← Акыда

Акыда · id 730

إبطال التأويلات - ط غراس

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (691 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وهذا وجه صحيحٌ، لأنَّا وإنْ قُلنا إن القُرآن مكتوبٌ في الحقيقة، وأنَّ الكتابة هي المكتوب، فلسنا نقول إنَّه حَالٌّ في الجلد، ولا في الوَرَقِ ولا في اللوح، فاحتراق المحل لا يُوجب احتراقه، لأنَّه ليس بحال في محل كتابته. * * *

стр. 422

[حَديثٌ آخَر] ٣٧٠ - ناه أبو القسم بإسناده: عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: "ما أَذِنَ الله لعبدٍ في شيءٍ أَفضلِ مِنْ رَكعتين يُصَلِّيهما، وإنَّ الله لَيَذَر البِرَّ فوقَ رَأْسِ العَبدِ ما دَامَ في صَلاِته، وما تَقرَّبَ العَبْدُ إلى الله بمثْلِ ما خَرَجَ منه" يعني القرآن (١).

стр. 423

٣٧١ - ورواه أبو عبد الله بن بطة في كتاب "الإِبانة" بإسناده: عن أبي أُمَامة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما تَقَرَّبَ العِبَادُ إلى الله بشيءٍ أَفْضل مِنْ شيءٍ خَرَجَ منه" وهو القرآن. اعلم أنَّ المراد بالخروج ها هنا ظهور المنافع، كما يقال: خَرَجَ لَنا من كلامك خَيرٌ كثير، وأتَانَا منه نَفعْ بَيِّنٌ، وليس المراد به الخروج الذي هو بمعنى الانتقال والمفارقة، لأنَّه ليس بجسم ولا جَوْهرَ، وإنَّما يجوز الانتقال على الجَواهِر والأجسام (١).

стр. 424

٣٧٢ - وقد قال أحمد في رواية عبدوس بن مالك العطار: كلامُ الله ليس ببَائنٍ منه (١).

стр. 425

٣٧٣ - وقال فيما خَرَّجَه في "الرَّد على الجَهْمية" في الأحاديث التي رويت: "يجيءُ القُرآن في صُورةِ الشاب" فقال: كلام الله لا يجيء، ولا يتغير من حال إلى حال (١). ٣٧٤ - وقال في رواية حنبل: احتجوا علي يَومَئِذٍ "تجيءُ البَقَرةُ يومَ القيامة" (٢) "وتجيء تَبارَكَ" (٣).

стр. 426

فقلت لهم: هذا الثواب (١). فقد نصَّ أحمد على المعنى الذي ذكرنا. وقد قال قَومٌ: إنَّ "الهاء" في قوله: "خَرَجَ منه" يعود على العبد، وخروجه منه وجودة مَتْلُوًّا على لسانه، مَحفوظًا في صدره، مكتوبًا بيده. وهذا غلطٌ لوجهين: أحَدهما: أنَّه وَصَفَ الخارج بأنَّه كلام الله، وهذه الصفة لا يصحُّ خروجها من غير الله تعالى، والذي يظهر من التَّالي هو التِّلاوات، والتِّلاوات على

стр. 427

قولهم ليست بقرآن، وإنَّما هي تِلاوة للقرآن، والتلاوة عندهم غير القرآن، فلا يصح هذا التأويل (١). والثاني: أن قائلًا لو قال: ما تَقَرَّبَ إليَّ زَيدٌ بشيء أفضل من شيء خَرَجَ منه، وهو علمه، فإن ذلك يَرجع إلى أنْ يكون العِلم (٢) الخارج من زيد، كذلك ها هنا. * * *

стр. 428

[حديث آخر] ٣٧٥ - رواه أبو عبد الله بن بطة بإسناده: عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ فَضْلَ القُرآن على سائِرِ الكلام، كفَضْلِ الله على خلقه، وذلك أن القُرآن مِنه خَرَجَ وإليه يَعُودُ" (١).

стр. 429

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 430

وأما قوله: "منه خرج" فمعناه منه خَرَجَ تنزيله وظهوره والابتداء، وإليه يعود حُكمه، لأنَّ ما تضمنه القُرآن من الأحكام، التي هي العبادات واجتناب المحرمات إنَّما يُفْعَلُ لله ، فيكون الحكم عائدًا إليه، بمعنى مفعول له ولأجله. ٣٧٦ - وقد قال أبو بكر الخلال سمعت عبد الله بن أحمد قال: ذكر أبو بكر الأعين قال: سُئِلَ أبو عبد الله أحمد بن حنبل عن تفسير قوله: "القُرآنُ كلامُ الله مِنْه خَرَجَ وإليه يعود" فقال أحمد: منه خرج هو المتكلم به، وإليه يعود. فقد فَسَّرَ قوله: "منه خرج" على أنَّه صفة من صفات ذاته، مبتدي به، ولم يُفسر قوله: "وإليه يعود" وتفسيره ما ذكرنا من أن أحكامه عائِدة إليه (١). ٣٧٧ - وهكذا فسره أبو بكر بن إبرَة (٢) من أصحابنا فيما وجدته مُعَلَّقًا بخطِّه في حاشية كتاب "السُّنَّة" لأبي بكر الخلال. وقد قيل: معنى قوله: "منه خرج" أي منه يُسمع، وبتعليمه يُعلم، وبتَفْهيمه يُفهم (٣). وهذا لا يخرج على أصولنا، لأنَّ على قولنا يسمع منه، في حق من تولى خطابه، ويسمع من غيره، في حق من لم يتول خطابه. وقيل: معنى: قوله: "منه خرج" أنَّه له، والعرب تقول: إنَّ هذا منك، تعني أنَّه لك، كما قال القائل:

стр. 431

ومنك العطاء ومنك (١) الثناء. أي لك العطاء ولي الثناء عليك (٢). ولا يجوز أن يُحمل قوله "منه" على معنى الجزء منه، لأنّه سبحانه ليس بذي أبعاض وأجزاء (٣). ولا يجوز أيضًا حمله على أن منه بمعنى فعله، كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]. يعني: خَلْقًا ومُلْكًا، لأنَّه قد ثَبَتَ بالدليل أنَّ كلامه صِفَةٌ قديمة لذاته، غير محدثة ولا مخلوقة (٤). * * *

стр. 432

[حَديثٌ آخَرٌ] ٣٧٨ - ناه أبو القسم بإسناده: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إنَّ الله ﵎ قَرَأَ طه ويس قَبْل أنْ يخلق آدمَ بألْفِ عَامٍ، فلما سمعتِ الملائكةُ القُرآنَ، طُوبَى لأُمِّةٍ يَنزلُ هذا عليها، وطُوبَى لأجْوافِ تَحمِلُ هذا، وطُوبَى لألْسُنٍ تَكَلَّمُ بهذا" (١). وقد ذكره أبو عبد الله بن بطة في كتابة بإسناده. اعلم أنه غيرُ ممتنعٍ إطلاق صفة "القراء" على الله سبحانه، كما أنَّه غير ممتنع إطْلاقُ صفَةُ الكلام عليه، فنقول: قَرَأَ ويَقْرأ، كما نقول: تكلَّم ويتكلم، وقد قال الله سبحانه: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ [القيامة: ١٨]. فوصف نفسه بذلك (٢)، ولأنَّه ليس في ذلك ما يُوجب خَلْقَ القرآن ولا

стр. 433

حدوثه، كما لم يكن في قولنا "تَكَلَّم" ما يُوجب حُدوثه. فإنْ قيل: بل فيه ما يُوجب حدوثه وخلقه، وذلك أن القراءة عبارةٌ عن جمع الشيء، ومنه قولهم: ما قَرَأت هذه الئاقة سَلَا (١) قط، أي: ما جَمَعَت في رحمها وَلدًا، وكذلك قولهم: قرأت الماء في الحوض، وقرأت اللقمة في فَيَّ، ومتى وَصفنا القُرآن بالجَمع، وصفناه بصفةٍ توجب حدوثه. قيل: يحتمل أنْ يكون الجمع راجعًا إلى أَحَدِ وجهين: أحدهما: إلى أَحْكامه وشَرائعه، لا إلى نفس الكلام الذي هو الصفة لقيام الدليل على قدمه، والقديم لا يَصحُّ جَمعه (٢)، وأحكامه مجموعة في

стр. 434

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 435

الجملة ومُفَصَّلة في الآياتِ والسُّور، ويكون ذِكْر السور والآيات عَلَاماتٍ لتفصيل الأحكام. الوجه الثاني: أنْ يكون الجَمْعُ راجعًا إلى جمع فهمه وعلمه ومعرفته، وذلك لا يُفْضي إلى الحدث في القرآن لأنَّ الجمع يحصل في صفات القارئ لا في القُرآن، ولأنَّ المقرؤ عبارة عن المجموع، ثم لم يوجب ذلك منع وصفه بذلك، كذلك في القراءة. ٣٧٩ - وقد ذكر أبو بكر بن الأنباري في كتاب "الزَّاهِر" فقال: إنَّما سُمِّي القُرآنُ قُرآنًا فيه قولان: أحدهما: قاله أبو عبيدة: لأنَّه يجمعُ السّور ويضمها. وقال قطرب: إنَّما سُمي القُرآن قرآنًا، لأنَّ القارئ يظهره (١) ويلقيه من فيه، أُخِذَ من قول العربِ: ما قرأت النَّاقَةُ سَلَا قَط، أي: ما رمت بولد (٢).

стр. 436

[إِثْباتُ صِفةُ "الحَياء" لرَبِّنا جَلَّ شأنه] [حَدِيثٌ آخر] ٣٨٠ - ناه أبو القاسم بإسناده: عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ : "إن رَبَّكُم كريم يَسْتَحي مِنْ عَبْدِهِ، إذا رَفَعَ إليه يَدَهُ يَدْعُوه، أنْ يَرُدَّهُما إليه صِفْرًا" يعني ليس فيها شيء (١). وفي لفظٍ آخر: "إن الله حَييٌّ كَريم، يَسْتَحي إذا رَفَعَ العَبْدُ يَدَيْه يَرُدهما صِفْرًا، حتى يَضَعَ فيهمَا خَيرًا" (٢).

стр. 437

٣٨١ - وفي حديث آخر: رواه أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ الله ليَسْتَحي إذا رَفَعَ العبد إليه يَديه، أنْ يَرُدَّهما صفْرًا، ليس فيهما شيء" (١). ٣٨٢ - وفي حديث آخر: رواه علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ ربكم كَريم يَستحي إذا رَفَعَ العَبدُ يَدَيْه أنْ يَرُدَّهُما صفرًا لا خَيرَ يهما، فَلْيُعْطِ الله العَبدُ منْ نَفْسِهِ الجَهَد، وإذا حَزَبه أمْرٌ فليقل: حَسْبي الله وَنعْمَ الوكيل" (٢). ٣٨٣ - وفي حديث آخر: رواه أنس عن النبي ﷺ يأثره عن ربه : "إنِّي

стр. 438

لأستحي من عبدي أنْ يشيبَ في الإسلام أنْ أُعَذِّبَه" (١). ٣٨٤ - وفي حديث آخر: رواه عَطَاء عن يعلى أن النبي ﷺ رأى رَجلًا يَغْتَسلُ بالبَراز، فَصَعِدَ المنبر فحمدَ الله وأثنى عليه، فقال: "إنَّ الله حَيي حَليمٌ سِتِّيرٌ يُحبُّ الحَيَاء والسِّتْر، فإذا اغْتَسَلَ أَحَدُكُم فَلْيَسْتَتِرْ" (٢).

стр. 439

٣٨٥ - وروى أبو بكر أحمد بن إسحق الصبغي: عن أبي واقد الليثي أن رسول الله ﷺ بينما هو جَالسٌ في المسْجِدِ والناسُ مَعَه، أَقْبلَ ثلاثةُ نَفَرٍ فَأَقْبَلَ اثنان إلى رسول الله ﷺ وذَهَبَ وَاحِد، قال: فَوَقَفَا على رسول الله ﷺ ، فأمَّا أَحدُهما فرأى فُرجَةً في الحلقة فَجلسَ فيها، وأمّا الآخر فجلسَ خَلْفَهم، وأمَّا الثالث فأدْبَر ذَاهبًا، فلما فَرغَ رسول الله ﷺ قال: "ألا أُخْبركم عن ثلاثة نفر (١)، أمّا أَحدهم فَأَوَى إلى رسول الله ﷺ فآواهُ الله، وأمَّا الآخرَ فاسْتَحيا فاستحيا الله منه، وأمّا الآخر فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ الله عنه" (٢). اعلم: أنَّه غيرُ مُمْتنع وصف الله تعالى بالحياء، لا على معنى ما يُوصف به المخلوقين من الحياء الذي هو انقباضٌ وتَغَيُّرٌ وتجمع وخَجَلٌّ، لاستحالة كونه جسمًا مُتغيرًا تحلُّه الحوادث (٣)، لكن نُطلق هذهِ الصفة كما أطلقنا وصفه

стр. 440

سبحانه بالإرادَة وإنْ خالفت إرادة المخلوقين، لأن إرادته تقتضي وجوب المراد، وإرادتنا لا تقتضي وجوبه، وكذلك علمه يقتضي العلم بالمعدوم والموجود خلاف علمنا، وكذلك رؤيته لا تقتضي وجوده في جهة، خلاف رؤية بعضنا، ولأنَّه لو لم يوصف بالحياء جاز أنْ يُوصف بضده وهو "القُحَة" (١) ولما لم يُوصف بضده جاز أنْ يُوصف به، ألا ترى أنَّا وَصَفْنَاه بالعلم والقُدرة والكلام، لأنَّ في نفيها إثبات أضدادها، وذلك مستحيل عليه. فإن قيل: يُحمل قوله: "يستحي" على التَرك، فيكون قوله: "يستحي" بمعنى لا يترك يدي العبد خالية من خير، إذا رَفعها إليه في الدعاء، قالوا: وعلى هذا يُتأوَّل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ [البقرة:٢٦] أي لا يترك، لأنَّ المستحي يترك للحياء أشياء، كما يترك للإيمان، وينقطع بالحياء عن المعاصي، كما ينقطع بالإيمان عنها، ولهذا قال رسول الله ﷺ : "الحياء شُعْبَةٌ من الإيمانِ" (٢).

стр. 441

وكذلك قوله: "وأمّا الآخر فَاسْتَحيا فاسْتَحيا الله منه" فيحتمل أنْ يكونَ معناه: أنه يترك أذى القوم بمزاحمتهم في مجلسه، فترك الله عقوبته وعَفَا عنه، وكذلك قوله: "إنَّ رَبَّكم حَي كَريمٌ" أنَّه يترك عقوبة العَبد على خطيئته (١). قيل: هذا غَلَطٌ، لأنّه يُسقط فائدة التخصيص بهذه الصفة، لأنه قد يُعطى مع وجود هذه الصِّفة التي هي رفعُ اليدين ومع عدمهما، فوجب حمله على فائدة، ولا فائدة إلا إثباتُ هذه الصفة. وجَوابٌ آخر: وهو أنَّه لو كان الحياء عبارة عن الترك؛ لحصل تقدير الخبر: إن الله يترك يده صِفْرًا، وقد قالوا إن معناه: أنه لا يترك يده صِفْرًا من العطاء، فعلى هذا تحصيل عبارة عن ضِد الترك، فلا تستقيم العبارة والتأويل. فأمَّا قوله: "سِتِّير" أي ساتر يستر على عباده كثيرًا من عيوبهم، ولا يُظهرها عليهم، وسَتير بمعنى سَاتِر، كما جاء قدير بمعنى قادر، وعليم بمعنى عالم. * * *

стр. 442

[حَديثٌ آخر] ٣٨٦ - ناه أبو القسم بإسناده: عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: حَدثنا نبي الله ﷺ : "أن رَجُلا آتاه الله مَالًا وَوَلدًا، وكان لا يدين دينًا فمكث حتى إذا ذهب عمر وبقي عمر، تفكر فعلم أنَّه لم يبتثر عند الله خيرًا، دعا بنيه فقال: أيُّ أبٍ كنتُ لكم؟ قالوا: خَيرُ أبٍ يا أبانا، قال: فَوَالله لا يَبْقَى عند رجلٍ منكم مالك هُو منِّي إلا وأنا آخذُه، أَوْ تَفْعلوا ما آمرْكم به؟ قال: فأخذ منهم ميثاقًا، قال: فإذا أنا مِتُّ فاحْرِقوني، ثم دُقُّوني ثم ذَروني في يَوم ريحٍ عَاصِفِ لعلِّي أُضل الله، قال: فَفَعَلُوا ذلك وربِّ مُحمدٍ حين مات، فجيء به أَحْسَنَ ما كان فعرض [على] (١) الله تعالى، قال: ما حَمَلَكَ على النَّار؟ قال: خَشْيَتُك يا رَبَّاه، قال الله: أَجِدُك رَاهبًا، فتابَ الله عليه، أو قال غفر له" (٢). ٣٨٧ - وفي حديث آخر: رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أسْرَفَ رجُلٌ على نَفْسِهِ، حتى إذا حَضَرَتْه الوَفاة قال لأهله: إذا أَنا مِتُّ فاحْرقُوني، ثم

стр. 443

اسحقوني، ثم ذَرُوني في الرياح، فَوالله لئن قَدِرَ الله عليَّ ليُعَذِّبَني عَذَابًا لا يُعذبه أَحَدًا، قال: فَفُعِلَ ذلك به، فقال الله جلَّ اسمه لكل شيء أخذ منه شيئًا: رُدَّ ما أَخَذْتَ منه، فإذا هُو قائمٌ بين يدي الله تعالى، فقال له: مَا حَمَلَك على ما صَنَعْتَ؟ قال: خشيتك، فغفر الله له" (١). وفي لفظٍ آخر: "أن رجُلًا ممن كانَ قبلكم لم يعمل خَيرًا قط إلا التَّوحيد" وذكر الخبر (٢). وفي لفظ آخر: قال: "إذا أنا مِتُّ فحرِّقوني، ثم اطْحَنُوني، ثم ذَرُوني في البحر" وذكر الخبر (٣).

стр. 444

اعلم أن هذا الخبر وإنْ لم يرجع شيْءٌ من لفظه إلى ما هو صِفَةٌ من صفات الله؛ فإنَّ لفظه مُشْكِلٌ، وكان القائل له رجلًا موحدًا مَغفورًا له، فوجب أنْ يوقف على معناه ليزول الإشكال. أمَّا قوله: "أضل الله" أي أنساه، كما قال تعالى: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢]. وقول: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢]. أي: تنساه، وقيل في بعض الوجوه في تأويل قوله سبحانه: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]. أي ناسيًا فذكَّرك، والعرب تقول: ضَلَلْتُ كذا وأَضْلَلْته، أي نسيته (١). وإذا كان ذلك معنى الضلال ها هنا؛ فمراده أن الله سبحانه يُميتُني ولا يبعثني فاستريح مِنْ عذابه، والعرب تقول: ضَلَّ الماء في البئر، إذا غَابَ فيه ولم يَبِنْ، ويكون تحقيق معنى قوله: "أضل الله" أي: لعلَّ الله لا ينشرني ولا يُبعثني فاستريح من عذابه، وهذا إظْهار الجَزَعِ والخوف والخشية بأبلغ ما يكون في بابه، لا أنَّه كان يعتقد قائله أنّه يجوز أنْ ينسى الله أحدًا، أو يُمكن أنْ يفوته شيء. ٣٨٨ - ومثل ذلك ما روي عن عمر ﵁ أنَّه كان يقول في دعائه: اللهم وإنْ كنتَ كتَبْتَني شَقِيًا فامحني واكتبني سعيدًا (٢).

стр. 445

فذكر أهل العلم أن ذلك إظهارُ غاية الخوف والخشية، حتى يسأل ما لا يكون، أنْ لو كان مما يكون، حتى لا يفوته التَّضرع بكل وجه في طلب ما يكون. وأمَّا قوله: "لئن قَدِرَ علي ربي ليعذبني" فلا يمكن حمله على معنى القدرة، لأنَّ من توهم ذلك لم يكن مُؤمنًا بالله ولا عارفًا به، وإنَّما ذلك على معنى قوله تعالى في قصة يونس: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. وذلك يرجع إلى معنى "التَّقدير" لا إلى معنى "القُدرة" لأنَّه لا يصح أن يخفى على نبي معصوم ذلك. ٣٨٩ - وقال الفَرَّاء في تأويل قوله: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. أي أنْ لن يقدر عليه ما قَدَرنا (١). فعلى هذا يحمل قوله: "لئن قَدِرَ علي ربي ليعذبني" أي إنْ كان قدر: أي حكم علي بالعقوبة فإنّه يعاقبني دائمًا، وهذا كلام خائفٍ جَزعٍ، فوجب حمل كلامه على وجه صحيح، لا ينافي المغفرة ولا يؤدي إلى الكفر (٢). * * *

стр. 446

[حَدِيثٍ آخر] ٣٩٠ - ناه أبو القسم قال: أنا أبو بكر عبد العزيز إجازةً قال نا أحمد بن محمد الخلال نا يعقوب بن سفيان وإبراهيم بن الهيثم قالا نا آدم نا أبو جعفر الرازي عن عبد الله بن دينار عن بشير عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الرُّحم شُجْنَةٌ من الرحْمَن، تعلق بَحْقوي الرَّحْمن جَلَّ اسمه تقول اللهم: صِلْ من وَصَلني، واقْطَعْ مَنْ قَطَعَني" (١). ٣٩١ - وناه أبو القاسم قال: أنا أبو بكر بن مالك إجازة قال نا عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي قال نا أبو بكر الحنفي نا معوية بن أبي مُزَرِّد (٢) قال: حدثني عمي سعيد أبو الحباب قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله لَمّا خَلَقَ الخَلْقَ، قامَتِ الرَّحمُ فأخَذَت بحَقْو الرَّحمن، قالت: هذا مقام العَائذِ من القطيعة، قال: أَمَا تَرضَينَ أنْ أَصلَ مَنْ وَصَلَكِ، وأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ، اقرؤا إنْ شئِتم ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٢ - ٢٤] " (٣).

стр. 447

٣٩٢ - وناه أبو القسم قال: نا القاضي عمر بن سنبك قال: أبو بكر بن أبي داود نا زيد بن أخزم نا أبو عاصم عن ابن جريج قال: أخبرني زياد عن صالح مولى التَّوأَمَة عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "الرَّحم شُجْنَةٌ آخذِةٌ بِحُجْزَةِ الرَّحْمن" (١). اعلم أنَّه غير ممتنعٍ حمل هذا الخبر على ظاهره، وأن "الحَقُو" و"الحُجْزة" (٢) صفة ذاتٍ، لا على وجه الجارحة والبعض، وأن الرحمن آخذة بها لا على وجه الاتصال والمماسة، بل نُطلق ذلك تسمية كما أطلقها الشرع. ونظير هذا ما حملناه على ظاهره في وضع القَدَمِ في النارِ، وفي أخذ "داود" بقدمه لا على وجه الجارحة، ولا على وجه المماسة، كما أثْبتنا خلق آدم بيديه، فاليدان صِفَةُ ذاتٍ، والخلق بها لا على وجه المماسة والملاقاة،

стр. 448

كذلك ها هنا (١)، وكما أثبتنا الاستواء لا على وجه الجهة والمماسة. ٣٩٣ - وذكر شيخنا أبو عبد الله ﵀ في كتابه هذا الحديث وأَخَذ بظاهره. وهو ظاهر كلامِ أحمد. ٣٩٤ - قال المروذي: جاءني كتاب من دمشق فعرضته (٢) على أبي عبد الله فنظر فيه، وكان فيه: أن رجلًا ذكر حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : "إن الله خلقَ الخلقَ، حتى إذا فَرَغ منها قامت الرحم، فأخذت بحقو الرحمن" وكان الرجل تلقيه (٣) يعني حديث أبي هريرة فرفع المحدث رأسه وقال: أخاف أن تكون كفرت، فقال أبو عبد الله: هَذا جَهمي. ٣٩٥ - وقال أبو طالب: سمعت أبا عبد الله سُئل عن حديث هشام بن عمار أنه قُرى عليه حديث: "تجيء الرحم يومَ القيامة، فتتعلق بالرحمن" فقال: أخاف أنْ تكون قد كفرت، قال: هذا شامي ماله (٤) ولهذا قلت ما تقول؟ قال: يُمضى الحديث على ما جاء. فإنْ قيل: الرَّحم لا يصح عليها التعلق، لأن ذلك حق القرابة من طريق النسب، فَعُلِم أن ذلك مَثَلٌ والمراد به تأكيد أمر الرحم، والحثِّ على وَصْلِه، والزَّجْرِ عن قطعه، فأَخْبَر عن ذلك بأبلغ ما يكون من التأكيد، ويكون معناه: أنَّها مُسْتَجيرةٌ معتصمةٌ بالله (٥).

стр. 449

قالوا: ويُبين هذا أنَّه قد روي في حديث أبي هريرة ﵁: "الرحم مُعَلَّقةٌ بالعَرشِ، لها لِسَانٌ طَلقٌ ذَلِقٌ، تقول: مَنْ وَصَلَني وَصَلَهُ الله، ومَنْ قَطَعَني قَطَعُه الله" (١).

стр. 450

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 451

قيل: هذا غلطٌ، لأن قوله: "إن الرحم حق القَرَابة" ولا يصح التعلق عليه فليس كذلك، لأن معناه: ذي الرحم يأخذ بحقو الرحمن، فحذف المضاف وأَقَام المُضاف إليه مَقَامَه، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤)﴾ [مريم: ٣٤]. ومعناه: صاحب قول الحق، وإذا ثَبَتَ أنَّ المراد بها ذي الرحم فذلك مما يصح عليه التعلق، والذي يدل على أن المراد به ذي الرحم، أن الوَصْلَ والقَطْعَ نَفعٌ وضرٌ، وذلك إنما يختصُّ بذي الرحم، فأما نفس الرحم فلا يتوجه إليه. ٣٩٦ - ويبين ذلك قول النبي ﷺ : "شركٌ بالله تَبَرئٌ من نسب" (١).

стр. 452

ومعناه: تبرئ من ذي النسب. ٣٩٧ - وقوله ﷺ : "بُلُّوا أَرْحَامَكُم وَلو بالسَّلامِ" (١) ومعناه: بُلُّوا ذي الأرْحَامِ بالسلام.

стр. 453

وقولهم: إن ذلك مثل، فلا يصح، لأنّه إذا أمكن حَمْلُ الكلام على ما يفيد كان أولى من حمله على ما لا يفيد. وقولهم: إن معناه أنها مُستجيرةٌ معتصمة بالله، فلا يمنع من هذا، لكن صِفَةُ الاستجارة والاعتصام على ما ورد به الخبر، من الأَخْذِ بحقو الرحمن جل اسمه. وقولهم: إن المراد بذلك تأكيد أمر الرحم والحثِّ على صلته، فلا يمنع من هذا، وليس في ذلك ما ينافي الصفة المذكورة في الخبر، بل يجوز أنْ يكون قَصد الحثّ على صلته، لأجل ما يُوجد منهم مِنَ الاعتصام على الصفة المذكورة. وقولهم: إن في حديث أبي هريرة ﵁: "إن الرَّحم مُعَلَّقَةٌ بالعَرْش" فلا يمنع أنْ تعلق بالعرش في حال، وتعلق بحقو الرحمن في حال، فيُجمع بين الخبرين جميعًا. ٣٩٨ - فأمَّا معنى "الشُّجْنة" فقال أبو عبيد: فيه لغتان شِجنة وشُجنة، وإنما سُمّي الرجل شجنة بهذا. وقال أبو عبيدة: يعني قَرَابة مُشتبكة كاشتباك العُرُوق. قال أبو عبيد: وكأن قولهم: الحديث ذو شجون منه، إنما يمسك بعضه ببعض (١). وقال غيره من أهل العلم: يقال هذا شَجَرٌ متشجن، إذا التفَّ بعضه ببعض وهو من هذا (٢). ٣٩٩ - قال (٣): وأخبرني يزيد بن هارون عن الحجاج بن أَرْطَأة قال: الشُّجْنَةُ

стр. 454

كالغُصْنِ تكون من الشجر أو كلمه نحوها. وأمّا قوله تعالى: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] فحكى شيخنا أبو عبد الله رحمه في كتابه، عن جماعة من أصحابنا الأخذ بظاهر الآية في إثْبات الجنب صِفَة له سبحانه. ٤٠٠ - ونقلت من خط أبي حفص البرمكي قال ابنُ بَطَّة: قوله: "بذات الله" أمر الله كما تقول: في جَنْبِ الله، يعني في أمر الله. وهذا منه يمنع أنْ يكون الجنب صِفَةَ ذَاتٍ، وهو الصحيح عندي، وأنَّ المراد بذلك التَّقْصير في طاعة الله، والتَّفريط في عبادته، لأن التَّفريط لا يقع في جنب الصِّفة، وإنَّما يَقَعُ في الطَّاعة والعبادة، وهذا مستعملٌ في كلامهم: فلانٌ في جَنب فلان، يريدون بذلك في طاعته وخدمته والتقرب منه. ويبين صحة هذا التأويل ما في سياق الآية من قوله: ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٨]. ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧]. وهذا كله راجع إلى الطاعات. ٤٠١ - وقد اعتبر أحمد القرائن في مثل هذا، فقال في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]. قال: المراد به علمه، لأن الله افتتح الخبر بالعلم، وختمه بالعلم. * * *

стр. 455

[حَديثٌ آخَر] ٤٠٢ - ناه أبو القسم بإسناده: عن علي أن رسول الله ﷺ قال: "مَن سَرَّهُ أنْ يمد الله في عُمْرِهِ، ويُوسِّع عليه في رِزْقه، وَيدْفَعَ عنه مِيتَةَ السُّوء فَليتَّقِ الله وَليصِلْ رَحِمه" (١). إنْ سأل سَائلٌ عن هذا الخبر فقال: كيف تجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩]. وقال

стр. 456

في موضعٍ آخر: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١]. فأَخْبر أن الأجل لا يتقدم ولا يتأخر، فكيف يجوز مع هذا أنْ يقول النبي ﷺ : "صِلْةُ الرحم تمد في العُمر" وروى: "تزيدُ في العمر". ٤٠٣ - قالوا: ويؤيد ما في الكتاب: ما روى من أن أُمَّ حَبيبةَ قالت: اللهم مَتِّعني بأبي سفيان وبأخي معاوية، فقال النبي ﷺ : "لقد سَأَلْتِ الله في آجالٍ مَضْرُوبة، وأَرْزَاقٍ مَقْسُومةٍ لا يؤخر منها شيئًا" (١). ٤٠٤ - وقال ابن مسعود في حديثه عن النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق: "إن الله يَبْعَثُ مَلَكَ الأرْحَام، فَيكْتب أَجَلَ المولودِ في بَطْنِ أُمه، ورِزْقَه وشَقَاوَتَه وسعَادَته" (٢). فيقال له: قد قال بعض أهل العلم: إن معنى الزيادة في العمر نَفْيُ الآفات عنهم، والزيادة في أفْهامهم وعقولهم وبصائرهم، وليس ذلك زيادة في

стр. 457

أرْزَاقِهم ولا في آجالهم، لأنه قد أخبر سبحانه أنه يَزيد من يشاء من فضله، ولم يخبر أنَّه يزيد من يشاء في رزقه وفي أجله، بل أَخْبَر بضد ذلك فقال: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٢]. وقال: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾ [الأعراف: ٣٤]. وقال بعضهم: إن الله سبحانه يكتبُ أجل عبده مائة سنة عنده، ويجعل تركيبه وهيئاته وبنيته ثمانين، فإذا وَصَلَ رَحمه زادَ الله في ذلك التركيب، وفي تلك البنية، ووصل ذلك النقص فعاش عشرين أُخرى حتى يبلغ المائة، وهو الأجل الذي لا يستأخر عنده ولا يستقدم فيه. وقال بعضهم: معنى ذلك أنْ يكون السَّابق في المعلوم، أنَّه إذا وَصَلَ رَحمه كان عمره أكثر منه إذا لم يصل، فيكون كله مما سبق في العلم، على الحد الذي يحدث ويوجد في المستأنف. ٤٠٥ - وقد روى أبو الحفص العُكْبري (١) بإسناده: عن أبي الدَّرْداء قال تَذاكرنَا عند رسول الله ﷺ الزيَادة في العُمُر فقال رسول الله ﷺ : "إن أحدًا لا يُزادُ في عُمُرِهِ الذي أَجَّلَه الله له، ولَكنَّ الزيادَة في العُمُر: الرَّجُلُ يموتُ وَيدَع ذُريةً صَالحةَ فَيَدْعُونَ له مِنْ بَعده، ويتبعونه بالعَمَل الصالح" (٢).

стр. 458

فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١]. قيل: معنى ذلك: أي مَنْ قَلَّ عمره أو كَثُر فهو يمضي (١) إلى أَجَله الذي كُتِب له، وقوله: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ كل يوم حتى ينتهي إلى أجله ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾، يعني في اللوح المحفوظ مكتوب قبل أنْ يخلقه، قد بَيَّن قدره، لا أنَّه يكون زَائدًا ثم ينقص، أو ناقصًا ثم يزيد، لأنّ ذلك يُؤدي إلى أنْ لا يكون الله تعالى عالمًا بالأشياء قبل كونها، على حسب ما يكون، ولا يجوز ذلك في وَصْفه، فَعُلِم أن المراد به تعريفنا أنّ التفاوت الواقع بين الأعمال في اختلاف مددها في الطول والقصر، والزيادة والنقصان، كل ذلك في كتاب مبين على حكم واحد، صدر عن علم سابق محيط. والمخالف في هذا الأصل "القَدَريَّة" لأنهم يقولون بقطع الأجل، ومعنى ذلك: أن يكون الله تعالى قد جعل لبعض الأحياء مدة حياته خمسين سنة، ثم يقتله القاتل فيجعل ذلك سَنَةً، ويقطع عليه بلوغه المدة التي قَدَّرَ الله له ذلك. وهذا قولٌ يخالف ما تقدم من الكتاب والسُّنّة، ويؤدي إلى وَصْفِ الله بالقَهر والغَلَبة، لأنَّه إذا أراد أن يكونَ أجل زَيد خمسين سنةً، وأراد غيره أنْ يكون سَنَةً، فلم يمكن من بلوغه الأجل الذي أجَّلَه الله له، وأراد أن يَبلغه عليه

стр. 459

أجله، فقد قهره في مراده وغلبه في حكمه وذلك لا يليق بوصفه (١). ولأنَّ من قال منهم بقطع الأجل؛ يلزمه أنْ يقول بزيادة الأجل إذا وَصَلَ رحمه وتجنب الآفات، وهذا لازمٌ لمن فَرَّق بين الأمرين، ومن جمع بين الزيادة والنقصان فقد خالف ظاهر الكتاب والسنة. فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ [الرعد: ٣٩]. قيل: قد قيل فيه وجوه: أحدهما: أن معناه أن الله ينسخ من الأحكام ما يشاء وذلك محوه، ويُثبت فيها ما يشاء وهو إثباته وتقديره، وقد يُوصف تعالى بالنسخ والإثبات ولا يدعوا ذلك إلى البداء ولا إلى الزيادة في العمر. وقيل فيه: معناه يمحو ما سَبَقَ من الذنوب بالتوبة المتعقبة لها، ويثبت التوبة وحكمها.

стр. 460

وقيل فيه: أنَّه يمحو بياضَ النَّهار ويُثبتُ سوادَ الليل، ويُثبتُ بياضَ النهار ويَمحو سوادَ الليل. وقيل: معناه تعريفنا أنّ الإيجاد والإِعدام، والإثبات والنفي، متعلقٌ بمشيئته على حسب ما سبق به علمه، وجرى به قلمه، لا يكون ذلك إلى غيره أو من غيره (١). فإن قيل: فما معنى قوله تعالى مُخبرا عن نوح ﵇ أنَّه قال لقومه: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح:٣ - ٤] (٢). وقال في آيةٍ أخرى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢)﴾ [الأنعام: ٢]. قيل: أما قول نوح إنّه يؤخرهم إلى أجلٍ مسمى إنْ آمنوا وبَلَغُوه يكون أجلًا لهم ولم يثبت الله تعالى لهم أجلًا لم يبلغوه، ولا قال إلى أجلٍ لكم مسمى، بل لم يُضف إليهم الأجل (٣) ونكَّره فَبَانَ أن المراد أَجَلًا من الآجال، لو آمنوا وبَلَغوه كان لهم أجلًا، يبين صحة هذا قوله في سياقها: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [نوح: ٤]. يريد بذلك ما هو
следующие страницы →