فإذا وقع حرف من هذه الأحرف الأربعة عشر بعد لام "أل" وجب إدغامها ويسمى إدغامًا شمسيًّا وتسمى اللام باللام الشمسية وعلامة ذلك خلو اللام من السكون ووضع شدة على الحرف الذي بعدها.
ووجه تسميته بالإدغام الشمسي: فعلى طريقة التشبيه حيث شبهت اللام بالنجم والحروف الأربعة عشر بالشمس بجامع خفاء كل عند الآخر وعدم ظهوره معه١.
وسبب إدغام اللام في هذه الحروف هو التماثل مع اللام والتقارب مع باقي الحروف.
نموذج من الأمثلة:
стр. 107
فَائدةٌ:
لقد جاء ضمن الأمثلة السابقة لفظ الجلالة: "الله"، وتصريفه كالآتي:
الأصل فيه "إله" دخلت عليه أل فصار: الإله، ثم حذفت الهمزة الثانية للتخفيف فصار "ال- له" ثم أدغمت لام "أل" في اللام الثانية للتماثل فصار: الله، ثم فخِّمت اللام للتعظيم بعد الفتح والضم دون الكسر لمناسبته للترقيق فصار: "الله"١.
стр. 108
ثانيًا: حكم لام الفعل
وهي اللام الساكنة الواقعة في فعل سواء كان ماضيًا أو مضارعًا أو أمرًا، وفي كل إما متوسطة أو متطرفة، فالماضي مثل: ﴿الْتَقَى﴾ ١، ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ ٢، والمضارع مثل: ﴿يَلْتَقِطْهُ﴾ ٣، ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ ٤، والأمر مثل: ﴿وَأَلْقِ﴾ ٥، ﴿وَتَوَكَّلْ﴾ ٦.
ولها قبل أحرف الهجاء حالتان:
١- حالة إدغام. ٢- حالة إظهار.
أما حالة الإدغام: فتدغم لام الفعل مطلقًا إذا وقع بعدها لامٌ أو راءٌ مثل: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ﴾ ٧، ﴿وَقُلْ رَبِّ﴾ ٨، ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ﴾ ٩.
وسبب الإدغام التماثل بالنسبة إلى اللام، والتقارب بالنسبة إلى الراء.
وأما حالة الإظهار: فتظهر لام الفعل مطلقًا إذا وقع بعدها حرف من الحروف الستة والعشرين حرفًا الباقية كالأمثلة التي تقدمت.
وقد يسأل سائل لِمَ لَمْ تدغم لام الفعل في النون في نحو: ﴿قُلْ نَعَمْ﴾ ١٠ للتقارب الذي بينهما كما أدغمت في الراء للسبب نفسه؟
стр. 109
والجواب:
أن النون الساكنة إذا وقع بعدها لام يجب إدغامها فيها بغير غنة ولا يصح أن يدغم في النون شيء مما أدغمت هي فيه؛ خشية زوال الألفة بين النون وأخواتها من حروف "يرملون".
وقد يَرِدُ اعتراض على ذلك بأن لام "أل" تدغم في النون في نحو: "النَّاسِ"١ فلماذا لا تدغم لام الفعل في النون كذلك؟
والجواب:
أن لام "أل" مع النون كثيرة الوقوع في القرآن، فهي أحوج إلى الإدغام تسهيلا للنطق بخلاف لام الفعل قبل النون فهي قليلة الوقوع في القرآن، وإظهارها ليس فيه مشقة٢، والعمدة في ذلك كله هو السماع والنقل.
стр. 110
ثالثًا: حكمُ لامِ الحرفِ
وهي اللام الواقعة في حرف وذلك في "هل، بل" فقط ولا توجد غيرهما في القرآن.
وحكم "بل" وجوب الإظهار نحو: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ ١، ما لم يقع بعدها لام أو راء فتدغم في اللام للتماثل مثل: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ ٢، وفي الراء للتقارب مثل: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ٣، ويستثنى منها: ﴿بَلْ رَانَ﴾ ٤ وذلك لوجوب السكت عليها، والسكت يمنع الإدغام.
وأما حكم "هل" فيجب إظهار لامها دائمًا نحو: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا﴾ ٥، إلا إذا وقع بعدها لام فتدغم فيها للتماثل مثل: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ ٦ أما وقوع الراء بعدها فلم يوجد في القرآن.
стр. 111
رابعًا: حكمُ لامِ الاسمِ
وهي اللام الواقعة في كلمة فيها إحدى علامات الاسم أو تقبل إحداها، وتكون دائمًا متوسطة وأصلية: أي من بنية الكلمة مثل: ﴿أَلْسِنَتِكُمْ﴾ ١ ﴿وَأَلْوَانِكُمْ﴾ ٢، ﴿سَلْسَبِيلاً﴾ ٣، ﴿سُلْطَانٌ﴾ ٤. وحكمها وجوب الإظهار مطلقًا.
стр. 112
خامسًا: حكمُ لامِ الأمرِ
وهي اللام الساكنة الزائدة عن بنية الكلمة والتي تدخل على الفعل المضارع فتحوله إلى صيغة الأمر وذلك بشرط أن تكون مسبوقة بثم أو الواو أو الفاء، ومثال المسبوقة بثم نحو: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ ، ومثال المسبوقة بالواو نحو: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ١ ومثال المسبوقة بالفاء نحو: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ ٢.
وحكمها: وجوب الإظهار مطلقًا كلام الاسم.
فإن قيلك لِمَ أدغمت اللام في نحو: ﴿التَّائِبُونَ﴾ ٣ ولم تدغم في نحو: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ﴾ ٤؟
فالجواب:
أن اللام في: ﴿التَّائِبُونَ﴾ لام تعريف وهي كثيرة الوقوع في القرآن بعكس لام الأمر فهي قليلة، وإظهارها ليس فيه مشقة كما سبق التنويه على مثل ذلك عند لام الفعل.
"تنبيه":
اعلم أن الحروف الهجائية التي تقع بعد اللامات السواكن عددها ثمانية وعشرون حرفا بعد إسقاط حروف المد الثلاثة شأنها شأن النون الساكنة والتنوين،
стр. 113
والميم الساكنة وذلك خشية التقاء الساكنين كما سبق التنويه عنه.
وقد أشار صاحب التُّحْفة إلى النوعين الأوَّلين بقوله:
للامِ أل حالانِ قبلَ الأحرفِ ... أولاهما إظهارُها فلتَعْرِفِ
قبلَ ارْبع معْ عَشْرَةٍ خُذْ عِلْمَهُ ... من ابغ حَجَّك وخَفْ عَقيمهُ
ثانيهما إدغامُها في أربعِ ... وعشرةٍ أيضًا ورمزَها فَعِي
طِبْ ثمَّ صِلْ رحمًا تفزْ ضِفْ ذا نِعمْ ... دعْ سُوءَ ظَنٍّ زُرْ شريفًا للكَرمْ
والَّلامَ الُاولَى سمِّها قمْرِيَّةْ ... والَّلامَ الُاخْرى سمِّها شمسيَّةْ
وأَظهرنَّ لامَ فعلٍ مُطلقًا ... في نحو قلْ نعم وقلْنا والْتقى
وقد أشار صاحب لآلئ البيان في ملخصة إلى الأحكام الخمسة فقال:
ألْ في ابغ حجك وخف عقيمهُ ... أظهر وكن في غيرها مدغمه
واللامَ من فعلٍ وحرفٍ أظهرا ... لا قل وبل فأدغمنهما برا
ومعهما في اللامِ هل وأظهرا ... في اسم لامِ الأمر أيضًا قررا
стр. 114
أسئلة:
١- اذكر أنواع اللامات السواكن.
٢- اذكر ضابط لام "أل"، ثم بين هل هي من نفس الكلمة أم لا؟
٣- كم حالة للام "أل" قبل أحرف الهجاء؟
٤- كم حرفًا يختص باللام القمرية؟ وما حكمها عند هذه الأحرف؟
٥- ما وجه تسميته إظهارًا قمريًّا؟ وما سببه؟، مثِّل لكل حرف بمثالين.
٦- كم حرفًا يختص باللام الشمسية؟ وما حكمها عند هذه الأحرف؟
٧- ما وجه تسميته إدغاما شمسيًّا؟ وما سببه؟ مثِّل لكل حرف بمثالين، ثم بَيِّن تصريف لفظ الجلالة.
٨- ما هي لام الفعل؟ وكم حالة لها قبل أحرف الهجاء؟ مع التمثيل لما تذكر.
стр. 115
٩- اذكر سبب إدغام لام الفعل في اللام والراء، وإظهارها عند النون في نحو "قل نعم"١.
١٠- عرِّف لام الحرف واذكر حكمها بالتفصيل مع التمثيل لما تذكر.
١١- عرِّف كلًّا من لام الاسم ولام الأمر، واذكر حكم كلٍ مع التمثيل.
١٢- لماذا أدغمت لام التعريف في نحو: ﴿التَّائِبُونَ﴾ ٢ وأظهرت لام الأمر في نحو: ﴿فَلْتَقُمْ﴾ ٣.
١٣- اقرأ من أول سورة الملك إلى قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ ثم استخرج ما في الآيات من اللامات السواكن مبينًا نوع كل منها وحكمها.
١٤- بيِّن نوع كل لام ساكنة فيما يأتي، ثم اذكر حكمها:
﴿سُلْطَانٍ﴾ ٤، ﴿هَلْ أَتَى﴾ ٥، ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ٦، ﴿وَقُلْ رَّبِّ﴾ ٧، ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ ٨، ﴿الْقَيُّومُ﴾ ٩، ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ﴾ ١٠، ﴿يَلْهَثْ ذَلِكَ﴾ ١١، ﴿بَل لا تُكْرِمُونَ﴾ ١٢، ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ﴾ ١٣، ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ﴾ ١٤، ﴿وَرَتَّلْنَاهُ﴾ ١٥.
стр. 116
المد والقصر
مدخل
...
الْمَدُّ والْقَصْرُ:
الأصل في هذا الباب ما ثبت عن قتادة ﵁ أنه قال: سألت أنس بن مالك ﵁ عن قراءة النبي ﵌؟ فقال: كان يمدُّ مدًّا١.
كما روي عنه بلفظ آخر يقول: سألت أنسًا كيف كانت قراءة رسول الله ﵌؟ قال: كان يَمُدُّ صوتَه مدًّا٢.
وهذا الخبر عام في كل أنواع المد.
والمدُّ معناه لغةً: الزيادة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ ٣ أي يزيدكم.
واصطلاحًا: إطالة الصوت بحرف المد أو اللِّين عند وجود السبب.
وضدُّه القَصْرُ:
والقصر لغة: الحبس والمنع، ومنه قوله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ ٤ أي محبوسات فيها، وقوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ ٥ أي
стр. 117
مانعات طرفهن من النظر إلا على أزواجهن.
واصطلاحًا: إثبات حرف المد أو اللين من غير زيادة فيه لعدم وجود السبب.
وحقيقة المد: هو تحققه بأي مقدار ولو حركتين، وحقيقة القصر: هو عدم المد مطلقًا، ولكن المصطلح عليه في علم التجويد كما يستفاد من تعريفي المد والقصر السابقين أن القصر هو مقدار حركتين، والمد ما زاد على ذلك١.
حروفُ المدِّ بشروطِهَا:
وحروف المد ثلاثة، ويطلق عليها حروف مدٍّ ولينٍ، وسميت حروف مد؛ لامتداد الصوت بها، وحروف لين لخروجها بسهولة وعدم كُلْفَة، وهي:
١- الألف ولا تكون إلا ساكنة، ولا يكون ما قبلها إلا مفتوحًا.
٢- الواو الساكنة بشرط ضم ما قبلها.
٣- الياء الساكنة بشرط كسر ما قبلها.
وهي مجموعة في لفظ "واي"، ويجمع أمثلتها بشروطها كلمة: ﴿نُوحِيهَا﴾ ٢، فإن فقدت الواو والياء شرطيهما بأن سكنتا وانفتح ما قبلهما كانتا حرفي لين فقط مثل: "الْبَيْتِ، خوف"٣. فإن أطلقنا حرف المد فهو شامل للمد واللين، وإذا قيدنا الحرف باللين فهو خاص به.
وتلخص من ذلك: أن الألف لا تكون إلا حرف مد ولين، وأما الواو والياء فلهما ثلاثة أحوال:
١- أن تكونا حرف مد ولين، وهذا إذا سكنتا وضم ما قبل الواو، وكسر ما قبل الياء.
стр. 118
٢- أن تكونا حرفي لين فقط، وهذا إذا سكنتا وانفتح ما قبلهما كما سبق.
٣- أن تكونا حرفي علة فقط، وذلك إذا تحركتا بأي حركة كانت، وأمثلة ذلك غير خافية.
وقد أشار صاحب التُّحفة إلى حروف المد واللِّين فقال:
حروفُه ثلاثةٌ فَعِيهَا ... من لَفْظِ "واي" وهْيَ في نوحيها
والكسرُ قبل اليَا وقبل الواوِ ضَمْ ... شرطٌ وفتح قبل ألف يلتزم
واللِّين منها اليا وواو سُكِّنا ... إن انفتاح قبل كلٍّ أُعلنا
أقسامُ المدِّ:
المد قسمان:
١- مد أصلي، ٢- مد فرعي.
стр. 119
المد الأصلي:
يسمى بالمد الطبيعي: هو الذي لا تقوم ذات حرف المد إلا به، ولا تستقيم الكلمة إلا بوجوده، ويكفي فيه وجود أحد حروف المد الثلاثة وليس قبلها همز أو بعدها همز أو سكون.
ومقدارُ مدِّهِ: حركتان والحركة بمقدار قبض الأصبع أو بسطه بحالة متوسطة ليست بسرعة ولا بتأنٍّ١.
سببُ تسميتِهِ أصليًّا:
يسمى مدًّا أصليًّا لأصالته بالنسبة إلى غيره من المدود؛ وذلك لثبوته على حالة واحدة وهي مد حركتان فقط، ولأن ذات الحرف لا تقوم إلا به، ولعدم توقفه على سبب من الأسباب التي ستذكر عند الكلام على المد الفرعي.
ويسمى أيضًا طبيعيًّا؛ لأن صاحب الطبيعة السليمة لا يزيده ولا ينقصه عن حركتين.
стр. 120
أَنْوَاعُهً:
المد الأصلي يأتي على ثلاثة أنواع:
الأول: أن يكون حرف المد ثابتًا وصلا ووقفًا سواء كان متوسطًا مثل:
﴿مَالِكِ﴾ ١، ﴿يُوصِيكُمْ﴾ ٢، ﴿بِيَمِينِهِ﴾ ٣، أو متطرفًا مثل: ﴿وَضُحَاهَا﴾ ٤، ﴿قَالُوا﴾ ٥، ﴿وَأُمْلِي﴾ ٦، وسواء كان ثابتًا في الرسم أو محذوفًا كما مُثِّل.
ومن هذا النوع أيضًا الحروف الهجائية الخمسة الواقعة في فواتح السور، وجاءت على حرفين ثانيهما حرف مد، وقد جمعها صاحب التُّحفة في قوله "حَيٌ طَهُرَ" مثل: الحاء من "حم" أول الحواميم وسيأتي الكلام عليها بالتفصيل.
الثاني: أن يكون حرف المد ثابتًا في الوقف دون الوصل، وذلك في الألفات المبدلة من التنوين المنصوب مثل: ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ٧، في حالة الوقف.
وكذلك الألفات التي عليها سكون مستطيل في مثل: ﴿أَنَا نَذِيرٌ﴾ ٨، ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ ٩ ﴿الظُّنُونَاْ﴾ ﴿الرَّسُولا﴾ ﴿السَّبِيلا﴾ بالأحزاب١٠ ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَ﴾ ١١ وذلك في حالة الوقف.
وكذلك المدود التي تحذف في حالة الوصل خشية التقاء الساكنين وتثبت في الوقف، مثال الألف: ﴿وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ١٢، ومثال الياء: ﴿وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ١٣، ومثال الواو: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ﴾ ١٤.
стр. 121
الثالث: أن يكون حرف المد ثابتًا في الوصل دون الوقف مثل: ﴿إِنَّهُ هُوَ﴾ ١، ﴿بِهِ بَصِيرًا﴾ ٢ وهذا النوع من المد الأصلي يطلق عليه مدُّ الصِّلة وهو خاص بهاء الضمير التي سوف يأتي الكلام عليها، وعلامته: واو صغيرة بعد الهاء المضمومة وياء صغيرة بعد الهاء المكسوة.
стр. 122
المدُّ الفرعيُّ:
فهو المدُّ الزائد على المد الأصلي لسبب من الأسباب.
أسبابُهُ:
أسباب المد الفرعي اثنان:
١- الهمزة. ٢- السكون.
ويسمى كل منهما سببًا لفظيًّا؛ لأنه علة لزيادة مقدار المد الفرعي عن المد الطبيعي١.
أنواعُهُ:
أنواع المد الفرعي خمسة:
١- المد المتصل.
٢- المد المنفصل.
٣- المد البدل وهذه الأنواع الثلاثة سببها الهمز.
٤- المد العارض للسكون.
٥- المد اللازم، وهذان النوعان سببهما السكون.
أحكامُهُ:
أحكامُ المدِّ الفرعيِّ ثلاثةٌ:
١- الوجوب، ٢- الجواز، ٣- اللزوم.
فالوجوب: خاص بالمد المتصل فقط.
стр. 123
والجواز: خاص بالمد المنفصل، والمد العارض للسكون، والمد البدل.
واللُّزوم: خاص بالمد اللازم فقط.
وإنما كان المتصل واجبًا؛ لوجوب مدِّه زيادة عن المد الطبيعي اتفاقًا عند جميع القراء، وكان المنفصل والعارض للسكون والبدل حكم كل منها الجواز وذلك لجواز مدها وقصرها، وكان اللازم لازمًا للزوم مده حالة واحدة وهو ست حركات كما سيأتي.
وفيما يلي الكلام على كل نوع من هذه الأنواع الخمسة منفردًا.
стр. 124
المدُّ المتَّصلُ:
تعريفُهُ: هو أن يقع بعد حرف المد هَمْزٌ متصل به في كلمة واحدة.
أمثلتُهُ: مثال الألف: ﴿جَاءَ﴾ ١، مثال الواو: ﴿قُرُوءٍ﴾ ٢، مثال الياء ﴿هَنِيئًا﴾ ٣.
حكمُهُ: وجوب مده زيادة على مقدار المد الطبيعي اتفاقًا، ولقد حكى الإمام ابن الجزري في النَّشر قوله: "تتبعت قصر المتصل فلم أجده في قراءة صحيحية ولا شاذة" ثم يقول: "بل رأيت النص بمدِّه" وذكر حديث ابن مسعود حينما كان يُقرئ رجلا فقرأ الرجل: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ ٤ مرسلة -أي مقصورة- فقال ابن مسعود: ما هكذا أقرأنيها رسول الله ﵌ فقال: كيف أقرأكها يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: أقرأنيها ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ فمدَّها ثم قال ابن الجزري: هذا حديث جليل حجة ونص في هذا الباب، رجال إسناده ثقات٥.
стр. 125
وجهُ تسميتِه متصلًا: سمِّي مدًّا متصلا؛ لاتصال سببه وهو الهمز بحرف المد في كلمة واحدة كالأمثلة السابقة.
مقدارُ مدِّهِ: يمدُّ أربع حركات أو خمسًا -وصلا ووقفًا- ويزاد ست حركات في الوقف إذا كانت همزته متطرفة.
والمتصلُ المتطرفُ الهمزِ يأتي على ثلاثة أنواع، وقد أشار العلامة المحقق صاحب "لآلئ البيان" إلى هذه الأنواع الثلاثة والأوجه الجائزة في كل نوع حالة انفرداه بقوله:
وزاد في كالماء ستا إن يقف ... والرفع أَشْمِمْ مطلقًا كما عرف
ورُمْهُ مع جرٍّ بما به وصل ... ففي انفراده ثلاثة تحل
وتلك في نصب وخمسة بجر ... وأوجه الرفع ثمانٍ تعتبر
وفيما يلي بيان الأنواع الثلاثة بالتفصيل:
النوع الأول: المفتوح الهمز سواء كانت فتحة إعراب مثل: ﴿وَالسَّمَاءَ﴾ ١، أو فتحة بناء مثل: ﴿جَاءَ﴾ ٢ فإذا وقفنا عليه ففيه ثلاثة أوجه: المد أربع حركات أو خمس أو ست مع السكون الْمَحْضِ أو الخالص.
النوع الثاني: المكسور الهمز سواء كانت كسرة إعراب مثل: ﴿وَالسَّمَاءِ﴾ ٣، أو كسرة بناء مثل: ﴿هَؤُلاءِ﴾ ٤ فإذا وقفنا عليه ففيه خمسة أوجه: المد أربع حركات أو خمس مع السكون المحض، ومثلها مع الرَّوْم؛ لأنه يوصل بهذين الوجهين والروم كالوصل، ثم المد ست حركات مع السكون المحض فقط.
النوع الثالث: المضموم الهمز سواء كانت ضمة إعراب مثل: ﴿السُّفَهَاءُ﴾ ٥، أو ضمة بناء مثل: ﴿وَيَا سَمَاءُ﴾ ٦، فإذا وقفنا على مثل ذلك ففيه ثمانية أوجه: المد أربع حركات أو خمس أو ست مع السكون المجرد، ومثلها مع الإشمام، ثم المد أربع حركات أو خمس مع الرَّوم فقط٧.
стр. 126
المدُّ المنفصلِ وقصره:
تعريفُهُ: هو أن يقع بعد حرف المد همز منفصل عنه في كلمة أخرى.
أمثلتُهُ: مثال الألف: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ١، ومثال الواو: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ ٢ ومثال الياء: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ٣.
حُكْمُهُ: جواز مدِّه وقصره، إلا أن رواية القصر لحفص ليست من طريق كتاب الشاطبية الذي نلتزم به في كتابنا هذا، وإنما هو من طريق طَيِّبَة النَّشْر في القراءات العشر وعلى هذا فلا يجوز للقارئ أن يقرأ بقصر المنفصل إلا إذا كان على دِرَايَة بالأحكام المترتبة عليه حتى لا يحصل خَلْط أو تركيب في الطرق عند التلاوة.
وجهُ تسميتِهِ منفصلا: سمِّي مدًّا منفصلا؛ لانفصال السبب وهو الهمز عن حرف المد كل منهما في كلمة.
مقدارُ مدِّهِ: يمد أربع حركات أو خمسًا.
تنبيهان:
الأول: ذكرنا أن المتصل والمنفصل يمدُّ كل منهما أربع حركات أو خمسًا،
стр. 127
وهذان الوجهان قُرئ بهما لحفص من طريق الشاطبية إلا أن المد خمس حركات يعرف بأنه من زيادات القصيد، بمعنى أن صاحب التيسير الذي هو أصل الشاطبية ذكره عن عاصم، ولكن المد أربع حركات هو المقدم في الأداء؛ لأن الإمام الشاطبي كان يأخذ به ولم يذكر في قصيدته غيره، ويقول صاحب "غيث النفع" أن هذا هو الذي ينبغي الأخذ به للأمن معه من التخليط وعدم الضبط١، كما يشير صاحب "لآلئ البيان" إلى أنه الوجه الأعدل بقوله:
قد مُدَّ فصل وما يتصل ... خمسًا وأربعًا وهذا أعدل
الثاني: ذكرنا أن المد المنفصل حكمه الجواز لجواز قصره ومده، وقلنا بأن القصر ليس من طريق الشاطبية وإنما من طريق طيبة النشر، ولما كان القارئ كثيرًا ما يحتاج إلى قصر المنفصل في قراءته لتناسبه مع مرتبه الحدر كان من الواجب عليه أن يعرف الأحكام المترتبة عليه؛ لكي يراعيها عند القراءة، وقد اخترت أقرب الطرق في ذلك وهو طريق: روضة الحفاظ، للإمام الشريف أبي إسماعيل موسى بن الحسين بن إسماعيل بن موسى المعدل، وفيما يلي الأحكام المترتبة على القصر من طريقه:
١- يتعين الإتيان بالبسملة في أجزاء السورة دون تركها الجائز من الشاطبية وذلك للتبرك.
٢- وجوب توسط المتصل أي مده أربع حركات فقط.
٣- ترك السكت قبل الهمز في "أل" و"شيء" والمفصول والموصول.
٤- عدم المد للتعظيم في لا إله إلا الله.
٥- عدم التكبير بين السورتين من آخر الضحى إلى آخر الناس.
٦- عدم الغنة في النون الساكنة قبل اللام والراء.
стр. 128
٧- وجوب إبدال همزة الوصل ألفًا ومدها ست حركات في ﴿ءَالئَنَ﴾ موضعي يونس و ﴿ءَالذَّكَرَينِ﴾ موضعي الأنعام، و ﴿ءَالله﴾ بيونُس والنمل، وسيأتي الكلام عليهم في المد اللازم.
٨- وجوب الإشمام في: ﴿تَأْمَنَّا﴾ بيُوسف.
٩- وجوب الإدغام في: ﴿يَلْهَثْ ذَلِكَ﴾ بالأعراف.
١٠- وجوب الإدغام في: ﴿ارْكَبْ مَعَنَا﴾ بهود.
١١- وجوب الإدغام التام في: ﴿نَخْلُقْكُمْ﴾ بالمرسلات.
١٢- ترك السَّكت على: ﴿عِوَجًا﴾ ، ﴿مَرْقَدِنَا﴾ ، ﴿مَنْ رَاقٍ﴾ ، ﴿بَلْ رَانَ﴾ .
١٣- وجوب قصر "عين" في موضعي مريم والشورى.
١٤- وجوب التفخيم في الراء ﴿فِرْقٍ﴾ بالشعراء.
١٥- وجوب حذف الياء من ﴿ءَاتَانِ﴾ بالنمل في حالة الوقف.
١٦- وجوب حذف الألف من ﴿سَلاسِلًا﴾ بالدهر في حالة الوقف أيضًا.
١٧- وجوب قراءة ﴿الْمُصَيْطِرُون﴾ بالطور بالسين فقط.
١٨- جواز قراءة: ﴿مُصَيْطِر﴾ بالغاشية بالسين أو الصاد.
١٩- جواز قراءة: ﴿يَبْصُط﴾ في المواضع الأول بالبقرة وكذا ﴿بَصْطَةً﴾ بالأعراف بالسين أو الصاد.
٢٠- جواز قراءة: ﴿يَس﴾ ، ﴿ن﴾ بالإدغام أو الإظهار.
٢١- جواز قراءة: ﴿ضِعْف﴾ بالرُّوم في مواضعها الثلاثة بالفتح أو الضم إلا أنه يلاحظ إذا قرأنا بوجه الإظهار في ﴿يَس﴾ ، ﴿ن﴾ يتعين عليه الصاد فقط في: ﴿مُصَيْطِر﴾ والسين فقط في ﴿يَبْصُط﴾ ، ﴿بَصْطَةً﴾ والفتح فقط في ضاد ﴿ضْعَف﴾ بالرُّوم. وهذا ما رواه الفيل عن عمرو بن الصباح عن حفص وأما إذا قرأنا بوجه الإدغام في ﴿يَس﴾ ، ﴿ن﴾ فيتعين السين فقط في ﴿مُصَيْطِر﴾ والصاد فقط في ﴿يَبْصُط﴾ ، ﴿بَصْطَةً﴾ والضم فقط في ضاد ضعف بالرُّوم وهذا ما رواه زرعان عن عمرو بن الصباح
стр. 129
عن حفص.
وإلى هذه الأحكام يشير العلامة المحقق الشيخ إبراهيم على شحاتة السمنودي في رسالته المخطوطة: "بهجة اللِّحاظ بما لحفص من روضة الحفاظ" فيقول بعد براعة الاستهلال:
وبعد فهذا ما رواه معدل ... بروضته الفيحاء من طيّب النشر
بإسناده عن حفص الحبر من تلا ... على عاصم وهو المكنى أبا بكر
ففي البدء بالأجزاء ليس مُخيَّرًا ... لبسملة بل للتبرك مستقرى
ومتصلا وسط وما انفصل اقصرن ... ولا سكت قبل الهمز من طرق القصر
وما مد للتعظيم منها ولم يجئ ... بها وجه تكبير ولا غنة تسري
وفي موضعي آلان آلذكرين مع ... ءالله أبدلها مع المد ذي الوفر
وأشمم بتأمنا ويلهثْ فأدغمن ... مع اركب ونخلقكم أتم ولا تزر
وبل ران من راق ومرقدنا كذا ... له عوجا لا سكت في الأربع الغر
وبالقصر قُلْ في عين شورى ومريم ... وفخم بفرق وهو في آية البحر
وآتانِ نمل فاحذف الياء واقفا ... كذا الألف واحذ من سلاسل بالدهر
وبالسين لا بالصاد قل أم هم المصيْـ ... طرون وبالوجهين في فرده النكر
وفي يبصط الأولى وفي الخلق بصطة ... ويا سين نونٍ ضُعف روم كذا أجر
ولكن مع الإظهار صادُ مصيطر ... وفي بصطةً سينٌ كذا يبصط البكر
وفتح لدى ضُعفٍ عن الفيل وارد ... وبالعكس عن زرعان والكل عن عمرو
стр. 130
المدُّ البدَلِ:
تعريفُهُ: هو أن يتقدم الهمز على حرف المد في كلمة وليس بعد حرف المد همز أو سكون.
أمثلتُهُ: مثال الألف نحو: ﴿ءامِنُوا﴾ ١، مثال الياء نحو: ﴿إِيمَانًا﴾ ٢، ومثال الواو نحو: ﴿أُوتُوا﴾ ٣.
стр. 131
حُكْمُهُ: جواز مده وقصره إلا أن حفصًا ليس له فيه إلا القصر.
مقدارُ مدِّهِ: يمد حركتين فقط كالمد الطبيعي.
وجهُ تسميتهِ بدلا: سمي مد بدل لأن حرف المد فيه مبدل من الهمز غالبا إذ أصل كل بدل هو اجتماع همزتين في كلمة: أولاهما متحركة والأخرى ساكنة فتبدل الهمزة الثانية حرف مد من جنس حركة الأولى تخفيفًا، وإلى هذا يشير الإمام الشاطبي يقول:
وإبدال أخرى الهمزتين لكلهم ... إذا سكنت عزم كآدم أو هلا
فإن كانت الهمزة الأولى مفتوحة أبدلت الثانية ألفًا نحو: ﴿ءَامِنُوا﴾ إذ أصلها ﴿ءَأْمنوا﴾ ، وإن كانت الهمزة الأولى مكسورة أبدلت الثانية ياء نحو: ﴿إِيْمَانًا﴾ إذ أصلها ﴿إِأْمانًا﴾ ، وإن كانت الهمزة الأولى مضمومة أبدلت الثانية واوًا نحو: ﴿أُوتُوا﴾ إذ أصلها ﴿أُأْتوا﴾ .
وتسميته بمد البدل إنما باعتبار الغالب والكثير فيه؛ لأن من أمثلته ما لا يكون حرف المد فيه بدلا من الهمزة نحو: ﴿قُرءَان﴾ ١، ﴿إسْرَاءِيل﴾ ٢، ﴿مسْئُولا﴾ ٣ وهذا يعتبر شبيهًا بالبدل؛ لأن حرف المد في مثل ذلك أصلي وليس مبدلاً من الهمزة.
ولقد اشتُرِط في التعريف أن لا يقع بعد حرف المد همز أو سكون؛ لكي يخرج نحو: ﴿ءآمِيْنَ﴾ ٤ فهو مد لازم، نحو: ﴿برءآؤاْ﴾ فهو مد متصل، ونحو: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ﴾ ٦ فهو مد منفصل، ونحو: ﴿مَآبٍ﴾ ٧ عند الوقف فهو مد عارض للسكون، وقد ألغي مد البدل في مثل هذا كله؛ لأن هذه المدود تعتبر أقوى منه رتبة فقدمت عليه كما سيأتي التنبيه على ذلك عند الكلام على مراتب المدود٨.
стр. 132
المدُّ العارضِ للسُّكونِ:
تعريفُهُ: هو أن يقع بعد حرف المد أو حرف اللِّين ساكن عارض لأجل الوقف.
أمثلتُهُ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ١، ﴿الْعَالَمِينَ﴾ ٢، ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ ٣، ﴿الْبَيْتِ﴾ ٤، ﴿خَوفٍ﴾ ٥
حُكْمُهُ: جواز قصره ومدِّه.
مقدارُ مدِّهِ:
يجوز فيه ثلاثة أوجه: القصر حركتان، والتوسط أربع حركات والإشباع ست. وبيان ذلك أن القصر حركتان نظرًا لعروض السكون فلا يعتد به لأن الوقف يجوز فيه التقاء الساكنين مطلقًا، ونظرًا لحالة الوصل إذ يصير مدًّا طبيعيًّا، وهذا الوجه يستحب في القراءة مع مرتبة الْحَدْرِ.
ووجه التوسط لمراعاة اجتماع الساكنين مع ملاحظة كونه عارضًا فحطَّ عن الأصل وأصبح لا هو معدوم مطلقًا حتى يكون كالمد الطبيعي، ولا هو موجود دائمًا حتى يكون أصليًّا فيمد ست حركات كاللازم، وملاحظة عروضه جعلته في مرتبة متوسطة، وهذا الوجه يستحب في القراءة مع مرتبة التدوير.
ووجه الإشباع فلشبهه حينئذ بالمد اللازم حيث يلتقي فيه ساكنان فيلزم المد الطويل للتخلص من التقاء الساكنين، وهذا الوجه في القراءة يستحب مع مرتبة
стр. 133
الترتيل١ علمًا بأن أي وجه من الثلاثة جائز على أي مرتبة من مراتب القراءة.
وجهُ تسميتِهِ عارضًا: سمي عارضًا لعروض السكون لأجل الوقف؛ لأنه لو وصل لصار مدًّا طبيعيًّا.
والمد العارض للسكون ثلاثة أنواع: المنصوب والمجرور والمرفوع.
النوع الأول: المنصوب ونعني به الذي آخره فتحه سواء كانت فتحة إعراب نحو: ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾ ٢ أو فتحة بناء نحو: ﴿الْعَالَمِينَ﴾ ففيه ثلاثة أوجه: القصر حركتان، والتوسط أربع حركات، والإشباع ست. كلها مع السكون المحض أي الخالص من الرَّوم والإشْمَام.
النوع الثاني: المجرور ونعني به الذي آخره كسرة سواء كانت كسرة إعراب نحو: ﴿الرَّحِيمِ﴾ ٣، أو كسرة بناء نحو: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ ٤ ففيه أربعة أوجه، الثلاثة المتقدمة في المنصوب أعني: القصر والتوسط والإشباع مع السكون المحض، ثم الرَّوم مع القصر؛ لأن الرَّوم كالوصل فلا يكون إلا مع القصر.
النوع الثالث: المرفوع ونعني به الذي آخره ضمة سواء كانت ضمة إعراب نحو: ﴿نَسْتَعِينُ﴾ ٥ أو ضمة بناء نحو: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ ٦ ففيه سبعة أوجه وهي: الثلاثة المتقدمة مع السكون المحض، ومثلها مع الإشمام، والوجه السابع الرَّوم مع القصر.
فتلخص من ذلك أن الإشمام خاص بما آخره ضمة والغرض منه الإشارة إلى حركة الحرف الموقوف عليه بأنها ضمة، وأن الروم خاص بما آخره كسرة أو ضمة والغرض منه الإشارة إلى حركة الحرف الموقوف عليه كذلك.
стр. 134
وإن كان السكون العارض قبله حرف لِين مثل: ﴿خَوْفٍ﴾ ١، ﴿بيْت﴾ ٢، ﴿شَيء﴾ ٣، ﴿سُوْء﴾ ٤، فإنه يأخذ الأوجه السابقة حيثما أتى إلا أنهم اختلفوا في وجه القَصْرِ فبعض العلماء يقول بأن المراد بالقصر المد حركتين إجراء له مجرى المد العارض للسكون واعتبار حرف اللِّين كحرف المد عند الوقف على ما بعده تسهيلا للنطق، وهكذا قال صاحب العميد٥، وأكثر شرَّاح الشاطبية يقولون في معنى قول الإمام الشاطبي "وعنهم سقوط المد فيه" أن المراد به القصر حركتين كالمد العارض للسكون.
والبعض الآخر من العلماء يقول بأن المراد بالقصر حذف المد مطلقًا بحيث يكون النطق بحرفي اللِّين عند الوقف كالنطق بهما حالة الوصل إجراء لهما مجرى الحروف الصحيحة٦.
كما اختلفوا في وجه الرَّوم فأكثرهم يقول: بأن الروم يأتي مع القَصْر الذي هو عدم المد أصالة لأن حرف اللِّين في حالة الوصل لم يكن فيه مدٌّ مطلقًا عكس المد العارض للسكون الذي يكون في الوصل مدًّا طبيعيًّا كما سبق بيانه.
وبعضهم يقول: بأن الروم يأتي مع القصر الذي هو بمعنى مد ما، وقدَّروه بأنه دون المد الطبيعي وقد أورد ذلك العلامة الضبَّاع في كتابه "الإضاءة في أصول القراءة"، وذكر بأن ممن قال بهذا الرأي الدَّاني ومكي إذ قالا: "في حرفي اللين من المد بعض ما في حروف المد"، وكذلك الجعبري قال: "واللِّين لا يخلو من أيسر مد فيمد بقدر الطبع"٧ وعلى هذا فالرَّوم فيه يكون على مثل ذلك ولا يضبط هذا إلا بالمشافهة.
стр. 135
وأما إن كان المد العارض للسكون قبله همزة نحو: ﴿إِسْرَائِيلَ﴾ ١، ﴿مَآبِ﴾ ٢، ﴿لَرَءُوفٌ﴾ ٣ فإنه يجوز فيه الأوجه السابقة أيضًا يعنى أن المفتوح مثل: ﴿إِسْرَائِيلَ﴾ فيه عند الوقف ثلاثة أوجه: القصر والتوسط والإشباع مع السكون المحض، وأن المكسور مثل: ﴿مَآبٍ﴾ فيه عند الوقف أربعة أوجه: الثلاثة المتقدمة مع السكون المحض، ثم الرَّوم مع القَصْر، وأن المضموم مثل: ﴿لَرَءُوفٌ﴾ فيه عند الوقف سبعة أوجه: الثلاثة المتقدمة مع السكون المحض، ومثلها مع الإشمام -فتصير ستة- ثم الرَّوم مع القصر، فيكون المجموع سبعة أوجه.
стр. 136
المد اللازم
مدخل
...
المدُّ اللَّازِمُ:
تعريفُهُ: هو أن يأتي بعد حرف المد أو اللِّين ساكن لازم وصلا ووقفًا سواء كان ذلك في كلمة أو حرف.
أمثلتُهُ: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ ١، ﴿ءَآلئَنَ﴾ ٢، ﴿الم﴾ ٣، ﴿كهيعص﴾ ٤.
حكمُهُ: لزوم مدِّه مدًّا متساويًا اتفاقًا وصلا ووقفًا.
مقدارُ مدِّهِ: يمد ست حركات دائمًا إلا في لفظ "عين" أول مريم والشورى ففيه وجهان: الإشباع والتَّوسط وذلك لوقوع السكون الأصلي فيه بعد حرف لين ولم يوجد غيره في القرآن، والإشباع هو المقدم في الأداء، وكذا حرف ميم من: ﴿الم﴾ أول آل عمران في حالة الوصل فقد روي فيه وجهان:
الأول: المد ست حركات استصحابًا للأصل.
الثاني: القصر حركتان اعتدادًا بحركة الميم العارضة وهي الفتحة التي أتى بها للتخلص من التقاء الساكنين، وإنما أُوثرت الفتحة هنا على الكسرة التي هي الأصل
стр. 137
في التخلص وذلك لكون الفتحة وسيلة إلى تفخيم لفظ الجلالة، وإنما قصد تفخيمه ليتلاءم مع تفخيم معناه، أما في حالة الوقف فيتعين فيه المد ست حركات فقط١.
وجهُ تسميتِهِ لازمًا: سمي مدًّا لازمًا للزوم مده ست حركات من غير تفاوت، وأيضًا للزوم سببه وهو السكون وصلا ووقفًا.
أقسامُهُ: ينقسم المد اللازم إجمالا إلى قسمين:
الأول: المد اللازم الكلمي وهو أن يقع السكون الأصلي بعد حرف المد في كلمة مثل: ﴿الطَّامَّةُ﴾ ٢.
الثاني: المد اللازم الحرفي وهو أن يقع السكون الأصلي بعد حرف المد في حرف من أحرف الهجاء مثل: ﴿ن﴾ ٣ وينقسم تفصيلا إلى أربعة أقسام:
١- مد لازم كلمي مخفف. ٢- مد لازم كلمي مثقل.
٣- مد لازم حرفي مخفف. ٤- مد لازم حرفي مثقل.
стр. 138
القسم الأول: المد اللازم الكلمي المخفف
تعريفُهُ: هو أن يأتي بعد حرف المد سكون أصلي في كلمة خاليًا من التشديد.
أمثلتُهُ: ﴿آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ١، ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ ٢ بموضعي يونس وليس في القرآن غيرهما.
وجهُ تسميتِهِ كلميًّا: لوقوع السكون الأصلي بعد حرف المد في كلمة واحدة.
وجهُ تسميتِهِ مخففًا: لخفة النطق به نظرًا إلى خلِّوه من التشديد والغنة.
стр. 139
القسم الثاني: المد اللازم الكلمي المثقل
تعريفُهُ: هو أن يأتي بعد حرف المد سكون في كلمة بشرط كونه مشددًا.
أمثلتُهُ: الألف مثل: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ ١، والواو مثل: ﴿أَتُحَاجُّونِّي﴾ ٢، ولم يأتِ في القرآن مثال للياء٣.
وجهُ تسميتِهِ كلميًّا: سمي كلميًّا لوقوع السكون الأصلي بعد حرف المد في كلمة.
وجهُ تسميتِهِ مثقلا: سمِّي مثقلا؛ لثقل النطق به نظرًا إلى كون سكونه فيه تشديد.
تنبيهات:
الأول: لقد أشرنا في تعريف المد اللازم الكلمي أن يأتي بعد حرف المد سكون أصلي في كلمة؛ وذلك ليخرج ما إذا كان حرف المد آخر كلمة، والسكون في أول الكلمة التالية، فإنه يحذف منه حرف المد عند النطق به نحو: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ٤، ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ ٥، ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ ٦، وهذا يعتبر من النوع الثاني للمد الأصلي الذي يثبت فيه حرف المد وقفًا ويحذف وصلا، وقد سبقت الإشارة إليه.
الثاني: في القرآن الكريم ثلاث كلمات في ستة مواضع تمدُّ مدًّا مشبعًا ست حركات، ويجوز فيها أيضًا التسهيل٧ مع القصر وهي: ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ ٨ معًا
стр. 140
بالأنعام، ﴿آلْآنَ﴾ ١ معًا بيونُس، ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ ٢ بها أيضًا، ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ ٣ بالنمل وقد أشار المحقق ابن الجزري إلى ذلك بقوله:
وهمز وصل من كآلله أذن ... أبدل لكل أو فسهل واقصرن
الثالث: المد اللازم الكلمي المثقل المتطرف الموقوف عليه ليس فيه سوى الإشباع؛ تغليبًا لأقوى السببين وهو السكون المدغم بعد حرف المد وإلغاء للأضعف٤، وهو السكون العارض. وعليه فإذا وقف على المنصوب منه نحو: ﴿صَوَافَّ﴾ ٥ فبالسكون المجرد فقط، وعلى المجرور نحو: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ ٦ فبالسكون المجرد فقط ثم بالرَّوم، وعلى المرفوع نحو: ﴿وَلا جَانٌّ﴾ ٧ فبالسكون المجرد ثم بالرَّوم ثم بالإشمام وكلها مع الإشباع وقد أشار إلى ذلك صاحب لآلئ البيان بقوله:
سَكِّنهُ إن تَقفْ وأشمِمْ رافعًا ... ورُمْه مع جرٍ بمدٍ مشبعًا
стр. 141
القسم الثالث: المد اللازم الحرفي المخفف
تعريفُهُ: هو أن يأتي بعد حرف المد سكون أصلي في حرف من أحرف الهجاء خاليًا من التشديد.
أمثلتُهُ: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ ١، ﴿ق وَالْقُرْآنِ﴾ ٢، والميم من ﴿الم﴾ ٣
وجهُ تسميتِهِ حرفيًّا: سمي حرفيًّا لوقوع السكون الأصلي بعد حرف المد في حرف من أحرف الهجاء الواقعة في فواتح السور.
وجهُ تسميتِهِ مخففًا: سمِّي مخففًا لخفة النطق به نظرًا إلى خلِّوه من التشديد والغنة.
стр. 142
القسم الرابع: المدُّ اللازمُ الحرفيُّ المثقلُ
تعريفُهُ: هو أن يأتي بعد حرف المد سكون أصلي في حرف من أحرف الهجاء بشرط أن يكون فيه تشديد.
أمثلتُهُ: اللام من ﴿الم﴾ ١، ﴿المص﴾ ٢، ﴿المر﴾ ٣ والسين من ﴿طسم﴾ ٤.
وجهُ تسميتِهِ حرفيًّا: سمي حرفيًّا؛ لوقوع السكون الأصلي بعد حرف المد في حرف من أحرف الهجاء الواقعة في فواتح السور.
وجهُ تسميتِهِ مثقلا: سمي مثقلا؛ لثقل النطق به نظرًا إلى كون سكونه فيه تشديد
تنبيهٌ:
المد اللازم الحرفي ضابطه أن يوجد في حرف في فواتح السور هجاؤه على ثلاثة أحرف وسطها حرف مد، والحرف الثالث مبني على السكون، وهذا يوجد في ثمانية أحرف أشار إليها صاحب التُّحفة بقوله: "يجمعها حروف كم عسل نقص" منها سبعة تمد مدًّا مشبعًا بلا خلاف -وصلا ووقفًا- إلا حرف "ميم" أول آل عمران في حالة الوصل فقد سبق حكمه عند الكلام على مقدار المد اللازم، أما الحرف الثامن فهو "عين" فاتحة مريم والشورى وقد سبق حكمه أيضًا.
والْحَاصِلُ: أن أحرف الهجاء الواقعة في فواتح السور: أربعة عشر حرفًا مجموعة في قول صاحب التُّحفة:
ويجمع الفواتح الأربع عشر ... صله سحيرًا من قطعك ذا اشتهر
стр. 143
وهي على أربعة أقسام:
القسم الأول: ما كان هجاؤه على ثلاثة أحرف وسطها حرف مد وله سبعة أحرف مجموعة في "كم عسل نقص" باستثناء حرف "عين" وهذا القسم يمد مدًّا مشبعًا مقداره ست حركات كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
القسم الثاني: ما كان هجاؤه على ثلاثة أحرف وسطها حرف لين وهو حرف "عين" من فاتحة مريم والشورى وقلنا بأنه يجوزم فيه الإشباع والتوسط.
القسم الثالث: ما كان هجاؤه على حرفين ثانيهما حرف مد، وحروفه خمسة مجموعة في لفظ: "حيٌّ طَهُرَ" وهذا القسم يمد مدًّا طبيعيًّا فقط.
القسم الرابع: ما كان هجاؤه على ثلاثة أحرف ليس في وسطها حرف مد وله حرف واحد وهو: "ألف" وهذا ليس فيه مد أصلا.
فائدةٌ:
الحروف الهجائية وقعت في فواتح تسع وعشرين سورة وهي على خمسة أنواع.
الأول: آحادية وذلك في ثلاث سور هي: "ص، ق، ن".
الثاني: ثنائية وهي في تسع سور: " ﴿طه﴾ ، ﴿طس﴾ " أول النمل، " ﴿يس﴾ ، ﴿حم﴾ " في سورها الست.
الثالث: ثلاثية وذلك في ثلاث عشرة سورة: ﴿الم﴾ أول البقرة وآل عمران والعنكبوت والروم ولقمان والسجدة، ﴿الر﴾ أول يونُس وهود ويوسُف وإبراهيم والحجر، ﴿طسم﴾ أول الشعراء والقصص.
الرابع: رباعية وذلك في سورتين: ﴿المص﴾ أول الأعراف، ﴿المر﴾ أول الرعد.
الخامس: خماسية وذلك في سورتين: ﴿كهيعص﴾ أول مريم، ﴿حم عسق﴾ أول الشورى.
стр. 144
مراتبُ المدودِ:
تتفاوت مراتب المدود تبعًا لتفاوت أسبابها من حيث القوة والضعف، فإذا كان السبب قويًّا كان المد قويًّا، وإذا كان السبب ضعيفًا كان المد ضعيفًا، والمراتب خمسة وهي:
١- المد اللازم.
٢- المد المتصل.
٣- المد العارض للسكون.
٤- المد المنفصل.
٥- المد البدل.
ويجمع المراتب الخمس العلامة الشيخ إبراهيم شحاتة السمنودي -حفظه الله- في قوله:
أقوى المدود لازم فما اتصل ... فعارض فذو انفصال فبدل
وإنما كان المد اللازم أقوى هذه المدود جميعًا؛ لأصالة سببه وهو السكون الثابت وصلا ووقفًا، ولاجتماعه معه في كلمة واحدة أو في حرف، وللزوم مده حالة واحدة وهي ست حركات.
وأما المتصل فكان في المرتبة الثانية لأصالة سببه وهو الهمز، ولاجتماعه معه في كلمة واحدة غير أنه مختلف في مقدار مدِّه.
وأما العارض للسكون فكان في المرتبة الثالثة؛ لاجتماع سببه -وهو السكون- معه في كلمة واحدة غير أن السكون فيه عارض، ومقدار مدِّه مختلف فيه بين المد والتوسط والقصر.
وأما المنفصل فكان في المرتبة الرابعة؛ لانفصال سببه عنه وهو الهمز، ولأنه مختلف أيضًا في مقدار مدِّه.
وأما البدل فكان في المرتبة الأخيرة؛ لأن المدود السابقة جميعها يقع سببها بعدها بينما سبب مد البدل متقدم عليه، كما أن المدود السابقة كلها أصلية ولم تبدل من شيء آخر بخلاف مد البدل فهو مبدل من الهمز غالبًا١.
стр. 145
تنبيهاتٌ:
الأول: حكم اجتماع سببين من أسباب المد
إذ اجتمع سببان من أسباب المد أحدهما قوي والآخر ضعيف عمل بالقوي وألغي الضعيف مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ﴾ ١ فالهمزة الأولى جاء بعدها واو مدّ وهذا يعتبر من قبيل مد البدل، والهمزة الثانية تقدمها واو مد وهذا يعتبر من قبيل المد المنفصل، ولما كان المد المنفصل أقوى من المد البدل اعتبر المد منفصلا؛ لأنه الأقوى وألغي البدل؛ لأنه الأضعف.
وإلى هذا يشير العلامة المحقق الشيخ إبراهيم شحاتة السمنودي بقوله:
وسببًا مد إذا ما وجدا ... فإن أقوى السببين انفردا