ولا يجوز أنْ يقال: إنَّ الرحمةَ والغضبَ هو الإرادة، بل كل واحد منها صِفَة ليست الأخرى، فعلى هذا لم يَزَلْ راحمًا مُرِيدًا تَنعْيَمَ مَنْ عَلمِ تنعيمه، ولم يَزَلْ غَضْبَانًا (١) مُريدًا تعذيبَ مَن قد علم تعذيبه وعقوبته.
والوجه في ذلك: أنْ الإرادة تَتَناول ما ينافي الرحمة من المعاصي، وما لا ينافيها، وتتناول ما يُلائم الغَضب من المعاصي وما ينافيه من الطاعات، فبانَ بهذا أنهما صفَتان، كالعلم والقدرة، والسمع والبصر، ولأنَّ نفي الغضب والرضا والمحبة والسخط يدل على النَّقص، كالمجنون لما انتفت هذه الأشياء في صفاته، دَلَّ على نقصه فوجب وصفه بها، كما وُصِفَ بالعلم والقُدرة.
* * *
стр. 527
حديث أخر (١)
٤٧٦ - رواه أحمد قال: نا عبد الرحمن بن محمد الحاربي عن الأَعْمش عن مسلم عن مَسروق عن عبد الله قال: "إذا تَكَلَّمَ اللهُ بالوَحْي سَمِعَ صَوتَهُ أهلُ السَّماء فَيخرونَ سُجَّدًا، حتى إذا فُزِّع عن قُلوبِهِم - قال يسكن عن قلوبهم - نَادىَ أهلُ السَّماء أهلَ السَّماء: ماذا قَالَ ربُّكم؟ قالوا: الحق، قال: كذا وكذا" ذكره عبد الله في كتاب "السُّنَّة" بهذا الإسناد (٢).
وذكره أبو بكر الخلال.
стр. 528
٤٧٧ - وروى أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم في "الردّ على الجَهمية" قال نا أبو زرعة نا عثمان بن أبي شيبة نا جرير عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث عن ابن عباس قال: "إن الله ﵎ إذَا (١) تَكَلَّم بالوَحي، سَمعَ أهلُ السَّمَواتِ له صَوْت كَصَوتِ الحَديد إذا وَقَعَ عَلى الصَّفَا، فَيَخرُّونَ سُجَّدًا، فإذَا فُزِّع عنْ قُلُوبهِمِ قالوا: مَاذا قالَ ربُّكم؟ قالوا: الحقَّ، وهُو العَليُّ الكبِير" (٢).
٤٧٨ - وروى عبد الله في كتاب "السُّنَّة" قال: حدثني محمد بن بكار قال نا أبو معشر عن محمد بن كعب قال: قال بَنُوا إسرائيلَ لموسى بما شَبَّهْتَ صَوتَ رَبِّكَ حين كَلَّمَكَ مِنْ هَذَا الخَلْق؟ قال: شَبَّهتُ صَوته بصَوْتِ الرَّعْدِ حتَّى لا يترجع" (٣).
اعلم أن هذه الأخبار تدل على أن كلام الله تعالى (٤) حَرْف وصَوْت، لا كحروف الآدميين وأصواتهم، كما أن له عِلمًا وقدرة لا تُشبه صفَات الآدميين.
وقد نَصَّ أحمد في رواية الجماعة على إثبات الصَّوت.
وقد امتنعتْ الأَشْعَريَّة من إثبات الصَّوت والحَرف في كلامِ اللهِ ، وقالوا: حُرُوف القَاري وأصواته دِلَالات على القرآن!! وأمارات تظهر
стр. 529
للخلق، والكلامُ معنىً قائم في نفسه (١).
قالوا: ويحتمل أنْ يكون معناه أنَّه سَمَّى العبارة عن كلامِ اللهِ تعالى كلامَ الله، كما تُسمَّى الدلالة على الشيء باسمه، وكما أن الشيء الواقع عن القُدرة، والكائن عن الرحمة رحمة، فيكون معنى قوله "بما شَبَّهْتَ صَوتَ رَّبك" معناه: بما شبهت العبارة عنه والدلالة عليه.
وهذا غلط، لوجوهٍ قد ذكرناها في الكتاب المفْرد بالكلام في القرآن (٢)، ودلَّلْنَا على إثبات الحَرف والصوت، بأشياء كثيرة من الكتاب والسّنة والإعتبار بما فيه كفاية.
فالكتاب قوله تعالى ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠]، وقال في سورة النمل ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨) يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾ [النمل: ٨ - ٩] وقال
стр. 530
في سورة طه ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه: ١١ - ١٢] والنَّداء لا يكون إلا بصوت، فدلَّ على أنَّه كلَّمه بصوت.
ويدلَّ عليه ما روي عن عبد الله ﵁ قال: "إذا تَكَلَّم اللهُ بالوحي سَمِعَ صَوته أهلُ السَّماء فَيَخرُّونَ سُجَّدًا، حتى إذا فُزِّع عنْ قُلُوبِهِم، قال: سكن عنْ قُلُوبِهِم".
وهذا صَريح في إثبات الصَّوت، لأنه أضافَ الصوت إليه بقوله "سمع صوته" والهاء يرجع إلى المذكور.
وفي حديث ابن عباس "إنَّ الله إذا تَكَلَّمَ بالوحي سَمِعَ أَهْلُ السَّموات له صَوتًا كَصَوتِ الحديد إذا وَقَعَ على الصَّفا".
فإنْ قيل: إثبات الصوت يرجع إلى السَّماء.
قيل: هذا غلط، لأنَّ قوله "سمع له صوتًا" هاء كناية، وهاءُ الكِناية يرجع إلى المذكور، والذي تقدَّم ذِكره هو الله سبحانه بقوله "إذا تكلَّم اللهُ" فَوجَبَ أنْ يرجع الصوت إليه.
ويدل عليه أيضًا: قولهم لموسى ﵇ "بما شَبَّهت صوتَ ربك" فَأَقرهم على ذلك، وأخبرهم بما سألوه، وقولهم: يحتمل أنْ يكون معناه: بما شبهت "العبَارة" عن كلام الله "والدلالة" عليه، ولم يرد تعبير الكلام، لا يصح، لأنَّ العبارة عندهم عَرَض مُحدث، لا يقوم بنفسه، ولم يكن هناك واسطة تقوم به، ولا يجوز أنْ يكون ذلك قائمًا بذات الله تعالى، لأنَّه مُحْدَث على قولهم، فلم يبق إلا أنَّه سَمِعَ الكلام القديم، الذي هو الصَّوت والحَرْف، ولأنَّه ليس في إثبات الحرف والصَّوت لا مِنْ جنس حُرُوفنا وأَصْواتنا، ما يُفضي إلى تغيير صفات القديم، لأنَّه لا يُفضي
стр. 531
إلى تَجِهيله ولا تَعجْيزه، ولا عَدَمه ولا ظُلْمه ولا حُدُوثه ولا إخراجه عما يَستحقُّه من صفاته، وبهذه الدّلالة أُثْبتت جواز رُؤيته سبحانه، كذلك جازَ إثبات الصَّوت والحرف، وليس لهم أنْ يقولوا إن في إثبات ذلك ما يُخرجه عن صفاته، لأن الصَّوتَ عَرَض، وكلامه ليس بعرض.
والحروف لا يصحُّ اجتماعها في مَحَلٍ واحد، بل تَتَرتب فَتُفضي إلى تقدم بعضها على بعض، وهذا يدل على الحديث، وذلك أنَّه كان يجب أن يقول يتكلمُ بصوتٍ ليس بعرض، وحروف لا تقتضي التَّرتيب، وإنْ كان مُستحيلًا في الشاهد، كما قلنا في ذاته وصفاته ليست بجسم ولا جوهر، ولا علمه ضرورة ولا استدلال، وله وجه ويدانِ وسَمْع وبَصَر، يُخالف صفات المخلوقين، وكذلك جواز الرؤية عليه لا يفضي إلى الكون في جهة، وإنْ كان ذلك مستحيلًا في الشاهد (١).
واعلم أنَّا وإنْ أَثْبَتْنَا الحُروف والأصوات، فلا نقول: إنَّ الله يتكلَّمُ كلامًا بعد كلام، لأن ذلك يُوجب حَدث الكلام (٢).
الثاني: ولا نقول إنَّ الله تكلم في الأَزَلِ مَرَّةً ويتكلم إذا شاء، ولا نقول: إنه
стр. 532
تكلم في الأَزَل مرة ثم يتكلم بعد ذلك، بل نقول: إن الله لم يزل مُتكلمًا ولا يزال مُتكلما، وإنه قَد أحاطَ كلامه بجميع مَعاني الأمر والنهي، والخبر والاستخبار.
٤٧٩ - وقد حكى ابن فُورك عن ابن خزيمة أنَّه قال: "كلامُهُ متواصل لا سَكْتَ فيه ولا صَمْت".
وأنكر عليه ذلك، وقال: لم يتضمَّن الخبر شيئًا مما تَرْجَمَ به الباب، بأنَّ كلامه متواصل لا صمت فيه ولا سكت (١).
٤٨٠ - وقد قال أحمد في رواية حنبل: لم يزلْ اللهُ متكلمًا.
٤٨١ - وقال في رواية عبد الله فيما خَرَّجه على الجهمية: لم يزل مُتكلمًا إذا شَاء.
ومعنى قول أحمد إذا شاء أنْ يُسْمِعَنَا ويُفهمنا ذلك.
٤٨٢ - وقد حكى أبو بكر في السَّنة مِنَ "المقنع" عن بعض أصحابنا أنَّه يتكلم إذا شاء، كما نقول يخلق إذا شَاء، ولعله تَعلَّق بظاهر كلام أحمد في رواية عبد الله.
стр. 533
٤٨٣ - وقد حكيت كلام هذا القائل في "مَسَائل القُرآن" وبيَّنت أن هذا قول يؤدي إلى حَدَثِ القُرآن، ويثبتُ الفرق بين الكلام والخلق، فإن قيل: فقد روي إنَّ الله تعالى يتكلم في وَقْتٍ بعد وقت، نحو ما روى إن الله تكلَّم بعد ما خلق ذريَّة آدم، وتكلم لما خَلَق ذرية آدم وأخذ الميثاق عليهم، وتكلم بعد أنْ بعث إبراهيم، وبعد أنْ بَعَثَ أيوب وداود.
قيل: معناه: أنه يُفهم خلقه ويُسمعهم كلامه وَقْتًا بعد وقت، أو شيئًا فشيئًا.
وكذلك الجواب عَمَّا روي إن الله يكلَّم عباده بعد قيام القيامة فقال: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقوله ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ﴾ [ق: ٣٠] وقولُ أهل الجنة له: "يا ربِّ ألم تَغْفِر لنا؟ فيقول: بَلَى".
معناه ما تقدم من الإفهام والإسماع لكلامه القديم (١).
* * *
стр. 534
حَديثٌ آخر
٤٨٤ - ناه أبو القاسم نا أبو الفتح بن أبي الفوارس نا أبو بكر الإصطخري إملاءً قال نا أبو إسماعيل الترمذي نا صفوان بن صالح قال نا الوليد بن مسلم قال نا الأَوزاعي قال سمعت حَسَّانَ بن عطية يقول: السَّاجد يَسْجُدُ على قَدِم الرَّحمن جَلَّ اسْمه (١).
اعلم أنَّا قد ذكرنا فيما تقدَّم أنَّه غير ممتنع وصْفه تعالى بالقَدَم في قوله "يَضَعُ قَدَمَه في النَّار" وقوله لداود "خُذْ بِقَدَمي" كما لم يَمتنع وصفه باليدين والرجلين (٢)، وغير ممتنع أيضًا إطلاقُ القول بالسجود على قدمه لا على وجه المُماسة، كما لم يمتنع إطلاق القول خلقَ آدمَ بيده لا على وجه المماسة.
فإنْ قيل: كيف لا يمتنع ذلك من قولكم، وقد قلتم إنَّه على العرش، وكَفرتُم مَنْ قال: إنه في الأرضِ، وهذا القول يُفضي إلى أن قدمه في الأرضْ يسجد المصلي عليها!
قيل: هذا غلط، لأن كونه سَاجدًا على قَدِمِ الرحمن، لا يمنع وصفه بالكون على العرش، كما لم يمنع من كونه على العرش من نزوله إلى السماء الدنيا، ووضع القَدَمِ في النَّار، لأنَّ أَحمد قد نَصَّ على أنَّه ينزل، ولا يخلوا العرش منه.
стр. 535
فإنْ قيل: قوله "يسجد على قدم الرحمن "معناه على ما قدَّم الرحمن، ألا ترى إلى قوله تعالى ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] فهذه القَدَمُ الصِّدق، هي ما قدَّمه العابد من خيرٍ مَهَّدُوه لأنفسهم.
قيل: هذا غلط لوجهين:
أحدهما: أنَّه يُسقط فائدة التخصيص بالسجود، ولأنه يركع أيضًا على ما قدم، ويقف على ما قدم، فوجب أن يكون لهذا التخصيص فائدة.
الثاني: أن هذا الخبر قُصِدَ به تعظيم حال السُّجود، وأنَّه يكون فيه قريبًا (١) من الله سبحانه، ولهذا قال النبي ﷺ "أَقْرَبُ مما يكونُ العَبْدِ من الله وهو ساجد" (٢) وإذا كان هذا معناه لم يصح التَّأويل، لأنَّه يُسْقِط معنى التَّعظيم.
وأما قوله تعالى ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٢] ومعناه: ما قَدَّمُوه، فلا يُشبه ما ذُكِرَ في الخبر، لأنَّه أَضاف القَدَمَ إليهم بقوله ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٢] وها هنا أضافَ القَدَمَ إليه، كما أضاف اليد إليه بقوله "خَلَقَ آدمَ بيده" والحديث المعروف في السُّجود، وإنما هو بذكر القَدَم على ما رويناه.
فأمَّا ما روي أَنَّه "يسجد على رجْل الرَّحمن" فلا يصحُّ.
٤٨٥ - قال أبو بكر عبد العزيز في جوابات مسائل فيما رأيته بخط ابن حبيب وما ذُكر "أن العَبد إذا سَجَدَ سجَدَ على رِجْل الرَّحمن" "ويضع رَأْسه على رِجْل الله" فهذان حديثان لا نعرفهما، والصحيح: أن العبد إذا سَجَد كان أقرب إلى ربه ، وأنَّ العبد إذا سجد أقبل الله عليه بوجهه.
* * *
стр. 536
(إثباتُ صفة الوجه لربِّنا تعالى)
حديث آخر
٤٨٦ - نا أبو القاسم بإسناده: عن أبي ﵁ عن ﷺ قال: "أنَا أولُ مَنْ تَنْشَقُّ عنه الأَرضُ يَومَ القِيَامَةِ ولا فَخْرْ" (١) وذكر الخبر إلى أنْ قال: "فَآخُذُ بحَلَقَةِ بَابِ الجَنَّةِ فَيُؤْذَنُ لي فَيَسْتَقْبلني وَجْهُ الجبَّار جَلَّ ثناؤه، فَأَخِرُّ له سَاجدًا، فيقولُ إرْفَع رأْسكَ يا محمد" الخبر (٢).
стр. 537
٤٨٧ - وناه أبو القاسم بإسناده: عن علي بن أبي طالب ﵁ قال قال رسول ﷺ "النظَرُ إلى وَجْهِ اللهِ، وَاجِب لِكلِّ نبيٍّ وصِدِّيقٍ وشَهِيد" (١).
٤٨٨ - وروى أبو عبد الله بن بطة بإسناده: عن ابن عمر ﵄ قال قال رسول ﷺ : "إن أَدنَى أَهْل الجنَّة مَنْزِلَة لَرَجُل يَنْظُرُ في مُلكِه أَلفي سَنَة يَرَى أقصَاه كما يَرَى أدْناه، يَنْظُرُ في أَزْوَاجِهِ وسرره وخَدَمِه، وإنَّ أفضَلَهم مَنْزِلَة لَمَنْ يَنْظرُ في وجهِ الله تعالى في كُلِّ يَومٍ مَرَتين" (٢).
اعلم أنَّه مَوْصوف بالوجه، وأن الوجه صفَة من صفاته القائمة بذاته، لا يُقال: هي الذات، ولا غيرها، خِلافًا للمُعْتَزلة وبعض الأَشْعَرية في نفيهم ذلك، وأنَّ وجهه ذاته، ليست بصفةٍ زائدة على ذاته! والدَّلالة عليه قوله تعالى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] (٣).
٤٨٩ - وروي عن أبي بكر وغيره: "الزِّيَادةُ" النَّظرُ إلى وجه ربهم".
وقوله تعالى ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧] وقال تعالى ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وقوله ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾
стр. 538
[البقرة: ١١٥] ويدل عليه الخبر الذي تقدم، ويعضده أيضًا: ما رَوى عَمَّار ﵁ أن ﷺ : كانَ مِن دُعَائِهِ: "اللَّهمَ إنِّي أَسْألكُ الرِّضَا بَعْد القَضَا، وبُرْدَ العَيشِ بَعْد الموتِ، ولَذَّةَ النَّظَرِ إلى وَجْهِكِ" حدثناه أبو القاسم (١).
٤٩٠ - وروي أبو موسى ﵁: أن ﷺ قال: "إن الله لا يَنَام، ولا يَنْبَغي له، ولكم يَخْفِضُ القِسْطَ ويَرْفَعُه، حجَابُه النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبحاتُ وجهه ما انتَهى إليه بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِه".
٤٩١ - ونا أبو القاسم بإسناده: عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه أن ﷺ قال: "لَيْسَ بينَ القَوم وبَينَ أنْ ينْظُروا إلى رَبِّهم، إلَّا رِدَاءُ الكبرياءِ على وَجْهِهِ في جِنَّة عَدْنِ" (٢).
стр. 539
٤٩٢ - وذكر أبو بكر بن الضبعي في كتابه أَخبَارًا: منها ما روي عنه ﷺ قال: "يُجَاءُ يومَ القِيَامة بصُحُف مَخْتُومةٍ، فَتُنْصَبُ بَينَ يديِّ اللهِ، فَيَقولُ اللهُ لملائكته: أَلقُوا هذا، وأَقبلوا هذا، فَتَقول الملائكة: وعزَّتكَ ما رَأَينا إلا خَيرًا، قال فيقول وهو أَعْلَمُ: إنَّ هذا لكانَ لِغَيرِ وَجْهِي، ولا أَقبلُ اليومَ منَ العَبْدِ إلا ما كان ابتُغيَ بهِ وَجهْي" (١).
٤٩٣ - وروي عنه ﷺ أنَّه قال "مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يبتغي به وَجْهَ اللهِ، بُني اللهُ له مِثْله في الجنة" (٢).
٤٩٤ - وروي ﷺ أنَّه قال: "ثَلَاثٌ والذي نفس محمد بيده (٣) إنْ كنتُ لحالفًا عليهنَّ: لا يَنقُصُ مَال مِنْ صَدَقَةٍ فَتَصَدقُوا، ولا يَعْفُوا رَجُل عَنْ مَظْلَمَةٍ يَبْتغي بهَا وَجْهَ اللهِ، إلا رَفعَه اللهُ يَومَ القِيَامة، ولا يَفْتح رَجُل على نفسه بابَ مَسأْلةٍ، إلا فَتَح اللهُ عَليه بَابَ الفَفْر" (٤).
стр. 540
٤٩٥ - وروي عنه ﷺ أنه قال: "أَتَاني جِبْريلُ فقال لي: يا مُحمد إن رَبَّك سَألني: ما جَزاء مَنْ أَذهبتُ كَريمتَيه في الدُّنيا؟ فقلتُ: لا أَعلمُ إلا مَا عَلَّمتني، قال: جَزَاؤُه الخُلْدُ في دَارِي، والنَّظر إلى وَجْهي" (١).
стр. 541
٤٩٦ - وعن علي: أنَّه كان يقول في دعائه: "بَسَطَّتَ يَدَكَ فَأعْطَيتَ، فلك الحمدُ رَبَنَّا، وَجْهك أكْرَمُ الوجوه" (١).
فإن قيل: المراد بهذه الآيات والأخبار: ذَاتُ الله ، وأنَّ كلَّ شيءٍ هالك إلا ذاته، وكذلك قوله ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] فكنَّى عن الذات بالوجه، كما يقال: هذا وجه القوم، ووجه الثوب، ووجه الطريق، ووجه الحائط، ووجه الأمر!.
قيل هذا لا يصحُّ لوجهين:
أحدهما: أنَّه أضافَ الوجه إلى ذاته بقوله ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] وقوله ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] وقوله في الخبر "فَيَسْتَقْبلني وَجْهُ الجبَّار" وفي الخبر "مَنْ ينظر في وَجْه الله" فوجب أنْ يكون المضاف والمضاف إليه صفتان، كما يقال: دار زيد، وغلام عمرو (٢).
стр. 542
فإن قيل: لا يمتنع أنْ يرد المضاف والمضاف إليه ويكون شيئًا واحدًا، كما قال تعالى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وما شاكله.
قيل: كون الاسم مُرَادًا به الذات، لا يُخرج الاسم عن أنْ يكون صِفَةً له ودالًا عليه، وكون الوجه مرادًا (١) به الذات، مخرجٌ الوجه عن أنْ يكون صِفةً له، فلم يصح حمله على الذات، لما فيه من إلغاء الصفة.
وجواب آخر ثانٍ (٢) عن أصل السؤال: وهو أن حَمْلهُ على الذات يُؤَدي إلى جواز القول بأنَّ لله وجه! وأنَّه يجوز أنْ يُدعى فتقول: يا وجَهْ اغفر لنا! وقد أجمعت الأُمة على منع ذلك.
وما ذكروه من تشبيه ذلك بوجه الثَّوب والحَائِط فهو الحجة، لأنَّ وجه الثوب والحائط، ليس هو نفس الثوب والحائط، بل هو ما وَاجَهَ به وأقبل به، وكذلك وجه الأمر ما ظهر منه الرائي الصحيح، دون ما لم يظهر، وإذا كان كذلك، لم يصح التَّأويل (٣).
فإنْ قيل: فإذا لم يكن الوجه هو الذات، والذات فما الفائدة بتخصيص النظر إليه دون الذات؟
قيل: قد قيل إنَّه ذكر الوجه ها هنا، والمراد به من له الوجه، وعلى هذا يتناول قوله سبحانه ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩] المراد به: الله الذي له
стр. 543
الوجه، وكذلك قوله ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾ [الليل: ٢٠] المراد به ابتغاء ربِّه الأعلى الذي له وجه، وإنما وجب حمل قوله ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩] على الذات، لعلمنا بأنَّ العبادة والقُرْبَةَ لا تقع لصفة من صفاته، وإنَّما تقع للذات.
ويحتمل أنْ يحمل الخبر على ظاهره، وأنَّ النَّظر تارةً يكون إلى صفَةٍ من صفات الذات، وهي الوَجْه على ظاهر الخَبر، وتارةً يكون إلى الذات، على ظاهر قوله ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٣] لأن في ذلك حَمْل للكلام على حقيقته، وليس فيه ما يُحيل صفاته.
* * *
стр. 544
حَدِيث آخَر
٤٩٧ - ناه أبو القاسم بإسناده: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لَمَّا خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ، كَتَبَ كتَابًا على نَفْسِهِ، فَهو فَوقَ العَرْشِ: إنَّ رَحْمَتي تَغْلبُ غَضَبي".
٤٩٨ - وفي لفظٍ آخر: عن النبي ﷺ : "لَمَّا قضَى اللهُ الخَلْقَ، كَتَبَ في كتَابهِ، فَهُوَ عِنْدَه فَوقَ العَرْشِ إنَّ رَحْمَتي سَبَقَتْ غَضَبِي".
٤٩٩ - وفي حديث آخر حدثناه بإسناده: عن أبي هريرة ﵁ عن رسول ﷺ قال: "إنَّ الله جَلَّ اسمُه لَمَّا خَلَقَ، الخَلْقَ كَتَبَ بيدِهِ على نَفْسِهِ: إنَّ رَحْمتي تَغْلِبُ غَضَبي".
٥٠٠ - وفي لفظ آخر: "لما قَضى اللهُ تعَالى الخَلْقَ، كَتَبَ في كتَاب فهو عنْدَه فَوْقَ (١) العَرْشِ: إنَّ رَحْمَتَي غَلَبَتْ غَضَبي" (٢).
٥٠١ - وفي لفظ آخر: "لَمَا فَرَغَ اللهُ من الخَلْقِ، كَتَبَ على عَرْشِهِ: رَحْمَتي سَبَقَتْ غَضبي" (٣).
٥٠٢ - وفي لفظ آخر: "كَتَبَ كتَابًا لنَفسِهِ قبل أنْ يَخلْقَ السَّمَواتِ والأَرض، مَوْضِعَه تَحتَ عَرْشهِ، فيه رَحْمتي سَبَقَتْ غَضَبي" (٤).
стр. 545
٥٠٣ - وفي لفظٍ آخر "لما قَضىَ اللهُ تَعالى الخَلْقَ، كَتَبَ في كِتَابهِ على نَفْسه، وَهُو مَوْضُوع عِنْده: إن رَحمَتي تَغْلِبْ غَضَبي".
٥٠٤ - وناه أبو القاسم قال نا أبو القاسم إبراهيم بن محمد الفقيه الحنبلي أنا محمد بن بكر البصري نا أبو داود سليمان بن الأشعث نا محمد بن عوف الطائي نا أبو المغيرة نا صفوان بن عمرو قال حدثني أبو المخارق زهير بن سالم أن كعبًا قال عند عُمر: إنَّ أوَّل شيء ابتَداهُ اللهُ مِنْ خَلْقِهِ كَتَبَ كِتَابًا، لم يَكتُبه بقَلمٍ ولا مِدَاد، ولكنْ كَتَبَه باصبعه يتلوها الزَّبَرْجَد واليَاقُوت: أَنَا اللهُ لا إله إلا أَنَا، سَبَقَت رَحْمَتي غضبي! (١).
اعلم أن الكلامَ في هذا الخبر في فُصول:
أحدها: إثباتُ النَّفس واليد (٢)، وهو قوله "كَتَبَ بيده على نفسه" وهذان أصْلان قد تقدَّم الكلام فيهما، وبيَّنا أنهما صِفَاتُ ذات.
الفصل الثاني: قوله "فهو عنْده فَوقَ العَرش" و "دُونَ العَرش" وظاهر الخبر يقتضي القُرْبَ من الذَّات، لأنَّه أَضَافه إلى العَرْشِ الذي وَصَفَ نفسه بالإسْتَواء عليه، وهذا غير مُمتنع، كما قال تعالى ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ [النجم ٨ - ٩] (٣) وكما قال: "إن الله يُدْني عَبْدَه حتى يَضَعَ عليه
стр. 546
كَنَفُهُ"، "ويَخْلُوا بعَبْده" ونحو ذلك، وقد بَيَّنَّا أنَّه غَير ممتنعٍ القُرْبُ من الذات، إذْ ليس في ذلك ما يُوجب كونه في جهة. كما جَازَ وصفه بالإستواء على العردش فلم يُؤدِّ ذلك إلى الجهة، وكذلك رُؤيته جائزة ولم يُؤدِّ ذلك إلى الجهة، كذلك ها هنا.
فإنْ قيل: قوله "فهو عنده" على معنى أنَّه عالم به، وأنَّه لا يخفى عليه منه شيء، ولم يَسبق بكتابته لئلا يذهب علمه به، كما قال تعالى ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] أي: في علمه، وقيل: يحتمل أنْ يراد بها الكرامة (١).
قيل: هذا غلط، لأن حمله على ذلك يُسقط فائدة التخصيص بالكتاب، لأنَّه عالم بجميع الأشياء مما كتَبَه ومما لم يكتبه، ولذلك هو مكرم لغيره من الكتب.
الفصل الثالث: قوله "لما قَضَى الخلق" فالمراد به لما حَكَمَ بخلق ما سَبقَ في علمه وحكمته أنه يَخْلُقُه، خَلقَ كتابًا كتب فيه ما أراد أَنْ يكون في المستقبل منَ الأوقات، من الحوادث التي تحدث فيها (٢).
стр. 547
٥٠٥ - وهذا كما روي في الخبر الآخر "إن أَولَّ شيءٍ خَلَقَ اللهُ تَعالى القَلَم، ثمَّ خَلَقَ اللَّوح، فقال: أجْرِ بما هُو كَائن إلى يوم القيامَةِ" (١).
الفصل الرابع: قوله "رحمتى تَغْلب غضبي" فقد بينَّا فيما قَبل أن الرحمة والغضب من صِفَات ذاته، ليس معناهما نفس الإرادة، بل كل واحد منهما صفة ليست الأُخرى، فعلى هذا لم يَزَلْ غَضْبانًا مُريدًا تَعْذِيب مَنْ عَلمَ أنَّه يعذبه، بعُقوبته في النار من الكافرين، ولم يزل رَاحِمًا مرُيدًا تَنعِيم مَن علم أنَّه يُنعمه، بكراماته في الجنة من المؤمنين.
والوجه في ذلك، وأن الإرادة ليست نفس الرحمة، وكذلك الغضب: أن الإرادة تتناول ما يُنافي الرحمة من المعاصي وما لا يُنافيها، وتتناول أيضًا ما يُنافي الغضب من الطاعات وما لا ينافيه، فبان أنهما صفتان كالعلم والقدرة (٢).
وإذا ثبت هذا الأصل فقوله "تغلب رحمتي غضبي" "وسبقت رحمتي عضبي" أي: سَبَقَ الكائن من رحمتي لأهل الرحمة، والكائن من غضبي لأهل الغضب، وأنَّ من رَحمِهَ فقد غَلَبَتْ رحمته عليه بوصول الصَّادر عنه إليه، وظهور ذلك عليه، وإنَّما كان مبنيًا على هذا الأصل، ليصح فيها
стр. 548
السَّبْقُ والغلبة، لأن ما هو صفة الله على الحقيقة من الرحمة والغضب، لا يجوز وَصْفُهُ بالسَّبق والغَلَبة (١).
وعلى هذا يتناول الألفاظ في الدعاء، إذا قيل: اللهمَّ ارْحَمنا وارْض عنَّا معناه: أنَّه يرجو ما يَحْدُثُ عن رَحمته ورضاه، لا نَفْسَ الرحمة والرِّضا، لأن ذلك من صفات الذات، فلا يصح فيها الطلب والسؤال.
ونظير ذلك أيضًا في الذُعاء: اللهم اغفر لنا علمك فينَا، وشهادتك علينا، ونفس العلم لا يغفر وكذلك نفس الشهادة، وإنما تَتَعَلَّقُ المغفرة بالمعلوم والمشهود، وعلى ذلك يحملُ قولهم: رَضِيّ الله عن فلان، معناه الطَّلب لأنْ يَفْعل ما إذا فعله، كان عن رضاه ورحمته، فاختصر (٢) اللفظ في الدعاء.
* * *
стр. 549
حَدِيث آخَر في اليَدِ
٥٠٦ - ناه أبو القاسم قال: نا علي بن محمد البيع المعدل قال نا الحسين بن صفوان نا عبد الله بن محمد بن عبيد القرشي قال حدثني محمد بن أبي معشر قال أنا أبو معشر عن عون بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب عن أخيه عبد الله بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن الحارث قال رسول ﷺ : "خَلَقَ اللهُ تَعالى ثَلَاثَةَ أَشياءَ بِيَده: خَلَقَ آدَمَ ﵇ بيده، وكَتَبَ التَّوراة بيده، وغَرَسَ الفِرْدَوْسَ بيده، ثُمَّ قال: وعِزَّتي لا يدخُلها مُدْمِنُ خَمْرٍ، ولا الدَّيُّوث، قال: يا رسول الله، قد عَرَفْنَا مُدْمنَ الخَمر، فما الديوث؟ قال: "الذي يُقِرُّ السُّوء في أَهلِهِ" (١).
٥٠٧ - ونا أبو القاسم قال: أنا أبو الحسن علي بن عمر الحافظ قال نا أبو الحسن محمد بن نوح الجند يسابوري نا محمد بن سعدان السَّاجي نا شبان بن حسن بن فرقد قال نا أبي عن سليمان التيمي عن أبي بصرة عن أبي سعيد الخدْري قال قال رسول ﷺ : "إن الله خَلَقَ ثَلَاثَةَ أَشْياءَ بيدهِ: خَلَقَ آدمَ، وخَطَّ التَّوراةَ التي أَنْزَلها عَلى مُوسى
стр. 550
بِيَده، وخَلَقَ الجنَّةَ فَشققَ أنهارَهَا، وغَرَسَ أَشْجَارَهَا، وتَدَلَّتْ ثِمَارهَا، فَلمَّا فَرَغَ مِنْها نَظَرَ إليها فقال: حَرَام عَليك أنْ يَدخُلكِ خَمسة: المخَنَّثُونَ المُتشَبِّهونَ بالنِّساء من الرِّجَال، والمخَنَّثَاتِ المتَشَبِّهات من النِّساء بالرِّجالِ، والدَّيُّوث، والعَاقُّ والسِّكِّير حتى يصحى (١).
٥٠٨ - ونا أبو القاسم قال نا أبو الحسن علي بن إبراهيم بن موسى الموصلي قال نا موسى بن عبد الله بن مُزاحم قال نا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبو حفص عمرو بن علي قال نا أبو قتيبة قال نا الحسن بن أبي جعفر عن علي بن زيد عن يُوسف بن مهران عن أبي عباس قال: "خَلَقَ اللهُ القَلَمَ بِيَده، وآدَمَ بِيَده، والتَّورَاة كَتَبَها بِيَده، وجَنَّاتِ عَدْنٍ بِيَده، وسائر ذلك قَالَ له: كنْ فكان" (٢).
٥٠٩ - ونا أبو القاسم قال نا أبو القاسم إبراهيم بن محمد بن جعفر الساجي الفقيه قال أنا أبو بكر محمد بن بكر بن محمد بن عبد الرزاق قال نا أبو داود سليمان الأَشْعَث السَّجستاني قال حدثني محمد بن بشار بنُدار قال نا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن عبيد المُكتْب عن مجاهد عن عبد الله بن عمر قال: "إن الله جَلَّ اسْمُه خَلَقَ أَرْبَعَةَ أَشْيَاء
стр. 551
بيده، ثم قَال لسَائر الخَلْقِ: كن، القَلَمَ وآدَمَ وجَنَّة عَدْنٍ والعَرْشَ" (١).
٥١٠ - وذكر أبو بكر الخلَّال في كتاب "السُّنَّة": عن عبد الله حدثني أبي قال نا يزيد بن هارون قال أخبرني الجريري عن أبي عَطَّاف قال: كَتَبَ اللهُ التَّورَاةَ وهو مُسْنِد ظهره إلى الصَّخرة، في أَلوْاحٍ مِنْ دُرٍّ يُسْمَعُ صَرِيفَ القَلَم، ليسَ بَينه وبَيْنَه إلَّا الحِجَاب" (٢).
٥١١ - وذكر أبو بكر المروذي هذا الحديث في كتاب "الرَّد على الجَهْمِية" فقال: قال أبو عبد الله مُنَاوَلَةً وإجَازةً لي أنْ أَرْويه عنه: عن يزيد قال نا الجريري عن أبي عطَّاف قال: كَتَبَ اللهُ ﵎ التَّورَاةَ لموسى بيده، وهو مُسْنِد ظَهره إلى الصَّخره، في الألْوَاحِ مِنْ دُرٍّ يُسْمَعُ صَريفَ الأْقلَامِ، ليس بَيْنَه وبَيْنَه إلا الحِجَابَ (٣).
اعلم أنه غير مُمتنعٍ حمل هذا الخبر على ظاهره، وأنَّه كَتَبَ التَّوراة بيده، وخَلَقَ جنَّة عدنٍ والعرش بيده، التي هي صِفَةُ ذات، كما خَلَقَ آدمَ بيده التي هي صفة ذات.
وقال ابن فورك: أقول خَلَقَ آدمَ بيده التي هي صِفَة، ولا أقول خَلَقَ الجنة، وكتب التوراة بيده، لكن خلق كِتَابَةً وأضافَ ذلك إليه.
وفرَّق بينهما: بأن القُرآن نَزَلَ بخلقِ آدمَ بيده، بقوله ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (ص:
стр. 552
٧٥) ولم يَنْزل في كتب التَّوراة، وخَلْقَ الجنة والعرش، ولأنَّ القَصْدَ بذلك فَضِيلةَ آدمَ على إبليس، وهذا المعنى مَعْدُوم في غيره (١).
وهذا غلط، لأنَّ هذا الخبر تَلَقَّتْه الأُمَة بالقَبَولِ، وقد عَضَدَ القرآن بعض ما تناوله، فوجب الأخذُ بظاهره لصحته، وجَرَى هذا مجرى قوله "تَرَوْنَ رَبَّكم يَومَ القِيامة" وجب الاحتجاجُ به كما يجب الاحتجاج بالآية.
وقوله: إن في ذلك فضيلة لآدم، فهذا المعنى موجود ها هنا، لأن فيه فضيلة لموسى لأنَّه كَتَبَ ما أَنْزَلَه عليه بيده، وفَضيلة لجنَّة عَدْنٍ والعرش على غيرهما من المخلوقات، كما فَضَّلَ آدَمَ بأن خَلَقه بيده على غيره من المخلوقين، ولأنَّا قد اسْتَوفينا الكلام على هذا السؤال، في الحديث الذي فيه ذِكْرُ السَّاعِدِ بما فيه كفاية (٢).
فأمَّا قوله في الخبر "وهو مسند ظهره إلى الصَّخرة" فيحتمل أنْ تكون هذه الصِّفة راجعة إليه سبحانه، لأنَّه مذكور في الخبر (٣).
ويحتمل أنْ تكونَ راجعة إلى موسى، لأنَّه مذكور أيضًا في الخبر بقوله "كتَبَها لموسى" وبقوله "يَسْمَعُ صريف القَلم" وبقوله "ليسَ بَينَه وبينه إلا الحِجَاب" وهذا كنَاية عن موسى.
والأشبه حملها على موسى، لئلا يُثْبَتَ له سُبحانه صِفَة بأمرٍ محتمل.
٥١٢ - وقد ذكر أبو بكر النَّقاش في كتاب "الرِّسالة" قال: التقى علي بن أبي طالب وكَعْب الأحبْار، فقال علي لكعب: أنتَ الذي تَزْعُمُ أن الصَّخْرةَ مَقامُ الرحْمن، وقال اللهُ ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾
стр. 553
[البقرة: ٢٥٥] فقال كعب: الصَّخرة أكبر أم الشجرة؟ إنَّه قال من الشجرة ﴿أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠] قال: فَسَكَتَ علي، فقال كعب: يا علي، هذا على طريق اللطف، إنَّ ربَّكَ لطيف لما يشاء (١).
وهذا الحديث في معنى الحديث الذي ذكرنا ويشهد له، وقد حَملَه كَعْب على ظاهره، ورجع علي إلى قوله.
٥١٣ - في معنى ذلك: ما روي عن ﷺ أنه كان يقول في دُبُرِ صَلاته: "لا إلهَ إلَّا الله وَحْدَهُ لا شَريكَ له، لَهُ المُلكُ وله الحَمدُ بيَدِهِ الخَير، وَهُو عَلى كُلِّ شيءٍ قَدِير" (٢) لا يمتنع حمله على ظاهره، كما حملنا خلقه لآدَمَ بيده على ظاهره.
٥١٤ - وفي معناه: ما روي عن ﷺ أَنَّه قال: "تكُونُ الأَرضُ خُبْزَةً واحِدةً، فَيَكْفأَها الجبَّارُ بيدِهِ كما يتَكَفَّى أَحَدُكُم خُبْزَهُ في السَّفَرِ، نُزُلًا لأَهْلِ الجنَّةِ" (٣). وقد تَأَوَّلوا ذلك على القُدْرَةِ والمُلك، وهذا يوجب تأويل خلق آدم بيده!
стр. 554
٥١٥ - وفي معناه ما روي عن ﷺ أنَّه قال: "يَدُ اللهِ عَلى الجَماعَةِ، فاتَّبعُوا السَّوَادَ الأَعْظَم" (١).
٥١٦ - وروى أبو القاسم بإسناده: عن أبي أيوب عن النبي ﷺ قال: "يَدُ اللَّهِ مَعَ القَاضي حِينَ يَقضي، ويَدُ اللهِ مَعَ القَاسِمِ حِينَ يَقْسِم" (٢).
وقد تأولوا ذلك على معنى النَّصْر والمعونة، وقد تقدم الكلام عليه.
٥١٧ - وفي معناه ما روي عن النبي ﷺ أنَّه قال: "والَّذِي نَفْسي بِيَده، لَو أن فَاطِمة سَرَقَتْ لَقَطَعْتُها" (٣).
٥١٨ - "والَّذِي نَفْسي بِيَده، لَودِدتُ أنِّي أُقْتَلُ في سَبيلِ اللهِ" (٤).
وفي معنى ذلك: ما روي في ذكر اليمين نحو قوله "يَخْرجُ كُلُّ طَيب في يَمينِهِ" وقد تقدم الكلام عليه.
وقد تأَوَّلوُه على ظُهور فِعْلٍ من بعضِ خلقه من الملائكه، أُضيفَ إليه على معنى أنه عن أَمره! وهذا يوجبُ تأويل خلقه بيده على أنَّه يد بعض خلقه من الملائكة.
стр. 555
٥١٩ - وفي معناه قوله: "مَا تَصَدَّقَ أَحَد بصَدَقَةٍ من طَيِّبٍ، إلا أَخَذَها الرَّحْمنُ بيمينه وإنْ كَانتْ تَمْرَةً فتربى في كَفِّ الرَّحْمنِ، حتى تكونَ أَعْظَم مِنَ الجبل" (١).
وقد تأوَّلوا اليمين ها هنا بمعنى النعمة والفَضْل! وهو أنْ يَتَفَضَّل بَقَبَول ذلك، ويُضَاعِفُ الثواب، والمرادُ بالكفِّ: القُدرة!
وقد تقدم الجوابُ عن ذلك، وفي معنى قوله ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] (٢).
٥٢٠ - وفي معناه: ما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: "يَدُ اللَّهِ مَلْأى لا يَغيضها نَفَقَة، سَحَّاءَ الليلَ والنَّهار مُنْذ خَلَقَ السَّموَاتِ والأرض" (٣).
وقد تَأوَّلُوه على أن المرادَ باليد: القُدرة، وقوله "لا يغيضها نفقة" أي نعمة الله وأياديه! وقَد تَقَدَّم الكلام على ذلك.
وفي معناه قوله "اليد الأُخرى فيها الميزان، يخفض ويرفع" (٤) وقد تأوَّلُوه على العَدْلِ والفضْل، وأنَّه إذا بَسَطَ نِعَمَهُ وفَضله، لم يَنقُص مما في قُدرته شيء!
٥٢١ - وفي معناه: ما روى الحسن عن النبي ﷺ أنَّه قال: "ما التَقَتْ فِئَتَانِ قَطُّ، إلا وكَفُّ اللهِ بَينَهما، فإذَا أرادَ أنْ يَهْزِمَ إحْدَى الطائفتين أَمَال كَفَّه عليها" (٥).
وقد تأوَّلوه على القُدْرة، وإظهار النصرة!.
стр. 556
٥٢٢ - وفي معناه: ما رَوَى كعب أنَّه قال: إنَّ السَّفينةَ تَجري على كَفِّ الرَّحْمن.
وتأولوه على أنَّها تجري بقدرته، وأنَّ الله هو المُسَيِّر لها، وهذا يُسقط فائدة تخصيص السَّفينة بذلك، لأن جَميعَ الأشياء بقدرته.
٥٢٣ - وفي معناه: ما رَوَى حكيم بن هشام: أن رَجُلًا قال: يا رسول الله، أبْتدَي بالأَعمالِ، أم قد مضى؟ قال: "إن الله لما أَخْرَجَ ذُرِّيَّة آدَمَ من ظهره، أَشْهدهم على نَفْسِهِ، ثم أفَاضَ بهم في كفَّيه، فقال: هَؤلاءِ للجنَّة، وهؤلاء للنَّار" (١).
٥٢٤ - وفي معنى ذلك: ما رُوي عن النبي ﷺ أنَّه قال: "فأقوم على يَمينِ الرَّحمن مَقَامًا، لا يَقُومُه أَحَد غيري" (٢).
وقد تأوَّلوه على يمينِ عَرْش الرحمن، وقَد سَبَق الجوابُ عن ذلك في موضعه.
٥٢٥ - وفي معناه ما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا (٣) كَانَ يومَ القيَامة مَدَّ اللهُ الأَرْضَ مَدَّ الأَدِيم، حتَّى لا يكون لِبَشَر من الناس إلا مَوْضعَ قَدَمِهِ، فأكونُ أول من أُدْعى، وجبريلُ عن يمين الرحمن" (٤).
стр. 557
٥٢٦ - وفي معناه: ما روي عن النبي ﷺ قال: "يُجَاءُ بهم يومَ القِيامة فَيُوقَفُونَ على جِسْرِ جَهَنَّم، فمن كانَ مِطْوَاعًا لله، تناوله اللهُ بِيَمينهِ، حتَّى يُنجِّيه" (١).
وقد تأوَّلوه على الرحمة.
٥٢٧ - وفي معناه: حديث أبي موسى "إنَّ الله يَومَ خَلَقَ آدَمَ قَبضَ قَبْضَتين، فقال: هَؤُلاءِ في الجنَّةِ ولا أُبَالي، وهَؤُلاءِ أَصْحابُ النَّار ولا أُبالي" (٢).
وقد تقدَّم الكلام على ذلك.
٥٢٨ - وقد ذكر أبو إسحاق في تعاليقه على كتاب "العلل" للخَلَّال: فأمَّا قوله ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] هو: القوة، وقوله "خَلَقَ آدمَ بيده، وكَتَبَ التَّوراةَ بيده، وغَرَسَ الفردوس بيده" دلالة أن
стр. 558
السَّماء بقوة (١).
وقال في موضعٍ آخر: لما قال في آدم: بيدي، علمتُ أَنَّه بخلافِ ما أرادَ في السماء (٢).
* * *
стр. 559
إثباتُ صفة الوجه لربِّنا سبحانه
٥٢٩ - ناه أبو القاسم قال نا الحسين بن محمد بن قطينا نا حمزة بن محمد بن العباس نا عباس الدوري نا عبيد الله بن موسى نا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي الأحْوصِ عن عبد الله قال: "النِّساءُ عَوْرة، فاحْبِسُوهُنَّ في البيوت، فإنَّ المرأة إذا خَرَجَتْ الطريق، قال لها أَهْلُها: أين تذهبين؟ قالت: أَعُوُد مريضًا أو أتَّبعُ جِنَازَةً، فلا يَزَالُ الشَّيطان حتى تُخْرِجَ ذِراعَيها، وما التَمَسَتْ امرأة وَجْهَ اللهِ تَعالى، مثْلَ أنْ تَقرَّ في بَيتِهَا وتَعْبُدَ الله" (١).
اعلم أن قوله "ما التَمسَت امرأة وَجْهَ الله" المراد به: ما التمست امرأة الله الذي له الوجه، فحذفت المضاف لأن الوجهَ صِفَة، والطَّاعات إنَّما تكونُ لمن له الصِّفات، ولا تكون للصِّفات (٢).
стр. 560
وعلى هذا قوله تعالى ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] وقوله ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] والمراد به الله الذي له الوجه، فحذف المضاف (١).
فإن قيل: ذكر الوجه ها هنا والمرادُ به التَّوَجُّهِ نحو الشيء، والقَصْد إليه.
قيل: هذا غلط، لأنَّه قد ثَبَتَ بما ذكرنا فيما قبل إثبات الوَجْه، وأنَّه صفة لذاته فلا معنى لتأويله، لأنَّه يُفضي إلى إسْقَاط الصِّفة، ويكون تقدير الكلام ما ذكرنا من أن هناك محذوف مُقدَّر.
* * *
стр. 561
حَديث آخَر
٥٣٠ - ناه أبو القاسم بإسناده: عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن ﷺ قال: "جِنَانُ الفْردَوس ثِنْتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، حِلْيَتُهما وآنيتُهُما وَمَا فيهما، وثِنْتَانِ من فِضَّة، آنيتهُمَا وحلْيَتهما وَمَا فيهِمَا، وليسَ بينَ القَوْمِ وبين أنْ يَنظُرُوا إلى رَبِّهم، إلا رِداءُ الكْبرِيَاء على وَجْهِهِ في جَنَّةِ عَدْنٍ" (١).
اعلم أن الكلام في هذا الخبر في فصول:
أحدها: إثباتُ الوَجْهِ بقوله "إلا رِداء الكبرياءِ على وجهه" وقد تقدَّم الكلامِ في ذلك، وَبَيَّنَّا أن الوجه صفة ذات.
الفصل الثاني: قوله "جَنَّة عَدْنٍ" وظاهر هذا يَقْتَضي أن المنْظُور إليه (هو اللهُ) (٢) سبحانه في جنة عدن، لأنَّه قال "رداءُ الكبرياء على وجهه في جنة عدن" وهذا غيرُ ممتنعٍ لأنَّه لا يُفضي إلى الجهة، كما لم يُفضِّ وصفه بالعُلو على العَرش إلى الجهة، وإنْ كنَّا نعلم أن العُلُو ضد السُفل، وكذلك لم يُفضِّ جواز النَّظر إلى الجهة، وإنْ كُنَّا لا نَعْقِل مَنْظُورًا (٣) إلا في جهة (٤).
فإنْ قيل: قوله "في جَنَّة عَدْنٍ" يَرجع إلى النَّاظر أنَّه في جنة عدن، لا إلى المنظور!.
стр. 562
قيل: هذا غلط، لأنَّه لا يُفيد شيئًا، لأنَّا قد علمنا أن الأنبياءَ والأولياء يدخلوا الجَّنة بغير هذا الخبر، ولم نَسْتَفِدْ وجود ذاتهِ في الجنة إلا بهذا الخبر، فكانَ حَمْلهُ على ذلك لا على وجه الجهة أَوْلى، لما في ذلك من الفائدة.
الفصل الثَّالث: قوله "رداءه الكبرياء على وجهه" فيه بيان أن من صفته ونعته "الكبرياء والعظمة" وقد تقدّم الكلام في قوله "الكبْرَياءُ رَدِائي والعَظَمَةُ إزارِي" (١) وأنَّ ذلك صِفة من صفاته المختصة به، وتقديره: أن مَنْ نازعني في ذلك بأنْ تكبَّر أو تَعَظَّم على النَّاس، أَدْخَلْتهُ النَّار.
وفيه بيان أن له أنْ يَمنَعَهم النَّظر إليه، لأن المتصِف بالكبْرِيَاءِ والعَظَمة، له أنْ يَتَفضَّل وأنْ لا يتفضل.
* * *
стр. 563
حَدِيث آخَر
٥٣١ - ناه أبو القاسم بإسناده: عن الشَّعْبي عن المغيرة بن شُعْبة أن النبي ﷺ قال: "إنَّ مُوسىَ بن عمران ﵇ قال: يا رَبِّ من أَدْنى أَهْلَ الجنَّة مَنْزلَةً؟ قال: هو رَجُل يَأتي بعدمَا يَدْخلُ أَهل الجنَّةِ الجنةَ، فيقال له: ادْخُل، فيقولُ: يا ربِّ كيفَ أَدْخُل، وقد نَزَلَ الناس مَنَازِلَهم؟ فيقال له: ألا تَرْضى أنْ يكونَ لَكَ مثلَ ما لِملَكٍ من مُلُوك الدُّنيا؟ فيقول: نعم، فيقال: لَكَ مثلَ ذلكَ ومثلَه مَعَه، حتى عَدَّ خَمسَ مراتٍ، فيقول: رضيتُ أيْ ربِّ، فيقال: لَكَ ذلك وعَشْرة أمْثَالهِ، فيقول: رَضيتُ أيْ ربِّ. فيقال: لَكَ ما تَشْتَهي نَفْسُك، وتَلَذُّ عَينُكَ، قال: فما أَعلَاهُم يا رب؟ قال: سأُخبركَ وذلك أرَدت غَرَستُ كَرَامتهم بيدي، ونَفَخْتُ فيها من رُوحي، وخَتَمتُ عَليها، فَلَمْ تَرَ عَين، (ولم تسمع أُذُن)، ولم يَخْطُرْ على قَلْب أحد" (١).
اعلم أنه يحتمل أنْ يكون الخَتْمُ بيده، لأنَّه عطفٌ على ما تقدَّم وهو أنَّه غَرَسَ كَرَامتهم بيده، وذلك غير ممتنع، لأنَّا لا نَصِفُهُ بالآلات والجارحة والمعالجة بالمباشَرة، بل نُطلق ذلك كما أطلقنا خَلقه لآدم بيده، والخلق فعل، فَأَجَزْنا إطلاقه لا على وجه (٢) الجارحة والمباشرة، كذلك ها هنا (٣).
فعلى هذا يجوز إطلاقُ "الخَتْم" عليه كما جاز إطلاق الخلق عليه،
стр. 564
ويحتمل أنْ لا يكون مُضَافًا إلى اليد كسائر أَفعَاله المطلقة، لأنَّه لم يُصَرِّحْ لإضافته إلى اليد (١).
فعلى هذا قد قيل المراد بقوله "ختمت" أي: حَكَمْتُ لهم به حُكمَ العَطَاء والهبة لهم والتَفَضُّل عليهم بها، نحو قول القائل: ختمت عليك أنك تَفْعل أو لا تفعل، أي: حكمتُ عليك، وأوْجَبْتُ عليك وخصصتك.
وقيل معناه: جعلت ذلك خاتمة أفْضالي عليهم قُرْبًا ومنزلةً، لا غاية ولا نهاية، اختصاصًا لهم بهذا التشريف.
وفي هذا ضَعْف، لأنَّ الختَم يَقْتَضي المنع عن الشيء، ومنه قولهم: ختمت الكيس، والمراد به المنع منه.
فيكون معنى الختم المنع لغير أهلِ الجَنَّة من ذلك.
* * *
стр. 565
حَدِيث آخَر
٥٣٢ - ناه أبو القاسم قال: نا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد المفيد الحافظ بجر جرايا قال نا الحسن بن عبيد الله العبدي قال نا عفان بن مسلم الصفَّار نا شعبة عن عمرو بن مرة قال سمعت أبا عبيدة عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إنَّ الله يَبْسُطُ يَدَه بالليل ليَتُوبَ مُسيُء النَّهار، ويَبْسُطُ يَدَهُ بالنَّهارِ ليَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيل، حتى تَطْلُعَ الشَّمسُ مِنْ مَغْربها" (١).
اعلمْ أنَّه غيرُ ممتنع إضَافة "البَسْط" إليه كما لا يمتنع إضَافَةُ الخَلْقِ بيده إليه، ولا فرق بينهما.
وقد ورد القُرآنُ بذلك فقال تعالى إنْكَارًا على اليهود ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المايدة: ٦٤].
فإن قيل: اليد ها هنا عَبارة عَن الملكِ والنعمةِ والقُدرة، وهذا مُستعمل في كلام النَّاس: فيقولون: الأُمور كلُّها بيدِ الله، كما يقولون: أمور الخَلْقِ تجري بقدرة الله؟!
قيل له: فيجب أنْ تتأوَّلَ قوله ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] على القُدرة والمُلك فيكون معناه: خلقت بقدرتي! وقد اتفقنا وهذا القائل على أن المراد باليد هناك: يد صفة، كذلك هاهنا (٢).
* * *