الفصل الثاني قوله "لا يَزالُ الله مُقْبلًا على عَبِدِه مَا لم يَلْتفت، فإذا التَفَتَ أعْرَضَ عنه "
فلا يمتنع حمله على ظاهره، وأنَّ ذاته مُقْبلةٌ عليه، إذ ليس في حمله على ذلك ما يحيل صفاته، لأنَّا لا نثبتُ إقْبال انتقال، ولا إعراضًا بمعنى الانْصِراف عن ذلك، كما حَمَلْنا تجلِّيه للجبل على ظاهره، ولم يُوجب ذلك حمله على انتقال.
فإن قيل: هذا محمولٌ على أنَّه لا يزال خيره مُقْبِلًا عليه، كما يقول القائل: إنَّ الأمير أَقْبَلَ على فلان وقَرَّبه، أي انصرف خيره وثوابه، كما يقال: صرف الأمير وجهه عن فلان، إذا قَطَعَ خيره عنه، ولم يحسن إليه.
ويحتمل أنْ يكونَ معناه: لا يزال توفيق الله للعبد ما لم يُعرض، فإذا أَعرضَ أعرض عنه، يعني قطع التوفيق واللطف، وهو معنى قوله: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٧]. معناه: لَمَّا صَرَفَ الله قلوبهم عن الخير بقطع التوفيق واللطف، انْصَرَفت قلوبهم عن الخير (١).
قيل: هذا غَلَطٌ، لما بَينَّا وهو أن ثوابه لا يختص بالمصَلِّي، وكذلك قَطْعُ الثواب لا يختص بمن التفتَ في صلاته، لان غير المُلْتَفِت - من الغائب - في صلاته يقطع ثوابه، فيجب أنْ لا يكون لهذا التخصيص فائدة إلا ما ذكرنا.
* * *
стр. 387
[حَديثٌ آخَر]
٣٣٢ - ناه أبو القسم بإسناده: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ثَلَاثَةً لا يَنْظُرُ الله إليهم يَوَمَ القِيامَةِ: الإمَامُ الكَذَّاب، والشَّيخُ الزاني، والعَائِلُ المزهي" (١).
٣٣٣ - وفي حديث آخر: عن أُسامة عن النبي ﷺ قال: "ثَلَاثَةٌ لا ينظر الله إليهم يَومَ القِيامَة: عاقًّا لِوالديه ومُدْمِنًا خَمْرًا، ومَنَّانًا بما أَعْطَى" (٢).
стр. 388
٣٣٤ - وفي حديث آخر: عن ابن عمر ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ : "مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ مِنَ الخُيَلاءِ، فإنَّ الله لا يَنظرُ إليه يَومَ القيامة" (١).
٣٣٥ - وفي حديثٍ آخر: عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ينظر الله تعالى إلى امْرَأةٍ لا تَعرف حَقَّ زوجها، ولا تستغني عنه" (٢).
стр. 389
٣٣٦ - وفي حديثٍ آخر: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَنظر الله إلى رَجلٍ أَتَى رَجُلًا أو امرأةً في دُبُرِها" (١).
٣٣٧ - وفي حديث آخر: عن ابن عباس ﵄: "لا ينظر الله إلى مسدل" (٢).
стр. 390
٣٣٨ - وفي حديث آخر: عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : "إنَّ الله تعالى لا يَنْظُرُ إلى مُسْبِلٍ إزاره" (١).
٣٣٩ - وفي حديثٍ آخر: عن أبي أُمَامة قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثَةٌ لا ينظر الله إليهم يَومَ القِيامة، ولا يُزكِّيهم، ولَهُم عَذابٌ أليم: عاق وَالِدَيه، ومدمنًا خمرًا، ومُكذِّبًا بقَدرِ الله تعالى" (٢).
стр. 391
اعلم أن الكلام في هذا الخبر مَبنيٌّ على أصلِ، وهو أنَّه يجوز أنْ يُوصف الله تعالى بالنَّظَرِ الذي هو رؤية، كما يجوز وصفه بأنَّه رأي بصيرة.
وذكر ابنُ فُورك في كتاب "تأويل الأخبار" أنَّه لا يجوز وَصْفُه بأنَّه نَاظِر نَظَرًا هو رؤية، قال: "لأنَّه لا يجوز أنْ يُثبت له صفةً إلا ما وَصفَ بها نفسه، أو وصفه رسوله" (١).
ولو تأمَّل لَعَلِمَ أن هذه صِفَةٌ قد وَصَفَ بها نفسه، ووصفه بها رسوله، قال الله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)﴾ [الأعراف: ١٢٩]. فوصف نفسه بالنظر.
٣٤٠ - وروى أبو القسم بإسناده: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إنَّ الله لا يَنْظُرُ إلى صُوَرَكُم وأَمْوالِكُم، ولكن إنَّما يَنْظُر إلى أعْمالِكُم وقُلُوبِكُم".
وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم (٢).
فأخبر أنَّه نَاظِرٌ إلى الأعمال والقلوب.
стр. 392
٣٤١ - وروى أبو بكر النَّجاد بإسناده: عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان أوَّلَ لَيلةٍ مِنْ شَهر رَمَضَان؛ نَظَرَ الله إليهم، ومَنْ نَظَرَ إليه لم يُعَذِّبه" (١).
٣٤٢ - وروى أبو بكر في كتاب "الشَّافي" بإسناده: عن وَاثِلَة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ لله في كُلِّ يومٍ ثَلاثمائة وسِتِّينَ نَظرةً ليسَ لصاحبِ الشاه (٢) فيها نَصِيب" (٣).
стр. 393
فقد نطق الكتاب والسُّنة بإثبات هذه الصفة، وغير ممتنعٍ حمل ما رواه واثلة على ظاهره، لا على وجه التكرار، كما جازَ وَصفه تعالى بأنَّ له تِسْعَةً وتسعين اسمًا لا على وجه التحديد، وكما جاز وصفه بالعُلُو لا في جهة، وكذلك جواز النظر إليه لا في جهة، وإنْ كُنَّا نعلم أن العلو ضد السفل، والنَّظَر لا يصح في الشَّاهد إلا في جهةٍ، كذلك ها هنا.
وكما جاز وصفه بالذَّات، وإن كان حقيقة الذات في الشاهد هو الجسم المؤلف، وكذلك جاز وصفه بالسَّمع والبصر والوجه وغير ذلك، ولا نقول إنها جميعه ولا بعضه، وإنْ كانت في الشاهد أنها بعض الذات، كذلك لا يمتنع وصفه بالعَدَدِ وإنْ لم يتعدد، ولا يصح تأويله على ما يُحدثه في كلِّ حالٍ من تغيير الأحوال لوجهين:
أحدهما: أن ما يُحدثه لا يختص بتسْعةٍ وتسعين رحمة.
والثاني: أن هذه الأشياء تصدر عن القُدْرةِ لا عن النظر.
فَعُلِم أن المراد بالخبر إثبات صفة ترجع إلى النظر الذي هو الرؤية، لا على وجه التكرار لاستحالة التكرار في صفات ذاته، لأنّ تكرارها يُفضي إلى حدثها (١).
стр. 394
٣٤٣ - وروى أبو بكر أحمد بن إسحق الصبغي في كتابه المسمى بـ"الأسماء والصفات" فيما حكاه ابن فُورك عنه: عن عاصم بن لقيط أن لقيط بن عامر خرج وافدًا إلى رسول الله ﷺ ومعه صاحبه، قال: فأتينا رسول الله ﷺ حين انصرفَ من صلاةِ الصُّبْح، وذكر الحديث، وقال فيه: "فَتَخْرجُون من مَصَارِعِكُم تَنْظُرُونَ إليه، ويَنْظُر إليكم" (١).
стр. 395
٣٤٤ - وروى ابنُ المنذر، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "بينَمَا أهلُ الجنَّةِ في نَعِميهم، إذْ سَطَحَ لهم نُورٌ من فَوق رُؤوسِهِم، فإذا الرِّبُّ قد أَشْرَف عليهم مِنْ فَوقهم فقال: السَّلام يا أَهل الجنَّة، فذلك قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ [يس: ٥٨]. قال: "فَيَنْظُر إليهم ويَنْظُرون إليه، ولا يَلْتَفِتُونَ إلى شيءٍ مِنَ النَّعيم ما دامُوا يَنْظُرونَ إليه" (١).
٣٤٥ - وروي عن كعب أنَّه قال: "ما نَظَر الله إلى الجنَّة قَط إلا قال لها: طيبي لأهلكِ، قال: فازْدَادَتْ طِيبَا إلى ما كانت" (٢).
فإن قيل: تُحمل هذه الأخبار على التَّعَطُّفِ والرحمة، وأنَّ الله يَتَعطف عليهم فَيُريهم نَفْسَه ويرحمهم.
стр. 396
قيل: هذا غلطٌ، لأنَّه إنْ جازَ أنْ يُتَأول نَظَرُه إلى الأشياءِ على معنى التعطف جاز أنْ تُتَأَول رؤيته وبصره إلى الأشياء على معنى التعطف والرحمة.
وقد أثبتَ ابنُ فورك البصر والرؤية صفة، كذلك النظر.
ولأئه إذا جاز وصفه بالرؤية والبَصر إلى الأشياء؛ جاز وصفه بالنظر، إذْ ليس في ذلك ما يُحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقُّه.
فأما قوله في حديث جابر: "بَينا أهلُ الجنَّة في نعيمهم إذْ سَطَعَ لهم نُورُ من فوق رؤوسهم" فلا يمتنع حمله على ظاهره، وأنَّه نُورُ ذاته، لأنَّه إذا جاز أنْ يُظْهِرَ لهم ذاته فيرونها؛ جاز أنْ يُظهر لهم نُوره فيرونه، لأنَّ النُّورَ من صفات ذاته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩].
وأما قوله في حديث جابر: "بَينا أهلُ الجنة في نعيمهم إذْ سَطَعَ لهم نُورُ من فوق رؤوسهم" فلا يمتنع أيضا حَمله على ظاهره، وأنَّه إشْرافُ ذَاته، لا على وجه الجهة، كما جاز أنْ يَتَجلَّى للجبل حتى جعله دَكًّا.
فإن قيل: يحمل قوله: "إذْ سَطَعَ لهم نورٌ" على ما يَتَجَدَّد لهم من كراماته، وإشْعَارهم بما يزيدهم من معارفه، فعند ذلك يرفعون رؤوسهم، على معنى ما يقال: فلان رفع رأسه، إذا ارْتَفَعت حاله عن انخفاض بما يتجدد له، وقوله عند ذلك: "أشرف عليهم من فوق رؤوسهم" يعنيك من فوق رجائهم.
قيل: هذا غلطٌ، لأنَّه إنْ جازَ أنْ يُحمل ظُهور النُّور على كرامته جاز أنْ يحمل قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [الإنسان: ٢٣]. إلى كراماته، ولأنه إذا جاز أنْ يُوصف أنه أشرف عليهم من فوق رجائهم؛ جازَ أنْ يُوصف من فوق رؤوسهم، لا على وجه الجهة إذ لا فرق بينهما.
فأما قوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧]. معناه لا يتعطف عليهم ولا
стр. 397
يرحمهم، وكذلك قوله تعالى (١) "لا ينظر الله إليهم" على هذا المعنى، ولهذا يقول القائل: انظر إليَّ بمعنى تعطَّف علي وارحمني، وليس المراد به نفي النظر الذي هو الرؤية، لأنه تعالى ناظرًا رائيًا إلى جميع الأشياء غير مستترة عنه.
٣٤٦ - وفي معناه ما روي: "إن الله لم يَنْظُر إلى الدُّنيا منذ خلقها" (٢) معناه: لم يُجل قدرها ولا قدر من رَكَن إليها، لأنَّه خَلَقَها للفناءِ والزوال وحَثَّ على الزُّهد فيها وترك الاشتغال بها، ومنه قولهم: ما نظر فلان إلى فلان إذا أراد أنَّه لم يَعْتَد به.
وأما قوله: "إن الله لا ينظر إلى صُوَرِكُم ولكن ينظر إلى قُلُوبكم" معناه الاحتساب والاعتداد، أي لا يعتد بما يظهر منكم إذا لم يوافق الباطن، لأنَّ الأعمال الظَّاهرة مَنُوطَةٌ بصحة السَّرَائِر والإخلاص، ولهذا قال ﷺ : "إنما الأعمالُ بالنِّيات، وإنما لامْرِيءٍ ما نَوَى" (٣) يريد أنَّ النِّيات هي المصَحِحة للأَعمال.
وليس إذا نَفَينا النظر في حالٍ، دَلَّ على نفي ذلك في الجملة، وكما قال تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ ولم يدل ذلك على نفي الكَلام في الجملة.
стр. 398
[حَديثٌ آخَر]
٣٤٧ - ناه أبو القاسم بإسناده: عن عائشة قالت: كَانَت عندي امرَأةٌ فلما قامت قال النبي ﷺ : "مَنْ هذه يا عائشة؟ " قلت: يا رسول الله أمَا تعرفها! هذه فُلانَة ما تَنامُ الليل، وهي من أَعْبَدِ أَهْلِ المدينة، فقال رسول الله ﷺ : "مهْ! عليكم مِنْ العَمَل ما تُطيقُونَ، فإنَّ الله تعالى لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا" قالت: وكان أحب العمل إليه أدْوَمُهُ وإنْ قلَّ (١).
٣٤٨ - وفي حديثٍ آخر: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "إنَّ الله لا يَمَلُّ منَ الثَّوابِ حتى تَمَلُّوا مِنَ العَمَل" (٢).
стр. 399
اعلم أنَّه غيرُ مُمتنعٍ إطلاقُ وَصفه تعالى بالمَلل، لا على معنى السآمة والاستثقال ونُفُور النَّفس عنه، كما جاز وَصفه بالغَضَب لا على وجه النُّفُور، وكذلك الكراهة والسّخط والعداوة فقال سبحانه: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾ [المجادلة: ١٤].
وقال: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣]. وقال: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠]. وقال: ﴿سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٨٠]. وقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]. وقال: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦].
فإن قيل: معنى المَلَل ها هنا الغضب، فيكون معناه: لا يغضب عليهم ولا يقطع عنهم ثوابه حتّى يترُكوا العمل (١).
قيل: هذا غَلَطٌ، لأنَّ الملل قد يَحصل منَ العبد، فيما لا يقتضي الغضب عليه، وهو تركُ النَّوافل، والخبر على هذا الوجه خَرَج، ولأنَّه إنْ جازَ تأويل المللِ على الغضب، جاز تأويل الغضب على الملل إذْ ليس أَحَدُهما بالتأَويل أولى من الآخر، وكلاهما مما قد وَرَدَ الشرع بإطلاقه عليه.
ولأن الملل والغَضَب في اللغة عبارة عن معنيين مختلفين، فلا يجوز حمل
стр. 400
أحدهما على الآخر، ولأنَّه إنْ جاز امتناع إطلاق الملل ولأنَّ له حكم في الشَّاهد، جاز امتناع إطلاق الغَضب والرِّصا والإرادة، لأن لها حدًا في الشاهد.
فإن قيل: معناه: إنَّ الله لا يَمَلُّ إذا مَلَلْتُم، ومثل هذا قولهم: إنَّ هذا الفَرَسَ لا يَفْتُر حتى تفتر الخيل، وليس المراد بذلك أنَّه يفتر إذا فَتَرت الخيل، إذ لو كان المراد به هذا، ما كان له فضل عليها، لأنَّه يفتر معها، وإنما المراد به لا يفتر وإنْ فترت الخيل، وكذلك قولهم في الرجلِ البليغ، لا ينقطع حتى ينقطعَ خصومه، يريد بذلك أنه لا ينقطع إذا انقطعوا، إذْ لو كان المراد به ينقطع إذا انقطعوا، لم يكن له فَضْلٌ عليهم.
فعلى هذا يكون معنى الخبر أن الله لا يترك الإحسان إلى عبيده، وإنْ تركوا هم طاعته (١).
قيل: هذا غلطٌ، لأنَّ الخبر قُصدَ به بيان التحريض على العمل والحثِّ عليه وإنْ قَلَّ، فإذا حَمِلَ الخبرُ على استدامة الثواب مع انقطاع العمل من العامل، لم يوجد المقصود بالخبر، لأنَّه يعول على التَّفَضُل ويطرح العمل.
وجواب آخر: وهو أن "حَتَّى" لها ثلاثة أقسام: أحدُها: أنَّها تكون غاية، وتكون بمعنى "كي" وتكون بمعنى "إلا أن" وليست بمعنى "إذا" (٢).
стр. 401
[حَديثٌ آخر]
٣٤٩ - ناه أبو القسم: بإسناده عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "لا تَسبُّوا الدَّهْر فإنَّ الله هُو الدَّهْرُ" (١).
وفي لفط آخر: "لا يَقُولنَّ أَحَدُكُم: يا خَيْبَة الدَّهر فإنَّ الله هُوَ الدَّهْر" (٢).
وفي لفظٍ آخرٍ: "قال الله : يَسُبُّ ابنُ آدمَ الدَّهْرَ، وأنَا الدَّهْر، بيدِي اللَّيلُ والنَّهار" (٣).
وفي لفظٍ آخرٍ: "لا تسبوا الدهر، فإنَّ الله يقول: أنا الدَّهر، ليَ اللَّيل والنَّهار، أجدده وأُبْليه، وأَذْهَبُ بِمُلُوكٍ وآتي بمُلُوكٍ" (٤).
стр. 402
وفي لفظٍ آخر قال: "كانَ أَهْلُ الجاهِليَّة يقولون: إنَّما يُهْلِكُنا اللَّيلُ والنَّهار، هو الذي يُهْلِكُنا ويُميتنا ويُحيينا، فقال الله في كتابه: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]. فقال الله : يُؤُذِيني ابن آدم يَسُبُّ الدَّهْرَ، وأَنَا الدَّهْرُ بيدي الأمر، أُقَلِّبُ اللَّيلَ والنَّهارَ" (١).
وفي لفظٍ آخرِ: "يقول [الله] (٢): اسْتَقْرَضْتُكَ عَبْدِي فَلَم تُقْرضني، ويَشْتُمني عَبْدِي وهو لا يدري، يقول: وادَهْرَاه وادَهْرَاه، وأنَا الدَّهر" (٣).
٣٥٠ - اعلم أن أبا بكر الخلال قال: حدثني بشر بن موسى الأسدي (٤) قال:
стр. 403
سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن الدهر، فلم يجبني فيه بشيءٍ.
وظاهر هذا أنْ أحمد توقف عن الأَخْذِ بظاهر الحديث، وامتنع من إطلاق تَسمية "الدَّهْر" على الله سبحانه.
٣٥١ - وقال حنبل سمعت هرون الحَمَّال يقول لأبي عبد الله: كُنَّا عند سفيان بن عيينة بمكة فحدَّثنا أن النبي ﷺ قال: "لا تَسُبُّوا الدهر" فقام فتح بن سهل فقال: يا أبا محمد تقول يا دهرُ ارْزُقنا؟ فسمعت سفيان يقول: خُذُوه فهو جهمي، وهرب، فقال أبو عبد الله: القوم يردُّون الآثار عن رسول الله، ونحن نؤمن بها ولا نرد على رسول الله ﷺ قوله.
وظاهر هذا أنَّه أَخَذَ بظاهر الحديث، ويحتمل أنْ يكون قوله: "نحن نُؤمن بها" راجعٌ إلى أخبار الصفات في الجملة، ولم يرجع إلى هذا الحديث خاصة.
٣٥٢ - وقد ذكر شيخنا أبو عبد الله ﵀ هذا الحديث في كتابه، وقال: لا يجوز أنْ يُسَمَّى الله دَهْرًا.
والأمر على ما قاله، لأنه قد روي في بعض ألفاظ هذا الحديث ما منع من حمله على ظاهره، ولم يَردْ في غيره من أخبار الصفات ما دَلَّ على صرفه عن ظاهره، فلهذا وجب حملها على ظاهرها، وذلك أنَّه روى فيه: "يُؤذيني ابن آدم يَسُبُّ الدهر، وأنا الدهر بيدي الأَمر، أُقلِّب الليل والنهار" وفي لفظ آخر: "لي الليلُ والنَّهار أُجَدده وأُبْليه، وأَذْهَبُ بملوكِ وآتي بملوك" فبيَّنَ أن الدَّهر الذي هو الليل والنهار خَلْقٌ له وبيده، وانه يُجدده ويُبليه فامتنع أنْ يكونَ اسمًا له.
وأصل هذا الخبر أنَّه وَرَدَ على سبب، وهو أن الجاهلية كان تقول: أَصَابني الدهر في مالي بكذا، ونالتني قَوَارعُ الدهر ومصائبه، فَيُضِيفُون كل حادثٍ يحدث مما هو جارٍ بقَضَاءِ الله وقَدَره، وخَلقه وتقديره، من مَرضٍ أو
стр. 404
صحةٍ أو غنى أو فقر، أو حياةٍ أو موتٍ إلى الدهر، ويقولون: لَعَنَ الله هذا الدهر والزمان ولذلك قال قائلهم:
أمِنَ المُنون ورَيْبها يَتَوَجَّعْ … والدَّهْرُ ليس بمعتِبٍ من يَجْزَع
وقال سبحانه: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] أي: ريب الدهر وَحَوَادثه. وقال سبحانه: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجائية: ٢٤]. فأخبر عنهم بما كانوا عليه من نِسْبة أقدار الله وأفعاله إلى الدهر، فقال: "لا تسبوا الدهر" أي: إذا أصابتكم المصائب لا تَنْسِبُوها إليه، فإنَّ الله تعالى هو الذي أصابكم بها، لا الدهر، وإنكم إذا سَبَبْتُم الدهر وفاعل ذلك ليس هو الدهر.
٣٥٣ - وقال أبو بكر الخَلَّال: سألت إبراهيم الحربي عن قول النبي ﷺ : "لا يقولن أَحَدُكم يا خَيبة الدهر، فإن الله هو الدَّهْرُ" وقوله: "لا تَسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر" قال: كانت الجاهلية تقول: الدهر هو الليلُ والنَّهار، يقولون الليل والنهار يفعل بنا كذا، فقال الله : أنَا أفعل ليس الدهر (١).
فقد بَيَّنَ إبراهيم الحربي أن الخبر ليس على ظاهره، وأنَّه وَرَدَ على سبب.
٣٥٤ - وذكر أبو عبيد نحو ما ذكرنا، فقال: لا ينبغي لأَحَدٍ من أهل الإسلام أنْ يجهل وجهه، وذلك أن أهَلَ التعطيل يحتجون به على المسلمين، واحتج به بعضهم، فقال: ألا تراه يقول: فإنَّ الله هو الدهر" قال: وتأويله أن العَرب كان شأنها أنْ تَذُمَّ الدهر، وتَسُبَه عند المصائب التي تنزل بهم؛ من موتِ أو هرمٍ أو تَلَفٍ، فيقولون: أصابتهم
стр. 405
قَوَارعُ الدهر؛ وأبادهم الدهر وأتى عليهم الدهر، فيجعلونه الذي يفعلُ ذلك فَيذُّمونه عليه، فقال النبي ﷺ : لا تسبوا الذي يفعل بكم هذه الأشياء وتصيبكم هذه المصائب، فإنكم إذا سَبَبْتُم فاعلها، فإنما يقع السَّبُ على الله إذْ هو الفاعل لها، لا الدهر (١).
* * *
стр. 406
[حَديثٌ آخر]
٣٥٥ - ناه أبو القسم بإسناده: عن خَوْلَةَ بنتِ حَكيم: أن النبي ﷺ خَرَجَ وهو مُحْتَضِنٌ أَحَدَ ابني بنته ويقول: "إنَّكم لَتْجبِّنُونَ وتَبَخِّلُون وتجهلون، وإنَّكم لمن رَيْحانِ الله، وإنَّ آخِرَ وَطَأةِ الرَّحْمَن بَوَج" (١).
٣٥٦ - وناه أبو القسم بإسناده: عن يعلى العَامري: أنَّه جاء حَسَنٌ وحُسَينٌ يَسْتَبِقَانِ إلى رسول الله ﷺ فضَمَّهما إليه، وقال: "إنَّ الوَلَدَ مَجْبَنَةٌ، وإنَّ آخِرَ وَطْئَةٍ وَطِئها ربُّ العَالمِينَ بِوَجٍّ" (٢). وفي رواية أبي الحسن
стр. 407
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 408
وأبي القاسم ابني ابن بشران بإسناده: عن يعلى بن مُرَّة: "وإنَّ آخر وَطْئَةٍ وطِئَها ربُّ العالمين بوَجٍّ" (١).
٣٥٧ - وذكر الحميدي في مسنده بإسناده: عن كعب أنَّه قال: وَجُّ مُقَدَّس، منه عَرَجَ الرَّب إلى السَّماء يوم قَضى خَلْقَ الأَرض.
قال الحميدي: مَوضعٌ بالطائف يقال له وَجَ.
اعلم أنَّه غير ممتنع على أُصُولنا حمل هذا الخبر على ظاهره، وأنَّ ذلك معنى يتعلق بالذَّات دون الفعل، لأنَّا حملنا الخبر على ظاهره في قوله: "يَنْزلُ الله إلى سَماء الدنيا" وقوله: "يَضَعُ قَدَمه في النَّار" وقوله: "يَتَجَلَّى لهم في رِمَال الكَافُور" وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢]. وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]. كذلك ها هنا، إذْ لسنا نحمل "الوَطئة" على مماسته جارحة لبعض الأجسام، بل نُطلق هذه الصفة كما أطلقنا استواءه على العَرْش، لا على وجه المماسة والانتقال من حالٍ إلى حال، وكما أطلقنا قوله تعالى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]. لا على وجه المماسة، كذلك ها هنا.
فإنْ قيل: معنى ذلك يرجع إلى الفعل، وهو أن آخر ما أوْقعَ الله سبحانه بالمشركين من الشِّدة بوَجٍّ، وهو اسم موضع بالطائف، لأنَّه كان آخر غزوةٍ غَزَاها رسول الله ﷺ وحنين أدْنى الطائف، وهذا مثل قوله ﷺ : "اللَّهُمَّ اشْدُدْ
стр. 409
وَطْأَتك على مُضَرَ، وابْعَثْ عليهم سَنين كسِني يُوسُف" (١) فتتابع القحط عليهم سَبْع سنين، حتى أَكَلُوا القَدَّ والعِظَامَ، والعرب تقول في كلامها: اشْتَدَّت وطْأَةُ السُّلطان على رعيته، وليس يريدون بذلك وَطْء القَدَمِ، كذلك ها هنا (٢).
قيل: هذا غلَطٌ، لأنَّه لم يكن ذلك آخِرَ ما أَوْقَعَ الله بالمشركين، لأنَّ الفُتُوح حصلت بعد النبي ﷺ والنِّكايَة في المشركين ظاهر على يدي خليفة بعد خليفة، ثم النكاية في الفُرْس والرُّوم، وغير ذلك من أهل الكفر.
وجواب آخر: وهو أن في الخبر ما يُسْقِط هذا، وهو قوله: "آخر وطئة" وذلك لا يستعمل في الشِّدَّة، وإنَّما يُستعمل في الشدة ما كان بالهمزة والألف، نحو قوله: "اشدد وَطْأَتَك على مضر" فإنَّ هناك قرينة دلَّتْ على أن المراد به العذاب، وهو أنَّه دعا على الكفار، ولأنَّه ذكر الوطأة هناك بالهمزة والألف.
٣٥٨ - وقد حكى ابنُ قُتيبة هذا التأويل في "مُختلف الحديث" وقال في جوابه: لا أقضي به على مُراد رسول الله ﷺ لأنني قرأتُ في الإِنجيل: أن
стр. 410
المسيح صَلواتُ الله عليه قال للحواريين: ألم تَسْمَعُوا أنَّه قيل للأولين: لا تكذبوا إذا حَلَفْتُم بالله، ولكن أصدقوا، وأنَا أَقُولُ لكم لا تحلفوا بالسَّماء فإنَّها كرسي الله، ولا بالأرضِ فإنَّها مَوْطِئ قدميه، ولا بأورشليم (١) فإنها مدينة الملك الأكبر، ولا تحلف برأسك فإنَّك لا تستطيع أنْ تَزيد في شَعْرةً سوداء ولا بَيضاء، ولكن ليكن قولكم: نعم نعم، ولا لا، وَما كان سِوى ذلك فإنَّه من الشيطان.
هذا مع حديث حدثنيه يزيد بن عمرو قال نا عبد الله بن الزبير قال نا عبد الله بن الحرث عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن كعب قال: "إنَّ وجَّ مقدس، مِنْه عَرَجَ الرَّبُّ إلى السَّماء يوم قَضَى خلق الأرضِ" (٢).
وهذا الكلام من ابن قتيبة إقْرارٌ منه بفَسَاد هذا التأويل، وحمل الخبر على ظاهره كما ذهبنا إليه.
* * *
стр. 411
[حَديثٌ آخَر] (١)
٣٥٩ - ناه أبو القسم بإسناده: عن جابر وابن عمر وأنس عن النبي ﷺ أنه قال: "اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَن جلَّ اسْمُه لموْتِ سَعْدِ بن مُعاذ" (٢).
٣٦٠ - وفي حديث آخر: رواه بإسناده: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن مُعَيقيب قال: نَظَرَ رسولُ الله ﷺ إلى سَعْدِ بنِ مُعَاذ على السِّرير فقال: "لقد اهْتَزَّ العَرْشُ لموته، عَرْشِ الرَّحْمَن " (٣).
стр. 412
٣٦١ - وفي حديث آخر: رواه بإسناده: عن ابن عمر قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لهذا العَبْد الصَّالح الذي تَحَرَّكَ له العَرش، وفُتِحَتْ له أبْوابُ السَّماوات، وَشِهدَهُ سَبْعُونَ ألفَ مِن الملائكة لم يَهْبطُوا إلى الأَرضِ قبل ذلك، ولقد ضُمَّ في قَبْرِهِ ثم أُفرِج له" يعني سَعْدًا ﵀ (١).
اعلم أن هذا الخبرَ ليس مما يرجع على شيء من الصفات لأنَّ "العَرْشَ" مُحْدَثٌ مَخلوقٌ، وغير ممتنعٍ أنْ يهتزَّ العرش على الحقيقة، ويتحركَ لموت سعد، لأنَّ العرش تجوز عليه الحركة، ويكون لذكره فائدة وهو: فضيلة سعد، أن العرش مع عِظَم قَدْره اهتزَّ له (٢).
وقد تأوَّل قوم على أن العرش ها هنا السَّرير الذي كان عليه سعد! وهذا غلط لوجهين، أحدهما: أن في الخبر "اهتزَّ عرشُ الرَّحْمن جَلَّ اسمه" وإضافةُ العرش إلى الله سبحانه، إنَّما يَنصرف إلى العرش الذي هو في السماء.
والثاني: أنَّه قَصد بهذا الخبر فضيلة سعد، ولا فَضيلة في تحرك سَريره واهتزازه، لأنَّ سرير غيره قد يتحرك ويهتز من تحته.
стр. 413
وتأوله آخرون: على أن الاهتزاز ها هنا رَاجعٌ إلى حَمَلَةِ العَرش، الذي يَحملونه ويَطُوفُون حوله، وأقامَ العَرشَ مَقَام من يحمله ويطوف به من الملائكة، كما قال تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩]. وإنَّما يُريد أهل السَّماء وأهل الأرض، وكما قال النبي ﷺ في أُحُد: "هَذا جَبَلٌ يحبنا ونُحبه" (١) يريد يُحبنا أهلُه يعني الأنصار!
ويكون معنى اهتزاز حملته الاستبشار والسُّرور به، يقال: فلانٌ يستبشر للمعروف ويَهتَزُّ له، ومنه قيل في المثل: إن فُلانًا إذا دُعي اهتزَّ، وإذا سُئِل ارتز، والكلام لأبي الأسود الدُّئلي، والمعنى فيه: إذا دُعي إلى طَعامٍ يأكله ارتاح له واستبشر، وإذا دعي لحاجةٍ ارتز، أي تَقَبَّض ولم ينطلق، قال الشاعر:
وَتأَخُذُهُ عِنْدِ المَكَارِمِ … كما اهْتَزَّ عِند البارحِ الغُصْنُ الرطْبُ (٢)
стр. 414
وهذا غلط؛ لما بَينَّا أنَّه غيرُ ممتنعٍ من إضافة الاهتزاز إلى العرش لكونه مُحدثًا، وقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠)﴾ [الطور: ٩ - ١٠].
وهذه إضافةٌ صحيحة إلى السَّماء والأرض، كذلك إضافة ذلك إلى العرش، وحَمْلُ ذلك على حَمَلَةِ العرس عُدُولُ عن الحقيقة إلى المجاز من غيرِ حاجة إلى ذلك، ولئن جاز هذا، جاز العدول في قوله: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ [الطور: ٩]. معناه أهل السماء. ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠)﴾ [الطور: ١٠]. معناه أهل الجبال، ولأنَّ ما يمنع من حمل الخبر على العرش، يمنع من حمله على حملته، وما يجوز في أَحَدهما نُجوزه في الآخر، ولأنَّه لا يجب أنْ يمتنع المخالف من هذا، لأنَّه لا يُثْبت كونه على العرش، وإذا لم يُثْبِتْ ذلك لم يمتنع إضافة ذلك إلى العرش.
وأما قوله: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩]. فمعناه: فما بكت عليهم السماء بأهلها (١) وكذلك قوله: "هذا جَبَلٌ يُحبنا" معناه يحبنا بأهله.
стр. 415
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 416
[حَديثٌ آخَر]
٣٦٢ - رواه أبو بكر أحمد بن سلمان النَّجاد في "السُّنَّة": عن عبد الله بن أحمد قال نا مَعْمر قال نا وكيع عن مُوسى بن عُبَيدة عن محمد بن كعب قال: كأنَّ النَّاسَ إذا سَمِعُوا القرآن من في الرحمن يوم القِيَامَة، فكأنَّهم لم يَسْمَعُوه قبل ذلك (١).
٣٦٣ - وناه أبو محمد الحسن بن محمد قال نا عمر بن أحمد بن عثمان قال نا محمد بن هرون بن حميد قال نا عثمن بن أبي شيبة قال نا وكيع قال نا موسى بن عُبيدة قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: إذا سمع القران من في الرحمن في القِيامة فكأنَّهم لم يَسمعوه قبل ذلك (٢).
٣٦٤ - [ونا] (٣) أبو القسم عبد العزيز بإسناده: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "كأنَّ الخَلْقَ لم يَسْمَعوا القُرآن حين سَمِعُوه من فيه يوم القيامة" (٤).
اعلم أنَّه غير ممتنع إطلاق الفي عليه سبحانه، كما لم يمتنع إطلاقُ اليد والوجه والعين.
٣٦٥ - وقد نص أحمد على ذلك في رسالة أبي العباس أحمد بن جعفر الفارسي (٥) فقال كَلَّمَ الله موسى تكليمًا من فيه.
فإن قيل: هذا الحديث ضعيف يرويه موسى بن عبيدة، وقال يحيى بن
стр. 417
سعيد القطان: موسى بن عبيدة ضعيف (١).
قيل: هذا غلط، لأنَّ موسى بن عبيدة رَجُلٌ من أهل الرِّبْذَةِ لا بأس به، وقد روى عنه وَكيع، وهو من أئمة أصحاب الحديث.
وأمَّا محمد بن كعب: فهو من علماء التابعين بالتفسير والفتيا، وأبوه كعب بن سليمان (٢) من الصحابة.
стр. 418
فإن قيل: فَنَتَأَوَّل قوله: "من في الرحمن "معناه من الرحمن.
قيل: هذا غلط، لأنَّه يَتضمَّن حَذْفَ صِفةٍ قد وَرَدَ الخبر بها (١)، وعلى أنَّه إنْ جَاز هذا التأويل؛ وجب مثله في قوله ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]. معناه بذاتي ويكون ذكر اليد زائد، وكذلك قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧]. وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]. المراد به: ذاته، وليس المراد به الوجه الذي هو صفة، وَلمَّا لم يجز هذا هناك؛ كذلك ها هنا، ولأن هذا يُؤَدي إلى جواز القول بأنَّ لله في، وأنَّه يجوز أنْ يُدْعى فيقال: يا في اغفر لنا، وهذا لا يجوز، فامتنع أنْ يكون المراد بالفي الذات، لأنَّه لا يجوز وصفه ودعاءه بذلك.
* * *
стр. 419
[حَديثٌ آخَر]
٣٦٦ - ناه أبو القسم بإسناده: عن عقبة بن عامر الجهني عن النبي ﷺ قال: "لَو كانَ القُرآنُ في إهَابٍ، مَا مَسَّتْه النَّارُ" (١).
٣٦٧ - وفي حديثٍ آخر: عن عبيد الله بن موهب (٢) عن عصمة بن مالك الخطمي قال: قال رسول الله ﷺ : "لو جُمِعَ القُرآنُ في إهَابٍ ما أَحْرَقَتْه النَّار" (٣).
اعلم أنَّه قد قيل في ذلك وجوه:
أحدها: أن من حَفِظَ القرآن وقاه الله عذابَ النَّار، واحتجَّ في ذلك بحديثِ أبي أُمَامَةَ: "إن الله سبحانه لا يُعَذِّبُ قَلْبًا وَعَى للقرآن" (٤).
стр. 420
وإلى هذا أومئ أحمد في رواية إسحق بن إبراهيم، وقد سأله ما معنى: "لو كان القرآن في إهاب مما مَسته النار" قال أبو عبد الله: هذا يُرجى لمن القرآن في قلبه أنْ لا تمسه النار في إهاب، يعني في قلب رجل (١).
وفي هذا ضعف، لأنَّه قد روي في الخبر عن النبي ﷺ قال: "يكونُ فيكم قَومٌ يقرءون القُرآن، لا يُجاوِزُ حَنَاجِرهم، يَمرُقُونَ من الذينِ مُرُوقَ السَّهم من الرَّمية" (٢).
٣٦٨ - وروي "النَّارُ إلى فَسَقَةِ القُرآن، أقربُ منها إلى عَبَدةِ الأَوْثَانِ" (٣).
وعُلِمَ أن معنى قول النبي ﷺ : "إنَّ الله لا يُعَذِّبُ قَلْبًا وَعَى القُرآن" إذا حَفِظَ حُدُوده وعمل بموجَبَه.
وقال قوم: معناه أنه لو كُتِبَ القرآن في جلْدِ ثم طُرِحَ في النَّار، ما أحرقته النَّار، وذلك في عهد رسول الله ﷺ علامة لنبوته.
وقال قوم: تأويله أن القُرآن لو كُتِبَ في جِلْدٍ، ثم طُرح الجلد في النَّار ما احترق، أي: ما احْتَرَقَ القُرآن، وما بَطَلَ ولا انْدَرَسَ، وإنما يَنْدِرِسْ ويَبْطل المِدَادُ والحبر والجلد.
٣٦٩ - وهذا مثل قوله حاكيًا عن الله سبحانه: "إنِّي مُنَزِّلٌ عَلَيكَ كِتَابًا لا يغسله الماء" (٤) ومعناه لا يُبْطِلَهُ ولا يفنيه الماء، كذلك قوله: "ما احترق"
стр. 421
وهذا وجه صحيحٌ، لأنَّا وإنْ قُلنا إن القُرآن مكتوبٌ في الحقيقة، وأنَّ الكتابة هي المكتوب، فلسنا نقول إنَّه حَالٌّ في الجلد، ولا في الوَرَقِ ولا في اللوح، فاحتراق المحل لا يُوجب احتراقه، لأنَّه ليس بحال في محل كتابته.
* * *
стр. 422
[حَديثٌ آخَر]
٣٧٠ - ناه أبو القسم بإسناده: عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: "ما أَذِنَ الله لعبدٍ في شيءٍ أَفضلِ مِنْ رَكعتين يُصَلِّيهما، وإنَّ الله لَيَذَر البِرَّ فوقَ رَأْسِ العَبدِ ما دَامَ في صَلاِته، وما تَقرَّبَ العَبْدُ إلى الله بمثْلِ ما خَرَجَ منه" يعني القرآن (١).
стр. 423
٣٧١ - ورواه أبو عبد الله بن بطة في كتاب "الإِبانة" بإسناده: عن أبي أُمَامة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما تَقَرَّبَ العِبَادُ إلى الله بشيءٍ أَفْضل مِنْ شيءٍ خَرَجَ منه" وهو القرآن.
اعلم أنَّ المراد بالخروج ها هنا ظهور المنافع، كما يقال: خَرَجَ لَنا من كلامك خَيرٌ كثير، وأتَانَا منه نَفعْ بَيِّنٌ، وليس المراد به الخروج الذي هو بمعنى الانتقال والمفارقة، لأنَّه ليس بجسم ولا جَوْهرَ، وإنَّما يجوز الانتقال على الجَواهِر والأجسام (١).
стр. 424
٣٧٢ - وقد قال أحمد في رواية عبدوس بن مالك العطار: كلامُ الله ليس ببَائنٍ منه (١).
стр. 425
٣٧٣ - وقال فيما خَرَّجَه في "الرَّد على الجَهْمية" في الأحاديث التي رويت: "يجيءُ القُرآن في صُورةِ الشاب" فقال: كلام الله لا يجيء، ولا يتغير من حال إلى حال (١).
٣٧٤ - وقال في رواية حنبل: احتجوا علي يَومَئِذٍ "تجيءُ البَقَرةُ يومَ القيامة" (٢) "وتجيء تَبارَكَ" (٣).