حَديث آخَر
٥٣٠ - ناه أبو القاسم بإسناده: عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن ﷺ قال: "جِنَانُ الفْردَوس ثِنْتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، حِلْيَتُهما وآنيتُهُما وَمَا فيهما، وثِنْتَانِ من فِضَّة، آنيتهُمَا وحلْيَتهما وَمَا فيهِمَا، وليسَ بينَ القَوْمِ وبين أنْ يَنظُرُوا إلى رَبِّهم، إلا رِداءُ الكْبرِيَاء على وَجْهِهِ في جَنَّةِ عَدْنٍ" (١).
اعلم أن الكلام في هذا الخبر في فصول:
أحدها: إثباتُ الوَجْهِ بقوله "إلا رِداء الكبرياءِ على وجهه" وقد تقدَّم الكلامِ في ذلك، وَبَيَّنَّا أن الوجه صفة ذات.
الفصل الثاني: قوله "جَنَّة عَدْنٍ" وظاهر هذا يَقْتَضي أن المنْظُور إليه (هو اللهُ) (٢) سبحانه في جنة عدن، لأنَّه قال "رداءُ الكبرياء على وجهه في جنة عدن" وهذا غيرُ ممتنعٍ لأنَّه لا يُفضي إلى الجهة، كما لم يُفضِّ وصفه بالعُلو على العَرش إلى الجهة، وإنْ كنَّا نعلم أن العُلُو ضد السُفل، وكذلك لم يُفضِّ جواز النَّظر إلى الجهة، وإنْ كُنَّا لا نَعْقِل مَنْظُورًا (٣) إلا في جهة (٤).
فإنْ قيل: قوله "في جَنَّة عَدْنٍ" يَرجع إلى النَّاظر أنَّه في جنة عدن، لا إلى المنظور!.
стр. 562
قيل: هذا غلط، لأنَّه لا يُفيد شيئًا، لأنَّا قد علمنا أن الأنبياءَ والأولياء يدخلوا الجَّنة بغير هذا الخبر، ولم نَسْتَفِدْ وجود ذاتهِ في الجنة إلا بهذا الخبر، فكانَ حَمْلهُ على ذلك لا على وجه الجهة أَوْلى، لما في ذلك من الفائدة.
الفصل الثَّالث: قوله "رداءه الكبرياء على وجهه" فيه بيان أن من صفته ونعته "الكبرياء والعظمة" وقد تقدّم الكلام في قوله "الكبْرَياءُ رَدِائي والعَظَمَةُ إزارِي" (١) وأنَّ ذلك صِفة من صفاته المختصة به، وتقديره: أن مَنْ نازعني في ذلك بأنْ تكبَّر أو تَعَظَّم على النَّاس، أَدْخَلْتهُ النَّار.
وفيه بيان أن له أنْ يَمنَعَهم النَّظر إليه، لأن المتصِف بالكبْرِيَاءِ والعَظَمة، له أنْ يَتَفضَّل وأنْ لا يتفضل.
* * *
стр. 563
حَدِيث آخَر
٥٣١ - ناه أبو القاسم بإسناده: عن الشَّعْبي عن المغيرة بن شُعْبة أن النبي ﷺ قال: "إنَّ مُوسىَ بن عمران ﵇ قال: يا رَبِّ من أَدْنى أَهْلَ الجنَّة مَنْزلَةً؟ قال: هو رَجُل يَأتي بعدمَا يَدْخلُ أَهل الجنَّةِ الجنةَ، فيقال له: ادْخُل، فيقولُ: يا ربِّ كيفَ أَدْخُل، وقد نَزَلَ الناس مَنَازِلَهم؟ فيقال له: ألا تَرْضى أنْ يكونَ لَكَ مثلَ ما لِملَكٍ من مُلُوك الدُّنيا؟ فيقول: نعم، فيقال: لَكَ مثلَ ذلكَ ومثلَه مَعَه، حتى عَدَّ خَمسَ مراتٍ، فيقول: رضيتُ أيْ ربِّ، فيقال: لَكَ ذلك وعَشْرة أمْثَالهِ، فيقول: رَضيتُ أيْ ربِّ. فيقال: لَكَ ما تَشْتَهي نَفْسُك، وتَلَذُّ عَينُكَ، قال: فما أَعلَاهُم يا رب؟ قال: سأُخبركَ وذلك أرَدت غَرَستُ كَرَامتهم بيدي، ونَفَخْتُ فيها من رُوحي، وخَتَمتُ عَليها، فَلَمْ تَرَ عَين، (ولم تسمع أُذُن)، ولم يَخْطُرْ على قَلْب أحد" (١).
اعلم أنه يحتمل أنْ يكون الخَتْمُ بيده، لأنَّه عطفٌ على ما تقدَّم وهو أنَّه غَرَسَ كَرَامتهم بيده، وذلك غير ممتنع، لأنَّا لا نَصِفُهُ بالآلات والجارحة والمعالجة بالمباشَرة، بل نُطلق ذلك كما أطلقنا خَلقه لآدم بيده، والخلق فعل، فَأَجَزْنا إطلاقه لا على وجه (٢) الجارحة والمباشرة، كذلك ها هنا (٣).
فعلى هذا يجوز إطلاقُ "الخَتْم" عليه كما جاز إطلاق الخلق عليه،
стр. 564
ويحتمل أنْ لا يكون مُضَافًا إلى اليد كسائر أَفعَاله المطلقة، لأنَّه لم يُصَرِّحْ لإضافته إلى اليد (١).
فعلى هذا قد قيل المراد بقوله "ختمت" أي: حَكَمْتُ لهم به حُكمَ العَطَاء والهبة لهم والتَفَضُّل عليهم بها، نحو قول القائل: ختمت عليك أنك تَفْعل أو لا تفعل، أي: حكمتُ عليك، وأوْجَبْتُ عليك وخصصتك.
وقيل معناه: جعلت ذلك خاتمة أفْضالي عليهم قُرْبًا ومنزلةً، لا غاية ولا نهاية، اختصاصًا لهم بهذا التشريف.
وفي هذا ضَعْف، لأنَّ الختَم يَقْتَضي المنع عن الشيء، ومنه قولهم: ختمت الكيس، والمراد به المنع منه.
فيكون معنى الختم المنع لغير أهلِ الجَنَّة من ذلك.
* * *
стр. 565
حَدِيث آخَر
٥٣٢ - ناه أبو القاسم قال: نا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد المفيد الحافظ بجر جرايا قال نا الحسن بن عبيد الله العبدي قال نا عفان بن مسلم الصفَّار نا شعبة عن عمرو بن مرة قال سمعت أبا عبيدة عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إنَّ الله يَبْسُطُ يَدَه بالليل ليَتُوبَ مُسيُء النَّهار، ويَبْسُطُ يَدَهُ بالنَّهارِ ليَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيل، حتى تَطْلُعَ الشَّمسُ مِنْ مَغْربها" (١).
اعلمْ أنَّه غيرُ ممتنع إضَافة "البَسْط" إليه كما لا يمتنع إضَافَةُ الخَلْقِ بيده إليه، ولا فرق بينهما.
وقد ورد القُرآنُ بذلك فقال تعالى إنْكَارًا على اليهود ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المايدة: ٦٤].
فإن قيل: اليد ها هنا عَبارة عَن الملكِ والنعمةِ والقُدرة، وهذا مُستعمل في كلام النَّاس: فيقولون: الأُمور كلُّها بيدِ الله، كما يقولون: أمور الخَلْقِ تجري بقدرة الله؟!
قيل له: فيجب أنْ تتأوَّلَ قوله ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] على القُدرة والمُلك فيكون معناه: خلقت بقدرتي! وقد اتفقنا وهذا القائل على أن المراد باليد هناك: يد صفة، كذلك هاهنا (٢).
* * *
стр. 566
حَدِيث آخَر
٥٣٣ - ناه أبو القاسم قال: نا أبو حفص عمر بن محمد بن علي الزيات وعلي بن عمر الحربي قال نا أبو عبد الله أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي قال نا شُجَاع بن مخلد الفلَّاس في كتاب "التفسير" نا أبو عاصم عن سفيان عن عمار الدهني عن مُسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: سُئِل رَسول الله ﷺ عن قول الله ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] قال: "كُرسيَّه مَوْضِعُ قَدَمَيه، والعَرْش لا يَقْدِرُ قَدْرَهُ أَحَد" (١).
٥٣٤ - ونا أبو القاسم قال نا أبو الفتح القوَّاس قال نا أحمد بن سلمان بن الحسن قال نا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال نا عبد الرحمن بن مهدي قال نا سفيان الثَّوري عن أبي إسحق عن عبد الله بن خليفة عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "إذَا جَلَسَ اللهُ على الكُرسي، سُمِعَ له أَطِيط كأَطِيطِ الرَّحْل الجديد" (٢).
стр. 567
٥٣٥ - وذكر الدارقطني في "أَخْبَار الصِّفات" بإسناده: عن عمر: أن امرأَةً جَاءتْ إلى النبي ﷺ فقالت: إدْعُ الله أنْ يدخلني الجَنَّة، فَعَظَّمَ الرَّبَّ ، وقال: "إنَّ كُرسيَّه وسَعَ السَّمَواتِ والأرض، وإنَّ له أطيطًا كأطِيطِ الرَّحل الجديد إذا ركب من ثُقله" (١).
٥٣٦ - وذكر أبو بكر النَّجاد بإسناده: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: أَتَتْ النبي ﷺ امرأة فقالت: ادْعُ الله أنْ يُدِخلَني الجَّنة، فَعَظَّمَ الرَّبَّ قال: "إن كُرْسيَّه فَوْقَ السَّمواتِ والأرضِ، وإنَّه يَقْعُدُ عليه فما يَفْضُلُ منه مِقْدارُ أَربْع أَصَابع، ثم قال بأصابعه يجمعها وإنَّ له أطيطًا (٢) كأطيطِ الرَّحل الجَديدِ إذَا ركب" رواه أبو بكر النَّجاد في كتاب "السُّنَّة" عن الحضرمي قال: نا عبد الله بن الحكم وعثمان قالا نا يحيى عن إسرائيل عن عبد الله بن خليفة عن عمر قال: "أَتَتْ ﷺ امرأة" وذكر الخبر (٣).
стр. 568
٥٣٧ - ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في كتاب "العَرْش" بإسناده: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال قال رسول ﷺ : "ما يُفضُلُ مِنَ العَرش إلا أرْبَع أصَابع، وإنَّ له أطيطًا (١) كأَطِيطِ الرَّحل الجَديدِ" (٢).
٥٣٨ - وروى أيضًا بإسناده: عن عبد الله بن خليفة قال قال رسول ﷺ "الكُرْسي الذي يَجْلس عليه ما يفْضُلُ منه إلَّا أَرْبَع أَصَابع، وإن له لأزيز كأزِيزِ الرَّحْلِ الجديد" (٣).
اعلم أنّ الألفاظَ قد اختلفت في الكرسي.
فروي في حديث ابن عباس عن ﷺ أنَّه موضعُ القَدَمين.
وروي في حديث عمر موقوفًا عليه أنَّه يجلس عليه!.
وهذا الاختلاف وفاق في المعنى، لأنَّه يجوز أنْ يكون مَوْضِعًا للقدمين وللجلوس، وإذا تَقَرَّرَ هذا فغير ممتنعٍ حمل كل لفظ على ظاهره (٤).
فقوله في حديث ابن عباس: "الكرسي موضع القَدَمين" على ظاهره في قَدَمِ الصِّفة الذي تقدم ذكره في أولِ الكتاب "يَضَعُ قَدَمَهُ في النَّار" وفي
стр. 569
حديث داود "خُذْ بقدمي" لا على وجه المُمَاسَّة والجهة والأبعاضِ، كما جازت رُؤْيته لا في جهة، وكما جاز الإسْتواء عليه على العرش لا في جهته.
فإنْ قيل: المرادُ بالقَدَمِ ها هنا قَدَمُ بعض خَلْقِهِ، من الملائكةِ: أو غيره، لأنَّه لم يَقُلْ هو موضع قدمي الله .
قيل هذا غلط، لوجوه:
أَحَدُها: أن قوله "كُرسيه" المراد بهذه الإضافة الله تعالى، وقوله "موضع قدميه" كناية، والكناية ترجع إلى من تقدم ذكره.
الثاني: أنَّه قد روي مُفسرًا عن ابن عباس فيما حدثنا أبو القاسم بإسناده: عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "الكُرْسي مَوْضعُ قَدَمِ الرَّحْمنِ جَلَّ وعَزَّ، والعَرْش لا يَقْدِرُ أَحَد قَدْرَه".
فإنْ قيل: يحتمل أنْ يكون المراد بالكرسي العَلْم، فيكون معناه: وَسِعَ عَلْمه السَّموات والأرض (١).
стр. 570
قيل: هذا غلط، لأنَّ أهلَ التفسير، ومنهم مقاتل بن سليمان، قال: كُلُّ قائمةٍ من قَوائِمِ الكرسي طولها مثل طُول السَّمواتِ والأرض، والكُرْسي تحت العَرشِ في الصِّغرِ كحلْقَةٍ في أرضٍ فَلَاةٍ.
وهذا يمنع تأويله على العِلم، لأنَّ العِلم لا يتَّصف بالقَوائم، وبكونه تحت العَرش، ولأنَّه أضافَ القدمين إليه، والعلم لا يختص بالكُرسي ولا بالقدمين.
وأمَّا قوله في حديث عمر "إذَا جَلَسَ على الكُرسي" فغيرُ ممتنع حمله على ظاهره، وأنَّ ذاته جالسة على الكرسي (١) لا على وجه الجهة والحدّ، ولا على وجه الجثَّة والأَبْعَاض، كما وَصَفَ نفسه تعالى بالإستواء على العرش، وأنَّ ذلك محمول على ظاهره في استواء الذات، لا على وجه الجهة والأبعاض، كذلك في الكرسي، وقد تأولوا الجلوس والإستواء على الكرسي، على نَحو تَأويلهم الإستواء على العرش، ويأتي الكلام فيه.
وتأوَّله بعضهم على ﷺ وأنَّه هو جالس على كرسيه في الجنَّة بين يدي الله تعالى.
وهذا غلط، لأنَّ في الخبر تصريح باسم الله تعالى، ولا يمتنع أيضًا أنْ يحصل للكرسي أَطِيط بجلوس ذاته عليه، لا على وجه الاعتماد والمماسَّةِ وثُقْل الجُثَّة، كما قلنا في حديث خالد بن معدان "إنَّ الرحْمنَ ليثْقِل على
стр. 571
حَملَة العَرْش من أولِ النَّهار" وأنَّ الثقل يحصل بذات الرحمن، لا على وجه الاعتماد وثقل الجثة، كذلك ها هنا.
فإن قيل: محتمل أنْ يَخلقَ الله أطِيطًا في الكرسي، يكون ذلك علامة للملائكة.
قيل: هذا غلط، لأنَّه يقتضي أن الأطيطَ يحصل بالجلوس، لأنَّه أَضَافه إليه تعظيمًا لشأن الجلسة.
فإنْ قيل: معناه أَطِيط الملائكة بالتَّسبيحِ حول العرش، فَأُضيفَ الأطيط إلى العرش، والمرادُ به حملته، كما يقال: اجتمعت اليَمامة، والمراد به أهلها.
قيل: هذا مجاز لأنَّه أضافَ الأطيط إلي العَرش، وأمَّا قوله "وأنَّه يقعد عليه فما يَفضُل من مقدار أرْبع أَصابع، ثم قال بأصابعه يجمعها" "فما" هاهنا بمعنى "الذي" كقوله ﴿عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾ [النحل: ٩٦] معناه: الذي عندكم، وإذا كانت بمعنى الذي، فالفضْلة مِنَ الكرسي، وإنَّ الله أخَلاهَا من وصفه بالجلوس عليها، لأنَّه قد صَرَّحَ بذلك في رواية ابن أبي شيبة فقال: "مما يَفْضُل من العَرش إلا أربع أصَابع" فأمَّا ما حَدُّ الفَضلة بالأصَابع، فلا يُعْقَل معنى الأصابع لأنَّها غير منصوصٍ عليها (١).
стр. 572
وقد قيل: يحتمل أنْ يكون راجعًا إلى أصابع الذات، وقد بيَّنا فيما تقدم أنَّه موصوف بالأَصَابع، والذي يُقَوي رُجُوعَه إلى ذلك أنَّه جمع أصابعه، كما قال: "يضع السَّموات على إصبع، وأشار بأصابعه" وكان ذلك محمولًا على الذات، كذلك ها هنا.
والقول الصحيح في ذلك: أننا نحمل الخَبَرَ على ظاهره، ولا يُعقل معنى الأصابع، لأنَّه غير منصوصٍ عليه.
* * *
стр. 573
حَدِيث آخَر في الكُرْسِي
٥٣٩ - ناه أبو القاسم قال: نا علي بن عمر الدارقطني قال نا علي بن محمد بن أحمد الواعظ قال حدثني أبو غداثة محمد بن أحمد بن عياض بن أبي ظبية المفرض من حفظه نا مكي بن عبد الله الرُّعيني نا سفيان بن عيينة عن أبي الزبير عن جابر قال: لمَّا قَدِمَ جَعْفرُ بن أبي طَالب من أَرضِ الحبشة تَلَقَّاه ﷺ فلما نَظَرَ جعفر إلى رسول الله ﷺ خَجِلَ إعْظَامًا منه لرسول الله، فَقَبَّلَ رسولُ الله بين عينيه، وقال له: "يا حبيبي، أَنْتَ أَشْبه النَّاس بخلقي وخلقي، وخُلِقْتَ مِنَ الطِّينةِ التي خُلِقْتُ منها، فحدِّثني يا حبيبي عن بعض عَجَائِبِ أَرْضِ الحَبَشَةِ، قال: نعم، بأبي أنْتَ وأمي يا رسول الله، بَينَا أَنا سَائرِ في بَعضُ طرُقَاتِها، إذا بعجُوزٍ على رَأْسِها مِكْتل وأقْبَلَ شَاب يركض على فَرَسٍ له، فَزَحمها فألْقَاهَا لوجهها، وألْقَى المِكْتَلَ على رَأسِهَا، فاسْتَوَتْ قائمة وأَتْبَعَتْه البَصَرَ، وهي تقول له: الوَيْلُ لكَ غدًا، إذَا جَلَسَ المَلِكُ على كُرْسيِّه، فاقْتَصَّ المَظْلومُ مِنَ الظَّالِمِ، قال جابر: فَنَظَرتُ إلى رسول ﷺ وإنَّ دُمُوعَه على لحيَتهِ مثل الجُمان، ثم قال: رسول ﷺ : "لا قَدَّسَ الله أُمَّةً، لا تأَخُذ للمَظْلومِ حَقَّه مِنَ الظَّالم" (١).
стр. 574
وهذا الحديث يؤكد الذي رَويناه عن عُمر في إثباتِ الجلوس على الكرسي، وقد بَيَّنَّا أن ذلك جائز غير مستحيل.
٥٤٠ - وفي معناه أيضًا: ما نا أبو القاسم قال نا أبو الحسن عليُّ بن عمر بن أحمد الدارقطني قال نا يحيى بن محمد بن صَاعد قال نا إبراهيم بن سعد الجوهري وزهير بن محمد قَالَا نا عبد الرحمن بن المبارك عن الصَّعِقِ بن حَزْن (١) عن علي بن الحكم عن عثمان بن عمير عن أبي وائل عن عبد الله قال: قال رجل: يا رسول الله، ما المقام المحمود؟ قال: "يَوم يَنْزِلُ اللهُ على كُرْسِيِّه يَأطُّ كما يَأط الرحْلُ الجديد من تضايقه، وهو كَسَعَةِ ما بين السَّماءِ والأرْضِ" (٢).
وهذا أيضًا يؤكد ما تقدم، الذي روى فيه من عظم الكرسي، وأنه كَسَعَة ما بين السَّماء والأَرض فلا يُنكر في مقدور اللهِ، بل هو أَعظم من ذلك أضعافًا مُضَاعفة (٣).
стр. 575
إثبات استواء الله تعالى على عرشه
٥٤١ - ذكره أبو عبد الله بن بطة فقال: نا أبو بكر محمد بن بكر قال نا أبو داود السجستاني قال نا محمد بن الصباح البزار قال نا الوليد بن أبي ثور عن سماك عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العَبَّاس بن عبد المطلب قال: كنْتُ في البَطْحَاء في عِصَابَةٍ فيهم رسول الله، فَمرتْ بهم سَحَابة فنظر إليها رسول ﷺ فقال: "مَا تُسَمُّونَ هذه؟ " قالوا: السَّحَاب، قال: "والمزْن" قالوا: والمزن، قال: "والعنان" قال: هل تدرون مَا بُعْد ما بين السَّماء والأرض؟ قالوا: لا ندري، قال: "فإنَّ بُعْدَ ما بيَنهما إمَّا واحدة وإما قال ثِنْتيَن أو ثَلاث وسَبْعينَ سنة، ثم السَّماء فَوْقَها كذلك، حتى عَدَّ سَبْعَ سَمَواتٍ، ثم فوق السَّماء السَّابعة بَحْر بين أَسْفَلِهِ وأَعْلاه مْثلَ ما بينَ السَّماء والأرض، ثمَّ فوقَ ذلك ثَمانية أَوْعَالٍ بين أَظَلافهم ورُكبِهِم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثُمَّ على ظُهورِهِم العَرْش بين أسْفله وأَعْلاه مِثْلَ ما بين سَمَاء إلى سَمَاء، ثُمَّ اللهُ تعالى فوق ذلك، لا يخفى عليه شيء في الأَرضِ ولا في السَّماء" (١).
стр. 576
٥٤٢ - وروى أبو عبد الله بن بطة قال: نا ابن سلمان قال نا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل التِّرمذي قال نا نعيم بن حمَّاد قال نا أبو صفوان الأموي عن يُونس بن يزيد عن الزُّهري عن سعيد بن المسيب عن كعب الأحْبَار قال: قال الله تعالى في التَّوراة: "أَنا اللهُ فَوقَ عبَادِي، وعَرْشي فَوْقَ جَميعِ خَلْقي، أَنا على عَرْشِي، عليه أدَبَّر عَبادِي، لا يَخْفى عَليَّ شيء مِن عِبَادي" (١).
٥٤٣ - وأنا أبو محمد الحسن بن محمد قال: أنا أبو الحسين محمد بن المظفر إجَازَةً قال نا أبو بكر محمد بن أحمد بن خالد القَاضي قال نا سعيد بن محمد قال نا مسَلْمُ بن قتيبة قال نا شعبة عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة عن عمر بن الخطاب ﵁ عن ﷺ في قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥] قال: "حَتَّى يُسمع أَطِيط كأَطِيطِ الرَّحْل" (٢).
اعلم أن القرآن والأخبار قد جاءا بالإستواء على العَرْشِ، والواجب في ذلك إطلاقُ هذه الصفة من غير تفسيرٍ ولا تأويل، وأنَّه استواءُ الذَّات على العرش، لا على وجه الاتصال والمماسَّة (٣).
стр. 577
وقد أثبت الإستواء السلف.
٥٤٤ - فروى أبو بكر الخَلَّال عن: عبد الوهاب الوَّراق أنَّه قال: استوى، قال: قعد!
٥٤٥ - وعن يزيد بن هارون قال: مَنْ زَعَمَ أن ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] على خِلَاف ما يَقَرُّ في قُلُوب العَامَّة، فهو جهمي (١).
٥٤٦ - وذكر ابن قُتيبة في "مُخْتَلف الحديث" ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، استقر، كما قال ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨] أي: استقررت (٢)، ولا يجوز حَمْلُه على المُمَاسَّة، لأنَّها من صفات المحدث، ولا يَجوز حمله على معنى: الإستِيلاء، لأنَّ الإستيلاءَ عند العَرَبِ لا يكون إلا بعد المُغَالبةِ.
стр. 578
٥٤٧ - قال ابن الأعرابي: هو على عرشه كما أَخْبَر، فقيل له: استوى استولى! فقال: العربُ لا تقول: اسْتَوْلَى على الشَّيء، حتى يكونَ له فيه مُضَاد، فأَيُّهما غَلَبَ قيل استولى، واللهُ تعالى لا مُضَادَ له، وهو على عرشه كما أَخبر، والإستيلاء بعد المُمَانَعَة (١).
ولا يجوز حمله على معنى المِلك، لأنَّه كان يَجبُ أنْ يقال: إنَّه استوى فوق البيت، لأنَّه ملك البيت، واستوى على الدَّابة لأنَّه مَلَكَها، ولا يَجوز حمله على الإعتلاءِ بالقُدْرة، والمَنْزِلة والرِّفعة والغلبة، لأنَّ في حديث عمر الذي تقدم عن ﷺ "كُرسيه فوق السَّمواتِ والأرض وأنَّه يقعد عليه" وعن عمر نفسه "إذا جَلَس الله على الكُرسي سمع له أَطِيط" والجُلوس والقُعود (٢) لا يعبر به عن الإعتلاء بالقُدْرة.
وعلى أنَّه لم يزلْ مُعْتليًا على الأشياء، فلما أضافَ الاستواء إلى العرش وجب أنْ يكون لهذا التخصيص فائدة، ولا يجوز حمله على معنى: تَمَّ له ما في السَّموات والأرض، لأنَّ ذلك يُؤدي إلى أن الأشياء لا تَتم لله، ولا تحصل مقدورةً له، إلا بعد وجودها، وهذا كفر! (٣).
стр. 579
ولا يجوز أنْ يكون المراد بالعَرْشِ الملك، لأنَّه قال تعالى ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥] وهذا يوجب أن الملائكة خارجين عن الملك، فلم يبق إلا أنْ تُحمل الصِّفة على إطلاقها (١).
وقد روى أبو بكر الخَلَّال بإسناده: عن أُم سَلَمة في قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥] قالت: "كَيْفٌ غير مَعْقول، والإستواء غير مجهول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر" (٢).
стр. 580
فإذا أَثبَتَ أنَّه على العَرش، والعرش في جهةٍ، وهو على عرشه، وقد منعنا في كتابنا هذا في غير موضع إطلاقُ الجهة عليه، والصَّواب جواز القول بذلك، لأنَّ أحمد قد أثبَتَ هذه الصِّفة التي هي الاستواء على العرش، وأَثبتَ أنَّه في السَّماء، وكُلُّ منْ أثْبَتَ هذا أثْبَتَ الجهة، وهم أصحاب ابن كرَّام وابن مندة الأصبهاني المحدِّث (١).
والدِّلالة عليه: أن العَرْشَ في جهةٍ بلا خلاف، وقد ثبت بنَصِّ القُرآنِ أنَّه مستوٍ (٢) عليه، فاقتضى أنَّه في جهة.
ولأنَّ كل عاقل من مُسلم أو كافر، إذا دَعَا فإنَّما يرفعُ يَدَيه ووجهه إلى نحو السَّماء، وفي هذا كفاية.
ولأنَّ من نَفَى الجهة من المعتَزلة والأشعرية يقول: ليس هو في جهة، ولا خَارجًا منها، وقائلُ هذا بمثَابَةِ مَنْ قال بإثباتِ موجود مع وجود غيره، ولا يكون وجود أحدهما قبل وجود الآخر ولا بعده!
ولأنَّ العَوَامَ لا يُفرِّقون بين قول القائل: طلبته فلم أجده في موضعٍ ما، وبين قوله: طلبته فإذا هو معدوم.
وقد احتج ابن مَنْدَة على إثبات الجهة، بأنَّه لمَّا نَطَقَ القُرآن بأنَّ الله تعالى على العَرش، وأنَّه في السَّماء، وجاءت السُّنَّة بمثل ذلك، وبأنَّ الجنَّة مسكنه،
стр. 581
وأنَّه في ذلك، وهذه الأشياء أمْكِنَة في أَنفُسها، فَدَلَّ على أنَّه في مكان (١).
فإذا أثَبَتَ أنَّه على العَرش، وأنَّه في جهةٍ، فهل الإستواء من صِفَات الذَّات؟ قياس قول أصحابنا أنَّه من صفات الذَّات، وأنَّه موصوف بها في القِدَم وإنْ لم يكن هناك عَرْشًا موجودًا والتَحَقَّقَ وجود ذلك منه في (٢).
الثاني: لأنهم قد قالوا: خالق ورازق موصوف به فيما لم يَزل، ولا مخلوق ولا مرزوق، لتحقّق الفعل من جهته.
وقد تقول العرب: سَيْف قَطُوع، وخبز مُشبع، ومَاء رَوِيّ، وإنْ لم يُوجد منه القَطْع لتحقق الفعل منه.
واستدل بعض أَصحابنا لأنَّه موصوف في الأزل بالربوبية ولا مربوب، وبالإلهية ولا مَألْوُه، وعلى قِيَاس هذا النَّزُول إلى السماء، والمجيء في ظُلَلٍ من الغَمام، وَوَضع القَدَمِ في النَّار (٣).
стр. 582
فإن قيل: فقد قال أحمد في رواية حنبل: هو على العَرش كيف شاء، وكما شاء، وصفات الذَّات لا تدخل تحت المشيئة.
قيل: المشيئةُ راجعة إلى خَلْقِ العرش، لا إلى الإستواء عليه، وإذا أثبت استواءه وأنَّه في جَهةٍ، وأنَّ ذلك من صِفات الذات، فهل يجوز إطلاق الحدِّ عليه (١)؟
стр. 583
٥٤٩ - قد أَطْلَقَ أحمد القول بذلك في رواية المروذي، وقد ذُكر له قول ابن المبارك: نَعْرِفُ الله على العَرْش بحدّ، فقال أحمد: بلغني ذلك، وأعجبه.
٥٥٠ - وقال الأثرم: قلت لأحمد: يحكى عن ابن المبارك: نعرف ربنا في السَّماء السَّابعة، على عرشه بحدّ، فقال أحمد: هكذا هو عندنا (١).
٥٥١ - ورأيت بخط أبي إسحاق أنا أبو بكر أحمد بن نصر الرفا قال: سمعت أبا بكر بن أبي داود سمعت أبي يقول: جَاء رجل إلى أحمد بن حنبل، فقال له: للَّه ﵎ حَدُّ؟ قال: نعم لا يَعْلمه إلا هُو، قال ﵎: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥] يقول: مُحْدِقيَن. فقد أطلقَ أحمد القول بإثْباتِ الحدِّ لله تعالى.
٥٥٢ - وقد نفاه في رواية حنبل فقال: نحنُ نُؤمن بأن الله على العرش، كيفَ شَاء وكما شَاء، بلا حَدٍّ ولا صِفَةٍ يَبْلُغُها وَاصِف أو يحدُّه أَحَد.
فقد نفى الحَدَّ عنه على الصِّفة المذكورة، وهو الحد الذي يعلمه خلقه.
والموضع الذي أطلقه محمول على معنيين:
أحدهما: على معنى أنَّه تعالى في جهة مخصوصة، وليس هو تعالى ذاهِب في الجهات الستة، بل هو خَارج العالم مُمَيَّز عن خَلْقِه، مُنْفَصِل عنهم غير دَاخل في كل الجهات!.
стр. 584
وهذا معنى قول أحمد: له حدٌّ لا يعلمه إلا هو.
والثاني: أنَّه على صِفة يَبينُ بها عن غيره ويتميز، ولهذا سُمِّي البوَّاب حدادًا، لأنَّه يمنع غيره عن الدخول، فهو تعالى فَرْد واحد ممتنع عن الإشتراك له في أَخصِّ صفاته.
وقد منعنا من إطلاق القول بالحدِّ في غير موضعٍ من كتابنا، ويجب أنْ يجوز على الوجه الذي ذكرنا.
ويجب أنْ يحمل اختلاف كلام أحمد في إثبات الحدِّ، على اختلاف حالين: فالموضع الذي قال إنَّه (على) (١) العرش بحدٍّ، معناه: أن ما حاذى العَرش منْ ذَاته هو حدّ له، وجِهَة له.
والموضع الذي قال: هو على العرش بغير حَدٍّ، معناه: ما عَدَا الجهة المُحَاذِية للعَرش، وهي الفوق والخلف والأمام واليمنة واليسرة، وكان الفرق بين جهة التحت المحاذية للعرش، وبين غيرها مما ذكرنا: أن جهة التحت تُحاذي العرش بما قد ثَبَتَ من الدليل، والعرش محدود، فجاز أنْ يُوصف ما حَاذَاه من الذَّات أنَّه حد وجهة.
وليس كذلك فيما عَدَاه، لأنَّه لا يُحاذي ما هو مَحدود، بل هو ما دلَّ في اليمنةِ واليسرةِ والفَوقِ والأَمامِ والخلفِ إلى غير غاية، فلهذا لم يُوصف واحد من ذلك بالحدِّ والجهة.
وجهة العرش تحاذي ما قابله من جهة الذَّات، ولم يُحاذِ جميع الذات، لأنه لا نهاية لها.
فإنْ قيل: هل العرش والكرسي إسْمان لشيءٍ واحد، أم لشيئين؟
стр. 585
قيل: بل اسمان لشيئين، يدل على ذلك أن الله سبحانه قال ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] وقال ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فذكر اسمين، فوجب حملهما على معنين.
٥٥٣ - ويدلُّ عليه: ما حدثناه أبو القاسم بإسناده: عن عبد الله بن سلّام قال: "إذا كانَ يَومُ القِيَامَة، نَزَلَ الجبَّارُ جلَّ اسْمه على عَرْشِهِ وقَدَمَيْه على الكُرسي، وجِيءَ بنَبيكم فَأَقْعد بينَ يديه على الكُرسي" (١) وهذا الخبر يقتضي أن الكرسي غير العرش.
فإن: قيل: فإذا كانَ العرش غير الكرسي، فقد روي في الأخبار التي تقدمت "يجلس على كرسيه" وروي أنَّه مستوي (٢) على عرشه، فكيف يمكن الجمع بين هذه الأخبار؟
قيل: يمكن الجمع بينهما، وهو أنْ نُطلق الصِّفةَ عليها فتقول: مستوي على عرشه، وجالس على كرسيه، كما قُلنا هو على عرشه، وهو ينزل إلى السَّماء، ويجيء في ظُلَلٍ من الغمام، فإذا جاز الجمع بينهما هناك، كذلك هاهنا.
* * *
стр. 586
فَصْل
إذَا ثَبَتَ إطلاق القول بأنَّه على العرش، فهل يجوز أنْ يطلق عليه سبحانه بالجلوس أو القيام؟
فما وجدت عن أحمد في هذا شيئًا، وقد اختلفَ الأثر في ذلك، فقد روينا في حديث عمر: "إذا جَلَسَ رَبُّنا على كُرسيه سمع له أطيط" فأَطْلَقَ الجلوس عليه (١).
٥٥٤ - وروي ما دلَّ على القعود، فحدثناه أبو الحسن علي بن عمر السُّكَّري بإسناده: عن ثعلبة بن الحكم قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله إذا قَعَدَ على كُرْسيِّه للقضاء: عبَادِي لم أَجْعَلْ عِلْمي فيكُم، إلَّا وأَنا أُريدُ أنْ أغْفر لَكُم، عَلى مَا كانَ مِنْكُم وَلا أبالي" (٢).
стр. 587
٥٥٥ - وروى ما دَلَّ على القِيام، فحدثناه السُّكَري في جُملة "حديث غُنجار" بإسناده: عن جابر قال: بلغني حديث في القِصَاص، وكانَ صاحب الحديث بمصر، فاشتريتُ بَعيرًا وشَدَدت عليه رَحْلًا، ثم سرتُ شَهرًا حتى وردت مِصْرَ، فسألت عن عن صاحب الحديث، فَدُلِلْت عليه، فإذا هو بَاب لاطِيء، فَقَرعتُ البابَ فخرج إليَّ مَملوك له أسْود، فقلت: ها هنا أبو فلان؟ فسكَت عَنِّي، فدخل فقال لمولاه: بالبابِ أَعْرابي يطلبك، فقل: اذهبْ فقال له: من أنت؟ فقلت: أَنَا جَابر ابن عبد الله صاحب رسول الله ﷺ قال فخرج إليَّ فَرحَّبَ بي وأخذ بيدي، ثم قال لي من أين، من أهل العراق؟ قلت: نعم، بلغني حديث في القصاص، ولا أعلمُ أَحَدًا ممنْ بَقي أَحفَظُ له منك، فقال: أجلْ سمعت رسول ﷺ يقول: "إن الله يَبْعثُكُم يَومَ القيامة حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، وهو قَائِم عَلى عَرشِهِ يُنَادِي بصَوتٍ له رَفيع، غير فظ يُسمِع البَعيد كما يُسْمِعُ القَريب، يقول: أَنَا الدَّيَّانُ، لا ظُلْمَ عندي، وعَزَّتي لا يُجاوزُني اليوم ظُلم ظَالمٍ ولو بلَطْمةٍ بكفَيِّكَ، ولو ضَرْبَةَ يد على يد، ولأقْتَصنَّ للجَمَّاءَ من القَرنَاء، ولأَسئَلنَّ الحَجَر لم نكب الحَجَر، ولأسْئلنَّ العُودَ لم خَدَشَ العُود صاحبه، في ذلك أُنْزِلَ علي يعني في كتابي ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] ثم قال رسول الله: إنَّ أَخْوَفَ مَا أخَافُ على أمتي بَعْدي، عَمل قَومِ لُوطٍ، أَلَا فَلْتَتَرقَّبْ أُمتي العَذَاب إذا اكتفا (١) الرِّجَالُ بالرِّجَال،
стр. 588
والنِّسَاءُ بالنِّساء (١).
ففي هذا الخبر فوائد:
منها: وصفه تعالى بالقيام على العَرش.
ومنها إثباتِ القِصَاصِ فيمن ليس بمكلَّفِ، كالبهَائم والحَجَر والعُود.
ومنها: الوعيد في اللواط والسِّحَاق.
* * *
стр. 589
ربنا تقدّس اسمه في السماء
في جواز إطلاق القول بأنه سبحانه في السَّماء، كما وصف نفسه، كما قلنا في الإستواء على العرش.
وقد قال أحمد فيما خَرَّجه في "الرَّد على الجهمية" (١): وقد أخبرنا أنَّه في السَّماء فقال ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك: ١٦ - ١٧] وقال ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وقال ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] وقال ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] وقال ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ [الأنبياء: ١٩] وقال ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] وقال ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج: ٣] وقال ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
فأخبر أنَّه في السَّماء، فقد نص أحمد على جواز إطلاق القول بذلك، واحتج بهذه الآيات، وهذا غير ممتنع إطلاقه أنَّه في السماء كالعرش.
٥٥٦ - ويدل عليه أيضًا: ما رواه أبو القاسم هبة الله بن منصور الطَّبري في كتاب "أُصُول السُّنَّة" بإسناده: عن أبي الدَّرداء قال: سمعت رسول ﷺ يقول: "مَنْ اشْتَكَى منِكُم شيئًا، أو اشْتكَى أَخ له، فليقل: رَبَّنا اللهُ الذِي في السَّمَاءِ تَقَدَّسَ اسْمكَ، أَمْركَ في السَّمَاء والأَرْضِ كما رَحْمتكَ في السَّمَاء، اغْفرْ لنا حَوْبَنَا وخطَايَانَا، ربُّ الطَّيِّبينَ أَنْزَل رَحْمةَ مِنْ رَحمَتِكَ، وشِفَاءَ من شفائك على الوَجَع، فَيبرَأ" (٢).
стр. 590
٥٥٧ - وروى أيضًا بإسناده: عن معاوية بن الحكم السُّلَمي قال: قلت: يا رسول الله! كانت لي جَارية تَرْعَى غُنَيماتٍ لي مِنْ قَبلِ أُحُدٍ والجوَّانيَّة، وأنَّي أَطْلَعْتُها يومًا إطلاعة، فَوَجَدتُ ذِئبًا قد ذَهَبَ منها بشَاةٍ، وأَنَا من بَني آدمَ آسَفُ كما يَأسفُونَ، فَصَكَكْتها صَكَّةً فعظَّم ذلك علَّي ﷺ ، فقلت: أَلا أُعْتِقها؟ فقال: "ادْعُها لي" فقال لها: "أَين الله؟ " قالت: اللهُ في السَّماء قال: "فَمَنْ أَنَا" قالت: أَنْتَ رسول الله، قال: "أعتقها فإنَّها مُؤْمنة" (١).
وروى بإسناده: عن عبيدة عن أبيه قال قال رسول ﷺ : "ارْحَمْ مَنْ في الأَرضِ، يَرْحَمُكَ مَنْ في السَّمَاء" (٢) وقال أمية ابن أبي الصَّلت:
مَجِّدُوا اللهَ وهُو للمَجْدِ أَهْل … رَبُّنَا في السَّماء أَمْسَى كَبِيرًا
بالبنَاءِ الأَعْلى الذي سَبَقَ … النَّاسَ وَسَوَّى فوقَ السَّماء سَريرًا
وقال ابن فورك قوله تعالى ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] معناه: فوق السَّماء من طريق الرُّتْبة والمنزلة والعظمة والقدرة! (٣).
стр. 591
وأجابَ عن قوله تعالى ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وليس على معنى صعودٍ من سُفْلٍ إلى عُلُو، لاستحالة ذلك على الكلام! لأنَّه عَرَض لا يَبقى! وكذلك العمل الصالح، وإنما معنى صُعُود الكلام الطَّيب: قَبُوله، ووقوعه عنده موقع الجزاء والثَّواب، وقوله ﴿يَرْفَعُهُ﴾ لا على معنى رفع من مكانٍ إلى مكان، لكن على معنى أنَّه يقبل العمل الصَّالح!
وقوله في قِصة عيسى ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] معناه رفعه إلى الموضع الذي لا يُعْبد فيه إلا الله، ولا يُذكر فيه غيره، لا على أنَّه ارتفع إليه كما يرتفع الجسم من سفل إلى علو!!
وهذا غَلَط، لأنَّه لا يمتنع صُعُودُ الكلام الطَّيب والعمل الصالح مَكْتُوبًا، لأنَّ الرَّقيبَ والعَتيدَ يَكتبان القول والفعل ويَرفَعَانِهما، وهذا كما قلنا إنَّ أعمالَ العباد تُوزَنُ، وأنَّ الوَزْنَ يقع على الصحائفِ التي فيها الأعمال، وعلى أنَّه لو كان الأمَر على ما قالوه، وأَنَّ ثَوابَ الأمْوالِ والأفعالِ يصعد، فالاحتجاج نافي، لأنَّ فيه دِلالة على الصُّعود إلى الله تعالى.
وقوله في قصة عيسى أنَّه رفعه إلى مَوضعٍ لا يُعصى فيه، فلا يَمتنع حَملُ الآية على ظاهرها، وأنَّه رَفَعَه إليه على وجه التَّقريبِ له من ذَاته إكرامًا له، كما قَرَّبَ نبينا ﷺ حتى كان قَابَ قَوسين أو أدنى، وكان ذلك تقريبًا من ذاته.
* * *
стр. 592
وصف الله تعالى بالصَّبر
٥٥٨ - رواه أبو بكر أحمد بن إسحاق الصَّبغي: عن أبي موسى عن النبي ﷺ أنَّه قال: "لا أَحدَ أَصْبَر على أَذَىً يَسْمَعُهُ مِنَ الله، يُشْرَكُ به، ويُجْعَلُ لهَ ولَد، وهو يَرْزُقُهم وَيَدْفَعُ عنهم ويُعَافيهم"! (١).
اعلم أنَّه غير ممتنعٍ وصفه بالصَّبر، على ظاهر الخبر، كما جازَ وصفه بالرَّحْمة والرَّأْفة.
وقال بعضهم: الصبر بمعنى الحِلمْ، ومعنى وصفه بالحِلم: تَأخير عقوبته عن المستحقين لها.
وهذا غلط لوجوه:
أحدها: أنَّه إثْباتُ إضْمَارين، فهو جارٍ مجرى ترك حَقيقتين.
والثاني: أنَّهم لا يُثْبتُونَ لله حِلمًا، فلا معنى لتأويل الخبر عليه.
الثالث: أنَّ حمله على تأخيرِ عقوبته يفضي إلى أنْ يقع الخبر بخلاف مخبره، لأنَّه قد يُعَجِّلُ العُقُوبة وقد يؤخرْها.
* * *
стр. 593
إثباتُ صِفَةُ الغضب لربِّنا جلَّ شأنه "حَدِيثٌ آخَرٌ في الغضبِ " (١)
٥٥٩ - أخرجه أبو بكر بإسناده: عن مَعْقِل بن يَسَار قال قال رسول الله ﷺ : "مَنْ اسْتُرْعيَ رعيةً فَغَشَّهَا، لَقي رَبَّه وهُوَ عليه غَضْبَان" (٢).
٥٦٠ - وروى أيضًا: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ لم يَدْع اللهَ تعالى، غَضبَ اللهُ عليه" (٣).
٥٦١ - وروى أبو بكر الصِّبْغي: عن أبي هريره ﵁ عن النبي ﷺ أنَّه قالَ يَومَ أُحُد: "اشْتَد غَضَب اللهِ على قَوْمٍ هَشَمُوا البَيْضَةَ على رَأسِ نبيِّهِم، وهُو يَدْعُوُهم إلى الله" (٤).
стр. 594
٥٦٢ - وروى سالم عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ على امرأَةٍ أَلْحَقَتْ وَلَدًا بقَومٍ ليسَ منْهُم، يَشْرُكهُم في أَمْوَالهِمِ، ويَطَّلِعُ على عَوْرَاتهِمِ" (١).
٥٦٣ - وروى جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلى مَن كَذَبَ عَليَّ مُتَعَمِّدًا" (٢).
٥٦٤ - وروى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تَدْنوا الشَّمْسُ فَيَبْلُغُ النَّاسُ مِنَ الكَرْبِ والغَمِّ مَا لا يُطيقُون" وذكر الحديث، وقال فيه "فَيَأْتُونَ آدَمَ، فيقولَون: اشفَعْ لنا إلى ربِّك، فيقول: إنَّ ربِّي قد غَضبَ اليَومَ غَضَبًا لم يَغْضَبْ مِثْلَه قَبْله، ولا يَعْضَب بَعده مِثْلَه" (٣).
اعلم أنه غير ممتنع وَصْفُه بالغضب.
وقد وَرَدَ بذلك الكتاب، قال تعالى ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾ [الفتح: ٦] وقال ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣] وقال ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠] وذلك أننا لا نُثْبت غَضَبًا هو بفوار الطَّبْعِ، ولا ضِيقُ الصَّدْرِ،
стр. 595
بل نُطلق هذه الصِّفة كما أطْلَقْنَا وصْفَه بالإرادة، كذلك ها هنا (١).
فإنْ قيل: معنى الغَضب هو إرادته العُقُوبة لأهلها! (٢).
قيل: هذا غلط لما بَيَّنَا، وهو أنَّ إرادته قد تَتَضمَّن ما يَقْتَضي الغَضب، وما يَقتضي الرِّضَا، فلا يصح حمله على ذلك.
فأمَّا قوله "اشتد غضبه" فلا يمتنع وصفه بذلك على وجه لا يفضي إلى التَّزايد، لأنَّ صفات الذَّات لا توُصف بالتَّزايد كما قال ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١٣] وقد وصف نفسه بالقوة الشديدة، وإنْ كانت القُوة من صِفَات الذات، وكذلك قوله ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢)﴾ [البروج: ١٢] فوصفه بالشِّدة.
وقد تأولوا ذلك على أنَّ التَّزايد يرجع إلى الأفعال الصَّادرة عن الإرادة.
وهذا غلط، لما بينَّا أنَّها من صِفات ذَاته.
وكذلك يجوز وصفه بالسُّخْطِ، قال تعالى ﴿سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٨٠] وقد تأولوا السُّخْط على نحو تأويلهم الغضب.
* * *
стр. 596
" حَدِيث آخَر يَتَعلَّقُ بالغَضِبِ "
٥٦٥ - أناه أبو محمد الحسن بن محمد قال نا محمد بن عبدالرحمن النصيبي قال نا محمد بن عبد الله الماسرجسي بالموْصِل قال نا محمد بن المسيب قال نا عمار بن محمد قال نا سعيد بن منصور قال نا ابن المبارك عن سفيان الثوري عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس في قوله ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] قال: أَغّضَبُوه حتى عضَّ أنامله (١).
والذي يدل على أنَّ الغَضَبَ والرِّضَا غير الإرادة، أنَّ الغَضَب معنى يتعلق بالموجود وكذلك الرضا، فأمَّا الإرادة فأنَّها تتعلق بما لم يكن ليكون.
ولأنه لو كان الغضب بمعنى الإرادة، لكان الله يُبْغض أَفعاله! لأنَّ المعاصي خلقه من صفات الفعل، ولأنَّنا نُفَرِّقُ بين كوننا مُبغضين الشيء، وبين كوننا مريدين.
* * *
стр. 597
إثباتُ صِفَة البُغضِ والرِّضَا لربِّنا جل شأنه "حَدِيث آخَر في البُغْضِ "
٥٦٦ - أخرجه أبو القاسم بإسناده: عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "ثَلَاثَة يُبْغِضُهُم اللهُ: عَائِل مُسْتَكْبر، وغَني بَخيل، وذَكَرَ الثَّالث" (١).
وروى أبو بكر الصبغي: عن أبي الدَّرداء أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ اللهَ يُبغضُ الفَاحِشَ البذيء" (٢).
اعلم أنَّه غيرُ ممتنع وَصْفه بالبُغْضِ، كما جاز وصفه بالإرَادة والغَضَب على أصْلنا.
وقد تأَوَّلُوا البُغْض على الكراهة! ومعناه: كراهة الفَضْلِ عليه، والإحسان إليه والرحمة (٣).
стр. 598
وهذا غَلَط لأنَّ الكراهة قد تحصل فيما لا يقتضي البغض، ولأنَّهم لا يُثبتون لله تعالى كراهة، فلا معنى لحمل الخبر على ما لا يقولون به.
فأمَّا وَصْفُه تعالى بالرِّضا، فقد وَرَدَ به الكتابُ، قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
وقد تأوَّلُوا الرِّضَا على معنى إرادته التَّنعيم والتفضيل!! لمن علم أنَّه أَهل لذلك! وهذا غلط، لما بينَّا أن إرادَته قد تَتَضَمَّنُ ما يقتضي السُّخْط والغَضَب، فلا يجوز حَمل الرِّضَا عليها.
* * *
стр. 599
حَدِيث آخَر في الإعَراضِ
٥٦٨ - أخرجه أبو القاسم بإسناده: عن جابر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "والَّذي نَفْسِي بيَده إنَّ العَبْدَ لَيَدْعُوا (الله) (١) وهُوَ عَليه غَضْبَان فَيُعْرض عنه، ثُمَ يَدْعُوا فَيُعْرضُ عنه، ثمَّ يَدْعُوا فَيُعْرضُ، فيقول لملَائكتِهِ: أَبَى عَبْدي أنْ يَدْعُو غيري، فقد اسْتَحْيَتُ منِه يَدْعوني فَاُعْرضُ عنه، أُشْهِدُكُم أَنِّي قَدْ اسْتَجَبْتُ له" (٢).
٥٦٩ - وروى أبو بكر الصِّبغي: عن ابن (٣) وائل بن حجر: اخْتَصمَ رَجُل من حَضْرموت ورجل من كِنْدَة إلى رسول الله، فذكر الحديث، وقال: قال رسول الله ﷺ : "أمَا إنَّه إنْ حَلَف على مَالٍ لَيأْكُلَه ظُلْمًا، لقي اللهَ وهو عنه معرض" (٤).
٥٧٠ - وروى عطاء عن أبي أيوب ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "هجْرَةُ المؤْمِنِ ثلاث، فإنْ تَكَلَّما وإلا أَعْرَضَ اللهُ عَنْهما حتَّى يَتَكَلَّما" (٥).
стр. 600
اعلم أنَّه غيرُ ممتنعٍ وصفه بالإعْرَاضِ، كما لم يَمتنعْ وَصفه بالغَضَبِ والكَرَاهة (١).
وكذلك يصح وصفه بالإقْبَالِ على العَبْدِ، على نحو ما جاء به الخبر، رواه أبو ذَرٍّ ﵁ عن النبي ﷺ : "لا يَزَالُ اللهُ جَلَّ اسْمُهُ مُقْبِلًا على العَبْدِ مَا لَم يَلْتَفتْ، فإذَا الْتَفَتَ انَصَرفَ عنه" (٢).
لأنَّه ليس في ذلك ما يُحيل صِفاته، لأنَّا لا نُثبت إقْبالًا على وجه الانتقال، ولا إعْراضًا بمعنى الإنصراف.
كما حملنا تَجَلِّيه للجبل على ظاهره، ولم يُوجب ذلك حمله على الانتقال وكما جازَ وصفه بالرِّضَا والرحمة، كذلك ها هنا.
ولأنَّا لا نَصِفُ إعْرَاضَه وإقْبَاله على حسب الإعراض عن الأجسام والإقبال عليها، من جهة المحاذاة، وبوجه المقابلة، لاستحالة كونه جِسْمًا أو جوهرًا، بل نَصِفُه بذلك كما جاءَ به الشرَّع، وكما جاز وصفه بالإرادة والكراهة.
وقد تأُولوا وصفه بالإعراض عن العَبد على أنَّه يرجع إلى تركه توفيقه