← Акыда

Акыда · id 730

إبطال التأويلات - ط غراس

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (691 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

[حَديثٌ آخر] ٤٣٧ - ناه أبو القسم بإسناده: عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة وأنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله رَفيقٌ يحبُّ الرِّفق، ويُعطي عليه ما لا يُعطي على العُنْف" (١).

стр. 492

اعلم أنه غير ممتنع وَصْفه بالرفق، لأنه ليس في ذلك ما يُحيل على (١) صفاته، وذلك أن الرفقَ هو الإحسان والإِنعام، وهو موصوفٌ بذلك لما فيها من المدح، ولأنَّ ذلك إجماعُ الأُمة، لأنهم يقولون: يا رفيقُ ارْفُقْ بنا في أحكامك، ولأنه إنْ امتنعَ وَصْفُه بالرفق، جازَ وَصْفُهُ بضدِّه. * * *

стр. 493

[حديثٌ آخر] ٤٣٨ - ناه أبو القاسم قال: نا أحمد بن عبد العزيز بن جعفر إجازة قال: نا أبو الطيب عبد الله بن محمد بن فراح قال: نا بشر بن موسى ومحمد بن مسلمة قالا: نا حرملة قال: حَدَّث سليمان بن حميد أنه سمع محمد بن كعب القرظي يحدث عن عمر بن عبد العزيز قال: إذا فَرَغَ الله مِنْ أهلِ الجنة وأهل النار، أقْبَل يمشي في ظُلَلٍ من الغَمَام والملائكة، فيقفُ على أولِ أهلِ درجةٍ فيُسلِّم عليهم فيردون ﵇ وهذا في القرآن: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ يقول: "سَلوني، فيقولون: ماذا نَسألك، فَوَعَزَّتِكَ وجَلالك وارْتِفَاعِك في مَكانِكَ، لو أنَّكَ قَسَمْتَ (١) علينا رِزْقَ الثقلين الجن والأنس لأطْعَمناهُم وأسْقَينَاهُم، ولا يَنْقُص ذلك مما عِنْدَنَا، قال: بلى سَلُوني، قالوا: نَسْئَلكَ رِضَاكَ، قال: رضائي أُحِلُّكُم دَار كَرَامتي، فيفعل هذا بأهلِ كلِّ دَرَجةٍ حتى يَنْتَهِي إلى مَجْلِسِه، ولو أن امْرَأةً مِنَ الحُور اطَّلَعَت بِسِوارِها مِنَ العَرْشِ، لأَطْفَأ نورَ سِوارِها الشَّمْس والقمر" (٢). اعلم أن الحديث وإنْ كان موقوفًا، فإن ظاهر القرآن يشهد له وهو قوله

стр. 494

تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]. وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢]. وروى بعض هذه الألفاظ مرفوعًا إلى النبي ﷺ . ٤٣٩ - حدثنا أبو القسم عن أبي الفتح قال قُرئ على أبي القسم بن بنت منيع وأنا أسمع حدثكم محمد بن حميد الرازي نا إبراهيم بن المختار قال: نا ابن جُريج أن زَمعة بن صالح أخبره أن سلمة بن وهرام أخبره عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "إن مِنَ الغَمَام طَاقَات يأتي الله تعالى فيها مَحْفُوفًا بالمَلائِكَةِ، وذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] (١). وإذا كان ظاهر القُرآن والسُّنَّة يشهد له؛ وَجَبَ إمراره على ظاهره، كما وجب إمرار غيره من الصفات، إذ ليس في ذلك ما يُحيل صِفَاته، وذلك أنَّا لا نصف مَشْيَهُ ووقوفه على أهل الدرجات وانتهاءه إلى مجلسه عن انتقال وزوال، بل نُطْلق ذلك كما أطلقنا استواءه على العرش، لا عن انتقال مع قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ و"ثُمَّ" في كلام العرب للمُهْلة والتَّراخي، وكما أثْبتنا تجليه للجبل ولموسى لا عن انتقال، كذلك ها هنا. ويشهد لهذا الخبر على أصولنا نزوله إلى سماء الدنيا، ووضعه القدم، ووطيه بَوج، وقد تقدم الكلام في ذلك (٢).

стр. 495

فإن قيل: محمد بن كعب وَقَع إليه كتب من يهود قريظة، فكان ينظر فيها فيروى عنها، وقيل: إن الذي رواه عنه زمعة وسلمة بن وهرام وعكرمة وكلهم ضعفاء (١). قيل: هذا غلطٌ، لأن الحديث الذي رويناه غير موقوفٍ على محمد بن كعب، وإنما رواه عن عمر بن عبد العزيز وهو من أعيان التابعين وعلمائهم. ولو كان موقوفًا على محمد بن كعب لم يضر أيضًا، لأنَّ محمد بن كعب من العلماء الثقات، روى عن ابن عباس وعن جابر وغيرهما من الصحابة، ولا يجوز أنْ يُظَن به أنَّه يروى في شرعنا ما هو باطلٌ منسوخ، ويجب أنْ يُحسن الظن فيه (٢). ولأنَّا قد بينَّا فيما تقدم أنْ سائر الشرائع لا تختلف فيما يتعلق، بصفات الله تعالى. وأمَّا قولهم: رواه زمعة وسلمة وعكرمة وهم ضعفى (٣)، فلا يصح لأنَّ الإسناد الذي رويناه من طريق محمد بن كعب ليس فيه واحد من هؤلاء، وإنما ذلك في حديث ابن عباس، وقد ذكرنا طريق إسناد محمد بن كعب مع أن هؤلاء ثقات عدول، لا نعلم أحَدًا أطعن عليهم ولا قدح في عدالتهم ولا امتنع من الرواية عنهم.

стр. 496

فإن قيل: نحمل قوله: "يمشي" يرجع إلى أفعاله، مثل قولنا: يعدل ويحسن ويخلق ويحرك ويشكر، وقوله: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]. معناه: مقدرها ومدبرها، أو على فوق الغمام، لا على أنه فيها كقوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢]. أي: فوقها، وقوله: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] (١). أي: على جذوعها، ويحتمل أنْ يُحمل وقوفه على أهل الدرجات يعني يُكرم أهل الدرجات درجة بعد درجة، وقوله: "حتى ينتهي إلى مجلسه" معناه العود إلى أفعاله قبل أنْ يُحدث لهم ما أحْدث، كما يقال: جاء الخير يَعْدُوا عَدْوًا، والمراد به سرعة الإقبال عليك (٢). قيل: هذا غلط، أما حمل المشي على أفعاله فلا يصح، لأن فيه إسقاط فائدة التخصيص بذلك اليوم، لأن أفعاله وأوامره جائزة قبل ذلك اليوم، ولأنَّه أضاف ذلك إلى الغمام، وذلك غير مختص به، ولأنَّه إنْ جاز حمله على ذلك؛ وجب أن يحمل قوله: "ترون ربكم" على رؤية أفعاله، وكذلك تجليه للجبل على ظهوره أفعالهِ، ولمَّا لم يجز ذلك هناك، كذلك ها هنا. وأمَّا تأويل قوله: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ تدبيرها فلا يصح، لأنَّه لم يزلْ مُدبرًا لها في دار الدنيا، فيجب أنْ يكون لهذا التخصيص بذلك اليوم فائدة، وقولهم لذا نحمل "في" بمعنى "على"، فإنما يجب الامتناع من إطلاق ذلك إذا كان فيه إثباتُ الطرف والمكان، ونحن لا نصفه بالطرفية والمكان، بل نصفه بذلك على نحو ما وصفناه جميعًا بالعلو على العرش، لا على معنى الجهة، وإنْ كنَّا نعلم أن العُلُو ضد السُّفلْ، وكما نُجيز رؤيته

стр. 497

في الآخرة لا في جهة، وكما نحن في علم الله لا على معنى الظرف. وأمَّا تأويلهم "الانتهاء إلى مجلسه" على العود إلى أفعاله؛ فلا يصح، لأنَّ الأفعال لا تُسمى مجلسًا في لغة العرب، وعلى أنَّه إنما يجب الامتناع من إطلاق المجلس إذا أريد به المكان والجهة، فأما إذا لم يُردْ به ذلك لم يمتنع إطلاقه، كالاستواء على العرش. * * *

стр. 498

[حديثٌ آخر ذكره ابن فورك ولم يقع لي] (١) عن النبي ﷺ قال: "دَخَلْتُ على رَبِّي في جَنَّةِ عَدْنٍ شَابًا جَعْدًا في ثَوبَين أَخْضرَين" (٢).

стр. 499

اعلم أنَّه غير ممتنعٍ حَمل الخبر على ظاهره، في جواز دخوله عليه الجنة، على وجهٍ لا يُوجب الجهة والحد، كما جاز وصفه بالاستواء على العرش لا على معنى الجهة، وجواز رُؤيته في الآخرة لا في جهة، ولأنَّه قد قال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٣٠]. فإذا جاز إطلاق الوقوف عليه؛ كان إطلاق الدخول عليه أولى. وأما الصفة التي ذكرها، فقد تقدم في أول الكتاب ذِكرها في حديث ابن عباس وأمِّ الطُّفيل، وبَينَّا أنَّه غير ممتنعٍ إطلاق ذلك عليه، لا على وجه التشبيه والأبعاض والأجزاء، بل نُطلقُ ذلك صِفَةً، كما أطلقنا صِفَةَ الوجه واليدين والعين ونحو ذلك، لا على وجه الأبعاض والأجزاء، بل نُطْلقُ ذلك صفةً، كما أطلقنا صفةَ الوجه واليدين والعين ونحو ذلك، لا على وجه الأبعاض والأجزاء. فإن قيل: قوله: "دخلت على ربي" معناه: دخلت دار ربي وجنَّة ربِّي بتقريبه لي وإكرامه إيَّاي، كما يقال في الموسم: أَتَيناكَ ربِّنا شُعْثًا غُبْرًا من كلِّ فجٍ عَميقٍ لتغفر لنا، ويقال: أَقْبَلَ الله على فلان بالكرامة، وأقبل فلانٌ على الله بطاعته، وكما يقال: دَخَل فلان على رأي فلان، ويقال: دخل عليَّ فلانٌ في منزلي، لا أنَّه دخل على بَدَنه، وإنما المعنى دخل داره (١).

стр. 500

قيل: هذا غلطٌ، لأنَّه قَصَدَ بذلك الافتخار وقُرب المنزلة، فإذا حَمَلناه على دخول الجنة بَطَلَ ذلك المعنى، لأنَّه يشركه فيه غيره من الأنبياء والأولياء، وقول الناس: أتيناك، فقد فُهِم المقصود منه، وهو أنَّهم أتوه راغبين في ثوابه. فإن قيل: قوله "شَابًا" يحتمل أنْ يكون رأى فيها شابًا وليًا من أوليائه على هذه الصِّفة، دون أنْ يكون المذكور هو الله تعالى، ويحتمل أنْ تكون الصِّفة راجعةً إلى النبي ﷺ فكأنه قال: وأنا شابٌ جعد. قيل: هذا غَلَطٌ، أمَّا حمله على أنَّه رأى فيها شابًا فلا يصح، لأنَّ هذا صِفَة وحال، والصِّفة والحال يرجع على ما تقدم ذكره وهو الله تعالى، فأمَّا بعض أولياء فلم يتقدم ذكره، فلا يجوز حمله عليه (١). وقولهم: إنَّ الصفة راجعة إلى النبي ﷺ فلا يصح أيضًا، لأنَّه لم تكن هذه صفته في تلك الليلة، ولو تغيَّرت صفته فيها، لَنُقِلَ كما نقل وضع اليد بين كتفيه، وقوله: "فيمَ يَختصمُ المَلأُ الأعلى" وقد تكلمنا على هذا السؤال في أول الكتاب في قوله: "رأيتُ ربي". فإن قيل: هذا الخبر كان رُؤْيا منام، والشيءُ يُرى في المنام على خلاف ما يكون. قيل: هذا غلطٌ، لأنَّ النبي ﷺ إنَّما فصد بذلك بيان كرامته من ربِّه وقُرب منزلته، فإذا جُمِلَ على خلاف ما أخبر زال المقصود، ولأنَّ ما يُخبر به شَرْعٌ، وصفات الله تعالى اعتقادها شَرع، فهو معصوم فيه، وإذا كان معصومًا استوى فيه المنام وغيره، ولأنَّا قد بيَّنا أن رؤيا الأنبياء وحيٌ، لأنَّ أعينهم تنام وقلوبهم لا تنام.

стр. 501

[في المقام المحمود لنبينا ﷺ -] [حَدِيثٌ آخَرٌ] ٤٤٠ - ناه أبو القَسِم قال: نا أبو الفتح بن أبي القوارير نا محمد بن جعفر أبو الطيب الكاتب نا يزيد بن محمد البادا قال: نا أبو عثمان سعيد أخو إبراهيم القاري قال: نا إسماعيل بن أبي مسعود عن عبد الله بن إدريس عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. قال: يُجلسه معه على السرير (١). ٤٤١ - وناه أبو القسم قال: علي بن عُمر بن عُمر بن علي التَّمار قال: أبو بكر عمر بن أحمد بن أبي مَعْمر نا يوسف بن أحمد بن حرب بن الحكم الأشعري البصري قال: حدثني أبي أحمد بن حرب عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن المقام المحمود فقال: "وَعَدَني رَبِّي القُعُود على العَرْش" (٢). ٤٤٢ - ونا أبو القسم علي بن عمر نا عمر بن أحمد نا يُوسف بن أحمد بن

стр. 502

حرب نا موسى بن إسماعيل أبو (١) سلمة المِنْقَري نا حماد بن سلمة عن ثَابت عن أنس قال: سألت رسول الله ﷺ عن المقام المحمود فقال لي: "القُعُودُ على العرش" (٢). ٤٤٣ - ونا أبو القَسِم نا علي نا عمر نا يوسف نا أزهر بن سعد السِّمان، قال: ابن عون عن نافع عن ابن عمر قال: قال عمر بن الخطاب سألت النبي ﷺ عمَّا أَوْعَدَه رَبُّه جلَّ اسمه فقال: "أَوْعَدَني المقَامَ المحْمودَ، وهُو القُعُودُ على العرش" (٣). ٤٤٤ - ونا أبو القسم قال: نا إبراهيم بن محمد نا أبو داود نا ابن أبي صفوان (٤) الثقفي وحجاج بن أبي يعقوب قالا: نا يحيى بن أبي كثير نا سلم بن جعفر (٥) نا سعيد الجريري نا سيف السدوسي عن عبد الله بن سلام قال: "إذا كَانَ يَومُ القيامة جِيءَ بنبيكم ﷺ فأُقْعِدَ بينَ يَدَي الله تعالى على كُرْسيه" قال فقلت: يا أبا مسعود (٦) إذا كان على كُرْسيه أليسَ هُو مَعَهُ؟ قال: وَيْلكُم هذا أقَرُّ حَديثٍ في الدُّنْيا لِعَيني". قال حجاج في حديثه: "إذا كانَ يومُ القِيامَة نزلَ الجبَّارُ جلَّ اسْمُه على عرشِهِ، وقَدَمَيه على الكرسي، ويُؤتى بنبيكُم ﷺ فيُقْعَد بَين يَدَيه على

стр. 503

الكرسي" فقالوا للحسن: إذا كانَ على الكرسي هو معه؟ قال: نعم، ويْلكم هُوَ مَعه هو معه (١).

стр. 504

اعلم أنه غير (١) ممتنعٍ حمل هذا الخبر على ظاهره، وأنَّه يجلسه معه على عرشه وسريره، بمعنى يُدنيه من ذاته ويقرّبه منها. ٤٤٥ - وقد قال أبو بكر الخلال: ذكر عبد الله بن أحمد أنَّه سمع حديث فضيل عن ليث عن مُجاهد: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. فذاكرت أبي فقال: ما وَقَعَ إليَّ بعُلُوٍّ، وجَعَل كأنَّه يتلهَّف، يعني إذْ لم يقع إليه بعلو (٢). ٤٤٦ - وذكر أبو بكر المروذي في مختصر كتاب "الرَّدُ على من رَدَّ حديث مجاهد" سألتُ أبا عبد الله عن الأحاديث التي تردها الجَهمية في الصفات والرؤية والإسراء وقصة العرش، فصححَّها أبو عبد الله وقال: قد تلقَّتها الأَمة بالقبول، تمر الأخبار كما جاءت (٣). ٤٤٧ - ونظر أبو عبد الله في كتاب التِّرمذي، وقد طعن علي حديث مجاهد في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. فقال: لم (٤)

стр. 505

هذا عن مجاهد وحده هذا عن ابن عباس، وقد خرَّجت أحاديثًا في هذا، وكتبها بخطه وقرأها. ٤٤٨ - وقال ابن عمير: سمعت أحمد بن حنبل سئل عن حديث مجاهد "يقعد محمدًا على العرش" فقال: قد تَلَقَّته العلماء بالقَبُول، نُسَلِّم الخبر كما جاء. وظاهر هذا أنَّه أخَذَ بظاهر الحديث، إذْ ليس في حمله على ظاهره ما يُحيل صفاته، لأنَّا لا نقول أنه في جهةٍ محدودةٍ، بل نُطلق هذه الصفة كما جاز وصفه بأنَّه على العرش، لا في جهة محدودة، كذلك جاز أنْ يَقْرُبَ من ذاته لا في جهة محدودة، ويشهد له قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم: ٨ - ٩]. ٤٤٩ - روى أبو عبد الله بن بطة بإسناده: عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ قال: كانَ بينَه وبينه مَقْدار قوسين (١). ويشهد لذلك أيضًا ما تقدم من حديث الإسراء: "أنَّه وضع يده بين كتفيه". ٤٥٠ - وروى أبو بكر النَّجاد في "السُّنَّة" بإسناده عن أنس قال: لما أُسْرِيَ برسول الله ﷺ عَرَجَ بي (٢) جبريلُ حتى إذا جَاءَ سَدْرَةَ المُنْتَهَى، ودَنا الجبَّارُ ربُّ العِزَّة فتدلى، فكان منه قابَ قوسين أو أدنى (٣).

стр. 506

٤٥١ - ونا أبو القسم قال: نا أحمد قال: نا حمزة نا محمد بن يونس قال: نا أبو يعلى محمد بن الصَّلْت التوزي نا عبد الله بن سعيد بن صفوان عن يُونس بن يزيد عن الزُّهري عن أبي بكر بن عمرو بن حَزْم عن ابن عباس وأبي حبَّة البدري قالا: قال رسول الله ﷺ : "عَرَجَ بي جبْريل فلما ظَهَر لي المستوى، أَقامني في موضع أسْمَعُ فيه صَريفَ الأقلام، بين يَدَي الرحمن جَلَّ اسمه" (١). وكل ذلك يدلُّ على القُرب من الذَّات. ٤٥٢ - ونظرتُ في جزءٍ عتيقٍ من كتب أبي الفضل التميمي ترجمته "مختصر

стр. 507

الردَّ على مَنْ ردَّ حديث مجاهد وغيره في المقام المحمود" جَمْعُ أبي بكر المروذي فروى بإسناده: عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "لو كُنْتُ مُتَّخِذًا خليلًا، لاتَّخَذْتُ ابن أبي قُحافةَ خَليلًا، ولكنْ خلةَ الإسلام أفضل" ثم قرأ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. قال: يُجلسه على العرش (١). ٤٥٣ - وبإسناده: عن مجاهد عن ابن عباس في قوله : ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. قال: يُقْعِدَهُ على العرْش (٢).

стр. 508

٤٥٤ - وبإسناده عن مجاهد في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. قال يُجلِسَه على العرش (١)، وهذه فضيلة للنبي ﷺ فهو كافر من ردَّها. ٤٥٥ - ولقد قال سعيد بن عبد الرحمن بن أبزي: قلت لأبي: لو رأيت رَجُلًا سَبَّ أبا بكرٍ ما كنتَ صانَعًا به؟ قال: اقْتُله، قلت: فعمر؟ قال: أقتله. فهذا لأبي بكر وعمر، فكيف بمن ردَّ فضيلة النبي ﷺ (٢)؟ ٤٥٦ - وبإسناده عن غالب بن عبيد الله العقُيلي قال: حدثني المكيون (٣):

стр. 509

أن الله ﵎ يغضَبُ يومَ القيامة غَضَبًا لم يَغضبْ مثله، قال فيقوم نَبيُّنا ﷺ فيُثني على الله بما هو أهْله قال: فيقول الله له: إدْنُه، قال: ثُمَّ يَغْضبُ ﵎ غضبًا لم يَغْضب مثله فيقوم نبينا فيثني على الله بما هُو أهْله، فيقولُ الله له: إدْنُه، فلا يزالُ يَقُولُ له إذْنه حتى يُجلسَه مَعَه على العرْش، قال رسول الله ﷺ : "فأنْظرُ إلى جبريل قَائمًا فأقول: يا رَبِّ إنَّ هذا - يعني جبْريل - جَاءَني منك برسالاتٍ فيقول الله : صَدقَ" (١). ٤٥٧ - وذكر أبو عبد الله بن بطة في كتاب "الإبانة" قال أبو بكر أحمد بن سلمان النَّجَّاد: لو أن حَالفًا حَلَفَ بالطَّلاق ثلاثًا أن الله تعالى: يُقِعد مُحمدًا ﷺ معه على العرش واسْتَفَتاني في يمينه لقلت له: صدقت في قولك وبَررْتَ في يَمينك، وامرأتُك على حالها، فهذا نهجنا وديننا واعتقادنا، وعليه نشأنا، ونحن عليه إلى أن نموت إن شاء الله. فَلِرمَنَا الإنكار على من ردَّ هذه الفضيلة التي قالتها العلماء، وتلقوها بالقَبول، فمن ردَّها فهو من الفرق الهالكة (٢). ٤٥٨ - وذكر أبو بكر الخلال في كتاب "السُّنَّة" قال: أخبرني الحسن بن صالح العَطَّار عن محمد بن علي السراج قال: رأيتُ النبي ﷺ

стр. 510

وأبو بكر عن يمينه، وعُمر عن يساره، فتقدَّمتُ إلى النبي ﷺ فقُمتُ عن يَسَار عُمر فقلت: يا رسول الله! إني أُريدُ أنْ أقولَ شيئًا، فأقْبَلَ علي فقال: قل، فقلتُ إن الترمذي يقول: إن الله لا يُقعدك معه على العرش، ونحن نقولُ يُقعدك معه على العرش، فكيف تقولُ يا رسول الله؟ فأقبل علي شِبهَ المُغْضب، وهو يشير بيده اليمنى عاقِدًا بها أربعين وهو يقول: بلى والله بلى والله بلى (١) والله، يُقعدني معه، ثم انتبهت (٢). ٤٥٩ - قال: وسمعت أبا بكر بن صدقة يقول حدثني أبو القسم بن الجبلي عن عبد الله بن إسماعيل صاحب النرسي قال: ثم لقيت عبد الله بن إسماعيل فحدثني قال: رأيت النبي ﷺ في النوم فقال لي: هذا الترمذي يُنكر (٣) فضيلتي (٤). ٤٦٠ - فإن قيل: فقد روى أنه لما نزل قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. قالوا: يا رسول الله، وما المقام المحمود؟ قال: "هو الشَّفاعة" (٥).

стр. 511

قيل: الرواية المشهور في تفسير هذا: أنَّه الجلوس على العَرش، رواه

стр. 512

ابن عمر وابن عباس وابن مسعود وعائشة، وقد تقدم أسانيد هذه الأحاديث، والمشهور في الرِّواية أَولى مما شَذَّ منها، وعلى أنَّه لا يمتنع أنْ يكون المقام المحمود: الشفاعة والقعود على العرش، لأنَّ القصد من ذلك علو المنزلة. فإن قيل: فتفسير النبي ﷺ أولى من قول مجاهد. قيل: لم نُعَوَّل في هذا على قول مجاهد وحده، وقد روينا ذلك مُفَسَّرًا عن النبي ﷺ في حديث ابن عمر وعائشة وابن مسعود وابن عباس، وقول مجاهد في ذلك رجحان. فإن قيل: قد قال الله: ﴿لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]. فأخبر أن العرش لا يصل إليه أحدٌ بالبدن، وإنما يصل إليه بالأعمال. قيل: ذكر ابن سلام عن قتادة معناه: إذًا يعرفوا له فضله عليهم، ولابتغوا إليه ما يقربهم إليه (١). وقال غيرُه معناه: لطلبوا إليه الوسيلة والقربة، وهذا يدلُّ على أن المقصود بالآية غير ما أرادُوه، من أنَّه لا يصل عليه أحدٌ، وإنما المراد به معنى آخر وهو التَّقرب إليه بالطاعات. فإن قيل: فقوله: "يقعده على العرش" من أين لكم أنَّه عرش الرحمن؟ وقد ذكر الله تعالى عرش بلقيس (٢).

стр. 513

قيل: هذا لا يصحّ، لأنَّ في خبر ابن عمر: "يُجلسه مَعَه على السرير" وفي حديث ابن مسعود: يُقعده على كرسيه" فقيل له: إذا كان على كرسيه أليسَ هو مَعَه؟ فقال: "ويلكم هذا أقرُّ حديثٍ لعيني". وعلى أنَّه ذكر العرش بالألف واللام، وهناك عرشٌ معهود، وهو عرش الرحمن بقوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧]. وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]. والألف واللام ينصرفان إلى المعهود، فلم يصح هذا التأويل. فإن قيل: قوله: "يقعده" معناه يرفعه أرفع المقاعد عنده، وهو معه بالنُّصرة والمعُونة والمقاعد المقربة من الله تعالى، كما قال: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]. وكما قال: ﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤]. على معنى: النُّصرة والمعونة. قيل: هذا غلطٌ، لوجوه: أحدها: أن الخبر أفَادَ رفعه على صِفَةٍ وهو القعود على العرش والكرسي. والثاني: أنَّه قال: "يقعده معه" ولفظة "مع" في اللُّغة للمقاربة. الثالث: أنَّه لم يزل ناصرًا له ومُعينًا ورافعًا، فَوَجَبَ حمل هذه الفضيلة على فائدة مُجدَّدة تختص بذلك اليوم. الرابع: أن هذا يُسقط فائدة التخصيص بالنبي ﷺ لأنَّه قد نَصر موسى ورَفَعه وغيره من الأنبياء، فأمَّا قوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾

стр. 514

[التوبة: ٤٠]. وقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤]. فإن المراد بذلك النُّصره، لأنَّ هناك دلالةُ حَالٍ، وهو طلبُ المشركين وخوفهم منهم فبيَّن أنني ناصِرٌ لكم عليهم، وهذا معدوم ها هنا. فإنْ قيل: أليسَ قد حكى أبو محمد بن بشار عن عبد الله بن أحمد عن أبيه أنَّه كان يُعرض عليه الحديث فيقول له: هذا رواه كذا وكذا رجل ويُسميهم، فإذا عُرض عليه حَديثٌ ضعيف قال له: إضرِبْ عليه، فعُرض عليه حديث مُجاهد فضعَّفه فقال: يا أبة أضْرِبْ عليه؟ فقال: لا، هذا حَديثٌ فيه فضيلة فأجْرِه على ما جرى ولا تَضرب عليه، وظاهر هذا أنَّه ضعَّفه. قيل: هذه حكاية لا يُردُّ بها ما نصَّ عليه في مواضع. ٤٦١ - فإنْ قيل: فقد ذكر أبو بكر النَّجاد فيما كَتَبَ به. إليَّ أبو الحسن بن جدَّاء العكبري في جزء خرَّج فيه أحاديث: ومن الفرق الهالكة مَنْ أنكر أن الله وَعَدَ يعني نبيه - أنْ يُقعده المقعد المقرَّب عنده على العرش، وهو المقام المحمود، وذكر حديث ابن عباس "يقعده على العرش" وحديث عبد الله بن سلام وحديث مجاهد، ثُمَّ قال أبو بكر: سألتُ أبا محمد بن صاعد عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. قال: "يُقْعَدني على العرش" قال: هذا حديث موضوعٌ لا أصل له، وأمَّا حديث يزيد بن هرون عن النبي ﷺ في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. قال: "يُقْعدني معه على العرش" فحديثٌ موضوعٌ لا أصل له، وأمَّا حديثُ عاصم عن زِرٍّ عن ابن مسعود

стр. 515

قال: "إنَّ الله تعالى اتَّخَذَ إبراهيم خَليلًا، وإنَّ صَاحِبَكم خَليلُ الله جلَّ وعزَّ، وإنَّ محمدًا سيد ولدِ آدم يومَ القيامة، ثم قرأ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ فمن زاد غير هذا فقد أبطل. ٤٦٢ - وقال أبو بكر النَّجاد سألت أبا بكر الباغندي فقال: كلُّ هذه الأحاديث باطلة ليست بمحفوظة، غير حديث مُجاهد، وسألت أبا إسحق بن جابر وأبا العباس بن سُريج وأبا علي بن خيران وأبا جعفر بن الوكيل وأبا الطيب بن سلمة وكلٌّ كَتَبَ بيده: إنَّ هذه الأحاديث لا أصل لها، إلا ما رواه ابن فضيل عن ليث عن مجاهد. ٤٦٣ - قال أبو بكر النَّجاد وسمعت ابن صاعد يقول: كتب السُّلطان يسألني عن مَنْ روى هذه الأحاديث، حتى يضربهم بالسياط. ٤٦٤ - قال أبو بكر النجاد: وكتب إلى أبي محمد بن عبدان، وإلى أبي يعلى، وإلى أبي زكريا بن يحيى السَّاجي، وإلى أحمد بن محمد بن مكرم، وإلى سهل بن نوح البصري، وإلى أبي أحمد بن محمد المروزي، وإلى أبي العباس بن السَّرَّاج، وإلى محمد بن إسحق بن خزيمة، وكُتبهم على ألفاظٍ وجميعها واحد، أن مَنْ حَدَّث بهذه الأحاديث يَستغفر الله ، فهي باطلةٌ لا أصل لها، إلا ما حَدَّث محمد بن فضيل عن ليث عن مجاهد، إلا أن محمد بن إسحق بن خُزيمة قال: مَنْ روى عن ابن مسعود وعن عبد الله بن عمر فقد روى عن النبي ﷺ الكَذَب والأباطيل، ومن تَعَمَّد رواية الكذب عن النبي ﷺ كان داخلًا في وعيد النبي ﷺ : "من كَذَبَ علينا مُتَعمدًا فَلَيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ من النَّار" ولا يسع الإمام العادل أنْ يَدَعُ من يروي مثل هذا

стр. 516

الكذب عن النبي ﷺ صُراحًا؛ أنْ يُقيم ببلد الإسلام. ٤٦٥ - قال أبو بكر النَّجَّاد: وكُلُّ من كتب إليَّ من المحدِّثين على هذا الشّرح قال: والذي أقول فيمن رَوَى هذه الأحاديث: إنْ كان لا يعلم مصدرها، كان عليه أنْ يسأل أهلَ العلم فإذا عَرَّفوه ووقفوه (١) على ما ينبغي أن يقول فيها لزمه إنكارها، فمن حدَّث بها بعد إنكار العلماء، دَخل في قول النبي ﷺ : "مَنْ كَذَب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار". قيل: مَنْ طَعَنَ على هذه الأحاديث وأنكرها، لا يلزم قَبول قوله حتى يُبَين وجه الطَّعن، وقد روينا طرقها وأسانيدها، وقد قال أحمد: لم يرو هذا عن مجاهد وحده عن ابن عباس، وخرَّجَ في ذلك أحاديثَ وقرأها على أصحابه، وهو أعْرفُ بصحة الحديث ممن تقدم ذكره ممن أنكرها، ولأنَّا قد بَيَّنا أن معناها القُرْبُ من الله تعالى، والقُرآن والسُّنَّة يَشْهدانِ لذلك بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ [النجم: ٨ - ٩]. وحديث الإسراء وأنَّه "وضع يده بين كتفيه" وقوله: "عَرَجَ بي فلما ظهر لي المُسْتَوى أقامنى في مَوضِعٍ أسْمَعُ فيه صَريفَ الأقْلام بينَ يَدَي الرَّحْمن "فليس في روايتها ما يخالف الأصول. وقد أنشدَ أبو الحسن الدَّارقطني شِعْرًا يدلُّ على صحة هذه الأحاديث عنده وهو حافِظُ وَقْتِهِ فقال:

стр. 517

حَديثُ الشَّفَاعة في أحمدَ … إلى أحمدَ المصطفى نُسْنِدُه أما حديثٌ بإقْعَادِهِ … على العَرْشِ أيضًا فَلا نَجْحَدُه أَمِرُّوا الحَديثَ على وَجْهِهِ … ولا تدْخِلوا فيه ما يُفْسِدُه ولا تُنكرُوا أنَّه قاعِدٌ … ولا تجحدُوا أنَّه يُقْعِدُه وقد أنشد أبو طالب بن العُشَاري هذه الأبيات عن الدَّارقطني (١). ٤٦٦ - وكتب إليَّ أبو الحسن علي بن عبد الواحد ﵀ قال: شيخنا أبو علي بن أبي شهاب قال: حدَّثني أبو حفص عمر بن إبراهيم قال: أنشدنا أبو القسم حبيب القزاز قال: أنشدنا ابن العلاف الضرير لنفسه في وقت ردِّ الترمذي الجلوس وقعود النبي ﷺ معه على العرش: حَدِيثُ الشَّفَاعَةِ في أَحَمدَ … إلى أحَمدَ المصطفى نُسْنِدُه فأما حَديثْ بإقْعَادِهِ … على العَرْشِ يُروى فلا نجْحَدُه يُقَرِّبُه الله إِنْ شاء منه … فَتبًّا وبُعْدًا لمن يُبْعِدُه وقَد قَصَدَ النَّاسُ في ذا الحديثِ … إلى كُلِّ ما نَحن لا نَقْصِدُه فَقَومٌ على العَرْشِ قد أَقْسَمُوا … بأن النبي غَدًا يَصْعَدُه وقومٌ يَقُولون لَوْ كانَ ذَا … لكانَ شَريكَ الذي نَعْبُدُه

стр. 518

ولكنْ نُشِيرُ بما عِنْدَنَا … وقَدْ يُسْعِدُ الله مَنْ يُرْشِدُه أمِرُّوا الحديثَ على ما أتى … ولا تُدْخِلوا فيه ما يُفْسِدُه فلا تحلفوا أنَّه قَاعِدٌ … ولا تُنكِرُوا أنَّه يُقْعِدُه ٤٦٧ - ورأيت في كتاب عتيق ترجمته "كتاب السُّنَّة" تأليف أبي إسحق إبراهيم بن إسحق الشيرجي مما رواه عن المروزي أخرجه إليَّ الدسكري وذكره فيه "باب" فضيلة النبي ﷺ فقال: أبو بكر أحمد بن محمد بن الحجاج قال سألت أبا عبد الله عن حديث ابن الفضيل عن أبيه عن مجاهد، قال: كتبته عن رجل عن الفضيل. ٤٦٨ - قال أبو إسحق حدثني علي بن عبد الصمد وعلي بن الحسن ومحمد بن الخضر مولى عمر بن الخطاب عن علي بن عبد الصمد قال: نا علي بن محمد الفارسي قال: نا يزيد بن هرون: قال: أنا يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: سُئِلَ رسول الله ﷺ عن قول الله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. قال: "نعم، إذا كان يومُ القيامةِ نادى مُنادٍ: أين حبيب الله، فأتخطَّى صُفوفُ الملائكة حتى أصير إلى جانب العرْش ثم يَمدُّ يَدَهُ فَيَأخذ بيدي فَيُقْعِدني على العرْشِ" (١).

стр. 519

٤٦٩ - قال وحدثني أبو بكر قال: نا محمد بن بشر بن سويد قال: نا محمد بن عقبة الشيباني (١) وأحمد بن الفرج الطائي قالا: نا عباد بن أبي روق (٢) قال سمعت أبي يُحدِّث عن الضحاك عن ابن عباس في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] قال: "يُقعده على العرش" (٣). * * *

стр. 520

حديث آخر ٤٧٠ - رواه أبو بكر أحمد بن سلمان النَّجَاد في "سننه" فقال: حدثني محمد بن جعفر قال نا أبو بكر المروزي قال قال أبو عبد الله عن الحسن بن موسى الأشيب قال حماد عن عطاء بن السائب عن الشعبي قال: "إنَّ الله قد مَلأَ العَرْشَ مع إنَّ له أَطيط (١) كأَطيطِ الرَّحْل" (٢). اعلم أن غيرُ ممنوعٍ حمل هذا الخبر على ظاهره، وأنَّ ذاتَه تملأُ العرش، إذ ليس في حمله على ظاهره ما يُحيل صفاته، لأنَّنا لا نُثبتُ ذلك على وجه الحدِّ والإحاطة والمساحة وشغل مكان (٣)، بل نُطلق هذه الصِّفة كما أطلقوا الإستواء على العرش، وتأولوه على العُلُوِّ ولم يُوجبْ ذلك كونه عاليًا عليه بحدٍّ أو جهة أو مساحة! كذلَك قوله "قد مَلأَ العَرْش" على هذا الوجه، وكذلَك قالوا بجواز رُؤْيته ولم يوُجِبْ كونه في جهةٍ كذلَك ها هنا. وقد روى ابن فُورك في هذا الحديث زيادة "سمع له أطيط كأطيط الرَّحل الجديد" مائلًا هكذا، وَوَضَعَ أحدهما على الأُخرى، قال: ووضع حماد ساقه على ركبته اليسرى (٤). وهذه الزيادة إنْ كانت ثابتة في الحديث، فغير ممتنع حملها على ظاهرها، لأنَّا لا نُثبت ذلَك على وجه الجارِحَة والأعضاء، بل نُطلق ذلَك صِفَةً، كما أَثْبتنا اليد كما قال تعالى ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥].

стр. 521

ونظير هذا الحديث قد تقدَّم "لما فَرَغَ اللهُ من خَلْقه استوى على عَرْشه واسْتلقى ووضع إحدى رجليه على الأخرى" (١) وقد حملناه على ظاهره وقد تقدم الكلام فيه. فإن قيل: قوله "ملأ العرش" معناه عَظَمةً ورفعةً ونعمًا. قيل: هذا غلط، لأنَّه إنْ جاز تَأْويله على هذا، جَاز تأويل العُلو على العَرش على هذه المعاني، بمعنى عَلَا عليه عظمته ورفعته وعزَّته ونعماه. وجَواب آخر: وهو أن هذه الصِّفات التي ذكروها مُحْدَثَة، وقد قالوا: لا يَعْلُوا على العرش مُحْدث، فلا يعمُّ حمل الخبر على ذلك. وجَواب آخر: وهو أن عظمتَه ونعماه عامة في سائر المواضع، فلا معنى لتخصيص العرش بذلك. فإن قيل: قوله هكذا أراد بِه التَّجبُّر والعَظَمة التي لا تجوز لغيره. قيل: هذا غَلَط، "لأنَّه" موصوف بالتَّجبُّر والعَظَمة في كلِّ حالٍ، فلا فائدة في تخصيص هذه الصِّفة بذلك (٢). * * *

стр. 522

حديث آخر ٤٧٢ - أخرجه إليَّ أبو القاسم قال نا أبو الحسن علي بن إبراهيم بن موسى السكوني الموصلي نا أبو مزاحم موسى بن عبد الله بن يحيى الخاقاني المقرني نا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي نا أبو المغيرة قال حدثتنا عبدة بنت خالد بن معدان عن أبيها خالد بن معدان أنه كان يَقول: "إنَّ الرَّحْمَن سُبْحانه لَيُثْقل على حَمَلةِ العَرْشِ من أول النَّهار إذا قَامَ المشْركُونَ، حتى إذا قَامَ المُسَبِّحوُنَ خُفِّفَ عن حَمَلةِ العَرش" (١). ٤٧٣ - وذكر أبو بكر بن أبي خيثمة في "تاريخه" بإسناده عن ابن مسعود حديثًا طويلًا، وذكر فيه "إنَّ مقدار كل يَّومٍ من أيَّامِكُم عنده اثنتي عشرةَ سَاعةً، فتُعرضُ عليه أَعمالكم بالأَمس أول النَّهار اليوم فَينظر فيه ثلاث سَاعاتٍ، فَيطَّلع منها على ما يكره فَيُغضبه ذلك، فأولُ ما يَعْلَمُ بغَضَبهِ الذينَ يَحملُونَ العَرش يَجدُونه يَثْقُل عليهم، فَيسجد الذيَن يَحملُونَ العَرْش" وذكر الخبر (٢). اعلم أنَّه غير ممتنعٍ حمل هذا الخبر على ظاهره، وأن ثقله يحصل بذات الرحمن إذّ ليس في ذلك ما يُحيلُ صفاته، لأنَّا لا نثبت ثِقَلًا من جهة المُماسَّة والإعتماد والوَزْن، لأنَّ ذلك من صفات الأجْسَام، ويتعالى عن ذلك، وإنمَّا نثبت ذلك صِفَةً لذاته لا على وجه المُماسة، كما قال الجميع: إنَّه عالي على الأشياء، لا على وجه التَّغطية لها، وإنّ كان في حُكْم الشاهد بأنَّ العالي على الشيء يوجب تغطيته.

стр. 523

وقيل: إنَّه يتجدد له صفة يثقل بها على العرش، ويزول في حال، كما تَتَجدَّدْ له صفة الإدارك عند خلق المدرَكات، ويزول عند عدم المدركات. فإن قيل: ذلك مَحْمولٌ على ثِقَل عَظَمتِهِ وهَيْبته في قلوبهم، ومَا يَتَجَدَّد لهم في بعض الأحوال من ذكر عظمته وعزته، كما يقال: قد ثقل عليَّ كلامَك، وليس ثقل الكلام كثقل الأجسام، ويقال: الحقُّ ثَقيل مُرّ، وليس المراد به ثقل الأجسام، وقال سبحانه ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ [المزمل: ٥]. قيل: هذا غَلَط، لأنَّ الهيبة والتَّعظيم مُصَاحب لهم في جميع أحوالهم ولا تجوز مفارقتها لهم، ولهذا قال تعالى ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ٢٠] وما ذكروه من قول القائل: الحقُّ ثَقيل، وكلامُ فُلان ثَقيل، فإنما (١) لم يحمل على ثقل ذات، لأنَّها معاني، والمعاني لا تُوصف بالثقل والخفة، وليس كذلك ها هنا، لأن الذات ليستْ معاني ولا أعراض فجاز وصفها بالثقل، وأمَّا قوله ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ [المزمل: ٥] فقد فَسَّره أَهْلُ النَّقل أن المراد به ثقل الحكم، ولأن الكلام ليس بذات. فإن قيل: يحمل على أنه يَخلُقُ في العَرش ثِقَلًا على كَوَاهِلهِم، وجعل لذلك أمارة لهم في بعض الأحوال إذا قام المشركون. قيل: هذا غلط، لأنَّهُ يُفضي إلى أَنْ يثقل عليهم بكفر المشركين، ويُخفَّف عنهم بطاعة الطائعين، وهذا لا يجوز لما فيه من المؤَاخَذَهِ بفعل الغير، وليس كذلك إذا حَملناه على ثِقَل الذَّات، لأنَّه لا يُقضى إلى ذلك، لأن ثقل ذاته .. عليهم تَكْليف لهم، وله أن يثقل عليهم في التكليف ويخفف. * * *

стр. 524

إثبات صفة الغضب لربنا جل شأنه ٤٧٤ - أخرَجه أبو القاسم عبد العزيز قال نا إبراهيم بن محمد بن جعفر نا محمد بن بكر البصري نا أبو داود قال نا أحمد بن حفص قال حدثني أبي قال حدثني إبراهيم بن طهمان عن الحجاج عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول ﷺ : "قَالتْ بَنُوا إسْرَائيل لموسى: هلْ يُصَلِّي رَبُّكَ؟ فتكابر (١) مُوسى ذَلك، فقالَ اللهُ له: ما قَالُوا لَكَ يَا مُوسى؟ فقال: قالوا الذي سمعتَ، قال: "فأخبرهم أني أُصَلِّي، وأن صَلَالي تُطْفي غَضَبي" (٢). ٤٧٥ - وأخرَج إلينا أبو الحسين محمد بن علي بن مخلد قال نا عمر بن أحمد بن شاهين قال نا عبد الله بن سليمان بن الأشعث قال نا زياد بن النضر الصنعاني قال نا يزيد بن أبي حكيم قال حدثني عمر بن قيس المكي عن عمرو بن دينار عن عبد الله بن الزبير أن ﷺ قال: "ليلة أُسرِيَ به قال له جبريل: إن رَبك يُصَلِّي، قال: يا جبريل كيفُ يُصلي؟ قال يقول: سُبُّوح قُدُّوس، رَبُّ الملَائكةِ والرُّوحِ، سَبَقَتْ رَحْمَتي غَضَبي" (٣).

стр. 525

اعلم أن الكلام في هذا الخبر في ثلاثة فصول. أحدها: إطلاق الصَّلاة عليه. الثاني: صِفَةُ صلاته. الثالث: قوله "سبقت رحمتي عضبي". أمَّا الفَصْلُ الأول: فإنَّه غير ممتنع إطلاق الصَّلاة عليه سبحانه، وأنها صفة له، وقد دَلَّ على ذلك نص القرآن فقال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣] وقال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]. الثاني: صِفَةُ الصَّلاة، فذلك ما فَسَّره في حديث عبد الله بن الزبير ثناءه ومدحه لنفسه بقوله "سُبوح قُدُّوس"، وإظْهار رحمته بقوله "رَحْمته سَبَقَتْ غَضَبه" وصلاة ملائكته إسْتِغْفَارُهم وسُؤَالُهم الفضْل، وصلاةُ المؤمنين دُعائهم ربهم إنزال البركات والرحمة على من يُصَلُّون عليه (١). الفصل الثاني: قوله "سبقت رحمتي غضبي" معناه سبق الكائن من رحمتي غضبي، لأن صفات ذاته لَا تَتَّصِفُ بِسَبْقِ بعضِها على بعض، وفي هذا دلالة على أن الغَضَبَ من صفاته، وقد بينَّا ذلك فيما تقدم بقوله، تعالى ﴿غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المجادلة: ١٤] وقوله ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [النور: ٩] وغير ذلك (٢).

стр. 526

ولا يجوز أنْ يقال: إنَّ الرحمةَ والغضبَ هو الإرادة، بل كل واحد منها صِفَة ليست الأخرى، فعلى هذا لم يَزَلْ راحمًا مُرِيدًا تَنعْيَمَ مَنْ عَلمِ تنعيمه، ولم يَزَلْ غَضْبَانًا (١) مُريدًا تعذيبَ مَن قد علم تعذيبه وعقوبته. والوجه في ذلك: أنْ الإرادة تَتَناول ما ينافي الرحمة من المعاصي، وما لا ينافيها، وتتناول ما يُلائم الغَضب من المعاصي وما ينافيه من الطاعات، فبانَ بهذا أنهما صفَتان، كالعلم والقدرة، والسمع والبصر، ولأنَّ نفي الغضب والرضا والمحبة والسخط يدل على النَّقص، كالمجنون لما انتفت هذه الأشياء في صفاته، دَلَّ على نقصه فوجب وصفه بها، كما وُصِفَ بالعلم والقُدرة. * * *

стр. 527

حديث أخر (١) ٤٧٦ - رواه أحمد قال: نا عبد الرحمن بن محمد الحاربي عن الأَعْمش عن مسلم عن مَسروق عن عبد الله قال: "إذا تَكَلَّمَ اللهُ بالوَحْي سَمِعَ صَوتَهُ أهلُ السَّماء فَيخرونَ سُجَّدًا، حتى إذا فُزِّع عن قُلوبِهِم - قال يسكن عن قلوبهم - نَادىَ أهلُ السَّماء أهلَ السَّماء: ماذا قَالَ ربُّكم؟ قالوا: الحق، قال: كذا وكذا" ذكره عبد الله في كتاب "السُّنَّة" بهذا الإسناد (٢). وذكره أبو بكر الخلال.

стр. 528

٤٧٧ - وروى أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم في "الردّ على الجَهمية" قال نا أبو زرعة نا عثمان بن أبي شيبة نا جرير عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث عن ابن عباس قال: "إن الله ﵎ إذَا (١) تَكَلَّم بالوَحي، سَمعَ أهلُ السَّمَواتِ له صَوْت كَصَوتِ الحَديد إذا وَقَعَ عَلى الصَّفَا، فَيَخرُّونَ سُجَّدًا، فإذَا فُزِّع عنْ قُلُوبهِمِ قالوا: مَاذا قالَ ربُّكم؟ قالوا: الحقَّ، وهُو العَليُّ الكبِير" (٢). ٤٧٨ - وروى عبد الله في كتاب "السُّنَّة" قال: حدثني محمد بن بكار قال نا أبو معشر عن محمد بن كعب قال: قال بَنُوا إسرائيلَ لموسى بما شَبَّهْتَ صَوتَ رَبِّكَ حين كَلَّمَكَ مِنْ هَذَا الخَلْق؟ قال: شَبَّهتُ صَوته بصَوْتِ الرَّعْدِ حتَّى لا يترجع" (٣). اعلم أن هذه الأخبار تدل على أن كلام الله تعالى (٤) حَرْف وصَوْت، لا كحروف الآدميين وأصواتهم، كما أن له عِلمًا وقدرة لا تُشبه صفَات الآدميين. وقد نَصَّ أحمد في رواية الجماعة على إثبات الصَّوت. وقد امتنعتْ الأَشْعَريَّة من إثبات الصَّوت والحَرف في كلامِ اللهِ ، وقالوا: حُرُوف القَاري وأصواته دِلَالات على القرآن!! وأمارات تظهر

стр. 529

للخلق، والكلامُ معنىً قائم في نفسه (١). قالوا: ويحتمل أنْ يكون معناه أنَّه سَمَّى العبارة عن كلامِ اللهِ تعالى كلامَ الله، كما تُسمَّى الدلالة على الشيء باسمه، وكما أن الشيء الواقع عن القُدرة، والكائن عن الرحمة رحمة، فيكون معنى قوله "بما شَبَّهْتَ صَوتَ رَّبك" معناه: بما شبهت العبارة عنه والدلالة عليه. وهذا غلط، لوجوهٍ قد ذكرناها في الكتاب المفْرد بالكلام في القرآن (٢)، ودلَّلْنَا على إثبات الحَرف والصوت، بأشياء كثيرة من الكتاب والسّنة والإعتبار بما فيه كفاية. فالكتاب قوله تعالى ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠]، وقال في سورة النمل ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨) يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾ [النمل: ٨ - ٩] وقال

стр. 530

في سورة طه ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه: ١١ - ١٢] والنَّداء لا يكون إلا بصوت، فدلَّ على أنَّه كلَّمه بصوت. ويدلَّ عليه ما روي عن عبد الله ﵁ قال: "إذا تَكَلَّم اللهُ بالوحي سَمِعَ صَوته أهلُ السَّماء فَيَخرُّونَ سُجَّدًا، حتى إذا فُزِّع عنْ قُلُوبِهِم، قال: سكن عنْ قُلُوبِهِم". وهذا صَريح في إثبات الصَّوت، لأنه أضافَ الصوت إليه بقوله "سمع صوته" والهاء يرجع إلى المذكور. وفي حديث ابن عباس "إنَّ الله إذا تَكَلَّمَ بالوحي سَمِعَ أَهْلُ السَّموات له صَوتًا كَصَوتِ الحديد إذا وَقَعَ على الصَّفا". فإنْ قيل: إثبات الصوت يرجع إلى السَّماء. قيل: هذا غلط، لأنَّ قوله "سمع له صوتًا" هاء كناية، وهاءُ الكِناية يرجع إلى المذكور، والذي تقدَّم ذِكره هو الله سبحانه بقوله "إذا تكلَّم اللهُ" فَوجَبَ أنْ يرجع الصوت إليه. ويدل عليه أيضًا: قولهم لموسى ﵇ "بما شَبَّهت صوتَ ربك" فَأَقرهم على ذلك، وأخبرهم بما سألوه، وقولهم: يحتمل أنْ يكون معناه: بما شبهت "العبَارة" عن كلام الله "والدلالة" عليه، ولم يرد تعبير الكلام، لا يصح، لأنَّ العبارة عندهم عَرَض مُحدث، لا يقوم بنفسه، ولم يكن هناك واسطة تقوم به، ولا يجوز أنْ يكون ذلك قائمًا بذات الله تعالى، لأنَّه مُحْدَث على قولهم، فلم يبق إلا أنَّه سَمِعَ الكلام القديم، الذي هو الصَّوت والحَرْف، ولأنَّه ليس في إثبات الحرف والصَّوت لا مِنْ جنس حُرُوفنا وأَصْواتنا، ما يُفضي إلى تغيير صفات القديم، لأنَّه لا يُفضي
следующие страницы →