٤٨ - وقال حميد عن أنس: تلى عمر على المنبر ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ [عبس: ٣١] فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأبُّ؟ ثم رجع على نفسه فقال: لعمرك يا ابن الخطاب، إنَّ هذا لهو التكلف (١).
٤٩ - وعن ابن أبي مليكة قال: دخلت على ابن عباس أنا وعبد الله بن فيروز مولى عثمان، فقال له عبد الله يا أبا العباس ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ [المعارج: ٤] أي يوم هذا؟ فقال ابن عباس: من أنت؟ فانتسب له، فلما عرفه قال: مرحبًا بك، ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٦] أي يوم هذا؟ قال: أنا سألتك يا ابن العباس لتخبرني؟ قال: أيام سَمَّاها الله هو أعلم بها كيف تكون، أكره أن أقول في كتاب الله بما لا أعلم (٢).
стр. 72
والذي فسره بعض المفسرين مما توقف ابن عباس، فإنه لم يذكر مراد الله فيها بل قال: يظهر لي فيها كذا، ويسنح كذا والله هو العالم بالتأويل.
فإن قيل: فقد قال ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩].
قيل: كما قال ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] ولم تدمر السماوات والأرض، وقال ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] ولم تؤت مثل فرج الرجل ولحيته.
فإن قيل: إذا لم يدخل الراسخون مع الله في العلم، لم يكن لهم فضل على من لم يرسخ في العلم، لأن كلَّ المسلمين يقولون آمنا به.
قيل: فضل الراسخين على غيرهم، أنهم يعرفون الأحكام المحكمات ما لا يعرفهم غيرهم، وقد قيل: إن فضيلتهم تحصل بإيمانهم بالغيب على من لم يؤمن به، وقد قال تعالى ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩] وهذا يدل على أن هناك من لم يؤمن به، فكانت فضيلتهم بالإيمان به.
فإن قيل: فنسلم لكم أنَّ في القرآن ما لا يعلم تأويله غير الله، لكن فائدته التلاوة التي هي طاعة، وهي مندوبٌ إليها يُثَاب على فعلها، فأما الأخبار فمتى لم يعرف معناها بلغة العرب، عَريت عن فائدة، لأنها لا تفيد عملًا، ولا تُثبت علمًا، ولا ثواب في فعلها.
قيل: لا تعرى عن فائدة لما بَيَّنا فيما قبل، وهو اختبار العباد ليؤمن به المؤمن فيسعد، ويكفر به الكافر فيشقى، لأن سبيل المؤمن أن يُصَدِّقَ بما جاء به الرسول.
٥٠ - ودليل آخر، ما روى أبو هريرة وعبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: "يَحْملُ هذا العلم من كلِّ خَلَفٍ عُدُوله، يَنْفون عنه تحريف الغالين، وانتحال
стр. 73
المُبْطلين، وتأويل الجاهلين" (١). فوجه الدلالة أنه منع التأويل في ذلك.
стр. 74
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 75
فإن قيل: إنما منع تأويل الجاهلين، ولسنا جُهَّالًا بالتأويل.
قيل: بل الجهالة حَاصِلةٌ بالتأويل، بدليل ما تقدم من قوله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾.
دليل آخر على إبطال التأويل: أنَّ الصحابة ومن بعدهم من التابعين حملوها على ظاهرها، ولم يتعرضوا لتأويلها، ولا صرفها عن ظاهرها، فلو كان التأويل سائغًا لكانوا أسبق لما فيه من إزالة التشبيه، ورفع الشبهة، بل قد روى عنهم ما دل على إبطاله.
٥١ - فروى أبو بكر الخلال بإسناده: عن أم سلمة أنها قالت في قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥] قالت: كيفٌ غيرُ معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر (١).
стр. 76
فقد صرحت بالقول بالاستواء غير معقول، وهذا يمنع تأويله على العلو!! وعلى الاستيلاء.
٥٢ - وروى سعيد الجُريري عن سيف السدوسي عن عبد الله بن سلام قال: إذا كان يوم القيامة جيئ بنبيكم ﷺ فأقعد بين يدي الله على كرسيه، قال فقلت: يا أبا مسعود، إذا كان على كرسيه، أليس هو معه؟ قال: ويلكم هذا أقَرُّ حديثٍ في الدنيا لعيني.
وفي لفظ آخر قالوا للجريري: إذا كان على الكرسي هو معه؟ قال: نعم ويلكم هو معه، هو معه (١).
فقد صرح بالأخذ بالحديث على ظاهره، وأنكر على من يرد.
٥٣ - وكذلك حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك قال: قرأ رسول الله ﷺ ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]. قال: "وضع إبهامه على قريب من طرف أنملة خُنْصره، فَسَاخَ الجبل" قال حميد لثابت: تقول هذا: فدفع ثابتٌ يده فضرب بها صدر حميد، وقال يقوله رسول الله ﷺ ويقوله أنسٌ وأنا أكتمه. وفي لفظ آخر قال: فضرب صدره ضربة شديدة، وقال: من أنت يا حميد؟ وما أنت يا حميد؟ يُحدثني به أنس بن مالك
стр. 77
عن النبي ﷺ تقول أنت ما تريد (١).
٥٤ - وروي أن قتادة بن النعمان دخل على أبي سعيد يَعُوده فوجده مُستلقيًا رافعًا رجله اليمنى على اليسرى، فقرص النعمان رجل أبي سعيد قرصة شديدة، فقال أبو سعيد: سبحان الله، يا ابن أخي أوجعتني! قال: ذاك أردت! إنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الله لما قضى خلقه استلقى ثم رفع إحدى رجليه على الأخرى، ثم قال: لا ينبغي لأحد من خلقي أن يفعل هذا" فقال أبو سعيد: لا جَرَم والله لا أفعله (٢).
فإن قيل: أليس قد أنكر بعضهم على أبي مسعود وعلى الجريري وعلى ثابت، فقد حصل خلاف بينهم.
قيل: لما أمسكوا عن الجريري وعن (٣) أبي مسعود، دل على أنهم أجابوا إلى ذلك.
стр. 78
٥٥ - دليل آخر على إبطال التأويل: أن أبا الحسن الأشعري وأصحابه مثل أبي بكر بن الباقلاني، وأبي بكر بن فورك وأبي علي بن شاذان (١) قد أثبتوا صفاتًا لم يعقلوا معناها، ولم يحملوها على مقتضى اللغة كالوجه واليدين والعين، ولم يحملوا الوجه على جملة الذات، واليدين على النعمتين، ولا العين على المرئي (٢) بل أثبتوها صفات ذات، لورود الشرع بها، وقد صرَّحوا بهذا في كتبهم، ورأيت بعضهم يأبى ذلك ويتأول هذه الصفات، وهذا القائل يتشاغل بالكلام معه في هذه الصفات، فإذا ثبت الكلام فيها بنينا الأخبار على ذلك.
стр. 79
٥٦ - دليل آخر على إبطال التأويل، وذلك أن من حمل اللفظ على ظاهره حمله على حقيقته، ومن تأوله عدل به عن الحقيقة إلى المجاز، ولا يجوز إضافة المجاز إلى صفاته.
فإن قيل: خبر الواحد إنما يقبل فيما طريقه العمل، وأما فيما طريقه الاعتقاد والقطع فلا!
قيل: هذه وإن كانت أخبار آحاد، فإنَّ الأمة قد تلقتها بالقبول، منهم من حملها على ظاهرها وهم أصحاب الحديث، ومنهم من تأولها، وتأويلها قبول لها.
فإن قيل: فهل تُكفِّرون من ردّها أو تأولها؟
٥٧ - قيل: قد قال أحمد في رواية أبي طالب: "من قال إن الله خلق آدم على صورة آدم" فهو جهمي، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه (١).
٥٨ - وقال في رواية المروذي وقد سأله عن عبد الله التيمي فقال: صدوق، ولكن حكي عنه أنه ذكر حديث الضحك، فقال: مثل الزرع وهذا كلام الجهمية.
٥٩ - وقال في رواية الأثرم (٢) وقد سُئل أحمد: حَدَّث مُحدِّث وأنا عنده
стр. 80
بحديث "يضع الرحمن قدمه فيها" وعنده غلام، فأقبل على الغلام فقال: إن لهذا تفسيرًا، فقال أبو عبد الله: انظر إليه كما تقول الجهمية سواء (١).
فقد أطلق القول بأنه جهمي، وقد كفَّرهم ببعض أقوالهم ولم يكفرهم ببعض.
٦٠ - فقال في رواية المروذي وقد سأله عن القدري فلم يكفره إذا أقرَّ بالعلم.
٦١ - وقال في رواية حنبل: من قال بالقدر، وعظم المعاصي، فهو أقرب مثل الحسن.
* * *
стр. 81
ذِكرُ الأخبَار
٦٢ - من ذلك ما حدثناه أبو القسم عبد العزيز بن علي بن أحمد بن الفضل الخياط قال نا علي بن إبراهيم بن موسى الموصلي السكوني قال نا أبو مزاحم موسى بن عبيد الله (١) بن يحيى المقري قال نا عبد الله ابن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال نا يحيى بن سعيد قال نا ابن عجلان قال حدثني سعيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا ضَرَب أحدُكم فليجتنب الوجه، ولا يَقل: قَبَّحَ اللهُ وجهك، ووجه من أشبه وجهك، فإن الله خلق آدم على صورته" (٢).
٦٣ - وحدثناه أبو القسم قال نا أبو الحسن علي بن إبراهيم بن موسى الموصلي السّكوني قال نا أبو مزاحم موسى بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان المقري قال نا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال نا أبو معمر قا نا جرير عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ : "لا تُقبّحوا الوجه، فإن الله خَلَق
стр. 82
آدم على صورته" (١)(٢).
وذكره الدارقطني في جملة أخبار الصفات.
٦٤ - وحدثنا أبو محمد الحسن بن محمد فيما خرجه من أخبار الصفات: عن ابن شاهين قال حدثنا زيد بن محمد الكوفي قال حدثنا أحمد بن منصور المدني قال حدثنا محمد بن إسحاق المسيَّبي قال حدثني أبو سهل سعد ابن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أخيه عبد الله عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا ضَرَبَ أحدُكم مملوكه فليتقّ وجهه، فإن الله إنما خَلقَ آدم على صُورة نفسه" (٣).
стр. 83
٦٥ - وروى أبو حفص بن شاهين في سننه بإسناده: عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : "إذا قَاتل أحدُكم أخاه فليتجنب الوجه، فإن الله خَلَقَ وجه آدم على صورته" (١).
٦٦ - وروى عبد الرحمن بن منده في كتاب الإسلام بإسناده: عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا قاتَل أحدُكم فليتق الوجه، فإن الله خلق آدم على صورة وجهه من الطين" (٢).
اعلم أن هذا حديث صحيح.
٦٧ - قال أحمد في رواية ابن منصور (٣) "لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم
стр. 84
على صورته" وإذا ثبت صحته فغير ممتنع الأخذ بظاهره من غير تفسير ولا تأويل.
وقد نص عليه أحمد في رواية يعقوب بن بختان (١) "خلق آدم على صورته" لا نفسره كما جاء الحديث.
فقد صرح بالقول بالأخذ بظاهره، والكلام فيه في فصلين: أحدهما جواز إطلاق تسمية الصورة عليه سبحانه، وقد ذكره ابن قتيبة في مختلف الحديث فقال: الذي عندي -والله أعلم- أن الصورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعين، إنما وقع الإلف لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع. هذا كلام ابن قتيبة (٢).
* * *
стр. 85
الفصل الثاني
(في خلق آدم ﵇ على صورته)
стр. 86
[الفصل الثاني] في إطلاق القول بأنه خَلَقَ آدم على صورته وأن الهاء راجعة على الرحمن
٦٨ - وقد روى أبو (١) عبد الله بن منده (٢) بإسناده: عن إسحاق بن راهويه قال قد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن آدم خلق على صورة الرحمن" وإنما علينا أن ننطق به.
والوجه فيه أنه ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته، ولا يخرجها عما تستحقه، لأننا نطلق تسمية الصورة عليه لا كالصور، كما أطلقنا تسمية ذاتٍ ونفس لا كالذوات والنفوس.
يبين صحة هذا أن الصورة ليست في حقيقة اللغة عبارة عن التخاطيط، وإنما هي عبارة عن حقيقة الشيء، ولهذا يقول: عرفني صورة هذا الأمر (٣).
ويطلق القول في صورة آدم على صورته سبحانه، لا على طريق التشبيه في
стр. 87
الجسم والنوع والشكل والطول، لأن ذلك مستحيل في صفاته.
وإنما أطلقنا حَمْل إحدى الصورتين على الأخرى تسميةً لورود الشرع بذلك على طريق التعظيم لآدم، كما قال تعالى في أزواج النبي ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] ولسن بأمهات في الحقيقة لكن على وجه التعظيم، ولأن فيه معنى ينفرد به من بين سائر ذريته، وهو أنه لما وجد حيًّا كان كاملًا لم ينتقل من حال صغرٍ إلى كبر، ومن حال ضعفٍ إلى قوة، ومن حال جهلٍ إلى علم، كذلك الله تعالى في حال وجوده كاملًا لم ينتقل من نقصٍ إلى كمالٍ ولا يجوز أن يقال أن هذا المعنى موجود في خلق حوَّاء وفي الملائكة، لأنه وإن كان خلقهم على ذلك فآدم أكمل منهم، لأن الله أسجدهم له، ولأنه قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ [التين: ٤] ولأن حوَّاء ناقصة بالأنوثية.
وليس في حمل إحدى الصورتين على الأخرى ما يوجب المساواة كما قال تعالى ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩] ومعلوم أن آدم أفضل لأنه لم يخلق من نطفة، ولا اشتمل عليه رحم، وعيسى وجد فيه ذلك.
وكما قال تعالى ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]. وقال ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾، ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢] وقال (١) ﴿هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] ولفظه أحسن وأرحم على وزن أفعل، ولفظة أفعل تقتضي الاشتراك في الشيء، وقد شرك بينه وبين خلقه في هذه الصفات، كذلك لا يمتنع الاشتراك في الصورة.
стр. 88
٦٩ - وقد روي عن ابن عباس ما دل أن الهاء راجعة على الرحمن، ذكره إسحق بن بشر القرشي (١) في كتاب "المبتدأ" بإسناده عن ابن عباس أن ملك الروم كتب إلى معاوية يسأله عن مسائل منها: أخبرني عن أكرم رجلٍ على الله، فأنفذ بها معاوية إلى ابن عباس فقال: أكرم رجل على الله آدم، خَلَقه بيده، ونَحَله صورته، ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته، وأسكنه جنته.
فقد نص على أنه نحله صورته.
فإن: قيل فصفوه بالجسم لا كالأجسام!
قيل: لا نصفه بذلك، لأن الشرع لم يرد بذلك، وهذا كما وصفته أنت بأن له نفسًا وحياةً، ولا نصفه بأنه جسم، وكذلك نصفه بأنه ذاتٌ وشيء، ولا نصفه بأنه جسد.
فإن قيل: الهاء عائدة على المضروب، لأن الخبر ورد على سبب.
٧٠ - وذلك أن النبي ﷺ مرَّ برجل يضرب ابنه، أو عبده في وجهه لطمًا، ويقول: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فقال النبي ﷺ . "إذا ضرب أحدكم عبده فليتق الوجه، فإنَّ الله خلق آدم على صورته" (٢). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قيل: هذا غلط لوجهين: أحدهما أن هذا يُسقط فائدة التخصيص بآدمٍ، لأن آدم وغيره من الأنبياء والبشر مخلوقون على صورة المضروب، بمعنى أن له وجها وما أسقط فائدة التخصيص سقط في نفسه.
والثاني: أن في اللفظ "خلق آدم على صورة الرحمن" (١).
فإن قيل: إنما خص آدم بالذكر، لأنه هو الذي ابتديت خلقه وجهه على الحد الذي يُحتذى عليها من بعده، كأنه على وجه المبالغة في الردع له عن ذلك.
قيل: لو كان القصد المبالغة لقال: فإن الله خلق محمدًا على صورته لأنه أفضل من آدم، فلما خص آدم بالذكر، دلَّ على أنه لمعنى فيه.
стр. 91
وجواب آخر: وهو أنه قد روي في لفظ آخر "على صورة الرحمن وعلى صورة نفسه" وهذا يمنع حمله على المضروب، فوجب أن يقضي بالمقيد عليه. فإن قيل: الهاء ترجع على آدم، ويكون رجوعها عليه لوجوه: أحدها أن يعرفنا أنه خلق في الجنة على الصورة التي كان عليها في الدنيا، لم يغير الله خلقته، ويكون فائدة ذلك تعريفنا الفرق بينه وبين سائر من أخرجه من الجنة معه، من الحية والطاووس، فإنه عاقب الحيَّة وشوَّه خلقها، وسلبها قوائمها، وجعل أكلها التراب، وشوه رجلي الطاووس (١)، ولم يشوه خلقة آدم. بل أبقى له حُسن الصورة، فعرفنا بذلك أنه كان في الجنة على الصورة التي هو عليها.
قيل: هذا لا يصح لوجوه:
أحدها: أنه روي ما دل على تغير خلقه عن الصفة التي كانت عليها.
стр. 92
٧١ - حدثناه أبو القسم عبد العزيز قال نا أبو الفتح القوَّاس ولنا منه إجازة قال قرئ على أبي إسحق إبراهيم بن حماد نا أبو يحيى الناقد قال نا أبو صالح بن عبد الله الربذي قال: نا معاوية بن عمار نا أبو الزبير عن جابر بن عبد الله قال: إن آدم لما هبط إلى الهند ورأسه يكاد ينال السماء، وأن الأرض شكت إلى ربها ثقل آدم، قال: فوضع الجبار جلَّ اسمه يده عليه، فانحط سبعين باعًا، وهبط معه الفحل والأترج والموز. قال أبو يحيى الناقد: يقولون: الفحل الذكر من النخل (١).
وهذا يدل على تغير خلقته عما كانت عليه.
وجواب آخر: وهو أن هذا يسقط فائدة التخصيص، لأن حوَّاء لم يُغير خلقها لما أخرجها من الجنة، فوجب أن يكون لهذا التخصيص فائدة.
جواب آخر: وهو أنه قد روي "خلق آدم على صورة الرحمن"، وهذا يمنع رجوع الهاء على آدم.
فإن قيل: فالهاء عائدة على آدم، ويكون المراد به أن النبي ﷺ أفادنا بذلك إبطال قول أهل الدهر: إنه لم يكن إنسان، إلا من نطفة ولا نطفة إلا من إنسان فيما مضى ويأتي، وليس ذلك أول ولا آخر، وإن الناس إنما ينقلون من نشوء إلى نشوء على ترتيب معتاد، فعرفنا تكذيبهم، وأن آدم خلق على صورته التي شوهد عليها، من غير أن كان عن نطفة قبله وعن تناسل، أو تنقل من صغرٍ إلى كبر، كالمعهود من أحوال أولاده.
قيل: هذا غلط لأنه يسقط فائدة التخصيص بآدم، لأن الملائكة خلقوا من
стр. 93
غير نطفة ولا تناسل، وكذلك عيسى خُلق من غير نطفة قبله وغير تناسل، وقد قال تعالى ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [آل عمران: ٥٩] ولأنا قد استفدنا إبطال قول الدهرية من غير هذا الموضوع، وهو قوله خلقته من طين.
وجواب آخر: وهو أنه قد روي "خلق آدم على صورة الرحمن" وهذا يمنع رجوع الهاء على آدم.
فإن قيل: الهاء عائدة على آدم، ويكون فائدته إعلامنا أنه لم يكن حادثًا عن توليد عنصرٍ أو تأثير طبعٍ، أو فلكٍ أو ليلٍ أو نهارٍ، إبطالًا لقول الطبائعيين، أن بعض ما كان عليه آدم من هيئاته وصورته لم يخلقه الله ، بل كان فعل الطبع أو تأثير فلك، فبيَّن بذلك أن الله تعالى هو الخالق لآدم، على ما كان فيه من الصُّور والتركيب، وإبطالًا لقول القدرية، أن من صفات آدم ما لم يخلقه الله، وإنما خلقها آدم لنفسه؟!
قيل: هذا غلط لما بينَّا وهو أنه يسقط فائدة التخصيص بآدم، لأن بقية البشر هذا المعنى موجود فيهم، وأن الله تعالى هو الخالق، وأنه لا صنع للطبيعة فيه والفلك فيه، ولأنه قد روي في لفظ آخرٍ "خلق آدم على صورة الرحمن".
فإن قيل: إنما خص آدم بذلك تنبيهًا على أن من شاركه من المخلوقات في معناه، قيل: هذا غلط، لما بينَّا من أن خلق عيسى في معنى خلق آدم بقوله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩] فلا معنى لتخصيصه بذلك، ولأن، قوله "خلق آدم على صورة الرحمن" يمنع من ذلك.
فإن قيل: الهاء عائدة على آدم، ويكون فائدته إشارة إلى ما تقدم أن الله خلق السعيد سعيدًا والشقي شقيًّا، فلما خلق آدم وقد علم أنه يعصي
стр. 94
ويخالف، وكتب ذلك عليه قبل أن خلقه (١) عرفنا ما سبق من قضائه، وأنه هكذا خلقه على ما علم منه.
قيل: هذا غلط لما بيَّنا أنه يسقط فائدة التخصيص بآدم، لأن ولد آدم مخلوق على ما سبق قضائه من الشقاء والسعادة، ولأنه قد روي في لفظ آخر "خلق آدم على صورة الرحمن".
فإن قيل: عود الهاء على آدم أولى، لأنه أقرب المذكور.
قيل: الهاء قد تعود تارة إلى الأقرب، وتارة إلى الأبعد، قال تعالى ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾ [الفتح: ٩] فالهاء في قوله ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ عائدة على اسم الله تعالى، وإن كان أبعد في اللفظ، وذكر الرسول أقرب ولأنه لو قال قائل: ولد لفلان، ولد على صورته، عقل من ذلك صورة الأب، وإن كان هو الأبعد في الخطاب، ولم يرجع ذلك إلى صفة الولد وإن كان هو الأقرب.
٧٢ - وقد صرح أحمد بإبطال القول أن الهاء عائدة على آدم، فقال في رواية أبي طالب: من قال إن الله خلق آدم على صورة آدم، فهو جهمي، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه (٢)؟
٧٣ - وقد ذكره عبد الرحمن بن منده في كتاب "الإسلام" فقال قال أبو إسحق إبراهيم بن أحمد بن فراسٍ (٣) في كتابه عن حمدان بن علي قال سمعت
стр. 95
أحمد بن حنبل يقول وسأله رجل فقال: يا أبا عبد الله، الحديث الذي رُوي عن النبي ﷺ : "أن الله خلق آدم على صورته" على صورة آدم قال فقال أحمد بن حنبل: فأين الذي يُروي عن النبي ﷺ "أن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن "، ثم قال أحمد: وأي صورة كانت لآدم قبل أن يُخلق؟
٧٤ - قال وأنا علي بن يحيى بن جعفر الإمام قال أنا الطبراني قال سمعت عبد الله ابن أحمد بن حنبل يقول: قال رجلٌ لأبي: إنَّ فلانًا يقول في حديث رسول الله ﷺ : "إن الله خلق آدم على صورته" فقال: على صورة الرجل، قال أبي: كذب هذا، هذا قول الجهمية، وأي فائدة في هذا (١).
٧٥ - قال: وروى إسماعيل بن أحمد (٢) أبو سعد (٣) في كتاب السنة عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: كُنَّا بالبصرة عند شيخ فحدثنا بحديث النبي ﷺ : "إن الله خلق آدم على صورته" فقال الشيخ: تفسيره خلقه على صورة الطين، فحدثت بذلك أبي ﵀ فقال: هذا جهمي، أو قال هذا كلام الجهمية.
٧٦ - وقد ذكر أبو محمد بن حيان الأصبهاني في مجموع له في التفسير في
стр. 96
سورة "حم عسق" بخط أبي مالك المكي (١) فقال صاحب الكتابة (٢) عن حمدان بن الهيثم المديني سمعت أبا مسعود (٣) يقول قال أحمد بن حنبل
стр. 97
معنى حديث النبي ﷺ "إن الله خلق آدم على صورته" قال: صوَّر آدم قبل خلقه ثم خلقه، على تلك الصورة، فإما أن يكون الله خلق آدم على صورته فلا، وقد قال الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ولا نقول: إن الله يشبهه شيء من خلقه، ولا يخفى على الناس أن الله خلق آدم على صورة آدم ولا يجوز أن يقال: لله كيف؟ لأن الله لا يوصف بصفة الإنسان، وقد قال ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فذاك ربنا ليس كمثله أحد من خلقه.
٧٧ - قال أبو طالب المكي: هذا توهم عن أحمد، إنما هذا قول أبي ثور، فذُكِر ذلك لأحمد فأنكر عليه، وقال: ويله وأي صورة كانت لآدم حتى خلقه عليها، يقول: إن الله خلق على مثال، ويله فكيف يصنع بالحديث الآخر "إن الله خلق آدم على صورة الرحمن".
فهذا هو المحفوظ من قول أحمد، وإنما التبس القولان فنسب ذلك إلى أحمد لأن أبا ثور كان سُئل عن قوله "خلق آدم على صورته" فقال: الهاء عائدة على آدم.
فإن قيل: الزيادة المذكورة في حديث ابن عمر "خلق آدم على صورة الرحمن" غير صحيحة، وقد قال أحمد في رواية المروذي: الأعمش يقول عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عمر "إن الله خلق آدم على صورة الرحمن" وأما الثوري فيوقفه يعني حديث ابن عمر، وقد رواه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ "على صورته" (١) فيقول
стр. 98
كما جاء. فقد بيّن أحمد أن بعضهم وقفه، وبعضهم وصله.
قيل: هذه الزيادة صحيحة ثابتة، حدثنا بها أبو القسم عبد العزيز من الطريق الذي ذكرنا، وذكرها أبو الحسن الدارقطني فيما خرَّجه من أخبار الصفات، وذكرها أبو بكر أحمد بن سلمان النجاد (١) في "السنة" وذكرها أبو عبد الله بن بطة (٢) في كتاب "الإبانة" ولا يجوز أن يتطابق هؤلاء
стр. 99
الحفاظ على نقل زيادة باطلة أو ضعيفة، والذي حكاه أحمد عن الثوري أنه وقفها، لا يدل على ضعفها لأنه لا يجوز أن لا تقع له هذه الزيادة، وتقع لغيره، ومثل هذا لا ترد به الأخبار.
٧٨ - وعلى أن أبا القسم عبد الرحمن بن منده روى عن حمدان بن علي قال سمعت أحمد يقول وسأله رجل عن الحديث الذي رُوي عن النبي ﷺ "إن الله خلق آدم على صورته" على صورة آدم، فقال أحمد: فأين الذي يُروى عن النبي ﷺ "إن الله خلق آدم على صورة الرحمن"، وهذا من أحمد دليل على صحته.
فإن قيل: لا يجوز أن تكون هذه الزيادة صحيحة، لأنه لا يجوز هذا في اللغة لأن ما تقدم ذكره بالاسم الظاهر، فإنه إذا أعيد ذكره كني عنه بالهاء من غير إعادة اسمه الظاهر، كقولك: زيد ضرب عبده، ولا يقال: زيد ضرب عبد زيد، والمراد بزيد الثاني (١) الأول، وإذا لم يكن سائغًا من جهة اللغة، لم يكن للاستعمال له وجه.
قيل: هذا غلط، لأنه قد يصح ذلك في العربية، وقد ورد بذلك القرآن وأشعار العرب، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم: ٨٥] ولم يقل إلينا أو إليه، وكان يجب على ما قالوه أن يقول (إلينا) لئلا يعيد الاسم الأول، لأن النون هي اسم الرحمن، وقال تعالى ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الفرقان: ١٧] ولم يقل (إلينا) أو إليه، وكان يجب على ما قالوه أن يقول إلينا لئلا يعيد الاسم الأول، لأن النون هي اسم الرحمن، وقال تعالى ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ (٢) وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ
стр. 100
اللَّهِ﴾ [الفرقان: ١٧] ولم يقل: وما يعبدون من دوننا، وقال تعالى ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ [النحل: ٧٤] ولم يقل أنه يعلم، وقال تعالى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [لقمان: ٢٥] ولم يقل الحمد لله، وقال الشاعر وهو عدي بن زيد (١):
لا أرى الموتَ يسبقُ الموتَ شيءٌ … نغَّص الموتُ ذا الغني والفقر
فأعاد ذكر الموت بلفظه، ولم يكنِّ عنه بالهاء، ولم يقل لا أرى الموت يسبقه شيء، وقال المتلمس (٢):
فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى … مساغًا لِنَابيه الشجاع لصمما
فأعاد ذكر الشجاع بلفظه.
فإن قيل: فالهاء ترجع على الله على وجهه، وهو قوله على "صورة الرحمن" بمعنى على صفاته، فيكون معنى الصورة معنى الصفة، كما يقال عرِّفني صورة هذا الأمر، أي صفته، وذلك أن الله تعالى حي، عالم، قادر، سميع، بصير متكلم مريد، خلق آدم على صفته، مما هي صفات الله تعالى حيًّا عالمًا قادرًا سميعًا بصيرًا متكلمًا مختارًا مريدًا، فميَّزه من الجماد ومن البهائم، وميزه من الملائكة بأن قدَّمه عليهم وأسجدهم له.
ويبين صحة هذا قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] فعطف الصورة على خلق البُنية (٣).
стр. 101
قيل: حمله على هذا يُسقط فائدة التخصيص بآدم، لأن جميع ولد آدم بهذه الصفات، لهم حياة وعلم وقدرة وسمع وبصر وكلام وإرادة، وكذلك الملائكة لهم هذه الصفات.
فأما قوله ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ فيحتمل أن يكون معناه خلقناكم فصورناكم، كما قال تعالى في السورة التي يذكر فيها المؤمن ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤]. وقال تعالى في السورة التي يذكر فيها التغابن ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [التغابن: ٣] يبين صحة هذا أن هذه الصفات ليست غير ذاته.
فإن قيل: قوله "على صورة الرحمن" معناه: على مصور الرحمن، كما يقال هذه الدار صورةُ فلانٌ البنَّاء، معناه: مصوره، فسمى الصورة باسم صورته.
قيل: هذا غلط، لأنه يُسقط فائدة التخصيص بآدم، لأنَّ جميع الخلق على مصور الرحمن.
فإن قيل: معنى قوله "على صورة الرحمن" أن أسجد له ملائكته، كما أسجدهم لنفسه قيل: لا يصح هذا من وجوه: أحدها أن في رواية ابن شاهين "فإن الله خلق وجه آدم على صورته".
الثاني: أن الصورة عبارة عما اختصت الذات، ولهذا قال تعالى ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ والسجود له يرجع إلى المرتبة والرفعة فلا يوصف بالصورة، ولهذا يقال: رأيت الأمير في مرتبةٍ حسنة، إذا رآه وقد سجد له جنده، ويقول: رأيته في صورة حسنة، يريد بذلك معنى يرجع إلى ذاته في اللون والقد ونحوه.
الثالث: أن سجود الملائكة له يقتضي اختصاصه بمزية، وذلك لا يوجب المشاركة
стр. 102
في تسمية الصورة، كما لم يوجب ذلك في حق عيسى مع اختصاصه بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وهذا يدل على أن هذه تسميةٌ شرعيةٌ، لا يعقل معناها.
وقد قال أحمد في رواية المروذي: أما الأعمش فيقول عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عمر عن النبي ﷺ "إن الله خلق آدم على صورة الرحمن" فنقول كما جاء الحديث.
٧٩ - وقد ذكر أبو إسحاق بن شاقلا (١) في جملة ما جرى له في مناظرته لأبي سليمان الدمشقي على قول النبي ﷺ "خلق آدم على صورته" وأن الهاء غير راجعة على آدم، فقال أبو سليمان قد جاء في الحديث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ "أن الله خلق آدم على صورة آدم"، فقال أبو إسحاق: هذا كذب على رسول الله، فقال الدمشقي: بلى قد جاء في الحديث "طوله ستون ذراعًا" فعلمت أنه آدم، فقال له أبو إسحاق: قد روى هذا وليس هو الذي ادعيت على رسول الله ﷺ لأنك قلت عن النبي ﷺ "إن الله خلق آدم على صورة آدم" ثم قال أبو إسحق: إن كانت هذه الزيادة محفوظة كان قوله "خلق آدم على صورته" تمَّ الكلام، ثم قال "طوله
стр. 103
ستون ذراعًا" (١) إخبارًا عن آدم، بدلالة ما روى جرير عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطا عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ "لا تقبحوا الوجوه، فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن". قال أبو إسحق هذا الحديث يذكر إسحق بن راهوية أنه صحيح مرفوع. وأما أحمد فذكر أن الثوري وقفه على ابن عمر، وكلاهما حجة، لأنه إن كان مرفوعًا فقد سقط العذر، وإن كان من قول ابن عمر فهو أولى.
٨٠ - ورأيت في أخبار أبي الحسن بن بشار الشيخ الزاهد (٢) رواية أبي حفص عمر بن أحمد بن إبراهيم البرمكي (٣) عن أبيه قال: كنت أسمع الشيخ إذا دعا يقول في دعائه: اللهم صلِّ على أبينا آدم، الذي خلقته بيدك، وأنحلته صورتك، وأسجدت له ملائكتك، وزوجته حواء أمتك، فسبق عليه قضاؤك وقدرك فأكل من الشجرة وأهبطته إلى أرضك.
وهذا من أبي الحسن استنباط من لفظ الخبر وناهيك بأبي الحسن من زاهد وعالم.
стр. 104
[حديث آخر في الصورة]
٨١ - أخبرناه أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن جعفر البغدادي الزاهد قال نا أحمد بن جعفر بن حمدان قال نا أبو العباس البراثي (١) قال نا عثمان بن أبي شيبة قال نا جرير عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله ﷺ "لا تُقبِّحوا الوجه فإنَّ ابن آدم خُلق على صورة الرحمن" (٢).
٨٢ - وأنا الحسين ابن أحمد قال نا أحمد بن جعفر قال نا أبو علي بشر بن موسى ابن صالح الأسدي قال نا أبو زكريا يحيى بن إسحاق قال نا ابن لهيعة عن أبي يونس عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإنَّ وجه بن آدم على صورة الرحمن" (٣).
стр. 105
٨٣ - ورواه أبو بكر الخلال والدارقطني بإسناده: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، فإن صورة الإنسان على صورة الرحمن" (١).
٨٤ - ورواه ابن بطة بإسناده: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه، فإن صورة الإنسان على وجه الرحمن".
٨٥ - وذكر إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد الختلي في كتاب العظمة بإسناده: عن ابن عباس قال: غضب موسى على قومه في بعض ما كانوا يسألونه، فلما نزل الحجر قال: اشربوا يا حمير، فأوحى الله إليه: تعمد إلى عبيدٍ من عبيدي، خلقتهم على مثل صورتي، فتقول: اشربوا يا حمير، قال: فما برح حتى أصابته عقوبة (٢).
اعلم أنه يجب أن يحمل قوله فإن ابن آدم، وإن وجه ابن آدم خلق على صورة الرحمن، المراد به: آدم، فحذف المضاف وهو آدم وأقام المضاف إليه وهو ابن آدم مقامه، وقد جاء القرآن بهذا، قال تعالى في سورة الكهف ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [الكهف: ٣٧]
стр. 106
وتقديره: خلق أباك آدم من تراب، ثم أنشأك من نطقة. وكذلك قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [الحج: ٥] وتقديره: خلق أباكم آدم من تراب، ثم أنشأكم من نطفة، هكذا ذكره أبو بكر من أصحابنا في تفسيره (١).
وقال تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] (٢). وتقديره: أخذ ربك من ظهر آدم الذرية، وأضاف ذلك إلى بنيه، يدل عليه ما رواه أبو بكر في كتاب التفسير بإسناده: عن عمر بن الخطاب أنه سُئل عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ فقال عمر: سمعت رسول الله ﷺ قال: "إن الله خَلَق آدم ثم مَسَح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء إلى الجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت
стр. 107
هؤلاء إلى النار، وبعملِ أهل النارِ يعملون" (١) وذكر الخبر.
стр. 108
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 109
فقد فسَّر النبي ﷺ أن الأخذ كان من ظهر آدم، وإنْ كانت الإضافة إلى بنيه. فإن قيل: فلم أضاف الفعل إلى بنيه والفعل كان واقعًا فيه.
قيل: لأن الفعل كان واقعًا عليه وعلى بنيه، لأنه استخرج كل ذرية، تخلق إلى يوم القيامة من ظهره ومن ظهر ذريته فيجوز أن تكون الإضافة حصلت إليهم، لأنهم الأكثر.
стр. 110
ومثل هذا قوله تعالى ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ يعني آدم وحواء ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ يعني لما ولد لهما ولد سمَّوه عبد الحارث الذي هو إبليس (١) فقال سبحانه ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠] يعني إضافتهم الولد إلى عبد الحارث، وحصلت الكناية عنهم بلفظ الجمع، لأنها لو رجعت إليهما لكانت بلفظ التثنية، فيقول: فتعالى عما يشركان.
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] والمراد بذلك آدم (٢).
وقد ذكر ابن قتيبة هذا في مختلف الحديث أن معنى قول ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾ المراد به خلقنا آدم.
فإن قيل: إذا حملتم الكلام على آدم، كان ذلك تأويلًا للخبر، وقد منعتم من التأويل.
قيل: ليس هذا بتأويل، وإنما هو بيان أن هناك محذوف مقدَّر يشهد لظاهر القرآن ونحن لا نمنع من ذلك، وهذه طريقة صحيحة، ويكون لآدم مزية بالذكر على ذريته.