتَانِ: هديت الْعَرُوس إِلَى زَوجهَا هداء وَأهْديت إهداء، وَطرح الْألف أَكثر، فَكَأَنَّهُ من الْهِدَايَة لَا من الْهَدِيَّة، وَهُوَ أشبه وأليق بِالْمَعْنَى، وَمن الهداء قَول زُهَيْر:
فَإِن تكن النِّسَاء مخبآتٍ ... فَحق لكل محصنةٍ هداء
وَأما قَول زَيْنَب لشريح هَذِه ختنتك فقد تكلم فِي هَذَا قوم من الْفُقَهَاء واللغويين، وحاجة الْفُقَهَاء إِلَى معرفَة ذَلِك بَينه، وَإِذ قد يُوصي الْمَرْء لأصهار فلَان وأختانه؛ وَقد يحلف لَا يكلم أَصْهَار فلَان وأختانه، فَقَالَ قوم: يكون الْأخْتَان من قبل الرجل والأصهار من قبل الْمَرْأَة. وَذهب قوم فِي هَذَا إِلَى التَّدَاخُل والاشتراك وَهَذَا أصح المذهبين عِنْدِي، وَقد قَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بْن أبي طَالِب ﵇.
مُحَمَّد النَّبِي أخي وصهري ... أحب النَّاس كلهم إليا
وَالنَّبِيّ أَبُو زَوجته؛ ويدلك على هَذَا قَوْلهم: قد أصهر فلَان إِلَى فلَان، وَبَين الْقَوْم مصاهرة وصهر، فَجرى هَذَا مجْرى النّسَب والمناسبة فِي إجرائهما على الطَّرفَيْنِ والعبارة بهما عَن الْجِهَتَيْنِ، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: " وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصهراً " الْفرْقَان:٥٤ وَقد جَاءَ عَن أهل التَّأْوِيل فِي قَول الله تَعَالَى: " وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً " النَّحْل: ٧٢ أَقْوَال: قَالَ بَعضهم: هم الأصهار، وَقَالَ بَعضهم: هم الْأخْتَان، وَظَاهر هَذَا الْعَمَل على اخْتِلَاف الْمَعْنيين بِحَسب مَا ذهب إِلَيْهِ من قدمنَا الْحِكَايَة عَنْهُ، وَقد قَالَ: وَجَائِز أَن يكون عبر
следующие страницы →