← Акыда

Акыда · id 730

إبطال التأويلات - ط غراس

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (691 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

إضافة ذلك إليه، كما لم يمتنع إضافة الخَلْقِ لآدم بيده، ونظير هذا قول النبي ﷺ : "كتَبَ التَّوراةَ بيده" (١). وليس القائل أنْ يَقول: إنَّا أَثْبَتنا خلق آدم بيده من طريقٍ مقْطُوعٍ عليه، وهو القرآن، لأنَّ خبر الواحد إذا تَلَقَّتْه الأُمة بالقَبُول صار في حكم المقطوع عليه، وليس لهم أنْ يَقُولوا إنِّ ذلك قُصِدَ به فضيلة آدم، وهذا المعنى معدوم ها هنا، لأنَّ في ذلك تفضيلًا لبعض خلقِه على بعض، تشريفًا لهم وتكريمًا وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]. * * *

стр. 352

[حَديثٌ آخَرٌ في الإِصْبَع] ٣٠٥ - ناه أبو القسم بإسناده: عن عبد الله قال: أتَى النبي ﷺ رجلٌ من اليهود فقال: يا أبا القاسم! أَبَلَغَكَ أَنَّ الله يَحملُ السَّماواتِ على إصْبَعٍ، والأَرْضِينَ على إصْبَع، والشَّجَرَ على إصْبَع، والخَلَائِق على إِصْبَع، ثم يقول: أنَا الملكُ، قال: فرأيتُ رسول الله ﷺ ضَحكَ حتى بَدَتْ نَواجِذُهُ، فأنزل الله : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] (١). وفي لفظٍ آخر قال: "إنَّ الله يُمْسك السماوات على إِصبع، والأرضين على إصبع، والجبال والشجر على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم يقول: أنا الملكُ، فضحك رسول الله حتى بَدَتْ نَواجِذَهُ، ثم قَرَأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧]، إلى الآية (٢).

стр. 353

وفي لفظ آخر: "قال يَا محمد! إذا كان يومُ القيامة وضع ربُّك جلَّ اسمه السَّماء على هذهِ، والأرضَ على هذِه، والجبال على هذِهِ، والماءَ، والثَّرى على هَذِهِ، وسائَر الخَلْقِ على هَذِهِ، ثم هَزَّهُنَّ فقال: أين الملوك؟ لي الملك اليوم، قال فضحك رسول الله ﷺ " (١). وفي لفظٍ آخر: رواه أبو بكر الخلال بإسناده: عن ابن عباس ﵄: قال مرَّ يَهوديٌ برسول الله ﷺ وهو جالسٌ قال: كيف تقول يا أبا القاسم، يَومَ

стр. 354

يَجعلُ الله السَّماء على ذِه، وأشار بالسَّبَّاحَةِ، والأرضَ على ذِه، والجبال على ذِه، وسَائرَ الخَلْقِ على ذِه، وجعل يشير بإصَابعه، قال: فأنْزل الله : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ﴾ [الزمر: ٦٧] الآية (١).

стр. 355

إعلم أنَّه غيرُ مُمتنعٍ حَملُ الخبر على ظاهِرِه، وأنَّ الإِصْبَعَ صفةٌ ترجع إلى الذات، وأنَّه تجوز الإشارة فيها بيده. ٣٠٦ - نص عليه أحمد في رواية أبي طالب: سئل أبو عبد الله عن حديث الحَبر "يضع السَّماوات على إصْبَع، والأرضين على إصْبَع، والجبالَ على إصْبع" يقول إلا شَارَ بيده هكذا، أي يشير، فقال أبو عبد الله: رأيت يحيى يحدث بهذا الحديث ويضع إصْبعًا إصْبعًا، ووضع أبو عبد الله الإبهام على إصْبَعه الرابعة، من أسْفل إلى فوق على رأسِ كل إصْبَع (١). فقد نصَّ على ذلك. ٣٠٧ - وذكر هبة بن منصور الطبري (٢) في كتاب "السُّنَّة" فقال: سمعت أبا محمد الحسن بن عثمان بن جابر قال سمعت أبا نصر أحمد بن يعقوب بن زاذان قال: بَلَغني أنَّ أحمد بن حنبل قَرَأَ عليه رجلٌ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ

стр. 356

مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] ثم أوْمى بيده، فقال له أحمد: قطعها الله وَحَردَ وقام (١). وهذا محمولٌ على أنَّه قَصَدَ التشبيه، والموضعُ الذي أجازَه إذا لم يقصد ذلك، والوجه فيه: أنَّه ليس في حمله على ذلك ما يُغيِّر صفاته، ولا يخرجها عما تستحقه، لما بَيَنَّا في الحديث الذي قبله، وهو أنَّه إثباتَ الأصَابع كإثبات اليدين والوجه. فإن قيل: المرادُ به إصْبَع بعض خَلْقٍ يخلقه، قالوا لأنَّ النبي ﷺ لم يقل في الخبر على إصْبَعه، بل أطلق ذلك فيحمل عليه (٢). قيل: هذا غلطٌ لوجهين: أحدهما: أنَّ في الخبر يُسقط ذلك، وهو قوله: "وسائر الخلْق على هذه" فاقتضى ذلك أنَّه لم يبق مَخلوقٌ، إلا وهو على الإِصْبَع، فلو كان المرادُ به إصبَع بعض خلقه، لَخَرج بعضُ الخلق عن أن يكون على الإصبع. وهذا خلاف الخبر. الثاني: أنَّ المفسرين قالوا: إنَّما يكون ذلك عند فَناءِ خلقه وإماتتهم، فلا يكون له مُجيبٌ غير نفسه ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] فدلَّ بهذا على أنَّه لم يَبْقَ هناك خَلقٌ يضع السَّماوات على إصْبعَه. فإن قيل: ففي الخبر ما يدلُّ على القدرة، وهو قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] (٣). قيل: معناه ما عَرَفوا الله حقَّ معرفته، وإذا كان هذا معناه، لم يكن المراد به القُدْرة، وهذا الحديث ذكره البخارى ومسلم في الصحيحين. * * *

стр. 357

[إثباتُ صِفَةُ القَبضِ والبَسط لربنا تعالى] [حَديثَ آخر] (١) ٣٠٨ - ناه أبو القسم بإسناده: عن نافع عن ابن عمر قال: صعد رسول الله ﷺ المنبر فتلى هذه الأية: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧]. قال رسول الله ﷺ : "يأخُذُ الله السَّماواتِ والأَرْضينَ بيده، ثم يقول: أنَا المَلِكُ، فما زال يَقُولها حَتَّى رَجَفَ به المنْبر، حتى ظَنَّنَا لَيَخِرُّ به المنبر من رجفانه" (٢). وفي لفظٍ آخر: "إنَّ الله إذا كان يوم القيامة جَمَعَ السَّماوات والأرْضين السَّبع في قبضته، ثم بَسَطَها، ثم يقول: أَنَا الله أَنَا الرحمنَ أَنَا المَلِكُ أنا القُدُّوسُ أنا السَّلام أَنَا المؤمِنُ أَنَا المُهَيمنُ أَنَا المُهَيْمنُ أنَا العَزِيزُ أَنَا الجَبَّارُ أَنَا المُتَكَبر، أينَ الجبابرة" (٣). وفي لفظ آخر: قال: "يَطْوي الله تعالى السَّماوات يومَ القِيامة، فَيَأْخذها بيده

стр. 358

اليمنى، ثم يقول: أنَا الملَكُ، أينَ الجَبَّارون، وأين المُتكَبرونَ، ثم يَطوي الأرضين ثم يأخذهنَّ بشماله، فيقول: أنَا الملكُ أينَ الجبَّارون أين المتكبرون؟ " (١). وفي لفظ آخر: "يأخُذُ الجبار تعالى سَماواتِهِ وأَرْضِه" وجعل رسولُ الله يَقْبِضُ يديه ويَبْسُطُها، ويقول: أَنَا المَلِكُ أين الجبَّارُون؟ أين المتكبرون؟ " (٢)

стр. 359

ولفظ "الشمال" قد ذكره مسلم في صحيحه. ٣٠٩ - ونا أبو محمد الحسن بن محمد بإسناده: عن ربيعة الجُرَشي "والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بيمينه" قال: "والأخرى خَلْوٌ ليس فيها شيء" (١). اعلم أنَّه غير مستحيل إضافة "القبْضِ والبَسْطِ" إلى ذاته سبحانه، كما لم يستحل إضافة خَلق آدم بيده إلى ذاته، والإستواء على عرشه، وقد عَضَدَ ذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: ٢٤٥]. فوصف نفسه بذلك. فإن قيل: القبض والبَسط راجعٌ إلى القُدرة والسُلطان. قيل: هذا غلطُ، لما بينا فيما قبل، وأنَّ جميعَ الأشياءِ في قُدرته وسُلطانه،

стр. 360

فلا معنى لتخصيص السماء والأرض بذلك، ولأنَّه قال: "يأخذه بيده اليمني" وفي لفظٍ آخر: "بشماله" وهذه صِفَةُ ذاتٍ لا تختص القدرة والسلطان (١). فإنْ قيل: يحتمل أنْ يكون قوله "قبضها" بمعنى أفناها، كقول القائل: قبض الله روح فلانٍ إليه، أفْنَاها ثم بسطها، أي ثم يُعيدها على الوجه الذي يُريد! قيل: هذا غلطٌ لوجهين: أحدهما: أنَّه قال يقبضها بيده، ولو كان المراد به الفَنَاء لم يعلقه باليد، لأنَّ فناء الأشياء لا يختص باليد. ٣١٠ - الثاني: أنَّ أبا مُحمد الحسن بن محمد الخلَّال رَوى فيما خَرَّجه من "أخْبار الصفات" بإسناده: عن ابن عباس قال: "يَطْوي الله السَّماوات السَّبْع بما فيها من الخَلِيقة، والأرضينَ السَّبع بما فيها مِنَ الخليقة بيمينه، فلا يرى من عند الإبهام شَيئًا، ولا من الخُنْصر شيئًا، ويكون ذلك في كَفِّه بمنزلة الخَرْدَلة" (٢).

стр. 361

وهذا يمنع تأويلهم بالفناء، لأنه أخبر أنها باقية في كفه. فإن قيل: قوله: "بيمنيه" أي بقَسَمه، كأنَّه أقْسَمَ بها. قيل: هذا غلطٌ، لأنَّا لا نعلم أنَّه أقْسَمَ بها ولو كان لنُقل، ولأنَّه ليس ها هنا حرف القسم. فإنْ قيل: فالذي يَدُلُّ على أنَّ المراد بالقبض الفناء قوله: "أنا الملك وأين الملوك" فيقول هو ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ قال المفسرون: إنَّما يكونُ ذلك عند فَنَاءَ خَلْقه وإمَاتَتِهم، فلا يكونُ له مجيبٌ غير نفسه "لله الواحد القهار". قيل: ليس في ذلك ما يمنع قبضها بيده، لأنَّه يحتمل أنْ يَقْبضها بيمينه، ثم يفنيها. ٣١١ - وقد حمل أبو بكر عبد العزيز قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]. على ظاهره وأنَّ ذلك راجعٌ إلى ذاته، ذكر ذلك في كتاب "التفسير" في الكلام على قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧]. فقال: قد قال بعضُ أهل العربية في قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]. يقول: في قدرته واستشهد على ذلك بقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦]. وليس المراد بالملك اليمين دون سار الجسد، ولأنَّك تقول: هذا الشيء في قبضتك، أي في قدرتك، ثم أَجَابَ عن ذلك بأنْ قال: مَا رُوي عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة والتابعين يشهدُ على بُطلانِ هذا القول، وهو يَؤُولُ إلى قول جَهْمٍ وذلك قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥].

стр. 362

وقول النبي ﷺ : "فوضع يده بين كتفي" (١). وقال ﷺ : "فأقومَ عن يمينِ رَبِّي مَقَامًا لا يَقُومه غَيري" (٢). فقد احتج عليه بهذه الأشياء لإثبات اليمين والقبض بها. ٣١٢ - ثم ذكر حديثًا بإسناده: عن أبي أيوب الأنصاري قال أتى النبي ﷺ حَبْرً من اليهود فقال: أرأيتَ إذ يقولُ الله في كتابه: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا

стр. 363

قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]. فأين الخلق عند ذلك؟ فقال: "هُمْ فيهما كَرَقْمِ الكِتَاب" (١). * * *

стр. 364

[حَديثٌ آخر] ٣١٣ - ناه أبو القسم قال: أبو بكر أحمد بن الحسن بن شاذان نا عبد الله بن محمد البغوي نا هُدْبة بن خالد نا حماد بن سلمة عن ثَابت عن أنس ابن مالك قال: قَرَأَ رسول الله ﷺ : ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]. قال: "وضَعَ إبْهامه على قريب مِنْ أُنْملة خُنْصُرِهِ، فَسَاخَ الجبلُ" قال حميد لثابت: تقول هذا! فَرَفَعَ ثابتٌ يده فضربَ بها صَدْرَ حميد، وقال: يَقوله رسولُ الله ﷺ ويقوله أنس وأنا أكْتمه؟! وفي لفظٍ آخر: قال فوضع رسول الله الإبهام على المِفْصَل من الخنصر، فسَاخَ الجبلُ (١). ٣١٤ - ونا أبو القسم، علي بن إبراهيم السكوني نا موسى بن عبيد الله بن يحيى المقري نا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي، معاذ ابن معاذ، حماد بن سلمة، ثابت البناني عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. قثال: "هكذا" يعني أنَّه أَخْرَج طَرفَ الخنصر، قال أبي: أَرَاناه معاذ، فقال حُميد: ما تريدُ في هذا يا أبا مُحمد؟ قال فضَرَبَ صَدره ضربةً شديدةً، وقال: من أنت يا حميد وما أنت يا حميد، يحدثني به أنس بن مالك عن النبي ﷺ تقول أنت ما تريد؟! ٣١٥ - وأنا أبو محمد الحسن بن محمد قال: يحيى بن علي المعمري من

стр. 365

أصلِ كتابه (١) قال نا محمد بن جعفر بن رميس (٢) قال نا علي بن إشكاب قال نا معاذ بن معاذ العنبري عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس عن رسول الله ﷺ في قوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. قال: "أَخْرَج أَوَلَ مِفْصل من إصْبعه الخُنْصُر" قال علي بن إشكاب: ورأيتُ معاذ أخرج أول مفصل من إصْبعه الخنصر. ٣١٦ - وذكره أبو الحسين بن السّثوْسَنْجِرْدي (٣) في "حديثه" بإسناده: عن أنس قال: قرأ رسول الله ﷺ : ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]. قال: "وَضَعَ إبْهامه على قريب أُنْمُلةِ خُنْصُره" وفعل حماد هكذا وأرانا طَرَفَ الخُنصر، ووضع مَوضع المفصل فَسَاخَ الجبل. اعلم أنَّ الكلام في هذا الخبر في فصلين: أحدهما: إثبات التَّجَلِّي، والثاني: في الخنصر. فأمَّا التَّجلي فهو راجعٌ إلى الذات، وذلك غير ممتنع، كما لم يمتنع أنْ يتجلى للمؤمنين يوم القيامة جَهْرة وعَيَانًا، وكذلك لا يمتنع أنْ يتجلى للجيل

стр. 366

جَهرةً وعيانًا، وهو أنْ خلق في الجبل رُؤية حتى رَأى رَبَّه بأنْ أحياه، وجعله عالمًا رائيًا، ثم دَكَّه بعد الرؤية، وجعله علامةً لموسى في أنَّه لا يراه في الدنيا. ٣١٧ - وقد نا أبو القسم بإسناده: عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لمَّا تَجلَّى الله جَلَّ اسمه للجبل طَارَتْ لعظمته ستَّة أجْبُل، فَوَقعت ثلاثة بالمدينة وثلاثة بمكَّة، فوقع بالمدينة أُحُد وَورقان ورضوى، ووقع بمكة ثبير وحِرَاء وثَور" (١). فإن قيل: يُحمل التجلي على إظْهار الفعل والتدبير. قيل: إن جَازَ تأويل الخَبَر على هذا، جَازَ تأويل قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] على مجئ بعض ملائكته وكلامه لموسى دون الله، وكذلك قوله: "ترون ربكم" على رؤية أفعاله، وهذا لا يصح، كذلك ها هنا، وكذلك قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]. كما حملته المعتزلة على ظاهره في الذات دون الأفعال. ويحتمل أنْ يكون ظهور (٢) سُبُحانه أوْجَبَ دَكَّه من غير أنْ يخلق فيه إدْراكًا، كما أنَّ النَّار إذا لاقت الجبل أوجب تقطيعه، وإنْ لم يحصل فيه إدراك، كما قال: "حجابه النُّور، لو كشفها عن وجهه، لأحرقت سُبُحان وجهه كل شيءٍ أدركه بَصَره".

стр. 367

الفصل الثاني: في "الخُنْصُر": وهو على ظاهره، إذ ليس في حمله على ذلك ما يُحيل صفاته، وأنَّ الخنصر كالإِصْبَع، والإِصبع كاليد، وقد جاز إطْلاقُ اليدين، كذلك ها هنا يجب أنْ يجوز، لا على وجه التبعيض والعضو. فإن قيل: هذا الحديث ضعيف، ذكره حماد عن ثابت، ولم يروه غيره عنه من أصحاب، وقال بعضهم إنَّ حمادًا كانت له خَرجَةٌ إلى عبَّادَان، وإنَّ ابن أبي العوجاء الزنديق أدْخَلَ على أُصُوله ألفاظًا وأحاديثًا احتملها في آخر عمره، فرواها بغفلة ظهرت فيه (١). قيل: هذا حديثٌ صحيحٌ رواه الأَثْبات منهم: أحمد وهو المُعَوَّل عليه في الجرح والتَّعديل، وحماد بن سلمة ممن أثنى عليه أحمد، وأخرج عنه البخاري حديثًا مُسْندًا في الصَّحيح، ويجب أنْ لا يُلْتَفَتْ إلى مثل هذا الكلام؛ لأنَّ القائل له يقصد بذلك ردَّ أحاديثَ الصِّفات، وقد قال الأئمة من العلماء: إنَّ أثبت الناس في ثابت البُنَاني حماد بن سلمة (٢).

стр. 368

فإن قيل: المراد بالخنصر الشيء اليسير من آياته، فَذَكر الخنصر وضرب المثل به، لا أنَّه جَعَل له خُنْصُر (١). قيل: هذا غلطٌ، لأنه لو كان المراد ذلك؛ لم ينكره حميد، ولا أنكره عليه ثابت، ولا أحتجَّ عليه بأنَّ النبي ﷺ قاله، لأنَّ آيات الله لا تُنكر، فثبت أنَّ المراد بذلك صفةُ ذاتٍ. وجوابٌ آخر: وهو أنَّه إنْ جاز حمل الخنصر على الشيء اليسير من آياته، جاز حمل التجلي للجبل، على إظهار بعض آياته للجبل حتى جعله دكًا، وكذلك جاز حملُ قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. على أنَّه أَمَرَ بعضَ مَلائكته بكلامه، لا أنَّه كلمه بنفسه، وقد أجمعنا ومثبتوا الصفات على أنَّه تَجَلَّى بذاته للجبل، وكَلَّم مُوسى بنفسه، كذلك ها هنا يجب أنْ يُحمل الخنصر على أنها صفةٌ لذاته، كما وَجَبَ حمل اليد التي خلق بها آدم (٢). * * *

стр. 369

[إثبات السَّمع والبصر لله تعالى] [حَديثٌ آخر] ٣١٨ - رواه أبو محمد الحسن بن محمد الخلال فيما خَرَّجه من "أخبار الصفات" بإسناده: عن أبي هريرة: "أنَّ رسول الله ﷺ قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ فوضع إصْبَعه الدَّعَّاء وإبهامه، على عينه وإذنه. وفي لفظ آخر: "فوضعَ إبهامه على أُذُنِه والأُخْرى على عينه". قال أبو محمد: هذا حديثٌ إسناده شرط مسلم، يلزمه إخْراجُه في الصحيح، وهو حديثٌ ليس فيه علة (١). اعلم أنَّه ليس المراد بالإشارة إلى العُضو والجارحة التي لا مَدْحَ في إثباتها، لأنَّ القديم سبحانه يستحيل عليه ذلك، وإنَّما المراد بذلك تحقيق

стр. 370

السَّمع والبصر الذي في إثباته المقصود أنَّ الله يرى المرئيات برؤيته، ويسمع المسموعات بسمعه، فأشار إلى الأذُنِ والعين تحقيقًا للسَّمع والبصر لأجل أنهما مَحل للسمع والبصر، وقد يُسمى محل الشيء باسمه لما بينهما من المجاورة والقرب (١). ولأنَّ هذا الخبر أفاد أنَّ وصفه بأنه سميعٌ بصير، لا على معنى وصفه بأنه "عليم"؛ كما ذهب إليه بعض أهلُ النظر، ولم يُثْبوا لله في وصفنا له بأنه "سميع" معنى خاصًا، وفائدة زائدة على وصفنا له بأنَّه عليم، فأفاد بذلك تحقيق معنى السمع والبصر، وأنه معنى زائدٌ على العلم، إذْ لو كان معنى ذلك العلم؛ لكان يُشير إلى القلب الذي هو [محل] (٢) العلم، ليُنبه بذلك على معناه، فلما أشار إلى العين والأُذن -وهما مَحلَّان للسمع والبصر- حقق الفَرْقَ بين السَّمع والبصر وبين العلم. ٣١٩ - وفي معنى هذا ما روى أبو عبد الله بن بطة بإسناده: عن أنس بن مالك أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الدَّجال أَعْور، وإنَّ رَبَّكم ليسَ بأَعْور" (٣). ومعناه تحقيق وصف الله تعالى بأنَّه بصيرٌ، وأنَّه لا يصح عليه النَّقص والعمى، ولم يرد بذلك إثبات الجارحة إذْ لا مَدْحَ في إثباتها، لأنَّ إثْبَاتها يُؤدي إلى القول بحدثه.

стр. 371

٣٢٠ - وفي معنى ذلك: ما روى أبو موسى قال: كُنَّا مع رسول الله ﷺ فقال: "يا أيُّها النَّاسُ إنَّكم لا تَدْعُون أصْمَّا (١) ولا غَائبًا، إنَّكم تَدْعونَ سَميعًا بصيرًا" (٢). فنفى النَّقْصَ عنه، وأثبت السمع والبصر. ٣٢١ - وكذلك قول عائشة ﵂: "تبارَك الذي وَسِعَ سَمْعه كلِّ شيء" (٣).

стр. 372

وهذا الخبر دلالة على جواز الإشارة إلى صفات نفسه، عند ذكر صفات الله تعالى، لا على طريق التشبيه، ونظيره حديث الحَبْر وقوله: "يا أبا القاسم يوم يجعلُ السَّماء على ذه، وأشار بالسَّبَّاحَة، والأرضين على ذه". * * *

стр. 373

[حَديثٌ آخر] ٣٢٢ - أَخْرَجَه أبو القسم عبد العزيز قال: علي بن إبراهيم الموصلي نا أبو مزاحم موسى بن عبيد الله المقري نا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي قال: أبو المغيرة الخولاني قال نا الأوزاعي نا قال: حدثني يحيى بن أبي كثير عن عكرمة قال: "إنَّ الله إذا أراد أنْ يُخَوِّفَ عبَادَهُ أبْدى عنْ بعضِهِ إلى الأَرضِ، فعندَ ذلك تزَلْزَل، وإذا أَرادَ أنْ يُدمِّر على قومٍ تَجَلَّى لها" (١). ورواه ابن فورك عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس ﵄: "إنَّ الله ﵎ إذا أراد أنْ يُخوفَ أهلَ الأرض، أبْدى عن بعضه، وإذا أرادَ أنْ يُدمر عليهم تَجلى لها" (٢). أما قوله: "أبدى عن بعضه" فهو على ظاهره، وأنَّه راجع إلى الذات إذ ليس في حمله على ظاهره ما يُحيلُ صفاته، ولا يُخرجها عما تستحق. فإن قيل: بل في حمله في على ظاهره ما يحيل صفاته، لأنَّه يستحيل وَصْفه بالكُلِّ والبعض والجزء، فَوَجب حمله على إبداء بعض آياته وعلاماته تحذيرًا ونذيرًا. قيل: لا يمتنع إطلاق هذه الصفة على وجه لا يفضي إلى التجزئة والتبعيض، كما أطلقنا تسمية يد ووجه، لا على وجه التجزئة والبعض، وإنْ كُنَّا نعلم أنَّ اليدَ في الشاهد بعض من الجملة.

стр. 374

وجواب آخر: وهو أنَّه لو جاز أنْ يُحمل قوله: "أبدى عن بعضه" على بعض آياته لوجب أنْ يُحمل قوله: "وإذا أرادَ أن يُدمر تجلى لها" على جميع آياته، ومعلومةٌ أنَّه لم يدمر قريةً بجميع آياته، لأنه قد أهْلك بلادًا، كل بلدٍ بغير ما أهلك به الآخر. وأما قوله "تجلى لها" فهو راجعٌ إلى تَجَلِّي الذات، كما حملنا التجلي للجبل أنَّه تجلى ذات حين تقطع الجبل، كذلك ها هنا. فإن قيل: يحمل قوله "تجلى لها" معناه آياته وأفعاله، لأنّ معنى التجلي هو: الظهور، ولهذا يقال: جَلَوْتُ السَّيفَ وجَلَوتُ العَرُوسَ، إذا أظْهَرْتَها وأَبْرَزَتَها، ومنه قول القائل: تجلى لنا بالمشْرَفيِّة والقَنَا. يعني: بالسيوف والرماح (١). قيل: هذا غلطٌ، لأنَّ إنْ جازَ تأويل الخبر على إظهار آياته، جاز تأويل تجليه للجبل على ظهور آياته، وَلمَّا حملوا ذلك على ظاهره، لم يمتنع أيضًا حمل هذا التجلي على ظاهره، إذ ليس في إضافة التجلي إليه ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه، لأنَّا نطلق ذلك من غير انتقالٍ، ولا فراغ مكان وشغل مكان آخر، وكذلك قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] محمول على ظاهره في رؤية الذات لا الأفعال. * * *

стр. 375

[حديثٌ آخر] ٣٢٣ - ناه أبو القاسم بإسناده: عن أبي الأَحْوص الجُشمي أنَّه قال: "رآني رسول الله ﷺ وعلي أطمارٌ فقال: "هل لك مِنْ مَالٍ؟ " قال: قلت: نعم، قال: "منْ أي المال؟ " قال قلت: قد آتاني الله مِنْ الشَّاء والإِبل، قال: "فَلْترَ نِعْمةُ الله وكَرامتُهُ عليك" قال النبي ﷺ : "هل تُنْتَجُ إبلك (١) وافيةٌ أذانُها؟ " قال: وهل تُنتج إلا كذلك! ولم يكنْ أسْلَم يومئذٍ، قال: "فَلَعَلَّكَ تَأخُذُ مُوسَاكَ فتقطع أُذُنَ بعضِها، ونقول: هذه بُحُرٌ، وتَشُقُّ أُذُنَ الأُخْرَى فتقول: هذه صُرُمٌ" قال: نعم، قال: "فلا تَفْعَل فإنَّ كلَّ مَا آتاكَ الله حلٌّ، وإنَّ مُوسى الله أَحَدٌّ، وساعِدُ الله أَشَدُّ" (٢).

стр. 376

وفي لفظ آخر: مُوسى الله أَحَدٌّ من مُوسَاك، وسَاعِدُ الله أشدُّ من ساعدك" (١). اعلم أنَّه غَيرُ ممتنعٍ حمل الخبر على ظاهره في إثباتِ "السَّاعِدِ" صفة لذاته، كما حملنا قوله تعالى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] على ظاهره، وأنها صِفَةُ ذاتٍ إذْ ليس في ذلك ما يُحيل صفاته، لأنَّا لا نحمله على ساعدٍ هو جارحة، بل صفَةُ ذاتٍ لا نعقلها، كما أثْبتنا ذاتًا لا كالذوات. فإن قيل: المراد بالسَّاعد ها هنا: القُوة، فعبَّر عنها بالساعد لأنَّه محل للقوة، وقد يعبر عن الشيء بمحله كما سَمَّت (٢) العرب البصر: عينًا، والسمع: أذنًا، كذلك تُسمى القدرة ساعدًا، ومنه يقال: جمعت هذا المال بقوة سَاعِدِي، ويرادُ به بالتَّدبير والقوة، دون المباشرة بالساعد (٣). قيل: هذا غلطٌ، لأنَّه يُوجب حمل قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] معناه بالقدرة. فإن قيل: إنما لم نحمل اليد على القُدْرة لأنَّ في ذلك إبطالُ فضيلة آدم على إبليس، لأنَّ الله تعالى قال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]. على طريق التفضيل، وليس في حمل هذا الخبر على القُدرة إبطال فائدة (٤).

стр. 377

قيل: ما كان يَمتنع أن تحملون اليد على القدرة، وإنْ أفضى إلى إبطالِ فضيلة آدم كما حملتم قوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)﴾ [طه: ٤١]. معناه: لذاتي، وتأولتهم النَّفْس ها هنا على الذَّات، وإنْ أفضى ذلك إلى إبطال فائدة تخصيص موسى بذلك، لأنَّ جميع الأنبياء اصطنعهم لذاته، ولمَّا لم يَجُزْ تأويل اليدِ على القدرة؛ كذلك ها هنا. جوابٌ آخر: وهو أنَّه لو استحال إضافة اليد إليه، لم يجز إضافتها إليه، وإنْ أَفْضَى إلى إبطال فضيلة آدم، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]. لما لم يجز حمل ذلك على الذات، حُملَ على الأمر، وإنْ أفضى إليه إسقاط تخصيص عيسى، لأنَّ غيرَ عيسى مخلوقٌ بالأَمر، فَعُلم أنَّ إضافة اليَد إليه لا للمعنى الذي ذكروه؛ وإنَّما ذلك لورود الشَّرع به، وهذا المعنى موجودٌ في غيره. وأما قوله: "ومُوساه أحَدُّ من مُوساك" فقد قيل فيه: إنَّ هذا خَرَجَ على طريق التمثيل، لأنَّ "المُوسى" لما كان آلةً بلقطع، وكان المراد بالخبر أنَّ قَطْعَهُ أسْرَع من قطعك، عَبَّر عن القَطع بالموسى اعتبارًا بعادة العرب، وأنَّها تُسمي الشيء باسم ما يُجاوره ويُقاربه (١). ولا بأس، بذلك لأنَّ الله تعالى يجوز فى صفته ضرب المثل، قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ [النحل: ٧٥]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣]. وإنما لم يجب حمل الموسى على أنَّه صفة للذات كالساعد، لأنَّ الموسى آلةٌ، والآلاتُ لا تكونُ صفاتًا للذات، وليس كذلك السَّاعد، لأنَّه قد يكون مِنْ صفاتِ الذات بدليل كونه صِفَةً للذات في الشَّاهد، فإذا وَرَدَ الشرع بإضافته، لم يمتنع حمله على ظاهره، كما لم يمتنع حمل اليد والوجه على ظاهره. * * *

стр. 378

[إثبات صفَةُ "العَيْنَين" لربِّنا جلَّ شأنه] [حَديثٌ آخَر] ٣٢٤ - ناه أبو القسم بإسناده: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ العَبْد إذا قَامَ في الصَّلاةِ فإنَّه بينَ عَيْنَي الرَّحْمنَ جلَّ اسْمه، فإذَا التَفَتَ قَالَ له الرَّبُّ جَلَّ اسْمه: يا ابن آدم إلى مَنْ تَلْتَفِتُ؟ إلى خيرٍ لك مني! أَقْبِلْ إليَّ أَنَا خَيرٌ لَكَ مِمنْ تَلْتَفِتُ إليه" (١). اعلم أنَّه غيرُ ممتنعٍ حملُ الخبر على ظاهره، في إثبات "عينين" هما صِفتانِ زائدتان على البصر والرؤية، ليستا بجارحتين، والوجه في ذلك أنَّ الله تعالى وَصَف نفسه بذلك بقوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]. وقال تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]. وقال: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: ٣٧]. ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]. وقول النبي ﷺ : "الدَّجَّال أَعْور وإنَّ رَبكم ليس بأَعْور" (٢).

стр. 379

٣٢٦ - وروي: "أنَّ مَلِكًا كان في بني إسرائيل فَفُرِشَت له النساء فجعل يمشي على صدورهن، فبينما هو على صدر امرأة منهن إذْ رَفَعَت رأسَها إلى السَّماء فقالت: اللهم إنَّ هذا بعينك، فقال الله تعالى: عليَّ تَمَرَّدْ يا أَرْضُ خُذِيه، قال: فَخَسَفت به الأرض والناسُ يَنظرون". ٣٢٧ - وروى عبد الله في كتاب "السُّنَّة" بإسناده: عن ابن عباس: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: ٣٧]. قال: بعين الله (١).

стр. 380

فإن قيل: قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] أيْ، بمرأى منِّي وبمشهدٍ مني، وقيل فيه: بحفظي وكلائتي، وكذلك قوله: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: ٣٧]. أي بحفْظِنا وكلائتنا. وقيل بمرآى ومشاهدةٍ منَّا، وكذلك قوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]. وكذلك قوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]. وقيل: المراد به أعينُ الماء التي أخرجها من الأرض، وكذلك قول النبي ﷺ في المُصلِّي: "بين عيني الرحمن" أي: بحفظه وكلائته، ومعناه: أنَّ الله حافظٌ للمصلي، ألا ترى أنَّه قال: أنا خيرٌ لك ممن تلتفت إليه. قيل: هذا غلطٌ، لأنَّ الله تعالى كان رائيًا له، ومُشَاهِدًا له قبل جريان الفلك، وقبل طَرْحِه في اليَمِّ، وكذلك كان حافِظًا وكالِئًا قبل وجود الجَرَيان، وطرحه في اليم، بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء: ٤٢]. فتبيَّن أنَّ كلائته لنا بالليل والنهار. * * *

стр. 381

[حَديثٌ آخَر] ٣٢٨ - ناه أبو القسم بإسناده: عن ابن عمر أنَّ النبي ﷺ رأى نُخَامةً في قِبْلة المسجد وهو يُصلي، فلما انصرف أَخَذَ عُودًا فاتاها فَحكَّها، ثم قال: "يَا أيُّها النَّاسُ إنَّ أَحَدَكُم إذا كان في صَلاتِهِ، فإنَّه يُوَاجِهُ رَبَّه جَلَّ اسْمُهُ، فلا يَتَنخَّمَنَ أحَدٌ في قِبْلَتِهِ، ولا عَنْ يَمينِهِ" (١). ٣٢٩ - وفي لفظٍ آخرٍ: رواه أنس عن النبي ﷺ قال: "إنَّ العبْد إذا قَامَ يُصلِّي فإنَّما يُنَاجِي رَبَّه جلَّ اسْمُهُ، فيما بَينه وبينَ القِبْلةِ" (٢). ٣٣٠ - وفي لفظٍ آخر: رواه ابن عمر عن النبي ﷺ : "إنَّ أَحَدَكُم إذا صلَّى فإنَّ الله قبلَ وجْهِهِ". وفي لفظٍ آخر: "إنَّ الله قِبَلَ وجْهِ أحَدِكم، إذا كان في الصلاة" (٣).

стр. 382

٣٣١ - وفي حديث آخر: رواه أبو ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَزَالُ الله جلَّ اسْمُهُ مُقبِلًا على العَبْدِ ما لم يَلْتَفِتْ، فإذا التَفَتَ انصرفَ عنه". وفي لفظ آخرٍ قال: "إذا لينصرف (١) وجهه عنه". وفي لفظ آخر قال: "إذا التَفَتَ أَعْرَضَ عنه" (٢). اعلم أنَّ الكلام في فصلين: أحدهما: قوله: "إن الله قبل وجهه ومواجهه". والثاني: في الإعْرَاض. أما الأول فغير ممتنعٍ حَمْلُه على ظاهره، إذْ ليس في ذلك ما يُحيل صفاته، لأنَّ ذلك لا يوجب الجهة في حَقِّه، كما لم يُوجب الجهة في القول بجواز رؤيته في الآخرة، وإنْ كُنَّا نعلم في الشاهد أنَّ المَرْئِي لا يكون إلا في جهة كذلك ها هنا، وفي هذا إسقاطٌ لقولهم أنَّ وَصفه بذلك يُفضي على الجِهَةِ والمحاذاة والمقابلة، لأنَّه لا يُفضي إلى ذلك، كما لم يُفض هذا القول إلى القو بجواز رؤيته، وفي القول بالإِستِواء على العرش (٣).

стр. 383

فإن قيل: معناه ثوابُ الله يَنْزل على هذا المصلي قِبَلَ وجهه وكرامته، ومثله قول النبي ﷺ : "يجيء القُرْآنُ بينَ يَدَي صَاحِبِه يومَ القِيامة" (١).

стр. 384

أي يجيء ثوابه، ويحتمل أنْ يكون ذلك على معنى الترغيب في إدْمانِ الخشوعِ وإحضارِ القلب حين يشغله ذلك عن غيره (١). قيل: هَذا غلطٌ، لأَنَّ ثوابَ الله تعالى وكرامته لا تَختصُّ بالمصلي، ولا يختص تلقاء وجهه، لأنَّها عامة قَبل الصَّلاةِ وبعدها، وأمامه ووراه، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]. * * *

стр. 385

الفصل الثاني

стр. 386

الفصل الثاني قوله "لا يَزالُ الله مُقْبلًا على عَبِدِه مَا لم يَلْتفت، فإذا التَفَتَ أعْرَضَ عنه " فلا يمتنع حمله على ظاهره، وأنَّ ذاته مُقْبلةٌ عليه، إذ ليس في حمله على ذلك ما يحيل صفاته، لأنَّا لا نثبتُ إقْبال انتقال، ولا إعراضًا بمعنى الانْصِراف عن ذلك، كما حَمَلْنا تجلِّيه للجبل على ظاهره، ولم يُوجب ذلك حمله على انتقال. فإن قيل: هذا محمولٌ على أنَّه لا يزال خيره مُقْبِلًا عليه، كما يقول القائل: إنَّ الأمير أَقْبَلَ على فلان وقَرَّبه، أي انصرف خيره وثوابه، كما يقال: صرف الأمير وجهه عن فلان، إذا قَطَعَ خيره عنه، ولم يحسن إليه. ويحتمل أنْ يكونَ معناه: لا يزال توفيق الله للعبد ما لم يُعرض، فإذا أَعرضَ أعرض عنه، يعني قطع التوفيق واللطف، وهو معنى قوله: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٧]. معناه: لَمَّا صَرَفَ الله قلوبهم عن الخير بقطع التوفيق واللطف، انْصَرَفت قلوبهم عن الخير (١). قيل: هذا غَلَطٌ، لما بَينَّا وهو أن ثوابه لا يختص بالمصَلِّي، وكذلك قَطْعُ الثواب لا يختص بمن التفتَ في صلاته، لان غير المُلْتَفِت - من الغائب - في صلاته يقطع ثوابه، فيجب أنْ لا يكون لهذا التخصيص فائدة إلا ما ذكرنا. * * *

стр. 387

[حَديثٌ آخَر] ٣٣٢ - ناه أبو القسم بإسناده: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ثَلَاثَةً لا يَنْظُرُ الله إليهم يَوَمَ القِيامَةِ: الإمَامُ الكَذَّاب، والشَّيخُ الزاني، والعَائِلُ المزهي" (١). ٣٣٣ - وفي حديث آخر: عن أُسامة عن النبي ﷺ قال: "ثَلَاثَةٌ لا ينظر الله إليهم يَومَ القِيامَة: عاقًّا لِوالديه ومُدْمِنًا خَمْرًا، ومَنَّانًا بما أَعْطَى" (٢).

стр. 388

٣٣٤ - وفي حديث آخر: عن ابن عمر ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ : "مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ مِنَ الخُيَلاءِ، فإنَّ الله لا يَنظرُ إليه يَومَ القيامة" (١). ٣٣٥ - وفي حديثٍ آخر: عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ينظر الله تعالى إلى امْرَأةٍ لا تَعرف حَقَّ زوجها، ولا تستغني عنه" (٢).

стр. 389

٣٣٦ - وفي حديثٍ آخر: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَنظر الله إلى رَجلٍ أَتَى رَجُلًا أو امرأةً في دُبُرِها" (١). ٣٣٧ - وفي حديث آخر: عن ابن عباس ﵄: "لا ينظر الله إلى مسدل" (٢).

стр. 390

٣٣٨ - وفي حديث آخر: عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : "إنَّ الله تعالى لا يَنْظُرُ إلى مُسْبِلٍ إزاره" (١). ٣٣٩ - وفي حديثٍ آخر: عن أبي أُمَامة قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثَةٌ لا ينظر الله إليهم يَومَ القِيامة، ولا يُزكِّيهم، ولَهُم عَذابٌ أليم: عاق وَالِدَيه، ومدمنًا خمرًا، ومُكذِّبًا بقَدرِ الله تعالى" (٢).
следующие страницы →