← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 7310

علم المقاصد الشرعية

نور الدين الخادمي

Полный текст (204 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

النبوية الشريفة، وفي الإجماع، وفي آثار السلف والخلف واجتهاداتهم وأقوالهم، وفي دلائل الواقع والعقل والحس، وغير ذلك. الأدلة على القرآن الكريم: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ١. قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٢. قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٣. قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ٤. قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ ٥. قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ ٦. قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ ٧. الأدلة من السنة النبوية الشريفة: قوله عليه الصلاة السلام: "إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدلجة" ٨.

стр. 107

وقوله ﵊: "إن الله يحب الرفق في الأمر كله" ١. وقوله لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري عندما أرسلهما إلى اليمن: "يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا"٢. دليل الإجماع: الإجماع هو ما اتفق عليه العلماء والمجتهدون في قضية من القضايا، في عصر من العصور بعد وفاته ﷺ ، وهو المصدر التشريعي الثالث بعد الكتاب والسنة. وهو أصل يقيني مقطوع به وحجة لازمة، وحق شرعي يجب اعتقاده والعمل به. وقد أجمع كل العلماء والمجتهدين سلفًا وخلفًا، قديمًا وحديثًا، تصريحًا وتلميحًا، فهمًا وتنزيلًا، على يسر الشريعة وسماحتها ووسطيتها واعتدالها، وعلى نفي التكليف بما لا يُطاق، وعلى أن الحرج مرفوع، والعنت مدفوع، وعلى أن سائر الأحكام الشرعية في مجال العبادات والمعاملات والأنكحة والجنايات ميسورة ومسهلة يقدر عليها المكلف في مختلف ظروفه وأحواله، وفي حله وترحاله، في صحته وسقمه، وفي شدته ورخائه، في حربه وسلمه، في موطنه وغربته، وفي شتى الأطوار والأعصار، ومختلف البيئات والأمصار. وليس أدل على ذلك من كون الشريعة الإسلامية موصوفة بالشمول

стр. 108

والصلاح لكل زمان ومكان وحال، ومرسومة بعموم خطابها لكافة الإنس والجِنِّ أجمعين. والإجماع المنعقد على حجية ما ذكرنا ضربان: أ- إجماع الأمة على يسر الشريعة وسماحتها واستطاعة القيام بها، وقد تبين ذلك من خلال أقوال العلماء وتصريحاتهم بذلك، ومن خلال إجماعهم على صحة وحقية القرآن والسنة، وما انطويا عليه من أحكام ومعانٍ ودلائل وتوجيهات وإرشادات؛ منها: معاني يسر التكليف وسهولته، وقدرة المكلف على أدائه، ونفي الحرج والمشقة القاهرة والعنت الشديد. ب- إجماعهم على مواضع التيسير والتخفيف، واتفاقهم على مظاهر نفي الحرج والضيق والشدة ... كل ذلك دليل مقطوع به على نفي التكليف بما لا يطاق. الأدلة من آثار السلف والخلف: آثار السلف والخلف ﵃ تشمل: أ- ما صرحوا به من أقوال وبيانات تدعو إلى التيسير والتخفيف، وتصف الدين بالسماحة والاعتدال والواقعية والاتزان، وتنفي عنه التشدد والتنطع والمبالغة والتعمق في التعبد والتورع١. من ذلك قول عمر ﵁: نهينا عن التكلف٢.

стр. 109

وقول ابن مسعود ﵁: "إياكم والتنطع، إياكم والتعمق، عليكم بالعتيق". والتنطع هو: التعمق في القول والفعل. والتعمق: هو المبالغة والتشدد١. وقول ابن القيم الجوزية ﵀: فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعادن وهي عدل كلها ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها"٢. وقول أبي إسحاق الشاطبي: ثبت في الأصول أن شرط التكليف أو سببه القدرة على المكلف به؛ فما لا قدرة للمكلف عليه لا يصح التكليف به شرعًا، وإن جاز عقلًا"٣. ب- ما أفتوا به في وقائع ونوازل مستندين إلى أدلة التشريع وقواعد المصالح والمقاصد ومعاني التيسير والرفق والتخفيف ولم يلتزموا بحرفيات وظواهر ومباني النصوص والأدلة فقط؛ بل نظروا إلى المقاصد والمعاني كما كانوا ينظرون إلى المباني والظواهر؛ وذلك لأن الجمع بين ظاهر النص ومعناه، ومدلوله ومقصوده هو الاجتهاد الصحيح والعمل المطلوب، وهو الذي يثبت مراد الشارع ومطلوبه، ويحقق مصالح الناس ومنافعهم، ويؤكد خاصيات الشريعة وسماتها ويحقق مصالح الناس ومنافعهم، ويؤكد خاصيات الشريعة وسماتها ومراميها، والمتعلقة، بالصلاحية والدوام والعموم والشمول. وتلك الفتاوى والاجتهادات تجدها مبثوثة في كتب الفقه والنوازل والتفسير والحديث وغيرها، ونجدها تتعلق بمجالات أصولية كثيرة، على

стр. 110

غرار مجال الاستصلاح أو ما يعرف بالمصالح المرسلة، ومجال الاستحسان، والعرف، وسد الذرائع، ومراعاة مآلات الأفعال، وغير ذلك. دليل الاستقراء: يعد الاستقراء دليلًا معتبرًا على التكليف بما يطاق، ونفى العنت القاهر والمشقة المضنية، والشدة التي لا يقدر عليها. والاستقراء معناه: تتبع الجزئيات والفروع لبناء أمر كلي يصدق على جميع تلك الجزئيات أو أغلبها. ومعناه في الفقه الإسلامي، وفي دين الله تعالى: تتبع الجزئيات والفروع الفقهية التي روعي فيها التيسير والتخفيف، ورفع الحرج والضيق؛ لتقرير أمر كلي ينطبق على كل تلك الجزئيات والفروع؛ هذا الأمر الكلي هو المقصد الشرعي الكلي المتمثل في تقرير التيسير والتخفيف، ورفع الحرج، وإزالة الضرر ورفع الأذى. الفروع والجزيئات التي روعي فيها التيسير، واعتبر فيها نفي التكليف بما لا يطاق كثيرة جدًّا، وهي مبثوثة في مجال العبادات والمعاملات والأنكحة والجنايات، ومنها ذِكرًا لا حصرًا: - جواز القصر والجمع في السفر وفي الحج تخفيفًا عن المكلف، وإبعادًا لمشقة السفر وأعباء الحج. - إسقاط قضاء الصلاة عن الحائض والنفساء توسعًا ورفقًا. - إباحة الفطر للشيخ المسن، ولغير القادر على الصوم كالمريض والمسافر.

стр. 111

- عدم تكليف المجنون والمغمى عليه والصبي؛ لأنهم فاقدو العقل الذي هو مناط التكليف، وأساس التدين والالتزام؛ إذ لو كلف بشيء ما قدر على أدائهن ولَوقع في التكليف بما لا يطاق، وهذا ممتنع ومحال. - إباحة بيع السلم، والمساقاة، والمزارعة، والوصية، والإجارة للتوسعة والرفق، ولإبعاد الحرج والضيق عن الناس، والظاهر من تلك المعاملات أنها على خلاف القواعد والضوابط لعام المتبعة في المعاوضات والتعامل بين الناس، وأنا قد توقع الضرر والجهالة والغرر، وغير ذلك مما قد يعلل به منع تلك المعاملات وإلحاقها بأصولها ومظانها؛ غير أن النظر الدقيق لهذه المعاملات، وإلى عللها وحقائقها ومشروعيتها وضوابطها يؤول إلى القول بأنها أبيحت للتوسعة ورفع الحرج، دون أن تخل بالقواعد والأصول الشرعية المعتبرة. فبيع السَّلم وهو بيع آجل موصوف في الذمة بثمن عاجل يلاحظ فيه كون المبيع ليس معدومًا وقت العقد، وإنما هو موجود بالقوة في أطوار غير نهائية، مع الظن الغالب بأن سيكون موجودًا بصفة كاملة في الأجل المحدود. وعليه فإنه لا يحلق بالبيوعات المعدومة، لما فيها من الجهالة والغرر والضرر؛ بل هو من البيوعات الموجود بمآل لا بالحال؛ إذ الغالب الأكثر أن بيوعات السم آيلة إلى الوجود الكامل خلال زمن معقول ومناسب، وبشروط وأوصاف ومقادير محددة مضبوطة. فعلة النهي عن بيع المعدوم وهي الجهالة المفضية إلى الغرر والضرر والتنازع، وأكل مال الغير بلا وجه شرعي، وإن هذه العلة ليست موجودة في حقيقة بيع السلم؛ ولذلك أبيح وأجيز بالسنة النبوية الشريفة، ولو حَرِّم

стр. 112

ومُنِع لكان في ذلك الحرج البالغ والمشقة المضنية التي يقدر عليها الناس. والحق أن الأمثلة على التكليف بما يطاق، وعلى التيسير والتخفيف لا تنحصر في أحكام الشرع الإسلامي العزيز. وهي ثابتة بأدلة جزئية وكلية كثيرة جدًّا. وهذه الأمثلة وتتبعها والنظر فيها بدقة وعمق وأمانة وإلمام وإخلاص وإدراج ضمن الأصول والقواعد والضوابط الشرعية ... إن كل ذلك يؤيد إلى تقرير خاصية يسر دين الله تعالى وسماحته وتوازنه وواقعيته وقدرة الناس على تطبيقه والعمل به دون عنت شديد وبلا مشاق قاهرة. قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ١. الأدلة المعقولة: إن بقاء الشريعة ودوامها واستمرارها في مختلف البيئات والأعصار والأمصار، وفي مختلف الظروف والمناخات والجنسيات والمستويات، وفي شتى مجالات الحياة الفردية والاجتماعية والدولية والحضارية، وغير ذلك. إن ذلك وغيره دليل على واقعية الشريعة ومرونتها، وقدرتها الفائقة على التطبيق والتنفيذ والتفاعل مع كل الظروف والأحوال والتأثير فيها وتوجيهها نحو الخير والصلاح والسعادة في العاجل الآجل؛ فلو كانت الشريعة تنطوي على التشدد المذموم والتنطع والتعمق والمبالغة في التعبد والتعامل، ولو كانت على خلاف الفطرة السليمة والعقول

стр. 113

السليمة، إنها لو كانت كذلك، أو كبعض ذلك لما شُهد لها بالدوام والاستمرار والخلود والبقاء إلى يوم الدين. فكم عرفت البشرية قديمًا وحديثًا أديانًا وضعية ومذاهب وتقاليد ومقدسات شتى، آل أمرها إلى الاندثار والتلاشي والنسيان، ولم تبق مظاهرها وآثارها، وانتهى كليا كل ما يتعلق بها، وحتى أسماؤها قد غابت وانقضت وذهبت بلا رجعة ولا أمل ولا عودة. ولعل أهم أسبابها مجافاتها للفطرة السليمة والخصائص الإنسانية والكونية والمعهودة والثابتة، ووقوعها في التزيد والتشدد والتنطع والتعمق والتزمت. ثم إن هذا التخفيف والتيسير ليس على إطلاقه وعمومه؛ وإنما هو منضبط بضابط التكليف ومخالفة الهوى والنزوات، الأمر الذي زاد في تأكيد خاصيات صلاحية الشريعة وواقعيتها ومرونتها، لجمعها بين مبدأ التكليف وحقائقه ومطلوباته وبين سمة التيسير والتوسعة بين مطالب الدنيا والآخرة، وبين الالتزام والاتباع والامتثال، وبين الترخص والتوسع وفق منهجية وسطية متزنة ومنضبطة، لا إفراط فيها ولا تفريط. وعليه فإن التيسير له مواضعه ومظاهره الثابتة بشرع الله وأحكامه، وليس متروكًا للهوى وللتشهي والتلذذ، وليس كذلك مردودًا وملغي لا يلتفت إليه، ولا يعمل به الميزان والمعيار في كل ذلك: اتباع التيسير والتوسة في المواطن والمواضع الصحيحة، عدم التنصل من التكليف أو من بعض أحكامه تحت تعلة التيسير والتخفيف.

стр. 114

بل لا بد من فعل التكيف الذي هو تحمل كلفة العبادات والمعاملات والالتزامات، والصبر على أدائها، والمداومة عليه، وانتظار الجزاء الحسن، والعاقبة الطيبة من الله الكريم عزَّ ثناؤه.

стр. 115

المبحث الثاني: المشقة "حقيقتها-أنواعها-أمثلتها " المطلب الأول: المشقة التي يقدر عليها المكلف ... المبحث الثاني: المشقة "حقيقتها -أنواعها- أمثلتها" تتنوع المشقة بحسب القدرة على تحملها وعدمها إلى نوعين: ١-المشقة التي يقدر عليها المكلف. ٢- المشقة التي لا يقدر عليها المكلف. المطلب الأول: المشقة التي لا يقدر عليها المكلف وهي المشقة التي يقدر عليها المكلف أثناء قيامه بما كلفه الله تعالى به في العبادات والمعاملات وغيرها. ومثال ذلك: مشقة الصلوات وأدائها قي أوقاتها، وإدراكها في المساجد وحسن الاستعداد إليها، وتمام الاستفاد منها، وكذلك مشقة اللوم في الحر، ومشقة الحج وما فيه من عنت تغيير العوائد، ومخالطة الكثيرة من الناس، ووقوع التزاحم والتدافع، وحصول الفرقة والبعد عن الأهل والأوطان، وترك الأموال والأملاك والوظائف والمناصب، وكذلك مشقة الجهاد في سبيل الله تعالى ما فيه من ذهاب الحياة وزوال الأموال والأطراف، وكذلك الإنفاق المالي بصوره المعروفة "الزكوات، الصدقات، التبرعات" وما فيه من عنت مخالفة الهوى والراغبة في تحصيل الأموال وتجميعها، والتي تحب الخير وتسعى إليه وتستأنس به قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ١.

стр. 116

فهذه المشقة ولئن بدا فيها الضيق والعنت والشدة ومخالفة الهوى ومكابدة المصاعب ومجاهدة النفس؛ إلا أنها أعباء ضرورية لا بد منها في قيام الأحكام وأداء التكليف. فالأفعال الشرعية من عبادات ومعاملات وأنكحة وجنايات وكفارات مرتبطة بالمشاق والأعباء التي يقدر عليها المكلفون، والتي لا توقع أصحابها في الحرج والضرر، ولا تؤدي بهم إلى المفاسد والمهالك، وهي أمور تتلازم وترتبط بشكل وثيق ومتين بالأفعال والأعمال والأقوال والاعتقادات الشرعية والإسلامية؛ فالتكليف الشرعي لا يقوم إلا بها، وهي تدور معه وجودًا وعدمًا، والتكليف الشرعي لم يعتبر تكليفًا إلا لما فيه من الكلفة الشاقة، ولما ينطوي عليه من تحمل بعض الأتعاب والإجهاد النفسي والجسدي والعقلي الذي يؤهله لمرتبة التكليف المرجوة. وحال هذه المشاق في الأعمال والأفعال الشرعية كحال المشقة في سائر أعمال الدنيا ومختلف الفنون والشئون والأحوال، وطلب الرزق والسعي في الأرض لتحصيله، ومزاولة الحرف والصناعات، والأسفار والرحلات والزيارات، وإنجاز الأفراح والزيجات والحفلات وتنظيم المناسبات والمهرجانات والملتقيات، وإعمار الأرض وتنميتها وتزيينها وتنظيمها. كل ذلك فيه من المشاق والأعباء، ومن التعب والنصب ما يجعل استبعاد تلك المشاق الأعباء أمرًا معطلًا لقيام تلك الفنون والأعمال، ومفوتًا لمصالح المعاش والعباد، ومخربًا لنظام الحياة والوجود. وخذ إن شئت مثال الأكل، ومثال الجماع لتدرك بمنتهى الوضوح

стр. 117

والجلاء ما لذينك الفعلين من المشاق والتكلفة والالتزامات، وهما على الرغم من ذلك فإنك تلحظ الإقبال عليهما والرغبة فيهما، وكيف أنهما من أمارات السعادة والسعة، ومن علامات الخير والرفاهية، ومن ضروب الطيبات والمباحات التي أنعم بها الخالق الأكرم ﷻ تفضلًا وإحسانًا على عباده وخلقه. فالأكل مسبوق بمشاق الضرب في الأرض، والبحث عن الرزق وتحصيله وإحضاره وتناوله، وهو متبوع بمشق هضمه وإفرازاته وإخراجه، وتطهير مواضعه من الآكل نفسه، ومن الأرض ومحيطها وبيئتها، ثم هو قد يتبع على المدى البعيد بآثار ورواسب من الأضرار والعيوب الصحية والنفسية والبيئية؛ بل إنه قد يتبع في الأجل الأبعد عند وفاة الإنسان وبعثه وحشره بسوء الخاتمة وسوء الحساب بسبب الكسب الحرام والأكل الحرام. فقد لاحظت كيف أن الأكل باعتباره عملية يومية عادية، وشأنًا سعيدًا ومسعدًا، كيف أن المشاق قد أحاطت به من كل جانب، وكيف أن الآلام قد لازمته في أطوار مختلفة في المعاش والمعاد، في الدنيا والآخرة. غير أن الأكل ظل ولا يزال أمرًا لا بد منه، وضرورةً لقيام النفس والحياة، وأن المشاق التي ينطوي عليها ويؤول إليها متلازمة لا تنفك عنه ولا تتخلص منه. ما المثال الثاني الذي نورده للتدليل على أن المشاق المقدور عليها، ينبغي أن تتحمل للقيام بالتكليف؛ فهو مثال الجماع: فهو فعل محبوب ومرغوب، وطريق مشروع للتناسل والإعمار، وسبيل لحفظ الأعراض

стр. 118

القيم والأنساب، وإجراء لتنظيم الحياة والعلاقات، ودرء الفوضى والاضطراب، والهرج والمرج أي كثرة الاقتتال وشدته بسبب الوقوع في الأعراض والحرمات. فالجماع المشروع الحلال موصوف بكل صفات الفضيلة والحسن والجمال، وهو استجابة للفطرة وسد للحاجة، وأداء لوظيفة التكليف والاستخلاف والإعمار، وهو فوق ذلك مدعو إليه ومرغوب فيه، ومَثْنِي عليه في نصوص الكتاب والسنة وغير ذلك مما يجعل الجماع أو النكاح مقصدًا معتبرًا، أو أصلًا وسبيلًا لمقاصد جمة، ومصالح عدة. غير أن الجماع المحبوب والمرغوب فيه منوط بالمشاق والآلام، ومرتبط بالأتعاب والإعياء، فهو منوط بمشقة الاستعداد والتحضير، وأعباء الإنفاق والتربية والرعاية ومختلف صور التعب والنصب في القيام بواجب الزوجية والأبوة وربما الجدودة في مختلف الأطوار والأحوال؛ بل إنه مسئولية عظمى أمام الله تعالى إن لم تؤدَّ على حقها وبشروطها. فهل لك بعد هذين المثالين من قول أو تفكير لإسقاط المشاق التي لا بد منها في القيام بالأعمال الدنيوية أو الأخروية. إن الخلاصة لهذا كله أن المشقة المقدور عليها تُتحمَّل، وتَؤُدَّى لتحقيق التكليف وإنجازه وصحته. أما المشقة غير المقدور عليها فإنها مدفوعة ومرفوعة، كما سنبين ذلك فيما يلي:

стр. 119

المطلب الثاني: المشقة التي لا يقدر عليها المكلف وهي المشقة التي لا يستطيع المكلف تحملها ولا القيام بها، والتي هي التكليف بما لا يطاق الذي إذا فعل أوقع في العناء والتعب الذي لا يجدي. أو هي التي يستطيع المكلف تحملها؛ غير أنها خارجة عن المعتاد في الأعمال العادية؛ بحيث يحصل للنفوس التشوش والقلق في القيام بِهَا، لما في ذلك من التعب الشديد والحرج البالغ. ومثال هذا الضرب: الوصال في الصوم، ففي القيام به خروج عن المعتاد الذي يوقع في الملل والسآمة، ويؤدي إلى اضطراب النفس وتشوشها وضيقها؛ مع أنه مستطاع ومقدور عليه؛ لكنه غير معتاد؛ لذلك شرع الرفق والأخذ من العمل بما لا يحصل مللًا ولا كللًا؛ فهذه المشاق التي لا يقدر عليها، سواءً أكانت من قبيل ما لا يطاق أم كانت من قبيل ما يطاق؛ لكنها غير معتادة ومفضية إلى الملل والسآمة، وربما إلى ترك التكليف من أصله؛ فهذ المشاق غير مقصودة من قبل الشرع، ولا يتعلق بها تكليف. ولا يجوز للمكلف قصدها واعتبارها وترتيب الأعمال على وفقها؛ فإن الشاعر لم يقصد إلى التكليف بالمشاق والإعنات فيه. وأدلة ذلك: ١- النصوص الشرعية الكثيرة، كقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ١.

стр. 120

وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ١. وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ ٢. وقوله: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ ٣. ٢- الرخص الفقهية الكثيرة التي دلت على مطلق رفع الحرج والمشقة، كرخصة القصر والفِطْر والجَمْع، وتناول المحرمات في الاضطرار، وغير ذلك من الشواهد والفروع التي دلت على أن الشارع لم يكن قاصدًا للمشقة في التكليف، ولا الحرج والعنت فيه.

стр. 121

المطلب الثالث: أمثلة المشقة التي لا يقدر عليها المكلف أ- أمثلة المشقة التي لا تطاق: - صوم الدهر. - القيام في الصلاة للعاجز عنه. - الخشوع الكامل في الصلاة والانتباه المتواصل من أول الصلاة إلى آخرها، دون صرف الذهن عن حقيقتها وعظمته؛ فهذا من قبيل ما لا تطيقه النفس وإن قدرت على معظمه أن أغلبه، والمصلُّون يتفاوتون في درجات الخشوع بحسب مراتب إيمانهم وصلاحهم واستعدادهم لأداء الصلاة.

стр. 122

ب- أمثلة المشقة التي تطاق لكنها غير معتادة. - الصوم في السفر والمرض. - الوصال في الصوم أي: مواصلة الصيام دون قطعه بالإفطار بعد الغروب؛ فهو على خلاف الصوم المشروع الذي لم يقصد به مجرد إتعاب النفس. - إدامة قيام معظم الليل؛ إذ يورث ذلك الملل الذي قد يوقع المكلف في ترك القيام جملة، أو قد يفوت عليه مصالح أخرى أهم أو مساوية لهذا القيام، كطلب العلم والرزق وأداء واجب النصح والإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبوسع المكلف أن يلائم بين قيام الليل باعتباره تعبد الصالحين والمقربين، وبين سائر الالتزامات الشرعية الأخرى. - عدم التزوج مقدور عليه لكنه غير معتاد، وتأباه الفطرة ويفوت مقاصد العفة والتناسل والأنس بالذرية، وإعمال الكون، ويوقع في تضييق ما وسعه الله تعالى، وهذا ممتنع ومذموم. - تحريم الدم غير المسفوح: المعلوم أن الله تعالى حرم الدم المسفوح، أما الدم غير المسفوح والموجود في العروق والمتبقي في اللحم والشحم والذي يصعب خروجه؛ فإنه جائز ومعفو عنه، ولو كلف الإنسان بتخليص اللحم والشحم منه ولوقع في دائرة ما لا يطاق. - قد رخص الله تعالى في تناول الميتة عند الضرورة القصوى، كإشراف المضطر على الموت أو الهلاك المبيِّن ولو أن الله تعالى أبقى على تحريمها في حالة الاضطرار، لوقعت نفس المضطر في ما لا تطيقه ولا تقدر عليه بأي وجه من وجوه التحمل، ولأدرك الهلاك والضرر والمحالة.

стр. 123

المطلب الرابع: مخالفة الهوى من قبيل المشقة المستطاعة ورد التكليف الشرعي لحمل النفس على الانقياد والاستسلام إلى أحكام الله وأوامره وتوجيهاته، ولخروجها من دائرة الهوى والتشهي والتلذذ، ولصرفها عن عالم الفساد والرذائل والشرور، إلى عالم الصلاح والفضائل والخير والسعادة. وتعد مخالفة الهوى مشقة كبرى على النفس البشرية؛ إذ إن حمل هذه النفس على ما ذكرنا -من وجوب الانقياد إلى الأوامر والالتزامات، ولزوم الابتعاد عن الشهوات والنزوات واللذائذ غير المباحة، وضرورة انضباطها بقواعد الأخلاق والفضائل وخضوعها للحق والعدل والإنصاف- شاق عليها متعب لها، مخالف لرغباتها وتنزواتها؛ لكنه لازم في قيام مصالح الدين والدنيا. فالشرع لم يأت إلا إلى إخراج الإنسان من دائرة هواه ونزواته إلا طريق الله المستقيم؛ ائتمارًا بالمأمور به، وانتهاءً عن المنهي عنه؛ وذلك عين المقاصد الشرعية المعتبرة التي لا تنفك عن مشاق ذلك وصعوبته، وتلك المشاق في الحقيقة ميسورة ومستطاعة إذا تعودت النفس على الطاعة والامتثال، وإذا رغبت ورهبت وأخلصت الأمر إلى خالقها . كما أن تحمل تلك المشاق موصل إلى تحقيق عديد المصالح والمنافع في الدنيا والآخرة،

стр. 124

ومبعد لمفاسد وأضرار اتباع الهوى ومسايرة النفس الأمارة بالسوء. وعليه فإن مخالفة الهوى ومغالبة النفس، ومكابدة الشدائد في فعل الواجبات والالتزمات الشرعية على امتداد الأعمار والأطوار لا يعد من قبيل المشاق التي لا تطاق، أو المشاق الخارجة عن المعتاد والمألوف؛ بل هي من صميم التدين الصحيح والامتثال المطلوب والتكليف الهادف إلى صلاح الإنسان وسعادته في الدارين. مخلص حقيقة المشقة وأنواعها وأمثلتها: يمكن تلخيص حقيقة المشقة ضمن النقاط الثلاث التالية: النقطة الأولى: المشقة نوعان: أ- المشقة التي لا يقدر عليها المكلف: وتشتمل المشقة التي لا يطيقها المكلف أصلًا، أو المشقة التي يطيقها؛ ولكنها خارجة عن المعتاد الديني والدنيوي، أي المشقة التي فيها التكليف بالزائد عن المطلوب والمأمور به، والتي توقع صاحبها في الملل والسآمة، وتشوش ذهنه وحاله، وتفوت عليه مصالحه ومنافعه وحاجياته الأخرى في الدين والدنيا. ومثال هذا: دوم قيام معظم الليل، والتواصل في الصوم، وغير ذلك مما هو فوق تكليف المعتاد والمعهود من الشارع الحكيم، ومما هو موقع في تعطيل مصالح أخرى كثيرة، كمطلب الرزق والعمل وإهمال النفس والأهل والمجتمع.

стр. 125

ب- المشقة التي يقدر عليها المكلف: وهي المرتبطة بسائر الأحكام والأوامر والالتزمات الشرعية في مجال العبادات والمعاملات والتصرفات المختلفة، وهذه المشقة لا تنفك عن التكليف ولا تتخلص منه، وهي تدور معه وجودًا وعدمًا، والتكليف لا يعد تكليفًا إلا إذا انطوى على ما فيه الكلفة الشرعية والمشقة اللازمة. النقطة الثانية: مشقة مخالفة الهوى لا تعد مشقة قاهرة، ولا تنضم إلى معاني الشدة والتعنت والتنطع والتعمق، ولا تعتبر من قبيل التكليف بما لا يطاق؛ بل هي مقدورة ومستطاعة ومشروعة لحمل الإنسان على التكليف والامتثال ولجلب مصالحه في العاجل والآجل، بجلب النفع له ودرء الفساد عنه، وتحقيق مرضاة الله والفوز بجناته وأنعمه. النقطة الثالثة: المشقة المنوطة بالتكليف ليست مقصودة في ذاتها؛ وإنما المقصود المصالح العائدة على المكلف؛ وعليه فإن المكلف لا يجوز له أن يقصد المشقة لعظم أجرها، وله أن يقصد العلم الذي يعظم أجره لمشقته من حيث هو عمل.

стр. 126

المبحث الثالث: رفع الحرج في الشريعة وبناء أحكامها على التيسير مدخل ... المبحث الثالث: رفع الحرج في الشريعة وبناء أحكامها على التيسير الحرج: هو كل ما يؤدي إلى المشقة التي لا يقدر عليها المكلف ولا يستطيع القيام بها، أو المشقة التي يقدر عليها؛ ولكن بإجهاد كبير وعنت شديد قد يفوت عليه بعض المصالح المشروعة، أو يجلب له بعض المفاسد المضرة. ورفع الحرج معناه: إزالة تلك المشقة بنوعيها، وأمر المكلف بأوامر وتكاليف يقدر عليها ويستطيعها، وتجلب له مصالح الدارين. وقد تأكد بنصوص وأدلة كثيرة أن دين الله تعالى يسر وسمح، ليس فيه حرج ولا ضيق. ومن تلك الأدلة: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ ٢. وقد انبنى على رفع الحرج تقرير قاعدة التيسير والتخفيف. ومعنى كل ذلك تكليف الإنسان بما يطيق ويقدر، فهمًا وتطبيقًا، أي تكليفه بنصوص شرعية يقدر على فهمها وتعقلها واستيعابها، وتكليفه بأوامر وتكاليف يقدر على فعلها وممارستها.

стр. 127

المطلب الأول: رفح الحرج لا يعني ترك التكليف أو التهاون فيه ... المطلب الأول: رفع الحرج لا يعني ترك التكليف أو التهاون فيه أقول بأن دين الله يسر مخفف، وبأن الحرج مرفوع ومدفوع، لا يعني إطلاقًا التكليف، أو التهاون فيه بترك بعض الواجبات وتغيير أوقاتها، أو كيفياتها وقاصدها استجابة لهوى النفس وشهواتها، أو لضغط الواقع والحياة، أو لرغبات بعض الناس وميولاتهم قصد ترضيتهم وجلب عواطفهم ومكرماتهم، وما أشبه ذلك. بل إن رفع الحرج يعني -كما هو مقرر ومعلوم: فعل الأوامر كما أمر بها الله تعالى على الحد الأوسط بلا إفراط ولا تفريط، على الوجه المحدد شرعًا.

стр. 128

المطلب الثاني: ومن أمثلة رفع الحرج في الشريعة الإسلامية ... المطلب الثاني: ومن أمثلته رفع الحرج في الشريعة الإسلامية - الرخص الفقهية في السفر والمرض والمطر. - إباحة أكل الميتة أو شرب الخمر عند الجوع الشديد أو العطش الشديد المفضين إلى الهلاك أو الموت. - العفو عن يسير الدم ويسير المشي والكلام في الصلاة. - تخفيف الصلاة الجماعية وعدم تطويلها. - كراهة العزوبة، والنهي عن التبتل والانقطاع إلى الآخرة وترك حاجات الدنيا المشروعة. - تجويز بيع السَلَم والمزارعة والمساقاة والمغارسة والمضاربة وأجرة الحمّام والسقاء والفنادق، والغرض من كل ذلك تيسير التعامل بين الناس، وجلب ما ينفعهم وإبعاد ما يضرهم. وكل ذلك مشروط بشروط معتبرة ومقررة في مواضعها. والحق أن الأمثلة في هذا الصدد كثيرة جدًّا، وهي مبثوثة في الكتب القديمة والحديثة. وهي تفيد على سبيل القطع واليقين أن أحكام الشريعة يسيرة وسهلة، تستجيب للفطر السليمة وتلبي حاجات الإنسان العاجلة والآجلة وتحقق مرضاة الله تعالى في الدنيا والآخرة.

стр. 129

المبحث الرابع: قدرة المكلف على فهم التكليف المطلب الأول: فهم التكليف باللسان العربي ... المبحث الرابع: قدرة المكلف على فهم التكليف تبين في هذا المبحث كون الأحكام الشرعية يسيرة الفهم والاستيعاب والتعقل من قبل المكلفين؛ لأنها في متناولهم وبحسب مختلف مداركهم؛ ولذلك نزل على الأمين لتصلح للعالمين فيما بعد. المطلب الأول: فهم التكليف باللسان العربي من المعلوم قطعًا أن القرآن الكريم قد نزل بلسان العرب على الجملة، ونزل على وفق اللغة العربية وأساليبها وخصائصها وقواعدها؛ فيكون فهم أحكام وتعاليم ومعاني القرآن من هذا الطريق خاصة. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ﴾ ٣. فقد قررت الآيات السابقات كون القرآن الكريم أنزل على لسان العرب معهود في ألفاظها الخاصة، وأساليب معانيها، وأنها فيما فطرت عليه من لسانها تخاطب بالعام يراد به ظاهره، وبالعام يراد به العام في وجه والخاص في وجه، والعام يراد به الخاص، والظاهر يراد به غير الظاهر، وكل ذلك

стр. 130

يعرف من أول الكلام أو وسطه أو آخره، وتتكلم بالكلام ينبئ أوله عن آخره، أو آخره عن أوله، وتتكلم بالشيء يعرف المعنى كما يعرف بالإشارة، وتسمى الشيء الواحد بأسماء كثيرة، والأشياء الكثيرة باسم واحد، وكل هذا معروف عندها لا ترتاب في شيء منه هي ولا من تعلق بعلم كلامها١. فقد تبين مما مضى أن اللغة العربية التي نزل القرآن الكريم بمقتضاها تتميز بميزات كثيرة، وتتسم بسمات عديدة، من ذلك: أنها تستعمل اللفظ العام لتدل به على الخاص. أنا تستعمل الفظ الظاهر لتدل به على غير الظاهر. أنها تسمى الشيء الواحد بأسماء كثيرة كتسمية الأسد بأسماء: "قسورة، ونبسة، والليث". وأنها تسمى الأشياء الكثيرة باسم واحد كإطلاق لفظ العين على منبع الماء أو العين الجارية، وعلى العين المبصرة، وعلى ذات الشيء وحقيقته، وعلى حراس الحاكم والسلطان وغير ذلك. وأنها تستعمل الأمر لتستدل به على طلب الفعل كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاة﴾ ٢. وتستعمل الأمر لتدل به على الدعاء والتضرع، كما في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ٣.

стр. 131

وتستعمل الأمر لتدل به على اليأس والقنوط، كما في قوله تعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١. وأنها تستعمل النهي لتدل به على ترك المنهي عنه سواء على وجه اللزوم والتأكيد، أو على وجه الكرامة. وتستعمل النهي لتدل به على الإرشاد والوجهين، ولتدل به على الزجر والردع، ولتدل به على غير ذلك من المعاني، المبسوطة في مظانها من كتب علم اللغة، وعلم أصول الفقه. وبناء على ما ذكر فإن الواجب على المجتهدين والعلماء مراعاة هذه الحقيقة القطعية في فهم الأحكام والتعاليم والمعاني الثابتة في القرآن الكريم وفي السنة النبوية الشريفة، وفي فهم وإدراك مقاصد ومرادات وغايات وأسرار تلك الأحكام والتعاليم. ومن أراد فهم وتحصيل ذلك بغير معرفة اللسان العربي وأساليبه وخصائصه وأدواته؛ فقد أوقع ذهنه في فهم تحصيل ما لا يحتمله الوحي الكريم من المعاني والدلالات، وقد أوصل نفسه إلى أفهام خاطئة، وأعمال بعيدة عن مراد الشارع ومقصوده. قال الشاطبي: القرآن نزل بلسان العرب على الجملة؛ فطلب فهمه إنما يكون من هذا الطريق خاصة٢.

стр. 132

المطلب الثاني: هل يمكن فهم القرآن بغير لغته التي نزل بها ؟ لقد ذكرنا سابقًا بأن القرآن لا يمكن أن يفهم إلا بلغته التي نزل بها، وعلى وفق معهود العرب في التخاطب أيام النزول، ولا يمكن البتة فهم القرآن بغير لغته التي نزل بها: أ- سواء بلغة العرب في غير عصر النزل؛ وذلك لما يحتمل أن يطرأ على لغتهم وتخاطبهم من التغيير والتطور والتبديل، ولو على مستوى بعض الكلمات والعبارات والأساليب التي يكون تغيرها عن معهود العرب أم نزول الوحي مؤديا إلى تغيير المراد الشرعي ومقصوده. ب- أو بلغة غير العرب أصلًا، أي باللغات الأعجمية التي لها أساليبها وخصائصها التي لا تعبر بالضرورة عن مدلولات العربية وأساليبها كليًّا أو جزئيًّا. وعليه فترجمة القرآن إلى لغة أعجمية "فرنسية، إنجليزية، أسبانية، أردية" وفضلا عن كونها تسلب خاصة الإعجاز والإفحام؛ فإنها لا توصل إلى استنباط المعاني والمقاصد الشرعية المستنبطة من القرآن، وعلى وفق اللسان العربي أيام النزول إلى لغة أخرى بقصد إفهام وتكليف الأعاجم الذين لا يقدرون على الفهم باللغة العربية.

стр. 133

المطلب الثالث: أمية الشريعة وعالميتها الشريعة الإسلامية المباركة -كما يقول الشاطبي- أمية؛ لأن أهلها كذلك؛ فهو أجرى على اعتبار المصالح. ومعنى ذلك أن فهمها ومعرفة أوامرها ونواهيها لا يحتاج إلى التغلغل في العلوم الكونية والرياضيات، فإنها لو لم تكن كذلك لما وصت جمهور الخلق من عرب وغيره؛ فإنه كان يصعب على الجمهور الامتثال لأوامرها ونواهيها المحتاجة إلى وسائل علمية لفهمها أولًا، ثم تطبيقها ثانيا. وهذا كله فيما يتعلق بأحكام التكليف؛ لأنه عام يجب أن يفهمه العرب الجمهور ليمكن الامتثال، أما الأسرار والحكم والمواعظ والعبر؛ فهو موكول إلى الخواص الذين يتفاوتون في فهمها بحسب ما يسره الله لهم١، ولذلك تستلزم من أمية الشريعة خاصية عالميتها، وكونها موجهة للعالمين في كل الأزمان والبقاع ومختلف الظروف والأحوال.

стр. 134

المطلب الرابع: أدلة كون الشريعة أمية قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ ١. قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ ٢. قال ﷺ : "إنا أمة أمية" ٣. قال ﷺ : "إنا أمة أمية لا نكتُب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا" ٤.

стр. 135

المطلب الخامس: حقيقة الأمية ومعناها الأمي منسوب إلى الأم، وهو الباقي على أصل ولادة الأم لم يُعلَّم كتابًا ولا غيره؛ فهو على أصل خلقته التي ولد عليها. والأمية كما جاءت في الحديث: "إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب" ١. معناها عدم الحساب والكتابة. والناظر في واقع العرب أيام نزول الوحي يدرك أنهم كانوا يعتنون بعلوم كثيرة؛ غير أنهم لم يكونوا متغلغلين في العلوم الكونية والرياضيات٢؛ وذلك راجع إلى طبيعة عصرهم في ذلك التاريخ الذي لم يشهد ما شهدته العصور اللاحقة من التطور والتدقيق والتخصص. ومن تلك العلوم ٣: - علم النجوم وما يختص بها من الاهتداء في البر والبحر ... - علوم الأنواء، وأوقات نزول الأمطار، وإنشاء السحب وهبوب الرياح المثيرة لها.

стр. 136

- علم التاريخ وأخبار الأمم الماضية. - المعارف الضّارة والباطلة، على نحو: الطِيَرة والكهانة والضرب بالحصى وخط الرمل. فقد أبطلت الشريعة ذلك، وأقرت الفأل الحسن. - علم الطب المأخوذ من تجارب الأميين والأقدمين. - العلم بفنون البلاغة والفصاحة. - العلم بضرب الأمثال. - التمسك بأصول فضائل كثيرة، على نحو القراض، وتقدير الدية، وضربها على العاقلة، وإلحاق الولد بالقافة، والوقوف بالمشعر الحرام، والحكم في الخنثى، والقسامة، وتوريث الولد للذكر مثل الانثيين، وقد أقر الإسلام تلك الفضائل وأبطل ما كان باطلًا على نحو: الميسر والخمر والربا والثأر. فمعنى كون الشريعة أمية: أ- أن الذين تلقوها أميون، أي: على أصل خلقتهم وفطرتهم، لم يتعلموا كثيرًا من العلوم من ولم يتغلغلوا فيها. ب- أنا لو كانت غير أمية لما تيسر فهمها وتعقلها وتطبيقها، وهي مع ذلك شريعة عالمية وكونية وعامة وشاملة وصالحة لكل زمان ومكان. فقد تبين لك مما ذكرنا أن الأمية لا تعني الجهل المطلق بالأشياء والحقائق أو انعدام المعرفة بسائر الفنون والعلوم الأدبية والإنسانية والكونية، وإنها يعني من ناحية عدم التغلغل في العلوم الكونية

стр. 137

والرياضيات بصفة خاصة، ومن ناحية ثانية، تعني الأمية: وصفا جاء التشريع على وفقه، بأن ورد التكليف بما عهد عند العرب في لغتهم وأساليب تخاطبهم وما كان معروفًا عندهم؛ فلم يخاطبهم التشريع بما لا يعرفونه أو لا يفهمون معناه سواء من جهة اللفظ ودلالته وأسلوبه، أو من جهة أدوات الفهم التي تكون فوق طاقتهم العلمية والإدراكية، كأن يشترط العلم بدقائق العلوم وجزئياتها النظرية والتطبيقية في علم الحياة والكون والنفس والتاريخ وغير ذلك. والمقصد من كل ذلك هو تمكين العرب زمن الرسالة، وسائر جمهور الناس في مختلف الأزمان والبقاع من فهم التكليف والقدرة على تطبيقه والقيام به. ومن ثم تكون التكاليف الاعتقادية والعملية مما يسع الأمي تعقلا، ليسعه الدخول تحت حكمها. أي أن المكلف الأمي وغيره يكون بوسعه فهم التكليف واستيعابه وتعقله وتمثله، ويكون بوسعه الإتيان بذلك التكليف والقدرة على تطبيقه؛ سواء أكان ذلك التكليف متعلقًا بمجال العقدية والإيمان والتصور والتصديق، أم كان متعلقًا بمجال العبادات والمعاملات والأنكحة والجنايات وسائر ما تتعلق به الأحكام ومطالب الشارع، وأمرًا ونهيًا، إعمالًا وإهمالًا. والحق أن جعل المكلف الأمي وغيره قادرًا على فهم التكليف وتطبيقه، هو مقصود الشارع من وضع الشريعة والتكليف بها؛ إذ لو لم يكن الأمر كذلك لكن ذلك التكليف خارجًا عن طاقة المكلف، وإلزامًا بما لا يقدر عليه ولا يستطيع تطبيقه، وهذا كله محال

стр. 138

ثم إن نزول الوحي بمعهود لسان العرب يشير إلى حقيقة الإعجاز القرآني، وكونه مما لا يمكن الإتيان بمثله على الرغم من نزوله على وفق أسلوب العرب وطريقتهم في التخاطب والتحادث؛ فقد تحداهم الوحي بشيء يعرفونه ويمارسونه بل يتقنونه يتفننون فيه أيما تفنن، ويبدعون فيه غاية الإبداع، ولو لم يكن القرآن الكريم نزل بمقتضى عادة العرب في تخاطبهم وأساليب لغتهم ما كان لوجه الإعجاز معنى ولا فائدة؛ إذ يمكن لهؤلاء العرب، ولغيرهم أن يبرروا عدم القدرة على الإتيان بمثل القرآن -مبنى ومعنى- بكون واردًا بأسلوب لا يعلمونه ولا يفهمونه، وما كان كذلك فلا يوقعهم في التعجيز والتحدي والإفحام.

стр. 139

المبحث الخامس: إدخال المكلف في دائرة العبادة والامتثال وإخراجه من دائرة الهوى المطلب الأول: واجب المكلف "عبادة الله ومخالفة هوى النفس " ... المبحث الخامس: إدخال المكلف في دائرة العبادة والامتثال، وإخراجه من دائرة الهوى يتعلق هذا المبحث بالمطالب والمسائل التالية: المطلب الأولى: تحقيق مقاصد عبادة الله، ومخالفة هوى النفس وبيان مراده ومعناه، وعرض أدلته من النصوص والأحكام الشرعية والتجارب الحياتية. المطلب الثاني: العمل الذي يمتزج فيه هوى النفس ومقصود الشارع، وبيان معناه والحكم علي في ضوء حيثياته ومعتبراته. المطلب الثالث: المقاصد الأصلية والتابعة من حيث حقيقتها وأمثلتها وعلاقاتها ببعضها. المطلب الأول: واجب المكلف "عبادة الله، ومخالفة هوى النفس" كل الأحكام والتعاليم الشرعية والإسلامية جاءت لتقرير العبودية الكاملة لله تعالى، لإخراج الإنسان من دائرة هوى نفسه. يقول الشاطبي: المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف من داعية هواه، حتى يكون عبدًا لله اختيارًا كما هو عبد لله اضطرارًا١.

стр. 140

الأدلة على أن العباد خلقوا لعبادة الله تعالى ومخالفة هوى نفوسهم. ١- الأدلة من النصوص الشرعية: هناك الكثير من النصوص القرآنية والنبوية، وكثير من الإجماعات والآثار الإسلامية الدالة على أن العباد مخلوقون لعبادة الله تعالى، والامتثال لأحكامه وتوجيهاته، أمرًا ونهيًا. ويمكن أن نورد بعض تلك الأدلة فيما يلي: - قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ١. - قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ ٢. - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٣. - قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ٤. - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٥. - قوله ﷺ : "حق الله على العباد أن يعبده ولا يشركوا به شيئا" ٦.

стр. 141

من الأدلة على ذم الهوى ومخالفة الأوامر والأحكام الشرعية: - قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ ١. - قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ ٢. - قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ ٣. - قال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ ٤. - قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ ٥. - قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ ٦. قال الشاطبي: "فذا كله واضح في أن قصد الشارع الخروج عن اتباع الهوى، والدخول تحت التعبد للمولى"٧.

стр. 142

٢- الأدلة من الأحكام: من الأدلة والبراهين على أن العباد خلقوا لعبادة الله، وإخراجهم من هوى نفوسهم: جملة الأحكام الشرعية، وسائر الأوامر والنواهي الداعية إلى الامتثال والخضوع والعبادة، والساعية إلى تنظيم المعاملات الإنسانية على وفق الهدى والتعاليم الإلهية، وليس بقضى ما تمليه مختلف الشهوات والنزوات والأهواء التي كثيرًا ما تتناقض وتتعارض وتتزاحم. والأوامر والنواهي الشرعية تشمل التوحيد والعقيدة، وتشمل العبادات والمعاملات. أ- فعلى مستوى التوحيد والعقيدة: أمر المكلف بتوحيد الله تعالى وإفراده الخضوع والعبادة والتوكل والدعاء والخوف والرجاء والخشية والمحبة والموالاة والذبح والتقرب. وأمر التصديق بسائر أركان العقيدة الإسلامية، كالإيمان بالملائكة والكتب المنزلة عنده والرسل والأنبياء واليوم الآخر. كما نهى المكلف عن الشرك والرياء والنفاق، وعبادة الأشخاص والأصنام وتقديس القبر والأضرحة والشعارات والأذكار والعادات والتقاليد، وكل ما يخل بالعقيدة الإسلامية الصحيحة الداعية إلى عبادة الله وحده، بلا شريك ولا نظير في اسم أو صفة أو فعل. ب- وعلى مستوى العبادات: شرعت الأحكام الكثيرة المتعلقة بتنظيم علاقة المكلف بربه تعالى، على نحو الصلوات وصيام رمضان، وأداء

стр. 143

الزكاة والصدقات، وأداء الحج والعمرة، والقيام بالكفارات والنذور، وفعل التطوع والتقرب إليه بالنوافل والأذكار، وشتى القربات والصالحات التي توقع في النفس معاني الرغبة والرهبة، وتورث فيها الخضوع إلى الله، والامتثال إلى أحكامه أمرًا ونهيًا، والتي تبعدها عن الظواهر السيئة والصفات والرذيلة، على نحو الخمول والجمود والكسل والإفراط في الراحة واللذات والرفاه. ج- وعلى مستوى المعاملات المتصلة بالمعاوضات: شرعت أحكام البيع والشراء والغصب والربا والرشوة وأكل أموال الناس بالباطل، وبشتى صورة وكيفياته، وكان المقصد من كل ذلك حمل النفس على العدل والإنصاف والاستقامة، وإخراجها من دوائر الأنانية والجشع والطمع والتحايل في أخذ حقوق الناس وأمتعتهم، والتغرير بهم عن قصد لإلحاق الضرر والأذى بهم. د- وعلى مستوى المعاملات المتصلة بالأنكحة: شرع الزواج، ودعي إليه ورغب فيه، وحث على تيسيره وتخفيفه، ومن الزنا والاختلاط والنظر بقصد الشهوة والتلذذ، وهتك العرض، ونهى عن الخلوة؛ لأنها قد تؤدي إلى وقوع الفتنة والزنا، ووضع العقاب للشاذين والمنحرفين بممارسة الزنا أو اللواط أو السحاق في السرِّ والعلن، بالتراضي والإكراه، في حالة العزوبة والإحصان. والمقصد من كل ذلك هو حفظ النسل والأعراض والأنساب من التداخل والفوضى والدوس والانتهاك، وصيانة العفة والكرامة.

стр. 144

والحشمة الأخلاقية والأنسانية المقررة في كل الأمم والأجيال، وفي مختلف الظروف والأحوال. كما أن من مقاصد ذلك، تربية نفس الإنسان تزكيتها وتهذيبها مما قد يعلق بها من ظواهر الانحراف والزيغ وحب الشذوذ، والرغبة في مزاولة المتع المحرمة، ومناولة اللذائذ الجنسية العابرة بلا قيد لا ضابط، كما هو الحال في كثير من البلاد العالمية التي انشرت فيها مظاهر الإباحة الجنسية، والميوعة الأخلاقية، والتسيب القيمي، والانحلال بمختلف صوره ومجالاته. ومن مقاصد ذلك أيضًا تعويد النفس على الصبر والتضحية والاستقامة والعفة، وحملها على مخالفة هواها، ومواجهة حديثها ووساوسها وخواطرها التي تزين الشهوة المنحرفة وتلمعها، وتجعلها من أعز المطالب وخواطرها من أحسن المبتغيات وأفضل ما يسعد به الإنسان. ومن أجل تحقيق الاستقامة والعفة، وحفظ الأعراض والأنساب والنسل، وإخراج، النفس من دائرة هواها ونزواتها، شرعت جميع أحكام الزواج، وما يتعلق به من الحث عليه، والدعوة إلى تيسيره وتسهيله، والصبر والاصطبار عند العجز عنه بالتوكل على الله تعالى، وأداء فعل الصوم الذي هو وقاية لصاحبه، وبغض البصر، وتجنب الخلوة والاختلاط، وغير ذلك مما هو ضروري لتحقيق ذلك. هـ- وعلى مستوى المعاملات المتصلة بالجنايات والدماء: وضع القصاص والحدود والعقوبات للقتل العمد والعدوان والحرية وقطع طريق وسائر مظاهر الترويع والفساد والإفساد في الأرض.

стр. 145

ومقصد ذلك كله حفظ النفس وصيانة الحياة، ومنع التعدي والاعتداء والظلم والثأر، وزجر المعتدين الظالمين انزجار وإرداع غير المعتدين الذين قد تُسوِّل لهم نفوسهم يومًا ما بفعل القتل والتمثيل والترويع والتخويف والإفساد. ومقصد ذلك أيضًا: حمل النفس على الاستقامة والاتزان، وإبعادها عن نزوات الثأر والانتقام والتشفي، وإخراجها من دائرة الاستخفاف بحرمة النفس وكرامة الإنسان، وحقه في الحياة والسلامة والأمن. ولو بقيت النفوس والمجتمعات بلا حد أو قيد لأهواء النفوس وخواطرها لفسد التعامل واختل النظام، ولتعاظم الهرج والمرج، ولكثر القتل وتعاظم وتزايد بلا حد ولا حصر. ولذلك كله جاءت الأحكام الدقيقة والمضبوطة المنظمة للتعامل في مجال البيوعات والمعاوضات، وفي مجال الأنكحة والزواج، وفي مجال الجنايات والدماء، وبقصد حفظ نظام الحياة واستقرارها وسلامتها، ولصيانة الناس في نفوسهم وعقولهم أعراضهم وأنسابهم وأموالهم. وكل ذلك لن يكون حاصلا إلا بإخراج الناس من دوائر أهوائهم ورغباتهم المنحرفة بحصول الاستقامة الذاتية، والالتزام الطوعي الاختياري، أو بحصول الامتثال والانقياد إلى احترام ذلك، ومراعاته حتى يكون الحق أحق أن يتبع، وحتى لا يكون الحق تبعًا لأهواء الناس، قال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ ١.
следующие страницы →