Полный текст (740 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
أُمُور مَا يدبرها حَكِيم ... بلَى فَنهى وهيب مَا استطاعا
وكلن الْأَدِيم إِذا تفرى ... بل وتعيبًا غلب الصناعا
وَإِنِّي وَالله مَا عزلتك حَتَّى لم يبْق من أديمك شَيْء أتمسك بِهِ.
فَلَمَّا ورد كِتَابه على إِبْرَاهِيم تغير وَجهه وَقَالَ: إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون، أَصبَحت الْيَوْم واليًا، وَأَنا السَّاعَة سوقة، فَقَامَ إِلَيْهِ رجل من بني أَسد بْن خُزَيْمَة فَقَالَ:
فَإِن تكن الْإِمَارَة عَنْك راحت ... فَإنَّك للهشام وللوليد
وَقد مر الَّذِي أَصبَحت فِيهِ ... على مَرْوَان ثُمَّ على سعيد
قَالَ: فَسرِّي عَنْهُ وَأحسن جَائِزَة الْأَسدي.
قَالَ القَاضِي: قَول هِشَام حَتَّى كنت وإياه عطف وإياه الَّذِي هُوَ النصب على التَّاء، وَهِي فِي مَوضِع رفع، لِأَنَّهُ من بَاب الْمَفْعُول مَعَه، كَقَوْلِهِم: مَا صنعت وإياكن وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
فَكَانَ وَإِيَّاهَا كحران لم يفق ... عَن المَاء إِذْ لاقاه حَتَّى تعذرا
أَبُو الْأسود يُرِيد وليدة
حَدثنَا يزْدَاد بْن عبد الرَّحْمَن قَالَ قَالَ أَبُو مُوسَى، يَعْنِي تينة، حَدَّثَنِي القحذمي قَالَ: جَاءَ أَبُو الْأسود الدؤَلِي إِلَى بحير بْن ريسان الحيمري فَقَالَ:
بحير بْن ريسان الَّذِي سَاد حميراً ... بأفعاله الدائرات تَدور
وَإِنِّي لأرجو من بحيرٍ وليدة ... وَذَاكَ على الْمَرْء الْكَرِيم يسير
فَقَالَ: يَا أَبَا الْأسود سألتنا على قدرك، وَلَو سألتنا لعى قَدرنَا مَا رَضِينَا بهَا لَك، قَالَ: إِمَّا لَا فا جعلهَا روقة أَي تعجب مَالِكهَا.
أَعْرَابِي ثكل تِسْعَة من أبنائه
حَدثنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عمَارَة الْمُسْتَمْلِي قَالَ حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِي قَالَ: رَأَيْت أَعْرَابِيًا بِمَكَّة يَصِيح واويلاه واثكلاه، فَقلت لَهُ: مَا ثكلك يَا أَعْرَابِي؟ قَالَ: ستعة من الذُّكُور فِي تسعةٍ من الشُّهُور كَأَنَّهُمْ البدور، قلت: لَا إخالك إِلَّا وَقد قلت فِي ذَلِك شعرًا، قَالَ: أجل، ثُمَّ أَنْشدني:
أَلا يزْجر الدَّهْر عَنَّا المنونا ... يوقي الْبَنَات وفني البنينا
وَكنت أَبَا تسعةٍ كالبدور ... قد فقأوا أعين الحاسيدنا
فَمروا على حادثات الزَّمَان ... كمر الدَّرَاهِم بالناقدينا
أضرّ بهم ريب هَذَا الْمنون ... حَتَّى أبادهم أجمعينا
وَحَتَّى بكاهم حسادهم ... فقد أقرحوا بالدموع الجفونا
وحسبك من حَادث بامرئ ... ترى حاسديه لَهُ راحمينا
стр. 562
أفتنت سعيدًا
حَدثنَا مُحَمَّد بْن مخلد قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن بكر بْن خَالِد قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس دَاوُد بْن رشيد قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو نميلَة عَن عَمْرو بْن زَائِدَة قَالَ حَدَّثتنِي امْرَأَة بني أَسد قَالَت: زففنا عروسًا فِي الْحَيّ، فمررنا بِسَعِيد بْن جُبَير والمغنية تَقول:
لَئِن فتنتني فَهِيَ بالْأَمْس أفتنت ... سعيدًا فأضحى قد قلى كل مُسلم
وَألقى مَفَاتِيح الْمَسَاجِد وَاشْترى ... وصال الغواني بِالْكتاب المنمنم
قَالَ ابْن مخلد فَقَالَ سعيد: كذب.
الْأَصْمَعِي يصحف فِي شعر الرَّاعِي
حَدثنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي قَالَ حَدَّثَنَا القَاسِم بْن إِسْمَاعِيل قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو ذفافة بْن سعيد بْن سلم الْبَاهِلِيّ قَالَ: قَرَأنَا على الْأَصْمَعِي شعر الرَّاعِي، فَمر فِي قصيدته مَا بَال دفك بالفراش مذيلا:
وَكَأن ريضها إِذا باشرتها ... كَانَت معودة الرحيل ذلولا
فَقُلْنَا لَهُ: مَا معنى باشرتها؟ قَالَ: ركبتها من الْمُبَاشرَة، فحكينا ذَلِك لأبي عُبَيْدَة فَقَالَ: صحف وَالله الْأَصْمَعِي، إِنَّمَا هُوَ إِذا يَا سرتها وَهَذَا كَقَوْل الآخر:
إِذا يوسرت كَانَت ذلولا أديبة ... وتحسبها إِن عوسرت لم تؤدب
قَالَ القَاضِي: الْأَمر فِي هَذَا لعمري كَمَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَة، واستشهاده فِيهِ صَحِيح على مَا وصف.
الْأَصْمَعِي لَا يأبه لاعتراض ابْن الْأَعرَابِي
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي قَالَ حَدَّثَنَا الطّيب بْن مُحَمَّد الْبَاهِلِيّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن سَعِيد بْن سلم الْبَاهِلِيّ قَالَ قَرَأنَا على الْأَصْمَعِي شعر العجاج، فَمر بِنَا:
من أَن تبدلت بآد آدا ... لم يَك يناد فأمسى إنادا
فقد أَرَانِي أصل القعادا
قَالَ: وَدخل ابْن الْأَعرَابِي فَأَوْمأ إِلَيْنَا: سلوه مَا القعاد، فَقَالَ: الشُّيُوخ الَّذين قعدوا عَن الْغَزل كبرا وَكَذَلِكَ هُوَ من النِّسَاء، فَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: أما القعاد من الرِّجَال فَصَحِيح، وَأما النِّسَاء فقواعد كَمَا قَالَ الله : " وَالْقَوَاعِدُ من النِّسَاء " النُّور: ٦٠ قَالَ: فو الله مَا الْتفت الْأَصْمَعِي إِلَيْهِ، ثُمَّ أنْشد للقطامي:
أبصارهن إِلَى الشبَّان مائلة ... وَقد أَرَاهُم عني غير صداد
فَمَا الْفرق بَين صداد وقعاد، فَمَا نطق ابْن الْأَعرَابِي بحرفٍ وَقَامَ فَخرج.
قَالَ القَاضِي: الْأَمر فِي هَذَا على مَا قَالَ الْأَصْمَعِي، وَقد أغفل ابْن الْأَعرَابِي إِنْكَاره مِنْهُ مَا أنكرهُ.
خطْبَة للحجاج بعد دير الجماجم
حَدثنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْكَلْبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغَلابِيُّ قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد، يَعْنِي ابْن عُبَيْد اللَّهِ بْن عَبَّاس، عَن عَطاء، يَعْنِي ابْن مُصعب، عَن عَاصِم قَالَ: خطب الْحجَّاج أهل الْعرَاق بعد دير الجماجم، فَقَالَ: يَا أهل الْعرَاق إِن الشَّيْطَان قد استبطنكم فخالط اللَّحْم وَالدَّم والعصب والمسامع والأطراف، ثُمَّ أفْضى إِلَى الأصماخ والأمخاخ، ثُمَّ ارْتَفع فعشش، ثُمَّ باض وفرخ، ثُمَّ دب ودرج، فحشاكم نفَاقًا وشقاقًا، وأشعركم خلافًا، اتخذتموه دَلِيلا تتبعونه، وَقَائِدًا تطيعونه، ومؤامراً تشاورونه، فَكيف تنفعكم تجربة أَو
стр. 563
ينفعكم بَيَان؟ ألستم أَصْحَابِي بالأهواز حَيْثُ رمتم الْمَكْر وأجمعتم على الْكفْر، وظننتم أَن الله يخذل دينه وخلافته، وَأَنا أرميكم بطرفي وَأَنْتُم تتسللون لِوَاذًا وتنهزمون سرَاعًا يَوْم الزاوية بِمَا كَانَ من فشلكم وتنازعكم وتخاذلكم وَبَرَاءَة الله مِنْكُم ونكوص وَلِيكُم، إِذا وليتم كَالْإِبِلِ الشاذة عَن أوطانها النوازع، لَا يسْأَل الْمَرْء عَن أَخِيه، وَلَا يلوي الشَّيْخ على بنيه، حِين عضكم السِّلَاح وتجشمتكم الرماح يَوْم ير الجماجم، وَمَا يَوْم دير الجماجم، بهَا كَانَت المعارك والملاحم ب؟:
ضربٍ يزِيل الْهَام عَن مقِيله ... وَيذْهل الْخَلِيل عَن خَلِيله
يَا أهل الْعرَاق: الكفرات بعد الفجرات، والغدرات بعد الخترات، والنزوة بعد النزوات، إِن بعثناكم إِلَى ثغوركم غللتم وجبنتم، وَإِن أمنتم أرجفتم وَإِن خِفْتُمْ نافقتم، لَا تتذكرون نعْمَة، وَلَا تشكرون مَعْرُوفا. هَل استخفكم ناكث أَو استغواكم غاوٍ أَو استفزكم عاصٍ أَو استنصركم ظَالِم أَو استعضدكم خَالع إِلَّا لبيتم ثُمَّ دَعوته وأجبتم صيحته، ونفرتم إِلَيْهِ خفافاً وثقالاً وفرسناناً ورجالا؟؟! يَا أهل الْعرَاق: هَل شغب شاغب أَو نعب ناعب أَو زفر زَافِر إِلَّا كُنْتُم أَتْبَاعه وأنصاره؟! يَا أهل الْعرَاق: ألم تنفعكم المواعظ؟ ألم تزجركم الوقائع؟ ألم يشدد الله عَلَيْكُم وطأته ويذقكم حر سَيْفه وأليم بأسه ومثلاته؟! ثمَّ الْتفت إِلَى أخل الشَّام فَقَالَ: يَا أهل الشَّام، إِنَّمَا أَنا لكم كالظليم الرامح عَن فِرَاخه يَنْفِي عَنْهَا القذر، ويباعد عَنْهَا الْحجر، ويكنها من الْمَطَر، ويحميها من الضباب ويحرسها من الذُّبَاب. يَا أهل الشَّام أَنْتُم الْجنَّة والرداء، وانتم الملاءة والحذاء، أَنْتُم الْأَوْلِيَاء وَالْأَنْصَار، والشعار دون الثار، بكم يذب عَن الْبَيْضَة والحوزة، وبكم ترمي كتائب الْأَعْدَاء ويهزم من عاند وَتَوَلَّى.
القَاضِي شُرَيْح يتَزَوَّج زَيْنَب التميمية
حَدثنَا أَبُو النَّضر الْعقيلِيّ قَالَ حَدَّثَنَا الْغلابِي قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الضَّحَّاك قَالَ حَدَّثَنَا الْهَيْثَم بْن عدي عَن الشّعبِيّ قَالَ، قَالَ لنا شُرَيْح: يَا شعبي عَلَيْكُم بنساء بني تَمِيم فَإِنَّهُنَّ النِّسَاء، قُلْنَا: وَكَيف ذَلِك يَا أَبَا أُميَّة؟ قَالَ: رجعت يَوْمًا من جنازةٍ مظْهرا فمررت بخباءٍ فَإِذا بِعَجُوزٍ مَعهَا جَارِيَة رؤد، فاستسقيت فَقَالَت: اللَّبن أعجب إِلَيْك أم المَاء أم النَّبِيذ؟ قَالَ قلت: اللَّبن أعجب إِلَيّ. قَالَت: يَا بنية اسقيه لَبَنًا فَإِنِّي أَظُنهُ غَرِيبا، فسقتني، فَلَمَّا شربت قلت: من هَذِه الْجَارِيَة؟ قَالَت: هَذِه بِنْتي زَيْنَب بنت حدير إِحْدَى نسَاء بني تَمِيم ثُمَّ من بني حَنْظَلَة ثُمَّ من بني طهية، قلت: أتزوجينيها، قَالَت: نعم إِن كنت كفؤنا، قَالَ: فَانْصَرَفت إِلَيّ منزلي، فامتنعت من القائلة، فَلَمَّا صليت الظّهْر وجهت إِلَى إخْوَانِي الثِّقَات: مَسْرُوق بْن الأجدع وَالْأسود بْن يزِيد فَصليت الْعَصْر ثُمَّ رحت إِلَى عَمها وَهُوَ فِي مَسْجده، فَلَمَّا رَآنِي تنحى لي عَن مَجْلِسه، فَقلت: أَنْت أَحَق بمجلسك، وَنحن طالبو حاجةٍ، فَقَالَ: مرْحَبًا بك يَا أَبَا أُميَّة، مَا حَاجَتك؟ قلت: إِنِّي ذكرت زَيْنَب بنت أَخِيك،
стр. 564
فَقَالَ: وَالله مَا بهَا عَنْك رَغْبَة وَلَا بك عَنْهَا مقصر، قَالَ: وتكلمت فَزَوجنِي ثُمَّ انصرفت فَمَا وصلت إِلَى منزلي حَتَّى نَدِمت وَقلت: مَاذَا صنعت بنفسي، فهممت أَن أرسل إِلَيْهَا بِطَلَاقِهَا، ثُمّ قلت: لَا أجمع بَين حمقتين، وَلَكِنِّي أضمها إِلَيّ، فَإِن رَأَيْت مَا أحب حمدت الله تَعَالَى، وَإِن تكن الْأُخْرَى طَلقتهَا. فَأرْسلت إِلَيْهَا بصداقها وكرامتها، فَلَمَّا أهديت إِلَيّ وَقَامَ النِّسَاء عَنْهَا قلت: يَا هَذِه إِن من السّنة إِذا أهديت الْمَرْأَة إِلَى زَوجهَا أَن تصلي رَكْعَتَيْنِ خَلفه ويسألا الله الْبركَة، فَقُمْت أُصَلِّي فَإِذا هِيَ خَلْفي، فَلَمَّا فرغت رجعت إِلَى مَكَانهَا، ومددت يَدي فَقَالَت: على رسلك، فَقلت: إِحْدَاهُنَّ وَرب الْكَعْبَة، فَقَالَت: الْحَمد لله وَصلى الله على مُحَمَّد وَآله، أما بعد، فَإِنِّي امْرَأَة غَرِيبَة، وَلَا وَالله مَا ركبت مركبا هُوَ أصعب عَليّ من هَذَا، وَأَنت رجل لَا أعرف أخلاقك، فخبرني بِمَا تحب آته وَبِمَا تكره أزدجر عَنْهُ، أَقُول قولي هَذَا، واستغفر الله لي وَلَك. قَالَ فَقلت: الْحَمد لله وَصلى الله على مُحَمَّد وَآله، أما بعد فقد قدمت خير مقدمٍ، قدمت على أهل دارٍ زَوجك سيد رِجَالهمْ، وَأَنت إِن شَاءَ الله سيدة نِسَائِهِم، أحب كَذَا وأكره كَذَا، قَالَت: فَحَدثني عَن أختانك، أَتُحِبُّ أَن يزوروك؟ قَالَ قلت: إِنِّي رجل قاضٍ وأكره أَن يملوني، وأكره أَن ينقطعوا عني، قَالَ: فأقمت مَعهَا سنة أَنا كل يومٍ اشد سُرُورًا مني بِالْيَوْمِ الَّذِي مضى، فَرَجَعت يَوْمًا من مجْلِس الْقَضَاء فَإِذا عَجُوز تَأمر وتنهي فِي منزلي، فَقلت: من هَذِه يَا زَيْنَب؟ قَالَت: هَذِه ختنتك، هَذِه أُمِّي، قلت: كَيفَ حالك يَا هَذِه؟ قَالَت: كَيفَ حالك يَا أَبَا أُميَّة، وَكَيف رَأَيْت أهلك؟ قَالَ قلت: كل الْخَيْر، قَالَت: إِن الْمَرْأَة لَا تكون أَسْوَأ خلقا مِنْهَا فِي حالتين: إِذا ولدت غُلَاما وَإِذا حظيت عِنْد زَوجهَا، فَإِن رَابَك من أهلك ريب فالسوط السَّوْط، قلت: أشهد أَنَّهَا ابْنَتك، قد كفيتني الرياضة وأحسنت الْأَدَب. فَكَانَت تجيئني فِي كل حولٍ مرّة فتوصي بِهَذِهِ الْوَصِيَّة ثُمَّ تَنْصَرِف، فاقمت مَعهَا عشْرين سنة مَا غضِبت عَلَيْهَا يَوْمًا وَلَا لَيْلَة، إِلَّا يَوْمًا وَكنت لَهَا ظَالِما وَذَلِكَ أَنِّي ركعت رَكْعَتي الْفجْر وأبصرت عقربًا فعجلت عَن قَتلهَا فكفأت عَلَيْهَا الْإِنَاء وبادرت إِلَى الصَّلَاة وَقلت: يَا زَيْنَب إياك والإناء، فعجلت إِلَيْهِ فحركته فضربتها الْعَقْرَب، فَلَو رَأَيْتنِي يَا شعبي وَأَنا أمص إصبعيها وأقرأ عَلَيْهِمَا المعوذتين، وَكَانَ لي جَار يُقَال لَهُ قيس بْن جرير لَا يزَال يقرع مريئته، فَعِنْدَ ذَلِك أَقُول:
رَأَيْت رجَالًا يضْربُونَ نِسَاءَهُمْ ... فشلت يَمِيني يَوْم أضْرب زينبًا
وَأَنا الَّذِي أَقُول:
إِذا زَيْنَب زارها أَهلهَا ... حشدت وأكرمت زوارها
وَإِن هِيَ زارتهم زرتها ... وَإِن لم تكن لي هوى دارها
يَا شعبي، فَعَلَيْك بنساء بني تَمِيم فَإِنَّهُنَّ النِّسَاء.
стр. 565
شُرُوح وتعليقات على خبر شُرَيْح
قَالَ القَاضِي: قَدْ رُوِّينَا خبر شُرَيْح فِي نِكَاحه زَيْنَب من غير طَرِيق، عثرنا على هَذَا مِنْهَا فأثبتناه، وَهُوَ كافٍ من غَيره. وَفِي بعض مَا روينَاهُ، بَيت يَلِي قَوْله:
رَأَيْت رجَالًا يضْربُونَ نِسَاءَهُمْ ... فشلت يَمِيني يَوْم أضْرب زينبًا
وَهُوَ:
وَزَيْنَب شمس وَالنِّسَاء كواكب ... إِذا طلعت لم تبْق مِنْهُنَّ كوكبا
قَالَ القَاضِي: وَقد أغار شُرَيْح فِي هَذَا الْبَيْت على قَول النَّابِغَة فِي مدح النُّعْمَان بْن الْمُنْذر:
ألم تَرَ أَن اللَّه أَعْطَاك سُورةً ... تَرى كُلّ ملكٍ دُونها يَتَذَبْذَبُ
فَإنَّك شمس والملوكُ كواكبُ ... إِذا طلعتْ لَمْ يَبْدُ مِنْهُنَّ كَوْكَبُ
قَالَ القَاضِي: قَوْله فِي الْخَبَر جَارِيَة رؤد يُرِيد وصفهَا بِأَنَّهَا فِي اقتبال شبابها كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
خمصانة قلق موشحها ... رؤد الشَّبَاب غلا بهَا عظم
وَقَوله: أهديت إِلَى زَوجهَا فِيهِ لُغَتَانِ: هديت الْعَرُوس إِلَى زَوجهَا هداء وَأهْديت إهداء، وَطرح الْألف أَكثر، فَكَأَنَّهُ من الْهِدَايَة لَا من الْهَدِيَّة، وَهُوَ أشبه وأليق بِالْمَعْنَى، وَمن الهداء قَول زُهَيْر:
فَإِن تكن النِّسَاء مخبآتٍ ... فَحق لكل محصنةٍ هداء
وَأما قَول زَيْنَب لشريح هَذِه ختنتك فقد تكلم فِي هَذَا قوم من الْفُقَهَاء واللغويين، وحاجة الْفُقَهَاء إِلَى معرفَة ذَلِك بَينه، وَإِذ قد يُوصي الْمَرْء لأصهار فلَان وأختانه؛ وَقد يحلف لَا يكلم أَصْهَار فلَان وأختانه، فَقَالَ قوم: يكون الْأخْتَان من قبل الرجل والأصهار من قبل الْمَرْأَة. وَذهب قوم فِي هَذَا إِلَى التَّدَاخُل والاشتراك وَهَذَا أصح المذهبين عِنْدِي، وَقد قَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بْن أبي طَالِب ﵇.
مُحَمَّد النَّبِي أخي وصهري ... أحب النَّاس كلهم إليا
وَالنَّبِيّ أَبُو زَوجته؛ ويدلك على هَذَا قَوْلهم: قد أصهر فلَان إِلَى فلَان، وَبَين الْقَوْم مصاهرة وصهر، فَجرى هَذَا مجْرى النّسَب والمناسبة فِي إجرائهما على الطَّرفَيْنِ والعبارة بهما عَن الْجِهَتَيْنِ، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: " وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصهراً " الْفرْقَان:٥٤ وَقد جَاءَ عَن أهل التَّأْوِيل فِي قَول الله تَعَالَى: " وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً " النَّحْل: ٧٢ أَقْوَال: قَالَ بَعضهم: هم الأصهار، وَقَالَ بَعضهم: هم الْأخْتَان، وَظَاهر هَذَا الْعَمَل على اخْتِلَاف الْمَعْنيين بِحَسب مَا ذهب إِلَيْهِ من قدمنَا الْحِكَايَة عَنْهُ، وَقد قَالَ: وَجَائِز أَن يكون عبر
стр. 566
باللفظين عَن معنى وَاحِد، وَقد قَالَ بَعضهم: الحفدة الخدم، قَالَ الشَّاعِر:
حفد الولائد حَوْلهنَّ واسلمت ... بأكفهن أزمة الأجمال
وَقَالَ رؤبة يُخَاطب أَبَاهُ:
إِن بنيك لكرام نجده ... وَلَو دَعَوْت لأتوك حفده
أَي سرَاعًا إِلَى معاونتك وَاتِّبَاع أَمرك، وَمن هَذَا قَوْلهم: وَإِلَيْك نسعى ونحفد أَي نجد فِي عبادتك ونسعى فِي طَاعَتك.
الْمجْلس السَّابِع وَالسَّبْعُونَ
خطْبَة عمر فِي الْجَابِيَة واستجابته لدَعْوَة قسطنطين
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ الْحَارِثِ أَبُو النَّضر الْعقيلِيّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاق طَلْحَة بن عبد الله بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّلْحِيُّ النَّدِيمُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر أَحْمَد بْن مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ الْبَاهِلِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُبَيْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَطَاءِ بْنِ قَيْسٍ يَقُولُ حَدَّثَنِي أَبِي سُلَيْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ الْجَابِيَةَ لِفَرْضِ الْخَرَاجِ، وَذَلِكَ بَعْدَ وَقْعَةِ الْيَرْمُوكِ، قَالَ: فشهدته دَعَا بِكُرْسِيٍّ مِنْ كَرَاسِيِّ الْكَنِيسَةِ فَقَامَ عَلَيْهِ فَقَالَ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَامَ فِينَا فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَكْرِمُوا النَّاسَ، إِنَّ خِيَارَكُمْ أَصْحَابِي، أَلا ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، أَلا ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، أَلا ثُمَّ يَظْهَرُ الْكَذِبُ وَيَكْثُرُ الْحَلِفُ حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ وَإِنْ لَمْ يُسْتَحْلَفْ، وَيَشْهَدُ وَإِنْ لَمْ يُسْتَشْهَدْ، أَلا فَمَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَعَلَيْهِ بِالْجَمَاعَةَ. يَدُ رَبِّكُمْ مَعَ الْجَمَاعَةَ، أَلا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ ذِئْبُ بَنِي آدم، فَهُوَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، أَلا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَا تَحِلُّ لَهُ إِلا كَانَ الشَّيْطَانُ ثَالِثَهُمَا، أَلا وَمَنْ سَاءَتْهُ سَيِّئَاتُهُ وَسَرَّتْهُ حَسَنَاتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ. قُمْتُ فِيكُمْ بِقَدْرِ مَا قَامَ النَّبِيُّ ﷺ فِينَا.
ثُمَّ ارْتَحَلَ حَتَّى نَزَلَ أَذْرُعَاتٍ، وَقَدْ وَلَّى عَلَى الشَّامِ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، فَدَعَا بِغَدَائِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الثَّرِيدِ وُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ قَصْعَةٌ أُخْرَى، فَصَاحَ وَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَأَرْسَلَ يَزِيدُ إِلَى مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ صَاحِبَ أَمْرِهِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: مَا الَّذِي أَنْكَرْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: مَا بَالِي تُوضَعُ بَيْنَ يَدَيَّ قَصْعَةٌ ثُمَّ تُرْفَعُ وَتُوضَعُ أُخْرَى؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّكَ هَبَطْتَ أَرْضًا كَثِيرَةَ الأَطْعِمَةِ فَخِفْتُ عَلَيْكَ وَخَامَتَهَا، فَأَشِرْ إِلَى أَيِّهَا شِئْتَ حَتَّى أُلْزِمَكَهُ، فَأَشَارَ إِلَى الثَّرِيدِ، فَقَالَ قُسْطَنْطِينُ لِمُعَاوِيَةَ: جَادَ مَا خَرَّجْتَ مِنْهَا.
فَلَمَّا فرغ من غدائه قالم قُسْطَنْطِينُ وَهُوَ صَاحِبُ بُصْرَى بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدْ فَرَضَ عَلَيَّ الْخَرَاجَ فَاكْتُبْ لِي بِهِ، فَأَنْكَرَ عُمَرُ ذَلِكَ وَقَالَ: مَا فَرَضَ عَلَيْكَ؟ قَالَ: فَرَضَ عَلَيَّ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ وَعَبَاءَةً عَلَى كُلِّ جَلْجَلَةٍ يَعْنِي الْجَمَاجِمَ فَقَالَ عُمَرُ ﵁ لأبي عُبَيْدَة: مَا يَقُول هَذ١؟ قَالَ: كَذِبٌ، وَلَكِنِّي كُنْتُ صَالَحْتُهُ عَلَى مَا
стр. 567
ذَكَرَ لِيَسْتَمْتِعَ بِهِ الْمَسْلِمُونَ فِي شِتَائِهِمْ هَذَا، ثُمَّ تَقَدَّمُ أَنْتَ فَتَكُونُ الَّذِي يَفْرِضُ عَلَيْهِمُ الْخَرَاجَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَبُو عُبَيْدَةَ أَصْدَقُ عِنْدَنَا مِنْكَ، فَقَالَ قُسْطَنْطِينُ: صَدَقَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَكَذَبْتُ أَنَا، قَالَ: فَوَيْحَكَ، مَا أَرَدْتَ بِمَقَالَتِكَ؟ قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أَخْدَعَكَ، وَلَكِنْ أَفْرِضْ عَلَيَّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْتَ الآنَ، قَالَ: فَجَاثَاهُ النَّبَطِيُّ مُجَاثَاةَ الْخَصْمِ عَامَّةَ النَّهَارِ، فَفَرَضَ عَلَى الْغَنِيِّ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَعَلَى الْوَسَطِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا، وعَلى الْمُفلس المدقع اثْنَيْ عَشَرَ، وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ عُمَرُ أَنْ يُشَاطِرَهُمْ مَنَازِلَهُمْ وَيَنْزِلَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ، وَعَلَى أَنْ لَا يَضْرِبُوا بِنَاقُوسٍ، وَلا يَرْفَعُوا صَلِيبًا إِلا فِي جَوْفِ كَنِيسَةٍ، وَعَلَى أَنْ لَا يُحْدِثُوا إِلا مَا فِي أَيْديهم، وعَلى أَن لَا يقرُّوا خِنْزِيرًا بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَى أَنْ يُقْرُوا ضَيْفَهُمْ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَعَلَى أَنْ يَحْمِلُوا رَاجِلَهُمْ مِنْ رستاقٍ إِلَى رُسْتَاقٍ، وَعَلَى أَنْ يُنَاصِحُوهُمْ وَلا يَغِشُّوهُمْ، وَعَلَى أَنْ لَا يُمَالِئُوا عَلَيْهِمْ عَدُوًّا، فَمَنْ وفى لنا وَفينَا لَهُ منعناه مِمَّا نمْنَع نمنه نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا، وَمَنِ انْتَهَكَ شَيْئًا من ذَلِكَ اسْتَحْلَلْنَا بِذَلِكَ سَفْكَ دَمِهِ وَسِبَاءَ أَهْلِهِ وَمَالِهِ.
فَقَالَ لَهُ قُسْطَنْطِينُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اكْتُبْ لِي بِهِ كِتَابًا، قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ ذَكَرَ عُمَرُ فَقَالَ: إِنِّي أَسْتَثْنِي عَلَيْكَ مَعُرَّةَ الْجَيْشِ، فَقَالَ النَّبَطِيُّ: لَكَ ثِنْيَاكَ، وَقَبَّحَ اللَّهُ من أقَال:. فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ لَهُ قُسْطَنْطِينُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قُمْ فِي النَّاس فأعلمهم كتابك لي لِيَتَنَاهَوْا عَنْ ظُلْمِنَا وَالْفَسَادِ عَلَيْنَا، فقالم عُمَرُ فَخَطَبَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا بَلَغَ: مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ قَالَ النَّبَطِيُّ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِلُّ أَحَدًا، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: مَا يَقُولُ؟ قَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، شَيْئًا تَكَلَّمَ بِهِ، فَعَادَ عُمَرُ فِي الْخُطْبَةِ، ثُمَّ أَعَادَ النَّبَطِيُّ الْمَقَالَةَ، فَقَالَ: أَخْبِرُونِي مَا يَقُولُ، قَالُوا: إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِلُّ أَحَدًا، فَقَالَ عُمَرُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ عُدْتَ لأَضْرِبَنَّ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاكَ، وَمَضَى عُمَرُ فِي خُطْبَتِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ قَامَ قُسْطَنْطِينُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ فَاقْضِهَا لِي، فَإِنَّ لِي عَلَيْكَ حَقًّا، قَالَ: وَمَا حَقُّكَ عَلَيْنَا؟ قَالَ: إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَقَرَّ لَكَ بِالصَّغَارِ، قَالَ: وَمَا حَاجَتُكَ إِنْ كَانَ لَكَ فِيهَا مَنْفَعَةٌ فَعَلْنَا، قَالَ: تَغَدَّى عِنْدِي أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ، قَالَ: وَيْحَكَ إِنَّ ذَلِكَ يَضُرُّكَ، قَالَ: وَلَكِنَّهَا مَكْرُمَةٌ وَشَرَفٌ أَنَالُهُ، قَالَ: فَانْطَلِقْ حَتَّى نَأْتِيَكَ، فَانْطَلَقَ فَهَيَّأَ فِي كَنِيسَةِ بُصْرَي وَنُجُدِهَا وَهَيَّأَ فِيهَا الأَطْعِمَةَ وَقِبَابَ الْخَبِيصِ وَكَانُونًا عَلَيْهِ الْمِجْمَرُ، فَلَمَّا جَاءَ عُمَرُ وَأَصْحَابُهُ نَزَلُوا فِي بَعْضِ الْبَيَادِرِ، ثُمَّ خَرَجَ يَمْشِي وَتَبِعَهُ النَّاسُ وَالنَّبَطِيُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ بَدَا لِعُمَرَ فَقَالَ: لَا يَتَّبِعْنِي أَحَدٌ، وَمَضَى هُوَ وَالنَّبَطِيُّ، فَلَمَّا أَنْ دَخَلَ الْكَنِيسَةَ إِذَا هُوَ بِالسُّتُورِ وَالْبُسُطِ وَقِبَابِ الْخَبِيصِ وَالْمِجْمَرِ، فَقَالَ عُمَرُ لِلنَّبَطِيِّ: وَيْلَكَ، لَوْ نَظَرَ مَنْ خَلْفِي إِلَى مَا هَاهُنَا لَفَسَدَتْ عَلَيَّ قُلُوبُهُمْ، اهْتِكْ مَا أَرَى، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيَّ، قَالَ: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ نَأْكُلَ طَعَامَكَ فَاصْنَعْ مَا آمُرُكَ بِهِ، فَهَتَكَ السُّتُورَ وتزع الْبُسُطَ وَأَخْرَجَ عَنْهُ الْمِجْمَرَ، ثُمَّ قَالَ: اخْرُجْ إِلَى رِحَالِنَا فَأْتِنَا بِأَنْطَاعٍ، فَأَخَذَهَا عُمَرُ فَبَسَطَهَا فِي الْكَنِيسَةِ، ثُمَّ
стр. 568
عَمَدَ إِلَى ذَلِكَ الْخَبِيصِ وَمَا كَانَ هَيَّأَ فَعَكَسَ بَعْضَهُ عَلَى بعض وَقَالَ: أعتدك شَيْءٌ آخَرُ؟ قَالَ: نَعَمْ عِنْدَنَا بَقْلٌ وَشِوَاءٌ، قَالَ: إِيتِنِي بِهِ، فَأَخَذَهُ فَخَلَطَ الشِّوَاءَ بِالْخَبِيصِ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ وَجَعَلَ يَحْمِلُ بِيَدَيْهِ وَيَجْعَلُهُ عَلَى الأَنْطَاعِ.
قَالَ طَلْحَةُ فَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ: فَأَمْلَيْتُ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ فَزَادَنِي فِيهِ، قَالَ فَقَالَ النَّبَطِيُّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ هَذَا الطَّعَامَ لَا يُؤْكَلُ هَكَذَا، قَالَ فَقَالَ عُمَرُ: وَيْلٌ لَكَ وَلأَصْحَابِكَ إِذَا جَاءَ مَنْ يُحْسِنُ يَأْكُلُ هَذَا، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ النَّاسَ، فَجَاءُوا فَجَثَوْا عَلَى رُكَبِهِمْ وَأَقْبَلُوا يَأْكُلُونَ، فَرُبَّمَا وَقَعَتِ اللُّقْمَةُ مِنَ الْخَبِيصِ فِي فَمِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: إِنَّ هَذَا طَعَامٌ مَا رَأَيْنَاهُ، فَيَقُولُ عُمَرُ: وَيْلُكَ أَمَا تَسْمَعُ؟ كَيْفَ لَوْ رَأَوْا مَا رَأَيْتَ؟!
فَلَمَّا فَرَغُوا قَالَ النَّبَطِيُّ لِمُعَاوِيَةَ: إِنَّ الأَحْبَارَ وَالرُّهْبَانَ قَدِ اجْتَمَعُوا، وَهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَخْلاقٌ وَسِخَةٌ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَخْدَعَهُ حَتَّى يَنْزِعَهَا وَيَلْبَسَ ثِيَابًا حَتَّى يَقْضِيَ جُمْعَتَهُ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: أَمَّا أَنَا فَلا أَدْخُلُ فِي هَذَا بَعْدَ إِذْ نَجَوْتُ مِنْهُ أَمْسِ، فَقَالَ لَهُ النَّبَطِيُّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، ثِيَابُكَ قَدِ اتَّسَخَتْ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُعْطِينَاهَا حَتَّى نَغْسِلَهَا وَنَرَمُّهَا، قَالَ: نَعَمْ، فَغَسَلَ الثِّيَابَ وَتَرَكَهَا فِي الْمَاءِ، ثُمَّ هَيَّأَ لَهُ قَمِيصًا مَرَوِيًّا وَرِدَاءً قَصَبِيًّا فَلَمَّا حَضَرَتِ الْجُمُعَةُ قَالَ لَهُ عُمَرُ: إِيتِنِي بِثِيَابِي، فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا جَفَّتْ، وَنَحْنُ نُعِيرُكَ ثَوْبَيْنِ حَتَّى تَقْضِيَ جُمُعَتَكَ، فَقَالَ: أَرِنِي، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى الْقَمِيصِ قَالَ: وَيْحَكَ كَأَنَّمَا رُفِيَ هَذَا رَفْوًا، أَغْرِبْهُمَا عَنِّي وَائْتِنِي بِثِيَابِي، فَجَاءَ بِهَا تَقْطُرُ، فَجَعَلَ يَتَنَاوَلَهَا، وَجَعَلَ النَّبَطِيُّ يَأْخُذُ بِطَرَفِ الثَّوْبِ وَعُمَرُ بِالطَّرَفِ الآخَرِ وَيَعْصِرُهَا، ثُمَّ دَعَا بِكُرْسِيٍّ مِنْ كَرَاسِيِّ الْكَنِيسَةِ فَقَامَ عَلَيْهِ يَخْطُبُ النَّاسَ وَيَمْسَحُ ثِيَابَهُ وَيُمَدِّدُهَا، قَالَ: فَسَأَلَهُ أَيُّ شيءٍ كَانَتْ ثِيَابُهُ؟ قَالَ: غَزْلُ كتانٍ. قَالَ: وَجَاءَتِ الرُّهْبَانُ فَقَامُوا وَرَاءَ النَّاسِ وَعَلَيْهِمُ الْبَرَانِسُ تَبْرُقُ بَرِيقًا، وَمَعَهُمْ عِصِيٌّ فِيهَا تُفَّاحُ الْفِضَّةِ، وَمَعَهُمُ الْمَوَاكِبُ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَى هَيْئَتِهِ قَالُوا: أَنْتُمُ الرُّهْبَانُ!! لَا وَالله، وَلَكِنْ هَذِهِ الرَّهْبَانِيَّةُ، مَا أَنْتُمْ عِنْدَهُ إِلا مُلُوكٌ.
مشاطرة السكان بِدِمَشْق مَنَازِلهمْ
قَالَ: ثُمَّ ارتحل عمر حَتَّى أَتَى دمشق فشاطرهم مَنَازِلهمْ وكنائسهم، وَجعل يَأْخُذ الحيز القبلي من الْكَنِيسَة لمَسْجِد الْمُسلمين لِأَنَّهَا أنظف وَأظْهر، وَجعل يَأْخُذ هُوَ بِطرف الْحَبل وَيَأْخُذ النبطي بِطرف الْحَبل حَتَّى شاطرهم مَنَازِلهمْ، قَالَ: فَرُبمَا أزحف فَأخذ الْحَبل مِنْهُ فأعقبه. ففرغ عمر من دمشق وحمص وَبعث أَبَا عُبَيْدَة إِلَى قنسرين وحلب ومنبج، فَفعل بهَا كَمَا فعل عمر، وَرجع عمر من حمص إِلَى الْمَدِينَة.
عِيَاض بْن غنم وَصلح الرها
قَالَ: فَلَمَّا نزل أَبُو عُبَيْدَة منبج بعث عِيَاض بْن غنم فِي عشْرين فَارِسًا فَأتى الرها وَقد اجْتمع بهَا أهل الجزيرة من الأنباط، فَأَتَاهَا ابْن غنم فَوقف عِنْد بَابهَا الشَّرْقِي على فرس
стр. 569
أَحْمَر مَحْذُوف، فَأخْبرنَا أَحْمَد بْن مُعَاوِيَة عَن مُحَمَّد ابْن سُلَيْمَان بْن عَطاء، قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَن جدي عَمَّن سمع عياضًا وَهُوَ يَدعُوهُم إِلَى الْإِسْلَام فَأَبَوا عَلَيْهِ، فَعرض عَلَيْهِم الْجِزْيَة فأقروا، وَقد عرفُوا شَرط عمر بْن الخَطَّاب ﵁ على أهل الشَّام فَقَالُوا: نعم نقر على أَن نشترط، قَالَ: نعم فَاشْتَرَطُوا ونشترط، فَاشْتَرَطُوا كنائسهم الَّتِي فِي أَيْديهم على أَن يؤدوا خراجها وَمَا لَجأ إِلَيْهَا من طَائِر وصلمهم الَّتِي فِي كنيستهم قَالَ مُحَمَّد بْن سُلَيْمَان بْن عَطاء: الصلم الْخَشَبَة الَّتِي يَزْعمُونَ أَن عِيسَى بْن مَرْيَم ﵇ صلب عَلَيْهَا لم يقل صلبهم وسور مدينتهم، قَالَ عِيَاض: فَإِنِّي أشْتَرط أَنا أَيْضا، فأشترط عَلَيْهِم أَن يشاطرهم مَنَازِلهمْ وَينزل فِيهَا الْمُسْلِمُونَ، وَعَلَى أَنْ لَا يحدثوا كَنِيسَة إِلَّا مَا فِي أَيْديهم، وعَلى أَن لَا يرفعوا صليبًا وَلَا يضْربُوا بناقوسٍ إِلَّا فِي جَوف كَنِيسَة، وَأَن يقرُّوا ضيف الْمُسلمين يَوْمًا وَلَيْلَة، وعَلى أَن يحملوا راجل الْمُسلمين من رستاقٍ، إِلَى رُسْتَاقٍ وَعَلَى أَنْ لَا يعمروا خنزيرًا بَين ظهراني الْمُسلمين، وعَلى أَن يناصحوا الْمُسلمين وَلَا يغشوهم وَلَا يمالئوا عَلَيْهِم عدوا، وَمن وفى لنا وَفينَا لَهُ وَمَنَعْنَاهُ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا، وَمَنِ انْتَهَكَ شَيْئًا من ذَلِك استحللنا سفك دَمه وسباء أَهله وَمَاله، فَقَالُوا: اكْتُبْ بَيْننَا وَبَيْنك كتابا، فتورك عِيَاض على فرسه، فَلَمَّا فرغ قَالُوا: اشْهَدْ لنا، قَالَ: فَكتب شهد الله وَمَلَائِكَته وَكفى بِاللَّه شيهداً. وَدفع الْكتاب إِلَيْهِم فَدخل فِي شرطهم جَمِيع أهل الجزيرة. وَأما الأَرْض فَهِيَ للْمُسلمين وَأَنْتُم عمالهم فِيهَا.
تعليقات للْقَاضِي
قَالَ القَاضِي: قَوْله: فَمن أَرَادَ بحبوحة الْجنَّة يَعْنِي فضاءها وسعتها كَمَا قَالَ جرير:
قومِي تَمِيم هم الْقَوْم الَّذين هم ... ينفون تغلب عَن بحبوحة الدَّار
وَفِي هَذَا الْخَبَر أَن عمر بْن الْخطاب ﵁ جعل أهل الْجِزْيَة طَبَقَات، فَفرض على أغنيائهم مِقْدَارًا من الْجِزْيَة، وعَلى الْمُتَوَسّط مِنْهُم مِقْدَارًا متوسطًا بَين مَا فَرْضه على أعلاهم طبقَة وَمَا جعله على أدونهم فِي الوجد منزلَة، وَظهر ذَلِك من فعله واستفاض فِي الصَّحَابَة فَلم يظره من أحدهم إِنْكَار لَهُ وَلَا مُخَالفَة فِيهِ، ثُمَّ تلاه فِي ذَلِك أَئِمَّة أهل الْعلم بِالدّينِ فِي جَمِيع أَمْصَار الْمُسلمين، وَبِهَذَا نقُول؛ وَكَانَ الشَّافِعِي يرى أَلا يتَجَاوَز فِي قد الْجِزْيَة دِينَارا أَو عدله، واستقصاء الْكَلَام وَالْحجاج فِي هَذَا يطول، وَهُوَ مرسوم فِي موَاضعه من كتبنَا فِي الْفِقْه.
عمر يرحل لنَفسِهِ
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ بُهْلُولٍ أَبُو جَعْفَرٍ الأَنْبَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أبي قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى الطَّبَّاخُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَيْقَظْنَا لَيْلَةً وَقَدْ رَحَّلَ لَنَا رَوَاحِلَنَا وَهُوَ يَرْحَلُ لِنَفْسِهِ وَهُوَ يَقُولُ:
стр. 570
لَا يَأْخُذُ اللَّيْلُ عَلَيْكَ بِالْهَمِّ ... والبس لَهُ هَذَا الْقَمِيص واعم
وَكُنْ شَرِيكَ رافعٍ وَأَسْلَمَ ... ثُمَّ اخْدِمِ الأَقْوَامَ حَتَّى تُخْدَمِ
قَالَ فَقُلْتُ: رَحِمَكَ اللَّهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ أَيْقَظْتَنَا لَكَفَيْنَاكَ.
قَالَ القَاضِي: كَأَن أَبَا تَمام سمع هَذَا فَأخذ مِنْهُ قَوْله:
فَمن خدم الأقوام يَرْجُو نوالهم ... فَإِنِّي لم أخدمك إِلَّا لأخدما
وَقَوله: مؤمله حَتَّى مؤملا
قُمْت وَأَنا عمر وَرجعت وَأَنا عمر
وروينا فِي معنى مَا فعله عمر بْن الْخطاب ﵁ فِيمَا أَتَى هَذَا الْخَبَر بِهِ عَن بعض السّلف أَنه قَالَ لَا بن عمر بْن عبد الْعَزِيز: مَا رَأَيْت رجلا أكْرم من أَبِيك، سمرت مَعَه ذَات ليلةٍ فَخفت الْمِصْبَاح، فَقَامَ إِلَيْهِ فأصلحه، فَقلت لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هلا أمرت بإصلاحه، فَقَالَ: قُمْت وَأَنا عمر بْن عبد الْعَزِيز وَرجعت وَأَنا عمر بْن عبد الْعَزِيز.
إِنَّا لَا نتَّخذ الإخوان خولا
وَرُوِيَ نَحْو هَذَا عَن الأبرش الْكَلْبِيّ وَقد قَامَ ليصلح الْمِصْبَاح، فَقَالَ لَهُ صَاحب الْمجْلس: مَه لَيْسَ من الْمُرُوءَة أَن يستخدم الرجل ضَيفه؛ ويروى أَنه قَالَ: إِنَّا لَا نتَّخذ الإخوان خولا.
فَرْوَة بْن مسيك يفد على الرَّسُول
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْن دُرَيْد قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ قَالَ أخبرنَا الْأَصْمَعِي عَن أَبِي عَمْرو بْن الْعَلاء قَالَ: كَانَ بَيْنَ مُرَادٍ وَبَيْنَ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ قِتَالٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَاسْتَعَانَتْ بَنُو الْحَارِثِ بِهَمْدَانَ عَلَى مُرَادٍ، فَقُتِلَ مِنْ هَؤُلاءِ أَلْفٌ وَمِنْ هَؤُلاءِ أَلْفٌ، وَذَلِكَ يَوْمَ الرَّزْمِ، فَدَخَلَ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَيْنَ كُنْتَ عَنْ قَوْمِكَ يَوْمَ الرَّزْمِ؟ فَقَالَ فَرْوَةُ: يَا رَسُولَ الله:
إِن نَهْزِمْ فَهَزَّامُونَ قِدْمًا ... وَإِنْ نُهْزَمْ فَغَيْرُ مُهَزَّمِينَا
كَذَاكَ الْحَرْبُ صَوْلَتُهَا سِجَالٌ ... تَكِرُّ صُرُوفُهَا حِينًا فَحِينَا
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا أَرَدْتُ هَذَا، وَأَنَّ الَّذِي أُصِيبَ بِهِ قَوْمُكَ هُوَ الَّذِي حَرَّضَهُمْ عَلَى الإِسْلامِ.
أَنْت الَّذِي يكذب من يحدث بأنعم الله ؟
حَدثنَا أَبُو طَالب الْكَاتِب عليّ بْن مُحَمَّد بْن الجهم قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْن مَنْصُور الزيَادي قَالَ حَدَّثَنَا عبد الرَّزَّاق قَالَ أَخْبَرَنَا معمر عَن زِيَاد بْن جبل عَن أَبِي كَعْب الْحَارِثِيّ، وَهُوَ ذُو الْإِدَاوَة، قَالَ: سمعته يَقُول: خرجت فِي طلب إبل لي ضوال، فتزودت لَبَنًا فِي إداوة، قَالَ ثُمَّ قلت فِي نَفسِي: مَا أنصفت رَبِّي فَأَيْنَ الْوضُوء؟ قَالَ: فهرقت اللَّبن وملأتها مَاء، فَقلت: هَذَا وضوء وَهَذَا شراب، قَالَ فَكنت أبغي إبلي فَإِذا أردْت أَن أتوضأ اصطببت من الْإِدَاوَة مَاء فَتَوَضَّأت، وَإِذا أردْت أَن أشْرب اصطببت لَبَنًا فَشَربته، فَمَكثت بذلك ثَلَاثًا فَقَالَت لَهُ أَسمَاء النجرانية: يَا أَبَا كَعْب أحقينًا كَانَ أم حليبًا، فَقَالَ: إِنَّك لظالمة، كَانَ
стр. 571
يعْصم من الْجُوع ويروي من الظمأ، أما إِنِّي حدثت بِهَذَا نَفرا من قومِي مِنْهُم عَليّ بْن الْحَارِث سيد بني قنان فَقَالَ: مَا أَظن الَّذِي تَقول كَأَن تَقول، قَالَ قلت: الله أعلم بذلك، قَالَ فَرَجَعت إِلَى منزلي فَبت لَيْلَتي تِلْكَ، قَالَ: فَإِذا أَنا بِهِ صَلَاة الصُّبْح على بَابي فَخرجت إِلَيْهِ، قَالَ فَقلت: يَرْحَمك الله لم تعنيت إِلَيّ؟ أَلا أرْسلت إِلَيّ فآتيك؟ قَالَ: لَا، فَإِنِّي أَحَق بذلك أَن آتِيك، مَا نمت اللَّيْلَة إِلَّا أَتَانِي آتٍ فَقَالَ: أَنْت الَّذِي يكذب من يحدث بأنعم الله؟! موقف الْمُتَكَلِّمين من الكرامات
قَالَ القَاضِي: قد أنكر جمَاعَة من الْمُتَكَلِّمين أَن يظْهر الله تَعَالَى من آيَاته مَا يخرج عَن عادات النَّاس على مُرُور الزَّمَان وكرور الْأَيَّام إِلَّا لنَبِيّ، علما لَهُ شَاهدا بصدقه ودليلا على صِحَة نبوته، أَو فِي زمَان نَبِي وَنَفَوْا جَوَاز هَذَا وَأَن يُؤَيّد بِهِ أحد من الْآدَمِيّين لَيْسَ بني وَإِن كَانَ على غَايَة الصّلاح فِي دينه، وَالطَّهَارَة فِي نَفسه وَقُوَّة يقينه، وَجُمْهُور الْمُعْتَزلَة من أَشد النَّاس دفعا لَهُ وتكذيبًا لمن حكى شَيْئا مِنْهُ، وَقد كَانَ أَبُو بكر ابْن الإخشيد يُجِيز هَذَا إِذا جرى على يَد من لَيْسَ بِنَبِي إِذْ أيد بِهِ على وَجه يرجع إِلَى تَصْدِيق النَّبِي ﷺ وَالشَّهَادَة بِصِحَّة رسَالَته وَأَبُو بكر من أماثل الْمُعْتَزلَة فِي علمه وَبَيَانه وَنَظره وتدينه. وَرَأَيْت بعض من شَاهَدْنَاهُ من نظاري الْمُعْتَزلَة وَذَوي التدين مِنْهُم يُجِيز إِظْهَار مثل ذَلِك، هَذَا للصالحين وعَلى أَيدي الْأَبْرَار المخلصين، وَفِي ذكر مَا يحْتَج بِهِ لأهل هَذَا القَوْل وَعَلَيْهِم وَإِثْبَات مَا رُوِيَ فِيهِ من الْأَخْبَار المستفيضة المنتشرة وَمَا حُكيَ عَمَّن ظَهرت عَدَالَته واشتهر علمه وأمانته طول لَيْسَ هَذَا مَوضِع اسْتِقْصَائِهِ، وَلَيْسَ هَذَا الْبَاب مِمَّا يَدْفَعهُ عقل وَلَا نظر وَلَا سمع وَلَا خبر.
وَقد كَانَ بعض الْمُتَكَلِّمين ورواة الْأَخْبَار من المتثبتين يجيزون ظُهُور هَذِه الْحَوَائِج على أَيدي الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ من أئمتهم وأئمة الدَّين بعدهمْ، وَيمْنَع من ظُهُورهَا على من يَدعِي النُّبُوَّة كَاذِبًا ويتدين دينا بَاطِلا، ويذهبون إِلَى أَن فِي تَجْوِيز ذَلِك إِفْسَاد الْأَدِلَّة وَالْتِبَاس الْحجَّة والتسوية بني ذَوي الْهدى والضلالة وَالْولَايَة والعداوة، وأجازوا ظُهُور هَذِه الْأَشْيَاء على يَد من يَدعِي الربوبية على وَجه الْفِتْنَة وتغليظ الْفِتْنَة، كَالَّذي رُوِيَ من أَمر الدَّجَّال وَأَنه يتبعهُ جنَّة ونارن وَقَالُوا: لَيْسَ فِي إضلال النَّاس وَلَا لبس فِي دينهم، لِأَن الْأَسْنَان مرسوم بِمَا لَا يَنْفَكّ مِنْهُ مِمَّا يدل على حَدثهُ وَأَنه مَخْلُوق كَائِن بعد أَن لم يكن، فَأَما الدَّجَّال فَإِنَّهُ مَعَ مَا فِيهِ من سمة الْحَدث الَّتِي يُشَارك فِيهَا سَائِر النَّاس مرمي بالعاهة الظَّاهِرَة لأعين الناظرين، النافية للشَّكّ فِي أمره عَن قُلُوب العاقلين. وَأما النُّبُوَّة فَصدق من يدعيها وَكذب من هُوَ مُبْطل فِي ادعائها، فَإِن هذَيْن الْفَرِيقَيْنِ مشتركان من جِهَة الْخلقَة وَالصُّورَة والهيئة الإنسانية.
الْمجْلس الثَّامِن وَالسَّبْعُونَ
حَدِيث الرَّسُول عَن فتْنَة الدَّجَّال
أخبرنَا القَاضِي أبن الْفَرَجِ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْجَرِيرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن الْحَجَّاجِ بْنِ فَرْقَدٍ الْقَطَّانُ قَالَ حَدَّثَنَا
стр. 572
إِسْمَاعِيلُ يَعْنِي ابْنَ رَجَاءٍ قَالَ حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ يَعْنِي ابْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ حَدَّثَ أَصْحَابَهُ حَدِيثًا غَلِيظًا حَتَّى فَاضَتْ أَعْيُنُ الْقَوْمِ يَنْتَحِبُونَ عَنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، ثُمَّ قَامَ عَنْهُمْ فَخَرَجَ وَهُمْ كَذَلِكَ، فَسَكَبْتُ لَهُ وَضُوءًا فِي الإِنَاءِ فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، وَالْوَضُوءُ يَقْطُرُ مِنْهُ، فَاعْتَمَدَ عَلَى عَارِضَتَيِ الْبَابِ ثُمَّ قَالَ: مَهْيَمْ، قَالَتْ أَسْمَاءُ: فَكُنْتُ جَارِيَةً نَاهِدًا جَرِيَّةً عَلَى مَسْأَلَتِهِ، فَقُلْتُ حِينَ لَمْ يُجِيبُوهُ: مَهْيَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَلَعْتَ قُلُوبَنَا بِالأَعْوَرِ الدَّجَّالِ وَقَدْ كَانَ حَدَّثَ الْقَوْمَ فِي حَدِيثِهِ عَنِ الدَّجَّالِ أَنَّهُ تَنْحَازُ إِلَيْهِ ثِمَارُ الأَرْضِ وَأَطْعِمَتُهَا فَقُلْتُ لَهُ: فَكَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ؟ وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْجِنُ عَجِينِي ثُمَّ مَا يَأْنِي لِي حَتَّى إِنِّي لأَخْشَى أَنْ يَفْتِنَنِي، تَعْنِي الْجُوع، قَالَ: لَا بَأْس، لَا بَأْسَ، إِنْ خَرَجَ وَأَنَا حَيٌّ فَأَنَا حَجِيجُهُ، وَإِنْ يَخْرُجْ بَعْدِي فَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ.
وَحَدَّثَنِي أَنَّ مِمَّا وَصَفَهُ بِهِ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَشْكَلَ عَلَيْكُمْ فِيهِ فَإِنَّهُ أَسْوَدُ جَعْدٌ أَعْوَرُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: كَافِرٌ، يقرأه كُلُّ مُسْلِمٍ كَاتِبٍ أَوْ غَيْرِ كَاتِبٍ.
قَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ رُوِيَ أَن التبي ﷺ ذكر لَهُ مَا يُقَالُ إِنَّهُ يَتْبَعُ الدَّجَّالُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَنَحْوِهِمَا، فَقَالَ: هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ.
وَالْأَخْبَار الْوَارِدَة فِي أَمر الدَّجَّال وظهوره ومهلكه كَثِيرَة جدا، ونسأل الله أَن يعيذنا من فتنته، ويجيرنا من ضلالته، ويعصمنا من فتْنَة الْمحيا وَالْمَمَات برحمته.
إِنَّهَا حسناء فَلَا تفرك
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاق ابْن بُهْلُولٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى قَالَ: سَمِعْتُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَانَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ فَإِذَا أَعْرَابِيٌّ طِوَالٌ عَلَى عُنُقِهِ مِثْلُ الْمَهَاةِ الْبَيْضَاءِ وَهُوَ يَقُولُ:
عُدْتُ لِهَذِي جَمَلا ذَلُولا ... مُوَطَّأً أَتَّبِعُ السُّهُولا
أَعْدِلُهَا بِالْكَفِّ أَنْ تَمِيلا ... أَحْذَرُ أَنْ تَسْقُطَ أَوْ تَزُولا
أَرْجُو بِذَاكَ نَائِلا جَزِيلا
فَقَالَ عُمَرُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، مَنْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ الَّتِي قَدْ وَهَبْتَ حَجَّكَ لَهَا؟ قَالَ: امْرَأَتِي، أَمَا وَاللَّهِ إِنَّهَا عَلَى ذَاك لحمقاء مرغمة، أكول قمامة، لَا يبْقى لَهَا حامة، وَلَكِنَّهَا حَسْنَاءُ فَلا تُفْرَكُ وَأُمُّ عيالٍ فَلا تُتْرَكُ، فَقَالَ عُمَرُ: فَشَأْنُكَ إِذًا بِهَا.
شُرُوح وتعليقات
قَالَ القَاضِي: قَوْله: مثل المهاة الْبَيْضَاء يَعْنِي الْبَقَرَة الوحشية، وَيُقَال للبلورة مهاة، وَكَأَنَّهُ قصد بِهَذَا القَوْل الْبَيَان عَن الصفاء وَالْحسن والضياء. وَيُقَال مَا لهَذَا الْعَيْش مهاه أَي نور وبهجة، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
стр. 573
وَلَيْسَ لعيشنا هَذَا مهاة ... وَلَيْسَت دَارنَا الدُّنْيَا بدار
يرْوى مهاة بتاءٍ فِي الْوَصْل يُوقف عَلَيْهَا بِالْهَاءِ، لِأَنَّهَا للتأنيث، وَهِي فعلة مثل حَصَاة ويروى مهاة على أَن الْهَاء أَصْلِيَّة وَهِي لَام الْفِعْل وَزنهَا فعال مثل سفاه. وَقَوله: أعدلها بالكف أَن تميلا قيل مَعْنَاهُ: عَن أَن تميل، والكوفيون يتأولونه بِمَعْنى لِئَلَّا تميل، وَقَالُوا مثل هَذَا فِي قَوْله تَعَالَى: " وَجَعَلْنَا فِي الأَرْض رواسي أَن تميد بكم " الْأَنْبِيَاء:٣١ أَنه بِمَعْنى أَلا تميد بكم، وَقَالُوا فِي قَوْله : " يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا النِّسَاء: ١٧٦ مَعْنَاهُ أَن لَا تضلوا. وأنشدوا فِي هَذَا قَول الشَّاعِر:
رَأينَا مَا يرى البصراء فِيهَا ... فالينا عَلَيْهَا أَن تباعا
أَي أَن لَا تبَاع.
وَأنكر البصريون هَذَا وَقَالُوا: الْمَعْنى يبين الله لكم كَرَاهِيَة أَن تضلوا وحملوا معنى الْبَيْت على نَحْو هَذَا الْوَجْه.
وَقَوله: إِنَّهَا لحمقاء مرغامة إِن كَانَت الرِّوَايَة هَكَذَا فَهُوَ من المراغمة، وَهِي المشاقة والمخالفة، وَإِن كَانَ الصَّحِيح من الرِّوَايَة مرعامة بِالْعينِ المبهمة فَهُوَ من الرعام وَهُوَ المخاط. رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنَّهُ قَالَ: صلوا فِي مرابض الْغنم وامسحوا رعامها فَإِنَّهَا من دَوَاب الْجنَّة. فَإِن كَانَت الرِّوَايَة هَكَذَا فَإِنَّهُ وصفهَا بالحمق، تَقول الْعَرَب: أَحمَق يمتخط بكوعه. وَمن قَالَ فِي الْخَبَر مرغامة بالغين الْمُعْجَمَة فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَن يَقُول رغامها بِفَتْح الْيَاء. وَقَوله: لَا تبقى لَهَا حامة أَي طَائِفَة تَطوف لإفنائها خبز بَيتهَا. وَقَوله: وَلكنهَا حسناء فَلَا تفرك زعم أهل الْعلم باللغة أَن الْعَرَب تَقول: فركت الْمَرْأَة زَوجهَا تفركه إِذا أبغضته، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي الرجل إِذا ابغض امْرَأَته: قد صلفت عِنْده، وَلَا يَقُولُونَ فركها. وَقد جَاءَ فِي هَذَا الْخَبَر حسناء فَلَا تفرك فَإِن كَانَ هَذَا الْكَلَام مَحْفُوظًا وَكَانَ رِوَايَة من يضْبط هَذَا ويوثق بنقله ومعرفته فَهُوَ صَحِيح مُسْتَعْمل، مسْقط لقَوْل من زعم أَنه مرفوض مهمل، وَإِن كَانَت الرِّوَايَة غير ثابتةٍ فَمَا ذكره اللغويون الَّذين عنوا بِكَلَام الْعَرَب وميزوا مستعمله من مهمله أولى بإتباعهم وَالْأَخْذ بروايتهم وَإِثْبَات مَا أثبتوه وَنفي مَا نفوه وأسقطوه. وَقد قيل إِن امْرأ الْقَيْس كَانَ مفركًا أَي تبْغضهُ النِّسَاء، وَيُقَال امْرَأَة فارك كَمَا قَالَ متمم بْن نُوَيْرَة:
أَقُول لهندٍ حِين لم أَرض فعلهَا ... أَهَذا دلال الْعِشْق أم فعل فارك
وَيجمع الفارك فوارك، مثل قَاعد وقواعد، وَطَالِق وطوالق، وطاهر وطواهر، كَمَا قَالَ ذُو الرمة:
إِذا اللَّيْل عَن نشزٍ تجلى رمينه ... بأبصار أَمْثَال النِّسَاء الفوارك
وَهَذَا من الْجمع المطرد فِي الْعَرَبيَّة سَمَاعا وَقِيَاسًا.
стр. 574
أسئلة عَليّ لِابْنِهِ الْحسن
حَدَّثَنَا بَدْرُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْحَضْرَمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ الطَّرِيقِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن عَبدِي اللَّهِ أَبُو رَجَاءٍ مِنْ أَهْلِ تُسْتَرَ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ الْوَاسِطِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ عَنِ الْحَارِثِ الأَعْوَرِ أَنَّ عليا ﵇ ساءل ابْنَهُ الْحَسَنَ ﵇ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ أَمْرِ الْمُرُوءَةِ، فَقَالَ: يَا بَنِيَّ مَا السَّدَادُ؟ قَالَ: يَا أَبَةِ السَّدَادُ دَفْعُ الْمُنْكَرِ بِالْمَعْرُوفِ، قَالَ: فَمَا الشَّرَفُ؟ قَالَ: اصْطِنَاعُ الْعَشِيرَةِ وَحَمْلُ الْجَرِيرَةِ، قَالَ: فَمَا الْمُرُوءَةُ؟ قَالَ: الْعَفَافُ وَإِصْلاحُ الْمَرْءِ مَالَهُ، قَالَ: فَمَا الدِّقَّةُ؟ قَالَ: النَّظَرُ فِي الْيَسِيرِ وَمَنْعُ الْحَقِيرِ، قَالَ: فَمَا اللُّؤْمُ؟ قَالَ: إِحْرَازُ الْمَرْءِ نَفْسِهِ وَبَذْلَهُ عُرْسِهِ مِنَ اللُّؤْمِ، قَالَ: فَمَا السَّمَاحَةُ؟ قَالَ: الْبَذْلُ فِي الْيُسْرِ وَالْعُسْرِ، قَالَ: فَمَا الشُّحُّ؟ قَالَ: أَنْ تَرَى مَا فِي يَدَيْكَ شَرَفًا وَمَا أَنْفَقْتُهُ تَلَفًا، قَالَ: فَمَا الإِخَاءُ؟ قَالَ: الْوَفَاءُ فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، قَالَ: فَمَا الْجُبْنُ؟ قَالَ: الْجُرْأَةُ عَلَى الصَّدِيقِ وَالنُّكُولُ عَنِ الْعَدُوِّ، قَالَ: فَمَا الْغَنِيمَةُ؟ قَالَ الرَّغْبَةُ فِي التَّقْوَى وَالزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا هِيَ الْغَنِيمَةُ الْبَارِدَةُ، قَالَ: فَمَا الْحِلْمُ؟ قَالَ: كَظْمُ الْغَيْظِ وَمَلْكُ النَّفْسِ، قَالَ: فَمَا الْغِنَى؟ قَالَ: رِضَى النَّفْسِ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهَا وَإِنْ قَلَّ فَإِنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ، قَالَ: فَمَا الْفَقْرُ؟ قَالَ: شَرَهُ النَّفْسِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، قَالَ: فَمَا الْمَنَعَةُ؟ قَالَ: شِدَّةُ الْبَاسِ وَمُنَازَعَةُ أَشَدِّ النَّاسِ، قَالَ: فَمَا الذُّلُّ؟ قَالَ الْفَزَعُ عِنْدَ الْمَصْدُوقَةِ، قَالَ: فَمَا الْجُرْأَةُ؟ قَالَ مُوَافَقَةُ الأَقْرَانِ، قَالَ: فَمَا الْكُلْفَةُ؟ قَالَ كَلامُكَ فِيمَا لَا يَعْنِيكَ، قَالَ: فَمَا الْمَجْدُ؟ قَالَ: أَنْ تُعْطِيَ فِي الْغُرْمِ وَأَنْ تَعْفُوَ عَنِ الْجُرْمِ، قَالَ: فَمَا الْعَقْلُ؟ قَالَ: حِفْظُ الْقَلْبِ عَنْ كُلِّ مَا اسْتَرْعَيْتَهُ، قَالَ: فَمَا الْخُرْقُ؟ قَالَ: مُعَادَاتُكَ لإِمَامِكَ وَرَفْعُكَ عَلَيْهِ كَلامَكَ، قَالَ: فَمَا السناء؟ قَالَ إيتان الْجَمِيلِ وَتَرْكُ الْقَبِيحِ، قَالَ: فَمَا الْحَزْمُ؟ قَالَ: طُولُ الأَنَاةِ وَالرِّفْقُ بِالْوُلاةِ وَالاحْتِرَاسُ مِنَ النَّاسِ بِسُوءِ الظَّنِّ هُوَ الْحَزْمُ، قَالَ: فَمَا السَّرْوُ؟ قَالَ: مُوَافَقَةُ الإِخْوَانِ وَحِفْظُ الْجِيرَانِ، قَالَ: فَمَا السَّفَهُ؟ قَالَ: اتِّبَاعُ الدَّنَاةِ وَمُصَاحَبَةُ الْغُوَاةِ، قَالَ: فَمَا الْغَفْلَةُ؟ قَالَ: تَرْكُكَ الْمَسْجِدَ وَطَاعَتُكَ الْمُفْسِدَ، قَالَ: فَمَا الْحِرْمَانُ؟ قَالَ: تَرْكُكَ حَظِّكَ وَقَدْ عُرِضَ عَلَيْكَ، قَالَ: فَمَا السَّيِّدُ؟ قَالَ: السَّيِّدُ الأَحْمَقُ فِي مَالِهِ الْمُتَهَاوِنُ فِي عِرْضِهِ، يَشْتُمُ فَلا يُجِيبُ الْمُتَحَرِّزُ بِأَمْرِ عَشِيرَتِهِ هُوَ السَّيِّدُ.
عَليّ يروي كَلِمَات للرسول
قَالَ ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ ﵇: يَا بُنَيَّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا فَقْرَ أَشَدُّ مِنَ الْجَهْلِ، وَلا مَالَ أَعْوَدُ مِنَ الْعَقْلِ، وَلا وَحْشَةَ أَوْحَشُ مِنَ الْعُجْبِ، وَلَا مُظَاهرَة أوثق من المشاروة، وَلا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ، وَلا حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ، وَلا وَرَعَ كَالْكَفِّ، وَلا عِبَادَةَ كَالتَّفَكُّرِ، وَلا إِيمَانَ كَالْحَيَاءِ وَالصَّبْرِ. وَآفَةُ الْحَدِيثِ الْكَذِبُ، وَآفَةُ الْعِلْمِ النِّسْيَانُ، وَآفَةُ الْحِلْمِ السَّفَهُ، وَآفَةُ الْعِبَادَةِ الْفَتْرَةُ، وَآفَةُ الظَّرْفِ الصَّلَفُ، وَآفَةُ الشَّجَاعَةِ الْبَغْيُ، وَآفَةُ السَّمَاحَةِ الْمَنُّ، وَآفَةُ
стр. 575
الْجَمَالِ الْخُيَلاءُ، وَآفَةُ الْحَسَبِ الْفَخْرُ. يَا بُنَيَّ لَا تَسْتَخِفَّنَّ بِرَجُلٍ تَرَاهُ أَبَدًا، فَإِنْ كَانَ أَكْبَرَ مِنْكَ فَعُدَّ أَنَّهُ أَبُوكَ، وَإِنْ كَانَ فِي مِثْلِ عُمْرِكَ فَهُوَ أَخُوكَ، وَإِنْ كَانَ أَصْغَرَ مِنْكَ فَاحْسِبْ أَنَّهُ ابْنُكَ. فَهَذَا مَا سَاءَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ابْنَهُ الْحَسَنَ ﵉ عَنْ أَشْيَاءَ مِنَ الْمُرُوءَةِ وَمَا أَجَابَهُ الْحَسَنُ ﵁.
تَعْلِيق القَاضِي
قَالَ القَاضِي: فِي هَذَا الْخَبَر من جوابات الْحسن أَبَاهُ عَمَّا ساءله عَنْهُ من الْحِكْمَة وجزيل الْفَائِدَة مَا ينْتَفع بِهِ من راعاه وَحفظه، ووعاه وَعمل بِهِ، وأدب نَفسه بِالْعَمَلِ عَلَيْهِ، وهذبها بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ، وتتوفر فَائِدَته بِالْوُقُوفِ عِنْده. وَفِيمَا رَوَاهُ فِي أضعافه أَمِير الْمُؤمنِينَ عَن النَّبِي ﷺ مَالا غنى بِكُل لَبِيب عليم ومدرهٍ حَكِيم عَن حفظه وتأمله، والمسعود من هدي لتقبله، والمجدود من وفْق لامتثاله وتقبله.
الْمُغيرَة بْن حبناء عِنْد طَلْحَة الطلحات
حَدثنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِم قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عُبَيْدَة قَالَ: قدم الْمُغيرَة بْن حبناء أحد بني مَالك بْن حَنْظَلَة على طَلْحَة الطلحات يطْلب صلته، فَأخْرج إِلَيْهِ حجري ياقوت فِي درجين فَقَالَ: أَيّمَا أحب إِلَيْك عشرَة آلَاف أَو الحجران؟ فَقَالَ: مَا كنت لأختار الْحِجَارَة على الدَّرَاهِم، فَأمر لَهُ بِعشْرَة آلَاف، ثُمَّ قَالَ: أَيهَا الْأَمِير إِن نَفسِي تنازعني إِلَى أحد الحجرين، فَدفعهُ إِلَيْهِ، فَأَنْشَأَ يَقُول:
أرى النَّاس غاضوا ثُمَّ فاضوا وَلَا أرى ... بني خلفٍ إِلَّا رواء الْمَوَارِد
إِذا نفعوا عَادوا لمن ينفعونه ... وكائن ترى من نَافِع غير عَائِد
فَألْقى إِلَيْهِ الْحجر الآخر.
أَعْرَابِي قَاتل اللُّصُوص وَنَجَا
حَدثنَا يزْدَاد بْن عبد الرَّحْمَن قَالَ قَالَ أَبُو مُوسَى يَعْنِي عِيسَى بْن إِسْمَاعِيل تينة حَدَّثَنِي الرياشي أَن لصوصاً وَقَعُوا على قوم فيهم أَعْرَابِي فسلبوهم ثِيَابهمْ، وَقَاتل الْأَعرَابِي حَتَّى نجا، فَأَنْشَأَ يَقُول:
سَائِلًا سَيفي هَل رويته ... حِين عز الرّيّ من هام اللُّصُوص
فر أَصْحَابِي وقاتلتهم ... باذلا نَفسِي لَهُم دون الْقَمِيص
كَاد يَدْعُو وينادي بَائِع ... من يفوز الْيَوْم بِالثَّوْبِ الرخيص
عمر بْن هُبَيْرَة يلجأ إِلَى يزِيد بْن الْمُهلب
ليحمل عَنْهُ غرما
حَدثنَا أَبُو النَّضر الْعُقَيْلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ طَلْحَة بْن مُحَمَّد الطلحي النديم قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُعَاوِيَة قَالَ، وقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْكُوفِي: أغرم سُلَيْمَان بْن عبد الْملك
стр. 576
عمر بْن هُبَيْرَة من غزاته فِي الْبَحْر ألف ألف دِرْهَم، فَمشى إِلَى يزِيد بْن الْمُهلب وَقد ولي الْعرَاق بعثمان بْن حَيَّان المري والقعقاع ابْن خَالِد الْعَبْسِي والهذيل بْن زفر بْن الْحَارِث الْكلابِي وَغَيرهم من قيس، فَلَمَّا انْتَهوا إِلَى بَاب سرادق يزِيد أذن لَهُم الْحَاجِب فِي دُخُوله، وأعلمهم أَنه يغسل رَأسه، فَلَمَّا فرغ خرج فِي سبنية فَألْقى نَفسه على فرشه ثُمَّ قَالَ: مَا ألف بَيْنكُم؟ فَقَالَ عُثْمَان: هَذَا ابْن هُبَيْرَة شَيخنَا وَسَيِّدنَا، كَانَ الْوَلِيد حمل مَعَه مَالا حَيْثُ وَجهه إِلَى الْبَحْر، فَأعْطَاهُ جنده، فَخرج عَلَيْهِ من غرمه ألف ألف دِرْهَم، فَقُلْنَا: يزِيد سيد أهل الْيمن ووزير لِسُلَيْمَان وَصَاحب الْعرَاق وَمن قد تحمل أَمْثَالهَا عَمَّن لَيْسَ مثلنَا، وَوَاللَّه لَو وسعتها أَمْوَال قيس لاحتملناها. ثُمَّ تكلم الْقَعْقَاع فَقَالَ: يَا ابْن الْمُهلب هَذَا خير سَاقه الله إِلَيْك، وَلَيْسَ أحد أولى بِهِ مِنْك، فافعل بِهِ كبعض فعلاتك الأول، فَلَنْ يصدك عَن قَضَاء هَذَا الْحق ضيق وَلَا بخل، وَقد أَتَيْنَاك مَعَ ابْن هُبَيْرَة فِيمَا حمل، فَهَب لنا أَمْوَالنَا واستر فِي الْعَرَب عورتنا. ثُمَّ تكلم الْهُذيْل بْن زفر فَقَالَ: يَا ابْن الْمُهلب، إِنِّي لَو وجدت من الممشى إِلَيْك بدا لما مشيت إِلَيْك، لِأَن أموالك بالعراق، وَإِنَّمَا أَتَيْتنَا خَائفًا، ثُمَّ أَقمت فِينَا ضيفًا، ثُمَّ تخرج من عندنَا محروبًا. وَايْم الله لَئِن تركناك بِالشَّام لنأتينك بالعراق، وَمَا هَا هُنَا أقرب فِي الحظوة وَأوجب للذمام. ثُمَّ تكلم ابْن خَيْثَمَة فَقَالَ: إِنِّي لَا أَقُول لَك يَا ابْن الْمُهلب مَا قَالَ هَؤُلَاءِ، أَخْبرنِي إِن أَنْت عجزت عَن احْتِمَال مَا عَليّ ابْن هُبَيْرَة فعلى من الْمعول، لَا وَالله ماعند قيس لَهُ فكاك، وَلَا فِي أَمْوَالهم متسع، وَلَا عِنْد الْخَلِيفَة لَهُ فرج. ثُمَّ تكلم ابْن هُبَيْرَة فَقَالَ: أما أَنا فقد قضيت حَاجَتي رددت أم أنجحت لِأَنَّهُ لَيْسَ لي أمامك مُتَقَدم وَلَا خَلفك مُتَأَخّر، وَهَذِه حَاجَة كَانَت فِي نَفسِي فقضيتها. فَضَحِك يزِيد بْن الْمُهلب وَقَالَ: إِن التَّعَذُّر أَخُو الْبُخْل، وَلَا أعْتَذر، فاحتكموا، فَقَالَ الْقَعْقَاع: نصف المَال، فَقَالَ يزِيد: قد فعلت، أرنا يَا غُلَام غداءك، قَالَ: فجيء بِالطَّعَامِ فأنكرنا مِنْهُ أَكثر مِمَّا عرفنَا، فَلَمَّا فَرغْنَا أَمر بتطييبنا وحملاننا وإجادة الْكسْوَة لنا، قَالَ: ثُمَّ خرجنَا، حَتَّى إِذا مَرَرْنَا قَالَ ابْن هُبَيْرَة: أخبروني عَمَّا بَقِي من يحملهُ بعد ابْن الْمُهلب؟ لقد صغر الله أقداركم وأخطاركم، وَالله مَا يدْرِي يزِيد مَا بَين النّصْف والتمام، وَمَا هما عِنْده إِلَّا سَوَاء، ارْجعُوا إِلَيْهِ فكلموه فِي الْبَاقِي، قَالَ: وَقد كَانَ يزِيد ظن بهم أَن سيرجعون إِلَيْهِ فِي التَّمام، فَقَالَ للحاجب: إِذا عَادوا فأدخلهم، فَلَمَّا عَادوا أدخلهم، فَقَالَ لَهُم يزِيد: إِن ندمتم أقلناكم، وَإِن استقللتم زدناكم، فَقَالَ لَهُ ابْن هُبَيْرَة: يَا ابْن الْمُهلب، إِن الْبَعِير إِذا أوقر أثقلته أذنَاهُ وَأَنا بِمَا بَقِي مثقل، فَقَالَ: قد حملتها عَنْك، ثُمَّ ركب إِلَى سُلَيْمَان فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّك إِنَّمَا رشحتني لتبلغ بَين وَإِنِّي لَا أضيق عَن شيءٍ اتَّسع لَهُ مَالك، وَمَا فِي أَيْدِينَا عوارٍ لَك تصطنع بهَا النَّاس وتبتني بهَا المكارم، وَلَوْلَا مَكَانك ظلعنا بالصغير. ثُمَّ قَالَ: إِنَّه أَتَانِي ابْن هُبَيْرَة فِي وُجُوه أَصْحَابه، فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَان: أمسك أَتَاك فِي مَال الله عِنْده، خب
стр. 577
ضَب، جموع منوع، خدوع هلوع، هيه فصنعت مَاذَا؟ قَالَ: حملتها عَنْهُ، قَالَ: احملها إِذا إِلَى بَيت مَال الْمُسلمين، قَالَ: وَالله مَا حملتها خدعة وَأَنا حاملها بِالْغَدَاةِ، ثُمَّ حملهَا فَلَمَّا أخبر سُلَيْمَان بذلك دَعَا يزِيد فَلَمَّا رَآهُ ضحك وَقَالَ: ذكت بك نَارِي، ووريت بك زنادي، غرمها عَليّ وحمدها لَك، قد وفت لي يَمِيني فَارْجِع المَال إِلَيْك، فَفعل.
حِين تَأتي حَمَّاد عجرد فِي اسْتِرْدَاد غُلَام آبق
حَدثنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم بْن خَلاد قَالَ أَخْبَرَنَا عمر بْن حَمَّاد عجرد وَكَانَ حَمَّاد يكنى بِهِ قَالَ: آخر شعرٍ قَالَه أَبِي أَنا كُنَّا بواسط فأبق لَهُ غُلَام فَبَلغنَا أَنه بِالْكُوفَةِ، فَوجه أَبِي فِي طلبه، فَأخْبرت أَنه عِنْد ابْن أخي إِسْحَاق بْن الصَّباح الْكِنْدِيّ، وَكَانَ على الْكُوفَة، فَلم أصل إِلَى الْغُلَام، فَكتبت إِلَى أَبِي بِخَبَرِهِ وَقلت: أنظر من يثقل على إِسْحَاق فَخذ كِتَابه يشفع لَك عِنْده، قَالَ: فَكتب إِلَيّ:
أما كتابك يَا بِي فَإِنَّهُ ... جزع وَلَيْسَ بحازمٍ من يجزع
أنظر وصيتي الَّتِي أوصيكها ... فاعمل بهَا إِن كنت مني تسمع
لَا تَطْلُبن إِلَى الْأَمِير شَفَاعَة ... إِن الشَّفَاعَة عِنْده لَا تَنْفَع
وَلَو أَن ذَلِك فِي الْحُكُومَة نافعي ... عِنْد الْأَمِير لَكَانَ لي من يشفع
لكنه وكثيرة آلاؤه ... وسماؤه بالغيث لَيست تقلع
إِن كَانَ يطْلب للصنيعة موضعا ... حسنا فعندي للصنيعة مَوضِع
مَا كَانَ إِسْحَاق ليصنع بِابْنِهِ ... فِي الحكم إِلَّا مثل مَا بك يصنع
فَإِذا قضى فاقنع فَإِن قَضَاءَهُ ... لي إِن قضى لي أَو عَليّ لمقنع
قَالَ الْحُسَيْن: فأنشدتها فِي مَسْجِد الْكُوفَة فتلقفها أهل الْكُوفَة فبلغت إِسْحَاق فَأرْسل إِلَيّ فَقَالَ: يَا ابْن أخير أَنْت هَاهُنَا مُقيم وَلم تعلمني؟ وَأمر بالغلام فَرد عَليّ ووصلني بِخَمْسِمِائَة دِرْهَم، فَانْصَرَفت إِلَى أَبِي فَوَجَدته قد مَاتَ.
أَقْوَال منثورة ومنظومة فِي المشورة
حَدثنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ قَالَ حَدَّثَنَا أبي عَن أَبِي جَعْفَر مُحَمَّد بْن عمرَان قَالَ يُقَال: توأم الرَّأْي خير من الْفَذ ورأي الثَّلَاثَة لَا ينْقض. قَالَ مُحَمَّد: وَيُقَال نصف عقلك مَعَ أَخِيك، يَعْنِي فِي المشاروة. قَالَ مُحَمَّد: وَيُقَال رَأْي الْفَذ لَا تَسْتَغْنِي بِهِ الْخَاصَّة وَلَا يصلح للعامة. قَالَ مُحَمَّد: وَيُقَال مَا هلك امْرُؤ عَن مشورةٍ وَلَا سعد امْرُؤ باستغناء بِرَأْي، وَإِذا أَرَادَ الله أَن يهْلك عبدا أغناه بِرَأْيهِ فَكَانَ أول مَا يهلكه، قَالَ الله : " وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ " آل عمرَان: ١٥٩ من غير حَاجَة مِنْهُ اليهم وَلَكِن لتبقى سنة، وَقَالَ الشَّاعِر:
стр. 578
خليلي لَيْسَ الرَّأْي فِي صدر واحدٍ ... أشيرا عَليّ الْيَوْم مَا تريان
وَقَالَ الآخر:
إِذا بلغ الرَّأْي المشورة فَاسْتَعِنْ ... بِرَأْي نصيح أَو نصيحة حَازِم
وَلَا تحسب الشورى عَلَيْك غَضَاضَة ... مَكَان الخوافي نَافِع للقوادم
فِي العجلة والبطء
وَحدثنَا مُحَمَّد بْن الْقَاسِم قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَن أَبِي جَعْفَر مُحَمَّد بْن عمرَان قَالَ يُقَال: بيتوا الرَّأْي يكْشف لكم عَن محضه. قَالَ وَيُقَال: العجلة تسلب الْوَقار. قَالَ وَيُقَال فِي مثلٍ: أسْرع تبطئ.
عتبَة بْن ربيعَة يعرض على الرَّسُول
أَن يكف عَن أمره
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ ابْن الأنبَاريّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ زِيَادٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ، قَالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي نَادِي قُرَيْشٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنْفَرِدٌ نَاحِيَةً: أُرِيدُ أَنْ أَقُومَ إِلَى محمدٍ فَأَعْرِضُ عَلَيْهِ أُمُورًا لِيَكُفَّ عَنْ أَمْرِهِ هَذَا فَأَيُّهَا شَاءَ أَعْطَيْنَاهُ إِذَا رَجَعَ لَنَا عَنْ هَذَا، فَقَالُوا لَهُ: شَأْنك أَبَا الْوَلِيدِ، وَكَانَ عُتْبَةُ سَيِّدًا حَلِيمًا فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ: يَا ابْن أَخِي إِنَّكَ مِنَّا بِحَيْثُ قَدْ علمت من السطة فِي النَّسَبِ وَالْمَكَانِ مِنَ الْعَشِيرَةِ وَإِنَّكَ قَدْ آتَيْتَ قَوْمَكَ بِمَا لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ قَوْمَهُ بِمِثْلِهِ: سَفَّهْتَ أَحْلامَنَا وَكَفَّرْتَ آبَاءَنَا وَعِبْتَ آلِهَتَنَا وَفَرَّقْتَ كَلِمَتَنَا، فَإِنْ كَانَ هَذَا لمالٍ بتغيه جَمَعْنَا لَكَ أَمْوَالَنَا حَتَّى تَكُونَ أَيْسَرَنَا، وَإِنْ كُنْتَ تَمِيلُ إِلَى الرِّئَاسَةِ رَأَّسْنَاكَ عَلَيْنَا وَلَمْ نَقْطَعْ أَمْرًا دُونَكَ، وَإِنْ كَانَ لِرَئِيٍّ من الْجِنّ بعتادك أَعْذَرْنَا فِي الْجِدِّ وَالاجْتِهَادِ حَتَّى ينْصَرف عَنْك فَإِن الرَّأْي يَحْمِلُ صَاحِبَهُ عَلَى مَا لَا يَصِلُ مَعَهُ إِلَى تَرْكِهِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاكِتٌ يَسْمَعُ، فَلَمَّا سَكَتَ عُتْبَةُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اسْمَعْ يَا أَبَا الْوَلِيدِ مَا أَقُولُ: " بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاته قراناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ " فصلت:١٤ وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آله فِي الْقِرَاءَةِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى السَّجْدَةِ، فَسَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَعُتْبَةُ مصغٍ يَسْتَمِعُ وَقَدِ اعْتَمَدَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، فَلَمَّا قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ الْقِرَاءَةَ قَالَ لَهُ: يَا أَبَا الْوَلِيدِ قَدْ سَمِعْتَ الَّذِي قَرَأْتُ عَلَيْكَ فَأَنْتَ وَذَاكَ. فَانْصَرَفَ عُتْبَةُ إِلَى قريشٍ فِي نَادِيهَا فَقَالُوا: لَقَدْ جَاءَكُمْ أَبُو الْوَلِيدِ بِغَيْر الْوَجْه الَّذِي مضى بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ. ثُمَّ قَالُوا: مَا وَرَاءَكَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مِنْ محمدٍ كَلامًا مَا سَمِعْتُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَاللَّهِ مَا هُوَ بِالشِّعْرِ وَلا السِّحْرِ وَلا الْكَهَانَةِ، فَأَطِيعُونِي فِي هَذِهِ وَأَنْزِلُوهَا بِي وَخَلُّوا مُحَمَدًّا وشأنه واعتزلوه فو الله
стр. 579
لَيَكُونَنَّ لِمَا سَمِعْتُ مِنْ قَوْلِهِ نَبَأٌ، فَإِنْ أَصَابَتْهُ الْعَرَبُ كَفَيْتُمُوهُ بِأَيْدِي غَيْرِكُمْ، وَإِنْ كَانَ مَلَكًا أَوْ نَبِيًّا كُنْتُمْ أَسْعَدَ النَّاسِ بِهِ لأَنَّ مُلْكَهُ مُلْكُكُمْ وَشَرَفَهُ شَرَفُكُمْ، فَقَالُوا: هَيْهَاتَ، سَحَرَكَ مُحَمَّدٌ يَا أَبَا الْوَلِيدِ، فَقَالَ: هَذَا رَأْيِي لَكُمْ فَاصْنَعُوا مَا شِئْتُمْ.
الرَّسُول يصف الْقُرْآن
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ وَهُوَ ابْنُ سَعْدَانَ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَطَاءٍ وَحَكِيمُ بْنُ نَافِعٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْهَجَرِيِّ عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ مَأْدُبَةُ اللَّهِ فَتَعَلَّمُوا مِنْ مَأْدُبَتِهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ. إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ حَبْلُ اللَّهِ، النُّورُ الْمُبِينُ وَالشِّفَاءُ النَّافِعُ، عِصْمَةٌ مَنْ تَمَسَّكَ بِهِ نَجَا، وَلا يَعْوَجُّ فَيُقَوَّمُ وَلا يَزِيغُ فَيُسْتَثْبَتُ وَلا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ وَلا يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ، فَاتْلُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْجُرُكُمْ عَلَى تِلاوَتِهِ بِكُلِّ حرفٍ عَشْرَ حسناتٍ. أَمَا إِنِّي لَا أَقُولُ لَكُمْ ألم حَرْفٌ وَلا أَلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ يَدْعُ أَنْ يَقْرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ وَإِنْ أصفر الْبيُوت صِفْرٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ.
على غير مرتاح لوُقُوع النَّاس فِي الْأَحَادِيث
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الأَنْبَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ قَالَ حَدَّثَنَا خَلَفٌ قَالَ حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَطَاءٍ، رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ: سَمِعْتُ حَمْزَةَ الزَّيَّاتَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي الْمُخْتَارِ الطَّائِيِّ عَنِ ابْنِ أَخِي الْحَارِثِ عَنِ الْحَارِثِ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا النَّاسُ قَدْ وَقَعُوا فِي الأَحَادِيثِ فَأَتَيْتُ عَلِيًّا ﵇ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَلا تَرَى النَّاسَ قَدْ وَقَعُوا فِي الأَحَادِيثِ فَأَتَيْتُ عَلِيًّا ﵇ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: أَوَ قَدْ فَعَلُوهَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ، قُلْتُ: فَمَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَنْ قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَنْ بَعْدَكُمْ وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، هُوَ الْفَصْلُ الَّذِي لَيْسَ بِالْهَزْلِ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جبارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، هُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الأَهْوَاءُ، وَلا تَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، وَلا تَلْتَبِسُ بِهِ الأَلْسُنُ، وَلا يَخْلُقُ عَنْ رَدٍّ، وَلا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ لَمَّا سَمِعَتْهُ غير أَن قَالُوا: " إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ " الْجِنّ: ١، ٢ مَنْ قَالَ بِهِ صِدْقٌ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدْلٌ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أَجْرٌ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، أَوْ قَالَ: مَنِ اعْتَصَمَ بِهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، خُذْهَا إِلَيْكَ يَا أَعْوَرُ.
من أعطي كل الْقُرْآن أوجزءاً مِنْهُ
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الْوَلِيدِ الْمُقْرِي أَبُو أَيُّوبَ الضَّبِّيّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَوَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ بِشْرِ بْنِ نُمَيْرٍ عَنِ الْقَاسِمِ مَوْلَى خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْحِمْصِيِّ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ أُعْطِيَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فَقَدْ أُعْطِيَ ثُلُثَ النُّبُوَّةِ، وَمن
стр. 580
أعطي ثلثا الْقُرْآن فقد أعطي ثلثا النُّبُوَّةِ، وَمَنْ أُعْطِيَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فَقَدْ أُعْطِيَ النُّبُوَّةَ كُلَّهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُوحَى إِلَيْهِ.
وَيُقَالُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ اقْرَأْ وَارْقَ فَيَقْرَأُ آيَةً وَيَصْعَدُ دَرَجَةً حَتَّى يُنْجِزَ مَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ اقْبِضْ فَيَقْبِضُ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ اقْبِضْ فَيَقْبِضُ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: أَتَدْرِي مَا فِي يَدَيْكَ؟ فَإِذَا فِي يَدِهِ الْيُمْنَى الْخُلْدُ وَفِي الْيُسْرَى النَّعِيمُ.
موعظة عَليّ لكميل بْن زِيَاد
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد الْمُقَدَّمِيّ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَرَّاقُ وَحَدَّثَنَا ابْن عَائِشَة قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَمِّهِ عَنْ كُمَيْلٍ، وَحَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْمَدَائِنِيُّ، وَالأَلْفَاظُ فِي الرِّوَايَتَيْنِ مُخْتَلِطَةٌ، قَالا، قَالَ كُمَيْلُ بْنُ زِيَادٍ النَّخَعِيُّ: أَخَذَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ بِيَدِي فَأَخْرَجَنِي إِلَى نَاحِيَةِ الْجَبَّانِ، فَلَمَّا أَصْحَرَ تَنَفَّسَ ثُمَّ قَالَ: يَا كُمَيْلُ إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا، احْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ: النَّاسُ ثَلاثَةٌ: عَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نجاةٍ، وَهَمِجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ غاوٍ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنور الْعلم وَلم يلجأوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ. يَا كُمَيْلُ الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ، وَالْعِلْمُ يَزْكُو عَلَى الإِنْفَاقِ وَالْمَالُ تُنْقِصُهُ النَّفَقَةُ. يَا كُمَيْلُ مَحَبَّةُ الْعَالِمِ دَيْنٌ يُدَانُ بِهِ، فِي كَسْبِهِ الْعِلْمِ لَذَّتُهُ فِي حَيَاتِهِ وَجَمِيلُ الأُحْدُوثَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَنَفَقَةُ الْمَالِ تَزُولُ بِزَوَالِهِ، وَالْعِلْمُ حَاكِمٌ وَالْمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ. يَا كُمَيْلُ مَاتَ خُزَّانُ الأَمْوَالِ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ: أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ، وَأَمْثَالُهُمْ فِي الْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ. إِن هَاهُنَا لَعِلْمًا وَأَشَارَ إِلَى صَدْرِهِ لَوْ أَصَبْتَ لَهُ حَمَلَةً. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ بَلَى أَصَبْتَهُ لَقِنًا غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَيْهِ يَسْتَعْمِلُ آلَةَ الدِّينِ فِي الدُّنْيَا وَيَسْتَظْهِرُ بِحُجَجِ اللَّهِ عَلَى أَوْلِيَائِهِ وَبِنِعَمِهِ عَلَى كِتَابِهِ، أَوْ مُنْقَادًا لِجُمْلَةِ الْحَقِّ لَا بَصِيرَةَ لَهُ فِي إِحْيَائِهِ، يَقْدَحُ الزَّيْغُ فِي قَلْبِهِ بِأَوَّلِ عارضٍ مِنْ شُبْهَةٍ، اللَّهُمَّ لَا ذَا وَلَا ذَاك، أَو منهوماً بِالذَّاتِ، سَلِسَ الْقِيَادِ فِي الشَّهَوَاتِ، وَمُغْرَمًا بِالْجمعِ والادخار، وليسا مِنْ رُعَاةِ الدِّينِ، أَقْرَبُ شَبَهًا بِهِمَا الأَنْعَامُ السَّائِمَةُ، وَكَذَلِكَ يَمُوتُ الْعِلْمُ بِمَوْتِ حَمَلَتِهِ.
ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ بَلَى، لَا تَخْلُو الأَرْضُ من قَائِم لله بحجةٍ إِمَّا ظَاهِرٌ مَشْهُورٌ وَإِمَّا خَائِفٌ مَغْمُورٌ، لِئَلا تَبْطُلَ حُجَجُ اللَّهِ وَبَيِّنَاتُهُ فِيكُمْ، وَأَيْنَ أُولَئِكَ؟ ألئك الأَقَلُّونَ عَدَدًا، الأَعْظَمُونَ قَدْرًا، بِهِمْ يحفظ الله حججه حَتَّى يُودِعُوهَا نُظَرَاءَهُمْ وَيَزْرَعُوهَا فِي قُلُوبِ أَشْبَاهِهِمْ، هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الأَمْرِ فَبَاشِرُوا رَوْحَ الْيَقِين، واستسهلوا هَا واستوعر الْمُتْرَفُونَ، وَأْنَسُوا بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الجاهلون، وصحبوا الدُّنْيَا بأرواحٍ مُعَلَّقَةٍ بِالْمحل الأَعْلَى. يَا كُمَيْلُ، أُولَئِكَ خُلَفَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، الدُّعَاةُ إِلَى دِينِهِ، هَاهْ وَاشَوْقًا إِلَى رُؤْيَتِهِمْ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكَ.
مَا رَأَيْت أَقرَأ لكتاب الله من عَليّ
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن زِيَاد قَالَ حَدثنَا حسني بْن الْأسود قَالَ حَدَّثَنَا يحيى بْن آدم
стр. 581
عَن أَبِي بكر بْن عَيَّاش عَنْ عَاصِم بْن أبي النجُود عَنْ أبي عَبْد الرَّحْمَن السُّلَميّ قَالَ: مَا رَأَيْت أحدا أَقرَأ لكتاب الله من عَليّ بْن أَبِي طَالب ﵇.
عَليّ لم يصب من الْفَيْء إِلَّا قَارُورَة
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَسَدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ الْفَرَجِ الرِّيَاشِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ الْعَلاءِ أَخِي أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵇ يَقُولُ: مَا أَصَبْتُ مِنْ فَيْئِكُمْ إِلا هَذِهِ الْقَارُورَةَ أَهْدَاهَا إِلَيَّ الدُّهْقَانُ بِضَمِّ الدَّالِ ثُمَّ أَتَى إِلَى بَيْتِ الْمَالِ فَقَالَ خُذْهُ وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
أَفْلَحَ مَنْ كَانَ لَهُ قَوْصَرَّةٌ ... يَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ يومٍ مَرَّةً
نيرزوا كل يَوْم
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَاضِي قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنِ السَّعِرِ التَّمِيمِيِّ قَالَ: أُهْدِيَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَالُوذَجَ فِي جَامٍ يَوْمَ النَّوْرُوزِ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا يَوْمُ النَّوْرُوزِ، فَقَالَ: نَيْرِزُوا كُلَّ يَوْمٍ، بِالْيَاءِ.
شعر لعبد الله بْن زِيَاد الْحَارِثِيّ
حَدثنَا أَبُو بكر ابْن دُرَيْد قَالَ أَنْشدني عمي قَالَ أنشدنا ابْن عَائِشَة لعبد الله بْن زِيَاد الْحَارِثِيّ:
لَا يبلغ الْمجد أَقوام وَإِن كرموا ... حَتَّى يذلوا وَإِن عزوا لأقوام
ويشتموا فترى الألوان مسفرة ... لَا عَفْو ذلٍ وَلَكِن عَفْو أَحْلَام
وَإِن دَعَا الْجَار لبوا عِنْد دَعوته ... فِي النائبات بإسراجٍ وإلجام
مستلئمين لَهُم عِنْد الوغي زجل ... كَأَن أسيافهم أغرين بالهام
شعر لأعرابي
أخبرنَا أَبُو بكر قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِم عَن الْعُتْبِي قَالَ سَمِعت أَعْرَابِيًا يَقُول:
إِذا كَانَ الْهياج سحبت دِرْعِي ... وَإِن كَانَ الرخَاء جررت بردي
وأبذل للخليل تلاد مَالِي ... وَإِن قل التلاد بذلت جهدي
وَأغْنِي فِي الحروب غناء مثلي ... وَلست بموحشٍ إِن كنت وحدي
شعر فِي الدعْوَة إِلَى الْفَضِيلَة
أنشدنا أَبُو بكر قَالَ أنشدنا السكن قَالَ أنشدنا مُحَمَّد بْن عباد:
إِذا عَثْرَة نابتْ صديقك فاغْتَنِمْ ... مَرَمّتَها فالدهرُ بِالنَّاسِ قلب
وبادر بِمَعْرُوف إِذا كنت قَادِرًا ... زَوَال اقتدارٍ أَوْ غَنِي عَنْك يعقب
إِذا كنت فِي الْأَمريْنِ تَأتي مُخَيّرا ... فأتقاهما لله أولى وَأوجب
стр. 582
وَآخر هديت السوء إِن كَانَ نازلا ... وَلَو سَاعَة إِن الْقُلُوب تقلب
وكف عَن السوءات لَا تقربنها ... فَكل مسيء محسن حِين يعتب
فكم فائتٍ فِي فَوته لَك خيرة ... وإدراكه لَو نلته لَك أعطب
وَكم مدركٍ أُمْنِية كَانَ داؤه ... بإدراكها والغيب عَنْهُ محجب
رشونا فَقضيت حاجتنا
حَدثنَا أَبُو بكر قَالَ أَخْبَرَنَا الرياشي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو معقل قَالَ سَمِعت عبد الله بن روبة قَالَ: كَانَت لنا حَاجَة إِلَى السُّلْطَان فاستشفعنا إِلَيْهِ فَلم يشفعنا فرشونا فَقضى حاجتنا فَقَالَ رؤبة:
لما رَأَيْت الشفعاء بلدوا ... وسألوا أَمِيرهمْ فأنكدوا
نامستهم برشوةٍ فأفردوا ... وَسَهل الله بهَا مَا شَدَّدُوا
غزل جميل لأبي حَيَّة
أنشدنا أَبُو بكر قَالَ أنشدنا عبد الرَّحْمَن عَن عَمه لأبي حَيَّة النميري:
إِذا هن ساقطن الْأَحَادِيث للفتى ... سُقُوط حَصى المرجان من سلك ناظم
رمين فأنفذن الْقُلُوب فَلَا ترى ... دَمًا مائرًا إِلَّا جرى فِي الحيازم
وخبرك الواشون أَن لَا أحبكم ... بلَى وستور الْبَيْت ذَات الْمَحَارِم
أصد وَمَا الصد الَّذِي تحسبينه ... عزاء بِنَا أَلا ابتلاع العلاقم
حَيَاء وبقيا أَن تشيع نميمة ... بِنَا وبكم أفٍ لأهل النمائم
أما إِنَّه لَو كَانَ غَيْرك أرقلت ... إِلَيْهِ القنا بالمرهفات اللهاذم
ويروى: أرقلت صعاد القنا بالراعفات الملاغم
وَلَكِن وَبَيت الله مَا طلا مُسلما ... كعز الثنايا واضحات المباسم
وَإِن دَمًا لَو تعلمين جنيته ... على الْحَيّ جاني مثله غير سَالم
جمع فأوعى وَسُئِلَ فأكدى
أخبرنَا أَبُو بكر قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي قَالَ: سُئِلَ المساحقي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ فَقَالَ: جمع فأوعى، وَسُئِلَ فأكدى، وَحكم فتعدى.
رَأْي ابْن الْمسيب فِي مصَارِع بني هَاشم
أخبرنَا أَبُو بكر قَالَ حَدَّثَنَا عبد الرَّحْمَن عَن عَمه قَالَ: ذكر لسَعِيد بْن الْمسيب مصَارِع بني هَاشم فَقَالَ: إِنِّي أَظن أَن الله جلّ اسْمه أَرَادَ أَن يطهر بهم بطن الأَرْض كَمَا عمر بهم ظهروها.
صَاحب يجيد تمزيق عرض صَاحبه
أخبرنَا أَبُو بكر قَالَ أنشدنا أَبُو حَاتِم عَنْ أبي عُبَيْدة:
стр. 583
لي صاحبٌ لَيْسَ يَخْلُو ... لِسَانه من جراحي
يجيد تمزيق عرضي ... على طَرِيق المزاح
يجود بِخَير أَو يهم بِهِ
أنشدنا أَبُو بكر قَالَ أنشدنا أَبُو حَاتِم عَنْ أبي عُبَيْدة عَنْ يُونُس:
فَتى لَا ترَاهُ الدَّهْر إِلَّا وَنَفسه ... تجود بخيرٍ أوتهم بِخَير
تيه الْغنى ومذلة الْفقر
أنشدنا أَبُو بكر قَالَ أنشدنا أَبُو عُثْمَان عَن التوزي عَن أَبِي عُبَيْدَة عَن يُونُس:
خلقان لَا أرْضى فعالهما ... تيه الْغَنِيّ ومذلة الْفقر
فَإِذا غنيت فَلَا تكن بطرًا ... وَإِذا افْتَقَرت فته على الدَّهْر
واصبر فلست بواجدٍ خلقا ... أدنى إِلَى فرج من الصَّبْر
أَربع ضائعة
حَدثنَا أَبُو بكر قَالَ سَمِعت الْأَصْمَعِي يَقُول قَالَ بعض الْحُكَمَاء: لاشيء أضيع من أَربع: مَوَدَّة تمنحها من لَا وَفَاء لَهُ، وبلاء تصطنعه عِنْد من لَا شكر لَهُ، وأدب تؤدب بِهِ من لَا ينْتَفع بِهِ، وسر تستودعه من لَا صيانه لَهُ.
قَول لسلم الخاسر أحسن مَا مدح بِهِ معن
أخبرنَا أَبُو بكر قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِم قَالَ سَمِعت أَبَا عُبَيْدَة يَقُول: بَلغنِي أَنه قيل لِمَعْنٍ بْن زَائِدَة مَا أحسن مَا مدحت بِهِ؟ قَالَ: بقول سلم الخاسر:
أبلغ الفتيان مالكة ... أَن خير الود مَا نفعا
إِن قرمًا من بني مطرٍ ... أتلفت كَفاهُ مَا جمعا
كلما عدنا لنائله ... عَاد فِي معروفه جذعا
عدم جَوَاب اللَّئِيم أَشد عَلَيْهِ من الشتم
أنشدنا أَبُو بكر ابْن الْأَنْبَارِي قَالَ أنشدنا أَحْمَد بْن عبيد قَالَ أنشدنا الْأَصْمَعِي:
وَمَا شَيْء أحب إِلَى لئيمٍ ... إِذا شتم الْكَرِيم من الْجَواب
متاركه اللَّئِيم بِلَا جوابٍ ... اشد على اللَّئِيم من السباب
شَدِيد عَادَة منتزعة
وَحدثنَا أَبُو بكر بْن الأنبَاريّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْمَرْزُبَان قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عمرَان الضَّبِّيّ قَالَ: كَانَت لأبي الْأسود الديلِي من مُعَاوِيَة نَاحيَة حَسَنَة، فوعده وَعدا فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو الْأسود:
لَا يكن برقك برقًا خلبًا ... إِن خير الْبَرْق مَا الْغَيْث مَعَه
لَا تهني بعد إِذْ أكرمتني ... فشديد عَادَة منتزعه
стр. 584
من مَشى فِي حَاجَة أَخِيه الْمُسلم
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَاجِيَةَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ العابدي المَخْزُومِي بِمَكَّة سنتة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنِ زَيْدٍ الْعَمِّيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ مَشَى فِي حَاجَةِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خطوةٍ سَبْعِينَ حَسَنَةً وَمَحَا عَنْهُ سَبْعِينَ سَيِّئَةً مِنْ حِينِ يَخْرُجُ فِيهَا، فَإِنْ قُضِيَتِ الْحَاجَةُ عَلَى يَدِهِ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، وَإِنْ مَاتَ بَيْنَ ذَلِكَ دَخَلَ الْجَنَّةَ بِغَيْر حِسَاب.
ألم اخْتَار الْوحدَة
وَحدثنَا أَبُو بكر قَالَ حَدَّثَنِي أبي عَنْ مُحَمَّد بْن الْحسن الْجَوْهَرِي قَالَ: دخلت على أَحْمَد بْن صاعد الصُّورِي وَهُوَ جَالس وَحده فِي مَسْجده، فَقلت لَهُ: مَا لي أَرَاك وَحدك؟ فَقَالَ:
قنعت بِعلم الله ذخري وواحدي ... بمكنون أسرارٍ تضمنها صَدْرِي
فَلَو جَازَ ستر السِّرّ بيني وَبَينه ... عَن الْقلب والأحشاء ماعلما سري
النعم مغضوب عَلَيْهَا حَدثنَا أَبُو بكر قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْمَرْزُبَان قَالَ حَدَّثَنَا عَبد الرَّحْمَن بْن مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم أَحْمَد بْن يُونُس قَالَ حَدَّثَنَا روح بْن عبد الرَّحْمَن البوشنجي قَالَ سَمِعت سُفْيَان بْن عُيَيْنَة يَقُول: مَا أرى النعم إِلَّا مغضوبًا عَلَيْهَا، أَرَاهَا فِي غير أَهلهَا.
وأنشدني مُحَمَّد بْن الْمَرْزُبَان قَالَ أَنْشدني أَبُو عَبد اللَّه النهمي لسَعِيد بْن حميد فِي هَذَا الْمَعْنى:
يَا حجَّة الله فِي الأرزاق وَالْقسم ... ومحنة لِذَوي الأخطار والهمم
تراك أَصبَحت فِي نعماء سابغةٍ ... إِلَّا وَرَبك غَضْبَان على النعم
وأنشدنا أَبُو الْحسن ابْن الْبَراء:
لَيست النِّعْمَة عِنْد الله فِي مثلك نعمه
غضب الله عَلَيْهَا ... فابتلاها بك نقمه
أمرنَا رَسُول اللَّهِ بِسبع ونهانا عَن سبع
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ الْقَاضِي، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدثنَا شُعْبَة قَالَ حَدَّثَنَا الأَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ يُحَدِّثُ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسبع ونهانا عَن سبع، وأمرنا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَتَشْيِيعِ الْجَنَائِزِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَإِجَابَةِ الدَّاعِي وَنُصْرَةِ الْمَظْلُومِ وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ وَإِفْشَاءِ السَّلامِ؛ وَنَهَانَا عَنْ آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَخَاتَمِ الذَّهَبِ وَالْمِيثَرَةَ وَالْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَالإِسْتَبْرَقِ وَالْقَسِّيِّ.
стр. 585
تفسيرات لغوية
قَالَ اللغويون: التشميت هُوَ الدُّعَاء، يُقَال لَهُ التسميت والتشميت، والتشميت مُعْجمَة فِيهِ أعراف وأفصح. من ذَلِك أَنه ﷺ لم أَدخل عليا على فَاطِمَة ﵉ قَالَ: لَا تعجلا حَتَّى آتيكما، فَلَمَّا أتاهما شمت عَلَيْهِمَا وَانْصَرف، يعين دَعَا لَهما. والميثرة: سرج من سروج الْعَجم فِيهِ حَدِيد والإستبرق الغليظ من الديباج والقسي يُثَاب فِيهَا حَرِير تعْمل فِي نَاحيَة مصر بقرية يُقَال لَهَا القس.
أَيمن بْن خريم لَا يُقَاتل مُصَليا
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد الْمُقَدَّمِيّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ الْفَلاسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّ عَبْد الْملك بْن مَرْوَان قَالَ لأَيْمَنَ بْنِ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ: أَلا تَخْرُجُ فَتُقَاتِلُ مَعَنَا؟ فَقَالَ: إِنَّ أَبِي وَعَمِّي شَهِدَا بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَانِي أَنْ لَا أُقَاتِلَ رَجُلا يُصَلِّي، فَإِنْ أَعْطَيْتَنِي بَرَاءَةً مِنَ النَّارِ قَاتَلْتُ مَعَكَ، فَتَرَكَهُ. وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ:
فَلَسْتُ مُقَاتِلا رَجُلا يُصَلِّي ... عَلَى سُلْطَانِ آخَرَ مِنْ قُرَيْشِ
لَهُ سُلْطَانُهُ وَعَلَيَّ وِزْرِي ... مَعَاذَ اللَّهِ مِنْ سفهٍ وَطَيْشِ
أَأَقْتُلُ مُسْلِمًا فِي غَيْرِ جُرْمٍ ... فَلَيْسَ بِنَافِعِي مَا عِشْتُ عَيْشِي
إِلَى مَتى هَذَا الْفِرَاق
أنشدنا أَبُو بكر قَالَ أنشدنا المظفر بْن عَبد اللَّه رَحْمَة الله عَلَيْهِ:
وَقد ضقت ذرعًا بشق الْإِزَار ... غَدَاة الرحيل وبل الْخمار
كَأَن الدُّمُوع على خدها ... بَقِيَّة طلٍ على جلنار
تَلْبِيَة لأبي نواس
حَدثنَا أَبُو بَكْر قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عمر قَالَ حَدَّثَنَا سعيد بْن الْيَمَان قَالَ حَدَّثَنَا ابْن صَفْوَان قَالَ: لما حج أَبُو نواس لبي فَقَالَ:
إلهنا مَا أعدلك ... مليك كل من ملك
لبيْك قد لبيت لَك ... لبيْك إِن الْحَمد لَك
وَالْملك لَا شريك لَك ... مَا خَابَ عبد سَأَلَك
أَنْت لَهُ حَيْثُ سلك ... لولاك يَا رب هلك
لبيْك إِن الْحَمد لَك ... وَالْملك لَا شريك لَك
وَاللَّيْل لما أَن حلك ... والسابحات فِي الْفلك
على مجاري المنسلك ... لبيْك إِن الْحَمد لَك
وَالْملك لَا شريك لَك ... كل نبيٍ وَملك
стр. 586
وكل من أهل لَك ... سبح أوصلى فلك
لبيْك إِن الْحَمد لَك ... وَالْملك لَا شريك لَك
يَا مخطئاً ماأغفلك ... عجل وبادر أَجلك
وَاخْتِمْ بخيرٍ عَمَلك ... لبيْك أَن الْحَمد لَك
وَالْملك لَا شريك لَك
فِي الْقُوت غنى
وأنشدني أَبِي ﵀: لَيْسَ بذل الْوُجُوه فِي طلب الْفضل عَن الْقُوت من فعال الْكِرَام
فَإِذا مَا أنالك الله قوتًا ... من حلالٍ فَأَنت أغْنى الْأَنَام
جود حَاتِم
أَنْشدني أَبُو بكر قَالَ أنشدنا أَحْمَد بْن يحيى عَن ابْن الْأَعرَابِي لحاتم بْن عَبد اللَّه:
سَلِي البائس المقرور يَا أم مالكٍ ... إِذا مَا أَتَانِي بَين نَارِي ومجزري
أأبسط وَجْهي أَنه أول الْقرى ... وأبذل معروفي لَهُ دون منكري
إِن الحَدِيث طرف من الْقرى
وأنشدنا أَحْمَد بْن يحيى عَن ابْن الْأَعرَابِي:
إِنَّك يَا ابْن جَعْفَر نعم الْفَتى ... وَنعم مأوى طارقٍ إِذا أَتَى
فَرب ضيف طرق الْحَيّ سرى ... صَادف زادًا وحديثًا مَا أشتهى
إِن الحَدِيث طرف من الْقرى ... ثمَّ اللحاف بعد ذَاك فِي الذرى
شريك يتلَقَّى الخيزران
حَدثنَا أَبُو بكر قَالَ حَدَّثَنِي أبي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عِكْرمة الضَّبِّيّ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن أَبِي شيخ عَن أَبِي سُفْيَان الْحِمْيَرِي، قَالَ: وحَدثني مُحَمَّد بْن الْمَرْزُبَان قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بكر العامري قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن مَعْصُوم قَالَ حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح بْن مُسلم والألفاظ فِي الرِّوَايَتَيْنِ مختلطة، قَالَا: حجت الخيزران أم مُوسَى وَهَارُون فَخرج شريك يتلقاها وَحمل مَعَه خبْزًا، فأبطأت فَأَقَامَ ثَلَاثًا ينتظرها فيبس خبزه فَجعل يبله بِالْمَاءِ ويأكله، فهجاه ابْن عبدل قَالَ أَبُو بكر: كَذَا فِي رِوَايَة أَبِي، وَفِي رِوَايَة ابْن الْمَرْزُبَان فهجاه أَبُو الْمنْهَال الْعَلَاء الغنوي فَقَالَ:
فَإِن يكن الَّذِي حدثت حَقًا ... بِأَن قد أكرهوك على الْقَضَاء
فمالك حِين تخرج كل يومٍ ... تلقى من يحجّ من النِّسَاء
وسودت الْقَمِيص وصرت فِيهِ ... تَطوف يَا شريك مَعَ الْإِمَاء
مُقيما فِي قرى شاهي ثَلَاثًا ... بِلَا زادٍ سوى كسرٍ وَمَاء
стр. 587
يزِيد النَّاس خيرا كل يومٍ ... وَترجع يَا شريك إِلَى وَرَاء
الْمَوَدَّة أقرب الْأَنْسَاب
وأنشدنا أَبُو بكر قَالَ أنشدنا أَحْمَد بْن يحيى عَن ابْن الْأَعرَابِي:
وَلَقَد سبرت النَّاس ثُمَّ خبرتهم ... وَعلمت مَا عرفُوا من الْأَسْبَاب
فَإِذا الْقَرَابَة لَا تقرب قَاطعا ... وَإِذا الْمَوَدَّة اقْربْ الْأَنْسَاب
أرقني أَن لَا ضجيع أَلا عبه
حَدثنَا أَبُو بكر قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ الرَّبِيعِ الْخَزَّازُ قَالَ حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ السَّائِبِ بْنِ جُبَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا زِلْنَا نَسْمَعُ حَدِيثَ عُمَرَ بْن الخَطَّاب ﵁ هَذَا إِنَّهُ خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ يَطُوفُ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَثِيرًا، إِذْ مَرَّ بأمرأةٍ مِنْ نِسَاءِ الْعَرَبِ مُغْلِقَةٍ عَلَيْهَا بَابَهَا وَهِيَ تَقُولُ:
تَطَاوَلَ هَذَا اللَّيْلُ تَسْرِي كَوَاكِبُهُ ... وَأَرَّقَنِي أَنْ لَا ضجيع ألاعبه
أَلا عبه طَوْرًا وَطَوْرًا كَأَنَّمَا ... بَدَا قَمَرٌ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ حَاجِبُهُ
يُسَرُّ بِهِ مَنْ كَانَ يَلْهُو بِقُرْبِهِ ... لَطِيفُ الْحَشَا لَا تَجْتَوِيهِ صَوَاحِبُهُ
فو الله لَوْلا اللَّهُ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ ... لَنُقِّضَ مِنْ هَذَا السَّرِيرِ جَوَانِبُهُ
وَلَكِنَّنِي أَخْشَى رَقِيبًا مُوَكَّلا ... بِأَنْفُسِنَا لَا يَفْتُرُ الدَّهْرَ كَاتِبُهُ
ثُمَّ تَنَفَّسَتِ الصُّعَدَاءَ، وَقَالَتْ: لَهَانَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَحْشَتِي وَغَيْبَةُ زَوْجِي عَنِّي، وَعُمَرُ وَاقِفٌ يَسْتَمِعُ قَوْلَهَا، فَقَالَ لَهَا: يَرْحَمُكِ اللَّهُ يَرْحَمُكِ اللَّهُ، ثُمَّ وَجَّهَ إِلَيْهَا بِكُسْوَةٍ وَنَفَقَةٍ، وَكَتَبَ فِي أَنْ يَقْدَمَ زَوْجُهَا عَلَيْهَا.
وَصَايَا أخلاقية
أنشدنا أَبُو بكر قَالَ أَنْشدني أَبِي ﵀:
اسلك من الط ... المناهج ... واصبر وَإِن حملت لَا عج
انبذ همومك لَا تضق ... ذرعًا بهَا فلهَا مفارج
راقض الحوائح مَا اسْتَطَعْت وَكن لَهُم أَخِيك فارج
فلخير أَيَّام الْفَتى ... يَوْم قضى فِيهِ الْحَوَائِج
وأنشدني ... رَحْمَة الله:
لَيْسَ فِي كل ساعةٍ وَأَوَان ... تتهيا صنائع الْإِحْسَان
فَإِذا أمكنت فبادر إِلَيْهَا حذرا من تعذر الْإِمْكَان
وأنشدني أَبِي ﵀:
وَإِنِّي ليثنيني عَن الْجَهْل والخنا ... وَعَن شتم أَقوام خلائق أَربع
стр. 588
حَيَاء وَإِسْلَام وتقوى وأنني ... كريم ومثلي قد يضر وينفع
تَفْسِير ابْن عمر لآيَة النُّور
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْعَنْبَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ الْجَزَرِيُّ عَنِ الْوَازِعِ بْنِ نَافِعٍ الْعقيلِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كمشكاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ النُّور: ٣٥ قَالَ: الْمِشْكَاةُ: جَوْفُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَالْمِصْبَاحُ: النُّورُ الَّذِي فِي قَلْبِهِ، وَالزُّجَاجَةُ قَلْبُهُ " يُوقَدُ مِنْ شجرةٍ مباركةٍ " النُّور: ٣٥ الشَّجَرَةُ إِبْرَاهِيمُ ﵇ " لَا شَرْقِيَّةٍ وَلا غربيةٍ النُّور: ٣٥ لَا يَهُودِيٌّ وَلا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ قَرَأَ: " مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ " آل عمرَان: ٦٧.
مصير عَبدة زوج هِشَام
حَدثنَا أَبُو بكر قَالَ حَدثنِي أبي قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عَبْد الرَّحْمَن الرَّبَعيّ قَالَ حَدَّثَنَا عَيَّاش بْن عبد الْوَاحِد قَالَ حَدَّثَنِي ابْن عَائِشَة قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: كَانَت عَبدة بنت عَبد اللَّه بْن يزِيد بْن مُعَاوِيَة عِنْد هِشَام بْن عبد الْملك، وَكَانَت من أجمل النِّسَاء، فَدخل عَلَيْهَا يَوْمًا وَعَلَيْهَا ثِيَاب سود رقاق من هَذِه الَّتِي يلبسهَا النَّصَارَى يَوْم عيدهم، فملأته سُرُورًا حِين نظر إِلَيْهَا ثُمَّ تأملها فقطب، فَقَالَت: مَالك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أكرهت هَذِه، ألبس غَيرهَا؟ قَالَ: لَا، وَلَكِن، رَأَيْت هَذِه الشامة الَّتِي على كشحك من فَوق الثِّيَاب، وَبِك يذبح النِّسَاء وَكَانَت بهَا الشامة فِي ذَلِك الْموضع أما إِنَّهُم سينزلونك عَن بغلةٍ شهباء يَعْنِي بني الْعَبَّاس وردةٍ، ثُمَّ يذبحونك ذبحا قَالَ وَقَوله يذبح بك النِّسَاء يَعْنِي إِذا كَانَت دولة لأهْلك ذَبَحُوا بك من نسَاء الْقَوْم الَّذين ذبحوك فَأَخذهَا عَبد اللَّه بْن عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاس فَكَانَ مَعهَا من الْجَوْهَر مَالا يدْرِي مَا هُوَ، وَمَعَهَا درع يَوَاقِيت وجوهر منسوج بِالذَّهَب، فَأخذ مَا كَانَ مَعهَا وخلى سَبِيلهَا، فَقَالَت فِي الظلمَة: أَي دابةٍ تحتي؟ قيل لَهَا دهماء، لظلمة اللَّيْل، فَقَالَت: نجوت، قَالَ: فَأَقْبَلُوا على عَبد اللَّه بْن عَليّ فَقَالُوا: مَا صنعت؟ أدنى مَا يكون يبْعَث أَبُو جَعْفَر إِلَيْهَا فتخبره بِمَا أخذت مِنْهَا فَيَأْخذهُ مِنْك.
اقتلها. فَبعث فِي أَثَرهَا، وأضاء الصُّبْح فَإِذا تحتهَا بغلة شهباء، وردة، فلحقها الرَّسُول فَقَالَت: مَه، قَالَ: أمرنَا بقتلك، قَالَت: هَذَا أَهْون عَليّ، فَنزلت فشدت درعها من تَحت قدميها وكميها على أَطْرَاف أصابعها وخمارها فَمَا رئي من جَسدهَا شَيْء، وَالَّذِي لحقها مولى لآل الْعَبَّاس، قَالَ ابْن عَائِشَة: فَرَأَيْت من يدْخل دُورنَا يطْلب اليواقيت للمهدي ليتم بِهِ تِلْكَ الدروع الَّتِي أخذت مِنْهَا، وَإِنَّمَا كَانَت بدنا يُغطي الْمَرْأَة إِذا قعدت.
من أفاعيل الزنج بِالْبَصْرَةِ
قَالَ الْحسن بْن عبد الرَّحْمَن: وَلما دخل الزنج الْبَصْرَة فِيمَا أَخْبرنِي مَشَايِخنَا لَا يَخْتَلِفُونَ
стр. 589
دخلُوا دَار جَعْفَر بْن سُلَيْمَان بْن عليّ بْن عَبْد اللَّه بْن الْعَبَّاس فَجَاءُوا إِلَى بنته آمِنَة وَهِي عَجُوز كَبِيرَة قد بلغت تسعين سنة، فَلَمَّا رأتهم قَالَت: اذْهَبُوا بِي إِلَيْهِ فَإِنَّهُ ابْن خَال جدتي أم الْحُسَيْن بنت جَعْفَر بْن الْحسن بْن الْحسن بْن عَليّ، قَالُوا: بل أمرنَا بقتلك فَقَتَلُوهَا.
ابْن الزُّبَيْر ينشد مُعَاوِيَة ثَلَاث أَبْيَات
حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو أَحْمَد الْعَبَّاسُ قَالَ أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو حَفْصٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبد اللَّه بْن خبيق قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ مُعَاوِيَةُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنْشِدْنِي ثَلاثَةَ أَبْيَاتٍ غَرِيبَةٍ، قَالَ: أُنْشِدُكَهَا بِثَلاثِينَ أَلْفًا تَدْفَعُهَا إِلَيَّ، قَالَ: حَتَّى تُنْشِدَ وَأَسْمَعَ، قَالَ: فَأَنَا أَقُولُ وَتَسْمَعُ وَأَنْتَ الْحَكَمُ، فَأَنْشَدَهُ أَبْيَاتٍ الأَفْوَهِ الأَوْدِيِّ:
بَلَوْتُ النَّاسَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ ... فَلَمْ أَرَ غَيْرَ خَتَّالٍ وَقَالِ
وَلَمْ أَرَ فِي الْخُطُوبِ أَشَدَّ ضَرًّا ... وَأَضْنَى مِنْ مُعَادَاةِ الرِّجَالِ
وَذُقْتُ مَرَارَةَ الأَشْيَاءِ طُرًّا ... فَمَا شَيْءٌ أَمَرُّ مِنَ السُّؤَالِ
قَالَ: فَحَكَمَ لَهُ وَدَفَعَ إِلَيْهِ ثَلاثِينَ أَلْفًا.
أَحبُّوا الْعَرَب لثلاث
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو حُصَيْنٍ قَاضِي الْكُوفَةِ قَالَ حَدَّثَنَا الْعَلاءُ بْنُ عَمْرٍو الْحَنَفِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَحِبُّوا الْعَرَبَ لِثَلاثٍ: لأَنِّي عَرَبِيٌّ وَالْقُرْآنُ عَرَبِيٌّ وَكَلامُ أهل الْجنَّة عَرَبِيّ.
بِلِسَان سؤول وقلب عقول
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عِيسَى الْخُتَّلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى السَّاجِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِي عَن عَبد الْحَمِيدِ بْنِ الْحَسَنِ الْهِلالِيِّ عَنْ مُغِيرَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قِيلَ لابْنِ عَبَّاسٍ: أَيْنَ أَصَبْتَ هَذَا الْعلم؟ قَالَ: بِلِسَان سؤول وَقَلْبٍ عَقُولٍ.
مقطعات فِي العتاب
وأنشدنا أَبُو بكر قَالَ أَنْشدني أَبِي رَحْمَة الله عَلَيْهِ:
أعاتب ذَا الْمُرُوءَة من صديقي ... إِذا مَا رَابَنِي مِنْهُ اجْتِنَاب
إِذا ذهب العتاب فَلَيْسَ ود ... يبْقى الود مَا بَقِي العتاب
وأنشدني أَبِي:
أعاتب من أُبْقِي على حفظ وده ... وَلَا قدر عِنْدِي للَّذي لَا أعاتبه
وأنشدني أَبِي:
إِن بعض العتاب يدني من ... العتب ويؤذي بِهِ الْمُحب الحبيبا
وَإِذا مَا الْقُلُوب لم تضمر الود ... د فَلَنْ يعْطف العتاب القلوبا
стр. 590
الْمجْلس التَّاسِع وَالسَّبْعُونَ
أنْفق وَلَا تخشى من ذِي الْعَرْش إقلالا
حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى إِمْلاءً مِنْ لَفْظِهِ فِي يَوْمِ الاثْنَيْنِ الثَّانِي مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعين وثلاثمائة قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْنِ صَالِحٍ الأَوْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ قَالَ حَدَّثَنَا رَجَا بْنُ مُرَجَّى قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحُنَيْنِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَر بْن الخَطَّاب ﵁ أَنَّ رَجُلا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْفِقْ وَلا تخش من ذِي الْعَرْش إقلالا قَالَ: بِذَلِكَ أُمِرْتُ.
قَالَ الْقَاضِي: وَقد روى عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: أَنْفِقْ بِلالُ وَلا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلالا.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ : " وَمَا أَنْفَقْتُمْ من شيءٍ فَهُوَ يخلفه هُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ " سبأ٣٩.
أعرابية قسرية عِنْد خَالِد الْقَسرِي
حَدثنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِم قَالَ أَخْبَرَنَا الْأَصْمَعِي قَالَ: ذكرُوا أَن خَالِد بْن عَبد اللَّه الْقَسرِي لما أحكم جسر دجلة واستقام لَهُ نهر الْمُبَارك أفشى عطايا كَثِيرَة وَأذن للنَّاس إِذْنا عَاما، فَدخلت عَلَيْهِ أعرابية قسرية فأنشأت تَقول:
إِلَيْك يَا ابْن السَّادة الأماجد
يعمد فِي الْحَاجَات كل عامدٍ
فَالنَّاس بَين صادرٍ ووارد
مثل حجيج الْبَيْت نَحْو خَالِد
وَأَنت يَا خَالِد خير وَالِد
أَصبَحت عِنْد الله بالمحامد
مجدك قبل الشمخ الرواكد
لَيْسَ طريف الْمجد مثل التالد
قَالَ: فَقَالَ لَهَا خَالِد: حَاجَتك كائنة مَا كَانَت، فَقَالَت: أصلح الله الْأَمِير، أَنَاخَ علينا الدَّهْر بجرانه، وعضنا بأنيابه، فَمَا ترك لنا صافنا وَلَا ماهنا، فَكنت المنتجع وَإِلَيْك المفزع، قَالَ فَقَالَ لَهَا خَالِد: هَذِه حَاجَة لَك دُوننَا فَقَالَت: وَالله لَئِن كَانَ لي نَفعهَا إِن لَك لأجرها وَذُخْرهَا، مَعَ أَن أهل الْجُود لَو لم يَجدوا من يقبل الْعَطاء لم يوصفوا بالسخاء، قَالَ لَهَا خَالِد: أَحْسَنت فَهَل لَك من زوج؟ فَقَالَت: لَا، وَمَا كنت لأتزوج دعيًا، وَإِن كَانَ مُوسِرًا غَنِيا، وَمَا كنت أَشْتَرِي عاراُ يبْقى بمالٍ يفنى، وَإِنِّي بجزيل مَال الْأَمِير لغنية، قَالَ الْأَصْمَعِي: فَأمر لَهَا بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم.
شرح الْغَرِيب
قَالَ القَاضِي: أما قَوْلهَا فَمَا ترك لنا صافنًا وَلَا مَا هُنَا: الصَّافِن من الْخَيل فِيمَا ذكر أَبُو عُبَيْدَة الَّذِي يجمع بَين يَدَيْهِ وَبَين طرف سنبك إِحْدَى رجلَيْهِ، والسنبك مقدم الْحَافِر. قَالَ
стр. 591
وَقَالَ بعض الْعَرَب: بل الصَّافِن الَّذِي يجمع بَين يَدَيْهِ، وَالَّذِي يرفع طرف سنبك رجلَيْهِ فَهُوَ مخيم، يُقَال أخام بِرجلِهِ.
وَقَالَ الْفراء: الصافنات فِيمَا ذكر الْكَلْبِيّ بِإِسْنَادِهِ: الْقَائِمَة على ثَلَاث، وَقد أناخت الْأُخْرَى على طرف الْحَافِر من يدٍ أَو رجلٍ، وَهِي فِي قِرَاءَة عَبد اللَّه " صَوَافِن فَإِذا وَجَبت " الْحَج:٣٦ يُرِيد معقولة على ثَلَاث، وَقد رَأَيْت الْعَرَب تجْعَل الصَّافِن الْقَائِم على ثَلَاث أَو غير ثَلَاث، وأشعارهم تدل على أَنه الْقَائِم خَاصَّة، وَالله أعلم بصوابه.
وَقد رُوِيَ عَن ابْن عمر أَنه قَالَ لرجل يُرِيد نحر نَاقَته: انحرها معقولة الْيُمْنَى أَو الْيُسْرَى قَائِمَة على ثَلَاث، سنة مُحَمَّد ﷺ ، أَو نَحْو هَذَا القَوْل. وَقد قرئَ: " فاذكروا اسْم الله عَلَيْهَا صَوَافِن " الْحَج:٣٦ على مَا تقدم من الْحِكَايَة عَن ابْن مَسْعُود وصوافي بِمَعْنى خَالِصَة لله من الصفاء والخلوص، فَأَما قِرَاءَة الْجُمْهُور الْأَعَمّ والسواد الْأَعْظَم فَإِنَّهُ صواف على جمع الصافة وَهِي المصطفة، ورسم مصاحف الْمُسلمين شَاهد لهَذِهِ الْقِرَاءَة بِالصِّحَّةِ مَعَ استفاضة النَّقْل لَهَا فِي الْأمة، وَقد قَالَ عَمْرو بْن كُلْثُوم فِي معنى هَذِه اللَّفْظَة:
تركنَا الْخَيل عاكفة عَلَيْهِ ... مقلدة أعنتها صُفُونا
وَأما قَوْلهَا: وَلَا مَا هُنَا فَإِنَّهَا تَعْنِي وَلَا خَادِمًا، وَمن الماهن قَول الشَّاعِر:
وهَزئْنَ مِنِّي أَن رأَينَ مُوَيْهِنًا ... تَبدُو عَلَيْه شَتَامَةُ الْمَمْلُوك
المويهن: تَصْغِير ماهن، والخويدم تَصْغِير خَادِم، والشتامة الْقبْح والكلوح، يُقَال: وَجه شتيم أَي باس قَبِيح، وَمن هَذَا الشتم والشتيمة فِي القَوْل مَعْنَاهُ قبحه وقذعه، والمشاتمة المسابة وهما من هجر القَوْل وفحشه.
وَقَالَ بعض اللغويين: لَا يُقَال عضنا الدَّهْر وَإِنَّمَا يُقَال عظنا بالظاء، وَالْمَعْرُوف فِيهِ الضَّاد.
أعز شَيْئَيْنِ دِرْهَم حَلَال وَأَخ فِي الله
حَدثنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن عَرَفَة الأَزْدِيّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عِيسَى الوَاسِطِيّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن عَائِشَة عَن حزم بْن أَبِي حزم قَالَ: كَانَ يُونُس بْن عبيد يمر بِنَا فِي بني لَاحق فَيَقُول: مَا أعرف الْيَوْم شَيْئا أعز من شَيْئَيْنِ: دِرْهَم حَلَال وَأَخ فِي الله . وأنشدنا إِبْرَاهِيم قَالَ أنشدنا أَحْمَد بْن يحيى:
خير إخوانك المشارك فِي الْمُرِّ ... وأيْن الشّريكُ فِي المر أَيّنَا
لَا يني شَاهدا يَسُرك بالبش؟ ... ر وَإِن غبتَ كَانَ أُذْنًا وعَيْنًا
مثل سر العقيان إِن مَسّه النا ... رِجْلَاهُ التلام فازداد زينا
تَفْسِير بعض الْأَلْفَاظ ويروي: أخلصه الْقَيْن وَهُوَ الْحداد، العقيان من أَسمَاء الذَّهَب. وسره أخلصه وأشرفه،
стр. 592
وسر كل شَيْء جيده ومختاره، والتلام هُوَ الَّذِي يجلى بِهِ، يُقَال لَهُ المدوس، وَقيل: هُوَ التلام يُرِيد التلامذة والتلاميذ مثل الأساورة والأساوير وَقيل إِنَّهَا فِي قِرَاءَة عَبد اللَّه أساوير من ذهب وَقَالَ: التلام بالحذف دون التَّمام كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
عفت المنا بمتالعٍ فأبان
يُرِيد الْمنَازل فَحذف اكْتِفَاء بِدلَالَة مَا بَقِي من الْكَلَام وَأقَام وزن شعره مستغنياً فِيهِ عَن التَّمام
حِكَايَة غَرِيبَة عَن
توَسط عمر بْن عبد الْعَزِيز لَدَى يزِيد بْن الْمُهلب
حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر الْعُقَيْليّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاق الطَّلْحي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن مُعَاوِيَة قَالَ: وَقَالَ ابْن الْكُوفِي وَكَانَ بشر بْن مَرْوَان قد ادخر وَهُوَ على الْعرَاق عَن ابْنه عبد الْملك وَعَن عُيَيْنَة بْن أَسمَاء من غلات أراضيهم مَالا عَظِيما، فَلَمَّا ولي الْحجَّاج أخرج تِلْكَ البقايا فَوجدَ مَا على عبد الْملك وعيينة بْن أَسمَاء فَقَالَ: وَمَا على بشرٍ أَن يهب من مَال الله تَعَالَى لِابْنِهِ وَخَتنه هَذَا وَأكْثر مِنْهُ، وَالله لآخذنهما بِهِ أَخذ الضَّب وَلَده، وطالبهما فريثاه حَتَّى هلك فلحقا بِالشَّام فَنزلَا على عمر بْن عبد الْعَزِيز فَقَالَا لَهُ: إِن بشرا كَانَ أطعمنَا شَيْئا كثيرا من غلاتنا فبسطنا فِيهِ أَيْدِينَا، وان الْحجَّاج بسفهه وخرقه وظلمه أخرج علينا ثُمَّ أَخذنَا بِهِ، فَلم نزل نخدعه عَن أَنْفُسنَا حَتَّى هلك، فَكلم أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي هبة ذَلِك لنا، فَضَحِك عمر وَقَالَ: لست أَثِق لَكمَا بكلامي، وَلَكِن لَكمَا عِنْدِي رَأْي فِيهِ نجاح طلبتكما، قَالَا: فادللنا عَلَيْهِ، قَالَ: نمشي إِلَى يزِيد بْن الْمُهلب فإمَّا أَن يحملهَا من مَاله، وَإِمَّا أَن يعيننا على سُلَيْمَان فيهبها لَكمَا، وَلَا وَالله مَا كنت لأمشي إِلَى عربيٍ على الأَرْض غَيره لَيْسَ من ولد مَرْوَان. ثُمَّ أَتَوا يزِيد فَقَالَ لَهُ عمر: إِن اأتيناك زوارا وَهَذَانِ من قد عرفت، فَلَا تنظرن إِلَى جرم أَبُو يهما عِنْد أَبِيك، فَضَحِك يزِيد وَقَالَ: عَفا الله عَنْك يَا أَبَا حَفْص، أرجع فِي ذنبٍ قد غفره أَبِي قبلي؟! وَالله مَا عجز عَن مكافأتهما فِي حَيَاته وَلَا أَوْصَانِي بالثأر من بعده، فَإِنَّهُمَا لأخواي وصاحباي، هاتوا حَاجَتكُمْ، فَقَالَ عمر: إِن الْحجَّاج أخرج عَلَيْهِمَا مِمَّا كَانَ بشر ترك لَهما من غلاتهما ألف ألف وَخَمْسمِائة ألف فَمَا ترى؟ قَالَ: رَأْيكُمْ فاحتكموا، قَالَ: تحمل مِنْهَا مَا شِئْت قَالَ: عَليّ نصفهَا، وَالْمطلب إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي بقيتها، فَإِن حمله عني وَإِلَّا حَملته، فَقَالَ عبد الْملك بْن بشر: وَالله مَا ظلم النَّاس أَن زَعَمُوا أَنَّك سيدهم. ثُمَّ خَرجُوا وَعمر يَقُول: مَا رَأينَا مثل هَذَا الْعِرَاقِيّ فِي وطأته فعل قبلهَا مثلهَا، ثمَّ حمل عَن القيسيين وَعَن يزِيد بْن عَاتِكَة، وَهَذِه ألف ألف وَخَمْسمِائة ألف. ثُمَّ ركب يزِيد إِلَى سُلَيْمَان فَدخل عَلَيْهِ وَعِنْده جمَاعَة من وُجُوه أهل الْيمن فَقَامَ فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَان: أمسك، وَأَبِيك إِنَّك لقادر على خلواتي، اجْلِسْ،
стр. 593
فَقَالَ يزِيد: مَا قُمْت لأجلس فَأذن لي فِي الْكَلَام، فَقَالَ: هَات، فَأخْبرهُ بمجيء عمر إِلَيْهِ وَقَالَ: قد حملت النّصْف وضمنت عَلَيْك البَاقِينَ وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن مقَامي بِالشَّام لمن تَمام نعْمَة الله على بأمير الْمُؤمنِينَ، إِنَّه لم يعمد إِلَى أحد فِي حَاجَة إِلَّا قَضَاهَا الله بك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ على يَدي، فَقَالَ سُلَيْمَان: قد وهبنا ذَلِك كُله لَك، فلك حَمده وعلينا غرمه.
الرشيد يستنشد الْكرْمَانِي شعرًا
فِي خلوب جَارِيَة الرشيد
حَدثنَا الْحُسَيْن بن الْقَاسِم الكواكبي قَالَ: حَدَّثَنِي عمي أَبُو عَبد اللَّه أَحْمَد بْن فراس السَّامِي قَالَ حَدَّثَنَا الجهم بْن بدر قَالَ: قَالَ الْكرْمَانِي فِي خلوب جَارِيَة الرشيد شعرًا، فَبلغ الرشيد فَوجه إِلَيْهِ وأقعد الرشيد خلوب خلف ستر، وَمر الْكرْمَانِي بِالْفَضْلِ بْن الرّبيع فَقَالَ: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد وَجه إِلَيّ فأنشده إِن استنشدني؟ قَالَ؛ نعم، بعد الْأمان. فَلَمَّا دخل قَالَ لَهُ الرشيد: أَأَنْت الْكرْمَانِي؟ قَالَ: نعم، قَالَ: أَنْشدني، قَالَ فِي الزّهْد؟ قَالَ: لست هُنَاكَ، قَالَ: فَفِي المديح؟ قَالَ: وَلَا، قَالَ: فَمَا أنْشدك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: شعرك فِي خلوب، قَالَ: بعد الْأمان يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ: نعم، فأنشده قَوْله فِيهَا حَتَّى بلغ:
لَو لم أذقها طَابَ لي حبها ... لكنني ذقت فَلَا ذقت
فَخرجت خلوب من وَرَاء السّتْر فَقَالَت: وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا ذقته وَلَا ذاقني، وَلَا رَأَيْته وَلَا رَآنِي، وَقد أقرّ بِالزِّنَا فحده، قَالَ: يَا خلوب قد أعطيناه الْأمان، قَالَت: لَا أَمَان فِي حدٍ من حُدُود الله ، قَالَ: قد سَمِعت يَا كرماني، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ الله : " وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ " الشُّعَرَاء:٢٢٤ إِلَى قَوْله: " وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ " الشُّعَرَاء:٢٢٦ قَالَ: صدقت، وَأمر لَهُ بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم.
طَريقَة الشُّعَرَاء
قَالَ القاضين: وَمن الْمَوْجُود فِي طَريقَة الشُّعَرَاء أَنهم يَقُولُونَ مَالا يَفْعَلُونَ، ويصفون من يمدحونه أَو يَهْجُونَهُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ وَبِمَا لَا علم لَهُم بِهِ، وَقد قَالَ فِي هَذَا عمرَان بْن حطَّان للفرزدق:
أَيهَا المادح الْعباد ليُعْطى ... إِن لله مَا بأيدي الْعباد
فسل الله مَا طلبت إِلَيْهِم ... وارج فضل الْمُهَيْمِن العواد
وَلَا تقل فِي الْجواد مَا لَيْسَ فِيهِ ... وَتَسِم الْبَخِيل باسم الْجواد
وأنشدني عَن ابْن الرُّومِي:
يَقُولُونَ مَالا يَفْعَلُونَ مسَبَّة ... من الله مسبوب بهَا الشُّعَرَاء
وَمَا ذَاك فيهم وَحده بل زِيَادَة ... يَقُولُونَ مَا لَا يفعل الْأُمَرَاء
стр. 594
وَنَظِير خبر الْكرْمَانِي مَعَ الرشيد مَا رُوِيَ أَن الفرزدق أنْشد عبد الْملك:
فبتن جنابتي مصرعاتٍ ... وَبت أفض أغلاق الختام
فَقَالَ لَهُ: قد أَقرَرت بِمَا أوجب عَليّ أَن أقيم عَلَيْك الْحَد، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ يمنعك من ذَلِك آيَة من كتاب الله ، فَقَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: قَوْله : " وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ " الشُّعَرَاء: ٢٢٦.
هِشَام يَسْتَدْعِي حماداً الراوية ليسمع مِنْهُ شعرًا
حَدثنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحسن بْن الْبَراء قَالَ حَدثنِي حميد بْن مُحَمَّد الْكُوفِي قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن عَبد اللَّه الْقُرَشِيّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أنس صَاحب شعر الْكُمَيْت قَالَ: حَمَّاد الراوية: كَانَ انقطاعي إِلَى يزِيد بْن عبد الْملك وَكَانَ هِشَام يقليني على ذَلِك، فَلَمَّا ولي هِشَام مكثت سنة لَا أخرج، فَلَمَّا لم أذكر خرجت فَصليت الْجُمُعَة وَجَلَست على بَاب الْفِيل، وَهُوَ بَاب مَسْجِد الْكُوفَة، فَإِذا شرطيان قد وَقفا عَليّ فَقَالَا لي: يَا حَمَّاد أجب الْأَمِير يُوسُف بْن عمر، فَقلت: من هَذَا كنت أحذر، ثُمَّ قلت لَهما: هَل لَكمَا أَن تدعاني آتِي أَهلِي فأودعهم وداع من لَا يرجع إِلَيْهِم أبدا ثُمَّ أصير إِلَيْهِ مَعَكُمَا؟ قَالَا: مَا إِلَى ذَلِك سَبِيل، فاستسلمت فِي أَيْدِيهِمَا وَدخلت على يُوسُف بْن عمر فِي الإيوان الْأَحْمَر، فَسلمت فَرد عَليّ السَّلَام فطابت نَفسِي برده عَليّ السَّلَام، ثُمَّ رمى إِلَيّ بِكِتَاب فِيهِ: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من هِشَام أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى يُوسُف بْن عمر، إِذا أَتَاك كتابي هَذَا فَابْعَثْ إِلَى حَمَّاد الراوية من يَأْتِيك بِهِ غير مروعٍ وَلَا متعتعٍ، وادفع إِلَيْهِ خَمْسمِائَة دِينَار وجملا مهريا يسير عَلَيْهِ اثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة إِلَيّ دمشق، فَأخذت الْخَمْسمِائَةِ الدِّينَار وَنظرت فَإِذا جمل مرحول فَوضعت رجْلي فِي الغرز وسرت إِحْدَى عشرَة لَيْلَة، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّانِي عشر وافيت بَاب هِشَام فاستأذنت فَأذن لي، فَدخلت عَلَيْهِ فِي دَار قوراء مفروشةٍ بالرخام، بَين كل رخامتين قَصَبَة من ذهب، وحيطانها على ذَلِك الْعَمَل، وَإِذا هِشَام جَالس على طنفسة من خَز أَحْمَر وَعَلِيهِ ثِيَاب خزٍ حمر مضمخة بالعنبر؛ فَسلمت فاستدناني حَتَّى قبلت رجله وأجلسني، فَإِذا أَنا بجاريتين لم أر مثلهمَا قبلهمَا، فِي أذن كل وَاحِدَة مِنْهُمَا حَلقَة من ذهب فِيهَا جَوْهَرَة تتوقد، فَقَالَ لي: يَا حَمَّاد كَيفَ أَنْت وَكَيف حالك؟ قلت: بِخَير يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ: أَتَدْرِي لم بعثت إِلَيْك؟ قلت: لَا، قَالَ بعثت إِلَيْك لبيت خطر ببالي لم أدر من قائلة، قلت وَمَا هُوَ؟ قَالَ:
فدعَتْ بالصبوح يَوْمًا فَجَاءَت ... قينة فِي يَمِينهَا إبريق
قلت هَذَا يَقُوله عدي بْن زيد الْعَبَّادِيّ فِي قصيدة لَهُ، فَقَالَ أنشدنيها، فَأَنْشَدته:
بكر العاذلون فِي وضح الصب؟ ... ح يَقُولُونَ مَا لَهُ لَا يفِيق
стр. 595
ويلومون فِيك يَا ابْنة عبد الل؟ ... هـ وَالْقلب عنْدكُمْ موثوق
لست أَدْرِي إِذْ أَكْثرُوا العذل عِنْدِي ... أعدو يلومني أم صديق
زانها حسنها بفرعٍ عميمٍ ... وأثيث صلت الجبين أنيق
وثنا يَا مغلجات عَذَاب ... لَا قصاراً ترى ولاهن روق
فدعَتْ بالصبوح يَوْمًا فَجَاءَت ... قينة فِي يَمِينهَا إبريق
ثمَّ كَانَ المزاج مَاء سَمَاء ... لَيْسَ مَا اجن وَلَا مطروق
فَقَالَ: أَحْسَنت يَا حَمَّاد، يَا جَارِيَة اسقيه فسقتني شربة ذهبت بِثلث عَقْلِي، ثُمَّ قَالَ: أعد، فَأَعَدْت فاستخفه الطَّرب حَتَّى نزل عَن فرشه، ثُمّ قَالَ لِلْأُخْرَى: يَا جَارِيَة اسقيه، فسقتني شربة ذهب ثلثا عَقْلِي، فَقلت: إِن سقتني الثَّالِثَة افتضحت، ثُمَّ قَالَ: سل حوائجك كائنة مَا كَانَت، قلت: إِحْدَى الجاريتين قَالَ: هما لَك بِمَا عَلَيْهِمَا من حلي وحلل، ثُمَّ قَالَ للأولى: اسقيه، فسقتني شربة سَقَطت فَلم أَعقل حَتَّى أَصبَحت، فَإِذا أَنا بالجاريتين عِنْد رَأس، وَإِذا خَادِم تقدم عشرَة خدم مَعَ كل وَاحِد بدرة فَقَالَ: أَمِير الْمُؤمنِينَ يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام وَيَقُول لَك: خُذ هَذِه فَانْتَفع بهَا فِي شَأْنك، فأخذتها والجاريتين وانصرفت.
تعليقات وتفسيرات قَالَ القَاضِي: قد رويت قصَّة هَذَا الشّعْر عَن حَمَّاد أَنَّهَا كَانَت مَعَ الْوَلِيد بْن يزِيد وفيهَا مَا لَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَر، وَفِي هَذَا الْخَبَر مَا لَيْسَ فِيهَا، وَجَائِز أَن تكون القصتان جرتا فِي وَقْتَيْنِ فيكونا غير متنافيتين وَقد أثبتنا الْقِصَّة الْأُخْرَى فِي بعض مجَالِس كتَابنَا هَذَا وَالله أعلم بصواب ذَلِك.
وَقَول عدي بْن زيد فِي هَذَا الشّعْر يصف ثنايا هَذِه الْمَرْأَة: وَلَا هن روق الروق الطوَال، يُقَال نَاب أروق وثنية روقاء وَالْجمع روق مثل أَحْمَر وحمراء وحمر، قَالَ الْأَعْشَى:
وَإِذا مَا الأكس شبه بالأر ... وق يَوْم الهيجا وَقل البصاق
يُقَال نَاب أكس وثنية كسَاء، إِذا كَانَا قصيرين، وَإِنَّمَا وصف الْحَرْب بالشدة وَإِن ريق الْمُحَارب قد شبهت أَسْنَانه على كسسها بالروق لتجردها وَقلة البصاق فِيهَا.
النوشجاني يتغاضى لِلْمَأْمُونِ فَلَا يرضيه ذَلِك
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن يحيى الْكَاتِب قَالَ حَدَّثَنِي من سمع قَحْطَبَةَ بْن حميد بْن قَحْطَبَةَ يَقُول: حضرت الْمَأْمُون يناظر مُحَمَّد بْن الْقَاسِم النوشجاني فِي شَيْء وَمُحَمّد يغضي لَهُ ويصدقه فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: أَرَاك تنقاد لي إِلَى مَا تظن أَنه يسرني قبل وجوب الْحجَّة عَلَيْك وَلَو شِئْت أَن أقتسر الْأُمُور بِفضل بيانٍ وَطول لِسَان وأبهة الْخلَافَة وسطوة الرياسة لصدقت وَإِن كنت كَاذِبًا، وصوبت وَإِن كنت مخطئًا، وَعدلت وَإِن كنت
стр. 596
جائرًا، وَلَكِنِّي لَا أرضي إِلَّا بِإِزَالَة الشُّبْهَة وَغَلَبَة الْحجَّة، وَإِن شَرّ الْمُلُوك عقلا وأسخفهم رَأيا من رَضِي بقَوْلهمْ صدق الْأَمِير.
لَا باس أَن يكون الْخَال اشرف من الْعم
حَدثنَا يزْدَاد بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى يَعْنِي تينة قَالَ حَدَّثَنَا القحذمي قَالَ: تزوج قيس بْن معد يكرب بنت الْحَارِث بْن عَمْرو من بني آكل المرار فَولدت لَهُ الْأَشْعَث بْن قيس ففال أَبُو هَانِئ الْكِنْدِيّ:
بَنَات الْحَارِث الْملك بْن عمروٍ ... تخيرها فَتنْكح فِي ذراها
لَهَا الويلات إِذا أنكحتموها ... أَلا طعنت بمديتها حشاها
وَقد نبئتها ولدت غُلَاما ... فَلَا عَاشَ الْغُلَام وَلَا هناها
فَأَجَابَهُ أَبُو قساس الْكِنْدِيّ:
أَلا أبلغ لديك أَبَا هني ... أَلا تنْهى لسَانك عَن رداها
فقد طالبت هندًا قبل قيسٍ ... لتنكحها فَلم تَكُ من هَواهَا
فطافت فِي المناهل تبتغيها ... فلاقت منهلا عذبًا شفاها
شَدِيد الساعدين أَخا حروبٍ ... إِذا مَا سيل منقصة أَبَاهَا
وَمَا حثت مطيته إِلَيْهَا ... وَلَا من فَوق ذروتها أَتَاهَا
قَالَ عِيسَى قَالَ القحذمي: وَآل الْأَشْعَث ينشدون هَذَا الشّعْر وَلَا ينكرونه قَالَ: وَا لأشراف لَا يبالون أَن يكون أخوالهم أشرف من أعمامهم.
اللِّسَان فِي اللُّغَة
قَالَ القَاضِي: قَوْله فِي هَذَا الشّعْر: أَلا تنْهى لسَانك عَن رداها أنث اللِّسَان، وَذكر أهل الْعلم بِالْعَرَبِيَّةِ أَن الْعَرَب تذكر اللِّسَان وتؤنثه وَقيل من أنثه أَرَادَ بِهِ اللُّغَة والرسالة كَقَوْل الشَّاعِر:
إِنِّي أَتَتْنِي لِسَان لَا أسر بهَا ... من علو لَا صخب فِيهَا وَلَا سخر
مقولة لعَلي فِي مَفْهُوم الْقَضَاء وَالْقدر
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَلْبِيّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زَكَرِيَّا الْغَلابِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ:
لَمَّا قَدِمَ عَلِيٌّ ﵁ مِنْ صِفِّينَ قَامَ إِلَيْهِ شَيْخٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنِي عَنْ مَسِيرِنَا إِلَى أَهْلِ الشَّامِ، بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ ﵇: وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، مَا قَطَعْنَا وَادِيًا وَلا عَلَوْنَا تَلْعَةً إِلا بِقَضَاءٍ وقدرٍ، فَقَالَ الشَّيْخُ: عِنْدَ اللَّهِ أَحْتَسِبُ عَنَائِي، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵇، وَلِمَ؟ بَلْ عَظَّمَ اللَّهُ أَجْرَكُمْ فِي مَسِيرِكُمْ وَأَنْتُمْ مُصْعِدُونَ، وَفِي مُنْحَدَرِكُمْ وَأَنْتُمْ مُنْحَدِرُونَ، وَمَا
стр. 597
كُنْتُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِكُمْ مُكْرَهِينَ وَلا إِلَيْهَا مُضْطَرِّينَ، فَقَالَ الشَّيْخُ: كَيْفَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ سَاقَنَا إِلَيْهَا؟ قَالَ: وَيْحَكَ لَعَلَّكَ ظَنَنْتَهُ قَضَاءً لازِمًا وَقدرا حاتماً، لَو كَانَ ذَاكَ لَسَقَطَ الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ، وَلَبَطُلَ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ وَلا أَتَتْ لائِمَةٌ مِنَ اللَّهِ لِمُذْنِبٍ، وَلا مَحْمَدَةٌ مِنَ اللَّهِ لِمُحْسِنٍ، وَلا كَانَ الْمُحْسِنُ أَوْلَى بِثَوَابِ الإِحْسَانِ مِنَ الْمُذْنِبِ، ذَلِكَ مَقَالُ إِخْوَانِ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ وَجُنُودِ الشَّيْطَانِ وَخُصَمَاءِ الرَّحْمَنِ، وَهُمْ قَدَرِيَّةُ هَذِهِ الأُمَّةِ وَمَجُوسُهَا، وَلَكِنِ اللَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِالْخَيْرِ تَخْيِيرًا، وَنَهَى عَنِ الشَّرِّ تَحْذِيرًا، وَلَمْ يُعْصَ مَغْلُوبًا، وَلَمْ يُطَعْ مُكْرَهًا، وَلَمْ يَمْلِكْ تَفْوِيضًا، وَلا خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا أَرَى فِيهِمَا مِنْ عَجَائِبِ آيَاتِهِمَا بَاطِلا " ذَلِك ظن الَّذين كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ " ص: ٢٧.
فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا كَانَ الْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ الَّذِي كَانَ فِيهِ مَسِيرُنَا وَمُنْصَرَفُنَا؟ قَالَ: ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ وَحِكْمَتُهُ. ثُمَّ قَرَأَ عَلِيٌّ ﵁ " وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ " الْإِسْرَاء:٢٣ فَقَامَ الشَّيْخُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ:
أَنْتَ الإِمَامُ الَّذِي نَرْجُو بِطَاعَتِهِ ... يَوْمَ النُّشُورِ مِنَ الرَّحْمَنِ رِضْوَانَا
أَوْضَحْتَ مِنْ دِينِنَا مَا كَانَ مُلْتَبِسًا ... جَزَاكَ رَبُّكَ عَنَّا فِيهِ إِحْسَانَا
الْمجْلس الثَّمَانُونَ
يَا أَبَا بكر دعها فَإِن لكل قوم عيدًا
أَخْبَرَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَهَا جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ فِي يَوْمِ عِيدٍ وَعِنْدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَنْهَاهَا، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَانْتَهَرَهَا، فَقَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : يَا أَبَا بَكْرٍ دَعْهَا فَإِنَّ لِكُلِّ قومٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا.
الرُّخْصَة فِي الْغناء الْمُبَاح
قَالَ القَاضِي: قد ضمنا هَذِه الْمجَالِس نَظَائِر لهَذَا الْخَبَر، وَذكرنَا فِي غير مَوضِع من كتبنَا مَا جَاءَ من الرُّخْصَة فِي الْغناء الْمُبَاح وَمَا يسْتَعْمل مَعَه من آلَات الملاهي كالدف وَنَحْوه، وَأَن ذَلِك يخْتَار وَيُؤمر بِهِ فِي الأعياد والعرسات وَمَا يجْرِي مجْراهَا مِمَّا ينبسط عِنْده الْمُسلمُونَ وينشطون فِيهِ فِي مجامعهم ومآدبهم. وَذكرنَا فِي عدَّة مَوَاضِع مَا يكره من تَرْجِيع الْغناء و. طيط فِي تِلَاوَة الْقُرْآن وإنشاد الْعشْر، وأوضحنا سُقُوط من موه على النَّاس فِي ذَلِك وَتعلق بسخيف الشّبَه فِيهِ إرهاصًا لمعيشته وتوطئًا للحطام من مأكلته، وَإِن فِي وفور السرُور واستقامة الْأُمُور بِالتَّصَرُّفِ فِيمَا أَبَاحَهُ الله وَأذن فِيهِ لمندوحة عَمَّا حظره وزجر عَنْهُ وعابه.
ابْن وَرْقَاء يحْسب الشّعْر قُرْآنًا
حَدثنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد قَالَ أخبرنَا أبن عُثْمَان عَن التوزي عَن أَبِي عُبَيْدَة قَالَ:
стр. 598
خطب عتاب بْن وَرْقَاء الريَاحي على الْمِنْبَر فَقَالَ: أَقُول كَمَا قَالَ الله تَعَالَى فِي كِتَابه:
لَيْسَ شَيْء على الْمنون بباقٍ ... غير وَجه المسبح الخلاق
فَقيل لَهُ: أَيهَا الْأَمِير، هَذَا قَول عدي بْن زيد، فَقَالَ: فَنعم وَالله مَا قَالَ عدي بْن زيد.
قَالَ ابْن دُرَيْد أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَان فِي عقب هَذَا الحَدِيث وَلم يسْندهُ إِلَى أحد قَالَ: أُتِي عتاب بْن وَرْقَاء بِامْرَأَة من الْخَوَارِج فَقَالَ لَهَا: يَا عدوة الله مَا حملك على الْخُرُوج علينا؟ أما سَمِعت الله يَقُول:
كتب الْقَتْل والقتال علينا ... وعَلى الْمُحْصنَات جر الذيول
فَقَالَت: جهلك بِكِتَاب الله حَملَنِي على الْخُرُوج عَلَيْك وعَلى أئمتك يَا عَدو الله.
كَيفَ سَار الْمثل الْخَيْر يبْقى وَالشَّر أَخبث زَاد
حَدثنَا الْحُسَيْن بْن الْقَاسِم الكوكبي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الفَضْل الربعِي قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي، وَحدثنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن السَّائِب عَن أَبِيه عَن الشَّرْقِي بْن الْقطَامِي وألفاظ الرِّوَايَتَيْنِ مُخْتَلفَة ومعاينهما مُتَقَارِبَة قَالَ، قَالَ الرشيد للمفضل الضَّبِّيّ: أَخْبرنِي يَا مفضل عَن قَول الْعَرَب:
الْخَيْر يبْقى وَإِن طَال الزَّمَان بِهِ ... وَالشَّر أَخبث مَا أوعيت من زَاد
فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذَا مثل لَهُم سَائِر قبل الْإِسْلَام، وَكَانَ من حَدِيث هَذَا الْمثل أَن عبيد بْن الأبرص الْأَسدي كَانَ حكيمًا من حكماء الْعَرَب وشاعرًا مجيدًا، قَتله الْمُنْذر بْن مَاء السَّمَاء من أجل الغريين وَكَانَ من حَدِيث هَذَا الْمثل قبل أَن يقْتله الْمُنْذر بِثَلَاثَة أَحْوَال أَن نَاسا نزلُوا عَلَيْهِ فقراهم وَأحسن ضيافتهم وَكَانَ يقري الضَّيْف وَيحسن إِلَى الْمُنْقَطع بِهِ، فَلَمَّا أَرَادَ الْقَوْم الرحيل خرج مَعَهم يشيعهم، فشيعهم حَتَّى أبعدوا ونزلوا فِي مَوضِع وَقَالَ غَيره: فَلَمَّا نزل الْقَوْم وعرسوا خرج عبيد وَصَاحب لَهُ يمشيان فِي الْموضع الَّذِي نزل الْقَوْم فِيهِ، وسارا حَتَّى أَتَيَا حبا هُنَاكَ فرأيا شجاعًا عَظِيما أَقرع يَلْهَث قد أدلع لِسَانه من الْعَطش، فَأخذ صَاحب عبيدٍ حجرا وهم أَن يشدخه بِهِ، فَقَالَ لَهُ عبيد: مَا أَنْت صانع؟ قَالَ: أقتل هَذَا الشجاع فَإِنَّهُ عَدو، قَالَ عبيد: لَا تفعل فَإِن الْأَسير قد يجار وَإِن كَانَ عدوا، ثُمَّ استقى من الْحبّ مَاء فسقى الشجاع، فَجعل يشرب حَتَّى رُوِيَ، ثُمَّ تسبسب فِي الرمل فَغَاب، قَالَ: وَرجع عبيد إِلَى الْقَوْم فودعهم ثُمَّ رحلوا، وَرجع عبيد إِلَى منزله فَأَقَامَ حَوْلَيْنِ، فَأَتَاهُ بعض الرُّعَاة فخبره أَن إبِله قد شَردت فَركب رَاحِلَة لَهُ وَخرج فِي طلب الْإِبِل، وَكَانَ شجاعًا بطلا، فَسَار عشر مراحل لَا يرى لَهُ أثرا وَلَا يعرف لَهَا خَبرا، حَتَّى إِذَا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي وَقد كلت رَاحِلَته وتعب وأظلم اللَّيْل وهبت الرِّيَاح فَلم ير سهلا وَلَا جبلا نفقت الرَّاحِلَة، فَقَالَ: يَا لَك من ليلٍ ديجور وَمن نفوق راحلةٍ بِاللَّيْلِ، وَكَانَ الْموضع الَّذِي هُوَ فِيهِ يُقَال لَهُ الصادي وَهُنَاكَ مَاء، فَقَالَ: وَالله مَا أرى إِلَّا
стр. 599
الْإِقَامَة على هَذَا المَاء وَالْمَوْت، ثُمَّ حط رَحْله عَن رَاحِلَته وَأسْندَ ظَهره إِلَيْهِ وطأطأ رَأسه إِلَى الأَرْض وَجمع أثوابه عَلَيْهِ، فَإِذا هَاتِف يَهْتِف بِهِ من خَلفه، يسمع صَوته وَلَا يرى شخصه وَهُوَ يَقُول:
يَا أَيهَا الشَّخْص المضل مذْهبه ... وَلَيْسَ مَعَه من أنيس يصحيه
دُونك هَذَا الْبكر خُذْهُ فاركبه ... حَتَّى إِذا اللَّيْل توارى مغربه
بساطع الصُّبْح ولاح كوكبه ... فحط عَنْهُ رَحْله وسبسبه
قَالَ القَاضِي: ويرويى تواري غيهبه، والغيهب الظلمَة. فَالْتَفت وَرَاءه فَإِذا بكر مَعْقُول عَلَيْهِ رَحل، فَوَثَبَ حَتَّى حل عقاله وَصَارَ فِي مَتنه، فَوَثَبَ الْبكر من غير أَن يثيره حَتَّى استقام على الطَّرِيق يسير بِهِ كالبرق الخاطف وكالريح العاصف لَا يلوي على شيءٍ وَلَا يفتر من السّير، حَتَّى إِذا كَانَ فِي وَجه الصُّبْح وَنظر عبيد إِلَى بَيَاض الْحيرَة برك الْبكر فَلم يقم، فاستحثه فَلم يقم، فَقَالَ: إِنَّه لمأمور، وثنى رجله فَنزل عَنْهُ وَولى نَاحيَة فثار الْبكر يجر بزمامه، فَقَالَ عبيد: بكر يسري فِي ليلةٍ واحدةٍ عشر مراحل لَا أسأله مَا أَنْت وَلَا من الَّذِي أرسلك إِلَيّ؟! ثُمَّ أدَار وَجهه إِلَيْهِ وَهُوَ يَقُول:
يَا أَيهَا الْكبر قد أنجيت من كربٍ ... وَمن فيافٍ تضل المدلج الْهَادِي
أَلا أنبت لنا بالْقَوْل نعرفه ... من الَّذِي جاد بالنعماء فِي الْوَادي
اذْهَبْ سليما فقد بلغت مأمننا ... بوركت من ذِي سنامٍ حَامِل حادي
قَالَ: فَأَجَابَهُ الْبكر وَهُوَ يَقُول:
أَنا الشجاع الَّذِي ألفيته رَمضًا ... يُنَازع المَاء من ذِي المورد الصادي
فجدت بِالْمَاءِ لما ضن حامله ... رويت هامي وَلم تولع بإنكادي
الْخَيْر يبْقى وَإِن طَال الزَّمَان بِهِ ... وَالشَّر أَخبث مَا أوعيت من زَاد
قَالَ القَاضِي وَيرى: مَا أوعبت فِي الزَّاد
هَذَا جزاؤك من لَا أَمن بِهِ ... فسر سليما وقاك الله من هاد
فَقَالَ لَهُ الرشيد: أَحْسَنت يَا مفضل، يَا ربيع أعْطه عشْرين ألفا، عشرَة آلَاف لمعرفته بِالْمثلِ وَأَصله، وَعشرَة آلَاف لحسن رِوَايَته لَهُ.
قَالَ القَاضِي: فِي هَذَا الْخَبَر نفقت الرَّاحِلَة وَإِنَّمَا يُقَال نفق الْفرس وتنبل الْبَعِير.
ابْن الزُّبَيْر بنشد مُعَاوِيَة ثَلَاثَة أَبْيَات حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَنْبَارِي قَالَ حَدثنِي أبي قل حَدَّثَنِي أَبُو أَحْمَدَ الْعَبَّاسُ قَالَ أَخْبَرَنَا عُمَر بْن مُحَمَّد بْن حَفْصٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خُبَيْقٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ مُعَاوِيَةُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنْشِدْنِي ثَلاثَةَ أَبْيَاتٍ غَرِيبَةٍ، قَالَ: أُنْشِدُكَهَا
стр. 600
بِثَلاثِينَ أَلْفًا تَدْفَعُهَا إِلَيَّ، قَالَ: حَتَّى تُنْشِدَ فَأَسْمَعَ، قَالَ: فَأَنَا أَقُولُ وَتَسْمَعُ وَأَنْتَ الْحَكَمُ، فَأَنْشَدَهُ أبياتاً لِلأَفْوَهِ الأَوْدِيِّ:
بَلَوْتُ النَّاسَ قَرْنًا بَعْدَ قرنٍ ... فَلَمْ أَرَ غَيْرَ ختالٍ وَقَالِ
وَلَمْ أَرَ فِي الْخُطُوبِ أَشَدَّ شَرًّا ... وَأَضْنَى مِنْ مُعَادَاةِ الرِّجَالِ
وَذُقْتُ مَرَارَةَ الأَشْيَاءِ طُرًّا ... فَمَا شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ السُّؤَالِ
قَالَ: فَحَكَمَ لَهُ وَدَفَعَ إِلَيْهِ ثَلاثِينَ أَلْفًا.
عمر معجب بِمُعَاوِيَة
حَدَّثَنَا يَزْدَادُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى يَعْنِي تِينَةَ قَالَ حَدَّثَنَا الْعُتْبِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: خرج عُمَرُ يَسِيرُ فِي عَمَلِهِ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْ دِمَشْقَ تَلَقَّاهُ مُعَاوِيَةُ فِي مَوْكِبٍ لَهُ رِزٌّ، وَعُمَرُ عَلَى حِمَارٍ إِلَى جَنْبِهِ عَبْدُ الرَّحْمَن ابْن عَوْفٍ عَلَى حِمَارٍ آخَرَ، فَلَمْ يَرَهُمَا مُعَاوِيَةُ وَطَوَاهُمَا، فَقِيلَ لَهُ: خَلَّفْتَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَرَاءَكَ، فَرَجَعَ فَلَمَّا رَآهُ نَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ فَأَعْرَضَ عَنْهُ عُمَرُ وَمَشَى حَتَّى عَلَّقَ نَفْسَهُ بِأَرْنَبَتِهِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَجْهَدَتَ الرَّجُلَ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا مُعَاوِيَةُ أَأَنْتَ صَاحِبُ الْمَوْكِبِ آنِفًا مَعَ مَا يَبْلُغُنِي مِنْ طُولِ وُقُوفِ ذَوِي الْحَاجَاتِ بِبَابِكَ؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: نَعَمْ، فَرَفَعَ عُمَرُ ﵁ صَوْتَهُ فَقَالَ: وَلِمَ وَيْلُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّا فِي بِلادٍ لَا يَمْتَنِعُ فِيهَا مِنْ جَوَاسِيسِ الْعَدو، وَلَا بدلهم مِمَّا يُرْهِبُهُمْ مِنْ آلَةِ السُّلْطَانِ، فَإِن أَمرتنِي أَقمت عَلَيْهِ وَإِنِّي نَهَيْتَنِي عَنْهُ انْتَهَيْتُ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا مُعَاوِيَةُ وَاللَّهِ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ أَكْرَهُهُ فَأُعَاتِبُكَ عَلَيْهِ إِلَّا تركنني مِنْهُ فِي أَضْيَقَ مِنْ رَوَاجِبِ الْفَرَسِ، فَإِنْ كَانَ مَا قُلْتَ حَقًّا إِنَّهُ لَرَأْيُ أَدِيبٍ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلا إِنَّهَا لَخَدْعَةُ أَرِيبٍ، لَا آمُرُكَ بِهِ وَلا أَنْهَاكَ عَنْهُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لأَحْسَنَ الْفَتَى الْمَصْدَرَ فِيمَا أرودته فِيهِ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: لِحُسْنِ مَصَادِرِهِ وَمَوَارِدِهِ جَشَّمْنَاهُ مَا جَشَّمْنَاهُ.
تَوْلِيَة الْمُهلب خُرَاسَان
حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر الْعُقَيْليّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاق الطَّلْحي قَالَ حَدثنَا أَحْمد ابْن مُعَاوِيَة قَالَ قَالَ ابْن الْكُوفِي: لما قدم الْمُهلب على الْحجَّاج بعد فَرَاغه من أَمر الْأزَارِقَة وقتالهم، أكْرمه الْحجَّاج وشرفه وَبلغ لَهُ الْغَايَة، قَالَ: فَخرج الْحجَّاج يَوْمًا أخذا بيد الْمُهلب، حَتَّى إِذا انْتهى إِلَى الْمِحْرَاب قالم ثُمّ قَالَ: يَا أَبَا سعيد أَنا أطول أم أَنْت؟ فَقَالَ: الْأَمِير أطول مني وَأَنا أشخص مِنْهُ، فَلَمَّا انْصَرف من صلَاته أَخذ بِيَدِهِ فَأدْخلهُ مَعَه ثُمَّ قَالَ لَهُ: سجسنان خير ولَايَة أم خُرَاسَان؟ قَالَ: سجستان قَالَ: وَكَيف؟ قَالَ: لِأَنَّهَا ثغر كابل وزابلستان، وان خُرَاسَان ثغر التّرْك، قَالَ أَيهمَا أحب إِلَيْك أَن يَلِيهِ رجل مثلك؟ قَالَ: إِن أمثالي فِي النَّاس لكثير وَمَا نَحن حَيْثُ يرى النَّاس، قَالَ: سر إِلَى سجستان، قَالَ: غَيْرِي خير لَك فِيهَا مني وَأَنا بخراسان خير لَك من غَيْرِي، قَالَ: وَلم؟ قَالَ: لِأَن بَدْء نعْمَة الله عَليّ بعد الْإِسْلَام كَانَ فِي غزوتي خُرَاسَان
следующие страницы →