Полный текст (740 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
جائرًا، وَلَكِنِّي لَا أرضي إِلَّا بِإِزَالَة الشُّبْهَة وَغَلَبَة الْحجَّة، وَإِن شَرّ الْمُلُوك عقلا وأسخفهم رَأيا من رَضِي بقَوْلهمْ صدق الْأَمِير.
لَا باس أَن يكون الْخَال اشرف من الْعم
حَدثنَا يزْدَاد بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى يَعْنِي تينة قَالَ حَدَّثَنَا القحذمي قَالَ: تزوج قيس بْن معد يكرب بنت الْحَارِث بْن عَمْرو من بني آكل المرار فَولدت لَهُ الْأَشْعَث بْن قيس ففال أَبُو هَانِئ الْكِنْدِيّ:
بَنَات الْحَارِث الْملك بْن عمروٍ ... تخيرها فَتنْكح فِي ذراها
لَهَا الويلات إِذا أنكحتموها ... أَلا طعنت بمديتها حشاها
وَقد نبئتها ولدت غُلَاما ... فَلَا عَاشَ الْغُلَام وَلَا هناها
فَأَجَابَهُ أَبُو قساس الْكِنْدِيّ:
أَلا أبلغ لديك أَبَا هني ... أَلا تنْهى لسَانك عَن رداها
فقد طالبت هندًا قبل قيسٍ ... لتنكحها فَلم تَكُ من هَواهَا
فطافت فِي المناهل تبتغيها ... فلاقت منهلا عذبًا شفاها
شَدِيد الساعدين أَخا حروبٍ ... إِذا مَا سيل منقصة أَبَاهَا
وَمَا حثت مطيته إِلَيْهَا ... وَلَا من فَوق ذروتها أَتَاهَا
قَالَ عِيسَى قَالَ القحذمي: وَآل الْأَشْعَث ينشدون هَذَا الشّعْر وَلَا ينكرونه قَالَ: وَا لأشراف لَا يبالون أَن يكون أخوالهم أشرف من أعمامهم.
اللِّسَان فِي اللُّغَة
قَالَ القَاضِي: قَوْله فِي هَذَا الشّعْر: أَلا تنْهى لسَانك عَن رداها أنث اللِّسَان، وَذكر أهل الْعلم بِالْعَرَبِيَّةِ أَن الْعَرَب تذكر اللِّسَان وتؤنثه وَقيل من أنثه أَرَادَ بِهِ اللُّغَة والرسالة كَقَوْل الشَّاعِر:
إِنِّي أَتَتْنِي لِسَان لَا أسر بهَا ... من علو لَا صخب فِيهَا وَلَا سخر
مقولة لعَلي فِي مَفْهُوم الْقَضَاء وَالْقدر
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَلْبِيّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زَكَرِيَّا الْغَلابِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ:
لَمَّا قَدِمَ عَلِيٌّ ﵁ مِنْ صِفِّينَ قَامَ إِلَيْهِ شَيْخٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنِي عَنْ مَسِيرِنَا إِلَى أَهْلِ الشَّامِ، بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ ﵇: وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، مَا قَطَعْنَا وَادِيًا وَلا عَلَوْنَا تَلْعَةً إِلا بِقَضَاءٍ وقدرٍ، فَقَالَ الشَّيْخُ: عِنْدَ اللَّهِ أَحْتَسِبُ عَنَائِي، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵇، وَلِمَ؟ بَلْ عَظَّمَ اللَّهُ أَجْرَكُمْ فِي مَسِيرِكُمْ وَأَنْتُمْ مُصْعِدُونَ، وَفِي مُنْحَدَرِكُمْ وَأَنْتُمْ مُنْحَدِرُونَ، وَمَا
стр. 597
كُنْتُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِكُمْ مُكْرَهِينَ وَلا إِلَيْهَا مُضْطَرِّينَ، فَقَالَ الشَّيْخُ: كَيْفَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ سَاقَنَا إِلَيْهَا؟ قَالَ: وَيْحَكَ لَعَلَّكَ ظَنَنْتَهُ قَضَاءً لازِمًا وَقدرا حاتماً، لَو كَانَ ذَاكَ لَسَقَطَ الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ، وَلَبَطُلَ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ وَلا أَتَتْ لائِمَةٌ مِنَ اللَّهِ لِمُذْنِبٍ، وَلا مَحْمَدَةٌ مِنَ اللَّهِ لِمُحْسِنٍ، وَلا كَانَ الْمُحْسِنُ أَوْلَى بِثَوَابِ الإِحْسَانِ مِنَ الْمُذْنِبِ، ذَلِكَ مَقَالُ إِخْوَانِ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ وَجُنُودِ الشَّيْطَانِ وَخُصَمَاءِ الرَّحْمَنِ، وَهُمْ قَدَرِيَّةُ هَذِهِ الأُمَّةِ وَمَجُوسُهَا، وَلَكِنِ اللَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِالْخَيْرِ تَخْيِيرًا، وَنَهَى عَنِ الشَّرِّ تَحْذِيرًا، وَلَمْ يُعْصَ مَغْلُوبًا، وَلَمْ يُطَعْ مُكْرَهًا، وَلَمْ يَمْلِكْ تَفْوِيضًا، وَلا خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا أَرَى فِيهِمَا مِنْ عَجَائِبِ آيَاتِهِمَا بَاطِلا " ذَلِك ظن الَّذين كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ " ص: ٢٧.
فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا كَانَ الْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ الَّذِي كَانَ فِيهِ مَسِيرُنَا وَمُنْصَرَفُنَا؟ قَالَ: ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ وَحِكْمَتُهُ. ثُمَّ قَرَأَ عَلِيٌّ ﵁ " وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ " الْإِسْرَاء:٢٣ فَقَامَ الشَّيْخُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ:
أَنْتَ الإِمَامُ الَّذِي نَرْجُو بِطَاعَتِهِ ... يَوْمَ النُّشُورِ مِنَ الرَّحْمَنِ رِضْوَانَا
أَوْضَحْتَ مِنْ دِينِنَا مَا كَانَ مُلْتَبِسًا ... جَزَاكَ رَبُّكَ عَنَّا فِيهِ إِحْسَانَا
الْمجْلس الثَّمَانُونَ
يَا أَبَا بكر دعها فَإِن لكل قوم عيدًا
أَخْبَرَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَهَا جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ فِي يَوْمِ عِيدٍ وَعِنْدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَنْهَاهَا، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَانْتَهَرَهَا، فَقَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : يَا أَبَا بَكْرٍ دَعْهَا فَإِنَّ لِكُلِّ قومٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا.
الرُّخْصَة فِي الْغناء الْمُبَاح
قَالَ القَاضِي: قد ضمنا هَذِه الْمجَالِس نَظَائِر لهَذَا الْخَبَر، وَذكرنَا فِي غير مَوضِع من كتبنَا مَا جَاءَ من الرُّخْصَة فِي الْغناء الْمُبَاح وَمَا يسْتَعْمل مَعَه من آلَات الملاهي كالدف وَنَحْوه، وَأَن ذَلِك يخْتَار وَيُؤمر بِهِ فِي الأعياد والعرسات وَمَا يجْرِي مجْراهَا مِمَّا ينبسط عِنْده الْمُسلمُونَ وينشطون فِيهِ فِي مجامعهم ومآدبهم. وَذكرنَا فِي عدَّة مَوَاضِع مَا يكره من تَرْجِيع الْغناء و. طيط فِي تِلَاوَة الْقُرْآن وإنشاد الْعشْر، وأوضحنا سُقُوط من موه على النَّاس فِي ذَلِك وَتعلق بسخيف الشّبَه فِيهِ إرهاصًا لمعيشته وتوطئًا للحطام من مأكلته، وَإِن فِي وفور السرُور واستقامة الْأُمُور بِالتَّصَرُّفِ فِيمَا أَبَاحَهُ الله وَأذن فِيهِ لمندوحة عَمَّا حظره وزجر عَنْهُ وعابه.
ابْن وَرْقَاء يحْسب الشّعْر قُرْآنًا
حَدثنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد قَالَ أخبرنَا أبن عُثْمَان عَن التوزي عَن أَبِي عُبَيْدَة قَالَ:
стр. 598
خطب عتاب بْن وَرْقَاء الريَاحي على الْمِنْبَر فَقَالَ: أَقُول كَمَا قَالَ الله تَعَالَى فِي كِتَابه:
لَيْسَ شَيْء على الْمنون بباقٍ ... غير وَجه المسبح الخلاق
فَقيل لَهُ: أَيهَا الْأَمِير، هَذَا قَول عدي بْن زيد، فَقَالَ: فَنعم وَالله مَا قَالَ عدي بْن زيد.
قَالَ ابْن دُرَيْد أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَان فِي عقب هَذَا الحَدِيث وَلم يسْندهُ إِلَى أحد قَالَ: أُتِي عتاب بْن وَرْقَاء بِامْرَأَة من الْخَوَارِج فَقَالَ لَهَا: يَا عدوة الله مَا حملك على الْخُرُوج علينا؟ أما سَمِعت الله يَقُول:
كتب الْقَتْل والقتال علينا ... وعَلى الْمُحْصنَات جر الذيول
فَقَالَت: جهلك بِكِتَاب الله حَملَنِي على الْخُرُوج عَلَيْك وعَلى أئمتك يَا عَدو الله.
كَيفَ سَار الْمثل الْخَيْر يبْقى وَالشَّر أَخبث زَاد
حَدثنَا الْحُسَيْن بْن الْقَاسِم الكوكبي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الفَضْل الربعِي قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي، وَحدثنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن السَّائِب عَن أَبِيه عَن الشَّرْقِي بْن الْقطَامِي وألفاظ الرِّوَايَتَيْنِ مُخْتَلفَة ومعاينهما مُتَقَارِبَة قَالَ، قَالَ الرشيد للمفضل الضَّبِّيّ: أَخْبرنِي يَا مفضل عَن قَول الْعَرَب:
الْخَيْر يبْقى وَإِن طَال الزَّمَان بِهِ ... وَالشَّر أَخبث مَا أوعيت من زَاد
فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذَا مثل لَهُم سَائِر قبل الْإِسْلَام، وَكَانَ من حَدِيث هَذَا الْمثل أَن عبيد بْن الأبرص الْأَسدي كَانَ حكيمًا من حكماء الْعَرَب وشاعرًا مجيدًا، قَتله الْمُنْذر بْن مَاء السَّمَاء من أجل الغريين وَكَانَ من حَدِيث هَذَا الْمثل قبل أَن يقْتله الْمُنْذر بِثَلَاثَة أَحْوَال أَن نَاسا نزلُوا عَلَيْهِ فقراهم وَأحسن ضيافتهم وَكَانَ يقري الضَّيْف وَيحسن إِلَى الْمُنْقَطع بِهِ، فَلَمَّا أَرَادَ الْقَوْم الرحيل خرج مَعَهم يشيعهم، فشيعهم حَتَّى أبعدوا ونزلوا فِي مَوضِع وَقَالَ غَيره: فَلَمَّا نزل الْقَوْم وعرسوا خرج عبيد وَصَاحب لَهُ يمشيان فِي الْموضع الَّذِي نزل الْقَوْم فِيهِ، وسارا حَتَّى أَتَيَا حبا هُنَاكَ فرأيا شجاعًا عَظِيما أَقرع يَلْهَث قد أدلع لِسَانه من الْعَطش، فَأخذ صَاحب عبيدٍ حجرا وهم أَن يشدخه بِهِ، فَقَالَ لَهُ عبيد: مَا أَنْت صانع؟ قَالَ: أقتل هَذَا الشجاع فَإِنَّهُ عَدو، قَالَ عبيد: لَا تفعل فَإِن الْأَسير قد يجار وَإِن كَانَ عدوا، ثُمَّ استقى من الْحبّ مَاء فسقى الشجاع، فَجعل يشرب حَتَّى رُوِيَ، ثُمَّ تسبسب فِي الرمل فَغَاب، قَالَ: وَرجع عبيد إِلَى الْقَوْم فودعهم ثُمَّ رحلوا، وَرجع عبيد إِلَى منزله فَأَقَامَ حَوْلَيْنِ، فَأَتَاهُ بعض الرُّعَاة فخبره أَن إبِله قد شَردت فَركب رَاحِلَة لَهُ وَخرج فِي طلب الْإِبِل، وَكَانَ شجاعًا بطلا، فَسَار عشر مراحل لَا يرى لَهُ أثرا وَلَا يعرف لَهَا خَبرا، حَتَّى إِذَا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي وَقد كلت رَاحِلَته وتعب وأظلم اللَّيْل وهبت الرِّيَاح فَلم ير سهلا وَلَا جبلا نفقت الرَّاحِلَة، فَقَالَ: يَا لَك من ليلٍ ديجور وَمن نفوق راحلةٍ بِاللَّيْلِ، وَكَانَ الْموضع الَّذِي هُوَ فِيهِ يُقَال لَهُ الصادي وَهُنَاكَ مَاء، فَقَالَ: وَالله مَا أرى إِلَّا
стр. 599
الْإِقَامَة على هَذَا المَاء وَالْمَوْت، ثُمَّ حط رَحْله عَن رَاحِلَته وَأسْندَ ظَهره إِلَيْهِ وطأطأ رَأسه إِلَى الأَرْض وَجمع أثوابه عَلَيْهِ، فَإِذا هَاتِف يَهْتِف بِهِ من خَلفه، يسمع صَوته وَلَا يرى شخصه وَهُوَ يَقُول:
يَا أَيهَا الشَّخْص المضل مذْهبه ... وَلَيْسَ مَعَه من أنيس يصحيه
دُونك هَذَا الْبكر خُذْهُ فاركبه ... حَتَّى إِذا اللَّيْل توارى مغربه
بساطع الصُّبْح ولاح كوكبه ... فحط عَنْهُ رَحْله وسبسبه
قَالَ القَاضِي: ويرويى تواري غيهبه، والغيهب الظلمَة. فَالْتَفت وَرَاءه فَإِذا بكر مَعْقُول عَلَيْهِ رَحل، فَوَثَبَ حَتَّى حل عقاله وَصَارَ فِي مَتنه، فَوَثَبَ الْبكر من غير أَن يثيره حَتَّى استقام على الطَّرِيق يسير بِهِ كالبرق الخاطف وكالريح العاصف لَا يلوي على شيءٍ وَلَا يفتر من السّير، حَتَّى إِذا كَانَ فِي وَجه الصُّبْح وَنظر عبيد إِلَى بَيَاض الْحيرَة برك الْبكر فَلم يقم، فاستحثه فَلم يقم، فَقَالَ: إِنَّه لمأمور، وثنى رجله فَنزل عَنْهُ وَولى نَاحيَة فثار الْبكر يجر بزمامه، فَقَالَ عبيد: بكر يسري فِي ليلةٍ واحدةٍ عشر مراحل لَا أسأله مَا أَنْت وَلَا من الَّذِي أرسلك إِلَيّ؟! ثُمَّ أدَار وَجهه إِلَيْهِ وَهُوَ يَقُول:
يَا أَيهَا الْكبر قد أنجيت من كربٍ ... وَمن فيافٍ تضل المدلج الْهَادِي
أَلا أنبت لنا بالْقَوْل نعرفه ... من الَّذِي جاد بالنعماء فِي الْوَادي
اذْهَبْ سليما فقد بلغت مأمننا ... بوركت من ذِي سنامٍ حَامِل حادي
قَالَ: فَأَجَابَهُ الْبكر وَهُوَ يَقُول:
أَنا الشجاع الَّذِي ألفيته رَمضًا ... يُنَازع المَاء من ذِي المورد الصادي
فجدت بِالْمَاءِ لما ضن حامله ... رويت هامي وَلم تولع بإنكادي
الْخَيْر يبْقى وَإِن طَال الزَّمَان بِهِ ... وَالشَّر أَخبث مَا أوعيت من زَاد
قَالَ القَاضِي وَيرى: مَا أوعبت فِي الزَّاد
هَذَا جزاؤك من لَا أَمن بِهِ ... فسر سليما وقاك الله من هاد
فَقَالَ لَهُ الرشيد: أَحْسَنت يَا مفضل، يَا ربيع أعْطه عشْرين ألفا، عشرَة آلَاف لمعرفته بِالْمثلِ وَأَصله، وَعشرَة آلَاف لحسن رِوَايَته لَهُ.
قَالَ القَاضِي: فِي هَذَا الْخَبَر نفقت الرَّاحِلَة وَإِنَّمَا يُقَال نفق الْفرس وتنبل الْبَعِير.
ابْن الزُّبَيْر بنشد مُعَاوِيَة ثَلَاثَة أَبْيَات حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَنْبَارِي قَالَ حَدثنِي أبي قل حَدَّثَنِي أَبُو أَحْمَدَ الْعَبَّاسُ قَالَ أَخْبَرَنَا عُمَر بْن مُحَمَّد بْن حَفْصٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خُبَيْقٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ مُعَاوِيَةُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنْشِدْنِي ثَلاثَةَ أَبْيَاتٍ غَرِيبَةٍ، قَالَ: أُنْشِدُكَهَا
стр. 600
بِثَلاثِينَ أَلْفًا تَدْفَعُهَا إِلَيَّ، قَالَ: حَتَّى تُنْشِدَ فَأَسْمَعَ، قَالَ: فَأَنَا أَقُولُ وَتَسْمَعُ وَأَنْتَ الْحَكَمُ، فَأَنْشَدَهُ أبياتاً لِلأَفْوَهِ الأَوْدِيِّ:
بَلَوْتُ النَّاسَ قَرْنًا بَعْدَ قرنٍ ... فَلَمْ أَرَ غَيْرَ ختالٍ وَقَالِ
وَلَمْ أَرَ فِي الْخُطُوبِ أَشَدَّ شَرًّا ... وَأَضْنَى مِنْ مُعَادَاةِ الرِّجَالِ
وَذُقْتُ مَرَارَةَ الأَشْيَاءِ طُرًّا ... فَمَا شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ السُّؤَالِ
قَالَ: فَحَكَمَ لَهُ وَدَفَعَ إِلَيْهِ ثَلاثِينَ أَلْفًا.
عمر معجب بِمُعَاوِيَة
حَدَّثَنَا يَزْدَادُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى يَعْنِي تِينَةَ قَالَ حَدَّثَنَا الْعُتْبِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: خرج عُمَرُ يَسِيرُ فِي عَمَلِهِ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْ دِمَشْقَ تَلَقَّاهُ مُعَاوِيَةُ فِي مَوْكِبٍ لَهُ رِزٌّ، وَعُمَرُ عَلَى حِمَارٍ إِلَى جَنْبِهِ عَبْدُ الرَّحْمَن ابْن عَوْفٍ عَلَى حِمَارٍ آخَرَ، فَلَمْ يَرَهُمَا مُعَاوِيَةُ وَطَوَاهُمَا، فَقِيلَ لَهُ: خَلَّفْتَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَرَاءَكَ، فَرَجَعَ فَلَمَّا رَآهُ نَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ فَأَعْرَضَ عَنْهُ عُمَرُ وَمَشَى حَتَّى عَلَّقَ نَفْسَهُ بِأَرْنَبَتِهِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَجْهَدَتَ الرَّجُلَ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا مُعَاوِيَةُ أَأَنْتَ صَاحِبُ الْمَوْكِبِ آنِفًا مَعَ مَا يَبْلُغُنِي مِنْ طُولِ وُقُوفِ ذَوِي الْحَاجَاتِ بِبَابِكَ؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: نَعَمْ، فَرَفَعَ عُمَرُ ﵁ صَوْتَهُ فَقَالَ: وَلِمَ وَيْلُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّا فِي بِلادٍ لَا يَمْتَنِعُ فِيهَا مِنْ جَوَاسِيسِ الْعَدو، وَلَا بدلهم مِمَّا يُرْهِبُهُمْ مِنْ آلَةِ السُّلْطَانِ، فَإِن أَمرتنِي أَقمت عَلَيْهِ وَإِنِّي نَهَيْتَنِي عَنْهُ انْتَهَيْتُ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا مُعَاوِيَةُ وَاللَّهِ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ أَكْرَهُهُ فَأُعَاتِبُكَ عَلَيْهِ إِلَّا تركنني مِنْهُ فِي أَضْيَقَ مِنْ رَوَاجِبِ الْفَرَسِ، فَإِنْ كَانَ مَا قُلْتَ حَقًّا إِنَّهُ لَرَأْيُ أَدِيبٍ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلا إِنَّهَا لَخَدْعَةُ أَرِيبٍ، لَا آمُرُكَ بِهِ وَلا أَنْهَاكَ عَنْهُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لأَحْسَنَ الْفَتَى الْمَصْدَرَ فِيمَا أرودته فِيهِ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: لِحُسْنِ مَصَادِرِهِ وَمَوَارِدِهِ جَشَّمْنَاهُ مَا جَشَّمْنَاهُ.
تَوْلِيَة الْمُهلب خُرَاسَان
حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر الْعُقَيْليّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاق الطَّلْحي قَالَ حَدثنَا أَحْمد ابْن مُعَاوِيَة قَالَ قَالَ ابْن الْكُوفِي: لما قدم الْمُهلب على الْحجَّاج بعد فَرَاغه من أَمر الْأزَارِقَة وقتالهم، أكْرمه الْحجَّاج وشرفه وَبلغ لَهُ الْغَايَة، قَالَ: فَخرج الْحجَّاج يَوْمًا أخذا بيد الْمُهلب، حَتَّى إِذا انْتهى إِلَى الْمِحْرَاب قالم ثُمّ قَالَ: يَا أَبَا سعيد أَنا أطول أم أَنْت؟ فَقَالَ: الْأَمِير أطول مني وَأَنا أشخص مِنْهُ، فَلَمَّا انْصَرف من صلَاته أَخذ بِيَدِهِ فَأدْخلهُ مَعَه ثُمَّ قَالَ لَهُ: سجسنان خير ولَايَة أم خُرَاسَان؟ قَالَ: سجستان قَالَ: وَكَيف؟ قَالَ: لِأَنَّهَا ثغر كابل وزابلستان، وان خُرَاسَان ثغر التّرْك، قَالَ أَيهمَا أحب إِلَيْك أَن يَلِيهِ رجل مثلك؟ قَالَ: إِن أمثالي فِي النَّاس لكثير وَمَا نَحن حَيْثُ يرى النَّاس، قَالَ: سر إِلَى سجستان، قَالَ: غَيْرِي خير لَك فِيهَا مني وَأَنا بخراسان خير لَك من غَيْرِي، قَالَ: وَلم؟ قَالَ: لِأَن بَدْء نعْمَة الله عَليّ بعد الْإِسْلَام كَانَ فِي غزوتي خُرَاسَان
стр. 601
مَعَ الْغِفَارِيّ، وَابْن أَبِي بكرَة بسجستان خير لَك من لِأَن أَهلهَا أحبوه لحسن أياديه فيهم وَأَنا بخراسان خير مِنْهُ، قَالَ: وَمَا كنت تلِي من أَمر الْغِفَارِيّ؟ قَالَ: كنت فِيمَن صَحبه فَلَمَّا نزلنَا بيهق ودنونا من عدونا قَالَ الْغِفَارِيّ: هَل من فوارس ينظرُونَ لنا أمامنا وَإِن أَصَابُوا أحدا أَتَوا بِهِ، فَانْتدبَ منا مَعَ صَاحب شرطته عشرَة فوارس فلقينا عدتنا من عدونا، فَقَالَ أَصْحَابِي: قد عاينا طلائع الْقَوْم فانصرفوا، فَقلت: وَمَا عَلَيْكُم أَن نشامهم؟ فَأَبَوا وَانْصَرفُوا وَتَقَدَّمت فَقتل الله الْعشْرَة على يَدي، ثُمَّ انصرفت برؤوسهم ودوابهم وأسلابهم معي، وَقد كَانَ أَصْحَابِي نعوني إِلَى الْغِفَارِيّ، فَلَمَّا رَآنِي ضحك وَقَالَ:
كبا الْقَوْم عِنْد عيان الرِّهَان ... ونال الْمُهلب حَظّ الْفرس
ففاز الْمُهلب بالمكرمات ... وآب عُمَيْر بِحَدّ التعس
ثمَّ ولاني شرطته وَخرج إِلَيّ من أمره. فولاه الْحجَّاج خُرَاسَان، وَكَانَ وإليها حَتَّى هلك بهَا، فَقَالَ نَهَار بْن توسعة يرثيه:
لله دركم غَدَاة دفنتم ... سم العداة ونائلاً لَا يحظر
إِن تدفنوه فَإِن مثل بلائه ... فِي الْمُسلمين وَذكره لَا يقبر
كَانَ المدافع دون بَيْضَة مصره ... والجابر الْعظم الَّذِي لَا يجْبر
وَالْكَافِي الثغر الْمخوف بحزمه ... وبيمن طَائِره الَّذِي لَا يُنكر
أَنى لَهَا مثل الْمُهلب بعده ... هَيْهَات هَيْهَات الجناب لأخضر
كل امْرِئ ولي الرّعية بعده ... بدل لعمر أَبِيك مِنْهُ أَعور
مَا ساسنا مثل الْمُهلب سائس ... أعفى عَن الذَّنب الَّذِي لَا يغْفر
لَا لَا وأيمن فِي الحروب نقيبة ... مِنْهُ وَأَعْدل فِي النهاب وأوقر
وَأَشد فِي حق الْعرَاق شكيمة ... يخْشَى بوادرها الإِمَام الْأَكْبَر
جمع الْمُرُوءَة والسياسة التقى ... ومحاسن الأخرق مِنْهَا أَكثر
تجْرِي لَهُ الطير الأيامن عمره ... وَلَو أَنه خمسين عَاما يخْطر
لما رأى الْأَمر الْعَظِيم وَأَنه ... سيحل بالمصرين أَمر مُنكر
وأرنت العوذ المطافل حوله ... حذر السباء وَزَل عَنْهَا المئزر
ألْقى القناع وَسَار نَحْو عصابةٍ ... خزرٍ فذاقوا الْمَوْت وَهُوَ مشمر
كَانَ الْمُهلب للعراق سكينَة ... وَولي حادثها الَّذِي يستنكر
стр. 602
أَبُو الديك الْمَعْتُوه
حَدثنَا حَمْزَة بْن الْحُسَيْن بْن عمر السمسار قَالَ حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن مُحَمَّد بْن عبد الرَّحِيم الْأنْصَارِيّ قَالَ حَدَّثَنِي أبي قَالَ قَالَ أَبُو نعيم: أرسل إِلَى عمرَان بْن إِسْحَاق بْن الصَّباح، وَكَانَ كثيرا مَا يُرْسل إِلَى الْفُقَهَاء، وَكَانَ أَبوهُ قبله يفعل ذَلِك، قَالَ: فَأَتَيْته فَإِذا أَبُو الديك وَكَانَ معتوهًا ذَاهِب الْعقل مختلا محتالا جيد البديهة حسن الْجَواب على بَاب عمرَان بْن إِسْحَاق يُخَاصم ويجلب يخْتَلط وَيُشِير إِلَى الْحَائِط كَأَنَّهُ يرى شَيْئا يخاصمه، وَكَانَ ذَلِك لَا يَعْتَرِيه إِلَّا عِنْد الْجُوع وَكَانَ قد عرف بذلك، وَكَانَ عَلَيْهِ أهل الْكُوفَة: فقهاؤها وأمراؤها، يأمرون بتفقد ذَلِك. فَدخلت على عمرَان فَلم أَجْلِس حَتَّى قلت لَهُ: أَيهَا الْأَمِير، أَبُو الديك على الْبَاب يُخَاصم ويخلط وَلَا أَحْسبهُ إِلَّا جائعًا، فَإِن ذَلِك يَعْتَرِيه مَعَ الْجُوع، فَقَالَ عمرَان: يَا غُلَام، الْمَائِدَة، بهَا مهيأة، ثُمَّ قَالَ: أَبُو الديك، فَدخل، فَلَمَّا عاين الْمَائِدَة وَرَأى حسنها قَالَ، قَالَ الله تَعَالَى فِي كِتَابه يَحْكِي مَسْأَلَة نبيه " رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا " الْمَائِدَة: ١١٤ الْآيَة؛ وَهَذِه الْمَائِدَة لأوّل أهل الْكُوفَة وَآخرهمْ، وَالْآيَة معرفَة أَبِي نعيم بِمَا كنت فِيهِ؛ قَالَ أَبُو نعيم: ثُمَّ أقبل عَليّ فَقَالَ: يَا أَبَا نعيم هَذِه فطنة الْعُقَلَاء وأذهان الْفُقَهَاء وَاخْتِيَار الْعلمَاء، جَزَاك الله خيرا. ثُمَّ أقبل على عمرَان فَقَالَ: أَيهَا الْأَمِير، قَالَ الله تَعَالَى فِي كِتَابه: " وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وأسيراً " الدَّهْر: ٨ وَأَنا مِسْكين، يَتِيم من عَقْلِي، أَسِير فِي حبس شَيْطَان مُوكل بِي.
فتيَان بني عبد منَاف وفتيان بني أَسد حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن سهل بْن الْفَضْل الْكَاتِب قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ يَعْنِي عمر ابْن شَبَّةَ قَالَ حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ قَالَ مُعَاوِيَةُ لِلْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ: أَدْخِلْ عَلَيَّ فِتْيَانَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، فَأَدْخَلَهُمْ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الدَّنَانِيرُ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتُمْ:
بَنُو الْمَجْدِ لَمْ تَقْعُدْ بِهِمْ أُمَّهَاتُهُمْ ... وَآبَاؤُهُمْ آبَاءُ صدقٍ فَأَنْجَبُوا
هُمْ حَفِظُوا غَيْبِي كَمَا كُنْتُ حَافِظًا ... لَهُمْ غَيْبَ أُخْرَى مِثْلَهَا لَوْ تَغَيَّبُوا
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَلا أُدْخِلَ عَلَيْكَ فِتْيَانَ بَنِي أَسَدٍ قَالَ: فَأَدْخَلَهُمْ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْحَيَّاتِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ:
أَكَلْنَ حِمْضًا فَالْوُجُوهُ شِيبُ ... شَرِبْنَ حَتَّى نَزَحَ الْقَلِيبُ
أَبُو الدَّرْدَاء ينظم شعرًا
حَدثنَا أَحْمد بن الْعَبَّاس العسكري قَالَ حَدَّثَنَا ابْن أَبِي سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْن إِسْحَاق الْمسَيبِي قَالَ: سَمِعت شَيخا يُقَال لَهُ عبد الْملك بْن عمَارَة من ولد خُزَيْمَة بْن ثَابت ذِي الشَّهَادَتَيْنِ من الْأَنْصَار يحدث أَبِي أَن أَبَا الدَّرْدَاء قيل لَهُ كل أَصْحَابك قد قَالَ الشّعْر غَيْرك، فَنَكس أَو أطرق قَلِيلا ثُمَّ قَالَ:
стр. 603
يُرِيد العَبْد أَن يُعْطي مناه ... ويأبى الله إِلَّا مَا أَرَادَا
يَقُول العَبْد فائدتي وَمَالِي ... وتقوى الله أفضل مَا استفادا
فَقَالُوا: لقد أَحْسَنت فزد، فَقَالَ: لَا، إِنَّمَا قلت حِين قُلْتُمْ إِن أَصْحَابك كلهم قد قَالُوا، فَكرِهت أَن يعملوا عملا لَا أعمله، وَلَيْسَ الشّعْر من شأني.
لَا تملأوا أعينكُم من أَئِمَّة الْجور
حَدثنَا عبد الْبَاقِي بن قَانِع قَالَ حَدَّثَنَا عَبد اللَّه بْن عَليّ بْن الْحسن الْخَواص العابد قَالَ حَدَّثَنَا الْحسن بْن جرير الصُّورِي قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو الْعَسْقَلَانِي قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن أدهم عَن أَبِي عِيسَى الْمروزِي قَالَ: سَمِعت سعيد بْن الْمسيب يَقُول فِي إمرة عبد الْملك بْن مَرْوَان: لَا تملأوا أعينكُم من أَئِمَّة الْجور وَلَا من أعوانهم إِلَّا بإنكار بقلوبكم كَيْلا تحبط أَعمالكُم الصَّالِحَة.
السفاح يعْمل بَيْتَيْنِ لتخويف بني أُميَّة
حَدثنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن فهم قَالَ حَدَّثَنَا ابْن النطاح قَالَ: روينَا أَن السفاح عمل بَيْتَيْنِ وَوجه بِرَجُل إِلَى عَسْكَر مَرْوَان ليقوم على الْجَبَل لَيْلًا فَيَصِيح بهما وينغمس فَلَا يُوجد، وهما:
يَا آل مَرْوَان إِن الله مهلككم ... ومبدل أمنكم خوفًا وتشريدا
لَا عمر الله من أنسالكم أحدا ... وبثكم فِي بِلَاد الْخَوْف تطريدا
قَالَ: فَفعل ذَلِك فَدخلت قُلُوبهم مَخَافَة.
وَصِيَّة عَليّ لشريح
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْن زِيَاد الْمقري قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ شَبِيبٍ بِشَيْزَرَ عَنْ يُونُسَ بْنِ مُوسَى الْبَصْرِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ حَمَّادٍ عَنِ الرَّمَّاحِ بْنِ الْمُنْذِرِ النَّهْدِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْن عليّ بْن الْحُسَيْن بْن عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵈ أَنَّهُ قَالَ لِشُرَيْحٍ: لسَانك عَبدك مالم تَتَكَلَّمْ، فَإِذَا تَكَلَّمْتَ فَأَنْتَ عَبْدُهُ، فَانْظُرْ مَا تَقْضِي وَفِيمَ تَقْضِي وَكَيْفَ تَقْضِي وَفِيمَا تَمْضِي وَإِلَيْهِ تُفْضِي.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا الَّذِي خَاطَبَ بِهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ شُرَيْحًا مِنْ أَحْسِنِ الْكَلامِ، وَأَشْرَفِهِ لَفْظًا وَمَعْنًى وَمَتَى تَأَمَّلَهُ مَنْ يَلِي الأَحْكَامَ وَاعْتَبَرَ بِهِ وَأَجْرَى أَمْرَهُ عَلَيْهِ فَازَ وَرَشِدَ، وَأَفْلَحَ وَسَعَدَ، نَسْأَلُ اللَّهَ تَوْفِيقَهُ وَعِصْمَتَهُ بِرَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ.
الْمجْلس الْحَادِي وَالثَّمَانُونَ
أسئلة أَبِي ذَر للرسول
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْبَصْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ هَمَّامٍ أَبُو الْعَبَّاسِ الْبَصْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْقَيْسِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ السَّعْدِيُّ قَالَ
стр. 604
حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ وَهُوَ جَالِسٌ وَحْدَهُ، فَاغْتَنَمْتُ خَلْوَتَهُ، فَقَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ لِلْمَسْجِدِ تَحِيَّةً، قُلْتُ: مَا تَحِيَّتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: رَكْعَتَانِ، فَرَكَعْتُهُمَا ثُمَّ الْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْتَ أَمَرْتَنِي بِالصَّلاةِ فَمَا الصَّلاةُ؟ قَالَ: خَيْرٌ مَوْضُوعٌ فَمَنْ شَاءَ أَقَلَّ وَمَنْ شَاءَ أَكْثَرَ، قُلْتُ: يَا رَسُول لله أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: الإِيمَانُ بِاللَّهِ ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْمَلُ إِيمَانًا؟ قَالَ: أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيُّ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، قُلْتُ فَأَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: مَنْ هَجَرَ السُّوءَ، قُلْتُ: فَأَيُّ اللَّيْلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: جَوف اللَّيْل العابر، قُلْتُ: فَأَيُّ الصَّلاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: طُولُ الْقُنُوتِ، قُلْتُ فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: جُهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ إِلَى فَقِيرٍ فِي سِرٍّ، قُلْتُ: فَمَا الصَّوْمُ؟ قَالَ: قَرْضٌ مَجْزِيٌّ وَعِنْدَ اللَّهِ أَضْعَافٌ كَثِيرَةٌ، قُلْتُ: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَغْلاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، قُلْتُ: فَأَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: مَنْ عُقِرَ جَوَادُهُ وَهُرِيقَ دَمُهُ، قُلْتُ: أَيُّ آيَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَيْكَ أَعْظَمُ؟ قَالَ: آيَةُ الْكُرْسِيِّ. ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ فِي الْكُرْسِيِّ إِلا كحلقةٍ ملقاةٍ بِأَرْضِ فَلاةٍ، وَفَضْلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلاةِ عَلَى تِلْكَ الْحَلَقَةِ؛ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمِ النَّبِيُّونَ؟ قَالَ: مِائَةُ أَلْفٍ وأربعةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ نَبِيٍّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كم المُرْسَلُونَ مِنْهُم؟ قَالَ: ثَلَاثمِائَة وَثَلاثَةَ عَشَرَ، جَمُّ الْغَفِيرِ، قُلْتُ: مَنْ كَانَ أَوَّلَ الأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ: آدَمُ، قُلْتُ: وَكَانَ مِنَ الأَنْبِيَاءِ مُرْسَلا؟ قَالَ: نَعَمْ نَبِيًّا مُكَلَّمًا خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ. ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، أربعةٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، سُرْيَانِيُّونَ: آدَمُ وَشِيثٌ وَإِدْرِيسُ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِالْقَلَمِ وَنُوحٌ، وَأَرْبَعَةٌ مِنَ الْعَرَبِ: هُودٌ وَصَالِحٌ وَشُعَيْبٌ وَنَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَأَوَّلُ الأَنْبِيَاءِ آدَمُ وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَأَوَّلُ نَبِيٍّ مِنَ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُوسَى وَآخِرُهُمْ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا، وَبَيْنَهُمَا أَلْفُ نَبِيٍّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ كِتَابٍ؟ قَالَ: مِائَةَ كتابٍ وَأَرْبَعَةَ كُتُبٍ، أُنْزِلَ عَلَى شِيثٍ خَمْسِينَ صَحِيفَةً، وَعَلَى إِدْرِيسَ ثَلاثِينَ صَحِيفَةً، وَعَلَى إِبْرَاهِيمَ عِشْرِينَ صَحِيفَةً، وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ وَالْفُرْقَانَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا كَانَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: أَمْثَالٌ كُلُّهَا: أَيُّهَا الْمَلِكُ الْمُبْتَلَى الْمَغْرُورُ، لَمْ أَبْعَثْكَ لِتَجْمَعَ الدُّنْيَا بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ وَلَكِنْ بَعَثْتُكَ لِتَرُدَّ عَنِّي دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنِّي لَا أَرُدُّهَا وَلَوْ كَانَتْ مِنْ كَافِرٍ، وَعَلَى الْعَاقِلِ مَا لَمْ يَكُنْ مَغْلُوبًا أَنْ تَكُونَ لَهُ ثَلاثُ سَاعَاتٍ: سَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ وَيَتَفَكَّرُ بِمَا صَنَعَ، وَسَاعَةٌ يَخْلُو فِيهَا بِحَاجَتِهِ مِنَ الْحَلالِ فَإِنَّ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ عَوْنًا لِتِلْكَ السَّاعَاتِ اسْتِجْمَامًا لِلْقُلُوبِ وَتَفْرِيغًا لَهَا، وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِزَمَانِهِ، مُقْبِلا عَلَى شَأْنِهِ، حَافِظًا لِلِسَانِهِ، فَإِنَّ مَنْ حَسَبَ كَلامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلامُهُ إِلا فِي مَا يَعْنِيهِ. وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ طَالِبًا لِثَلاثٍ: مَرَمَّةً لِمَعَاشٍ، أَوْ تَزَوُّدًا لِمَعَادٍ، أَوْ تَلَذُّذًا فِي
стр. 605
غَيْرِ مُحَرَّمٍ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا كَانَتْ صُحُفُ مُوسَى؟ قَالَ: كَانَتْ عِبَرًا كُلَّهَا: عَجِبْتُ لممن أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ ثُمَّ يَفْرَحُ، وَلِمَنْ أَيْقَنَ بِالنَّارِ ثُمَّ يَضْحَكُ، وَلِمَنْ يَرَى الدُّنْيَا وَتَقَلُّبَهَا بِأَهْلِهَا ثُمَّ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا، وَلِمَنْ أَيْقَنَ بِالْقَدَرِ كَيْفَ يَنْصَبُ، وَلِمَنْ أَيْقَنَ بِالْحِسَابِ ثُمَّ لَا يَعْمَلُ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ فِي الدُّنْيَا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى؟ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، تَقْرَأُ " قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى " الْأَعْلَى: ١٤ ١٩ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي قَالَ: أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهُ زَيْنٌ لأَمْرِكَ كُلِّهِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زِدْنِي، قَالَ: عَلَيْكَ بِتِلاوَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ ذِكْرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ وَنُورٌ لَكَ فِي الأَرْضِ، قُلْتُ: زِدْنِي، قَالَ: عَلَيْكَ بِطُولِ الصَّمْتِ فَإِنَّهُ مَطْرَدَةٌ لِلشَّيْطَانِ وَعَوْنٌ لَكَ عَلَى أَمْرِ دِينِكِ، قُلْتُ: زِدْنِي، قَالَ: إِيَّاكَ وَكَثْرَةَ الضَّحِكِ فَإِنَّهُ يُمِيتُ الْقَلْبَ وَيَذْهَبُ بِنُورِ الْوَجْهِ، قُلْتُ: زِدْنِي، قَالَ: قُلِ الْحَقَّ، وَإِنْ كَانَ مُرًّا، قُلْتُ؛ زِدْنِي، قَالَ: حِبَّ الْمَسَاكِينَ وَجَالِسْهُمْ، قُلْتُ: زِدْنِي، قَالَ: لَا تَخَفْ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ، قُلْتُ: زِدْنِي، قَالَ: لِيَحْجِزْكَ عَنِ النَّاسِ مَا تَعْلَمُ
مِنْ نَفْسِكَ؛ وَلا تَجِدَّ عَلَيْهِمْ فِي مَا تَأْتِي. ثُمَّ قَالَ: كَفَى بِالْمَرْءِ عَيْبًا أَنْ تَكُونَ فِيهِ ثَلاثُ خِصَالٍ: أَنْ يَعْرِفَ مِنَ النَّاسِ مَا يَجْهَلُ مِنْ نَفْسِهِ، وَيَسْتَحْيِي لَهُمْ مِمَّا هُوَ فِيهِ، ويؤذي جليسه فِي مَا لَا يُعينهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، لَا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ وَلا وَرَعَ كَالْكَفِّ وَلا حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ. نَفْسِكَ؛ وَلا تَجِدَّ عَلَيْهِمْ فِي مَا تَأْتِي. ثُمَّ قَالَ: كَفَى بِالْمَرْءِ عَيْبًا أَنْ تَكُونَ فِيهِ ثَلاثُ خِصَالٍ: أَنْ يَعْرِفَ مِنَ النَّاسِ مَا يَجْهَلُ مِنْ نَفْسِهِ، وَيَسْتَحْيِي لَهُمْ مِمَّا هُوَ فِيهِ، ويؤذي جليسه فِي مَا لَا يُعينهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، لَا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ وَلا وَرَعَ كَالْكَفِّ وَلا حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ.
تَعْلِيق على خبر أَبِي ذَر
قَالَ القَاضِي: فِي خبر أَبِي ذَر هَذَا أَنْوَاع من الحكم وفوائد من الْعلم والأنباء عَن الْأُمُور الخالية، وإخبار عَن الْأُمُور الْمَاضِيَة، وَفِيه اعتبارٌ لأولي البصائر والعقول، وتنبيه لِذَوي التَّمْيِيز والتحصيل، وَقد روينَا فِي كثير من فصوله رِوَايَات مُوَافقَة لألفاظه ومعانيه، وَآخر مضارعه لما اشْتَمَل عَلَيْهِ من الْأَغْرَاض فِيهِ، وروينا فِي بعض فصوله رِوَايَات مُخْتَلفَة لظَاهِر مَا تضمنه إِلَّا أَنَّهَا إِذا تؤملت رجعت إِلَى التقارب إِذْ اقْتَضَت غَلطا من بعض الروَاة. فَأَما مَا ثَبت أَن رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَه وَأخْبر بِهِ فَهُوَ الْحق الَّذِي لَا مرية فِيهِ وَلَا ريب فِي صِحَّته وَالْقطع على حَقِيقَة مغيبة.
قَالَ القَاضِي: وَفِي خبر أَبِي ذَر مَا دلّ على أَن من الْأَنْبِيَاء من أُوتِيَ النُّبُوَّة وَأرْسل إِلَى طَائِفَة، وَمِنْهُم من كَانَ نَبيا غير مُرْسل إِلَى أحد. وَقد قَالَ الله تَعَالَى ذكره: " وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ " الْحَج: ٥٢ وَرُوِيَ عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنه قَالَ فِيهِ: " وَلَا مُحدث " وَقَالَ: " إِن مِنْكُم محدثين " وَذكر عمر ﵁. وَمن الدُّعَاء الْمُنْتَشِر الْمُسْتَعْمل الظَّاهِر على أَلْسِنَة خَاصَّة الْمُسلمين وعامتهم: اللَّهُمَّ صل على ملائكتك المقربين وعَلى أنبيائك وَالْمُرْسلِينَ، وَظَاهر هَذَا يَقْتَضِي الْفَصْل بَين الْفَرِيقَيْنِ، وَقد أحَال هَذَا بعض المنتسبين إِلَى علم الْكَلَام وَمن يَدعِي لَهُ فريق مفتون بِهِ مغرور بمخاريقه،
стр. 606
وأحال أَيْضا أَن لَا يخْتَص أحد من الْأَنْبِيَاء بِشَيْء من الشَّرِيعَة مُجَدد على يَده مُخَالف فِي الصُّورَة لما أَتَى بِهِ من قبله، وَإِن يقْتَصر بِهِ فِي الدّلَالَة على صدقه وَصِحَّة نبوته بِخَبَر نَبِي من الْأَنْبِيَاء بذلك وتعيينه عَلَيْهِ تعيينًا لَا يشكل، وكل مَا أَحَالهُ من ذَلِك على غير مَا قدره، وَلَا حجَّة لَهُ فِي شَيْء مِمَّا أُتِي بِهِ من ذَلِك، وَلَا شُبْهَة توقع الْعذر لَهُ، إِذْ لم يكن السّمع وَلَا الْعقل يحيلانه، بل يدلان على جَوَازه ويشهدان بِصِحَّتِهِ، وَقد ثَبت الْخَبَر الصَّادِق بِهِ وَله فِي إعجاز الْقُرْآن وَصِحَّة شَهَادَته بِالصّدقِ للنَّبِي صلي الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَنه لكَلَام يبعد من إِطْلَاق مثله من صحت فطرته وسلمت من التعصب والتحامل والغفلة والتجاهل طَرِيقَته، وَكَانَت استبعدت هَذَا حِين حُكيَ لي عَنْهُ إِذْ لم يكن عِنْدِي مِمَّن بلغ فِي الذّهاب عَن النّظر الصَّحِيح هَذَا الْحَد، إِلَى أَن رَأَيْته مثبتًا بِخَطِّهِ، وَقد حكيته على جِهَته فِي مَعْنَاهُ وَلَفظه فِي غير مَوضِع، من ذَلِك كتَابنَا الْمُسَمّى الْبَيَان الموجز عَن علم الْقُرْآن المعجز، وَلَيْسَ كتَابنَا هَذَا من مَوَاضِع الْبَيَان عَن ذَلِك والاشتغال بحكايته وإيضاح القَوْل فِي وتبيين فَسَاده. وَقد قَالَ بعض أهل الْعلم: لَو سكت من لَا يعلم لاسترحنا، وَأَنا أَقُول: لَو كَانَ لَهُ دين يردعه، ويكفه ويمنعه، ويقبضه فيقدعه، فيسكته قهرا، ويصمته قسرًا، أَو كَانَ من يصرفهُ عَن شنيع الجهالات وبديع الضلالات بالتأديب والقصب والتثريب، والتبكيت والتأنيب، ولرجونا أَن يعفي النَّاس بذلك عَمَّا ينالهم من الضَّرَر أَو كثير مِنْهُ من جِهَته، وَإِلَى الله المشتكى وَهُوَ المتسعان على كل حَادِثَة وبلوى.
كلمة بليغة لعَلي
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ نُصَيْرٍ الْحَرْبِيُّ الْجَمَّالُ سنة سِتّ عشرَة وثلاثمائة إِمْلاءً مِنْ حِفْظِهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَنْبِجِيُّ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ بِحَلَبَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ قَالَ حَدَّثَنَا الْوَصَّافُ بْنُ صَالِحٍ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ الْمُقْرِي النَّهْرَوَانِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ زنْدَوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مَنْصُورٍ يَعْنِي سُلَيْمَانَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ جِبْرِيلَ الْبَجَلِيَّ قَالَ حَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ الْمَنْبِجِيَّانِ، قَالا: حَدَّثَنَا الْوَصَّافُ بْنُ حَاتِمٍ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ الصَّوَابُ عِنْدِي وَقَالا جَمِيعًا: أَعْنِي الْحَرْبِيَّ وَابْنَ زندَوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْكُوفِيُّ عَنْ خَالِدِ بْنِ طَلِيقٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: ذِمَّتِي رَهِينَةٌ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ، لَا يَهِيجُ عَلَى التَّقْوَى زَرْعُ قومٍ وَلا يَظْمَأُ عَلَى التَّقْوَى سِنْخُ أَصْلٍ، وَإِنَّ أَجْهَلَ النَّاسِ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ قَدْرَهُ، وَإِنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ رَجُلٌ قَمَشَ عِلْمًا فِي أَغْمَارٍ مِنَ النَّاسِ غَشَوْهُ، أَغَارَ فِيهِ بأغبار الْفِتْنَة عمى عَمَّا فِي رَيْبِ الْهُدْنَةِ وَقَالَ ابْنُ زندَوَيْهِ مَكَانَ الْهُدْنَةِ الْفِتْنَةُ سَمَّاهُ أَشْبَاهُ النَّاسِ عَالِمًا وَلَمْ يُغْنِ فِي الْعِلْمِ يَوْمًا سَالِمًا وَلَمْ يَقُلِ الْحَرْبِيُّ فِي الْعِلْمِ ذَكَرَ فَاسْتُكْثِرَ مَا قَلَّ مِنْهُ وَقَالَ الْحَرْبِيُّ: وَمَا قَلَّ مِنْهُ خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ حَتَّى إِذَا ارْتَوَى مِنْ آجِنٍ وَاسْتَكْثَرَ مِنْ غَيْرِ طَائِلٍ، جَلَسَ لِلنَّاسِ مُفْتِيًا قَالَ الْحَرْبِيُّ: لِتَلْخِيصِ مَا لُبِّسَ عَلَى غَيْرِهِ وَلَيْسَ هَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ زندَوَيْهِ، وَقَالا: فَإِنْ نَزلَتْ بِهِ إِحْدَى
стр. 607
الْمَهَمَّاتُ قَالَ الْحَرْبِيُّ: هَيَّأَ لَهَا حشواُ مِنْ رَأْيِهِ وَقَالَ ابْنُ زندَوَيْهِ: هَيَّأَ حَشْوًا لِرَأْيٍ مِنْ رَأْيِهِ، فَهُوَ مِنْ قَطْعِ الْمُشْتَبِهَاتِ فِي مِثْلِ نَسْجِ الْعَنْكَبُوتِ لَا يَدْرِي أَخْطَأَ أَمْ أَصَابَ وَقَالَ ابْنُ زندَوَيْهِ مَكَانَ نَسْجٍ غَزْلٌ وَقَالَ الْحَرْبِيُّ: خَبَّاطُ جَهَالاتٍ، رَكَّابُ عَمَايَاتٍ وَقَالَ ابْنُ زندَوَيْهِ رَكَّابُ جَهَالاتٍ خَبَّاطُ عَشَوَاتٍ لَا يَعْتَذِرُ مِمَّا لَا يَعْلَمُ فَيَسْلَمُ، وَلا يَعَضُّ عَلَى الْعِلْمِ بِضِرْسٍ قَاطِعٍ فَيَغْنَمُ، تَبْكِي مِنْهُ الدُّنْيَا وَقَالَ ابْنُ زندَوَيْهِ مَكَانَ الدُّنْيَا الدِّمَاءُ وَكَأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ عِنْدِي؛ وَقَالا: وَتَصْرُخُ مِنْهُ الْمَوَارِيثُ، وَيُسْتَحَلُّ بِقَضَائِهِ الْفَرْجُ الْحَرَامُ، لَا مَلِيَ وَاللَّهِ وَلا أَهَلَّ بِإِصْدَارِ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ وَلا هُوَ أَهَلَّ لِمَا فُرِضَ لَهُ وَقَالَ ابْنُ زندَوَيْهِ: لَا مَلِيَ وَاللَّهِ بِإِصْدَارِ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ وَلا هُوَ أَهَلَّ لِمَا قَرَظَ بِهِ، وَقَالَ الْحَرْبِيُّ: أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمُ النِّيَاحَةُ أَيَّامَ الدُّنْيَا. قَالَ الْقَاضِي: وَأَنْهَى ابْنُ زندَوَيْهِ حَدِيثَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ لِمَا قَرَظَ بِهِ ثُمَّ قَالَ: وَزَادَ فِيهِ غَيْرُهُ، وَأَتَى بِمَا رُوِّينَاهُ بَعْدَ هَذَا عَنِ الْحَرْبِيِّ مُنْفَرِدًا بِهِ عَلَى مَا وَصَفْنَاهُ.
تَفْسِير مَا غمض فِي كلمة عَليّ
قَالَ القَاضِي: قَول أَمِير الْمُؤمنِينَ نضر الله وَجهه " ذِمَّتِي رهينة وَأَنا بِهِ زعيم " إبانة عَن تيقنه مَا أخبر بِهِ وبصيرته فِيهِ وثقته بحقيقته وتوثيقه لمن أخبرهُ بِثُبُوتِهِ وَصِحَّته. وَأما قَوْله: وَأَنا بِهِ زعيم فَإِن الَّذِي ترجع إِلَيْهِ هَاء الضَّمِير فِي جملَة الْكَلَام وَمَعْنَاهُ وَمَا دلّ عَلَيْهِ مَفْهُومه وفحواه، كَأَنَّهُ قَالَ: وَأَنا بِقَوْلِي زعيم وَإِن لم يَأْتِ بِصَرِيح اسْم خَاص وَلَا مصدر يعود الضَّمِير عَلَيْهِ أَصله وَذَلِكَ مُسْتَعْمل فصيح فَاش فِي الْعَرَبيَّة وَقد يَأْتِي فِي مثل هَذَا فعل أَو اسْم فَاعل يدل على مصدر يعود الضَّمِير إِلَيْهِ دون لفظ جملَة من كَلَام يحمل عَلَيْهِ، فَأَما الْفِعْل الدَّال على مصدره فكقولهم: من كذب كَانَ شَرّا لَهُ؛ أضمر فِي كَانَ الْكَذِب الَّذِي دلّ عَلَيْهِ كذب وَعَاد الضَّمِير إِلَيْهِ وَإِن لم يَأْتِ على بنيته، قَالَ الله تَعَالَى: " وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ " آل عمرَان: ١٨٠ يَعْنِي الْبُخْل الَّذِي لم يَأْتِ على خَاص لَفظه اكْتِفَاء بِدلَالَة الْفِعْل الَّذِي هُوَ يَبْخلُونَ عَلَيْهِ. وَأما اسْم الْفَاعِل فكقولهم: إِذا أحسن كَمَا أَمر فجازه عَلَيْهِ، يُرِيد على إحسانه الَّذِي دلّ أحسن عَلَيْهِ، وَرجع عَائِد الضَّمِير إِلَيْهِ، وَمثل هَذَا قَول الشَّاعِر:
إِذا نهي السّفيِهُ جَرى إِلَيْهِ ... وخَالَف والسّفِيهُ إِلَى خلاف
أَرَادَ إِلَى السَّفِيه، على مَا بَينا، وَقد يكتفون فِي هَذَا الْبَاب بِدلَالَة الْعَهْد وَالْحَال وتجلي الْأَمر الشَّائِع فِيهِ، قَالَ الله جلّ ذكره: " وَلَوْ يُؤَاخذ الله النَّاس بظلمهم مَا ترك عَلَيْهَا من دَابَّة " النَّحْل: ٦١ وَقَالَ تعالي: " وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ " فاطر: ٤٥ فَأَعَادَ الضَّمِير على الأَرْض وَلم يجر لَهَا فِي هَذِه الْقِصَّة ذكر. وَقَالَ جلّ ثَنَاؤُهُ: " إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ " الْقدر: ١ يَعْنِي الْقُرْآن، وَقَالَ: " حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ " ص: ٣٢ يَعْنِي الشَّمْس فِي قَول جُمْهُور أهل الْعلم، قَالَ الشَّاعِر:
стр. 608
هَذَا مقَام قدمي رَبَاح ... غدْوَة حَتَّى دلكت براح
يُرِيد الشَّمْس. وَقَالَ الله تَعَالَى وَهُوَ أصدق الْقَائِلين " فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا " العاديات: ٤، ٥ يُرِيد الْوَادي أَو الْموضع أَو الْمَكَان أَو الْمنزل. وَهَذَا بَاب وَاسع وَله شرح لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه وَقد أَتَيْنَا مِنْهُ هَاهُنَا بِمَا يَكْفِي مَعَه بعضه بل هُوَ جَمِيعه.
وَأما الزعيم فَإِنَّهُ الْكَفِيل، وَمِنْه قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : الزعيم غَارِم. وَقَالَ جلّ ذكره: " وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ " يُوسُف: ٧٢ وَقَالَ جلّ ثَنَاؤُهُ: " سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ " الْقَلَم: ٤٠ وَيُقَال: فلَان زعيم الْقَوْم أَي الْقَائِم بأمورهم المتكفل بهَا. وَمِنْه مَا جَاءَ بِهِ الْأَثر فِي ذكر أَشْرَاط السَّاعَة: وَصَارَ زعيم الْقَوْم أرذلهم. قَالَ: الشَّاعِر:
إِنِّي زعيم يَا نويقة إِن نجوت من الرواح
وسلمت من غَرَض الحتو ... ف مَعَ الغدو إِلَى الرواح
أَن تهبطين بِلَاد قو ... م يرتعون من الطلاح
وَيُقَال أَيْضا فِي الزعيم ضمين وقبيل وحميل، من القبالة والحمالة، وصبير وتبيع كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
غدوا وغدت غزلانهم وَكَأَنَّهُم ... ضوامن غرم أزهن تبيع
وَقد قيل فِي قَول الله جلّ ثَنَاؤُهُ: " أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا " الْإِسْرَاء: ٩٢ إِنَّه بِمَعْنى الْقَبِيل أَي الْكَفِيل، وَقيل بل هُوَ من الْجَمَاعَة، وَقيل هُوَ من الْمُقَابلَة والمعاينة. وَاخْتلف فِي تَأْوِيل قَوْله : " أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلا " الْكَهْف ٥٥ وَقَوله تَعَالَى: " وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا " الْأَنْعَام: ١١١ على أَقْوَال مَعَ اخْتِلَاف الْقِرَاءَة فِي كسر الْقَاف وَفتح الْبَاء وَفِي ضمهما وَفِي الْجمع بَين الْمَوْضِعَيْنِ والتفريق بَينهمَا، وَهَذَا مشروح فِي كتبنَا الَّتِي الفناها فِي الْقرَاءَات والتأويل.
وَقَوله: " لَا يهيج على التَّقْوَى " أَي يفْسد فَيصير هشيمًا، من قَول الله : " ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مصفراً " الزمر: ٢١، الْحَدِيد: ٢٠.
وَقَوله: سنخ أصل، يُقَال قلع سنه من سنخها، وَقَوله فِي الْخَبَر بأغبار الْفِتْنَة يَعْنِي بقاياها، وَيُقَال بفلان غبر من الْمَرَض أَي بقايا، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
فَإِن سَأَلت عني سليمي فَقل لَهَا ... بِهِ غبر من دائه وَهُوَ صَالح
وَقَوله: حَتَّى إِذا ارتوى من آجن، الآجن: المَاء الْمُتَغَيّر لركوده وَطول وُقُوفه وَكَذَلِكَ الآسن، يُقَال: أسن المَاء يأسن ويأسن وأجن يأجن ويأجن، قَرَأَ ابْن كثير غير أسن، مَقْصُور الْهمزَة. وَقيل فِي قَوْله تَعَالَى: " فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ " الْبَقَرَة: ٢٥٩ إِنَّه من السّنة أَي لم تُؤثر فِيهِ السنون فتحيله وتغيره، ووصلوا بِالْهَاءِ ووقفوا عَلَيْهَا إِذْ كَانَت فِيهِ أصلا، يَقُولُونَ: بِعته مسانهة ومساناة، فَجعل من قَرَأَ هَكَذَا الْهَاء لَام الْفِعْل
стр. 609
وأصلا فِيهِ، وَأثبت الْهَاء فِيهِ آخَرُونَ زَائِدَة للسكت إِذا وقفُوا كَقَوْلِه أقتده، وكقولهم: ارمه وتعاله وحذفوها فِي الْوَصْل فَقَالُوا: يتسن وَأنْظر، وَزَعَمُوا أَنه من أسن المَاء. وَهَذَا التَّأْوِيل عندنَا غلط من متأوليه، وَذَهَاب عَن وَجه الصَّوَاب فِيهِ، وَلَو كَانَ على مَا توهموه لوَجَبَ أَن يُقَال لم يتأسن لِأَن الْهمزَة فِيهِ فَاء الْفِعْل. وَالسِّين عينه وَالنُّون لامه، وإشباع هَذَا فِي مَا ألفناه من حُرُوف الْقُرْآن مَعَانِيه. وَمن الآجن قَول عبيد بْن الأبرص.
يَا رب مَاء آجنٍ وردته ... سَبيله خَائِف جديب
ريش الْحمام على أرجائه ... للقلب من خَوفه وجيب
وَقَوله: خباط عشوات يَعْنِي الظُّلم. وَهَذَا الْفَرِيق الَّذين وَصفهم أَمِير الْمُؤمنِينَ من الجهلة الأراذل السفلة قد كَثُرُوا فِي زَمَاننَا وغلبوا على أَهله واستعلوا على علمائه والربانيين فِيهِ، وَإِلَى الله المشتكي. وَقد تظاهرت الْأَخْبَار عَن رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " إِن الله لَا يقبض انتزاعًا ينتزعه من النَّاس، وَلَكِن يقبض الْعلم بِقَبض الْعلمَاء، حَتَّى إِذا لم يبْق عَالم، اتخذ النَّاس رُؤَسَاء جُهَّالًا فسئلوا فأفتوا بِغَيْر علم فضلوا وأضلوا ".
مَا أحوجك إِلَى محدرج
حَدثنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد قَالَ أَخْبَرَنَا عبد الأول بْن مزِيد السَّعْدِيّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عدنان عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ عَنْ ابْن عَيَّاش الْهَمدَانِي قَالَ: كَانَ الشّعبِيّ إِذا ابْتَدَأَ فِي حَدِيث أَحْبَبْت أَن لَا يقطعهُ من حسنه، قَالَ: فَإِنَّهُ ليتحدث يَوْمًا وَعِنْده خُنَيْس العلاك، قَالَ: فَقَامَ خُنَيْس فَقَالَ: مَا أبْغض إِلَيّ الْفَقِيه يكون جيد الْكَلَام، فَقَالَ الشّعبِيّ: من هَذَا؟ فَقَالُوا: خُنَيْس العلاك، قَالَ: وَمَا خُنَيْس؟ قَالَ: يَبِيع العلك، فَأقبل عَلَيْهِ وَقَالَ: وَيحك يَا خُنَيْس، مَا أحوجك إِلَى محدرج شَدِيد الإحصاد لين المهزة قد أَخذ من عجب ذَنْب عود إِلَى مغرز عُنُقه فَيُوضَع مِنْك على مثل ذَلِك الْموضع فتكثر لَهُ رقصاتك من غير جذل، قَالَ: مَا ذَاك؟ قَالَ: شَيْء لنا فِيهِ أرب وَلَك فِيهِ أدب.
شرح الْغَرِيب
قَالَ القَاضِي: قَوْله: محدرج أَي سَوط مُحكم جيد الفتل كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
أَخَاف زيادًا أَن يكون عطاؤه ... أداهيم سُودًا أَو محدرجة حمرًا
وَقَوله: شَدِيد الإحصاد أَي قد أحكم وَاشْتَدَّ، يُقَال حَبل محصد أَي موثق. وَقَوله: لين المهزة يصفه بالتثني إِذا هز، كَمَا قَالَ الشَّاعِر يصف رمحًا:
تقاك بكعب وَاحِد وتلذه ... يداك إِذا مَا هز بالكف يعسل
وَأما قَوْله: قد أَخذ من عجب ذَنْب عود فَإِن الْعود الْبَعِير المسن، وَعجب الذَّنب أَصله، وَهُوَ العصعص، وَيُقَال لَهُ القحقح. وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنَّهُ قَالَ: يبْلى من ابْن آدم كل شَيْء إِلَّا عجب الذَّنب فَإِنَّهُ مِنْهُ ركب وبدئ خلقه. وروينا عَن الشّعبِيّ هَذَا من طَرِيق
стр. 610
آخر أَنه قَالَ فِي صفة السَّوْط: يُؤْخَذ من صليف الْعُنُق إِلَى عجب الذَّنب، وصليف الْعُنُق صفحته، وَيُقَال: عجم الذَّنب فِي هَذَا بِالْمِيم، وَهَذَا مِمَّا تعاقبت فِيهِ الْبَاء وَالْمِيم كَمَا قَالُوا ركمة سوء وركبة، وضربة لازب ولازم، فِي حُرُوف كَثِيرَة، قَالَ الله تَعَالَى: " إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ " الصافات: ١١ وَمن اللازب قَول نَابِغَة بني ذبيان:
وَلَا يحسبون الْخَيْر لَا شَرّ بعده ... وَلَا يحسبون الشَّرّ ضَرْبَة لازب
وَقَالَ كثير فِي الْمِيم:؟ وَمَا ورق الدُّنْيَا بباقٍ لأَهله وَمَا حدثان الدَّهْر ضَرْبَة لَازم وَفِي هَذَا لُغَة أُخْرَى وَهِي لاتب بِالتَّاءِ وَالْبَاء، وَهِي لُغَة فِي قيس، وَأنْشد الْفراء:
صداع وتوهيم الْعِظَام وفترة ... وغثي مَعَ الأحشاء فِي الْجوف لاتب
وَأما قَوْله: من غير جذل فالجذل الْفَرح، يُقَال قد جذل الرجل يجذل جذلا إِذا سر وَفَرح، فَأَما الجذل بالاسكان فَهُوَ الْعود المنتصب، وَفِيه لُغَتَانِ جذل وجذل، قَالَ ذُو الرمة:
ترى ذكر الحرباء فِيهَا مُصَليا ... على الجذل إِلَّا أَنه لَا يكبر
إِذا حول الظل الْعشي رَأَيْته ... حَنِيفا وَفِي قرن الضُّحَى يتنصر
والحرباء دَابَّة يُقَال للْأُنْثَى مِنْهَا أم حبين، وَهُوَ يقف على الْعود مُسْتَقْبل الشَّمْس يَدُور مَعهَا حَيْثُ دارت، وَقد اخْتلف فِي عِلّة هَذَا، فَقَالَ قَائِلُونَ: هَذِه دَابَّة مقرورة تتبع الشَّمْس لتستدفئ بهَا، وَقَالَ آخَرُونَ: بل تستضر بالشمس فتتقيه برأسها لِأَنَّهُ أقوى مَا فِيهَا، وَالْقَوْل الأول أشبه الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ عِنْدِي.
وَقَوله: لنا فِيهَا أرب أَي حَاجَة، قَالَ ذُو الرمة:
والهم عين أَثَال مَا ينازعه ... من نَفسه لسواها موردًا أرب
قَالَ القَاضِي: وَإِنِّي لأستحسن قَول أَبِي نواس:
كَمَا لَا يَنْقَضِي الأرب ... كَذَا لَا يفتر الطّلب
وَهَذَا من أفْصح الْكَلَام وأوضحه وأعذبه، وَللَّه در السَّابِق إِلَى أصل هَذَا الْمَعْنى، الْقَائِل:
تَمُوت مَعَ الْمَرْء حاجاته ... وَتبقى لَهُ حَاجَة مَا بَقِي
قَالَ القَاضِي: وَقد روينَا عَن الشّعبِيّ من وَجه آخر أَنه أجَاب خنيسًا عَن قَوْله: مَا هَذَا؟ بِأَن قَالَ: بعض الْأَمر وَهَذَا جَوَاب حسن بليغ مُخْتَصر، وَإِن كَانَ كَمَا أَتَت بِهِ الرِّوَايَة موقعها من الْحسن والبلاغة.
الْمجْلس الثَّانِي وَالثَّمَانُونَ
وَفد عِنْد ملك الرّوم يباحثهم وَيُرِيهمْ صور الْأَنْبِيَاء
أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْجَرِيرِيُّ، قَالَ حَدثنَا الْحسن ابْن عَلِيِّ بْنِ زَكَرِيَّاءَ الْعَدَوِيُّ أَبُو سَعِيدٍ الْبَصْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا
стр. 611
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَدِينِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْكُوفِي قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْرٍ الأَنْصَارِيُّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَكَانَ عَقَبِيًّا بَدْرِيًّا نَقِيبًا، أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ ﵁ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلامِ وَيُرَغِّبُهُ فِيهِ، وَمَعِي عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ، وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ وَعَدِيُّ بْنُ كَعْبٍ وَنُعَيْمُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ النَّحَّامُ، فَخَرَجْنَا حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى جَبَلَةَ بْنِ الأَيْهَمِ دِمَشْقَ، فَأُدْخِلْنَا عَلَى مَلِكِهِمْ بِهَا الرُّومِيِّ، فَإِذَا هُوَ عَلَى فَرْشٍ لَهُ مَعَ الأُسْقُفِّ، فَأَجْلَسَنَا وَبَعَثَ إِلَيْنَا رَسُولَهُ وَسَأَلَنَا أَنْ نُكَلِّمَهُ، فَقُلْنَا: لَا وَاللَّهِ لَا نُكَلِّمُهُ بِرَسُولٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، فَإِنْ كَانَ لَهُ فِي كَلامِنَا حَاجَةٌ فَلْيُقَرِّبْنَا مِنْهُ، فَأَمَرَ بِسُلَّمٍ فَوُضِعَ وَنَزَلَ إِلَى فَرْشٍ لَهُ فِي الأَرْضِ فَقَرَّبْنَا، فَإِذَا هُوَ عَلَيْهِ ثِيَابٌ سُودٌ مُسُوحٌ، فَقَالَ لَهُ هِشَامُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ: مَا هَذِهِ الْمُسُوحُ الَّتِي عَلَيْكَ؟ قَالَ: لَبِسْتُهَا نَاذِرًا أَنْ لَا أَنْزِعَهَا حَتَّى أُخْرِجَكُمْ مِنَ الشَّامِ، فَقُلْنَا: قَالَ الْقَاضِي: وَذَكَرَ كَلامًا خَفِيَ عَلَيَّ مِنْ كِتَابِي مَعْنَاهُ: بَلْ نَمْلِكُ مَجْلِسَكَ وَبَعْدَهُ مُلْكَكُمُ الأَعْظَمَ فوَاللَّه لنأخذنه إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإِنَّهُ قَدْ أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ نَبِيُّنَا ﷺ الصَّادِقُ الْبَارُّ، قَالَ: إِذًا أَنْتُمُ السّمرَاءُ، قُلْنَا: وَمَا السّمرَاءُ؟ قَالَ: لَسْتُمْ بِهَا، قُلْنَا: وَمَنْ هُمْ قَالَ: الَّذِينَ يَقُومُونَ اللَّيْلَ وَيَصُومُونَ النَّهَارَ، قَالَ فَقُلْنَا: نَحْنُ وَاللَّهِ هُمْ، قَالَ فَقَالَ: وَكَيْفَ صَوْمُكُمْ وَصَلاتُكُمْ وَحَالُكُمْ؟ فَوَصَفْنَا لَهُ أَمْرَنَا، فَنَظَرَ إِلَى أَصْحَابِهِ وَرَاطَنَهُمْ وَقَالَ لَنَا: ارْتَفِعُوا، ثُمَّ عَلا وَجْهَهُ سَوَادٌ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ مَسَحٍ مِنْ شِدَّةِ سَوَادِهِ، وَبَعَثَ مَعَنَا رُسُلا إِلَى مَلِكِهِمُ الأَعْظَمِ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فَخَرَجْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَتِهِمْ، وَنَحْنُ عَلَى رَوَاحِلِنَا عَلَيْنَا الْعَمَائِمُ وَالسُّيُوفُ، فَقَالَ لَنَا الَّذِينَ مَعَنَا: إِنَّ دَوَابَّكُمْ هَذِهِ لَا تَدْخُلُ مَدِينَةَ الْمَلِكِ، فَإِنْ شِئْتُمْ جِئْنَاكُمْ بِبَرَاذِينَ وَبِغَالٍ، قُلْنَا: لَا وَاللَّهِ لَا نَدْخُلُهَا إِلا عَلَى رَوَاحِلِنَا، فَبَعَثُوا إِلَيْهِ يَسْتَأْذِنُونَهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ أَنْ خَلُّوا سَبِيلَهُمْ، فَدَخَلْنَا عَلَى رَوَاحِلِنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى غُرْفَةٍ مَفْتُوحَةِ الْبَابِ، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ فِيهَا يَنْظُرُ، قَالَ: فَأَنَخْنَا تَحْتَهَا ثُمَّ قُلْنَا: لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، فَيَعْلَمُ اللَّهُ لانْتَفَضَتْ حَتَّى كَأَنَّهَا نَخْلَةٌ تَصْفِقُهَا الرِّيحُ، فَبَعَثَ إِلَيْنَا رَسُولا: إِنَّ هَذَا لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَجْهَرُوا بِدِينِكُمْ فِي بِلادِنَا، وَأَمَرَ بِنَا فَأُدْخِلْنَا عَلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ مَعَ بَطَارِقَتِهِ، وَإِذَا عَلَيْهِ ثِيَابٌ حُمْرٌ، وَإِذَا فَرْشُهُ وَمَا حَوَالَيْهِ أَحْمَرُ، وَإِذَا رَجُلٌ فَصِيحٌ بِالْعَرَبِيَّةِ يَكْتُبُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْنَا فَجَلَسْنَا نَاحِيَتَهُ فَقَالَ لَنَا وَهُوَ يَضْحَكُ: مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تُحَيُّونِي بِتَحِيَّتِكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ؟ فَقُلْنَا: نَرْغَبُ بِهَا عَنْكَ، وَأَمَّا تَحِيَّتُكَ الَّتِي لَا تَرْضَى إِلا بِهَا فَإِنَّا لَا يَحِلُّ لَنَا أَنْ نُحَيِّيَكَ بِهَا، قَالَ: وَمَا تَحِيَّتُكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ؟ قُلْنَا: السَّلامُ، قَالَ: فَمَا كُنْتُمْ تُحَيُّونَ بِهِ نَبِيَّكُمْ؟ قُلْنَا: بِهَا، قَالَ: فَمَا كَانَ تَحِيَّتُهُ هُوَ؟؟ قُلْنَا: بهَا، قَالَ: فَبِمَ تُحَيُّونَ مَلِكَكُمُ الْيَوْمَ؟ قُلْنَا: بِهَا، قَالَ: فَبِمَ يُحَيِّيكُمْ؟ قُلْنَا: بِهَا، قَالَ: فَمَا كَانَ نَبِيُّكُمْ يَرِثُ مِنْكُمْ؟ قُلْنَا: مَا كَانَ يَرِثُ إِلا ذَا قَرَابَةٍ، قَالَ: وَكَذَلِكَ مَلِكُكُمُ الْيَوْمَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا أَعْظَمُ كَلامِكُمْ عِنْدَكُمْ؟ قُلْنَا: لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، قَالَ: فَيَعْلَمُ اللَّهُ لانْتَفَضَ حَتَّى كَأَنَّهُ طَيْرٌ ذُو رِيشٍ مِنْ حُسْنِ ثِيَابِهِ، ثُمَّ فَتَحَ عَيْنَيْهِ فِي وجوههنا، قَالَ فَقَالَ:
стр. 612
هَذِهِ الْكَلِمَةُ الَّتِي قُلْتُمُوهَا حِينَ نَزَلْتُمْ تَحْتَ غُرْفَتِي؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: كَذَلِكَ إِذَا قُلْتُمُوهَا فِي بُيُوتِكُمْ تَنَفَّضَتْ لَهَا سُقُوفُكُمْ؟ قُلْنَا: وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَاهَا صَنَعَتْ هَذَا قَطُّ إِلا عِنْدَكَ، وَمَا ذَلِكَ إِلا لأَمْرٍ أَرَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ: مَا أَحْسَنَ الصِّدْقَ! أَمَا وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ نِصْفِ مَا أَمْلِكُ وَأَنَّكُمْ لَا تَقُولُونَهَا عَلَى شَيْءٍ إِلا انْتَفَضَ لَهَا، قُلْنَا: وَلِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: ذَلِكَ أَيْسَرُ لِشَأْنِهَا وَأَحْرَى أَنْ لَا تَكُونَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَأَنْ تَكُونَ مِنْ حِيَلِ وَلَدِ آدَمَ، قَالَ: فَمَاذَا تَقُولُونَ إِذَا فَتَحْتُمُ الْمَدَائِن والحصون؟ قُلْنَا: لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، قَالَ: تَقُولُونَ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ لَيْسَ غَيْرَهُ شَيْءٌ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ وَتَقُولُونَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ هُوَ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: فَنَظَرَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَرَاطَنَهُمْ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ: تَدْرُونَ مَا قُلْتُ لَهُمْ؟ قُلْتَ: مَا أَشَدَّ اخْتِلاطَهُمْ. ثُمَّ أَمَرَ لَنَا بِمَنْزِلٍ وَأَجْرَى لَنَا نُزُلا فَأَقَمْنَا فِي مَنْزِلِنَا تَأْتِينَا أَلْطَافُهُ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْنَا فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ لَيْلا وَحْدَهُ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، فَاسْتَعَادَنَا الْكَلامَ فَأَعَدْنَاهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ دَعَا بِشَيْءٍ كَهَيْئَةِ الرَّبْعَةِ ضَخْمَةٍ مُذَهَّبَةٍ فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ فَتَحَهَا فَإِذَا فِيهَا بُيُوتٌ
صِغَارٌ عَلَيْهَا أَبْوَابٌ، فَفَتَحَ مِنْهَا بَيْتًا فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ خِرْقَةَ حَرِيرٍ سَوْدَاءَ فَنَشَرَهَا، فَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ حَمْرَاءُ، وَإِذَا رَجُلٌ ضَخْمُ الْعَيْنَيْنِ عَظِيمُ الأَلْيَتَيْنِ لَمْ يُرَ مِثْلُ طُولِ عُنُقِهِ فِي مِثْلِ جَسَدِهِ، أَكْثَرُ النَّاسِ شَعْرًا، فَقَالَ لَنَا: هَلْ تَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا آدَمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَعَادَهُ وَفَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ خِرْقَةَ حَرِيرٍ سَوْدَاءَ فنشرها فَإذْ فِيهَا صُورَةٌ بَيْضَاءُ، وَإِذَا رَجُلٌ أَشْعَرُ كَثِيرُ الشَّعْرِ قَالَ الْقَاضِي: أَرَاهُ قَالَ: ضَخْمُ الْعَيْنَيْنِ بَعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ عَظِيمُ الْهَامَةِ فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا نُوحٌ ﵇، ثُمَّ أَعَادَهَا فِي مَوْضِعِهَا وَفَتَحَ بَيْتًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ خِرْقَةَ حَرِيرٍ خَضْرَاءَ، فَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ شَدِيدَةُ الْبَيَاضِ، فَإِذَا رَجُلٌ حَسَنُ الْعَيْنَيْنِ شَارِعُ الأَنْفِ سَهْلُ الْخَدَّيْنِ أَشْيَبُ الرَّأْسِ أَبْيَضُ اللِّحْيَةِ كَأَنَّهُ حَيٌّ يَتَنَفَّسُ فَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ ﷺ ، ثُمَّ أَعَادَهَا وَفَتَحَ بَيْتًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ خِرْقَةَ حَرِيرٍ خَضْرَاءَ فَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ مُحَمَّد ﷺ فَقَالَ: تَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ قُلْنَا: هَذَا مُحَمَّدٌ ﷺ وَبَكَيْنَا، فَقَالَ: بِدِينِكُمْ أَنَّهُ مُحَمَّدٌ؟ قُلْنَا: نَعَمْ بِدِينِنَا إِنَّهَا صُورَتُهُ كَأَنَّمَا نَنْظُرُ إِلَيْهِ حَيًّا، قَالَ: فَاسْتَخَفَّ حَتَّى قَامَ عَلَى رِجْلَيْهِ قَائِمًا ثُمَّ جَلَسَ فَأَمْسَكَ طَوِيلا فَنَظَرَ فِي وُجُوهِنَا قَالَ: أَمَا إِنَّهُ كَانَ آخِرَ الْبُيُوتِ وَلَكِنِّي عَجَّلْتُهُ لأَنْظُرَ مَا عِنْدَكُمْ، فَأَعَادَهُ وَفَتَحَ بَيْتًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ خِرْقَةَ حَرِيرٍ خَضْرَاءَ فَإِذَا فِيهَا صُورَةُ رَجُلٍ جَعْدٍ أَبْيَضَ قَطَطٍ غَائِرِ الْعَيْنَيْنِ حَدِيدِ النَّظَرِ عَابِسٍ مُتَرَاكِبِ الأَسْنَانِ مُقَلَّصِ الشَّفَةِ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا مُوسَى ﷺ وَإِلَى جَانِبِه صُورَةٌ شَبِيهَةٌ بِهِ رَجُلٌ مُدَوَّرُ الرَّأْسِ عَرِيضُ الْجَبِينِ بِعَيْنِهِ قَبَلٌ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا هَارُونُ ﵇. وَفَتَحَ بَيْتًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ خِرْقَةَ حَرِيرٍ خَضْرَاءَ فَنَشَرَهَا فَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ بَيْضَاءُ وَإِذَا رجل شبه الْمَرْأَةَ ذُو عَجِيزَةٍ وَسَاقَيْنِ، وَسَأَلَ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا دَاوُدُ ﵇، فَأَعَادَهَا وَفَتَحَ بَيْتًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ خِرْقَةَ حَرِيرٍ خَضْرَاءَ فَنَشَرَهَا فَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ بَيْضَاءُ، وَإِذَا رَجُلٌ أَوْقَصُ قَصِيرُ الظَّهْرِ طَوِيلُ الرِّجْلَيْنِ عَلَى فَرَسٍ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ جَنَاحٌ، فَقَالَ: تَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا سُلَيْمَانُ وَهَذِهِ الرِّيحُ تَحْمِلُهُ ﵇. ثُمَّ أَعَادَهَا وَفَتَحَ بَيْتًا آخَرَ فِيهِ حَرِيرَةٌ خَضْرَاءُ، فَنَشَرَهَا فَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ بَيْضَاءُ، وَإِذَا رَجُلٌ شَابٌّ حَسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الْعَيْنَيْنِ شَدِيدُ سَوَادِ اللِّحْيَةِ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ ﵇ فَأَعَادَهَا وَأَطْبَقَ الرَّبْعَةَ، قَالَ قُلْنَا: فَأَخْبِرْنَا عَنْ قِصَّةِ الصُّوَرِ مَا حَالُهَا فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّهَا تُشْبِهُ الَّذِينَ صُوِّرَتْ صُوَرُهُمْ فَإِنَّا رَأَيْنَا نَبِيَّنَا ﷺ يُشْبِهُ صُورَتَهُ قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّ آدَمَ ﵇ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ أَنْبِيَاءَ بَنِيهِ فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ صُورَهُمْ فَاسْتَخْرَجَهَا ذُو القرنين من خزانَة آدم فِي مَغْرِبِ الشَّمْسِ فَصَوَّرَهَا لَنَا دَانْيَالُ فِي خِرَقِ الْحَرِيرِ عَلَى تِلْكَ الصُّوَرِ فَهِيَ هَذِهِ بِعَيْنِهَا، أَمَا وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ نَفْسِي طَابَتْ بِالْخُرُوجِ مِنْ مُلْكِي فَتَابَعْتُكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، وَأَنْ أَكُونَ عَبْدًا لأَسْوَئِكُمْ مَلَكَةً، وَلَكِنَّ نَفْسِي لَا تَطِيبُ، فَأَجَازَنَا وَأَحْسَنَ جَوَائِزَنَا وَبَعَثَ مَعَنَا مَنْ يُخْرِجُنَا إِلَى مَأْمَنِنَا فَانْصَرَفْنَا إِلَى رحالنا. صِغَارٌ عَلَيْهَا أَبْوَابٌ، فَفَتَحَ مِنْهَا بَيْتًا فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ خِرْقَةَ حَرِيرٍ سَوْدَاءَ فَنَشَرَهَا، فَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ حَمْرَاءُ، وَإِذَا رَجُلٌ ضَخْمُ الْعَيْنَيْنِ عَظِيمُ الأَلْيَتَيْنِ لَمْ يُرَ مِثْلُ طُولِ عُنُقِهِ فِي مِثْلِ جَسَدِهِ، أَكْثَرُ النَّاسِ شَعْرًا، فَقَالَ لَنَا: هَلْ تَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا آدَمُ صَلَّى الله عَلَيْهِ، ثُمَّ أَعَادَهُ وَفَتَحَ بَابًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ خِرْقَةَ حَرِيرٍ سَوْدَاءَ فنشرها فَإذْ فِيهَا صُورَةٌ بَيْضَاءُ، وَإِذَا رَجُلٌ أَشْعَرُ كَثِيرُ الشَّعْرِ قَالَ الْقَاضِي: أَرَاهُ قَالَ: ضَخْمُ الْعَيْنَيْنِ بَعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ عَظِيمُ الْهَامَةِ فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا نُوحٌ ﵇، ثُمَّ أَعَادَهَا فِي مَوْضِعِهَا وَفَتَحَ بَيْتًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ خِرْقَةَ حَرِيرٍ خَضْرَاءَ، فَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ شَدِيدَةُ الْبَيَاضِ، فَإِذَا رَجُلٌ حَسَنُ الْعَيْنَيْنِ شَارِعُ الأَنْفِ سَهْلُ الْخَدَّيْنِ أَشْيَبُ الرَّأْسِ أَبْيَضُ اللِّحْيَةِ كَأَنَّهُ حَيٌّ يَتَنَفَّسُ فَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ ﷺ ، ثُمَّ أَعَادَهَا وَفَتَحَ بَيْتًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ خِرْقَةَ حَرِيرٍ خَضْرَاءَ فَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ مُحَمَّد ﷺ فَقَالَ: تَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ قُلْنَا: هَذَا مُحَمَّدٌ ﷺ وَبَكَيْنَا، فَقَالَ: بِدِينِكُمْ أَنَّهُ مُحَمَّدٌ؟ قُلْنَا: نَعَمْ بِدِينِنَا إِنَّهَا صُورَتُهُ كَأَنَّمَا نَنْظُرُ إِلَيْهِ حَيًّا، قَالَ: فَاسْتَخَفَّ حَتَّى قَامَ عَلَى رِجْلَيْهِ قَائِمًا ثُمَّ جَلَسَ فَأَمْسَكَ طَوِيلا فَنَظَرَ فِي وُجُوهِنَا قَالَ: أَمَا إِنَّهُ كَانَ آخِرَ الْبُيُوتِ وَلَكِنِّي عَجَّلْتُهُ لأَنْظُرَ مَا عِنْدَكُمْ، فَأَعَادَهُ وَفَتَحَ بَيْتًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ خِرْقَةَ حَرِيرٍ خَضْرَاءَ فَإِذَا فِيهَا صُورَةُ رَجُلٍ جَعْدٍ أَبْيَضَ قَطَطٍ غَائِرِ الْعَيْنَيْنِ حَدِيدِ النَّظَرِ عَابِسٍ مُتَرَاكِبِ الأَسْنَانِ مُقَلَّصِ الشَّفَةِ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا مُوسَى ﷺ وَإِلَى جَانِبِه صُورَةٌ شَبِيهَةٌ بِهِ رَجُلٌ مُدَوَّرُ الرَّأْسِ عَرِيضُ الْجَبِينِ بِعَيْنِهِ قَبَلٌ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا هَارُونُ ﵇. وَفَتَحَ بَيْتًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ خِرْقَةَ حَرِيرٍ خَضْرَاءَ فَنَشَرَهَا فَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ بَيْضَاءُ وَإِذَا رجل شبه الْمَرْأَةَ ذُو عَجِيزَةٍ وَسَاقَيْنِ، وَسَأَلَ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ:
стр. 613
هَذَا دَاوُدُ ﵇، فَأَعَادَهَا وَفَتَحَ بَيْتًا آخَرَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ خِرْقَةَ حَرِيرٍ خَضْرَاءَ فَنَشَرَهَا فَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ بَيْضَاءُ، وَإِذَا رَجُلٌ أَوْقَصُ قَصِيرُ الظَّهْرِ طَوِيلُ الرِّجْلَيْنِ عَلَى فَرَسٍ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ جَنَاحٌ، فَقَالَ: تَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا سُلَيْمَانُ وَهَذِهِ الرِّيحُ تَحْمِلُهُ ﵇. ثُمَّ أَعَادَهَا وَفَتَحَ بَيْتًا آخَرَ فِيهِ حَرِيرَةٌ خَضْرَاءُ، فَنَشَرَهَا فَإِذَا فِيهَا صُورَةٌ بَيْضَاءُ، وَإِذَا رَجُلٌ شَابٌّ حَسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الْعَيْنَيْنِ شَدِيدُ سَوَادِ اللِّحْيَةِ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: هَذَا عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ ﵇ فَأَعَادَهَا وَأَطْبَقَ الرَّبْعَةَ، قَالَ قُلْنَا: فَأَخْبِرْنَا عَنْ قِصَّةِ الصُّوَرِ مَا حَالُهَا فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّهَا تُشْبِهُ الَّذِينَ صُوِّرَتْ صُوَرُهُمْ فَإِنَّا رَأَيْنَا نَبِيَّنَا ﷺ يُشْبِهُ صُورَتَهُ قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّ آدَمَ ﵇ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ أَنْبِيَاءَ بَنِيهِ فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ صُورَهُمْ فَاسْتَخْرَجَهَا ذُو الْقَرْنَيْنِ مِنْ خزانَة آدم فِي مَغْرِبِ الشَّمْسِ فَصَوَّرَهَا لَنَا دَانْيَالُ فِي خِرَقِ الْحَرِيرِ عَلَى تِلْكَ الصُّوَرِ فَهِيَ هَذِهِ بِعَيْنِهَا، أَمَا وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ نَفْسِي طَابَتْ بِالْخُرُوجِ مِنْ مُلْكِي فَتَابَعْتُكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، وَأَنْ أَكُونَ عَبْدًا لأَسْوَئِكُمْ مَلَكَةً، وَلَكِنَّ نَفْسِي لَا تَطِيبُ، فَأَجَازَنَا وَأَحْسَنَ جَوَائِزَنَا وَبَعَثَ مَعَنَا مَنْ يُخْرِجُنَا إِلَى مَأْمَنِنَا فَانْصَرَفْنَا إِلَى رِحَالِنَا.
تَعْلِيق القَاضِي على الْخَبَر الْمُتَقَدّم
قَالَ القَاضِي: قد كُنَّا أمللنا هَذَا الْخَبَر من طَرِيق آخر، ومعاني الْخَبَرَيْنِ مُتَقَارِبَة، وَلما حَضَرنَا هَذَا الْخَبَر من هَذَا الطَّرِيق رسمناه هَاهُنَا، وَقد تضمن مَا يدل على صدق نَبينَا ﷺ وَصِحَّة نبوته على كَثْرَة الْأَخْبَار وَالرِّوَايَات فِيهِ وَشَهَادَة الْكتب السالفة مَعَ تأييد الله جلّ اسْمه إِيَّاه بِالْآيَاتِ الَّتِي أظهرها الله على يَدَيْهِ والأعلام الشاهدة لَهُ. وَفِي هَذَا الْخَبَر عِنْد ذكر دَاوُد ﵇ وَصفته بِأَنَّهُ ذُو عجيزة وَقد أنكر كثير من عُلَمَاء الْفِقْه أَن يُقَال فِي الرجل: ذُو عجيزة وَذكروا أَن هَذَا يُقَال فِي النِّسَاء خَاصَّة دون الرِّجَال، وَذكروا أَنه إِنَّمَا يُقَال عجز فلَان، وَقد رَأَيْت بعض أهل الْعلم قَالَ فِي صفة الصَّلَاة وَمَا يَنْبَغِي للْمُصَلِّي أَن يكون عَلَيْهِ فِي صلَاته: وَيرْفَع عجيزته وَلست أَدْرِي أَهَذا شَيْء وَقع إِلَيْهِ من جِهَة اللُّغَة أم ذكره لِأَنَّهُ وصف جملَة الْمُصَلِّين ذكورهم وإناثهم وَقد أَتَى فِي هَذَا الْخَبَر مَا وصفناه، وَالله أعلم بصواب ذَلِك.
براعة الْعَجْفَاء الْمُغنيَة
حَدثنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْفضل الرياشي عَنْ مُحَمَّد بْن سَلام قَالَ: بَلغنِي عَن غرير بْن طَلْحَة الأرقمي قَالَ، قَالَ لي أَبُو السَّائِب، وَكَانَ من أهل الْفضل والنسك: هَل لَك فِي أحسن النَّاس غناء لَا تسأمه قلت: نعم، وَكَانَ عَليّ يَوْمئِذٍ طيلسان لي أُسَمِّيهِ من غلظه وَثقله مقطع الأزرار، قَالَ: فخرجنا حَتَّى جِئْنَا الْجَبانَة إِلَى دَار مُسلم بْن يحيى الْأَرَت صَاحب الْخمر مولى بني زهرَة فَأذن لنا فَدَخَلْنَا بَيْتا طوله اثْنَا عشر ذِرَاعا فِي مثلهَا، وَطول الْبَيْت فِي السَّمَاء سِتَّة عشر ذِرَاعا، وَفِي الْبَيْت نمرقتان قد ذهب عَنْهُمَا اللحمة وَبَقِي السدى، وَقد حشيتا بالليف، وكرسيان قد تفككا من قدمهما بَينهمَا ثَلَاث
стр. 614
وسائد، ثُمَّ طلعت علينا عَجُوز عجفاء كلفاء عَلَيْهَا قرقل هروي أصفر غسيل لم يجدد فِي الصَّبْغ، وَكَأن وركيها فِي خيط من رسحها فَقلت لأبي السَّائِب: بِأبي أَنْت من هَذِه؟ فَقَالَ: اسْكُتْ، فتناولت عودًا فَضربت ثُمَّ غنت:
بيد الَّذِي شعف الْفُؤَاد بكم ... تفريج مَا ألْقى من الْهم
فاستيقني أَنِّي كلفت بكم ... ثمَّ افعلي مَا شِئْت عَن علم
قد كَانَ صرم فِي الْمَمَات لنا ... فعجلت قبل الْمَوْت بالصرم
قَالَ: فتحسنت فِي عَيْني، فَتَلَاهَا نقاء وصفاء فَأذْهب الكلف عَنْهَا وزحف أَبُو السَّائِب وزحفت مَعَه، ثُمَّ تغنت:
برح الخفاء فَأَي مَا بك تكْتم ... ولسوف يظْهر مَا تسر فَيعلم
مِمَّا تضمن من غرير قلبه ... يَا قلب إِنَّك بالحسان لمغرم
بل لَيْت أَنَّك يَا حسام بارضنا ... تلقي المراسي طَائِعا وتخيم
فتذوق لَذَّة عيشنا ونعيمه ... ونكون إخْوَانًا فَمَاذَا تنقم
فَقَالَ أَبُو السَّائِب: إِن نقم هَذَا فأعضه الله بِكَذَا وَكَذَا من أمه، وَلَا يكني. وزحفت مَعَ أَبِي السَّائِب حَتَّى فارقنا النمرقتين، وربت الْعَجْفَاء فِي عَيْني كَمَا يَرْبُو السويق شيب بِمَاء قربةٍ. ثُمَّ غنت:
يَا طول ليلِي أعالج السقما ... إِذا حل كل الْأَحِبَّة الحرما
مَا كنت أخْشَى فراقكم ابدًا ... فاليوم أَمْسَى فراقكم غرما
قَالَ غرير: فألقيت طيلساني مقطع الأزرار، وَأخذت شاذكونة فَوَضَعتهَا قَالَ القَاضِي: أَحْسبهُ قَالَ: على رَأْسِي وَصحت كَمَا يصاح فِي الْمَدِينَة: الدجر بالنوى، وَقَامَ أَبُو السَّائِب فَتَنَاول ربعَة كَانَت فِي الْبَيْت فِيهَا قَوَارِير ودهن فوضعها على رَأسه، وَصَاح صَاحب الْجَارِيَة وَكَانَ ألثغ: قوانيني قوانيني، وحرك أَبُو السَّائِب رَأسه فاصطكت الْقَوَارِير فتكسرت وسال الدّهن على صدر أَبِي السَّائِب وظهره وَقَالَ للعجفاء: لقد هجت لي دَاء قَدِيما، ثُمَّ وضع الربعة. فَكُنَّا نَخْتَلِف إِلَيْهَا حَتَّى بعث عبد الرَّحْمَن بْن مُعَاوِيَة بْن هِشَام بْن عبد الْملك من الأندلس فابتيعت لَهُ الْعَجْفَاء وحملت إِلَيْهِ.
تفسيرات وتوضيحات
قَالَ القَاضِي: قَول الأرقمي فِي هَذَا الْخَبَر اثْنَا عشر ذِرَاعا وَسِتَّة عشرَة ذِرَاعا على لُغَة من ذكر الذِّرَاع والتأنيث فِيهَا أظهر، وَإِن كَانَت اللغتان فِيهَا قد حكيتا.
أنشدنا فِي التَّأْنِيث مُحَمَّد بْن الْقَاسِم الْأَنْبَارِي قَالَ أنشدنا أَبُو الْعَبَّاس عَنْ سَلَمَة عَنِ الْفراء:
أرقى عَلَيْهَا وَهِي فرع أجمع ... وَهِي ثَلَاث أَذْرع وإصبع
стр. 615
وَحدثنَا ابْن الْأَنْبَارِي قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَن مُحَمَّد بْن عبد الحكم عَن اللحياني قَالَ: الذِّرَاع والكراع يذكران ويؤنثان، قَالَ: وَلم يعرف الْأَصْمَعِي التَّذْكِير فيهمَا. قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي وَحكى السجسْتانِي عَن أَبِي زيد أَنه قَالَ: الذِّرَاع يذكر وَيُؤَنث، وَقَوْلهمْ هَذَا ثوب سبع فِي ثَمَانِيَة، ذكرُوا ثَمَانِيَة وأنثوا سبعا لأَنهم أَرَادوا سبع أَذْرع فِي ثَمَانِيَة أشبار، والشبر مُذَكّر فَلذَلِك ألْحقُوا الْهَاء فِي ثَمَانِيَة. وَقَالَ الْفراء عِنْد ذكره تَأْنِيث الذِّرَاع: وَقد ذكر الذِّرَاع بعض عكل فَقَالَ: الثَّوْب خَمْسَة أَذْرع وَسِتَّة أَذْرع وَخمْس أَذْرع وست أَذْرع. وَقَوله: وَفِي الْبَيْت نمرقتان الْوَاحِدَة نمرقة بِضَم النُّون وَالرَّاء فِيمَا حكى اللغويون وَذكر الْفراء أَنه سمع بعض كلب يَقُول نمرقة بكسرهما وَتجمع نمارق وَهِي الوسائد والمرافق، قَالَ الله تَعَالَى ذكره: " وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ " الغاشية: ١٥ وَمن هَذَا قَول امْرَأَة من بني عجل فِي يَوْم ذِي قار تَحض قَومهَا على قتال الْأَعَاجِم:
إِن تقدمُوا نعانق ... ونفرش النمارق
أَو تهزموا نفارق ... فِرَاق غير وامق
وَقلت على نَحْو هَذَا هِنْد بنت عتبَة:
نَحْنُ بناتُ طَارِقْ ... نَمْشِي على النمارق
ونلبس اليلامق ... إِن تقبلُوا نعانق
أَو تدبروا نفارق ... فِرَاق غير وامق
وَمن النمارق قَول ذِي الرمة:
كَانَ فُؤَادِي قلب جاني مخوفةٍ ... على النَّفس إِذْ يكسين وشي النمارق
قَالَ القَاضِي: وَفِي تَسْمِيَة الوسادة مرفقة وَجْهَان: أَحدهمَا أَنه من الرِّفْق والارتفاق بالشَّيْء وَالِانْتِفَاع من مرافق الدَّار والأثاث، قَالَ الله عز ذكره " وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا " الْكَهْف: ١٦ وَقُرِئَ مرفقا. وَقَالُوا: قد ارتفق فلَان بِمَال فلَان وأرفقه صَاحبه، وَجَاء فِي مرفق الْيَد مَرْفِق وَمِرْفَق أَيْضا، تكسر الأدوات مثل مقطع ومخرز ومخيط، قَالَ أُميَّة بْن أَبِي الصَّلْت يُخَاطب سيف بْن ذِي يزن لما ظفر بِالْحَبَشَةِ وأجلاهم عَن الْيمن:
فَاشْرَبْ هَنِيئًا عَلَيْك التَّاج مرتفقا ... فِي رَأس غمدان دَارا مِنْك محلالا
وَقيل لَهَا وسَادَة لتوسدها، قَالَ الْأَعْشَى:
إِن كنت لَا تشفين غلَّة عاشق ... كلف بحبك يَا جبيرَة صادي
فانهي خيالك أَن يزور فَإِنَّهُ ... فِي كل منزلةٍ يعود وِسَادِي
وَقَالَ الْأسود بن يعفر:
نَام الخلي وَمَا أحس رقادي ... والهم محتضر لدي وِسَادِي
стр. 616
قد يُقَال فِي الوسادة إسادة فتبدل الْوَاو همزَة استثقالا لابتداء الْكَلِمَة بهَا كَمَا قَالُوا: إشاح ووشاح ووجوه وأجوه، وَحكى عَن الْعَرَب سَمَاعا: مَا أحسن هَذِه الأجوه، فِي كثير من الْكَلَام، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
يحل أحيده وَيُقَال بعل ... وَمثل تمولٍ مِنْهُ افتقار
أَصله وحيده. وَهَذَا بَاب نأتي على شَرحه وتفصيله وَذكر جائزه وممتنعه وَمَا هُوَ مرسوم فِيهِ، وَقد قَرَأت عَامَّة القرأة " وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ " المرسلات: ١١ وَهُوَ من الْوَقْت، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر الْمدنِي وقتت بِالْوَاو وَالتَّخْفِيف، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو بِالْوَاو وقتت، عل الأَصْل أَيْضا، غلا أَنه شدده؛ وهم يكْرهُونَ كثيرا افْتِتَاح الْكَلَام بِالْوَاو، وخاصة إِذا تَكَرَّرت، وَقَالُوا إِن ذَلِك يشبه بنباح الْكلاب، وَقَالُوا فِي تَصْغِير وَاصل أَو يصل وَفِي جمعه أواصل فقلبوا الْوَاو همزَة، وَيَقُولُونَ حضر زيد وواصل فَلَا يقلبون لِأَن الْوَاو زيدت للْعَطْف كالفاء وَثمّ وَلَيْسَت من سنخ الْكَلَام فِي أَصْلهَا، وَيُقَال فلَان يتوسد الْقُرْآن وَهَذَا يكون مدحًا بِمَعْنى يَجعله وسَادَة أَي يتلوه مَكَان توسده إِيَّاه، وَيكون ذمًا أَي ينَام عَن الْقيام بِهِ وتأدية الْحق فِيهِ. وَجَاء عَن النَّبِي ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي رجل ذكر عِنْده: " ذَاك رجل لَا يتوسد الْقُرْآن ". وَرُوِيَ عَن عدي بْن حَاتِم أَنه ذكر للنَّبِي ﷺ أَنه جعل تَحت وساده خيطين أسود وأبيض فَلم يبن لَهُ بذلك أَمر الْفجْر، فَقَالَ لَهُ: إِنَّك لَعَرِيض الوسادة، ويروى عَنْهُ أَنه قَالَ لَعَرِيض الْقَفَا، إِنَّمَا هُوَ بَيَاض النَّهَار من سَواد اللَّيْل. فَأَما اشتقاق اسْم المرفقة من الْمرْفق فَهُوَ بَاب مَعْرُوف مُسْتَمر، أَلا ترى أَنهم يَقُولُونَ مخدة من الخد لِأَنَّهُ يوضع عِنْد الِاضْطِجَاع عَلَيْهَا، وَيَقُولُونَ مصدغة من الصدغ، وَقد يَقُولُونَ مزدغة فيبدلون من الصَّاد زايا لسكونها وإتيان الدَّال تالية لَهَا، وَهَذِه لُغَة مَعْرُوفَة فِي الْعَرَبيَّة، وَقد قَرَأَ بعض القرأة بهَا فِي مَوَاضِع من الْقُرْآن كَقَوْلِه يصدر ويصدقون وَقصد السَّبِيل. وَقَوله: قد ذهبت عَنْهَا اللحمة وَبَقِي السدى، فاللحمة لحْمَة الثَّوْب والسدى سداه، وَاللَّام هَاهُنَا مَفْتُوحَة، فَأَما لحْمَة النّسَب فمضمومة وَكَذَلِكَ لحْمَة الْبَازِي والصقر وَهُوَ مَا أطْعمهُ إِذا صَاد. وَقَوله: من رسحها فَإِنَّهُ يُقَال مِنْهُ: امْرَأَة رسحاء وَرجل أرسح إِذا كَانَ مؤخرهما من الْعَجز وَمَا وَالَاهُ عَارِيا من اللَّحْم. وَقَول غرير: وَأخذت شاذكونة مَعْنَاهُ وسَادَة، وَهِي عِنْدِي فِي الأَصْل فارسية تكلم بهَا من تكلم من الْعَرَب، وَهِي مُشْتَقَّة من مَوضِع الْجُلُوس وَيُقَال لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ كَون وَهَذَا من الْبَاب الَّذِي بَينا الِاشْتِقَاق فِيهِ كالمصدغة والمخدة. وَقد فسر أَبُو عُبَيْدَة الزرابي فِي قَول الله جلّ ثَنَاؤُهُ: " وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ " الغاشية: ١٦ فَقَالَ: هِيَ الْبسط كَمَا قَالَ غَيره من أهل التَّأْوِيل والعربية، ثُمَّ قَالَ: وَاحِدهَا زربية ثُمَّ قَالَ: والزرابي فِي لُغَة أُخْرَى الشواذكين وأتى بِهِ على هَذَا اللَّفْظ فِي الْجمع. وَقَوله: الدجر بالنوى حكى بذلك نِدَاء من يطوف بالدجر من باعته ويعرض بَيْعه بالنوى، كَأَنَّهُ يَقُول اشْتَروا الدجر بالنوى أَو يَعْنِي الدجر يُبَاع بالنوى،
стр. 617
والدجر من أَسمَاء اللوبيا، وَله أَسمَاء ذَوَات عدد: اللوبياء واللوبيا بِالْمدِّ وَالْقصر، وليا الْوَاحِدَة لياءة، وَيُقَال لِلْجَارِيَةِ المستحسنة كَأَنَّهَا لياءة مقشورة، وَرُوِيَ عَن بَعضهم أَنه قَالَ: دخلت على مُعَاوِيَة وَفِي يَده لياء مقشو أَي مقشور وَيُقَال لَهُ اللويباج والأحبل والحبيل والدجر.
مَا بَال الْعَرَب تطيل كَلَامهَا وَأَنْتُم تقصرونه
حَدَّثَنَا يَزْدَادُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى يَعْنِي تينة قَالَ حَدَّثَنَا الْعُتْبِي عَن أَبِيه عَن أَبِي خَالِد عَن أَبِيه قَالَ: وَفد مُحَمَّد بْن عُطَارِد بْن مُحَمَّد إِلَى الْحجَّاج فِي نَيف وَسبعين رَاكِبًا فاستزارهم عَمْرو بْن عتبَة فَقَالَ: يَا أَبَا سُفْيَان مَا بَال الْعَرَب تطيل كَلَامهَا وتقصرونه معاشر قُرَيْش؟ فَقَالَ عَمْرو: بالجندل يرْمى الجندل، إِن كلامنا كَلَام يقل لَفظه وَيكثر مَعْنَاهُ ويكتفي بأولاه ويشتفى بأخراه، ويتحدر تحدر المَاء الزلَال على الكبد الحرى، وَلَقَد نقص كَمَا نقص غَيره بعد أَقوام وَالله أدركتهم كَأَنَّمَا جعلُوا لتحسين مَا قبحت الدُّنْيَا، سهلت لَهُم ألفاظهم كَا سهلت لَهُم أنفاسهم، فصانوا أعراضهم وابتذلوا أَمْوَالهم حَتَّى مَا يجد المادح فيهم مزيدًا، وَلَا العائب فيهم مطعنًا، فَلَو احتفلت الدُّنْيَا مَا تزينت إِلَّا بهم، وَلَو نطقت مَا افتخرت إِلَّا بفعالهم، وَلَقَد كَانَ آل أَبِي سُفْيَان مَعَ قلتهم كثيرا مِنْهُ نصِيبهم، وَللَّه در مَوْلَاهُم حَيْثُ يَقُول:
وضع الدَّهْر فيهم شفرتيه ... فَمضى سالما وأضحوا شعوبًا
شفرتان وَالله وضعتا على من كَانَ قبلهم فأفنت أبدانهم وأبقت أخبارهم، فأبقت حسنا فِي الدُّنْيَا ثَوَابه، وسيئًا فِي الدُّنْيَا عِقَابه وَفِي الْآخِرَة أَسْوَأ.
قَالَ القَاضِي: قَول عَمْرو بْن عتبَة فِي هَذَا الْخَبَر من أبلغ كَلَام وَأحسنه وَكَانَ قَوْله: فأفنت أبدانهم وأبقت أخبارهم مَأْخُوذ من قَول أَمِير الْمُؤمنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فِي خبر كميل بْن زِيَاد النَّخعِيّ وَقد ذكر الْعلمَاء وفضله على المَال وشرفه: مَاتَ خُزَّانُ الأَمْوَالِ وَهُمْ أَحْيَاءٌ وَالْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ، أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ، وَأَمْثَالُهُمْ فِي الْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ. على أَن فضل كَلَام أَمِير الْمُؤمنِينَ ﵇ وجزالته وبهاءه وطلاوته وَظُهُور تقدمه ومزيته بَيّن، وَأَن كَانَ هَذَا وَقع لعَمْرو، لقد امتار علمه من مَعْدن الحكم، واقتبس شرِيف الْفَائِدَة من الإِمَام الرباني العَلَم.
/الْمَجْلِسُ الثَّالِثُ وَالثَّمَانُونَ
حَدِيثُ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقوم خيرا
حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي ﵁ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ بْنِ عَامِرٍ السَّعْدِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ أَبُو يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ السَّبِيعِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعَمَ الأَفْرِيقِيِّ عَنْ حَيَّانَ بْنِ أَبِي
стр. 618
جَبَلَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ خَيْرًا أَكْثَرَ فُقَهَاءَهُمْ وقلَّل جُهَّالَهُمْ، حَتَّى إِذَا تكلَّم الْعَالِمُ وَجَدَ أَعْوَانًا، وَإِذَا تكلَّم الْجَاهِلُ قُهِرَ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا كَثَّرَ جُهَّالَهُمْ، وَقَلَّلَ فُقَهَاءَهُمْ، حَتَّى إِذَا تكلَّم الْجَاهِلُ وَجَدَ أَعْوَانًا، وَإِذَا تَكَلَّمَ الْفَقِيهُ قُهِرَ ".
قَالَ الْقَاضِي: قَدْ وَرَدَ عَنِ النبيِّ ﷺ نَظِيرُ مَا أَتَى بِهِ هَذَا الْخَبَرَ مِنْ طرقٍ كَثِيرَةٍ بألفاظٍ مختلفةٍ فِي صُوَرِهَا مُتَّفِقَةٍ فِي مَعَانِيهَا، وممَّا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ فِي هَذَا الْبَابِ إِخْبَارُهُ أنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَقَدْ فَشَا هَذَا الأَمْرُ الْمُنْكَرُ الْمَذْمُومُ فِي زَمَانِنَا وَصَارَ الْجَاهِلُ فِيهِ مقدَّماً مَتْبُوعًا، وَالْعَالِمُ الْمُتَقَدِّمُ فِي عِلْمِهِ مقصيّاً حتّى يتسرَّع إِلَى الْفُتْيَا فِي الدِّينِ وَالْحُكْمِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ لَمْ يُعْنَ بِدِرَاسَةِ الْفِقْهِ، وَلَمْ يَعْرِفْ بِمُجَالَسَةِ أَهْلِهِ، وَلا مُجَاثَاةِ الْخُصُومِ فِيمَا اخْتلف أيمة الْفِقْهِ فِيهِ، وَمُنَاظَرَتِهِمْ وَمُجَارَاتِهِمْ وَمُذَاكَرَتِهِمْ. وَسَالَتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ المضلَّلة الْمُحْتَقَرَةُ الْمُسْتَرْذَلَةُ بَعْضَ مَنْ قَدِ اشْتُهِرَ طَلَبُهُ لِلْعِلْمِ وَمُذَاكَرَتُهُ وَاشْتِغَالُهُ بِالنَّظَرِ فِيهِ وَاتِّفَاقُ أَصْحَابٍ لَهُ يَأْخُذُونَ عَنهُ ويرجعون إِلَى تَلْخِيصِهِ الْمُشْكِلِ مِنْهُ لاخْتِلاطِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَمُعَاشَرَتُهُمْ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَمُمَالأَةُ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ صَاحِبَهُ عَلَى مَا يُؤْثِرُهُ، وَوُقُوفُ كلِّ حزبٍ مِنْهُمْ عَلَى مَا يَرْغَبُ عَنْهُ ذُو الدِّينِ وَيُنْكِرُهُ، فَصَارُوا عَلَى الْحَدِّ الَّذِي قَالَ فِي أَهْلِهِ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: افْتَضَحُوا فَاصْطَلَحُوا، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:؟؟؟؟؟؟؟؟ ذَهَبَ الرِّجَالُ الْمُقْتَدَى بِفِعَالِهِمْ وَالْمُنْكِرُونَ لكلَّ أمرٍ مُنْكَرِ
وَبَقِيتُ فِي خلفٍ يزيِّن بَعْضُهُمْ ... بَعْضًا لِيَدْفَعَ مُعْوِرٌ عَنْ مُعْوِرِ
وَلَقَدْ بَلَغَنِي أنَّ رَجُلا اسْتَفْتَى بَعْضَ أَهْلِ زَمَانِنَا فِي شيءٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خصمٍ لَهُ، فَأَفْتَاهُ بِمَا فِيهِ حجَّةٌ لَهُ فِيمَا استفتاء عَنهُ، وَإِنْكَارا عَلَى خَصْمِهِ مَا حَاوَلَ مُنَازَعَتَهُ فِيهِ، فَلَمَّا ولَّى لَقِيَهُ بَعْضُ أَنْسِبَاءِ الْخَصْمِ الْمُسْتَفْتَى عَلَيْهِ فَأَخَذَ صَحِيفَةَ الْفُتْيَا مِنْ يَدِهِ وَأَخْبَرَ الْمُفْتِي أَن ذَلِك أستفتاه المستفتي فِيهِ شيءٌ همَّ الْخُصُومُ فِيهِ، وَمَا أَفْتَى بِهِ ممَّا يَكْرَهُونَهُ ويستضرُّون بِهِ، فَارْتَجَعَ الْفُتْيَا مِنْ صَاحِبِهَا، وَأَلْحَقَ بِهَا مَا عَادَ عَلَى فُتْيَاهُ الأُولَى فَنَقَضَهَا وَقَلبَهَا عَنْ جِهَتِهَا. وَلَنَا فِي هَذَا الْفَصْلِ كلامٌ قَدْ أَثْبَتُّهُ وَوَصَلْتُهُ بِأَبْيَاتٍ حَضَرَتْنِي، وَأَوْدَعْتُ ذَلِكَ كِتَابِي المسمَّى " تَذْكِيرُ الْعَاقِلِينَ وَتَحْذِيرُ الْغَافِلِينَ " وَالأَبْيَاتُ:
تَسَالَمُ الْقَوْمَ لَمَّا ... عَادُوا دُعَاةَ السَّلامه
تَفَاسُدُوا ثُمَّ أَبْدَوْا ... صُلْحًا بِغَيْرِ اسْتِقَامَهْ
والصُّلح مَا لَمْ يُهَذِّبْ ... عداوةٌ مُسْتَدَامَهْ
وكلُّ ودٍّ سقيمٍ ... فَمُنْتَهَاهُ النَّدَامَةْ
أول من قَالَ برح الخفاء
حدَّثنا مُحَمَّدُ بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد قَالَ: أَخْبرنِي عمي عَنْ أَبِيه عَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ قَالَ: كَانَ
стр. 619
أول من قَالَ: " برح الخفاء " أَن رجلا من كِنْدَة يُقالُ لَهُ صدّاد بن أَسمَاء، وَأَسْمَاء أمُّه، وَهِي امْرَأَة من بني الْحَارِث بن كَعْب، وَكَانَت تَحت صدّاد امرأةٌ من قومه كنديةٌ وَامْرَأَة من بني الْحَارِث، وَكَانَ لَهُ من ابْنة عمّه أَرْبَعَة رجالٍ وَلم يكن لَهُ من الحارثية ولد، فَوَقع على جَارِيَة سَوْدَاء فأحْبَلَها، فلمّا تبيَّن حملهَا خَافَ امْرَأَته، فأنكرَ ذَلِكَ فِي العلانيَّة وأقرَّ بِهِ فِي السِّرّ، وسمَّاه ثَعْلَبَة، وَأشْهد امْرَأَته الحارثيَّة وأخًا لَهُ أَن ثَعْلَبَة ابْنه. فلمّا مَاتَ صدّاد أخْبرت السَّوْدَاء ابْنهَا أَنَّهُ من صدّاد، فَخرج الْغُلَام حتَّى أَتَى ملكا من مُلُوك الْيمن، فَذكر لَهُ أمره وأتاهُ بِعَمِّهِ وَامْرَأَة أَبِيه فشهدا، فَقَالَت الكندية: إنّما شَهدا للعداوة، فَبعث الْملك إِلَى
سطيح الكاهن وخبأ لَهُ دِينَارا؟ ً بَين قدمه وَنَعله، فلمّا دخل إِلَيْهِ قَالَ: إِنِّي قد خبأتُ لكَ شَيْئا فَأَخْبرنِي بِهِ، فَقَالَ سطيح أحلفُ بِالْبَلَدِ المحرَّم، وَالْحجر الْأَصَم، وَاللَّيْل إِذا أظلم، وَالنَّهَار إِذا تَبَسم، وَبِكُل فصيحٍ وأعجم، لقد خَبأت دِينَارا بَين نعلٍ وَقدم؛ قَالَ: فَأَخْبرنِي مَعَ من هُوَ. قَالَ: أَحْلف بالشهر الْحَرَام، وَبِاللَّهِ مُحْيي الْعِظَام، وبِما خلق من النسام، إِنَّه لتَحْت قدم الْملك الْهُمَام؛ قَالَ: فَأَخْبرنِي بِم أرْسلت إِلَيْك، قَالَ: أرْسلت إليّ تَسْأَلنِي عَن ابْن السَّوْدَاء، وَمن أَبوهُ من الْآبَاء، وَقد بَرَح الخفاء، وَهُوَ أول من قَالَه، وَأَبوهُ صدّاد بن أَسمَاء، لَا شكّ فِيهِ ولامراء، فألحقه الْملك بِأَبِيهِ وَورثه. قَالَ الْملك: يَا سطيح أَلا تُخبرنِي عَن علمك هَذَا؟ قَالَ: إنّ علمي لَيْسَ منّي، وَلَا بجزمٍ وَلَا تَظَنِّي، وَلَكِن أخذتُه من أخٍ لي جنّي، قد سمع الْوَحْي بطور سَنّي. قَالَ الْملك: أَرَأَيْت أَخَاك هَذَا الجنّي، أهوَ مَعَك لَا يُفارقك؟ قَالَ: إِنَّه ليزول حَيْثُ أزول، وَلَا أنطقُ إلاّبما يَقُول، قَالَ لَهُ الْملك: فَهَل عنْدك من خبرٍ بِمَا يكون تخبرنا بِهِ؟ قَالَ: نعم، عِنْدِي خبرٌ طريف، شهركم هَذَا خريف، والقمرُ فِيهِ كسيف، وَيَأْتِي غَدا سحابٌ كثيفٌ، فَيمْلَأ البَرَّ والريف، فَكَانَ كَمَا قَالَ.
سطيح الكاهن
قَالَ القَاضِي: أَخْبَار سطيح كَثِيرَة، وَقد جمعهَا غيرُ واحدٍ من أهل الْعلم، وَكَذَلِكَ أَخْبَار غَيره من الْكُهَّان. وَالْمَشْهُور من أَمر سطيح أَنَّهُ كَانَ كَاهِنًا، وَقد أخبر عَن النَّبِيّ ﷺ وَعَن نَعْتِهِ ومبعثه بأخبارٍ كَثِيرَة، وَقد رُوِيَ أَنَّهُ عَاشَ سَبْعمِائة سنة وأدركَ الْإِسْلَام فَلم يُسْلِم، وَرُوِيَ أَنَّهُ هلك عِنْدَمَا وُلِدَ النبيُّ ﵇ وَأخْبر بذلك ابْن أُخْته عبد الْمَسِيح بن حَيَّان بن بُقَيلة، وَقد أوفده إِلَيْهِ كسْرَى أنوشروان لارتياعه من أمورٍ ظَهرت عِنْد مولد النَّبِيّ ﷺ ، وَأمره أَن يسْأَل خَاله سطيحًا عَنْهَا ويستعلم مِنْهُ تَأْوِيلهَا، وَذكر عبد الْمَسِيح أَنَّهُ أنبأه بذلك، ونعى إِلَيْهِ نَفسه ثُمَّ قضى مَكَانَهُ.
وَرُوِيَ لَنَا مِنْ بَعْضِ الطُّرُقِ باسنادٍ اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ أَنَّ النَّبيّ ﷺ سُئِلَ عَنْ سَطِيحٍ فَقَالَ: نبيٌّ ضيَّعه قَوْمُهُ، وَهُوَ مشهورٌ عِنْد الْعَرَب يذكرُونَ سَجْعَهُ وكهانته، ويضربون الْمثل بِعِلْمِهِ وَصدقه فِيمَا يخبر بِهِ. وَقد قَالَ الْأَعْشَى يذكرُ زَرْقَاء الْيَمَامَة لَمَّا أخْبرت أهل الْيَمَامَة
стр. 620
برؤيتها مَا رَأَتْ من مكانٍ بعيد لَمْ يُعلَم آدميُّ أدْرك مرئيًا من مثل مداه، فَلم يصدّقوها، فَأَتَاهُم الْعَدو الَّذِي أنذرتهم بِهِ فاستباحهم وَخرب دِيَارهمْ:
مَا نظرت ذَات أشفارٍ كنظرتِها ... حقًّا كَمَا صَدَقَ الذّئبيُّ إِذْ سجعا
قَالَت أرى رجلا فِي كفّه كتفٌ ... أَو يخصفُ النعلَ لهفي أَيَّة صنعا
فكذَّبوها بِما قَالَت فصبَّحهم ... ذُو آل حسَّان يُزجي الْمَوْت والشِّرعا
فاستنزلوا أهلَ جو من منازلِهم ... واستخفضوا شاخصَ الْبُنيان فاتضعا
قَوْله: " الذّئبي " يَعْنِي سطيحًا لِأَنَّهُ من ولد ذِئْب بن حجن، وبسطيحٍ الذئبي كَانَ يُعْرَف، وَقد قَالَ لَهُ عبد الْمَسِيح بن أُخْته حِين وَفد عَلَيْهِ من عِنْد كسْرَى:
بافاصل الخطَّة أعيَتْ مَنْ وَمَنْ
أتاكَ شيخُ الحيِّ من آل سَنَنْ
وأمّه من آلِ ذِئْب بن حَجَنْ
وَلكُل فصل مِمَّا ذكرنَا أَخْبَار وأنباء وقصص تَأتي فِي أماكنها، إِن شَاءَ الله.
الثِّيَابُ لَا تَرْفَعُ مَكَانَةَ لابِسِهَا
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ، قَالَ حدَّثنا أَبُو سَعِيدٍ الْحَارِثِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا العتبيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَخَلَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عبد الْملك على سالمٍ ثيابٌ غَلِيظَةٌ رَثَّةٌ، فَلَمْ يَزَلْ سُلَيْمَانُ يرحِّب بِهِ وَيَرْفَعُهُ حَتَّى أَقْعَدَهُ مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الْمَجْلِسِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ: أَمَا اسْتَطَاعَ خَالُكَ أَنْ يَلْبَسَ ثِيَابًا فَاخِرَةً أَحْسَنَ مِنْ هَذِهِ وَيَدْخُلَ فِيهَا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ وَعَلَى الْمُتَكَلِّمِ ثيابٌ سريَّةٌ لَهَا قِيمَةٌ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا رَأَيْتُ هَذِهِ الثِّيَابَ الَّتِي عَلَى خَالِي وَضَعَتْهُ فِي مَكَانِكَ هَذَا، وَلا رَأَيْتُ ثِيَابَكَ هَذِهِ رَفَعَتْكَ إِلَى مَكَانِ خَالِي ذَاكَ.
قَالَ القَاضِي: لقد أحسن عمر فِي جَوَابه، وأجادَ فِي الذبِّ عَن خَاله، وَقد أنشدنا ابْن دُرَيْد فِي خبر ذكرته فِي غير هَذَا الْموضع لبَعض الْأَعْرَاب:
يُغايظونا بقمصانٍ لَهُم جددٍ ... كأننا لَا نرى فِي السُّوق قمصانا
لَيْسَ القميصُ وَإِن جدَّدت رقعته ... بجاعلٍ رجلا إِلَّا كَمَا كَانَا
وأنشدنا أَيْضا لأعرابي قصد بَاب بعض الْمُلُوك فحجبه الآذان وَجعل يستأذنُ لغيره مِمَّن لَهُ بزَّة:
رأيتُ آذننا يستامُ بزّتنا ... وَلَيْسَ للحَسَبِ الزّاكي بمُستامِ
فَلَو دُعينا على الأحسابِ قدَّمنا ... مجدٌ تليدٌ وجدٌ راجحٌ نامِ
وَلَقَد أحسن الَّذي قَالَ:
قد يُدرك الشَّرف الْفَتى وإزارُهُ ... خلقٌ وجيبُ قَمِيصه مرقوع
стр. 621
وَمَا أَتَى فِي هَذَا الْمَعْنى من مُرْسل الْكَلَام وموزونه كثيرٌ جدا، وَقد يَأْتِي كَثِير مِنْهُ فِي مجالسنا.
ولد عتبَة بن مَسْعُود
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الْقَاسِم الْأَنْبَارِي قَالَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عِيسَى الْخُتَّلِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى السَّاجيّ قَالَ، حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِي قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو نَوْفَل الْهُذلِيّ عَن أَبِيه قَالَ: ولَد عتبةُ بن مسعودٍ عبد الله وَكَانَ واليًا لعمر بن الْخطاب ﵁ فولد عبد الله: عبيد اللَّه وعونًا وَعبد الرَّحْمَن، فأمّا عبيد الله فَكَانَ من أفقهِ أهل الْمَدِينَة وخيارهم، وَكَانَ أعمى، فمرَّ عَلَيْهِ عبد الله بن عَمْرو بن عُثْمَان وَعمر بن عبد الْعَزِيز فَلم يسلِّما عَلَيْهِ، فَأخْبر بذلك فَأَنْشَأَ يَقُول:
وَلَا تَعَجبا أَن تُؤتَيا فتكلَّما ... فَمَا حشي لأقوام شَرًّا من الْكِبْرِ
ومسَّا ترابَ الأرضِ مِنْهَا خلقتما ... وفيهَا المعادُ والمصيرُ إِلَى الْحَشْر
وروينا هَذَا الْخَبَر من وجهٍ آخر وَفِيهِ من شعر عبيد الله زيادةٌ على أبياته هَذِه، وَقد رسمنا ذَلِكَ فِي مَوْضِعه. وَكَانَ عبيد الله أحدَ السَّبْعَة من فُقَهَاء الْمَدِينَة الَّذِينَ جمع أَبُو الزِّنَاد مَا جمع من فقههم. وأمّا عون بن عبد الله فَكَانَ من آدب أهل الْمَدِينَة وأفقههم وَكَانَ مرجئًا فَرجع عَن ذَلِكَ وَأَنْشَأَ يَقُول:
أوّل مَا نُفارقُ غير شكٍّ ... نفارق مَا يَقُول المرجئونا
وَقَالُوا مؤمنٌ من أهل جورٍ ... وَلَيْسَ الْمُؤْمِنُونَ بجائرينا
وَقَالُوا مؤمنٌ دمُهُ حلالٌ ... وَقد حَرُمَت دِمَاء المؤمنيا
ثُمَّ خرج مَعَ ابْن الْأَشْعَث فهرب حَيْثُ هربوا، فَأتى مُحَمَّد بن مَرْوَان بنصيبين فأمَّنه وألزمه ابْنه، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد: كَيفَ رَأَيْت ابْن أَخِيك؟ قَالَ: ألزمتني رجلا إِن بعدتُ عَنْهُ عَتِبَ، وَإِن أَتَيْته حجب، وَإِن عاتبته صخب، وَإِن صاخبته غضب، فَتَركه ثُمَّ لزم عمر بن عبد الْعَزِيز وَهُوَ خَليفَة وَكَانَت لَهُ مِنْهُ منزلَة. وَخرج جريرٌ فَأَقَامَ بِبَاب عمر بن عبد الْعَزِيز فطال مُقامه فَكتب إِلَى عون بن عبد الله:
يَا أيُّها الْقَارئ المرخي عمامَتَهُ ... هَذَا زمانُكَ إِنِّي قَدْ مضى زَمَني
أَبْلغْ خَليفَتَنَا إِنْ كنتَ لاقيهِ ... أَنِّي لَدَى الْبَاب كالمصفودا فِي قرنِ
وأمّا عبد الرَّحْمَن بن عبد الله فَهُوَ الَّذِي يَقُول:
تأثّل حبُّ عَثْمَة فِي فُؤَادِي ... فباديه مَعَ الخافي يسيرُ
صدعْتِ القلبَ ثُمَّ ذررت فِيهِ ... هَوَاك فَليط فالتامَ الفطورُ
قَالَ أَبُو بكر: ليط معناهُ أُلصق. وضمَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْحَسَن وَالْحُسَيْن إِلَيْهِ وَهُوَ على الْمِنْبَر وَقَالَ: إنَّ للْوَلَد لوطةً، يَعْنِي التصاقًا، بِالْقَلْبِ. وَقَالَ الشَّاعِر:
стр. 622
سأحبس مَالِي على لذّتي ... وأؤثر نَفسِي على الْوَارِث
وأسبقُ فِي المَال سُهَمانَهُم ... وقولَ المعوِّق والرائثِ
قَالَ أَبُو بكر: وَزَادَنِي فِيهَا أبي ﵀:
أعاذلَ عاجلُ مَا أشتهي ... أحبُّ إليَّ من الّلابثِ
قَالَ القَاضِي: الأبيات المنسوبة فِي هَذَا الْخَبَر إِلَى عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عتبَة قد رويت لنا من غير وَجه عَن أَخِيه عبيد الله، وفيهَا زِيَادَة وأنشدناها: تغلغل حبُّ عثمةَ.. وَالْبَيْت الثَّانِي.
تغلغل حَيْثُ لَمْ يبلغْ شرابٌ ... وَلَا حزنٌ وَلم يبلغ سرورُ
شقَقْتِ الْقلب ثمَّ ذررت فِيهِ ... هَوَاك فليمَ فالتَامَ الفطورُ
فلِيم من الالتئام وَأَصله بِالْهَمْز، وَترك همزه لإِقَامَة الْوَزْن فَصَارَ مُسَاوِيا للفظ ليم من اللوم. وَإِن كَانَ المعنيان مُخْتَلفين. وليط فِي هَذَا الْمَعْنى أَيْضا وحُكي هُوَ أَلْيَطُ بقلبي، وحُكي عَن الفرّاء فِي قلبهم الْوَاو يَاء أنَّهم كَرهُوا أَن يشبه الْوَجْه الْمَكْرُوه. وأمّا قَول عون بن عبد الله لمُحَمد بن مَرْوَان فِي ابْنه: " إِن بعدتُ عَنْهُ عَتِبَ، وَإِن أَتَيْته حجب " فلي فِي مثله أبياتٌ من قصيدةٍ " أردّ بِهَا على قصيدة كتب بِهَا إليّ بعضُ رُؤَسَاء الزَّمَان، وَقد استبطأ زيارتي وعاتبني فِي تأخُّري عَنْهُ وكنتُ أتيتُ دَاره فحجبتُ عَنْهُ، والأبياتُ:
إِذَا لَمْ آتِ أزعجني العتابُ ... وإِنْ وافيتُ أخجلني الحجابُ
وإِنِّي حاجبٌ قدري بِهجري ... معززةً تذلُ لَهَا الرقابُ
ونعتي أحمرُ الكبريتِ عزَّاً ... وأصلي حِين تكرمني الترابُ
فَأن تُنْصِفْ فأرضُك مستقرّي ... وإِنْ تَظْلِمْ فمنزلي السحابُ
وَمَا قيل فِي هَذَا الْمَعْنى كَثِير، فمما قيل فِيهِ:
لِمَا تنكرت فِي حجابك ... رغبت بِالنَّفسِ عَن عتابكْ
فَأن تزرني أزر وإمّا ... تقفْ ببابي أَقِفْ ببابكْ
واللَّه لَا كنتَ فِي حسابي ... إِلَّا إِذا كنتُ فِي حسابكْ
الْكَلَام الفصيح: لَمْ يكن هَذَا فِي حسباني، أَي فِي ظَنِّي، وَلَيْسَ يبعد أَن يُقالُ فِي حسابي أَي فِيمَا أعدُه وأحصيه وَأَحْسبهُ من الْحساب. وممَّا أنشدناهُ أَيْضا ورويناهُ فِي خبر مَذْكُور فِي مَوضِع آخر:
يَا أيُّها الحرُّ الكريمُ الْكَافِي ... لَيْسَ الحجابُ من آلةِ الأشرافِ
ولقلَّ مَن يَأْتِي فيحجبُ مرَّةً ... فيعودُ ثَانِيَة بقلبٍ صافي
واستقصاء هَذَا الْبَاب يطول وَقد أَتَيْنَا مِنْهُ بِما فِيهِ كِفَايَة
стр. 623
الْمَأْمُون وَالرجل المتحنط المتكفن
حدَّثنا أَبُو النَّضْر الْعُقَيْليّ قَالَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِم النوشجاني قَالَ، قَالَ الْحَسَن بن عبد الْجَبَّار الْمَعْرُوف بالعرق: بَينا الْمَأْمُون فِي بعض مغازيه يسير مُفردا عَن أَصْحَابه وَمَعَهُ عُجَيْف بن عَنْبَسَة إِذْ طلعَ رجلٌ متحنّطٌ متكفّن، فلمّا عاينه الْمَأْمُون وقف، ثُمَّ الْتفت إِلَى عجيف فَقَالَ: وَيحك أما ترى صَاحب الْكَفَن مُقبلا يُرِيدنِي، فَقَالَ لَهُ عجيف، أُعيذكَ بِاللَّه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَ: فَمَا كذب الرجل أَن وقف على الْمَأْمُون، فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: من أردْت يَا صَاحب الْكَفَن وَإِلَى من قصدت؟ قَالَ: إياك أردْت، قَالَ: أَوَ عَرفتنِي؟ قَالَ: لَو لَمْ أعرفك مَا قصدتك، قَالَ: أَفلا سلَّمت عليَّ؟ قَالَ: لَا أرى السَّلام عَلَيْك، قَالَ: ولِم؟ قَالَ: لإفسادك علينا الغَزَاةَ، قَالَ عجيف: وَأَنا أَلين مسَّ سَيفي لِئَلَّا يبطئ ضرب عُنُقه، إِذْ الْتفت الْمَأْمُون فَقَالَ: يَا عجيف إِنِّي جائعٌ وَلَا رَأْي لجائع، فَخذه إِلَيْك حَتَّى أتغدى وأدعو بِهِ، قَالَ: فتناوله عجيفٌ فَوَضعه بَين يَدَيْهِ، فلمّا صَار الْمَأْمُون إِلَى رَحْله دَعَا بِالطَّعَامِ، فلمّا وضع بَين يَدَيْهِ أَمر بِرَفْعِهِ وَقَالَ: وَالله مَا أسيغه حَتَّى أناظرَ خصمي، يَا عُجيف عليَّ بِصَاحِب الْكَفَن، قَالَ: فلمَّا جلس بَين يَدَيْهِ قَالَ: هيهِ يَا صاحبَ الْكَفَن مَاذَا قلت؟ قَالَ: قلتُ: لَا أرى السَّلام عَلَيْك لإفسادك الْغُزَاة علينا قَالَ: بِماذا أفسدتها؟ قَالَ: بإطلاقك الْخُمُور تبَاع فِي عسكرك وَقد حرَّمها الله فِي كِتَابه، فابدأ بعسكرك فنظِّفه، ثُمَّ اقصد الْغَزْو، لماذا استحللت أَن تبيحَ شَيْئا قد حرَّمه الله كَهَيئَةِ مَا أحل الله ؟ قَالَ: أَو عرفت الْخمر أنَّها تُباعُ ظَاهرا أَو رَأَيْتهَا؟ قَالَ: لَو لَمْ أرَها وتصحَّ عِنْدِي مَا وقفت هَذَا الْموقف، قَالَ: فشيءٌ سوى الْخمر أنكرته؟ قَالَ: نعم، إظهارك الْجَوَارِي فِي العماريّات، وكشفهنَّ الشُّعُور منهنَّ بَين أَيْدِينَا كأنهنَّ فِلَقُ الأقمار، خرج الرجلُ منا يريدُ أَن يُهراقَ دَمه فِي سَبِيل الله ويُعْقَرَ جَوَاده قَاصِدا نَحْو الْعَدو، فَإِذا نظر إليهنَّ أَفْسدنَ قلبه وركن إِلَى الدُّنْيَا وانصاع إِلَيْهَا، فَلم استحللت ذَلِك؟ قَالَ: مَا استحللت ذَاك، وسأخبرك بالْعُذر فِيهِ فَإِن كَانَ صَوَابا وإلاّ رجعت. نعم قَالَ:: شَيْء غير هَذَا أنكرته،؟ قَالَ: نعم شَيْء أمرت بِهِ: تَنْهَانَا عَن الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ، قَالَ: أما الَّذِي يَأْمر بالمنكر فَإِنِّي أنهاه وأمّا الَّذِي يأمرُ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنِّي أحثّه على ذَلِكَ وأحدوه عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: أفشيء سوى ذَلِكَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: يَا صَاحب الْكَفَن أمّا الخمرُ فلعمري لقد حرَّمها الله تَعَالَى، وَلَكِن الْخمر لَا تُعْرَف إِلَّا بِثَلَاث جوارح: النَّظر والشَّم والذوق، أفتشربها أَنْت؟ قَالَ: معاذَ الله أَن أنكرَ مَا أشْرب، قَالَ: أفيمكن فِي وقتك هَذَا أَن تقفنا على بيعهَا حَتَّى نوجّه مَعَك من يَشْتَرِي مِنْهَا؟ قَالَ: فَمن يظهرها لي أَو يبيعنيها وعليّ هَذَا الْكَفَن؟ قَالَ: صدقت. قَالَ: فكأنك إنَّما عرفتها بِهَاتَيْنِ الجارحتين، يَا عجيف عليَّ بقوارير فِيهَا شراب. فَانْطَلق عجيف فأتاهُ بِعشْرين قَارُورَة فوضعها بَين يَدَيْهِ فِي أَيدي عشْرين وصيفًا، ثُمَّ قَالَ: يَا صَاحب الْكَفَن، نُفِيتُ من آبَائِي الرَّاشِدين المهديين
стр. 624
إِن لَمْ تكن الْخمر فِيهَا، فإنَّك تعلم أَن الْخمر من ستر الله على عباده، وَإنَّهُ لَا يَجوز لَك أَن تشهدَ على قومٍ مستورين إِلَّا بمعاينة بيّنة وَعلم، وَلَا يَجوز لي أَن آخذ إِلَّا بِمعاينة بَيِّنَة وشاهدي عدلٍ.
قَالَ: فَنظر صاحبُ الْكَفَن إِلَى الْقَوَارِير، فَقَالَ لَهُ عجيف: أيُّها الرجل لَو كنت خمّارًا مَا عرفت مَوضِع الْخمر بِعَينهَا من هَذِه الْقَوَارِير، قَالَ فَقَالَ لَهُ: هَذِه الْخمر بِعَينهَا من هَذِه الْقَوَارِير، فَأخذ الْمَأْمُون قَارُورَة فذاقها ثُمَّ قطَّب ثُمَّ قَالَ: يَا صَاحب الْكَفَن انْظُر هَذِه الْخمر، فَتَنَاول الرجل القارورة فذاقها فَإِذا خلُّ ذابح، فَقَالَ: قد خرجت هَذِه عَن حدِّ الْخمر، فَقَالَ الْمَأْمُون: صدقت إنَّ الخلّ مصنوعٌ من الْخمر لَا يكون خلًّا حَتَّى يكون خمرًا، وَلَا وَالله مَا كَانَت هَذِه خمرًا قطّ، وَمَا هُوَ إِلَّا رُمّان حامض يعصر لي أصطبغُ بِهِ من سَاعَته؛ قد سَقَطَتِ الجارحتان وبقيَ الشمُّ، يَا عُجيف صيِّرها فِي رصاصيّات وَأت بِهَا، قَالَ: فَفعل، فعُرضت على صَاحب الْكَفَن فشمَّها فَوْقه فَوَقع مَشَمُّه مِنْهَا على قَارُورَة فِيهَا لبيختبج فَقَالَ: هَذِه فَأَخذهَا الْمَأْمُون فصبَّها بَين يَدَيْهِ وَقَالَ: انْظُر إِلَيْهَا كأنَّها طلا قد عقدتها النَّار، بَلْ تُقْطَعُ بالسكين، قد سَقَطت إِحْدَى الثَّلَاث الَّتِي أنْكرت يَا صَاحب الْكَفَن، ثُمَّ رفع الْمَأْمُون رَأسه إِلَى السَّمَاء فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أتقرَّب إِلَيْك بنهي هَذَا ونظرائه عَن الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ. يَا صَاحب الْكَفَن أدْخلك الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ فِي أعظم الْمُنكر، شنَّعت على قومٍ باعوا من هَذَا الخلِّ وَمن هَذَا النبيختج الَّذِي شممت فَلم تسلّم. اسْتغْفر الله من ذَنْبك هَذَا الْعَظِيم وَتب إِلَيْهِ. مَا الثَّانِي؟ قَالَ: الْجَوَارِي قَالَ: صدقت، أخرجتهنّ أبقى عَلَيْك وعَلى الْمُسلمين، كرهتُ أَن تراهنَّ عيونُ الْعَدو والجواسيس فِي المعاريّات والقباب، والسجوف عليهنّ، فيتوهّمون أنهنّ بَنَات وأخوات فيجدون فِي قتالنا ويحرصون على الْغَلَبَة على مَا فِي أَيْدِينَا حَتَّى يجتذبوا خطامَ واحدٍ من هَذِه الْإِبِل يستقيدونكم بِكُل طَرِيق إِلَى أَن يتَبَيَّن لَهُم أنهنَّ إِمَاء، فَأمرت بِرَفْع الظلال عَنْهُن وكشف شعورهن فَعلم العدوُّ أَنَّهُنَّ إِمَاء نقي بهنَّ حوافر دوابنا لَا قدر لهنّ عندنَا؛ هَذَا تَدْبِير دبَّرت للْمُسلمين، ويعزُّ عليَّ أَن ترى لي حُرْمَة، فدع هَذَا فَلَيْسَ هُوَ من شَأْنك فقد صحَّ عنْدك أَنِّي فِي هَذَا مُصِيب وَأَنَّك أنكرتَ بَاطِلا. أيّ شَيْء الثَّالِثَة؟ قَالَ: الأمرُ بِالْمَعْرُوفِ، قَالَ: نعم أرأيتك لَو أَنَّك أصبت فتاةً مَعَ فَتى قد اجْتمعَا فِي هَذَا الفجّ على حَدِيث مَا كنت صانعًا بِهما؟ قَالَ: كنتُ أسألهما مَا أَنْتُمَا، قَالَ: كنت تسألُ الرجل فَيَقُول: امْرَأَتي، وتسألُ الْمَرْأَة فَتَقول: زَوجي، مَا كنت صانعًا بِهما؟ قَالَ: كنتُ أحولُ بَينهمَا فأحبسهما، قَالَ: حَتَّى يكون مَاذَا؟ قَالَ: حَتَّى أسأَل عَنْهُمَا، قَالَ: وَمن تسْأَل عَنْهُمَا؟ قَالَ: كنت أسألهما من أَيْن أَنْتُمَا، قَالَ: سألتُ الرجل من أَيْن أَنْت فَقَالَ لَك: أَنا من أسبيجاب، وسألتُ الْمَرْأَة: من أَيْن أَنْت؟ فَقَالَت: من أسبيجاب، ابْن عمِّي، تزوّجنا وَجِئْنَا.
стр. 625
كنت حابسًا الرجل وَالْمَرْأَة بسؤالك وتوهّمك الْكَاذِب إِلَى أَن يرجع الرَّسُول من أسبيجاب فَمَاتَ الرَّسُول أَو مَاتَا إِلَى أَن يعود رَسُولك، قَالَ: كنت أسألُ فِي عسكرك هَاهُنَا، قَالَ: فلعلك لَا تصادف فِي عسكري هَذَا من أهل أسبيجاب إلاّ رجلا أَو رجلَيْنِ فَيَقُولَانِ لَك: لَا نعرفهما على هَذَا النّسَب. يَا صَاحب الْكَفَن مَا أحسبُكَ إِلَّا أحدَ ثَلَاثَة رجالٍ إمّا رجل مديون، وَإِمَّا مظلوم، وَإِمَّا رجل تأوّلت فِي حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ فِي خطْبَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ قَالَ: وَرُوِيَ الحَدِيث عَن هشيم وَغَيره، وَنحن نسْمع الْخطْبَة إِلَى مغيربان الشَّمْس إِلَى أَن بلغ إِلَى قَوْله: " إِن أفضل الْجِهَاد كلمةُ حقٍّ عِنْد سلطانٍ جَائِر " فجعلتني جائرًا، وَأَنت الجائر، وَجعلت نَفسك تقوم مقَام الْآمِر بِالْمَعْرُوفِ، وَقد ركبت من الْمُنكر مَا هُوَ أعظم عَلَيْك، لَا وَالله لَا ضربتُكَ سَوْطًا وَلَا زِدْت على تخرق كفنك، ونُفيتُ من آبَائِي الرَّاشِدين المهديين لَئِن قَامَ أحد مقامك هَذَا لَا يقوم بِالْحجَّةِ فِيهِ إِن نقصتُهُ من ألف سوطٍ ولآمرنَّ بصلبه فِي الْموضع الَّذِي يقوم فِيهِ، قَالَ: فنظرتُ إِلَى عجيف وَهُوَ يخرق كفن الرجل ويلقي عَلَيْهِ ثيابَ بَيَاض.
شرح: انصاع قَالَ القَاضِي ﵀: قَوْله فِي هَذَا الْخَبَر: " وركن إِلَى الدُّنْيَا وانصاعَ إِلَيْها " يُقال انصاعَ إِذا أشنقَ فِي نَاحيَة وَمضى آخِذا فِيهَا كَمَا قَالَ ذُو الرمَّة:
فانصاع جانبَهُ الوحشيَّ وانكدرت ... يَلْحَبْنَ لَا يأتلي المطلوبُ والطَّلب
وَقَالَ أَيْضا:
رمى فَأَخْطَأَ والأقدارُ غالبةٌ ... فانصعن والويلُ هجّيراهُ والْحَرَبُ
وَقَالَ أَيْضا:
فانصاعت الْحُقْبُ لَمْ تُقْطَعْ صرائرها ... وَقد نشحن فَلَا ريُّ وَلَا هِيمُ
الْمجْلس الرَّابِع وَالثَّمَانُونَ
حَدِيثُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْجَرِيرِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى بْنِ سَعِيدٍ أَبُو عِيسَى الْهُذَيْلِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْقَنْطَرِيُّ قَالَ، حدَّثنا آدَمُ عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ بن عَبَّادٍ الْمِنْقَرِيِّ وَابْنِ جَبَلَةَ وَأَبِي الْوَلِيدِ ابْنِ أَخِي عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ قَالُوا: حَدَّثَنَا عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ ﵁ قَالَ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَ النَّفْسِ وَمَا أَلْقَى مِنْهَا فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْدِثَ شَيْئًا حَتَّى أُوَامِرَكَ، وإنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي بِالاخْتِصَاءِ، قَالَ: مَهْلا يَا عُثْمَانُ إِنَّ اخْتِصَاءَ أمَّتي الصَّوم وَالصَّلاةُ، قُلْتُ: وَتُحَدِّثُنِي نَفْسِي بالترهُّب فِي الْجِبَالِ، قَالَ: مَهْلا يَا عُثْمَانُ فَإِنَّ ترهُّب أمَّتي الْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ انْتِظَارًا لصَلاةٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ
стр. 626
وَتُحَدِّثُنِي نَفْسِي بِالسِّيَاحَةِ، قَالَ: مَهْلا يَا عُثْمَانُ فَإِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الحجُّ وَالْعُمْرَةُ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَتُحَدِّثُنِي نَفْسِي أَنْ أَخْرُجَ مِمَّا أَمْلِكُ، فَقَالَ: مَهْلا يَا عُثْمَانُ أَمْسِكْ مَالَكَ تَرْحَمِ الْمِسْكِينَ وَالْيَتِيمَ وَالْفَقِيرَ، فَتُطْعِمُهُ كلَّ يَوْمٍ فَذَاكَ أَفْضَلُ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَتُحَدِّثُنِي نَفْسِي أَنْ أطلِّق خَوْلَةَ، فَقَالَ: مَهْلا يَا عُثْمَانُ، فَإِنَّ هِجْرَةَ أُمَّتِي مَنْ هَاجَرَ إِلَيَّ وَأَنَا حَيٌّ، أَوْ زَارَ قَبْرِي، أَوْ مَاتَ يَوْمَ يَمُوتُ وَلَهُ امْرَأَةٌ أَوِ امْرَأَتَانِ أَوْ ثَلاثٌ أَوْ أَرْبَعُ. قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَا إِذْ نَهَيْتَنِي عَنِ الطَّلاقِ فإنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي أَنْ لَا أَغْشَى أَهْلِي أَبَدًا، قَالَ: مَهْلا يَا عُثْمَانُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي عبدٌ يَغْشَى أَهْلَهُ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ فَلَمْ يُصِبْ فِي وَقْعَتِهِ تِلْكَ وَلَدًا إِلا كَانَ لَهُ وصيفٌ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنْ أَصَابَ وَلَدًا فَمَاتَ وَلَدُهُ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ كَانَ لَهُ فَرَطًا فِي الْجَنَّةِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْحُلُمَ كَانَ رَحْمَةً لَهُ وَشَفَاعَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ: قُلْتُ وَتُحَدِّثُنِي نَفْسِي أَنْ لَا آكُلَ اللَّحْمَ أَبَدًا، فَقَالَ: مَهْلا يَا عُثْمَانُ فَإِن أكل اللَّحْم يجبني وَلَوْ وَجَدْتُهُ كُلَّ يَوْمٍ لأَكَلْتُهُ وَلَوْ سَأَلْتُ رَبِّي لأَطْعَمَنِيهِ. قُلْتُ: وَتُحَدِّثُنِي نَفْسِي أَنْ لَا أمسَّ الطِّيبَ أَبَدًا، فَقَالَ: مَهْلا يَا عُثْمَانُ فَإِنَّ جِبْرِيلَ أَمَرَنِي بِالطِّيبِ غَبًّا، وَأَمَّا الْجُمُعَةُ فَلا مَتْرَكَ لَهَا، يَا عُثْمَانُ لَا ترغبنَّ عَنْ سنَّتي فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سنَّتي ثُمَّ لَمْ يَتُبْ حَتَّى يَمُوتَ ضَرَبَتِ الْمَلائِكَةُ وَجْهَهُ عَنْ حَوْضِي.
تَعْلِيق القَاضِي على الحَدِيث
قَالَ القَاضِي: فِي خبر عُثْمَان ببن مَظْعُون هَذَا عَن النَّبِيّ ﷺ مَا فِيهِ إرشادٌ للنَّاس إِلَى مصالِحهم وإبانةٌ لإصابة الْقَصْد فِي مَعَايشهمْ ومتصرفاتِهم فِي شرائع دينهم، والتقلب فِيما أبيحَ لَهُم من أَسبَاب دنياهم. وحقيق على من أحسنَ الِاخْتِيَار لنَفسِهِ وآثر صلاحَ أَحْوَاله واستقامة أُمُوره أَن يَجْعَل مَا أرشد إِلَيْهِ النَّبِيّ ﷺ أمّته وآثره لَهُم وَأَشَارَ بِهِ عَلَيْهِم إِمَامه الَّذِي يأتم بِهِ، وَدَلِيله الَّذِي يتبعهُ، ومنهاجه الَّذِي يتقيَّله ويستحكم رجاؤه نيل العواقب الَّتِي وعدها النَّبيّ ﷺ من امتثلَ أمره وَرجع عمّا تسوله لَهُ نَفسه إِلَى مَا دَعَاهُ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ورغَّبة فِيهِ.
معنى الفرط
وَقَول النَّبِيّ ﷺ فِي ولد الْوَالِد يَموت كَانَ لَهُ فرطا: الفرط السَّابق المتقدّم كَأَنَّهُ يَقُول إِنَّه يتقدَّم أباهُ سَابِقًا لَهُ إِلَى الْجنَّة منتظرًا لَهُ. وَقد جَاءَ فِي الْخَبَر عَن النَّبِيّ ﷺ فِي الطِّفْل أَنَّهُ يظلّ بِبَاب الْجنَّة يَقُول: لَا أَدخل حَتَّى يدْخل أبواي.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَن السقط يكون بِبَاب الْجنَّة كَذَلِك. وأصلُ الفروطِ التقدّم، يُقال للَّذي يتقدَّم الْقَوْم فِي مَسِيرهمْ لارتياد المَاء وإعداده لَهم هُوَ فارطُ الْقَوْم، قَالَ الشَّاعِر:
فاستعجلونا وَكَانُوا من صَحابتنا ... كَمَا تعجَّل فرّاطٌ لورَّاد
وَقَالَ آخر:
стр. 627
فأثارَ فارُطُهمْ حَماما جثَّما ... أصواتها كتراطنِ الْفُرْسِ
وَقَالَ العجَّاج:
ومنهلٍ وردتُهُ التقاطا ... لَمْ ألقَ إِذْ وردتُه فرَّاطاً
إِلَّا الحمامَ الْوُرْقِ والغطاطا
والأرق الَّذي يشبه لَونه لون الرَّماد، وَيُقَال بعيرٌ أَوْرَق وحمامة وَرْقَاء، والجميع ورقٌ، مثل أَحْمَر وحمر وأزرق وزرق، والغطاط ضرب من القطا.
وَقَالَ الله حاكيًا عَن نبيّه مُوسَى وَهَارُون ﵉ " قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى " طه:٤٥ الْمَعْنى أَن يسْبق إِلَيْنَا من بَوَادِر فِرْعَوْن مَا نكرهه. ويُقال: فَرَطَ من فلانٍ كَلَام سوء أَي سبق وَبدر. ويُقالُ فِي دُعَاء الْمُصَلِّين على من مَاتَ من أطفالِ الْمُسلمين: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لنا فرطا، أَي سَابِقًا لنا إِلَى الْجنَّة ينتظرنا. وَرُوِيَ أَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعلى آله قَالَ لَمَّا دُفِنَ عُثْمَان بن مَظْعُون: هَذَا قبرُ فرطنا، وَإنَّهُ وضعَ حَجَرًا عِنْد رَأسه، وَكَانَ أوّلَ من دُفِنَ فِي بقعةٍ ارتادها رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعلى آله من بَقِيع الْغَرْقَد، وإنَّه إِذا مَاتَ الْمَيِّت بعده قيل: يَا رَسُول الله أَيْن ندفنه؟ يَقُول: عِنْد فرطنا عُثْمَان بن مَظْعُون. وَرُوِيَ عَن عبد الله بن أبي بكر بن عَمْرو بن حزم أنّ أوَّل من دُفِنَ بِالبَقِيعِ أسعد بن زُرَارَة، قَالَ الْوَاقِدِيّ: هَذَا قَول الْأَنْصَار، والمهاجرون يَقُولُونَ أوَّل من دفن بِالبَقِيعِ عُثْمَان بن مَظْعُون. وَقَالَ تَعَالَى: " لَا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النَّارَ وأنَّهم مُفْرَطُونَ " النَّحْل:٦٢. هَكَذَا قَول أَكثر الْقُرَّاء فِي معنى أنَّهم مقدّمون إِلَيْهَا يعجّلون. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر الْمدنِي وأنَّهم مفرِّطون، بِكَسْر الرَّاء وتشديدها على وَصفهم بالتفريط، وَهُوَ الإضاعة لما فِيهِ نجاتِهم، يُقالُ فرَّط فلَان فِي أمره إِذا أهمله وأضاعَ الْأَخْذ بالحزم فِيهِ، وَمن ذَلِكَ قَول لبيد بن ربيعَة العامري:
أَقْْضِي اللبانة لَا أفرِّط رِيبَة ... أَو أَن يلومَ بحاجةٍ لوَّامها
وَقيل: إنَّ هَذَا فِي الأَصْل من الْبَاب الَّذي قدمنَا ذكره، وَفسّر معناهُ بِأَنَّهُ أَرَادَ لَا أقدم شكًّا وَلَا ادْع رِيبَة تتقدّمني. وَقَرَأَ نَافِع: " وأنّهم مفرطون " بِكَسْر الرّاء وتخفيفها من الإفراط، يُقال أمرٌ مفرط، وَقد أفرط الإِنْسَان وَغَيره إِذا تجَاوز الْحَد وَصَارَ بذلك مفرطًا. وَقد يرجع هَذَا إِلَى الأَصْل الَّذي قدمنَا القَوْل فِيهِ وكأنّه بَدَرَ وسبقَ إِلَى تَجاوز الْحَد فَصَارَ بذلك مفرطًا. وَقد جَاءَ عَنِ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعلى آله أَنَّهُ قَالَ: " أَنا فَرَطُكُمْ على الْحَوْض " أَي السَّابِق لكم إِلَيْهِ منتظرًا ورودكم عَلَيْهِ.
مُصعب بن الزبير وَابْن ظبْيَان
حدَّثنا محمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِم عَن أبي عُبَيْدَة وَأَخْبَرَنَا الأشنانداني عَن التوزي عَن أَبِي عُبَيْدَة قَالَ: قتل مُصعب بن الزبير نابي بن ظبْيَان أحد بني
стр. 628
عَابس بن مَالك، وَكَانَ أخوهُ عبيد الله فاتكًا، فنذرَ أَن يقتل بِهِ مائَة، فَقتل ثَمانين وختمهم بَمصعب، وَأَنْشَأَ يَقُول:
يَرى مصعبٌ أَنِّي تناسيتُ نابيًا ... وَبئسَ لعمرُ الله مَا ظنَّ مصعبُ
قتلتُ بِهِ من حيِّ فهر بن مَالك ... ثَمانين مِنْهُم ناشئونَ وشيَّب
وكفِّي لَهُم رهنٌ بِعشْرين أَو يُرَى ... عليَّ مَعَ الإصباح نوحٌ مسلَّب
أَأَرْفعُ سَيفي وَسْطَ بكرِ بن وائلٍ ... وَلم أرْوِ سَيفي من دمٍ يتصبّبُ
فوَاللَّه لَا أنساهُ مَا ذرَّ شارقٌ ... وَمَا لَاحَ فِي داجٍ من اللَّيْل كوكبُ
وثبْتُ عَلَيْهِ ظالِمًا فَقتلته ... فقصرك مِنْهُ يومُ شرٍّ عَصَبْصَبُ
وَجَاء بِالرَّأْسِ إِلَى عبد الْملك فهمَّ عبد الْملك سَاجِدا فَأَرَادَ أَن يقْتله ثُمَّ قَالَ:
هَمَمْتُ وَلم أفعل وكدتُ وليتني ... فعلتُ فَكَانَ المعولاتِ أقاربُه
ثُمَّ خافَ عبد الْملك فلحق بعمان، فجَاء إِلَى سُلَيْمَان بن سعيد بن جَعْفَر بن ... قَالَ: ... مَكَانَهُ وتذمَّم أَن يقْتله، فدسَّ إِلَيْهِ نصف بطيخة قد سمَّها وَقَالَ: هَذَا أوَّل مَا رأيناهُ من البّطيخ، فلمَّا أكلهَا أحسَّ بِالْمَوْتِ، وَدخل إِلَيْهِ سُلَيْمَان يعودهُ فَقَالَ: ادنُ منّي أيُّها الْأَمِير أُسِرُّ إليكَ شَيْئا فَقَالَ: قل مَا بدا لَك فَلَيْسَ فِي الْبَيْت غَيْرِي وَغَيْرك، فَمَاتَ هُنَاكَ.
التَّسْمِيَة بِالْمَصْدَرِ مثل نَوْح وكرم
قَالَ القَاضِي: قَول عبد الله أخي نابي " مَعَ الإصباح نوحٌ مسلَّب " أَرَادَ النِّسَاء، وَقَالَ: " نوح " وَفِيهِ وَجْهَان: أَحدهمَا أَنَّهُ وصفهما بالنياحة فَقَالَ: نوحٌ، وسمَّاهنَّ بِالْمَصْدَرِ مثل زَوْر وَفطر وَصَوْم، وَهَذَا بَاب مَشْهُور وَاسع، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
لقد زَاد الحياةَ إليَّ حبَّاً ... بَنَاتِي إنّهنَّ من الضّعافِ
مخافةَ أَن يَذُقْنَ الْبُؤسَ بعدِي ... وَأَن يشربنَ رَنْقًا بعد صافِ
وَأَن يُعْرينَ إِذْ كُسِيَ الْجَوَارِي ... فتنبو العينُ عَن كرمٍ عجافِ
فسمَّاهنَّ بِالْمَصْدَرِ، وَمن قَالَ هَذَا قَالَ " كرم " فِي الْوَاحِد والواحدة والاثنين والاثنتين، فَلم يثنّ وَلم يَجمع ولَم يُؤنّث، وَمن أَتَى فِيهِ بِالِاسْمِ ذكَّر وأنَّث وثنَّى وَجمع، وَمثله خَصْم وخصمان وخصوم وخصماء وخصمات عِنْد قصد الِاسْم، وخصمٌ فِي التَّذْكِير والتأنيث والتثنية وَالْجمع على مَذْهَب الْمصدر، قَالَ الله تَعَالَى " " وَهل أتيك نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تسوَّروا الْمِحْرَابَ " ص:٢٩ وَقَالَ: " هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي ربِّهم " الْحَج: ١٩ قيل نزلت فِي الْمُؤمنِينَ وَالْمُشْرِكين، وَقيل نزلت فِي المتبارزين يَوْم بدر، ويُقال فلانةُ خصمُ فلَان، وَبَنُو فلَان خصم فلَان وخصومه، على مَا ذكرنَا من مذهبي الْعَرَب فِيهِ: وَقَالَ " خصمان " أَرَادَ فريقين وحزبين، وَقَالَ " اخْتَصَمُوا " لِأَن تَحت كلِّ فريق جمَاعَة، قَالَ الله
стр. 629
تبَارك وَتَعَالَى: " سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ " الرَّحْمَن: ٣١ وَمن هَذَا قَول الْقطَامِي:
الم يحزنك أنَّ حبال قيسٍ ... وتَغْلِبَ قَدْ تَبَايَنَتَا انْقِطَاعا
والوجهُ الثَّانِي فِي قَوْله " نوحٌ " أَرَادَ النِّسَاء المتقابلات، يُقال: الشّجرُ والمنازلُ تتناوح أَي تتقابل.
وَقَالَ الشَّاعِر:
فَلَو أنَّها طافَتْ بطنبٍ معجَّمٍ ... نَفَى الرقَّ عَنْهُ جَدْبُهُ فَهُوَ كالِحُ
لجاءت كأنَّ القَسْوَرَ الْجَوْنَ بجَّها ... عسالِيجُهُ والثَّامر المتناوِحُ
يُرِيد المتحاذي المتقابل. قَوْله: " بطنبٍ مُعْجم " يُرِيد أَن مَا فِيهِ مِمَّا يحمل الثَّمَرَة من نفيهن وَمَا جرى مجراهُ، مُعْجم أَي قد أسْرع فِيهِ بالعض وَالْأكل. يُقال: عجمت الْعود أعجمه عجمًا إِذا عضضته، ويُقال عجمتُ العودَ لأعرف صلابته؛ وَمن كَلَام الْخَاصَّة: عجمته وخبرته، يشيرونَ إِلَى هَذَا الْمَعْنى، فقلبته الْعَامَّة وصحَّفته فَقَالُوا: عجنته وخبزته، وقصدوا هَذَا الْمَعْنى وَأتوا بلفظٍ مُشاكل، وَإِن كَانُوا أحالوا الْكَلَام عَن أَصله. وَحكي لي عَن أبي الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يزِيد النَّحْوِيّ أَنَّهُ قَالَ: مَا رأيتُ قَارِئًا صحف فِي تِلَاوَة الْقُرْآن تصحيفًا متشاكلا كإنسان قَرَأَ: بَلْ عجنت ويخبزون، لتشاكل العجن وَالْخبْز، وَأَحْسبهُ عزا هَذِه الْحِكَايَة عَن ابْن الراوندي. وَقَول هَذَا الشَّاعِر: نض الرّقّ عَنْهُ جدبه الرّقّ الْوَرق هَا هُنَا والحدب ضد الخصب وَقَوله: " فَهُوَ كالح " أَي كريه المنظر لجدوبته. يُقال: فلَان كالِحُ الْوَجْه إِذا كَانَ عَابِسا باسرًا.
وَقَوله: " لجاءت كأنّ القسور الجون " القسور: الشّجر، وَقيل: إِنَّه شجرٌ بِعَيْنِه، وَقيل فِي قَوْل الله ﷻ : " فرَّت مِنْ قَسْوَرَةٍ " " المدثر:٥١ " أَي من الْأسد، وَقَالُوا: هَذَا من أَسْمَائِهِ، وَقَالَ قائلونَ: هَذَا من لُغَة الْحَبَشَة. قَالُوا: وَهُوَ بِالْعَرَبِيَّةِ، أَسد وبالنبطية أريا، وبالفارسية شير، وبالحبشية قسورة، وَقيل: عَنى بِهِ الشّجر لِأَن الْحمر فرَّت مِنْهُ لما عاينَتْ جماعته، " وَقيل: بَلْ عَنى بذلك الرُّمَاة " وَقيل: إِنَّه عَنى بِهِ ظلمَة اللَّيْل. وَقَوله " الجون " وَصفه بِالسَّوَادِ الَّذِي يدلّ على الرّيّ من شدَّة الخضرة. وَقد قيل فِي قَوْله جلّ ثَنَاؤُهُ " مدهامَّتان " " الرَّحْمَن: ٦٤ " خضراوان من الريّ. وَقيل إِن أَرض السوَاد سميت بِهذا لِكَثْرَة الخضرة بِهَا. وَقيل إِن الجونَ من حُرُوف الأضداد، وَأَنه يُقال للأبيض جون وللأسود جون، وَمِمَّا أَتَى مِنْهُ فِي معنى الْأَبْيَض قَول الشَّاعِر:
يبادِرُ الجونةَ أنْ تغيبا
يَعْنِي الشَّمْس. وَقد يُقال لكل واحدٍ من بَيَاض النَّهَار وَسَوَاد اللَّيْل جون، قَالَ الشَّاعِر:
غيَّر يَا بنتَ الْحُلَيْسِ لَوْني ... مرُّ اللَّيَالِي واختلافُ الجَوْنِ
وسفرٌ كَانَ قَلِيل الأون
стр. 630
وأشرك فِي هَذِه الصّفة بَين اللَّيْل وَالنَّهَار. وَقَوله: " بجّها عساليجه " أَرَادَ فتقها بالسمن، " وعساليجه " أغصانه، وَاحِدهَا عسلوج وعسليج.
تَجز ذؤابتيها للْجِهَاد
حدَّثنا الْحُسَيْن بن الْقَاسِم الكوكبيّ قَالَ: حدَّثنا أَبُو عِكْرِمَة الضبيّ قَالَ: حَدَّثَنَا العتبيّ عَن أَبِيه قَالَ: سبا الرّوم نسَاء مسلماتٍ فَبلغ الْخَبَر الرقَّةَ وَبِهَا الرشيد وَمَنْصُور بن عمار هُنَاكَ، فقصّ مَنْصُور يحضُّ على الْغَزْو، فَإِذا خرقةٌ مصرورةٌ مختومة قد طُرحت إِلَى مَنْصُور، وَإِذا كتاب مضمومٌ إِلَى الصرة فقرأه فَإِذا فِيهِ: إِنِّي امرأةٌ من بيوتات الْعَرَب، بَلغنِي مَا فعل الرّوم بالمسلمات، وَبَلغنِي تحضيضك على الْغَزْو، فعمدت إِلَى أكْرم شَيْء فِي بدني عليّ، وهما ذؤابتاي، فجززتَهما وصررتهما فِي هَذِه الصرة المختومة، فأنشدك بِاللَّه الْعَظِيم لما جعلتهما قَيْدَ فرس غازٍ فِي سَبِيل الله، فعلَّ الله ينظر إليَّ نظرةً على تِلْكَ الْحَال فيرحمني، فَبلغ ذَلِكَ الرشيد فَبكى ونادى النفير.
تَعْلِيق القَاضِي على الْخَبَر
قَالَ القَاضِي: قد أَتَت هَذِه الْمَرْأَة بِما دلّ على خلوص دينهَا وصحَّة يقينها، وغضبها لربِّها، وغيرتها على أهل ملّتها، وامتعاضها عِنْدَمَا بلغَهَا من انتهاكِ أَعدَاء الله محارِمَهُ الَّتِي حرَّمها، واستخفافهم بحدود الْإِسْلَام الَّتِي عظمّها، وقصدت بِما أَتَتْهُ من جزّها ذؤابتيها التقرُّب إِلَى خَالِقهَا ورجاء مغفرته لَهَا، وَالله يحقّق برأفته وسعة رَحمته رجاءها، ويغفرُ لنا وَلَهَا، وَلم تقصد بِما فعلته الْأَمر الَّذِي حرِّم عَلَيْهَا فيؤثمها، فقد جَاءَ عَن النبيّ صلى الله عَليّ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لعن الغارفة وَهِي الَّتِي تجزُّ ناصيتَها عِنْد الْمُصِيبَة، وَإِلَى الله نرغب فِي أَن يجعلنا ممّن يغْضب لَهُ ويحام عَن دينه ويوالي ويُعادي فِيهِ، بتوفيقه.
لم كثر فِي جَنَازَة الْحَسَن الْبَصْرِيّ
حدَّثنا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد الْمُقَدَّمِيّ قَالَ، حَدَّثَنَا زيد بن أخرم قَالَ، حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِي قَالَ، حَدَّثَنَا مبارك بن فضَالة عَن ثَابت الْبنانِيّ قَالَ: انصرفت من جَنَازَة الْحَسَن فقلتُ لبنتي: وَالله مَا رأيتُ جَنَازَة قطُّ اجتمعَ فِيهَا من النَّاس مثلُ مَا اجْتمع فِيهَا، وَإِن كَانَ الحسنُ لأهلا لذَلِك، فَقَالَت لي: يَا أبةِ مَا ذَاك إِلا لسترِ الله عَلَيْهِ، فَصَغُرَتْ واللَّه نَفسِي.
سُلَيْمَانُ وَالْمَارِدُ
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّد بْن جَعْفَر الأَزْدِيّ قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أبي الدُّنْيَا قَالَ، حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ غَسَّانَ قَالَ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: بَعَثَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ إِلَى ماردٍ مِنْ مَرَدَةِ الْجِنِّ كَانَ فِي الْبَحْرِ فَأُتِيَ بِهِ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ بَابِ دَارِهِ أَخَذَ عُودًا فَشَبَرَهُ بِذِرَاعِهِ ثُمَّ رَمَى بِهِ مِنْ وَرَاءِ الْحَائِطِ،
стр. 631
فَقَالَ سُلَيْمَانُ: مَا هَذَا؟ فَأُخْبِرَ بِالَّذِي صَنَعَ الْمَارِدُ، فَقَالَ: تَدْرُونَ مَا أَرَادَ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَإِنَّهُ يَقُولُ اصْنَعْ مَا شِئْتَ فَإِنَّمَا تَصِيرُ إِلَى مِثْلِ هَذَا مِنَ الأَرْضِ.
عَهْدُ أَبِي بَكْرٍ إِلَى عُمَرَ
حدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْعَسْكَرِيُّ قَالَ، حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْن أبي سَعْد قَالَ، حدَّثنا أَبُو إِبْرَاهِيمَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بن أبي بْنِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ جَدِّي أَبَا بَكْرِ بْنَ سَالِمٍ قَالَ: لمَّا حَضَرَ أَبَا بَكْرٍ ﵁ الْمَوْتُ أَوْصَى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا عَهْدُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عِنْدَ آخِرِ عَهْدِهِ بِالدُّنْيَا خَارِجًا مِنْهَا، وَأَوَّلُ عَهْدِهِ بِالآخِرَةِ دَاخِلا فِيهَا، حَيْثُ يُؤْمِنُ الْكَافِرُ وَيَتَّقِي الْفَاجِرُ وَيُصَدِّقُ الْكَاذِبُ، أَنِّي اسْتَخْلَفْتُ مِنْ بَعْدِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَإِنْ قَصَدَ وَعَدَلَ فَذَلِكَ ظَنِّي بِهِ، وَإِنْ جَارَ وبدَّل فَالْخَيْرَ أَرَدْتُ، وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ. ثُمَّ بَعَثَ إِلَى عُمَرَ فَدَعَاهُ فَقَالَ: يَا عُمَرُ أَبْغَضَكَ مبغضٌ وأحبَّك محبّ، وقدماً يُبْغَضُ الْخَيْرُ ويحبُّ الشَّرُّ، قَالَ: فَلا حَاجَةَ لِي فِيهَا، قَالَ: وَلَكِنْ لَهَا بِكَ حَاجَةٌ، قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَصَحِبْتُهُ وَرَأَيْتُ أَثَرَتَهُ أَنْفُسَنَا عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى إِنْ كُنَّا لَنُهْدِي لأَهْلِهِ فَضْلَ مَا يَأْتِينَا مِنْهُ، وَرَأَيْتَنِي وَصَحِبْتَنِي فَإِنَّمَا اتَّبَعْتُ أَثَرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي، وَاللَّهِ مَا نِمْتُ فَحَلَمْتُ، وَلا شَبَّهْتُ فتوهَّمت، وَإِنِّي لَعَلَى طَرِيقِي مَا زُغْتُ. تعلَّم يَا عُمَرُ أنّ الله تَعَالَى حَقًّا فِي اللَّيْلِ لَا يَقْبَلُهُ فِي النَّهَارِ، وَحَقًّا فِي النَّهَارِ لَا يَقْبَلُهُ فِي اللَّيْلِ، وَإِنَّمَا ثَقُلَتْ مَوَازِينُ مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِاتِّبَاعِهِمُ الْحَقَّ، وَحَقَّ لِمِيزَانٍ أَنْ يَثْقُلَ لَا يَكُونُ فِيهِ إِلا الْحَقُّ، وَإِنَّمَا خَفَّتْ مَوَازِينُ مَنْ خفَّت مَوَازِينُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِاتِّبَاعِهِمُ الْبَاطِلَ، وَحَقَّ لِمِيزَانٍ أَنْ يَخِفَّ لَا يَكُونُ فِيهِ إِلا الْبَاطِلُ. إِنَّ أَوَّلَ مَنْ أُحَذِّرُكَ نَفْسُكَ وَأُحَذِّرُكَ النَّاسَ فَإِنَّهُمْ قَدْ طَمَحَتْ أَبْصَارُهُمْ وَانْتَفَجَتْ أَجْوَافُهُمْ، وَإِنَّ لَهُمْ لَحِيزَةً عَنْ زلَّة تَكُونُ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَهُ فَإِنَّهُمْ لَنْ يَزَالُوا خَائِفِينَ لَكَ فَرِقِينَ مِنْكَ مَا خِفْتَ مِنَ اللَّهِ وَفَرِقْتَهُ، وَهَذِهِ وَصِيَّتِي، وَأَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلام.
قَالَ الْقَاضِي: لَقَدْ أَحْسَنَ الصِّدِّيقُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ الْوَصِيَّةَ وَمَحَضَ النَّصِيحَةَ، وَبَالَغَ فِي الاجْتِهَادِ لِلأُمَّةِ، وَأَنْذَرَ بِمَا هُوَ كائنٌ بَعْدَهُ، فَوُجِدَ عَلَى مَا قَالَ، وَحَذَّرَ مِمَّا يُوتِغُ الدِّينَ وَيَقْدَحُ فِي سِيَاسَةِ أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ، بِأَوْجَزِ قَوْلٍ وَأَفْصَحِهِ، وَأَحْسَنِ بَيَانٍ وأوضحه، وَأوصى لعمر، وَكَانَ وَللَّه كَافِيًا أَمِينًا شَحِيحًا عَلَى دِينِهِ ضَنِينًا، فصدَّق ظنَّه بِهِ وحقَّق تَأْمِيلَهُ وَتَقْدِيرَهُ فِيهِ، فَانْقَادَتِ الأُمُورُ إِلَيْهِ، وَاسْتَقَامَتْ أَحْوَالُ الأُمَّةُ عَلَى يَدَيْهِ، وعدَّلت الشِدَّةُ وَاللِّينُ فِي رَعَايَاهُ، وَعَدَلَ فِي أَحْكَامِهِ وَقَضَايَاهُ، وَاللَّهُ يَشْكُرُ لَهُ حُسْنَ سِيرَتِهِ، ويَجْزِلُ ثَوَابَهُ عَلَى الْعَدْلِ فِي بَرِيَّتِهِ، إِنَّهُ وليُّ الْمُؤْمِنِينَ وَمُفِيضُ إِحْسَانِهِ عَلَى الْمُحْسِنِينَ.
كَيفَ يصف أَبُو بكر نَفسه بالصدّيق
فَإِن قَالَ لنا قَائِل: مَا وَجْهُ وَصْف أبي بكر نَفسه فِي هَذَا الْخَبَر بِأَنَّهُ الصّديق، وَكَيف
стр. 632
استجازَ إِطْلَاق هَذَا النَّعْت على نَفسه، وَفِيهِ تزكيةٌ وتعظيم لَا يصف الألباء بِهَا أنفسهم، وَإِن كَانَت ثَابِتَة فيهم وَكَانَ النَّاس يضيفونها إِلَيْهِم ويثنون بِهَا عَلَيْهِم، قيل لَهُ: فِي هَذَا وَجْهَان، أَحدهمَا أَن يكون الكاتبُ أثْبته من قِبَلِ نَفسه وَلم يكن من أبي بكر رضوَان الله عَلَيْهِ ذكرٌ لَهُ، كَمَا يملُّ المملُّ شَيْئا على غَيره فيُجري فِيهِ ذكره فيصله الْكَاتِب بتقريظه وَالدُّعَاء لَهُ، وَالْوَجْه الثَّانِي أَن يكون أَبُو بكر استجازَ هَذَا لِأَنَّهُ قد اشْتهر بِهِ واستفاض إلحاقُهُ بتسميته، أَلا ترى إِلَى قَول الشَّاعِر يعنيه:
سمِّيت صدّيقًا وكلّ مهَاجر ... سواك يسمَّى باسمه غير منكرِ
وَقَوله فِي الْخَبَر: " مَا نمت فحلمت " فَإِنَّهُ يُقال: حلم فِي نَومه، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
حلمتُ بكم فِي نومتي فغضبتُم ... وَلَا ذنبَ لي أَنْ كنتُ فِي النّوم أحلُم
وحلم عَن خَصمه كَمَا قَالَ الآخر:
حلمتُ عَن السَّفِيه فظنَّ أنّي ... عييتُ عَن الجوابِ وَمَا عييتُ
وحَلُمَ الأديمُ إِذا فسد، كَمَا قَالَ الآخر:
فإنَّك والكتابَ إِلَى عليٍّ ... كدابغةٍ وَقَدْ حَلُمَ الأَدِيمُ
دُخُول عبد الْملك بن صالِح على جَعْفَر بن يَحْيَى
فِي مجْلِس منادمة
حدَّثنا أَبُو عبد الله الْحُسَيْن بن الْقَاسِم الكوكبي قَالَ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن الفَضْل الرَّبَعِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْمَوْصِلِيُّ قَالَ: كَانَ جَعْفَر بن يَحْيَى يَقُول لإخوانه: لَا يَشْغَلني عَنْكُم إِلَّا مَا يشغلني عَن نَفسِي، فَإِذا تخلَّيت من الْخدمَة فإليكم رَاجع، فإنَّ السُّلْطَان لَا يبْقى لي، وَأَنْتُم تَبْقَون لي مَا بقيت لكم. تَعَالَوْا نتفرَّج يَوْمنَا هَذَا، فنتضمّخ بالخَلُوقِ، ونلبس ثِيَاب الْحَرِير، ونفعل ونفعل. فَأَجَابَهُ إخوانه وصنعوا مَا صنع، وتقدَّم إِلَى حَاجِبه فِي حفظ الْبَاب إِلَّا من عبد الْملك بن بجران كَاتبه، فَوَقع فِي أُذُنِ الْحَاجِب عبد الْملك.
وَبلغ عبد الْملك بن صالِح مُقامُ جَعْفَر فِي منزله، فركبَ فَوجدَ الْحَاجِب عبد الْملك قد حضر، فَقَالَ: يُؤذنُ لَهُ وَهُوَ يظنّه ابْن بجران، فَدخل عبد الْملك فِي سوَاده ورصافيته، فلمّا رآهُ جَعْفَر اسودَّ وَجهه، وَكَانَ عبد الْملك لَا يشربُ النَّبِيذ، وَهُوَ كَانَ سَبَب مَوْجدة الرشيد عَلَيْهِ. فَوقف عبد الْملك ودعا غلامَهُ فَنَاوَلَهُ قلنسوته وسواده وَقَالَ: افعلوا بِنَا مَا فَعلْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ، فَفعل ودعا برطلٍ فَشرب وَقَالَ: جعلني الله فدَاك، وَالله مَا شربته قبل الْيَوْم فَإِن رَأَيْت أَن تَأمر بِالتَّخْفِيفِ لي، فَدَعَا برطليَّة فوُضعت بَين يَدَيْهِ، وَجعل كل مَا فعل من ذَلِك شَيْئا سرِّي عَن جَعْفَر، فلمَّا أَرَادَ الِانْصِرَاف قَالَ لَهُ جَعْفَر: سَل حَاجَتك مِمَّا تحيط بِهِ مقدرتي مُكَافَأَة لما صنعت. قَالَ: إِن فِي قلب أَمِير الْمُؤمنِينَ هنَةً فتسأله الرضى عني رضى صرفا، قَالَ: قد رَضِي عَنْك، قَالَ: عليَّ أَرْبَعَة آلَاف ألف دِرْهَم دينا فيقضيها عنّي، قَالَ: وَالله إنّها عِنْدِي لحاضرة وَلَكِن تقضى من مَال أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِنَّهُ أنبلُ لَك
стр. 633
وأحبُّ إِلَيْك، قَالَ: وَإِبْرَاهِيم ابْني أحبُّ أَن أشدَّ ظَهره بصهرٍ من أَوْلَاد الْخلَافَة، قَالَ: قد زوَّجه أَمِير الْمُؤمنِينَ ابْنَته الْعَالِيَة، قَالَ: وَأحب أَن يخْفق اللِّوَاء على رَأسه، قَالَ: قد ولاَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ بِلَاد مصر.
وانصرفَ عبد الْملك ونحنُ نتعجَّب من إقدام جَعْفَر على قَضَاء حَوَائِجه من غير اسْتِئْذَان، وَقُلْنَا: لَعَلَّه يُجابُ إِلَى مَا سَأَلَ فَكيف بِالتَّزْوِيجِ؟ فلمّا كَانَ من الْغَد وقفنا بِبَاب الرشيد، وَدخل جَعْفَر فَلم يلبث أَن دَعَا بِأبي يُوسُف القَاضِي وَمُحَمّد بن الْحَسَن وَإِبْرَاهِيم بن عبد الْملك، فَخرج إِبْرَاهِيم وَقد خُلع عَلَيْهِ وعُقِدَ لَهُ وزوِّج وحُمِلَت الْبَدْر إِلَى منزل عبد الْملك، وَخرج جَعْفَر فأشارَ إِلَيْنَا باتباعه ثُمَّ قَالَ لنا: تعلَّقت قُلُوبكُمْ بِأول أَمر عبد الْملك فأحببتم علم آخِره، إنيّ لما دخلتُ على أَمِير الْمُؤمنِينَ سَأَلَني عَن خبري فَأَخْبَرته حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى خبر عبد الْملك فَجعل يَقُول: أحسن وَالله، أحسن وَالله، فَقَالَ: هَذَا مَا صنع فَمَاذَا صنعت أَنْت بِهِ؟ فَأَخْبَرته أَنِّي حكمته فاحتكم، فضمنت لَهُ قضاءَ حَوَائِجه، فَقَالَ: أَحْسَنت ودعا بِمَا رَأَيْتُمْ حتَّى استتمَّ لَهُ كلُّ مَا سَأَلَ.
الْمجْلس الخامِس وَالثَمانون
الرَّسُولُ يَتَّجِرُ لِخَدِيجَةَ
حدَّثنا الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى الْجَرِيرِيُّ إِمْلاءً مِنْ لَفْظِهِ قَالَ، حدَّثنا عَبْد الْبَاقِي بْن قَانِع قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زَكَرِيّا قَالَ، حدَّثنا شُعَيْبُ بْنُ وَاقِدٍ قَالَ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَبْد اللَّه بْن حَسَن بْن حَسَنٍ عَنْ أُمِّهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ عَنْ عَمَّتِهَا زَيْنَبَ عَنْ عَبد اللَّه بْن جَعْفَر قَالَ: كَانَ أَبُو طَالِبٍ قَدْ تَبَنَّى النبيَّ ﷺ ، ثُمَّ إِنَّ أَبَا طَالِبٍ أَمْلَقَ وخفَّ مَا بِيَدِهِ، فَقَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : يَا مُحَمَّدُ إِنَّ خَدِيجَةَ توجِّه غُلامَهَا مَيْسَرَةَ فِي تجارةٍ إِلَى الشَّامِ، فأكلِّمها لَكَ فَتَخْرُجَ مَعَهُ، قَالَ: افْعَلْ يَا عَمُّ، فَجَاءَ مَعَهُ إِلَى خَدِيجَةَ فكلَّمها، فَكَانَتْ تُعْطِي كلَّ رَجُلٍ بَعِيرًا، فَخَرَجَ مَعَ مَيْسَرَةَ، فَأَصَابَ مَيْسَرَةُ ضِعْفَيْ مَا كَانَ يُصِيبُ مِنَ الرِّبْحِ، ثُمَّ قَدِمَا، وَوَقَعَ حبُّه فِي قَلْبِ مَيْسَرَةَ، فلمَّا قَرُبُوا مِنْ مَكَّةَ قَالَ لَهُ مَيْسَرَةُ: يَا مُحَمَّدُ إنَّ خَدِيجَةَ تُعْطِي كلَّ أجيرٍ بَعِيرًا إِ ذَا ذَهَبَ إِلَيْهَا يُبَشِّرُهَا بِقُدُومِنَا، فَاذْهَبْ فَإِنَّهَا سَتُعْطِيكَ بَعِيرَيْنِ، فَفَعَلَ. وَكَانَتْ خَدِيجَةُ قَدْ قدَّرت قُدُومَهُمْ فَجَلَسَتْ فِي مشربةٍ لَهَا وَمَعَهَا نسوةٌ من قُرَيْش ينتظرون قُدُومَهُمْ، إِذْ نَظَرَتْ فَإِذَا رجلٌ عَلَى بعيرٍ مقبلٌ عَلَى رَأْسِهِ سحابةٌ تظلُّه مِنَ الشَّمْسِ تَسِيرُ مَعَهُ، فَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَقَالَتْ لِلنِّسْوَةِ: هَلْ تَنْظُرْنَ مَا أَنْظُرُ؟ قُلْنَ: نَرَى رَجُلا مُقْبِلا عَلَى بَعِيرٍ، قَالَتْ: فَمَا تَرَيْنَ عَلَى رَأْسِهِ؟ قُلْنَ: مَا نَرَى شَيْئًا، فَوَقَعَ فِي قَلْبِهَا أَنَّهُ شَيْءٌ خصَّت بِهِ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهَا تَبَيَّنَتْهُ ثُمَّ نَزَلَتْ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا فَأَخْبَرَهَا بِكَثْرَةِ رِبْحِهِمْ، فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي كُنْتُ أُعْطِي كلَّ أجيرٍ بَعِيرًا وَقَدْ أَعْطَيْتُكَ بَعِيرَيْنِ بِحِمْلَيْهِمَا فَاذْهَبْ بِهِمَا إِلَى مَنْزِلِكَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ أَتَاهَا وَقَدْ دَخَلَ مَيْسَرَةُ فَسَأَلَتْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ أَحْسَنَ صُحْبَةً وَلا أَعْظَمَ بَرَكَةً، مَا مَدَدْنَا أَيْدِيَنَا إِلَى شَيْءٍ إِلا نِلْنَاهُ، فَوَقَعَ فِي
стр. 634
قَلْبِهَا. ثُمَّ خَلَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَت: يَا محمّد: يَا مُحَمَّدُ أَمَا لَكَ أربٌ فِي النِّسَاءِ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنْ لَيْسَ لِي مَالٌ، قَالَتْ: فَهَلْ لَكَ أَنْ تزوَّج بِي؟ قَالَ: وَتَفْعَلِينَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: أَسْتَأْذِنُ عَمِّي، قَالَتْ: فَاسْتَأْذِنْهُ، قَالَ: فَجَاءَ إِلَى عمِّه فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ خَدِيجَةَ أيِّم قُرَيْشٍ وَأَكْثَرُهُمْ مَالا، وَأَنْتَ يَتِيمُ قريشٍ وَلا مَالَ لَكَ، ولكنَّها قَالَتْ لَكَ هَذَا عَلَى الْعَبَثِ، فَقَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ إِلا مَا قَالَتْ لِي، قَالَ: إِنَّكَ لَصَادِقٌ.
ثُمَّ إِنَّ أَبَا طَالِبٍ بَعَثَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِهِ إِلَى مَنْزِلِ خَدِيجَةَ لِيَعْلَمَ ذَلِكَ، فَذَهَبَتْ ثُمَّ أَتَتْهُ فَقَالَتْ: يَا أَبَا طَالِبٍ مَا تَعْثُرُ بشيءٍ إِلا قَالَتْ: لَا شَقِيتَ يَا مُحَمَّدُ، وَمَا تَعْجَبُ مِنْ شَيْءٍ إِلا قَالَتْ: لَا شَقِيتَ يَا مُحَمَّدُ. فَمَضَى مَعَهُ أَبُو طَالِبٍ وَحَمْزَةُ وَالْعَبَّاسُ وَمَنْ حَضَرَ مِنْ عُمُومَتِهِ حَتَّى أَتَى أَبَاهَا فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لَهُ وتنحَّى لَهُ عَنْ مَجْلِسِهِ، قَالَ أَبُو طَالِبٍ: أَنْتَ أَوْلَى بِمَجْلِسِكَ، قَالَ: مَا كُنْتُ لأَجْلِسَ إِلا بَيْنَ يَدَيْكَ، قَالَ: فِيمَ قَصَدْتَ؟ قَالَ: فِي حاجةٍ لِمُحَمَّدٍ، قَالَ: لَوْ سَأَلَنِي مُحَمَّدٌ أَنْ أُزَوِّجَهُ خَدِيجَةَ لَفَعَلْتُ فَمَا أحدٌ أعزُّ عليَّ مِنْهَا، قَالَ: فَمَا جِئْنَاكَ إِلا لِنَخْطُبَكَ خَدِيجَةَ عَلَى مُحَمَّدٍ، قَالَ: فتكلَّم، فَقَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا هُوَ الْفَحْلُ لَا يُقْرَعُ أَنْفُهُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو طَالِبٍ فَخَطَبَ، فَأَخَذَ بِعِضَادَتَيِ الْبَابِ وَمَنْ شَاهَدَهُ مِنْ قُرَيْشٍ حُضُورٌ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنَا مِنْ زَرْعِ إِبْرَاهِيمَ وذريَّة إِسْمَاعِيلَ، وَجَعَلَ لَنَا بَيْتًا مَعْمُورًا وَحَرَمًا آمِنًا تُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كلِّ شَيْءٍ، وَجَعَلَنَا الحكَّام عَلَى النَّاسِ فِي مَوْلِدِنَا الَّذِي نَحْنُ فِيهِ، ثُمَّ إِنَّ ابْنَ أَخِي مُحَمَّدَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا يُوزَنُ بِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ إِلا رَجَحَ بِهِ، وَلا يُقَاسُ بأحدٍ مِنْهُمْ إِلا عَظُمَ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَالِ قلةٌ فَإِنَّ الْمَالَ رزقٌ جاءٍ وظلٌّ زَائِلٌ، وَلَهُ فِي خَدِيجَةَ رَغْبَةٌ وَلَهَا فِيهِ رَغْبَةٌ، والصَّداق مَا سَأَلْتُمْ، عَاجِلُهُ وَآجِلُهُ مِنْ مَالِي، وَلَهُ خطرٌ عَظِيمٌ وَشَأْنٌ شَائِعٌ جَسِيمٌ. فزوَّجه وَدَخَلَ بِهَا مِنَ الْغَدِ، فَأَوَّلَ مَا حَمَلَتْ وَلَدَتْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
أَوْلادُ الرَّسُولِ مِنْ خَدِيجَةَ
حدَّثنا عَبْدُ الْبَاقِي قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن بكار قَالَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ وَالْفُرَاتُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَلَدَتْ خَدِيجَةُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ، ثمَّ أَبْطَأَ عَلَيْهِ الْوَلَدُ مِنْ بَعْدِهِ، فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَلِّمُ رَجُلا وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ إِذْ قَالَ لَهُ رجلٌ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا الأَبْتَرُ، يَعْنِي النبيَّ ﷺ ، فَكَانَتْ قُرَيْشٌ إِذَا وُلِدَ لِلرَّجُلِ ثُمَّ أَبْطَأَ عَلَيْهِ الْوَلَدُ مِنْ بَعْدِهِ قَالُوا: هَذَا الأَبْتَرُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ : " إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ " " الْكَوْثَر:٣ ": أَيْ: مُبْغِضُكَ هُوَ الأَبْتَرُ الَّذِي بُتِرَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ.
ثُمَّ وَلَدَتْ لَهُ زَيْنَبَ، ثُمَّ وَلَدَتْ لَهُ رقيَّة، ثُمَّ وَلَدَتْ لَهُ الْقَاسِمَ، ثُمَّ وَلَدَتْ لَهُ الطَّاهِرَ، ثُمَّ وَلَدَتْ لَهُ المطهَّر، ثُمَّ وَلَدَتْ لَهُ الطيِّب، ثُمَّ وَلَدَتْ لَهُ الْمُطَيَّبَ، ثُمَّ وَلَدَتْ لَهُ أمَّ كُلْثُومٍ، ثُمَّ وَلَدَتْ فَاطِمَةَ، وَكَانَتْ أَصْغَرَهُمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.
стр. 635
وَكَانَتْ خَدِيجَةُ إِذَا وَلَدَتْ وَلَدًا دَفَعَتْهُ إِلَى مَنْ يُرْضِعُهُ، فلمَّا وَلَدَتْ فَاطِمَةَ لَمْ يُرْضِعْهَا أحدٌ غَيْرَهَا.
قَالَ القَاضِي: فِي هَذَا الْخَبَر مَا دلَّ عَلَى نُبُوَّة النَّبيّ ﷺ ، وبديع آيَاته، ورفيع مَنْزِلَته، وعظيم بركته، وَثُبُوت حجَّته، وَمن سَعَادَة خَدِيجَة مَا وفِّقت لَهُ من تكرمته وإيثاره وتقدمته، وَمَا اتفقَّ لَهَا من الشّرف بزوجيّته، والحظوة بالمخالطة لَهُ ثُمَّ تَصْدِيقه والمسارعة إِلَى الْإِيمَان بِهِ واتباعه على دينه بعد أَن تمكَّن عِنْدهَا من تظاهر الْأَخْبَار عَن نبوته، والتبشير بنجومه ودعائه إِلَى ربِّه وتبليغ شَرِيعَته، والوعد بثوابه والتوعد بعقابه، وَمَا تقدَّم من إِلْقَاء ورقة بن نَوْفَل إِلَيْهَا وَتَقْرِير من أمره عِنْدهَا صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه ورضوان الله وَسَلَامه عَلَيْهَا.
الأيّم والناكح
قَالَ القَاضِي: قَول أبي طَالب: " إِنَّ خَدِيجَة أيّم قُرَيْش " الأيم فِي كَلَام الْعَرَب: مَن لَا زوج لَهُ من رجلٍ أَو امْرَأَة كَمَا قَالَ جميل:
أحبُّ الْأَيَامَى إِذْ بثينةُ أيّمٌ ... وأحببتُ لمّا أَن غنيت الغوانيا
وَقَالَت صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب تخاطب ابْنهَا الزبير:
وجربت آبادَ الدّهورِ عليكمُ ... وأسماءُ لَمْ تشعر بذلك أيِّم
وَقَالَ آخر:
لله درُّ بني عل ... يٍّ أيّمٍ مِنْهُم وناكح
وَقَالَ آخر:
فَإِن تنكحي أنكح وَإِن تتأيّمي ... وَإِن كنتُ أفتى منكمُ أتأيَّم
ويروى: يَدَ الدَّهْر مَا لَمْ تنكحي أتأيّم. وَهُوَ مَعْرُوف كَثِير. والأَيْم بِالتَّخْفِيفِ الحيَّة. وَقَالَ الله فِي الْأَيَامَى: " وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ والصَّالحين مِنْ عِبَادِكُمْ " " النُّور: ٣٢ " يريدُ من لَا زوج لَهَا من نِسَائِكُم؛ وَمن الْأَيَامَى أَيْضا قَول الشَّاعِر:
إنَّ الْقُبُور تُنكح الْأَيَامَى ... والنسوة الأرامل الْيَتَامَى
والمرءُ لَا يَنْقَى لَهُ سُلامَى
وَمعنى هَذَا أَن الْمَوْت إِذا أَتَى على الرِّجال وأفنى أكارمهم أنكح بناتهم ووليّاتهم من يقصر عَن أحسابهنّ وَلَيْسَ بكفؤ لَهُنَّ.
النقي والرّيرُ
وَقَوله: " لَا تَنْقَى لَهُ سُلامى " أَي: من هُوَ قَلِيل الْخَيْر أَو لَا خير فِيهِ، وشبَّه ذَلِكَ بالمخ فَكَأَنَّهُ يَقُول: من لَيْسَ فِي سلامياته من قوائمه مخ وَهُوَ النِّفي، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
أرارَ الله نَفْسَك فِي السُّلامى ... على من بالحنين تُعولينا
وَيُقَال: إِن آخر مَا يبْقى من النقي فِي السُّلامى وَالْعين كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
следующие страницы →