" حَدِيث آخَر يَتَعلَّقُ بالغَضِبِ "
٥٦٥ - أناه أبو محمد الحسن بن محمد قال نا محمد بن عبدالرحمن النصيبي قال نا محمد بن عبد الله الماسرجسي بالموْصِل قال نا محمد بن المسيب قال نا عمار بن محمد قال نا سعيد بن منصور قال نا ابن المبارك عن سفيان الثوري عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس في قوله ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] قال: أَغّضَبُوه حتى عضَّ أنامله (١).
والذي يدل على أنَّ الغَضَبَ والرِّضَا غير الإرادة، أنَّ الغَضَب معنى يتعلق بالموجود وكذلك الرضا، فأمَّا الإرادة فأنَّها تتعلق بما لم يكن ليكون.
ولأنه لو كان الغضب بمعنى الإرادة، لكان الله يُبْغض أَفعاله! لأنَّ المعاصي خلقه من صفات الفعل، ولأنَّنا نُفَرِّقُ بين كوننا مُبغضين الشيء، وبين كوننا مريدين.
* * *
стр. 597
إثباتُ صِفَة البُغضِ والرِّضَا لربِّنا جل شأنه "حَدِيث آخَر في البُغْضِ "
٥٦٦ - أخرجه أبو القاسم بإسناده: عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "ثَلَاثَة يُبْغِضُهُم اللهُ: عَائِل مُسْتَكْبر، وغَني بَخيل، وذَكَرَ الثَّالث" (١).
وروى أبو بكر الصبغي: عن أبي الدَّرداء أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ اللهَ يُبغضُ الفَاحِشَ البذيء" (٢).
اعلم أنَّه غيرُ ممتنع وَصْفه بالبُغْضِ، كما جاز وصفه بالإرَادة والغَضَب على أصْلنا.
وقد تأَوَّلُوا البُغْض على الكراهة! ومعناه: كراهة الفَضْلِ عليه، والإحسان إليه والرحمة (٣).
стр. 598
وهذا غَلَط لأنَّ الكراهة قد تحصل فيما لا يقتضي البغض، ولأنَّهم لا يُثبتون لله تعالى كراهة، فلا معنى لحمل الخبر على ما لا يقولون به.
فأمَّا وَصْفُه تعالى بالرِّضا، فقد وَرَدَ به الكتابُ، قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
وقد تأوَّلُوا الرِّضَا على معنى إرادته التَّنعيم والتفضيل!! لمن علم أنَّه أَهل لذلك! وهذا غلط، لما بينَّا أن إرادَته قد تَتَضَمَّنُ ما يقتضي السُّخْط والغَضَب، فلا يجوز حَمل الرِّضَا عليها.
* * *
стр. 599
حَدِيث آخَر في الإعَراضِ
٥٦٨ - أخرجه أبو القاسم بإسناده: عن جابر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "والَّذي نَفْسِي بيَده إنَّ العَبْدَ لَيَدْعُوا (الله) (١) وهُوَ عَليه غَضْبَان فَيُعْرض عنه، ثُمَ يَدْعُوا فَيُعْرضُ عنه، ثمَّ يَدْعُوا فَيُعْرضُ، فيقول لملَائكتِهِ: أَبَى عَبْدي أنْ يَدْعُو غيري، فقد اسْتَحْيَتُ منِه يَدْعوني فَاُعْرضُ عنه، أُشْهِدُكُم أَنِّي قَدْ اسْتَجَبْتُ له" (٢).
٥٦٩ - وروى أبو بكر الصِّبغي: عن ابن (٣) وائل بن حجر: اخْتَصمَ رَجُل من حَضْرموت ورجل من كِنْدَة إلى رسول الله، فذكر الحديث، وقال: قال رسول الله ﷺ : "أمَا إنَّه إنْ حَلَف على مَالٍ لَيأْكُلَه ظُلْمًا، لقي اللهَ وهو عنه معرض" (٤).
٥٧٠ - وروى عطاء عن أبي أيوب ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "هجْرَةُ المؤْمِنِ ثلاث، فإنْ تَكَلَّما وإلا أَعْرَضَ اللهُ عَنْهما حتَّى يَتَكَلَّما" (٥).
стр. 600
اعلم أنَّه غيرُ ممتنعٍ وصفه بالإعْرَاضِ، كما لم يَمتنعْ وَصفه بالغَضَبِ والكَرَاهة (١).
وكذلك يصح وصفه بالإقْبَالِ على العَبْدِ، على نحو ما جاء به الخبر، رواه أبو ذَرٍّ ﵁ عن النبي ﷺ : "لا يَزَالُ اللهُ جَلَّ اسْمُهُ مُقْبِلًا على العَبْدِ مَا لَم يَلْتَفتْ، فإذَا الْتَفَتَ انَصَرفَ عنه" (٢).
لأنَّه ليس في ذلك ما يُحيل صِفاته، لأنَّا لا نُثبت إقْبالًا على وجه الانتقال، ولا إعْراضًا بمعنى الإنصراف.
كما حملنا تَجَلِّيه للجبل على ظاهره، ولم يُوجب ذلك حمله على الانتقال وكما جازَ وصفه بالرِّضَا والرحمة، كذلك ها هنا.
ولأنَّا لا نَصِفُ إعْرَاضَه وإقْبَاله على حسب الإعراض عن الأجسام والإقبال عليها، من جهة المحاذاة، وبوجه المقابلة، لاستحالة كونه جِسْمًا أو جوهرًا، بل نَصِفُه بذلك كما جاءَ به الشرَّع، وكما جاز وصفه بالإرادة والكراهة.
وقد تأُولوا وصفه بالإعراض عن العَبد على أنَّه يرجع إلى تركه توفيقه
стр. 601
للخير، ومعونته على العمل، أو عن إثابَتِهِ وإكَرامه!
وتأَوَّلوا قول "أقبل الله" معناه: بالمعونة للعبد على الخير وتيسيره له، وإذا وُصِفَ العَبد بالإقبال على الله، فالمرادُ اشتغاله بالطَّاعة والعباده، وإذَا وُصِفَ بالإعراضِ عنه، فالمرادُ به ترك ذلك (١)!
وهذا غلط، لأنَّ عدمَ التوفيق للخير والثواب لا يختصُّ بالهِجْرة وباليمين الكاذبة، لأنَّ غيرَ الحَالِفِ وغير الهجرة من أنواع المعاصي يقتضي ذلك.
وكذلك ثوابه وتوفيقه للخير لا يختص بالمصلي، فوجب أنْ يكون لهذا التخصيص فائدة.
وقد تقدَّم الكلام على معنى هذا الحديث في العبد إذَا قَام يصلي فالتَفَتَ، بما فيه كفاية (٢).
* * *
стр. 602
حَدِيث آخر في المُبَالاة
٥٧١ - أخرجه أبو القاسم بإسناده: عن مرداس الأسلمي قال: قال رسول الله ﷺ : "يُقْبَضُ الصَّالِحُونَ الأَوَّل فالأوَّل، حتَّى تَبْقَى حُثَالة كحُثَالةِ الشَّعِيرِ، لا يُبَالي اللهُ بهم" (١).
٥٧٢ - وروى أبو بكر الصِّبْغي: عن نافع عن ابن عمر ﵄ عن ﷺ قال: "مَنْ جَعَلَ الهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا، كَفَاهُ اللهُ هُمُومَ دُنْياهُ وآخِرته، ومَنْ تَشَعَّبَتْ عَليه الهُمُومُ، لم يُبالِ اللهُ في أيِّ أَوْدِيَةِ الدُّنيا هَلَكَ" (٢).
٥٧٣ - وروى حماد عن ثابت عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ
стр. 603
جَميعًا ولا يُبالي" (١).
٥٧٤ - وروى خالد بن عبدالله عن بيان عن قيس عن مِرْدَاس الأسْلَمي قال: قال رسول الله ﷺ : "يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الأَوَّل فالأَوَّل، ويَبْقَى حُثَالة كحثالة التَّمْرِ، لا يُبَالي بهم" (٢).
٥٧٥ - وروى شهر بن حوشب عن مَعْدِي كرب عن أَبي ذر: عن النبي ﷺ "يرويه عن رَبَّه: يا ابن آدم، إنْ تُذنب حَتَّى تُبْلُغَ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّماءِ (ثم) (٣) تَسْتغْفِرُني، غَفَرْتُ لكَ ولا أُبَالي" (٤).
وروي أنَّ النبي ﷺ قال في القَبْضَتين اللَّتين أَحَدْهما مِنْ صُلْبِ آدم: "للنَّار
стр. 604
ولا أُبالي" (١).
اعلم أنَّ إطلاقَ هذه الأخبار يقتضي نفي كون المبالاة صِفَةً له، لأنَّ جميعها نَفْي وليس فيها إثبات.
وإن: قيل إنَّ دليلٌ الخطاب يقتضي إثباتَ المبالاة صِفَةً له في أفعال الطاعات، وأنَّه يُبَالي بها، لم يمتنع، كما جازَ وصفه بالمحَبَّةَ والرِّضا، وكذلك قوله تعالى ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾ [الفرقان: ٧٧] (٢) غير ممتنع حمله على ظاهره، لأنه ليس في ذلك ما يُحيل صفاته.
وقد تأَوَّلوا على أَنَّ معناه: أَنَّه لا ينتقص عباده بشيءٍ منْ فَضلِهِ وعَدْله لأجْل أفعالهم، وكذلك لا يزداد في ذلك لأجل الفعل، بل يفعل العدل من تعذيبهم ابتداءً من غير جُرْمٍ، والفضل غير عمل (٣).
وهذا غلط، لأنَّ الزِّيادةَ والنُّقصان إنَّما تُستعمل فيما طريقه الجزاء، ومن أصلنا وأَصْلهِم أنَّ ما يُنْعِمُ به على عَبده على وجه التفضل، لا على وجه الجزاء.
* * *
стр. 605
حَدِيث آخَر في المُبَاهَاةِ
٢٧٧ - [*] أخرجه أبو القاسم بإسناده: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنَّه قال: "إِنَّ اللهَ تَعالى يُبَاهي المَلَائكة بأَهْلِ عَرَفَات، يقول: انْظُرُوا إلى عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا" (١).
٢٧٨ - كذا وروى أيضًا بإسناده: عن مطرف بن عبد الله بن الشخير أنَّ نَوْفًا البِكالي وعبد الله بن عمرو اجتمعا فقال عبد الله بن عمرو ﵄: أَنَا أُخْبِرُكَ عن رسول الله ﷺ : صلينا مَعَه صَلاةَ المغْربِ ذاتَ لَيلةٍ، فرَجَعَ مَنْ رَجَع، وعقب من عقب، فجاءَ رسول الله ﷺ من قبل أن يَثُورَ النَّاسُ لِصَلاةِ العشاء وقد حَفَزَهُ النَّفَسُ، وهو رَافع إصبعه إلى السماء، وهو يقول: "ابْشِرُوا يا مَعَاشِرَ المسْلمينَ، هذا رَبُّكم فَتَح بَابًا من أبوابِ السَّماء يُبَاهي بِكُم المَلَاِئكَة، فيقولُ: انظُروا إلى عِبَادِي قد أَدُّوا فَرِيضَةً، وهُم يَنتَظِرُونَ أُخْرَى" (٢).
٢٧٩ - وروى أَيضًا بإسناده: عن أبي سعيد: أنَّ معاوية خَرَجَ على حَلقةٍ في المسْجِدِ فقال: ما أجْلَسَكُم؟ قالوا: جَلَسْنَا نَذكُرُ اللهَ ، قال: الله ما أَجْلَسَكُم إلا ذلك؟ قالوا: الله ما أَجْلَسَنا إلا ذَاك، قال: أَمَا إنِّي لم أَسْتَحلَفَكُم تُهْمَةً لكم، وما كان أَحَد بمنزلتي مِنْ رَسُول الله أَقَل عنه
стр. 606
حديثًا مِنِّي، وإنَّ رسول الله خَرجَ على حلقة من أصْحابه فقال: "ما أجلسكم؟ " قالوا: جَلَسْنَا نذْكُر اللهَ ونَحمْده على ما هَدَانَا للإسلام، ومَنَّ علينا بك، قال: "الله ما أَجْلَسَكُم إلا ذلك؟ " قالو: الله ما أجلسنا إلا ذلك، قال: "أما إنَّي لم أَسْتَحلِفَكُم تُهْمَةً لكم، وإنَّه أَتَاني جبريل فَأَخبرني أنَّ اللهَ يُبَاهي الملائكةَ بكم" (١).
اعلم أنَّه غَيرُ ممتنعِ حَمْلُ الخبر على ظاهره، في وصفه تعالى بالمباهاة، كما جازَ وصفه بالرحمة والمغفرة.
وقد قيل: إنَّ المُبَاهاة، أنَّ الله يُظْهِرُ مِنْ فضله لملائكته ما يَحْقِرونَ طَاعتهم في طاعتهم، وعباداتهم في عباداتهم، لأنَّ المباهاة هي مُفَاعلة من البَهَاء، والبهاء هو العَظَمةُ، فكأنَّه أرادَ: أنَّ اللهَ يُظهر من عظمة هؤلاء المطيعين ويَهْدِيهم فيها، ما يَزيد على بهاء الملائكة، والغَرَضُ بالخبر تعريف الخلق من الآدميين مواقع الفضل في طاعتهم وعبادتهم (٢).
وهذا التفسير لا يمنع إطلاق صِفَةُ المُبَاهاة عليه سبحانه، لكنْ يكون معناها في حَقَّه، ما ذكره من إظهارِ فضله لأهل عَرَفات، ما يحَقرون الملائكة، طاعتَهم في جنبه.
وفي هذا الخبر دلالة على أنَّ أَفَاضل الآدميين، أَفْضَلُ من الملائكة، لأنَّه لا يباهي إلا بالأفضل.
* * *
стр. 607
حَدِيث آخَر
٢٨٠ - أخرجه أبو بكر بإسناده: عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ رَأَىَ نُخَامَةً في قبْلةِ المسجد، فأَقْبَلَ على النَّاس فقال: "ما بَالُ أَحَدُكم يَقُومُ مُسْتَقْبلَ رَبَّه فَيَتَنَخَّعَ أمَامَه، أَيُحبُّ أَحَدُكم أنْ يُسْتَقْبَلَ فَيُتَنَخَّعَ في وَجهه، إذا تَنَخَّعَ أحَدُكم فَلْيَتَنَخَّعَ عن يَسَارِه تَحتَ قَدَمِهِ، فإنْ لم يَجدْ فَلْيَقُل هكذا في في ثوبه" (١).
٢٨١ - وروى أبو بكر الصِّبْغي: عن أحمد عن حميد الطويل عن أنس ﵁ أنَّ النبي ﷺ رأى نُخَامَةً في قبْلَةِ المسْجِدِ، فَشَقَّ عليه حَتَّى عَرَفْنَا ذلك في وجهه، فحَكَّهُ، وقال: "إنَّ أحَدَكمَ إذَا قَامَ إلى الصَّلاةِ، فإنَّه يُنَاجي رَبَّه" (٢).
٢٨٢ - وروى عن أبي هريرة ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ فلمَّا سَلَّمَ فإذا رَجُل في آخرِ الصُّفوفِ قال: "يا فُلان، ألا تَتَّقي اللهَ! ألا تَنْظُرْ كيفَ تُصَلِّيَ؟ فإنَّ أَحَدَكُم إذا قَامَ يُصَلِّي يَقُومُ يُنَاجِي رَبَّه، فَلْيَنْظُرْ كيف يُنَاجِيه" (٣).
٢٨٣ - وروي عن صفوان بن محرز قال: بَينما أنَا أَسِيرُ مع عبد الله بن عُمر وآخذ بيده، إذْ عَرَضَ له رجل فقال: كَيفَ سمعتَ رسول الله ﷺ يقول في النَّجْوى يَومَ القيامة؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ في
стр. 608
النَّجوى يقول: "يُدْني المؤْمِنَ فيقول: أَتَعْرِف ذَنْب كَذَا؟ أَتَعْرفُ ذَنْبَ كَذا؟ " (١).
اعلم أنَّه غيرُ ممتنعٍ حمل الخبرِ على ظَاهِره، في إثبات وَصْفِهِ تَعَالى بالمنَاجَاة، كما جاز إطلاق وَصفه بالكلام.
وقد قيل: إنَّ المناجَاةَ هي مُخَاطبة المخاطب على الوجه الذي يَختَصُّ به الإنسان في سَمَاعِ الخطاب، فإذا وُصفَ اللهُ به، فالمراد به إسْمَاعُ اللهِ مَنْ أرادَ مِنْ خَلْقهِ، من غير أنْ يَتَشَاركوا في استماع ما يستمعون (٢).
وهكذا معنى النَّجوى يومَ القيامة. لأنَّه يُسْمِعُ من يشاء مِنْ خَلْقِهِ خطابه على التخصيص بالخطَاب، من غير أنْ يشركه في سماع ذلك غيره.
٢٨٤ - وهو نحو ما روي: عن النبي ﷺ أنَّه قال: "مَا مِنْكُم مِنْ أَحَدٍ إلا وسَيَخْلُوا اللهُ به يَومَ القِيَامَة، ليس بَيْنه وبَيْنَه تُرْجُمان" (٣).
والمراد به هو أَخْفَى الخِطاب من غير أنْ يسمع من غيره.
* * *
стр. 609
حَدِيث آخَر
٢٨٥ - أخرجه أبو القاسم وأبو بكر الصِّبغي: عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ : "يَجْتَمِعُ النَّاس فَيَأتُونَ آدمَ، فَيَقُولُونَ: يا آدمَ، أَنْتَ الذِي خَلَقَكَ اللهُ بيدِه، ونَفَخَ فيكَ مِنْ رُوحِهِ" (١).
٢٨٦ - وروى أبو هريرة ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: "لَقي آدمُ مُوسى فَقَال موسى: أَنْتَ الذي خَلَقَكَ اللهُ بيدِهِ: وأَسْكَنَكَ جَنَّتةَ، وأسْجَدَ لَكَ مَلَائكتَه، وَنَفَخَ فيكَ مِنْ رُوحِه، لم فعلتَ ما فعلت" وذكر الخبر (٢).
اعلم أنَّ مَا وَصَفَ الله تعالى به نفسه، من نفخ الرُّوح في آدم في كتابه بقوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] وَوَصفه به أنبياؤه صلى الله عليهم، فالمرادُ به الخَلْق، وأَضَافَ ذلك إليه وخَصَّه به على طريق التشريف، كما قيل: بَيتُ اللهِ وناقة الله، خُصَّ بذلك مِنْ جُملة المُسَمَّيات لفضله على ما سواه، وعلى هذا أضاف عيسى ﵇ فقال "روح الله" (٣).
وأفعاله تعالى غير واقعة على طريق المباشرة والتَوَلُّد، بل كلها ابتداءُ اختراع من قِبَلِ اللهِ، لا يقتضي حُدُوث شيء منها، لاسْتِحَالَة أنْ يكون جسمًا أو جَوهرًا فيتغير بما يُحْدُثُ فيه، أو يُجاوره مجاورة الأجسام.
وقد نَصَّ أحمد -رحمة الله عليه- على معنى هذا فيما خَرَّجه في "الرَّدُّ على الزَّنَادِقَةِ والجَهْميَّة" فقال: وأمَّا قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] يقول: من أَمْره كما قال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا
стр. 610
مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] أي: من أمره.
قال وتفسير "روح الله" إنَّما معناها: أنَّها رُوحٌ خَلَقَها الله، كما يقال: عبدُ الله، وسماء الله، وأرض الله.
فقد صَرَّح أحمد بمعنى ما ذكرناه، وقد تقدَّم الكلام في ذلك على قوله "لما خلق آدم عطس".
* * *
стр. 611
حَدِيث آخر ذَكَرهُ البُخارِي
٢٨٧ - بإسناده: عن أبي هريره ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "إنَّ اللهَ قال: مَنْ عَادَى لي وَليًّا فقد آذَنْتُه بالحَرْبِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدي يَتَقَرَّبُ إليَّ بالنَّوافِل حتَّى أُحِبَّه، فإذَا أحَبْبَتُه كنتُ سَمعه الذي يَسْمعُ به، وبصَرَهُ الذِي يُبْصرُ به ويَدَه التي يَبْطشُ بها، ورجْلَه التي يَمْشي بها، وَمَا تَرَدَّدتُ عن شيءٍ أنا فاعِلُه، تَرَدُّدِي عَنْ نفْسِ المؤْمِنِ، بكرهُ الموتَ وأنا أكْرَهُ إساءته" (١).
٢٨٩ - وناه أبو القاسم بإسناده: عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ عن جبريل عن الله تعالى قال: "مَنْ أَهَانَ لي وَليًّا فقدْ بَارَزَني بالمُحَاربَة، وَمَا تَرَدَّدتُّ عن شَيءٍ أَنَا فاعِلُه ما تَرَدَّدتُ في قَبْضِ نَفسِ المؤْمِنِ، الذي يَكْرَهُ الموتَ وأَكْره مساءته، ولا بُدَّ لَه مِنْه، وما تَقَرَّبَ إليَّ عَبْدِي بمثل أَداء ما افْتَرَضْتُّ عليه، ولا يَزَالُ عَبْدِي يَتَنَفَّلُ لي حتَّى أُحبَّه، ومَنْ أحْبَبْتُه كُنْتُ (٢) له سمعًا وبصرًا ولسَانًا ويدًا" وذكر الخبر (٣).
стр. 612
أَمَّا قوله "كنت سمعه وبصره ويده ورجله"معناه: كنت له في العَوْنِ والنُّصْرة، كبصره ويده ورجله التي هي عون له على البَطش، كما قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] بالنُّصرة والعَون.
والذي يدل عليه ما تقَدمَّ في أَوَّلِ الخبر من قوله "من عَادىَ لي وليًا فقد آذنته بالحرب" فاقْتَضىَ ذلك أنَّ من أَطَاعه بكثرةِ النَّوافل، كنتُ له عَونًا وناصرًا (١).
وأَمَّا قوله "ما تَرَددت عَنْ شيئٍ ترددي عنْ نَفْسِ المؤْمنِ" لا يمتنع حمله على ظاهره، وأنَّه صِفَة له، لا على معنى التَّردُّدِ الذي هو الفِكْرِ والتَّأمل، بل نُطلق القول فيه كما أطلقنا القولَ في الغضب، لا على معنى نُفُور الطَّبع، والرِّضَا لا على معنى مَيْلِ الطَّبع، بل أطلقنا صفته بذلك، كذلك ها هنا (٢).
стр. 613
" حَدِيث آخَر "
٢٩٠ - قرأَه علّي أبو بكر محمد بن عبيد الله بن عبيد … المعروف … ﵀ قال قريء على أبي عبد الله الحسين بن أحمد البغدادي الزاهد وأنا أسمع قيل له: قرأت على أبي الحسين محمد بن عبيد الله بن جعفر بن أحمد بن حمدان قال نا أبو بكر أحمد بن سلمان بن الحسن النَّجَّاد قال نا إبراهيم بن عبد الله قال نا محمد بن بشير قال نا ابن المبارك قال نا أبو عبيدة عن الحسن قال: قال علي ابن أبي طالب: يا رسول الله! مَنْ أول من يُحاسَبُ يَومَ القِيَامَةِ؟ قال: "أبو بكر الصِّدِّيق" قال: ثم من؟ قال: "ثم عُمَر" قال: ثُمَّ مَنْ؟ قال: "أَنْتَ يا علي" قلت: يا رسول الله، أينَ عثمانَ بن عَفَّان؟
стр. 614
قال "إنِّي سَألت عَثمانَ حَاجَةً سِرًّا فَقَضاها سِرًا، فَسَألتُ اللَه أنْ لا يحاسبَ عُثمان، ثم يُنادي مُنَادي: أينَ السَّابقونَ الأولون. أينَ أبو بكر الصديق؟ فَيتَجلَّى الله تعالى لأبي بكرِ خاصَّة، وللنَّاس عَامَّة، ثم يَقول: قَد غَفَرتُ لك يا أبا بكر، فيقول: ولمحبيني، فيقول: إنَّهم قد اختَرعُوا ذُنوبًا، فيقول: هبهم لي، فيقول: قد أَمَرتُ بهم إلى النَّار يروعون بها رَوْعةً. أكَفرُ بها عنهم سَيئاتِهم، ثم آمُرُ الملائكة أنْ يدفعوهم إليك فيأخذونهم، ولم يدخل في آنافهم حَرُّ النَّار، ولا نَالَ أجسادهم ولا وُجُوهَهَم من حَرِّها، فَيأَخُذُونهم وقد بَيَّضَ الله وُجُوههم فَيُسلِّمونهم إلى أبي بكر، ثم يخلص لي الشَّفَاعة، فأدخل على ربِّي فاسْجدُ له فيقول: ارفع رأَسْكَ محمد، قُل يُسْمع، واشْفَع تُشَفَّع، فأقول: أُمتي أُمتي، فيحدُّ لي حَدًّا فأخرجهم" وذكر الحديث بطوله "فأقول: يا رب شفعني فيمن قال: لا إله إلا الله، قال: يا محمد هذا إليّ خاصة، فيأخذ الجبَّار ماءً بيده فَيَنْضَحه، فيقع كل نقطةٍ على من قال: لا إله إلا الله، فَيَلْتقِطهم الملائكة كلهم من النَّار فَتُخرجَهم من النَّار، ويَبْقَى المخلَّدونَ" وذكر باقيه (١).
стр. 615
اعلم أنَّ هذا الخبر قد دلَّ على فوائد:
منها فضيلة لأبي بكر، وأنَّه أَول من يُحاسب، وأنَّه يَشْفعُ، وهذه طبقة الأنبياء.
وفيه دلالة على أنَّ أهل الذُّنُوبِ لا يخلدون، خلاف المعتزلة، والكلام في ذلك مُستوفى في "كِتاب المعتمد" (١).
وفيه دلالة على إثبات اليد، وقد ذكرناها في غير موضع من هذا الكتاب.
وفيه إثباتُ أخذ الماء بيده ونضحه عليهم، وهذا غير ممتنع حمله على ظاهره، لأنَّ أخذ الماء بيده كخلق آدم بيده، وكمسح ظهره بيده، واستخراج الذُّرية من ظهره، وكعجن طينته، وكل ذلك أخبار قد تقدم ذكرها، وبَينَّا الأخذ بظاهرها، على وجهٍ لا يُفضي إلى مُلاقَاة المُحْدَثِ للقديم.
كذلك في هذا الحديث، إذْ الطَّريقة في جميع ذلك طريقة واحدة، ونَضْحه للماء عليهم يجري مجرى كلامه لهم، ووضع كنفه عليهم.
٢٩١ - وقد ذكر ابن قتيبة في كتاب "غَريب الحَديث" ما يعضد هذا الحديث بإسناده: عن لقيط بن عامر خرج وَافِدًا على النبي ﷺ ، وذكر الحديث بطوله إلى أنْ قال: يا رسول الله! فما يفعل رَبُّنَا إذا لَقِيناهُ؟ قال: "تُعْرَضُونَ عليه، بَادِيًا له صفَحَاتِكُم لا يَخْفَى عليه مِنكُم خافية، فيأخُذُ رَبُّكَ بيده غُرْفَةً من الماءِ فَيَنْضَحُ عَليكم، فأمَّا المُسْلم فَيَدَعُ وَجْهَه مثلَ الرَّيطَةِ البَيْضَاء، وأما الكَافِر فَتَخْطُمُه بمثلِ الحُمم الأسْود" وذكر الخبر بطوله (٢).
стр. 616
إثباتُ الحَثَيات لله تعالى بيديه
٢٩٢ - رواه الحسن الدارقطني في أَخْبَارِ الصِّفَاتِ" بإسناده: عن أبي أُمامة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "وَعَدَني رَبِّي أنْ يُدْخِلَ الجنَّة مِنْ أُمتي سَبْعين أَلْفًا بغيرِ حِسَابٍ ولا عَذَاب، مع كُلِّ ألفٍ سَبْعينَ أَلْفًا، وثَلَاث حَثَيَاتٍ مَنْ حَثَيَاتِ رَبِّي " (١).
اعلم أنَّه غير ممتنع حمل هذا الصِّفة على ظاهرها، كما حملنا "القَبْضَ" بقوله ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] وعجن طينة آدم، وغير ذلك.
٢٩٣ - وفي معناه ذكر ابن منيع في كتاب "المعجم" بإسناده: عن أبي سعيد الأنماري (٢): أنَّ رسول الله ﷺ قال: "وَعَدَني رَبِّي أنْ يُدْخِلَ من أمتي سبعين ألفًا بغير حِسَابٍ، ويشفع كُلُّ أَلْفٍ بسبعين أَلف، ثُمَّ يَحْثي لي ثَلاثَ حَثَيَات بكَفِّه" (٣).
стр. 617
" فَصْل فيه جُملُ الصِّفات التي تَفَرَّقَتْ في الكِتَاب "
من ذلك إثبات "الصُّورة" بقوله ﵇ "خَلَقَ آدمَ على صورته" (١) وقوله "رأيتُ ربي في أحسن صورة" (٢).
"ونَفْسي" بقوله تعالى ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]. وقوله ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢] وقوله ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)﴾ [طه: ٤١] وقول ﷺ "مَنْ ذَكَرَني في نَفْسِه ذَكَرْتُه في نَفسي" (٣).
و "وَجْهٌ" بقوله تعالى ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وقوله ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧] وقوله ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩] وقول النبي ﷺ في دعائه "أَعوذُ بِوَجهِ اللهِ الكريم" (٤).
وقوله "لما فُتِحتِ الجَنَّة نَظَرْتُ إلى وَجْهِ ربي". وقوله "أَسألكَ لَذَّةَ النَّظر إلى وَجّهِكَ" وقوله "حِجابه النُّور لو كشفها عن وجهه" (٥).
стр. 618
و "العَينان" بقوله تعالى ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] وقوله ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨] ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: ٣٧] وقول النبي ﷺ "إذا سَجَدَ العَبْدُ فإنه بين عيني الرحمن".
و "السَّمْع" بقوله تعالى ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] وقوله ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] وقوله ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦].
وقول النبي ﷺ "إنَّ اللهَ سَمِيع" وَوَضَعَ إصْبعه على أُذُنه، إشَارة إلى إثبات السَّمع له (١).
و "الفي" لحديث: وكيع عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب أنَّه قال: "إذَا سَمِع النَّاس القرآن مِنْ في الرحمن، فكأنهم ما سمعوه" (٢).
و "الضَّحِك" بقول ﷺ "يَتَجَلَّى ضَاحِكًا" و"النَّواجذ" لأنَّهُ مذكور في الخبر (٣).
و "الفَرَح" وبقوله "اللهُ أفرحُ بتَوبَةِ عبده" (٤).
و "العجب" بقوله "عَجِبَ رَبُّكم من قُنُوطِ عبادِه".
و "الحَيَاء" بقوله "يستحي أن يُعذِّب" (٥).
و"الجَمَال" بقوله "جَميل يُحبُّ الجَمال" (٦).
стр. 619
و"اليدان" بقوله تعالى ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وقوله ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] وقوله ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦] وقوله ﴿الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] وقول النبي ﷺ "خَلَقَ آدمَ بيده" "وكتب التَّوارةَ بيده، وغَرسَ شجرة طوبى بيده" وقوله "يَدُ اللهِ على الجَمَاعة" و "يَدُ اللهِ فوق يد المعطي" وقوله "تَقَعُ الصَّدَقة في كَفَّ الرحَمن" (١).
و "القَبْض والبَسْط" بقول النبي ﷺ "قَبَضَ قَبْضَةً في يمينه، فقال للجنَّة ولا أُبالي، وقال للتي في كَفَّه الأُخْرى: في النَّار ولا أُبالي" (٢).
"واليمين" بقوله ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] و "الشِّمال" بقول النبي ﷺ "إنَّ اللهَ يَطْوي السَّماواتِ بمينه، والأرْضَ بشماله" وقوله "كلْتَا يَديه يمَين" وقوله "لمَّا خَلَقَ آدمَ" وقوله "المقْسِطُونَ يَومَ القيامة عَنْ يمينِ الرَّحْمن" (٣).
و "الذراع" بقوله في جلد الكافر "بذراع الجبار" وقول ابن عمرو "خلق الملائكة من نور الذراعين" (٤).
و "السَّاعِدِ" بقوله "سَاعد اللهُ أَشَدُ مِنْ سَاعِدِك".
و "الكَفُّ" بقوله "وضع كفه بين كتفي" (٥).
وقوله "ما السَّماوات والأرض في كَفِّ الرحمنِ إلا كالخردلة".
стр. 620
"والأَنامل" بقوله "فَوَجدتُّ بَرْدَ أَنامله".
و"الأصَابع" بقوله "قَلْبُ العَبد بين إصُبعين" وقوله "يَضَعُ السَّماواتِ على إصُبعِ" (١).
و "الخنصر" بقوله "لما تجلَّى للجَبَلِ أَظْهرَ طرف الخُنْصر".
و "الصَّدر" بقوله "خَلَقَ الملائكة من نْور الذراعين والصَّدر" (٢).
و "الاستلقاء" بقوله "لما خلق الخلق استلقى" (٣).
و "الرجل والقدم" بقوله "يَضَعُ قدمه في النار" وروي "يَضَعُ رجله" وقوله "لما قضَى خلقه استلقى ووضع إحدى رجليه على الأخُرى" وقوله لداود: "خُذْ بقدمي" وقوله "الكرسي مَوضع القَدَمين" (٤).
و "الساق" بقوله ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] وقول النبي ﷺ "يكشف عن سَاقه" (٥).
و "الِحقْو" بقوله "تأخُذُ الرحم بحقو الرحمن" (٦).
و "النُّزُول" بقوله "يَنْزلُ ربُّنا إلى السَّماء الدنيا" (٧).
و "المشي" بقوله "إذا فَزَعَ من أهلِ الجنَّة والنَّار أقبل يمشي في ظَللٍ من الغمام" (٨).
стр. 621
و "الحجاب" بقوله "حجابه النُّور" (١).
و "النَّظر" بقوله تعالى ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩] وغير ذلك من الأخبار في إثبات النَّظر.
و "الوطي" بقوله "آخر وطئةٍ وطئها بوجّ" (٢).
و "القراءة" بقوله "قَرأ طَه ويس" (٣).
وبما روى في حديث أم الطُّفيل وابن عباس من الصفات التي رآه عليها في ليلة الإسراء.
و "الاستواء على العرش" بقوله تعالى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٤) [يونس: ٣].
و "التَّجلِّي" بقوله "يَتَجَلَّى لَهُم ضَاحِكًا".
و "الفرح والإستبشار" بقوله "الله أَفرحُ بتوبةِ العَبد" وقوله "لاسْتَبْشَارُ اللهِ بتَوبةِ أَحَدِكم أَفْضَل منْ استبشاركم" (٥).
و "الاسْتْحيَاء" بقوله "إنَّ رَبَّكم حَييّ كريم" (٦).
و "الصَّبر" بقوله "لا أَحَدَ أَصْبرُ على أذىً يسمعه من الله" (٧).
стр. 622
و "الغَضَب والبُغْض" بقوله "اشتدَّ غَضَبُ اللهِ على قَومٍ هَشَموا البَيْضَةَ على رأس نبيهم" (١).
و "الإعراض" بقوله "لَقيَ اللهَ وهُو عَنه مُعْرِض" (٢).
و "المبالاة" بقوله "مَنْ تَشَعَّبتْ عليه الهُمُوم، لم يُبَال اللهِ في أيِّ أَودية الدنيا (٣) هلك" (٤).
و "المباهاة" بقوله "يُبَاهي بأهل عرفات".
و "المنَاجَاة" بقوله "إنَّ أحَدَكم إذا قَام يُصلي يُناجي ربَّه" (٥).
* * *
стр. 623
فصل
فلما انتهيتُ إلى هذا الموضع من كتابنا، رأيتُ أنْ أذكر من الأسماء والصِّفات التي ذكرها الله تعالى في كتابه، ووصفه بها نبيه.
٢٩٣ - وقد ذَكَرَها أبو بكر أحمد بن محمد الخَلَّال في كتاب "السُّنَّة" بإسناده: عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لله تَسْعَة وتُسْعُونَ اسْمًا، مائة اسم إلا وَاحَدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّة" (١).
قال داود بن عمر (٢): سألنا سفيان بن عيينه أنْ يُملي علينا التِّسعة وتسعين، التي لله في القُرآن، فَوَعَدنا أنْ يُخرجها لنا، فلما أبْطَأ علينا أتينا أبا زيد فأملى علينا هذه الأسماء، فأتينا سفيان فَعَرضْناها عليه، فنظر فيها أربع مرات، قال: نعم، هي هذه، فقلنا له: اقرأها علينا، فقرأها سفيان: في "فاتحة الكتاب" خمسة أسماء: يا الله، يا ربِّ، يا رَحمَن، يا رَحيم، يا مَلك.
وفي "البقرة" ستة وعشرون اسمًا: يا مُحِيط، يا قَدِير، يا عَلِيم، يا حَكيم، يا تَوَّاب، يا بَصِير، يا وَاسع، يا بَديع، يا سَمِيع، يا كَافي، يا رؤُف، يا شَاكر، يا إله، يا وَاحِد، يا غَفُور، يا حَليم، يا قَابض، يا بَاسِط، يا لا إله إلا هو!! يا حَيّ، يا قَيُّوم، يا علي، يا عَظيم، يا وَلي، يا غَنِي، يا حَمِيد.
وفي "آل عمران" أربعة أسْماء: يا قَائم، يا واهب، يا سَريع، يا خَبِير.
стр. 624
وفي "النِّساء" ستة أَسْماء: يا رَقيب، يا حَسِيب، يا شَهِيد، يا عَفُو، يا مُقِيت، يا وَكيل.
وفي "الأَنْعَام" خمسة أسَّماء: يا فاطر، يا ظاهر، يا قَادر، يا لَطِيف، يا خبير.
وفي "الأعراف" اسمان: يا مُحْي، يا مُمِيت.
وفي "الأنفال" اسمان: يا نِعْم المَوْلىَ، ويا نِعْم النَّصِير.
وفي "هود" سَبْعة أسماء: يا حَفيظ، يا قَرِيب، يا مَجِيد، يا قَويّ، يا مجيب، يا وَدُود، يا فعَّال.
وفي "الرَّعْد" اسْمان: يا كبير، يا متعال.
وفي "إبراهيم" يا منَّان.
وفي "الحجر" يا خلاق.
وفي "الحَج" اسم: يا بَاعِث.
وفي "مَرْيم" اسمان: يا صَادِق، يا وَارِث.
وفي "المؤمنين": يا كريم.
وفي "النُّور" ثلاثة أسماء: يا حَق، يا مُبِين، يا نُور.
وفي "الفُرْقان" يا هادي.
وفي "سَبَأ" يا فتاح.
وفي "المُؤْمِن" أربعة أسماء: يا غَافِر، يا قَابِل، يا شَدِيد، يا ذا الطَّول.
وفي "الذَارِيَات" ثلاثة أسماء: يا رَزَّاق، يا ذا القوة، يا مَتين.
وفي "الطُّوُر" يا بَار.
وفي "اقْتَربَت": يا مقتدر.
وفي "الرحمن" ثلاثة أسماء: يا باقي، يا ذَا الجَلَال، يا ذَا الإكْرَام.
стр. 625
وفي "الحديد" أربعة أسماء: يا أول، يا آخر، يا ظَاهِر، يا بَاطِن.
وفي "الحَشْر" يا مُتكَبِّر، يا خَالِق، يا بَارئ، يا مُصَوِّر.
وفي "البُروُج" يا مُبْدِئ، يا مُعِيد.
وفي "قل هُوَ اللهُ أَحَد": يا صمد (١).
ثُمَّ ذكَرَ أبو بكر الخلَّال: ما جَمَعه عبد الله بن أحمد في الأسماء. فنظرتُ فيه فكان فيه زيادة لم تكن فيما رواه سفيان، وهو: يا أول، يا آخر (٢)، يا مجيب، يا قاهر، يا فاصل، يا فالق، يا رفيع، يا ماجد، يا جواد، يا مدبر، يا أحكم الحاكمين.
٢٩٥ - وقد ذكر أبو بكر النَّقَّاش في كتاب "تفسير الأَسْمَاء والصِّفَات": عن جعفر بن محمد رضوان الله عليه: إنَّ للهِ ثَلثُمائة وسِتِّينَ اسمًا.
وروي عن غيره: مائة وأربع عشرة اسمًا.
فإنْ صَحَّ ذلك عنهم، فإنَّما وَجَدوا في القرآن أسماءً متكررة فعدُّوها على تكريرها، والمعول في ذلك على ما ورد به الخبر الصحيح عن النبي ﵇ (٣).
стр. 626
فأمَّا وَصْفه تعالى "يا الله" فهو اسم من أسمائه، وهو اسم عَلَم لم يجب لأَمرِ اقتضاه الفعل، كالخَالِقِ والرَّازِق (١)، ولا هو مُشْتَق من صِفَةٍ كالعالم والقادر، وهو اسم موضع غير مُشتّقٍ ولا مُشْتَرَك، لم يَتَسَمَّ به أَحَد، وهو كأسماء الأَعْلَام في الآدميين كزيد وعمر (٢).
وهو أشْرفُ الأسماء وأعظمها، لأنَّ سائر الأسماء (٣) تابعة له، قال تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] وقال النبي ﷺ "لله تسعة وتسعون اسمًا" وقوله تعالى ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] قيل في التفسير: لم يَتَسمَّ به أحد (٤).
وافتتح بهذا الاسم الأذَان والإقامة والصَّلَوات والاسْتعاذة والتَّكبيرات والشهادات، وكلُّ الطَّاعَات.
ولأنَّ الإشارة إليه في الإقرار بالتوحيد، لقوله ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ
стр. 627
الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦٣] وقوله ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ (١) أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٦ - ٨٧] ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨ - ٨٩] (٢).
٢٩٧ - وحكى أبو بكر النَّقَّاش: عن وكيع بن الجراح: رأَيتُ رجلًا في المنام له جَنَاحان، فقلت من أنت؟ قال: مَلَك، قلت: ما اسم الله الأعظم؟ قال: الله، قلت: وما بَيَان ذلك؟ قال: قوله لموسى ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾ [طه: ١٤] ولو كان له اسم أعظم منه، قاله ﵎.
٢٩٨ - ورأيتُ في جُزء عَتيقٍ حديثًا مُسْنَدًا: عن الحسن عن جابر بن زيد قال: اسمُ اللهِ الأعظم، هو "الله" ألَمْ تَرَ أنَّ الله يقول: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
٢٩٩ - وقد قال أحمد في رواية عبد الله فيما خَرَّجَه في "الرَّدُّ على الجهمية": الله هو الله، ليس باسم إنَّما الأسماء كلّ شيءٍ سوى الله، لأنَّ الله
стр. 628
يقول ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] (١).
وظاهر هذا أنَّ أحمد منع أنْ تكون هذه الصفة اسمًا، وليس هذا على ظاهره، ومعناه ليس باسمٍ يرجع إلى الصفات، كالعَالم والقادر والحي، وإنما هو اسم يرجع إلى مُجَرَّد الذَّات، لا إلى معنى، فهو كقولنا: موجود وذات ونفس وقديم، لأنَّه قد روي عنه في موضع آخر أنه اسم (٢).
٣٠٠ - فقال في رواية الميمون: من قال أسماء اللهِ مُحْدَثَة فهو كافر، ثم قال: اللُه من أسمائه، فمن قال: إنَّها مُحْدَثه، فقد زَعَمَ أنَّ الله مخلوق.
فقد صرَّح بأنَّه اسم.
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "رَبُّ" فقيل معناه: سَيِّد، وقيل معناه: أنَّه المَالِكُ، ولذلك يُقال: ربُّ العَبْدِ وربُّ الربع، بمعنى أنَّه مالك لهما (٣).
وهو تعالى لم يَزَلْ رَبًّا مالكًا، وإنَّما لم نقل في غير الله سبحانه بأنَّه رَبّ على الإطلاق، لأنَّ عُرْفَ الشَّرعِ واللغَةِ غَلَبَ في الاستعمال أنَّه المالك لجميع الأعيان والأَجناس، دون مالك بَعضها، فلا يُقال: زيد ربّ، حتى يُقَيَّد فيقول: رب العَبْدِ والثَّوب (٤).
وأما وصفه تعالى "بالرَّحْمن الرحيم" فقيل: هي النِّعْمة والإحسان، وقيل هي: إرادةُ الإنْعام بالنفع! ألا تَرَى أنْك تَقول: رحمت زيدًا، إذا أردت نفعه
стр. 629
والدفع عنه، وإنْ لم تتمكن من ذلك، وقد يفعل الإنعام كارهًا ولا يُسَمَّى رحيمًا، فعلم أنَّ ذلك إرادة الإنعام، وحمله على النعمة والإحسان أولى، لأنه هو أظهر فى اللغة.
ومن قولهم في المطر: رحمة، وكذلك كل نعمة (١).
وأما وصفه تعالى بأنَّه مَلِك ومالك وسُلْطان، معناه: أنَه ذو مُلْكٍ وسلطان وقُدرة يُقَدِّر بها على الأشياء، وعلى هذا وصفه نفسه سبحانه بأنه مَلِك ومَالكُ يومِ الدِّين، وإنْ كان ذلك اليوم مَعْدومًا في الأزل، وإنَّما المراد به قادر عليه وعلى إقامته (٢).
ويجب على هذا الأصل أنَّه لا يملك المالك منّا، ويوصف بأنَّه يملك الشيء إلا في حال حُدُوثه، لأنَّها حال قدرته عليه، ويجب على هذا أنْ يقال: إنَّ القديم قادر على العَالَم والأجسام الباقية، وإنْ اسْتَحَال حُدُوثها، على معنى أنَّه قَادِر على تَحريكها وتسكينها، وجمعها وتفريقها، وتغيير هيئاتها وصفاتها، لا على معنى صحة إحداثه لها في حال بقائها.
ويجب على هذا أنْ يكون معنى قولنا: إنَّ الإنسان يملك الدار والعبد والأَمَة مجازًا، ومعناه أنَّه يملك التَّصرف في ذلك، والاستمتاع والإنتفاع
стр. 630
به، دون ذات الجسم الذي لا يقدر عليه (١).
وإنَّما مَنَعَ من وَصْفِ البهائم بأنها مالكة، وانْ كانت قادرة على التصرف، لأجل السَّمع، وإلا فاللغة لا تمنع من ذلك، لأنَّ معناه في اللغة: القَادر على الشيء، ولا يمتنع أن يُقصرَ على قادرٍ دون قادر، كما قَصَرُوا: أبْلَق وأَدْهَم على بعض من له الصفة المُستفادة بهذا القول دون بعض.
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "مُحِيط ومُحْصي" بمعنى أنَّه عالم، فيقال: لم يَزَلْ مُحيطًا مُحْصِيًا، ومنه قوله تعالى ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨] وقوله تعالى ﴿وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [الأنفال: ٤٧] وقوله ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩)﴾ [النبأ: ٢٩] وقوله ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤)﴾ [مريم: ٩٤] وقد تكون الإحاطة بمعنى الإحتواء على الشيء مِنْ جِهَاتِهِ، وذلك ممتنع في صفاته (٢).
وأما وصفه تعالى بأنه "قَدير" فمعناه المبالغة في القدرة، وكذلك قولنا "مُقْتَدِر" وأصل هذا أنَّه: قادر، ومعناه: أنَّه قادر على الفِعل، ومُتَمكِّن من
стр. 631
إيقاعِهِ، وأَنَّه لم يزلْ قادرًا بقدرةٍ قديمة، صفة قائمة به، يَقْدرُ بها على المَقْدُورَات، ويخترع المخترعات، وهي شَاملة كل مقدور (١).
وكذلك وصفه بأنه: قَاهِر ومُقْتَدر وجَبَّار ومُتَجبَّر وعَزِيز وكَريم، لأنَّ العَزيز مَأْخُوذ من العلوِ، ومنه قولهم: خَيَل عَزيز، وفَرَس عزيز، إذا كان عاليًا ممتنعًا (٢).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "عليم وعالم" فمعناه أنَّه ذو علم، فكل عالم فهو ذُو عِلمٍ، وكل ذي علمٍ فهو عَالِم، وقد يُوصف تعالى بأنَّه عَارِف ومتبين! وخبير (٣).
وقد وصف نفسه بذلك في كثير من الآيات، لأنَّ ذلك يعود إلى معنى واحد، وهو عالم، وقد يوصف بأنَّه دَرَى وداري، لأنَّه بمعنى عالم، وقد قال الشاعر:
اللَّهُمَّ لا أَدْري وأَنْتَ الدَّارِي
وأمَّا وَصفُه تعالى بأنَّه "حكيم" فقد قيل فيه المراد به: عَالِم، ومن قوله تعالى ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجر: ٢٥] وقولهم: فلان قد أحكم الفِقْه والصَّنعة، إذا عَلِم ذلك، وقيل معناه: محكم الفعل، وإحكَامِه له هو: إيقاعه له بحسب قصده وإرادته من غير تفاوت، ومنه قولهم: أحكَمَ مُراده وما قَصَدَ له، وأحكم فلان بِنَاءه، إذا فعله مُحْكَمًا مُتْقَنًا، وهذا أَشبه بظاهر اللغة (٤).
стр. 632
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "تَوَّاب" فهو مأخوذ من كَثْرةِ التَّوبة، التي هي الصَّفح عن الذُّنُوب والرحمة، ومن قوله تعالى ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨] (١).
وأمَّا وَصْفه تعالى بأنه "بَصِير" معناه: أنَّه رائي مُدْرِك للمدْرَكات، وسائر الموجودات، بإدراكٍ يزيد على الصِّفة التي هي "العلم" وأنَّ له بَصرًا لو كانت المدركات موجودة، لكان مُدْرِكًا مُبْصِرًا لها به (٢).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "وَاسِع" فمعناه موسع على خلقه في العطاء والإحسان، وسعة الرحمة (٣).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "بَدِيع" فالمراد به: الخَلْق، ومعناه: ابْتَدَعَ الخَلْقَ، كما قالوا: سميع، ومعناه مُسْمِع، ومنه قوله تعالى ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٠١] معناه: خالقها ومبتديها، والإبْداع معناه: إخراج الشيء من العَدَم إلى الوُجُود بلا مثال (٤).
وأمَّا وَصْفُه تعالى بأنَّه "سميع" فقيل معناه: العِلْمُ بالمُدْرَكِ، وطريق إلى العلم بالمدرك.
وكذلك "البَصِير" لا يَغيب عنه شيء (٥).
стр. 633
وأمَّا وَصفُه تعالى بأنَّه "كافي" فمعناه: يكفي عباده، بمعنى يُغِيثُهم إذَا اسْتَغَاثُوا به (١).
وكذلك "النصَّير" ينصر عباده، ومنه قوله تعالى ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧] (٢).
وأمَّا وَصْفُه تعالى بأنَّه "رؤوف" فهو راجع إلى معنى رحيم، وهو مأخوذ من الرَّأفة والرحمة.
قال جرير:
نَرىَ للمُسْلِمينَ عَليكَ حَقًّا … كَفِعل الوَالِدِ الرَّؤوف الرحيم (٣)
وفي معناه: الحَنَان، معناه الرحمة (٤) قال تعالى ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [مريم: ١٣] أيْ: رحمة (٥).
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "شَاكر وشَكُوْر"، فقيل معناه: يُجازي عباده على شكرهم له، فيسمى جزاءه للشِّكر شكرًا، لأنَّ جَزاء الشيء قد يسمى بإسمه، كما قال ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].
وقيل: لما جَازَى على القليل من الطَّاعة، بكثير من الثَّواب، سُمِّيَ شَكُورًا، ومنه قولهم: دَابَّة شكُور، إذَا كانت تُظْهر مِنَ السَّمَنِ فوق ما تُعطى من العَلَف (٦).
стр. 634
وأمَّا وَصْف بأنَّه "وَاحِد" فمعناه: الذي لا شريكَ له، القهار ويقهر كل جَبَّارٍ، والأَحَد والواحد بمعنى واحد، وقيل: معناه شيء، وكل شيءٍ واحد، وكل واحدٍ شيء، فإذا قيل للجملة إنَّها واحدة، فإنه يُقَّدر فيها حكم الواحد الذي لا ينقسم (١).
وقيل: المراد به نفي النَّظير، كقولهم فلان واحد زمانه.
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "غَفُور" فمعناه: أنَّه لم يَفعل بالعُصَاةِ من عباده ما يَسْتَحقُون باجْرَامِهِم. وكذلك وَصْفُه بأنَّه "غَافِر وغَفَّار ومُحْيِط ومُكَفِّر للعِقَاب وحَلَيم" معناه ما ذكرنا.
وقيل أصل الغَفْر: السِّتر، ولهذا سُمِّيَ جُنَّةُ الرأسِ مِغْفَرًا، لأنَّها تَغفر الرأسَ، أي تَستره (٢).
ولا يجوز وصفه بالكفِّ عن العِقاب، لأنَّ ذلك إنَّما يُستعمل فيمن يكفُّ نَفْسه عما تدعوه إليه وتشتهيه، وذلك مُحَال في صفته، ولكن يُوصفُ بالتَّرك (٣).
وقيل: معنى "غفور" أنَّه يَستر الذُّنوب على عبَاده ولا يكشفها.
وأمَّا وصفه تعالى بأنَّه "حَلِيم" أنَّه لم يَفعل المستحق من العِقاب، أوْ مَا يليق ذلك عنده من الأفعال التي قد أَجْرَى العَادَة بأنْ يفعل عندها الالآم. ولا خلاف أنه حليم عن الكُفار والعُصاه في الدنيا، وإنْ لم يَفْعل فيهم ما
стр. 635
يُضَاد عِقابه لهم، وانتقامه منهم، وليس يمتنع وصفه بأنَّه حليم عمن يُعاقبه في الآخرة، على معنى أنَّه أخَّرَ ما كان له تقديمه من العقاب، كما يقال ذلك فيه لو تركه جملة (١).
وقد قيل: لا يجوز وصفه بأنَّه "صَبُور" كما جاز وصفه بأنَّه حليم، لأنَّ صَبور هو الذي يَصبر لما يَلْحَقه ويناله من المكارهِ والمَضَار المؤلمة، فيصبر لها ولا يجزع عند نزولها، وقد جاء في الحديث ما يدل على جواز وصفه بذلك فقال: "لا أَحَدَ أَصْبَرُ على أذىً يَسمعه من الله" (٢).
وأمَّا وصفه بأنه "قابض" قيل معناه: المُضَيِّق على من يشاء أنْ يُضيق عليه في رِزْقٍ وغيره، والمانع له، ومنه قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: ٢٤٥] (٣) ويحتمل أنْ يكون معناه: قابضُ الأَرْواح، ومنه قوله تعالى ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦)﴾ [الفرقان: ٤٦].
وأما وصفه بأنَّه "بَاسِط"معناه: الموسع عطاياه، والبسط هو التوسيع (٤)، ومنه قوله تعالى ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد: ٢٦] (٥).