[إثباتُ رؤية المؤمنين لربِّهم جلَّ وعزَّ في الآخرة]
[حديتٌ آخر] (١)
٢٧٧ - روي من طرق مختلفة وألفاظ مختلفة، أبو القسم بإسناده: عن جرير بن عبد الله البجلي قال: خَرَجُ علينا رسول الله ليلة البدر فنظر إلى القمر فقال: "تَرَوْنَ ربكم يومَ القِيامَةِ، كما تُنظرونَ إلى هذا القَمَر لا تضامُّون في رؤيته" (٢).
٢٧٨ - وروى أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إنكم سَتَرَوْن رَبَّكم" قالوا: يا رسول الله نَرى ربنا؟، قال فقال: "هل تضارُّون في رؤية الشمس نصف النهار؟ قالوا: لا، فتضارون فى رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا، قال: "فإنكم لا تُضارون في رؤيته إلا كما تُضَارونَ في ذلك" (٣).
٢٧٩ - وروى أبو هريرة قال قلنا: يا رسول الله هل نَرى ربَّنا؟ قال: "هل تُضَارُّون في رُؤية القَمر ليس دُونه سَحَابة؟ " قال قلنا: لا، قال: "فهل تضارُّون برؤية الشمس ليستْ في سحابة؟ " قال قلنا: لا، قال: "كذلك تَلْقَون ربْكم" (٤).
стр. 318
٢٨٠ - وروى أبو عبد الله بن بطة في كتابه بإسناده: عن أنس بن مالك قال: سُئِل رسول الله عن هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: "الزِّيادة النَّظر إلى وجْهِ الله الكريم" (١).
٢٨١ - وروى بإسناده: عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ أدنى أهل الجنة منْزلة لَرَجل ينظرُ في ملكه أَلْفَي سَنَةٍ، يَرَى أَقْصاه كما يرى أدْنَاه، ينظر في أزواجِه وسرره وخدمه، وإنَّ أفْضَلُهم منزلة مَن ينظرُ في وجه الله في كل يوم مرتين" (٢).
стр. 319
٢٨٢ - وروى أيضًا بإسناده عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: "بينا هو يعلمهم شيئًا من أمْر دِينهم إذ شَخَصَتْ أبصارهم عنده فقال: "ما أَشْخَص أبصاركم عني؟ " قالوا: نظرنا إلى القمر، قال: "كيف بكم إذا رَأَيْتُم الله جهرة" (١).
стр. 320
٢٨٣ - وروى أيضًا بإسناده: عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "إنَّ أهْل الجنَّة يَرون ربَّهم تعالى في كُلِّ يوم جُمعة في رمال الكافور، وأقربهم منه مَجْلسًا أسرعهم إليه يوم الجُمعة، وأبكرهم غُدُوًا" (١).
اعلم أنَّ هذه أخبارٌ صحاحٌ يجب الأخذُ بها، نَصَّ عليه أحمد في رواية أبي الحارث فقال: أحاديث الرؤية صحاح جياد. وكذلك قال في رواية المروذي لما سأل عن أحاديث الرؤية: صِحَاحٌ جِيَاد.
وكذلك قال في رواية ابن منصور، وقد قيل له: تقول بهذه الأحاديث التي تُروى عن النبي ﷺ في الرؤية وتذهب إليها، وجمعها في كتاب وحدثنا بها.
وقال في رواية المروذي وحنبل وأبي داود: من قال إن الله لا يُرى في الآخرةِ فقد كفر.
فقد نصَّ على صحتها والأخذ بها، وتكفير من ردَّها.
وقد رواه البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري (٢).
فأما قوله: "كما ترون القمر" فلم يَقصد به إلا تحقيق رؤية العيان، لا تشبيه المرئي بالقمر في أنَّه محدود في جهة (٣)، وإنَّما معنا رؤيتكم لله يوم القيامة كرؤيتكم القمر ليلة البدر، أي كما لا تشكُّون ليلة البدر في رؤية القمر أنه
стр. 321
البدر، ولا يتخالجكم فيه رَيْبٌ وظن، كذلك ترون الله يوم القيامة معاينة يحصل معها اليقين.
وأما قوله: "لا تَضَامُّون في رُؤيته" (١) بالتشديد فقيل معناه: لا يَنْضم بعضكم إلى بعض، كما تَنْضَمُّون في رؤية الهلال رأس الشهر، بل تَرونه جهرةً من غير تكلفٍ لطلب رؤيته، كما ترون البدر -وهو القمر ليلة الرابع عشر- إذا عَايَنه المُعاين جهرةً لم يحتج إلى تكلف في طلب رؤيته.
وأما قوله: "لا تَضَامُون" مُخَفَّف فالمراد به الضَّيم، أي: لا يلحقكم فيه ضيم، والضيم والضرَّر واحد في المعنى. وأما قوله: "لا تضارُّون" أي لا يلحقكم ضَرَرٌ في رؤيته بتكلُّف طلبها كما يلحق المشقَّة والتَّعب في طلب ما يخفى ويدق ويغمض (٢).
وكل ذلك تحقيق لرؤية المُعانية، وأنها صِفَة تزيد على العلم.
فإنْ قيل: معناه رؤية العلم، وأنَّ المؤمنين يعرفون الله يوم القيامة ضرورة.
قيل: هذا غلط، من قِبَلِ أنَّ الرؤية إذا كانت بمعنى: العلم، تَعَدَّت إلى مفعولين، وذلك كما يقول القائل: رأيتُ زيدًا فقيهًا، أي علمته كذلك، فأمَّا إذا قال: رأيتُ زيدًا مطلقًا، فلا يُفهم منه إلا رؤية البصر، وقد حَقَّق ذلك بما أكَّده من تشبيه برؤية القمر ليلة البدر، وذلك رُؤية البصر لا رؤية علم.
стр. 322
وجواب آخر: وهو أنَّ النبي ﷺ بَشَّرَ المؤمنين من أصحابه بذلك، وهذا يُوجب أنْ يكون معنى يختصون به، فأما العلم بالله فمشترك بين المؤمنين والكافرين في القيامة، فَيْبْطُل معنى بشارته للمؤمنين بالرؤية.
وجواب آخر: وهو أنَّ في رواية أبي موسى: "ترون الله جهرة" وهذا يَرفَعْ الإشكال، لأن الرؤية وإنْ كانت تستعمل في معنى العلم، فبإنها إذا قُرِنَت بلفظ الجَهر لم تحتمل العلم، ومن ذلك قولهم: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]. يعني عيانًا (١) وكذلك في حديث ابن عمر: "وإن أفضلهم مَنْ ينظر في وجه ربه في كلِّ يوم مرتين" وهذا يمنع أنْ يكون المراد به العلم.
فأما ما روي في حديث ابن عباس ﵄: "إنَّ أهل الجنَّة يرون ربَّهم تعالى في كلِّ يوم جمعة في رمال الكَافُور، فأقْربهم منه مجلسًا أسرعهم إليه يوم الجُمعة، وأَبْكرهم غُدُوًا" فإنِّ أبا عبد الله بن بطة رواه عن أبي عمر عبيد الله بن مسح العَطَّار وأبي يوسف يعقوب بن يوسف ومحمد بن الحسين قالوا: نا أبو بكر عبد الله بن سليمان أبي داود السجستاني قال: نا عمي محمد بن الأشعث قال: نا ابن حسن قال: حدثني أبي حسن عن الحسن عن عبد الله بن عباس عن النبي ﷺ (٢).
٢٨٥ - ونا أبو القسم بلفظٍ آخر موقوفًا على ابن مسعود فقال: نا أبو القسم عبيد الله ابن أحمد بن علي القمري نما محمد بن مخلد نا إسحق بن إبراهيم البغوي نا وكيع عن المسعودي عن المنهال عن أبي عبيدة عن عبد الله قال: "إنَّ الله يَبْدُوا لأهلِ الجنَّة على كثيبٍ من كَافُور، فيكونون منه في
стр. 323
القُرْبِ على قدر تسرعهم إلى الجُمَع" (١).
فإن قيل: هذا تفرد به المنهال بن عمرو وهو ضعيف.
قيل: هذا لا يصح، لأنَّ أبا عبد الله بن بطة قد روى أصل الحديث عن النبي ﷺ من غير طريق المنهال بن عمرو، وعلى أنَّ المنهال بن عمرو الأسدي كوفي ثقة، وله تفسير أكْثر فيه الرواية عن سعيد بن جبير، وأخرج عنه أحمد أحاديث في المسند، وأخرج عنه البخاري حديثين مُسندين (٢).
стр. 324
وقد قيل: في قوله: "في كل يوم جمعة" معناه يرونه على مقادير أَوْقَاتٍ الدنيا وأيامها، كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]. وذلك على التقدير بأيام الدُّنيا وأوقاتها، لأنَّ ليس هناك غَدوه وعشية وجُمعة (١).
وأمَّا قوله: "في رمال الكافور" فلا يمتنع إطلاق ذلك عليه سبحانه، لا على وجه الانتقال، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢]. وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١]. وقد سبق الكلام في ذلك (٢).
وأمَّا قوله: "أقْرَبهم منه مجلسًا" فلا يمتنع حمله على ظاهره في القُرْبِ من الذات، وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ [النجم: ٨ - ٩].
وكذلك قول النبي ﷺ : "يؤتى بالعبدِ يوم القيامة فَيُدْنيه الله فيضع كنفه عليه" وقد بينا فيما تقدم أنَّ ذلك على ظاهره في الدَّنو من الذَّات، وهذا الخبر محمول على ذلك.
فإن قيل: يحملُ القُرب على القُربِ من الثَّواب والكرامة والرحمة.
قيل: هذا لا يصح لوجهين: أحدهما أنَّ رحمتَه وكرامتَه وثوابَه سابقٌ لرؤيتهم له.
стр. 325
والثاني: أنه إنْ جازَ تأويله على هذا، جازَ تأويل قوله: "ترون ربكم" على التَّعَطُّفِ والرحمة والكرامة، وقد اتفقنا ومثبوا الصَّفَات على فساد هذا التأويل، كذلك ها هنا.
فأمَّا قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]. فالمراد به علمه لأنَّه قد تقدم ذِكْر العلم في أولِ الآية بقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ فوجبَ حمله على العلم (١).
٢٨٦ - وقد قال أحمد في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]. علمه لأنه افتتح الآية بالعلم بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ وختم بالعلم بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
وأما قوله: "من قرب شبرا قربت منه ذراعًا" فإنَّ تَقَرُّب العبدُ إليه بالأعمال الصالحة، وأمَّا تقربه إلى عبده فبالثواب وبالرحمة والكرامة، لأنه رُوي ذلك مفسرًا في بعض ألفاظِ الحديث، وقد ذكرناه في الكلام على قوله: "يُدني عبده حتى يضع عليه كنفه"، وذكرناه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ومن جاء يمشي أقْبَل الله إليه بالخير يُهرول" (٢). فقد نصَّ على أنَّ إقبال عليه بالخير، فدل على ذلك.
وفي هذا الفصل حكايتين ذكرهما أبو بكر أحمد بن محمد الخلال في "سُننه":
٢٨٧ - أحدهما: قال سمعت أبا سعيد الفقيه المصيصي الحسن بن علي بن عمر قال: قال أبو صفوان: رأيت المتوكل في النَّوم وبين يديه نارٌ مُؤججةٌ عظيمةٌ، فقلت: يا أمير المؤمنين لمن هذه؟ قال: لإبني
стр. 326
المنتصر لأنَّه قتلني، وتدري لم قتلني؟ لأنِّي حدَّثته أنَّ الله يُرى في الآخرة.
قال أبو سعيد فقال: إبراهيم الحربي: هذه رُؤيا حق، وذلك أنَّ المتوكل كَتَب حديث حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن حُدُس في الرؤية بيده عن عبد الأعلى وقال: لا أكتبه إلا بيدي.
٢٨٨ - والحكاية الأُخرى: قال: أنا أبو بكر المروذي قال سمعت القواريري يقول: رأيتُ أحمدَ بن حنبل في النَّوم فقال: المؤمنُون ينتظرون أنْ يرون ربَّهم، فأمَّا الكفار فلا يجوز أنْ يرون الله تعالى.
٢٨٩ - وحكى ابن فورك (١) عن أبي بكر خزيمة أنَّ ذكر في كتاب "التوحيد" أنَّ من الكفار مَنْ يَرَى الله يوم القيامة رؤيةَ امتحان، قبل أنْ يُوضع الجِّسْر بين ظهراني جهنم (٢).
стр. 327
. . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 328
. . . . . . . . . . . . .
стр. 329
. . . . . . . . . . . . .
стр. 330
وأنكر ابن فُورك هذه المقالة وقال: هي مُحدثة لأنَّ مِنَ النَّاس مَن مُنعَ الرؤية، وقال لا يراه مُؤمنٌ ولا كافر، وهم المعتزلة، ومنهم من قال يَرَاه المؤمنون دون الكافرين، ومنهم من قال -وهو ابن سالم (١) - يراه جميع الكفار وكان مذهبًا (٢) مرغوبًا عنه مُبدعًا فيه عند علماء العراق والحجاز.
وقد احتج ابن خزيمة لقوله بما تقدمت من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "يجْمَعُ الله النَّاس فيقول من كانَ يعبد شيئًا فَلْيتَّبعه، فيتبع من كان يعبد القمر، ومن كان يعبدُ الشَّمس، ومن كان يعبدُ الطَّواغِيت، وتبقى هذه الأُمة فيها مِنَافِقُوها فيَأتيهم الله في غير الصُّورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربُّكم، فيقولون نَعُوذُ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتي ربُّنا، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه".
والجواب: أنَّه ليس في هذا ما يدلُّ على الرؤية، وإنَّما فيه أنَّه يخاطِبهُم وقد يجوز أنْ يُخاطِب الخلق من غير أنْ يروه.
* * *
стр. 331
[حَديثٌ آخَرٌ]
٢٩٠ - رواه أبو عبد الله بن بطة بإسناده: عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْكم مِنْ أحدٍ إلا سَيَخْلوا الله به يوم القيامة، ليسَ بَيْنه وبَيْنه حِجابٌ أو تَرْجُمانٌ" (١).
اعلم أنَّ هذا الخَبَر في معنى الذي قبله من القُرب منه، لأنَّ الخلوَ عبارةٌ عن القُرب، ولهذا إذا قيل: خلا الوزير بالخليفة، المراد به القُرب، وقد بينَّا جواز إطلاق الدُّنو والقرب من الذات، كذلك لا يمتنع جواز الخَلْوة لأنَّ معناهما واحد.
٢٩١ - وقد نصَّ أحمد على الأخذِ بظاهر الحديث في رواية حنبل فقال: لا نُزيل عنه صفة من صفاتٍ ذاته بشَنَاعةٍ شُنِّعَتْ، ووصف به نفسه، من
стр. 332
كلام ونزولٍ وخَلْوةٍ بعبده يوم القيامة، ووضعه كنفه عليه.
فإنْ قيل: يحمل ذلك على أنَّه يُفْرده يوم القيامة بكلامٍ لا يسمعه غيره بل يختص بسماعه المكلم، لأنَّ معنى ذلك في كلام العرب الانفراد، ومن قولهم: خَلَا فُلان بعمله وخَلا فلان بنفسه، معناه: الإنفراد، وكذلك ها هنا.
قيل: هذا غلطٌ، لأنَّه إذا جازَ حَمْله على الإنفراد بالكلام، جاز حمله على الانفراد بالقُرب، إذ معناهما يرجعُ إلى الكرامة والمنزلة.
* * *
стр. 333
[حديثٌ آخر]
٢٩٢ - حدثنا أبو القسم بإسناده: عن أبي هريرة أن رسول الله- ﷺ قال: "لَمَّا خلق الله تعالى آدم نَفَخ فيه الرِّوح عَطَس، فقال: الحمد لله، فحمد الله بإذن الله، فقال له ربه: يرحمك رَبُّكَ يا آدم، ثم قال: اذهبْ إلى أولئك الملائكة إلى ملأ منهم جُلُوسًا، فقُل: السَّلام عليكم، فقال: السَّلام عليكم، فقالوا: السَّلام عليك ورحمة الله، ثم رَجَع إلى ربَّه فقال: هذه تحيتك وتحية ذريتك بينهم، ثم قال له ويَدَاه مَقْبوضَتان: يا آدم اخْتَر أَيُّهما شئت قال: اخْتَرتُ يمينَ رَبيِّ، وكلْتا يَديَه يمينٌ مُباركة" (١).
أمَّا قوله: "نفخ فيه الروح" فقد أطلق ذكر الرُّوح ها هنا، وقد أضافها إلى نفسه في القرآن فقال: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩]. فمعنى إضافته إليه من طريق المُلْك والفِعل، وأضافه (٢) إلى نفسه لتشريف شأنه، والرفعة من حاله، كما خَصَّ بعض البيوت بالإضافة إلى نفسه.
٢٩٣ - وقد نصَّ أحمد على معنى هذا فيما خرَّجه في "الرد على الزنادقة والجهمية" فقال: وأما قوله جل ثناؤه ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] يقول: مِنْ أمره (٣)، كما قال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]. أي: من أمره، وتفسير روح الله إنما معناها أنها روحٌ (٤)
стр. 334
خلقها الله، كما يقال عبد الله، وسماء الله، وأرض الله (١).
стр. 335
وأما قوله: "رحمك ربك" حين عطس آدم ﵇، فإنَّه يفيد مخاطبته له من غير واسطة ولا ترجمان، تشريفًا له وتعظيمًا على غيره من المكلمين.
وأما قوله: "ثم رجع إلى ربِّه فقال هذه تحيتك" ظاهرة يقتضي رُجوعًا إلى المكان، وقد حمله بعضهم على الرجوع إلى الخطاب والمسائلة، وليس في حمله على المكان ما يُحير الصِّفات.
وأما قوله: "اخترت يمين ربي" فقد تقدم الكلام فيه، وقلنا لا يمتنع إطلاق اليمين عليه، كما جاز إطلاق اليدين (١).
* * *
стр. 336
[حَديثٌ آخر]
٢٩٤ - ذكره ابن فورك ولم يقع لي طريقه عن النبي ﷺ أنَّه قال: "إن الله يَطْوي المظالم يوم القيامة (١) فيجعلها تحتَ قَدَمَيه، إلا مَا كَان من أَجْر الأجير، وعَقْر البَهيمة، وفض الخاتم" (٢).
اعلم أنَّا قد بَينَّا جواز إطلاق اسم "القدم" في صفته، لا على وَجه الجارحة والبعض والعضو، كما جاز إطلاق اليدين والوجه، وَبينَّا ذلك فيما تَقدَّم، وتكلَّمنا على تأويل من تأوَّل القَدم على وجوه، والمراد بهذا الخبر تَعريفنا مَراتب الأعمال، وأنَّ منها إلى العَفْو عنه أقرب من غيره، وهذا المتعارف في استعمال اللُّغة، في الشَّئ الذي لا تنافس ولا يطالب به: قد جعلته تحت قدمي، إذا أراد الإعراضَ عنه.
٢٩٥ - ومثل هذا: ما روي عن النبي ﷺ لما فَتَح مكة قَامَ على بَابِ الكعبة فقال: "كلُّ دَمٍ كانَ في الجَاهِليَّة، قَدْ جَعَلْتُه تحت قدمي" (٣) على
стр. 337
معنى: قد أَعرضت [عن] المنافسة فيه، والمطالبة به.
فإن قيل: هذا تمثيلٌ (١) بالأمر الذي يُوطَأُ بالقَدَم، إذا أراد ستره والإعراض عنه، قيل: اجعله تحت قدمك تمثيلًا.
قيل: لا يجب حمله على ذلك، إذ ليس في حمله على ظاهره ما يُحيل صفاته من الوجه الذي بيَّنا.
* * *
стр. 338
[إثباتُ صفة "الكفِّ" للرحْمَنِ جَلَّ شأنه]
[حَديثُ آخر]
٢٩٦ - أبو القسم بإسناده: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله يَقْبَلُ الصَّدَقَاتَ، ولا يَقْبَل مِنْها إلا الطَّيِّب، فَيَأْخُذها بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيها كما يُرَبِّي أحَدُكم فَلُوَّه أو فَصيلَه" (١).
стр. 339
وفي لفظ آخر قال: "مَنْ تَصَدَّق بِتَمْرةٍ مِنْ كَسْبِ طَيَّبٍ، ثُمَّ وَضَعَهَا فِي مَوْضِعِها، أَخَذَها الله بِيَمِينِهِ، فَلمْ يَزَلْ يُرَبِّيها كما يُرَبِّي أَحَدُكُمَ فَلُوَّهُ، حَتَّى تكونَ مَثْلَ الجَبَل أو أَفْضَل" (١).
وفي لفظٍ آخر: "إنَّ الله يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ بِيَمنِهِ، ولا يَقْبَلُ مِنها إلا مَا كَانَ طيِّبًا، وإنَّ الله لَيُرَبيِّ لأَحَدِكُم صَدَقَته، كما يُرَبيِّ أَحَدُكُم مَهْرَهُ أو فَصِيلَه حَتَّى يُوافي بها يومَ القيامةِ وهي أَعْظَم من أُحُد" (٢).
стр. 340
٢٩٧ - وفي حديث آخر: رواه ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "تَصَدَّقُوا فإنَّ أَحَدَكم يُعْطي اللُّقْمة أو الشَّيء، فَيَقَع في يد الله تعالى قبلَ أنْ تَقَعَ في يَدي السَّائل، ثُمَّ تَلَى هذه الآية: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ١٠٤]. فيُربِّيها كما يُرَبيِّ أَحدكُم مَهْرَهُ أو فَصِيله، فيُوفِّيها إيَّاهُ يومَ القيامة" (١).
اعلم أنَّه غيرُ ممتنع حملُ الخَبَر على ظاهره، إذ ليس فيه ما يُحيل صفاته، ولا يخرجها عما تستحق، لأنَّا لا نُثْبتْ "كفًّا" (٢) هُو جارحة ولا بَعض، بل
стр. 341
نثطلق كفًا هو صفةٌ كما أطلقنا يدين ووجهًا وعينًا وسمعًا وبصرًا وذاتًا، كذلك لا يمتنع إطلاق ذلك في الكَفِّ، ويكون فائدة الخبر الترغيب والحث في الصَّدقة، وأنَّها مما يَجَبُ أنْ يُقصد بها الطَّيب من المال، لحصولها في كَفِّ الرحمنِ، وأنه لا يقبل منا إلا الطَّيب.
فإن قيل: معنى الكفِّ ها هنا: المُلكُ والسُّلطان، فيكون تقديره يقع في ملكه وسلطانه، قال الأخْطَل (١):
أَعَاذِلَ إنَّ النَّفْسَ في كَفِّ مَالكٍ … إذا ما دَعَا يومًا أجَابَتْ به الرسلا
وكان عمر ﵁ يُنشد كثيرًا هذين البيتين:
هَوَّن عليكَ فإنَّ الأَمورَ … بكفِّ الإلهِ مَقادِيرها
فليس بآتِيكَ مَنْهِيُّهَا … ولا قَاصِرٌ عنكَ مَأمُورُها (٢)
وهذا مستعمل في كلامهم: فلان في كفي، يُريدون بذلك يَجْري عليه أمري، وربما قيل المراد بالكف: الأثرُ والنِّعمة، ومعناه تقع منكم بنعمةٍ من الله وتوفيقه إياكم لفعلها، ومنه قول ذي الإصبع (٣):
стр. 342
زَمَانٌ به لله كفٌّ كريمة … علينا ونعمًا لهن بَشير
أرادَ بذلك نعمة ظاهرة لله فيه (١).
قيل: هذا غلطٌ، لأنه ليس شيءٌ من الأشياءِ خارجٌ عن ملكه وسُلطانه، ومن نفى ذلك كفر، وكذلك جميع الطَّاعات تقع بنعمةٍ من الله وتوفيقه، وإذا كان كذلك، فلا فائدة في تخصيص الصَّدقة بالنِّعمة وغيرها من الطاعات من جُملة نِعَمِه، وكذلك لا فائدة في تخصيص الصَّدقة بالمُلْكِ والسُّلطان وغيرها في ملكه وسلطانه، فوجب حمل الخبر على ظاهره، وما قاله الشاعر فهو على طريق المجاز، لأنَّ الحقيقة في هذه التَّسمية خِلافُ ذلك، ولا يَجوز إضافة المَجَازِ إلى صفات الله، لانَّ المجاز لا حَقيقة له.
فإن قيل: كيف يصح حمله على ظاهره، والصَّدقة من جُملة المُحْدَثات، والمحدثات لا تلاقي القديم!.
قيل: كما صَحَّ حمل قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]. على ظاهره وإنْ كان آدم من جملة المُحدثات، كذلك ها هنا لا يمتنع حمل (٢) ذلك على ظاهره
стр. 343
على وجه لا يقتضي الملاقاة (١) كما قلنا في خلق آدم.
٢٩٨ - وفي معنى هذا الحديث: ما ناه أبو القسم نا محمد بن عبد الرحمن بن العباس البزاز نا عبيد الله بن عبد الرحمن السكري نا أحمد بن يوسف ابن خلد التغلبي نا صفوان بن صالح نا الوليد بن مسلم قال حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم عن ضمرة بن حبيب قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ دَمْعَةٍ تَقَعُ من عَين يَتيم، إلا وَقَعت في كَفِّ الرحمن، وذلك أنْ لا يظلمه ولا يُؤذيه في غير حق" (٢).
* * *
стр. 344
[إثباتُ صِفَةُ الأَصابع للرَّحْمَنِ سُبحانه]
[حديثٌ آخر]
٢٩٩ - حدثنا أبو القسم بإسناده: عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ يُكْثِر أنْ يقول: "يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبي على دينك" قالوا يا رسول الله: آمنَّا بكَ وبما جِئْتَ بهِ، فَهَل تخافُ علينا؟ قال: "إنَّ القُلُوب بين أُصْبُعَينِ مِنْ أَصابعِ ألله يُقَلِّبُها".
وفي لفظٍ آخر: "إنَّ القُلُوب بيدِ الله يقلبها" (١).
стр. 345
٣٠٠ - وناه بإسناده: عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "مَا مِنْ قَلْبِ ابن آدم إلا بَيْنَ أُصْبُعَين مِنْ أَصَابعِ الرَّحمن ، فإذا شَاءَ أن يُقِيمَه أقَامَه، وإذا شاءَ أن يُزيغَه أزَاغه" (١).
٣٠١ - وناه لفظًا بإسناده: عن أم سلمة زوج النبي قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: "يَا مُقَلَّب القُلوب ثَبِّت قَلْبي على دينك" قالت: قلت: يا رسول الله! وَتَخافُ على قَلبك وقد عَصَمه الله بالوَحي؟ قال: "إنَّ قَلَبَ ابنَ آدم بينَ أُصْبُعَينِ مِن أَصَابع الله -السَّبابة والتي تليها- فإذا أراد الله تعالى أنْ يُزيغَ قلبَ عبدٍ أزاغَه، وإذا أراد أنْ يُثَبِّتَه ثَبَّتَه".
حدَّثناه عن أبي بكر عبد العزيز في الإجازة نا علي بن محمد بن أحمد الواعظ نا أبو الزِّنْبَاع رَوْحُ بن الفرج نا عيسى بن يونس نا ضمرة عن ابن شَوْذَب عن أيوب عن أبي قلابة عن أم سلمة (٢).
стр. 346
٣٠٢ - وناه بإسناده: عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنَّه سمع رسول الله يقول: "إنَّ قُلُوبَ بني آدمَ كُلَّها بينَ أُصْبُعَينِ مِنْ أَصَابعِ الرَّحمنِ كَقَلْبٍ واحدٍ، يُصرفه (١) كيف يشاءه" وقال رسول الله ﷺ : "اللهم مُصَرِّفَ القُلوبِ اصْرِفْ قُلُوبَنَا إلى طاعتك" (٢).
стр. 347
٣٠٣ - وناه أبو القسم قال: أبو القسم عبد الله بن إبراهيم بن محمد القاضي (١) نا أحمد بن الحسن الرازي نا مقدام بن داود نا عبد الله بن محمد بن المغيرة نا سفيان عن الأعْمَش عن أبي سُفيان عن جابر بن عبد الله قال: كانَ رسول الله ﷺ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ: "يَا مُقَلِّبَ القُلُوبَ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا على دينكَ" فقال له بعضُ أصحابه: أَتَّخافُ علينا وقد آمنَّا بكَ، وبما جئت به؟ فقال: "إنَّ القُلُوبَ بين أُصْبَعَينِ من [أصابع] (٢) الله يُقَلِّبها هكذا وهكذا، يُقلِّبُ أُصْبُعيه" (٣).
٣٠٤ - ونا أبو القسم بإسناده: عنْ النَّواس بن سَمْعان الكلابي أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "مَا مِنْ قَلْبٍ إلا وَهو بينَ أُصْبُعَينِ مِنْ أَصَابعِ ربِّ العَالمين
стр. 348
جلَّ اسمه، إذا شاء أنْ يُقِيمَه أقَامه، وإذا شاء أنْ يُزيغَه أَزَاغَه" قال رسول الله ﷺ يقول: "يا مُقَلِّب القُلوبِ ثَبِّتْ قُلُوبنَا على دينك" قال: "والميزانُ بيدِ الرَّحْمن جلَّ اسمه، يرْفَعُ أَقْوامًا، ويَضَعُ آخرين إلى يوم القيامة" (١).
اعلم أنه غير ممتنع حمل الخبر على ظاهره، في إثبات الأصابع والسَّبَّابه والتي تليها، على ما رُوي في حديث جابر، إذْ ليس في حمله على ظاهرهِ ما
стр. 349
يُحيل صفاته، ولا يخرجها عما تستحقه، لما بينَّا في الخبر الذي قبله، لأنَّا لا نُثْبت أَصَابِعًا هي جارحة ولا أَبْعاضًا، وإنَّما نطلق ذلك كما أطلقنا تَسْمية اليَدَين والوَجه والعَين وغير ذلك، ويكون المقْصود بالخبر الفَزَع من الله سبحانه والمسارعة إلى الطَّاعات والخوف من سُوءِ المنقلب (١).
فإن قيل: يُحتمل أنْ يكون المرادُ بالأَصابع المُلْك والقُدرة، ويكون فائدته أنَّ قُلوبهم في قبضته جارية على قدرته، وذكر النبي ﷺ هذا على طريق المثل، كما يقال: ما فلان إلا في يدي وخنصري، ويريد بذلك أنَّه عليه مُسَلَّطٌ، وأنَّه لا يتعذر عليه ما يريده منه، ويحتمل أن الأُصْبُعَين ها هنا بمعنى النِّعمتين، وقد تقول العرب: لفلانٍ على فلان إصبع حَسَنٌ، إذا أَنعم عليه نِعْمةَ حسنة، ومنه قول الشاعر:
ضَعِيفُ العَصا بَادِي العُرُوق تَرَى له … عليه إذا مَا أَجْدَبَ النَّاسُ إصْبَعَا (٢)
стр. 350
أي إذا ما وقع الناس في الجَذْبِ والقحْط، له عليه أثَرٌ حَسن، ويحتمل أنْ يكون معناه بين أَثرين من آثار الله ، وفعلين من أفعاله (١).
قيل: هذا غلطٌ لوجوه:
أحدها: أنَّ حَمْله على المُلك والقُدرة والنِّعم والآثار، يُسقط فائدة التخصيص بالقَلب، لأنَّ جميع الأشياء هذا حكمها، وأنها في ملكه وبنعمه وبآثاره.
الثاني: أنَّ في الخبر ما يُسْقِط هذا، وهو قوله: "بين السَّبابة والتي تليها وأشار بيده هكذا وهكذا" وهذا يَمنع من صحة التأويل.
الثالث: أنَّه لو كان المراد به النِّعمتين، لكان القلبُ مَحْفوظًا بها ولم يَحتج إلى الدعاء، وَلمَّا دَعَا بالتَّثْبيت، لم يصح حمله على النعمتين، وهذا الثالث جواب ابن قتيبة، لأنَّه إذا كان بين نعمتين كان مَحْفوظًا بتلك النِّعمتين (٢).
وأما قول الشاعر فهو على طريق المجاز، فلا يَجوز استعماله في صفات الله تعالى، لأنَّه لا حقيقة للمجاز.
وأمَّا قوله: "والميزان بيد الرحمن يَرفَعُ أقوامًا ويَضَعُ آخرين" فلا يمتنع
стр. 351
إضافة ذلك إليه، كما لم يمتنع إضافة الخَلْقِ لآدم بيده، ونظير هذا قول النبي ﷺ : "كتَبَ التَّوراةَ بيده" (١).
وليس القائل أنْ يَقول: إنَّا أَثْبَتنا خلق آدم بيده من طريقٍ مقْطُوعٍ عليه، وهو القرآن، لأنَّ خبر الواحد إذا تَلَقَّتْه الأُمة بالقَبُول صار في حكم المقطوع عليه، وليس لهم أنْ يَقُولوا إنِّ ذلك قُصِدَ به فضيلة آدم، وهذا المعنى معدوم ها هنا، لأنَّ في ذلك تفضيلًا لبعض خلقِه على بعض، تشريفًا لهم وتكريمًا وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠].
* * *
стр. 352
[حَديثٌ آخَرٌ في الإِصْبَع]
٣٠٥ - ناه أبو القسم بإسناده: عن عبد الله قال: أتَى النبي ﷺ رجلٌ من اليهود فقال: يا أبا القاسم! أَبَلَغَكَ أَنَّ الله يَحملُ السَّماواتِ على إصْبَعٍ، والأَرْضِينَ على إصْبَع، والشَّجَرَ على إصْبَع، والخَلَائِق على إِصْبَع، ثم يقول: أنَا الملكُ، قال: فرأيتُ رسول الله ﷺ ضَحكَ حتى بَدَتْ نَواجِذُهُ، فأنزل الله : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] (١).
وفي لفظٍ آخر قال: "إنَّ الله يُمْسك السماوات على إِصبع، والأرضين على إصبع، والجبال والشجر على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم يقول: أنا الملكُ، فضحك رسول الله حتى بَدَتْ نَواجِذَهُ، ثم قَرَأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧]، إلى الآية (٢).
стр. 353
وفي لفظ آخر: "قال يَا محمد! إذا كان يومُ القيامة وضع ربُّك جلَّ اسمه السَّماء على هذهِ، والأرضَ على هذِه، والجبال على هذِهِ، والماءَ، والثَّرى على هَذِهِ، وسائَر الخَلْقِ على هَذِهِ، ثم هَزَّهُنَّ فقال: أين الملوك؟ لي الملك اليوم، قال فضحك رسول الله ﷺ " (١).
وفي لفظٍ آخر: رواه أبو بكر الخلال بإسناده: عن ابن عباس ﵄: قال مرَّ يَهوديٌ برسول الله ﷺ وهو جالسٌ قال: كيف تقول يا أبا القاسم، يَومَ
стр. 354
يَجعلُ الله السَّماء على ذِه، وأشار بالسَّبَّاحَةِ، والأرضَ على ذِه، والجبال على ذِه، وسَائرَ الخَلْقِ على ذِه، وجعل يشير بإصَابعه، قال: فأنْزل الله : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ﴾ [الزمر: ٦٧] الآية (١).
стр. 355
إعلم أنَّه غيرُ مُمتنعٍ حَملُ الخبر على ظاهِرِه، وأنَّ الإِصْبَعَ صفةٌ ترجع إلى الذات، وأنَّه تجوز الإشارة فيها بيده.
٣٠٦ - نص عليه أحمد في رواية أبي طالب: سئل أبو عبد الله عن حديث الحَبر "يضع السَّماوات على إصْبَع، والأرضين على إصْبَع، والجبالَ على إصْبع" يقول إلا شَارَ بيده هكذا، أي يشير، فقال أبو عبد الله: رأيت يحيى يحدث بهذا الحديث ويضع إصْبعًا إصْبعًا، ووضع أبو عبد الله الإبهام على إصْبَعه الرابعة، من أسْفل إلى فوق على رأسِ كل إصْبَع (١). فقد نصَّ على ذلك.
٣٠٧ - وذكر هبة بن منصور الطبري (٢) في كتاب "السُّنَّة" فقال: سمعت أبا محمد الحسن بن عثمان بن جابر قال سمعت أبا نصر أحمد بن يعقوب بن زاذان قال: بَلَغني أنَّ أحمد بن حنبل قَرَأَ عليه رجلٌ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ