أنَّ في الآية ما يدل على أنَّ ذلك راجع إليه سبحانه، لأنَّه عَطَفه على نفسه بقوله تعالى ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١)﴾ [الصافات: ١١]، وهذا كله راجع إليه سبحانه، ثم عطفه فقال: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾ فكان ذلك راجعًا إليه.
* * *
стр. 282
[حديث آخر]
٢٤١ - ناه أبو القسم بإسناده: عن أُبيّ بن كعب قال: "لا تَسُبُوا الرِّيح فإنها من نَفَس الرحمن جلَّ اسمه" وفي لفظ آخر "فإنها من نفس الله جلّ اسمه، فإذا رأيتموها فقولوا: اللهم إنا نسألك من خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أُرْسِلتْ به، ونعُوذُ بالله من شرها، وشر ما فيها، وشرِّ ما أُرسلت به" (١).
٢٤٢ - وروى ابن بطة في بعض مُكاتباته إلى بعض أصدقائه جواب مسائل سأله عنها بإسناده: عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا رَأَيتم
стр. 283
الريح فَلَا تَسُبُوها، فإنها من نفس الرحمن، تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب، فسلُوا الله من خيرها، واستعيذوا بالله من شَرِّها" (١).
اعلم أنَّ شيخنا ابا عبد الله ذكر هذا الحديث في كتابه، وامتنع أن يكون على ظاهره في أنَّ الريح صفةٌ ترجع إلى الذات، والأمر على ما قاله، ويكون معناه أنَّ الريح مما يُفَرِّج الله بها عن المكروب والمغموم، فيكون معنى النفس معنى "التنفيس" وذلك معروف في قولهم: نَفَّسْتُ عن فلان، أي فَرَّجْت عنه، وكلمت زيدًا في التَّنفيس عن غريمه، ويقال: نفَّس الله عن فلان كربة أي فرَّج عنه (٢)، وروي في الخبر "من نفَّس عن مكروبٍ كُربة نَفَّس الله عنه كربة يوم القيامة" (٣)، وروى في الخبر أنَّ الله فَرَّجَ عن نبيه بالريح يوم الأحزاب فقال سبحانه ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩].
وإنما وجب حمل هذا الخبر على هذا، ولم يجب تأويل غيره من الأخبار، لأنَّه قد روي في الخبر ما يدل على ذلك، وذلك أنَّه قال: "فإذا رأيتموها فقولوا اللهم إنَّا نسألك من خيرها، وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، ونعوذ بك من شرِّها وشرِّ ما فيها، وشرِّ ما أرسلت به" وهذا يقتضي أنَّ فيها شرُّ وأنها مرسلة، وهذه صفات المحدثات.
٢٤٣ - ونا أبو القسم بإسناده: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ
стр. 284
الريح من رَوْحِ الله، يَبْعثها بالرَّحمة، ويبعثها بالعذاب، فلا تَسُبُوها، وسلُّوا الله خيرها وعوذوا بالله من شرِّها" (١).
وقوله "فإنها من روح الله" يدل على صحة التأويل، وأنه يُروح بها عن المكروب (٢).
стр. 285
وقوله: "يبعثها بالرحمة وبالعذاب" صريحٌ في أنها مخلوقة، مأمورة بالرحمة تارة وبالعذاب أخرى، وهذا دليلٌ على صحة التأويل.
[حديثٌ آخر في هذا المعنى]
٢٤٤ - من حديث أبي الحسين وأبي القسم بن بشران عن دعلج عن ابن خزيمة بإسناده: عن النبي ﷺ قال وهو مُولٍ (١) ظهره إلى اليمن: "إني أجد نفس الرحمن في ها هنا" (٢).
стр. 286
٢٤٥ - وروى ابن بطة في مكاتبته إلى بعض أصداقائه بإسناده: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنَّه قال: "الإيمانُ يمان، والحكمة يمانية، وأجدُ نفس ربكم من قبل اليمن" (١). ومعناه ما تقدم في الحديث الذي قبله، وهو أن أجد تفريج الله عني، وتنفيسه عن كربي، بِنّصرته إيّاي من قبل أهل اليمن، وذلك لمَّا نصره المهاجرون والأنصار نفس الله عن نبيه ما كان فيه من أذى المشركين، وقَتَلَهُم الله على أيدي المهاجرين من أهل اليمن والأنصار، وكان ﷺ كثيرًا ما كان يمدح أهل اليمن، فروي عنه أنه قال: "الإيمان يمان والحكمة يمانية" (٢) وإنما وجب
стр. 287
حمله على ذلك لما تقدم في الحديث الذي قبله، وأنَّ فيه ما دلَّ على أنَّ النفس مخلوقةً، لأنه أضافه إلى الريح، والريح مخلوقة من جهة أنها مأمورة بالرحمة والعذاب، فوجب حملُ هذه المطلق على ذلك.
٢٤٦ - ورأيت في بعض مكاتبات ابن بطة إلى بعض أصدقائه وقد ذكر هذين الخبرين حديث جابر "إذا رأيتم الريح فلا تسبوها" وحديث أبي هريرة "أجد نفس ربكم" وحكى كلام ابن قتيبة في ذلك، فقال: أنت في نفس من أمرك أي في سعة، وقوله "من نفس الرحمن" معناه أنها يُفَرِّج بها الكرب، ويُذْهب بها الجدب، يقال: اللهم نَفَّس عني أيَّ: فرَّج عني، وذكر كلامًا طويلًا (١).
ثم قال ابن بطة بعده: ومما يشهد لصحة هذا التأويل، وأنَّ الريح من نفس ربكم إنما أراد بالنفس: الفرج والروح، ما سمعت أبا أبا بكر بن الأنباري يقول: إنما سُمِّيت الريح ريحًا، لأنَّ الغالب عليها في هبوبها المجيء بالروح والراحة،
стр. 288
وانقطاع هبوبها يكسب الكرب والغم والأذى، فهي مأخوذة (١) من الروح وأصلها روح، فصارت الواوُ ياءً لسُكُونها وانكسار ما قبلها.
ثم قال: هذا ما قاله أهل العلم بتأويل الكتاب والسنة، وكلام العرب في تأويل الريح، ومعنى النَّفس بها، وفي كتاب الله تعالى ما دلَّ علي أنها بمعنى الفرج من الغم، والنَّفس من الكرب، أنَّ الغم والضيق يكونان بركودها، قوله جلَّ وعزَّ ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا﴾ [يونس: ٢٢].
وقوله ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧]. وقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ [الشورى: ٣٣].
٢٤٧ - وفي معنى ذلك حديث آخر: رواه ابن فورك ولم يقع لي طريقه أنه قال "هذا نفس ربي أجده بين كتفي أتتكم الساعة" (٢) معناه هذا فرج الله عني صرف به غمومي وهمومي، وكشف عن قلبي، وسُري عن فؤادي ما كان يجده ﷺ في مستقبل أوقاته، من زوائد روح اليقين والألطاف، فسمَّى ذلك نفس الرّب، لأنَّه هو الذي نَفَّس به عنه، والإضافة على طريق الملك، والموجب لحمله على ذلك ما تقدم في الخبر الأول، وقد بيَّنا أنَّ فيه ما دلَّ عليه.
* * *
стр. 289
[إثباتُ صفة النُّزُول لربنا ﵎]
[حديث آخر]
٢٤٨ - رواه الثقات من طُرقٍ مختلفة، وألفاظ مختلفة، حدثناه أبو القسم بإسناده: عن أبي بكر الصديق عن النبي ﷺ قال: "ينزلُ الله ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفرُ لكل نفس إلا إنسان في قلبه شحناء أو مشرك بالله جل اسمه" (١).
٢٤٩ - وروى معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : "يطلع الله إلى خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر لهم إلا المشرك أو مُشاحن" (٢).
٢٥٠ - وروت عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله جل اسمه يطلع ليلة النِّصف من شعبان إلى سماء الدنيا، فيغفر لأكثر من عَدد شَعر غنم كلب" (٣).
стр. 290
٢٥١ - وروى أبو سعيد وأبو هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن الله يُمهل حتى إذا ذهب ثُلث الليل هبط ، فقال: هل من داعٍ يستجاب له، هل من سائل يُعطى سُؤله، هل من مُستغفر من ذنب" (١).
٢٥٢ - وروى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ : "إذا ذهب شطرُ الليل الأول، ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر فأغفر له، هل من سائلٍ فأعطيه، هل من تائب فأتوب عليه، حتى ينشق الفجر" (٢).
стр. 291
٢٥٣ - وحدثنا أبو القسم بإسناده: عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: قال رسول الله ﷺ : " [إن الله] (١) يُمهل حتى إذا ذهب شطر الليل، نزل إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مُستغفرٍ يُغفر له، هل من داعٍ يستجاب له، هل من تائب فأتوب عليه، حتى ينشق الفجر ثم يرتفع" (٢).
٢٥٤ - وقرئ على أبي الفرج أحمد بن محمد بن عمر بن الحسن بن المسلمة المعدل في داره وأنا حاضرٌ أسمع قال: أنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد
стр. 292
ابن إبراهيم الجواليقي قال نا محمد بن عثمان بن أبي سويد الزارع القرشي قال نا عبد الرحمن بن المبارك قال نا الفضيل بن سليمان النميري قال نا موسى بن عقبة عن إسحق (١) بن يحيى بن الوليد عن عُبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : "ينزل الله ﵎ كُلَّ ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: هل من سائلٍ فيعطى سُؤله، هل من مُستغفر فيغفر له، هل من عانِ فيُفَكُّ عانيه، قال فيكون كذلك، حتى يُصَلَّى الصُّبح، ثم يعلو ربنا ﵎ على كرسيه" (٢).
٢٥٥ - وروى أبو بكر أحمد بن إسحق الصبغي: عن جابر بن عبد الله أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ما من أيامٍ أفضل عند الله من يوم عرفة، ينزل الله إلى السماء الدنيا، فيباهي بأهل الأرض" (٣).
стр. 293
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 294
٢٥٦ - وروي عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)﴾ [الفرقان: ٢٥] قال: ينزل أهل السماء الدنيا وهم أكثر من أهل الأرض من الجنِّ والإنس، فيقول أهل الأرض: أفيكم ربّنا؟ فيقولون: لا -وذكر الحديث- ثم يأتي الربُّ في الكروبيين وهم أكثر أهل السماوات السبع والأرضين" (١).
اعلم أنَّ هذا حديث صحيحٌ، يجب الأخذ بظاهره من غير تأويل، ولا يجب أن يُستوحش من إطلاق مثل ذلك.
٢٥٧ - وقد نص أحمد عليه في رواية ابن منصور وقد سأله: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة حين يبقى ثلث [الليل] (٢) الآخر إلى السماء الدنيا" أليس تقول بهذا الحديث؟ قال أحمد: صحيح.
٢٥٨ - وقال أحمد بن الحسين بن حسان (٣) قيل لأبي عبد الله "إنَّ الله ﵎ ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة" قال: نعم، قيل له: وفي شعبان كما جاء الأثر؟ قال: نعم.
стр. 295
٢٥٩ - وقال يوسف بن موسى (١) قيل لأبي عبد الله: إنَّ الله ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء من غير وصف؟ قال: نعم.
٢٦٠ - وقال حنبل قلت لأبي عبد الله: ينزل الله إلى السماء الدنيا؟ قال: نعم، قلت: نزوله بعلمه أم بماذا؟ فقال: اسكت عن هذا وغضب، وقال: مَالَك ولهذا! امض الحديث على ما روي.
والوجه في ذلك أنه ليس في الأخذ بظاهره ما يُحيل صفاته، ولا يخرجها عما تستحقه، لأنَّا لا نحمله على نزول انتقال كما قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] ولا على أن يخلوا (٢) منه مكان ويشغل مكان، لأنَّ هذا من صفات الأجسام، بل نطلق القول فيه كما أطلقناه في قوله ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا﴾ [يوسف: ٢] وليس يمتنع إطلاق ذلك، وإنْ لم يكن معقولًا في الشاهد، كما وصفناه بالحياة وأنَّه حي بحياة، ولم نصفه بالحركة والانتقال والتحول، وإنْ كنا نعلم في الشاهد أن الحي لا ينفك عن الحركة والانتقال والتحول، وكذلك قد وُصف أمره بالمجيء فقال ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ [هود: ٤٠] ولم يوجب ذلك انتقال في الموضعين، وكذلك جاء الليل وجاء النهار وجاءت الحمى، وإن لم يوجب ذلك انتقال، وكما أطلقنا القول بالاستواء وحمله بعضهم على العلو، ولم يوجب ذلك حدوثه في جهة
стр. 296
العلو بعد أنَّ لم يكن، وإنْ كان حقيقة، "ثُمَّ" في اللغة للتراخي، ولا أوجب له الجهة، وإن كان العلو غير السفل كذلك ها هنا (١).
٢٦١ - وقد قال أحمد في رسالته إلى مسدد: إنَّ الله ينزل في كل ليلة إلى السماء الدنيا ولا يخلو من العرش (٢).
فقد صرح أحمد بالقول إنَّ العرش لا يخلوا منه، وهكذا القول عندنا في قوله ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ [الفجر: ٢٢] والمراد به مجيء ذاته لا على وجه الانتقال.
وكذلك قوله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] المراد به مجيء ذاته، لا على وجه الانتقال.
وقد حكينا كلام أحمد في ذلك في رواية أبي طالب وحنبل وكلام أبي إسحق في الكلام على قول النبي ﷺ "أتاني ربي في أحسن صورة"، وليس يمتنع أن نثبت له نزول ذات، لا على وجه الانتقال لا يعقل معناه، وإنْ لم يعقل هذا في الشاهد، كما أثبتنا ذاتًا ويدين ووجهًا وعينًا لا يعقل معناه.
وقد عضد هذا الخبر القرآن، فذكر مقاتل (٣) في تفسيره في قوله تعالى:
стр. 297
﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ [الرحمن: ٣٧] بمعنى انفرجت، وهو البياض الذي في وسط السماء لنزول من فيها، يعني الرَّب والملائكة (١).
فإن قيل: المراد بقوله "ينزل الله ﵎" معناه ينزل من أفعاله التي هي ترغيب لأهل الخير، وإقباله على أهل الأرض بالرحمة والاستعطاف، بالتذكير والتنبيه، الذي يُلقى في قلوب أهل الخير، حتى يستغفروه (٢).
قيل: هذا غلطٌ، لوجوه أحدها: أنه لم يكن غير مقبل فأقبل عليهم، بل كان مقبلًا قبل ذلك، يُبين صحة هذا قول النبي ﷺ "ولا يزالُ اللهُ مُقْبلًا على
стр. 298
عبده في الصلاة" (١).
الثاني: أنه إن جاز تأويله على هذا، جاز تأويل قوله "ترون ربكم" على الرؤية إلى رحمته.
стр. 299
الثالث: أنَّ في الخبر ما يُسقط هذا، وهو قوله "هل من سائل فيعطى سؤله هل من مستغفر فيغفر له" وهذه صفة تختص الذات، لا يصح وجودها من الرحمة والأفعال التي هي صفات قائمة بالذات.
فإن قيل: قوله "ينزل" معناه تنزل ملائكته بهذا النداء وبهذا الدعاء فيضاف ذلك إليه، كما يقالك ضرب الأمير اللص، ونادى في البلد، ومعناه: أمر بذلك، وكذلك قوله "ينزل عشية عرفة" يُحمل على ملائكته، وعلى نزول رحمته (١)؟!
قيل: هذا غلط لوجوه أحدها: أن في الخبر "ينزل ربنا " وهذا لا يصح حمله على ملائكته، كما إذا قيل: نزل الملك ببلد كذا، لا يُعْقَل منه نزول أصحابه.
الثاني: قد رُوي في بعض الألفاظ ما يُسقط هذا.
٢٦٢ - وهو ما حدثناه أبو القسم بإسناده: عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ الله ينزل في ثلاث ساعات يبقين من الليل، فيفتح الذكر في الساعة الأولى، الذي لم تره عين فيمحوا الله ما يشاء ويُثبت، ثم ينزل في الساعة الثانية إلى جنة عدن، وهي داره وهي مسكنه التي لم ترها عين ولم يخطر على قلب بَشَر، وهي مسكنه لا يسكنها معه من بني آدم إلا ثلاث: النبيون والصديقون والشهداء، ثم ينزل في الساعة الثالثة إلى السماء الدنيا وملائكته، فتنتفض فيقول: قومي بعزتي، ثم يطلع إلى عباده فيقول: هل من مستغفرٍ فأغفر له، ألا من يسألني فأعطيه، ألا من داعٍ فأجيبه، حتى تكون صلاة الفجر،
стр. 300
ولذلك يقول الله ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] (١).
وهذا يُسقط التأويل، لأنه قال: "ينزل في الساعة الثالثة إلى سماء الدنيا وملائكته"، فأثبت نزول ذاته ونزول ملائكته.
فإن قيل: يحتمل قوله "ينزل وملائكته" معناه ينزل بملائكته.
قيل: هذا غلط، لأن حقيقة الواو للعطف والجمع، ولأنه قال في الخبر "ألا من يسألني فأعطيه ألا من داعٍ فأجيبه" وهذا القول لا يكون لملك.
الثالث: أنه إنْ جاز تأويل هذا على نزول ملائكته، جاز تأويل قوله "ترون ربكم" على رؤية ملائكته.
٢٦٣ - وجواب آخر جيد: وهو ما رواه إبراهيم بن الجنيد الختلي في كتاب "العظمة" بإسناده: عن أنس أنَّ النبي ﷺ قال: "إنَّ الله جل اسمه إذا أراد أن ينزل نزل بذاته" (٢).
فإن قيل: فقد روي بضم الياء "يُنزل الله" وإذا كان كذلك، صح التأويل بأنه ينزل من أفعاله التي هي ترغيب لأهل الخير، واستعطاف لأهل العطف.
стр. 301
قيل: هذا غلط، لأنه لا يُحفظ هذا عن أحد من أصحاب الحديث أنه روى ذلك بالضم، فلا يجوز دعوى ذلك، والذي يُبين بطلان ذلك قوله "ألا من يسألني فأعطيه، ألا من داعٍ فأجيبه" وهذه صفة تختص بها الذات دون الأفعال، وما هذه الزيادة ألا تحريف المبطلين لأخبار الصفات.
فإن قيل: يحمل قوله "ثم يعلوا" المراد به ملائكته.
قيل: هذا غلط، لأنه قال في الخبر "ثم يعلوا على كرسيه" وليس هذه صفة للملائكة لأن الكرسي مضاف إليه، وكذلك قوله "ثم يرتفع" لا يصح حمله على الملائكة، لأن هاء الكناية ترجع إلى المذكور.
فإن قيل: أليس قد قال تعالى ﴿فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ [القمر: ٣٧] وكان طمس الأعين من الملائكة بأمر الله، فلا يمتنع أن يكون تنزُّل الملائكة بأمر الله، وكذلك قوله ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] وقال ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ [الأعراف: ١٣٧] وقوله تعالى ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ [الشمس: ١٤] كل ذلك المراد به فعل يظهر منه كذلك ها هنا.
قيل: هذا غلطٌ، لأن تلك الآيات لم يقترن بها ما دل على أنَّ المراد به نفس الذات فالأمر فيها محتمل، فحمل على أفعاله، وأما ها هنا ففي سياق الخبر ما دلَّ على أنَّ المراد به الذات من الوجه الذي ذكرناه.
فأما قوله في حديث أبي سعيد وأبي هريرة "إذا ذهب ثلث الليل هبط" فالقول فيه كالقول في الرواية المشهورة "نزل" وأنَّ ذلك إخبارٌ عن هبوط الذات ونزولها.
وأما قوله في حديث أبي الدرداء "ينزل في الساعة الثانية جنة عدن
стр. 302
وهي داره ومسكنه لا يسكنها معه إلا النبيون والصديقون والشهداء" فإنه غير ممتنع حمله على ظاهره، وأنه يجوز إطلاق القول بأنَّ جنة عدن داره ومسكنه، لا على وجه الحد والجهة، كما أطلقنا القول بالاستواء على العرش، لا على وجه الجهة، وقد دلَّ على صحته هذا الإطلاق قوله تعالى ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [تبارك: ١٦] فأخبر أنه في السماء ولا يمتنع أيضًا جواز إطلاق القول بأن الأنبياء والشهداء والصديقين سكان معه.
٢٦٤ - ويشهد لذلك قوله تعالى ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] حدثنا أبو القسم بإسناده: عن ابن عمر عن النبي ﷺ في قول ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] قال: يُجلسه معه على السرير (١).
وأما قوله في حديث أبي الدرداء (٢) "يمحو الله ما يشاء ويثبت" فليس ذلك على معنى تغيير حكمٍ قد استقر، لكن على معنى تجديد كراماته ونعمه، ويأتي الكلام على هذا مستوفى في قوله تعالى ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] وهو مذكور في حديث النبي ﷺ "من سرَّه أن يمدَّ الله في عُمره، ويُوسع عليه في رزقه، فليتَّق الله وليَصِل رَحِمَه" (٣).
وأما قوله في حديث أبي الدرداء "وينزل في الساعة الثالث وملائكته" فغير ممتنع حمله على ظاهره، ويشهد له قوله تعالى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ
стр. 303
وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢] وقوله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١] وقد امتنع قومٌ من إطلاق ذلك، وقالوا قوله "جنة عدن داره ومسكنه" معناه: دار كرامته ومثوبته، وهذا غلط لوجهين أحدهما: أنَّ جنة عدن لا تختص بكرامته ومثوبته (١) لأن سائر الجنان كذلك.
والثاني: أنه إنْ جاز تأويله على هذا، جاز تأويل الاستواء على العرش، على كرامته ومثوبته، وتأولوا قوله "لا يسكنها معه إلا الأنبياء والشهداء" على أنه معهم بالنصرة والكرامة، وهذا غلط، لأنَّ ذلك يُسقط فائدة التخصيص بجنة عدن، لأنه ناصرهم في غيرها، ولأن لفظة السُّكنى لا تستعمل في النصرة.
٢٦٥ - وقد ذكر أبو بكر النقاش (٢) في كتاب "الرسالة" في قوله ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢]: لو كان الجائي غيره، لكان الجائي غير الملك، وحُكي عن إسحق بن راهويه أنه قال: سألني رجل من الجهمية أنه قال: إذا نزل إلى السماء الدنيا يخلوا منه العرش؟ قال فقلت: يقدر أن ينزل ولا يخلوا منه العرش؟ قال: فسكت، قال فقلت: إنْ قُلتَ يقدر خُصمتَ، وإن قلت لا يقدر كفرت، ولأن تكون مخصومًا، خير من أن تكون كافرًا.
قال إسحق: وسألني رجل عن نزول الرب، وما توهم الرجل عند ذلك، فقلت: ما توهم عند قوله ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ
стр. 304
وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠] وقوله ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢] فيكون توهمك عند النزول مثل توهمك ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾.
٢٦٦ - وقد ذكر أبو بكر عبد العزيز من أصحابنا في كتاب "التفسير" في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢] وقوله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] فقال: اختلف في صفة إتيان الرب في قوله ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ فقال بعضهم: لا صفة لذلك غير الذي وصف به نفسه، من المجيء والإتيان والنزول، وغير جائز تكلف القول في ذلك لأحد، إلا بخبر من الله أو من رسوله، فأما القول في صفات الله وأسمائه، فغير جائز لأحد من جهة الاستخراج، إلا بما ذكرنا.
وقال آخرون: إتيان الله جلّ ذكره نظير ما يُعرف من مجيء الجائي من موضع إلى موضع، وانتقاله من مكان إلى مكان.
وقال آخرون: معنى قوله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢١٠] معناه: أمر الله؟! كما يقال: قد خشينا أن يأتينا بنو أمية، يُراد به حكمهم.
وقال آخرون: معنى ذلك هل ينظرون إلا أن يأتيهم ثوابه وحسابه وعقابه. كما قال ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣] وكما يقال. قطع الوالي اللص أو ضربه، وإنما قطعه أعوانه. وغلَّب أبو بكر الوجه الأول، وروى في ذلك بإسناده: عن ابن عباس أنَّ النبي ﷺ قال: "إنَّ من الغمام طاقات يأتي الله فيها محفوفًا وذلك قوله ﴿هَلْ
стр. 305
يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [البقرة: ٢١٠] (١).
٢٦٧ - وروى بإسناده حديثًا طويلًا ذكرت بعضه: عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "توقفون موقفًا واحدًا يوم القيامة مقدار سبعين عامًا، لا ينظر إليكم، ولا يقضي بينكم قد حُصر عليكم، فتبكون حتى ينقطع الدمع، ثم تدمعون دمًا وتبكون حتى بلغ ذلك منكم الأذقان، ويلجمكم فتضجُّون، ثم تقولون: من يشفع لنا على ربنا حتى يأتوني فإذا جاؤني خرجت حتى آتي الفحص"، قال أبو هريرة: يا رسول الله ما الفحص؟ قال: "قدام العرش فأخر ساجدًا" وذكر الخبر إلى أن قال "فيقول: قد شفَّعتك، فأنصرف حتى أقف مع الناس، فبينا نحن وقوف سمعنا حِسًّا من السماء شديدًا فهالنا، فنزل أهل السَّماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض لنورهم، فقلنا: أفيكم ربنا؟ فقالوا: لا وهو آت" وذكر الخبر إلى أن قال "ثم ينزل أهل السماوات على قدر ذلك من التضعيف، حتى نزل الجبار تعالى ذكره في ظللٍ من الغمام والملائكة ولهم زجل من تسبيحهم، فينزل ربنا ﵎
стр. 306
يحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة، أقدامهم على تخوم الأرض السفلى، والسماوات إلى حجزهم، والعرش على مناكبهم، فوضع الله عرشه حيث شاء من الأرض، ثم ينادي نداءًا يسمع الخلائق" (١) وذكر الخبر.
قال أبو بكر: وبمثل ذلك روي الخبر عن جماعة من الصحابة والتابعين، ويؤكد صحة هذا وأنَّ المراد بالإتيان والمجيء الذات قوله تعالى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] فلما قضد إتيان الآيات صرح بذكرها.
* * *
стр. 307
[بيان أنَّ الله تعالى حِجَابه النُّور أو النَّار]
[حَديثُ آخر]
٢٦٨ - حدثنا أبو القسِم بإسناده: عن أبي عبيدة عن أبي موسى قال: قامَ فينا رسولُ الله ﷺ بأربع كلمات قال: "إنَّ الله لا يَنَام ولا ينبغي أنْ ينام، يَخْفض القِسْط ويَرفعه، يُرفَعُ إليهِ عَمَلُ النَّهارِ قبلَ الليل، وعملُ الليلِ قبل النّهار، حِجابُه النَّارُ، لو كَشَفَها أَحْرَقت سُبُحَاتُ وَجْهِه كل شيءٍ أدركه بَصَرُهُ".
وفي لفظٍ آخر: "حجابُهُ النُّورُ لو كَشَفَها لأَحْرَقت سُبُحاتُ وَجْهِهِ كل شيءٍ أدْركه بَصرَهُ من خَلقه" (١).
٢٦٩ - وحدثنا أبو القسم بإسناده: عن سهل بن سعد قال رسول الله ﷺ : "دُون الله سَبعون ألف حجابٍ من نُور وظُلمة، وما تَسمعُ نَفْسٌ شيئًا من حسِّ تلك الحُجُبِ إلا زَهَقَتْ نفسها" (٢).
стр. 308
٢٧٠ - وذكر أبو بكر أحمد بن إسحاق الصَّبغي (١) أخبارًا أُخر في هذا المعنى في كتاب الأسماء والصفات: فروى عن عبد الرحمن بن سمرة عن النبي ﷺ قال: "رأيتُ البارحة عَجَبًا، رأيت من أمتي رجلًا جاثيًا على رُكبتيه بينه
стр. 309
وبين الرَّب حجابٌ، فأخذ بيده فأدخله على الله تعالى ذكره" (١).
٢٧١ - وذكر حديثُ صُهيب أنَّ النبي ﷺ قرأ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ وذكر الحديث وقال فيه: "فيكشف لهم عن الحجاب، فينظرون إليه" (٢).
٢٧٢ - وذكر حديث عُمر أنَّ النبي ﷺ قال: "إنَّ موسى قال: يا رب أَرني أَبَانا آدم" وذكر الحديث فقال فيه: "فقال آدم: من أنت؟ قال: موسى، فقال: أَنت الذي كلَّمك الله مِنْ وراءِ الحجابِ، لم يَجعل بَينك وبَينه رسولًا مِنْ خَلقه" (٣).
стр. 310
٢٧٣ - وذكر حديث عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ وذكر وصيته نوح ابنه فقال: "أَنهاكَ عن الكِبْر والشِّرك، فإنَّ الله يحتجب عنهما" (١).
стр. 311
٢٧٤ - وذكر حديث عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ لله ديكًا يُجاوِزُ رَأْسه كذا، والحجاب السَّبْعين، ورِجْلاه قد جَاوَزَتا السَّبْع الأرضين" (١).
اعلم أنه غير مُمتنع إطلاق حجاب هو نور من دون الله، لا على وجه الإحاطة والجدِّ والمحاذاة، كما أجزنا رؤيته سبحانه لا على وجه الإحاطة به والجهة والمقابلة، وإنْ كُنَّا لا نجد في الشاهد مرئيًا إلا في جهة المقابلة، وكما جاز إطلاق وصفه بالاستواء على العرش، لا على وجه الجهة والحد والانتقال، وكما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٣٠] فأثبت الوقوف عليه لا في جهة، ويعضد ذلك قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] فوصف نفسه بالحجاب، كذلك ها هنا.
стр. 312
فأما قوله: "كل شيء أدركه بصره من خلقه" معناه: أنَّ نور وجهه يحرق ما يدركه من خلقه.
٢٧٥ - وقد ذكر أبو عبد الله بن بطة في كتاب "الإبانة" قال أبو بكر عبد العزيز قال: أبو بكر أحمد بن هرون قال سألت ثعلبًا عن قول النبي ﷺ : "لأَحرقت سُبُحات وَجهه" فقال: السَّبحات -يعني من ابن آدم- الموضع الذي يَسْجد عليه (١).
فإن قيل: الحجاب راجعٌ إلى الخَلْق، لأنهم هم المحجوبون عنه بحجابٍ يخلقه فيهم، وهو عدمُ الإدْراكِ في أبصارهم، ولا يجوز أنْ يكون الله سبحانه مُحتجبًا ولا محجوبًا بحجاب، لأنَّ ما سُتِر بالحجاب، فالحجاب أكبر منه ويكون متناهيًا محاذيًا جائزًا عليه المماسة، ومنه قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]. فجعل الكفار مَحْجوبين عن رؤيته لما خُلِق فيه من الحجاب، ويبين هذا أنه لم يُضف الحجاب إلى الله تعالى بل أطلق ذكر الحجاب.
ويبين صحة هذا: ما رَوى علي كرم الله وجهه، رواه عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي أنه مَرَّ بقَصَّابٍ وهو يقول: لا والذي احتجب بسبعة أطباق، فقال علي ﵁: "ويحك يا قصاب، إنَّ الله لا يحتجب عن خلقه" وفي لفظٍ آخرٍ "إن الله لا يحتجب عن خلقه بشيء ولكن حَجَب خلقه عنه" (٢).
стр. 313
قيل: هذا غَلَطٌ، لما بيّنا أننا نُثبت حجابًا لا يُفضي إلى التناهي والمحاذاة والمُمَاسَّة، كما أثبتنا رؤيته لا على وجه التناهي والمحاذاة.
وقوله: "لم يُضف الحجاب إليه" غلطٌ، لأن في حديث أبي موسى: "حجابه النور" وهذا صريح في الإضافة.
وأما قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥].
فلسنا نمنع أنْ يكون الخلق في حجابٍ عن ربهم، ولا نمنع إنْ يكون دونه حجاب نور، لوُرود الشرع بذلك، فليس في الآية ما ينفي ذلك.
وأما ما رُوي عن علي فإنما أنكر على القصاب حجابًا معقولًا، لأنَّ القصاب قال: احتجب بالسماوات، فرجع الإنكار إلى ذلك، ونحن لا نصف الحجاب بذلك.
وعلى أنه يعارض قول عليَّ ما ذكره أحمد بن سليمان النَّجاد بإسناده: عن عبد الله بن عمرو بن العاصي أنه قال: "والذي نفسي بيده، إنَّ دون الله يوم القيامة سَبعون ألفَ حجاب إن منها حجابٌ، من ظُلمةٍ ما ينفذها شيءٌ، وإن منها لحجاب من نُورٍ ما يستطيعه شيءٌ، وأن منها حجابًا لا يَسمعها أَحَدٌ لا يَربط الله على قلبه إلا انْخَلَعَ فُؤاده" (١).
فإنْ قيل: قوله في حديث ابن سمرة: "بينه وبين الرب حجاب" المراد به حجاب العبد من رحمة الرب، يعني أنَّه كان ممنوعًا من الرحمة، وقوله:
стр. 314
"أدخله على ربي" معناه: في رحمة ربي.
قيل: من سبق في علمه أنه يرحمه، لم يجعل بينه وبين رحمته حجاب، وكذلك من سبق في علمه عذابه، لا يجعل بينه وبين العذاب حجاب.
وأما تأويلهم الدخول، على الدخول في الرحمة، فلا يصح، كما لم يصح تأويل قوله: "ترون ربكم" على رؤية رحمته.
فإن قيل: قوله: "لو كَشَفها عن وجهه" معناه: لو كشف رحمته عن النار لأحرقت سُبُحات وجهه، أي أحرقت محاسن وجهه المحجوب عنه بالنار، فالهاء عائدةٌ على المحجوب لا إلى الله تعالى.
قيل: قد بَيَّنا أنَّ السُّبُحات صفة لوجهه سبحانه، وأنَّ الإِحراق يكون لجميع ما يدركه نوره (١).
فإن قيل: لا يصحُّ أنْ يكون المحدث ولا القديم محجوبًا بشيءٍ من سَوَاتر الأجسام المغطية المكتنفة المحيطة، وإنما يقال لهذه الأجسام الساترة أنها حجابٌ عن رؤية المحدث لما رآه، من أجل أنَّ المنع من الرؤية يحدث عنده فيسمى باسم ما يحدث عنده، وعلى هذا ما نقوله إنَّ البارئ سبحانه لا نراه في الدنيا لأنَّه في حجابٍ على طريق المجاز، وإنما المانع من رؤيته ما يحدثه من المنع، وإنَّما في حجابِ على طريق المجاز، وإنما المانع من رؤيته (٢) ما يحدثه من المنع، وإنَّما كان كذلك لأنَّ المانع من معرفة الشيء ورؤيته ومعاينته ما يمنع من وجود معرفته ومعاينته وما يمنع
стр. 315
من ذلك فهو الذي يضاد وجوده، وذلك لا يصح إلا في العَرَضين المُتَضادين المتعاقبين، ولا يصح أنْ يكون الجسم منها ولا مانعًا من عرض أصلًا لأنه لا يصح أنْ يكون بين العَرَضين والجسم تنافٍ وتضاد (١).
قيل: هذا لا يمنع من إطلاق اسم الحجاب على القديم سبحانه، كما لا يمنع من إطلاقه على غيره، وإن كان هذا المعنى الذي ذكروه موجودًا فيه.
٢٧٦ - وقد روى في معنى هذا حديث أبي القسم بن بشران بإسناده: عن النبي ﷺ قال: "مَنْ وَلَّاهُ الله مِنْ أمرِ النَّاسِ شيئًا، فاحْتَجَب عن حَاجتِهم وخَلَّتهم وَفَاقِتهم، احتَجَب الله يومَ القيامةِ عن حاجَتِهِ وَفاقتِه" (٢).
стр. 316
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 317
[إثباتُ رؤية المؤمنين لربِّهم جلَّ وعزَّ في الآخرة]
[حديتٌ آخر] (١)
٢٧٧ - روي من طرق مختلفة وألفاظ مختلفة، أبو القسم بإسناده: عن جرير بن عبد الله البجلي قال: خَرَجُ علينا رسول الله ليلة البدر فنظر إلى القمر فقال: "تَرَوْنَ ربكم يومَ القِيامَةِ، كما تُنظرونَ إلى هذا القَمَر لا تضامُّون في رؤيته" (٢).
٢٧٨ - وروى أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إنكم سَتَرَوْن رَبَّكم" قالوا: يا رسول الله نَرى ربنا؟، قال فقال: "هل تضارُّون في رؤية الشمس نصف النهار؟ قالوا: لا، فتضارون فى رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا، قال: "فإنكم لا تُضارون في رؤيته إلا كما تُضَارونَ في ذلك" (٣).
٢٧٩ - وروى أبو هريرة قال قلنا: يا رسول الله هل نَرى ربَّنا؟ قال: "هل تُضَارُّون في رُؤية القَمر ليس دُونه سَحَابة؟ " قال قلنا: لا، قال: "فهل تضارُّون برؤية الشمس ليستْ في سحابة؟ " قال قلنا: لا، قال: "كذلك تَلْقَون ربْكم" (٤).
стр. 318
٢٨٠ - وروى أبو عبد الله بن بطة في كتابه بإسناده: عن أنس بن مالك قال: سُئِل رسول الله عن هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: "الزِّيادة النَّظر إلى وجْهِ الله الكريم" (١).
٢٨١ - وروى بإسناده: عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ أدنى أهل الجنة منْزلة لَرَجل ينظرُ في ملكه أَلْفَي سَنَةٍ، يَرَى أَقْصاه كما يرى أدْنَاه، ينظر في أزواجِه وسرره وخدمه، وإنَّ أفْضَلُهم منزلة مَن ينظرُ في وجه الله في كل يوم مرتين" (٢).
стр. 319
٢٨٢ - وروى أيضًا بإسناده عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: "بينا هو يعلمهم شيئًا من أمْر دِينهم إذ شَخَصَتْ أبصارهم عنده فقال: "ما أَشْخَص أبصاركم عني؟ " قالوا: نظرنا إلى القمر، قال: "كيف بكم إذا رَأَيْتُم الله جهرة" (١).
стр. 320
٢٨٣ - وروى أيضًا بإسناده: عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "إنَّ أهْل الجنَّة يَرون ربَّهم تعالى في كُلِّ يوم جُمعة في رمال الكافور، وأقربهم منه مَجْلسًا أسرعهم إليه يوم الجُمعة، وأبكرهم غُدُوًا" (١).
اعلم أنَّ هذه أخبارٌ صحاحٌ يجب الأخذُ بها، نَصَّ عليه أحمد في رواية أبي الحارث فقال: أحاديث الرؤية صحاح جياد. وكذلك قال في رواية المروذي لما سأل عن أحاديث الرؤية: صِحَاحٌ جِيَاد.
وكذلك قال في رواية ابن منصور، وقد قيل له: تقول بهذه الأحاديث التي تُروى عن النبي ﷺ في الرؤية وتذهب إليها، وجمعها في كتاب وحدثنا بها.
وقال في رواية المروذي وحنبل وأبي داود: من قال إن الله لا يُرى في الآخرةِ فقد كفر.
فقد نصَّ على صحتها والأخذ بها، وتكفير من ردَّها.
وقد رواه البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري (٢).
فأما قوله: "كما ترون القمر" فلم يَقصد به إلا تحقيق رؤية العيان، لا تشبيه المرئي بالقمر في أنَّه محدود في جهة (٣)، وإنَّما معنا رؤيتكم لله يوم القيامة كرؤيتكم القمر ليلة البدر، أي كما لا تشكُّون ليلة البدر في رؤية القمر أنه