من مَقُولِ الكافرين وهو ليس كذلك، وكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ ١ فالوقف على "يسمعون" لازم؛ لأنه لو وصل بما بعده لأوهم أن "الموتى" من قوله تعالى: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ يشتركون مع الأحياء في الاستجابة.
حكمُهُ: يلزم الوقف عليه ويلزم الابتداء بما بعده، ومن أجل هذا سمِّي لازمًا.
وعلامتُهُ: وضع ميم أفقية هكذا "مـ" على الكلمة التي يلزم الوقف عليها.
ومن أجل هذا كله نجد أن بعض العلماء قسم الوقف الاختياري إلى خمسة أقسام، واعتبر الوقف اللازم قسمًا مستقلا من أقسامه كالإمام السجاوندي، والشيخ محمد خلف الحسيني.
كما يسميه بعضهم بوقف البيان؛ لأنه يبين معنى لا يفهم بدونه كالوقف على قوله تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ ٢ فالضمير فيهما للنبي ﵌ والضمير في ﴿وتُسَبِّحُوهُ﴾ بعدها لله تعالى، والوقف على ﴿وتُوَقِّرُوهُ﴾ هو الذي يظهر هذا المعنى المراد٣.
النوع الثاني: هو الذي يحسن الوقف عليه ويحسن الابتداء بما بعده ومعنى هذا أنه يجوز وصله بما بعده طالما أن وصله لا يغير المعنى الذي أراده الله تعالى ويسمِّيه بعضهم بالتام المطلق.
وسمِّي تامًّا؛ لتمام الكلام عنده وعدم احتياجه إلى ما بعده في اللفظ أو المعنى ويكون غالبًا في أواخر السور وأواخر الآيات وانقضاء القصص ونهاية الكلام على حكم معين، وقد يكون في وسط الآية وفي أوائلها كما سيأتي في الأمثلة.
أمثلتُهُ: هذا النوع يأتي على أربع صور:
стр. 282
_________
١ سورة البقرة: ٥.
٢ سورة الأحزاب: ٣٩.
٣ سورة الفرقان: ٢٩.
٤ سورة الصافات: ١٣٧، ١٣٨.
стр. 283
وأما التعلق المعنوي: فهو أن يكون تعلقه من جهة المعنى فقط دون شيء من متعلقات الإعراب كالإخبار عن حال المؤمنين أول البقرة فإنه لا يتم إلا عند قوله: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ ١ والإخبار عن حال الكافرين لا يتم إلا عند قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٢ والإخبار عن أحوال المنافقين لا يتم إلا عند قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣ حيث لم يبق لما بعده تعلق بما قبله لا لفظًا ولا معنىً٤.
القسم الثاني: الوقف الكافي
تعريفُهُ: هو الوقف على كلام تامٍّ في ذاته متعلق بما بعده في المعنى دون اللفظ.
أمثلتُهُ: الوقف على قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ٥ والابتداء بقوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ فآخر الآية كلام تام ليس له تعلُّق بما بعده لفظًا، ولكنه متعلق به من جهة المعنى؛ لأن كلا منهما إخبار عن حال الكفار، وكذلك الوقف على قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ٦ والابتداء بقول سبحانه: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ فآخر الآية كلام تام ولم يتعلق بما بعده لفظًا، وإن تعلق به معنى؛ لأن كلا منهما إخبار عن حال المنافقين إلى غير ذلك من الأمثلة، وقد يكون في نهاية الآية كالأمثلة السابقة، كما يكون في وسطها نحو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ ٧.
حكمُهُ: يَحْسُن الوقف عليه والابتداء بما بعده كالوقف التام غير أن الوقف على التام يكون أكثر حُسْنًا.
وسمِّي كافيًا؛ للاكتفاء به واستغنائه عما بعده؛ لعدم تعلقه به لفظًا، وهو أكثر
стр. 284
_________
١ من كتاب "العميد في علم التجويد" ص١٨٥.
٢ سورة البقرة: ١٠.
٣ سورة البقرة: ١٢٧.
٤ انظر: "النشر في القراءات العشر" "ج: ١، ص٣٢٠".
стр. 285
صفتان للفظ الجلالة ولا يصح فصل الصفة عن الموصوف.
وحكمُ هذا النوعِ: أنه يحسن الوقف عليه ولا يحسن الابتداء بما بعده اتفاقًا؛ لشدة تعلقه بما بعده لفظًا ومعنىً.
النوع الثاني: أن يكون رأس آية ويأتي على صورتين:
الصورة الأولى: أن يكون الوقف على رأس الآية لا يوهم معنى غير المعنى المراد مثل الوقف على قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أول الفاتحة، والوقف على: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ ١ بالبقرة والوقف على: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ ٢ فهذه الوقوف وما مَاثَلَها اختلف العلماء فيها على ثلاثة مذاهب.
المذهب الأول: يرى أصحابه أنه يحسن الوقف عليه ويحسن الابتداء بما بعده مطلقًا؛ لأن الوقف على رءوس الآي سنة؛ وذلك لمجيئه عن النبي ﵌ في الحديث السابق لأم سلمة ﵂ وهذا رأي أكثر أهل الأداء ومعهم الإمام المحقق ابن الجزري٣.
المذهب الثاني: يرى أصحابه أنه يحسن الوقف عليه ويحسن الابتداء بما بعده إذا كن ما بعده مفيدًا لمعنى وإلا فلا يحسن الابتداء به كقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ، فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ ٤ فإن "تتفكرون" رأس آية، ولكن لا يفيد ما بعده معنى، ومن أجل هذا فلا يحسن الابتداء بما بعده بل يستحب العَوْد إلى ما قبله٥.
المذهب الثالث: يرى أصحابه أنه يحسن الوقف عليه ولا يحسن الابتداء بما بعده مطلقًا وأن رءوس الآي وغيرها عندهم في حكم واحد، وهذا ما ذهب إليه أرباب
стр. 286
الوقوف كالسجاوندي وصاحب الخلاصة وغيرهما١.
الصورة الثانية: أن يكون الوقف على رأس الآية يوهم معنى غير المراد مثل الوقف على قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ٢، وقد اختلف العلماء فيه على ثلاثة مذاهب.
المذهب الأول: يرى أصحابه أنه لا يجوز الوقف عليه بل يجب وصله؛ لأن المصلين اسم ممدوح لا يليق به الويل، وإنما خرج من جملة الممدوحين بنعته المتصل به وهو قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ ٣ فالوقف عليه لا يجوز إلا في حالة الاضطرار فقط، ومن أصحاب هذا المذهب الإمام المحقق ابن الجزري وصاحب نهاية القول المفيد، إذ يعتبران الوقف عليه من الوقف القبيح٤.
المذهب الثاني: يرى أصحابه جواز الوقف على ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ والابتداء بما بعده بشرط أن يكون القارئ مستمرًّا في قراءته ولم يقطعها وينصرف عنها لأنهم يعتبرون الوقف على رءوس الآي سنة، ولم ينظروا إلى إيهام ما يترتب على الوقف٥ من فساد المعنى.
المذهب الثالث: يرى أصحابه جواز الوقف على ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ولا يجيزون الابتداء بما بعده، بمعنى أن القارئ يقف باعتباره رأس آية؛ ليأخذ نَفَسَهُ ثم يعود فيصِلُه بما بعده ٦.
والذي أرتضيه من هذه المذاهب هو المذهب الأول الذي اختاره الإمام ابن الجزري ومن تَبِعَهُ؛ لأن الأولى بالقارئ أن لا يقف على كلام يوهِم غير ما أراده
стр. 287
الله تعالى طالما استطاع ذلك.
تتمةٌ: قد يكون الوقف حسنًا والابتداء بما بعده قبيحًا وذلك نحو قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ﴾ ١ فالوقف عليه حسن ولكن الابتداء بما بعده وهو قوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ قبيح لفساد المعنى إذ يصبح تحذيرًا من الإيمان بالله.
وقد يكون الوقف حسنًا على تقدير، وكافيًا على آخر، وتامًّا على غيرهما نحو قوله تعالى: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِين﴾ ٢ أول البقرة فيجوز أن يكون حسنا إذا جعل ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ نعتًا للمتقين، وأن يكون كافيًا إذا جعل ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ خبرا لمبتدأ محذوف تقريره: هم الذين، أو مفعولا لفعل محذوف تقديره: أعني الذين، وأن يكون تامًّا إذا جعل مبتدأ خبره ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ . اهـ. من النَّشْر بتصرف.
القسم الرابع: الوقف القبيح
تعريفُهُ: هو الوقف على كلام لم يتم في ذاته، ولم يؤدِ معنىً صحيحًا؛ لشدة تعلقه بما بعده لفظًا ومعنىً.
وسمي قبيحًا؛ لقبح الوقف عليه لعدم تمامه، فلا يجوز للقارئ أن يعتمد الوقف عليه إلا لضرورة مُلِحَّة.
أنواعُهُ: الوقف القبيح نوعان:
النوع الأول: هو الوقف على كلام لم يفهم منه معنى؛ لشدة تعلُّقِه بما بعده لفظًا ومعنىً كالوقف على "بسم" من: ﴿بِسْمِ اللهِ﴾ ٣ والوقف على "الحمد" من ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ٤ فالوقف على مثل ذلك قبيح؛ لأنه لم يعلم إلى أي
стр. 288
شيء أضيف، ولا يجوز إلا عند الضرورة -كما سبق- وبعد أن تزول الضرورة يبتدئ بالكلمة التي وقف عليها إن صلح الابتداء بها وإلا فبما قبلها كما أشار إلى ذلك الإمام ابن الجزري بقوله:
وغير ما تمَّ قبيح وله ... يُوقَفُ مضطرًا وَيُبْدا قبله
النوع الثاني: الوقف على كلام يُوهِمُ معنىً غير إرادة الله تعالى كالوقف على قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي﴾ ١ وعلى قوله سبحانه: ﴿وَمَا مِنْ إِلَه﴾ ٢، وعلى قوله جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك﴾ ٣، وعلى قوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ ٤، وعلى قوله: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ﴾ ٥ فالوقف على هذا وأمثاله أقبح وأشنع؛ لما فيه من فساد المعنى، ومن قَصَدَهُ يأثم بل ربما يُفْضي قصده هذا إلى الكفر والعياذ بالله، فإذا وقف عليه مضطرًّا -كما سبق- لَزِمَه أن يرجع حتى يصله بما بعده؛ لتكتمل المقاطع وتتضح المعاني، ويظهر حسن التلاوة وجمالها.
وإلى هنا ينتهي الكلام على الوقف بأنواعه، ثم نبدأ في الكلام على الابتداء.
стр. 289
الابتداء:
تعريفُ الابتداءِ:
الابتداء هو الشروع في القراءة سواء كان بعد قَطْعٍ وانْصِرافٍ عنها أو بعد وقف، فإذا كان بعد قطع فلا بد فيه من مراعاة أحكام الاستعاذة والبسملة وقد سبق توضيح ذلك.
وأما إذا كان بعد وقف، فلا حاجة إلى ملاحظة ذلك؛ لأن الوقف إنما هو للاستراحة وأخذ النَّفَس فقط.
وقال الإمام ابن الجزري: الابتداء لا يكون إلا اختياريًّا؛ لأنه ليس كالوقف تدعو
стр. 290
إليه ضرورة، فلا يجوز إلا بكلام مستقل في المعنى موفٍّ بالمقصود ١، والابتداء نوعان:
١- ابتداء حسن، ٢- ابتداء قبيح.
الأول: يجوز الابتداء به. الثاني: لا يجوز الابتداء به.
فالنوع الأول: الابتداء بكلام مستقل في المعنى بحيث لا يُغَيِّر ما أراده الله تعالى، وأمثلته واضحة جَلِيَّة لا تحتاج إلى بيان.
والنوع الثاني: هو الابتداء بكلام يفسد المعنى أو يُحِيلُه ويُغَيِّرُه، وهذا يتفاوت في القبح، فإذا ابتدأت بكلمة متعلقة بما قبلها لفظًا ومعنى نحو قوله تعالى: ﴿أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ ٢ فهو ابتداء قبيح؛ لأنه يجعل المعنى مبتورًا ولا بد من الابتداء بما قبله.
أما إذا ابتدأت بكلمة تغير معنى ما أراده الله تعالى مثل: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ٣ وقوله: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ ٤، وقوله: ﴿وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ ٥ وقوله: ﴿لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ٦ فهو أشد قبحًا، وكل هذا ونحوه جَلِيٌّ في القبح يجب على القارئ أن يتجنبه ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
ويُشْبِه الوقف: السَّكْت والقَطْع. وفيما يلي بيان كل منهما.
стр. 291
السكت والقطع:
تعريفُ السَّكْتِ:
السكت لغة: المنع. يقال: سَكَتَ الرجل عن الكلام أي امتنع عنه١.
واصطلاحًا: قَطْعُ الصوت على الكلمة القرآنية زمنًا يسيرًا من غير تنفس مقداره حركتان، وهو مقيد بالسماع والنقل كما قال الإمام ابن الجزري فلا يجوز إلا فيما صحَّت الرواية به٢.
стр. 292
وقد رُوي السَّكْت وجوبًا عن حفص في أربعة مواضع بمعنى إذا وصل الكلمة بما بعدها فليس له إلا السَّكت، وفيما يلي بيان هذه المواضع:
أولا: السكت على ألف: "عوجًا" من قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، قَيِّمًا﴾ بالكهف١.
ثانيًا: السَّكْت على ألف: "مرقدنا" من قوله سبحانه: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا﴾ بـ"يس"٢.
ثالثًا: السَّكْت على نون: "من" من قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ بالقيامة٣.
رابعًا: السَّكت على لام: "بل" من قوله عَزَّ مِنْ قائل: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ بالمطففين٤ وعلامة السكت في المصحف وضع "س" على الكلمة المطلوب السكت عليها كما ترى في الأمثلة.
وقد أشار الإمام الشاطبي إلى هذه المواضع بقوله:
وسكتة حفص دون قطع لطيفة ... على ألف التنوين في عوجا بَلا
وفي نون من راق ومرقدنا ولا ... م بل ران والباقون لا سكت موصلا
كما روي السكت عن حفص جوازًا في موضعين:
أولا: السَّكت بين سورتي الأنفال وبراءة، وهو أحد أوجه ثلاثة سبق الكلام عليها وهي القطع والسكت والوصل.
ثانيًا: السكت على الهاء في "ماليه" من قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ ٥ بالحاقة فيجوز لحفص السكت وعدمه في حالة الوصل، والسكت هو المقدَّم في الأداء.
стр. 293
تعريفُ القَطْعِ:
القطع لغة: هو الإبانة والإزالة. تقول قطعت الشجرة إذا ابنتها وأزلتها١.
واصطلاحًا: قطع القراءة رأسًا والانصراف عنها إلى أمر خارجي لا علاقة له بها، فإذا عاد إليها مرة ثانية استحب له أن يستعيذ.
ولا يكون قطع القراءة إلا في أواخر السور أو على رءوس الآي على الأقل؛ لأن رءوس الآي في نفسها مقاطع٢، وقد ذكر الإمام ابن الجزري في النشر بسند متصل إلى عبد الله بن أبي الهذيل قال: كانوا يكرهون أن يقرءوا الآية ويَدَعُوا بعضها. وعبد الله بن أبي الهذيل تابعي كبير، وقوله: كانوا، يدل على أن الصحابة كانوا يكرهون ذلك والله تعالى أعلم٣ اهـ. منه بلفظه.
стр. 294
علاماتُ الوقفِ المشهورة:
لقد جعل العلماء لأقسام الوقف رموزًا وعلامات في المصاحف يعرف بها حتى يسهل على القارئ لكتاب الله تعالى أن يقرأه على الوجه الذي يرضيه وفيما يلي بيان هذه العلامات التي استقروا عليها أخيرًا في طبع المصاحف.
"مـ" علامة الوقف اللازم، وقد سبق أن قلنا: إن وصله يوهم غير المراد كما سبق مثاله.
стр. 295
يلي من الأبيات:
الوقف تام حيث لا تعلقا ... فيه وكاف حيث معنى علقا
قف وابتدئ وحيث لفظا فحسن ... فقف ولا تبدأ وفي الآي يُسن
وحيث لم يتم فالقبيح قف ... ضرورة وابدأ بما قبل عرف
ولم يجب وقف ولم يحرم عدا ... ما يقتضي من سبب إن قصدا
والقطع كالوقف وفي الآيات جا ... واسكت على مرقدنا وعوجا
بالكهف مع بل ران من راق ومر ... خلف بماليه ففي الخمس انحصر
стр. 296
أسئلة:
١- عرِّف الوقف لغة واصطلاحًا، ثم بَيِّنْ حكمه.
٢- اذكر أقسام الوقف في ذاته، مع تعريف كل قسم وبيان سبب تسميته بذلك وحكمه.
٣- إلى كم قسم ينقسم الوقف الاختياري؟
٤- عرِّف الوقف التام، واذكر أنواعه وحكم كل نوع، مع التمثيل.
٥- عرِّف الوقف الكافي، اذكر حكمه وبَيِّن لِمَ سُمِّي كافيًا؟ ومَثِّلْ له بمثال.
٦- ما هو الوقف الحسن؟ ولم سمي حسنًا؟ وما أنواعه؟ وحكم كل نوع بالتفصيل؟
٧- وضِّحْ حقيقة التعلُّق اللفظي والتعلق المعنوي.
٨- ما هو الوقف القبيح؟ ولِمَ سمِّي قبيحًا؟
٩- اذكر أنواع الوقف القبيح وحكم كل نوع، مع التمثيل.
١٠- عرِّف الابتداء واذكر أنواعه وحكم كل نوع.
١١- عرِّف السكت لغة واصطلاحًا، ثم اذكر السكتات الواجبة، والسكتات الجائزة عند حفص.
стр. 297
المقطوع والموصول وحكم الوقف عليهما
تمهيد
...
الْمَقْطُوعُ الْمَوصُولُ وحكمُ الوقفِ عليهما:
تمهيدٌ:
المقطوع: هو كل كلمة مفصولة عما بعدها في رسم المصاحف العثمانية.
والموصول: هو كل كلمة متصلة بما بعدها رسمًا في تلك المصاحف.
والمقطوع هو الأصل والموصول فرع عنه؛ لأن الشأن في كل كلمة أن ترسم مفصولة عن غيرها، والكلمات الموصولة ليست كذلك لاتصالها رسمًا وانفصالها لغة في بعض الأحوال١.
والقطع والوصل من خصائص الرسم العثماني الذي أوجب علماء الأداء على القارئ معرفته واتباعه؛ ليقف على كل كلمة من كلمات القرآن الكريم حسب رسمها في المصاحف العثمانية، إلا ما استثنى من هذه القاعدة.
فإن كانت الكلمة مفصولة عن غيرها جاز الوقف عليها في مقام التعليم أو الاختبار أو حالة الاضطرار، وإذا كانت موصولة بما بعدها لم يَجُزْ الوقف عليها بل على الثانية منهما، وإن كان مختلف في قطعهما ووصلهما جاز الوقف على الأولى منهما نظرًا إلى قطعهما، ولم يجز إلا على الثانية نظرًا إلى وصلهما.
وعلى هذا فليعلم أنه لا يجوز تعمد الوقف على شيء من الكلمات المفصولة لقبحه٢؛ ولأنها ليست محل وقف في العادة، وإنما جواز الوقف يكون مرتبطًا بمقام التعليم أو الاختبار أو في حالة الاضطرار كما ذكر من قبل.
стр. 298
هذا والمراد مما سنذكره من قولنا: هذا مقطوع وهذا موصول، أن المقطوع لا بد فيه من ثبوت الحرف الأخير رسمًا في الكلمة المقطوعة إن كان مدغمًا فيما بعده مثل: "أَنْ" مفتوحة الهمزة مخففة النون مع "لا" في قوله تعالى: ﴿أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ ١ فهي وإن كانت النون مدغمة في اللام لفظًا فهي مفصولة خطًّا.
والمراد بالموصول: هو حذف الحرف الأخير من الكلمة الموصولة رسمًا إن كان مدغمًا فيما بعده مثل: "إِنْ" مكسورة الهمزة مخففة النون مع "لا" في مثل قوله تعالى: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ ٢ فقد رسمت من غير نون، وهكذا الشأن في كل ما شابه ذلك، فليعلم حتى لا نضطر إلى التنبيه عليه في كل موضع.
والكلام على المقطوع والموصول يشتمل على أنواع ثلاثة:
الأول: الكلمات التي اتفقت المصاحف العثمانية على قطعها في كل موضع.
الثاني: الكلمات التي اتفقت المصاحف على وصلها أيضًا في كل موضع.
الثالث: الكلمات التي وقع فيها اختلاف فبعضها مقطوع باتفاق، وبعضها موصول باتفاق، وبعضها مختلف فيه بين المصاحف فَرُسم في بعضها مقطوعًا، ورسم في بعضها موصولا.
وفيما يلي الكلام بالتفصيل عن كل نوع من الأنواع الثلاثة:
стр. 299
النوع الأول: الكلمات التي اتفقت المصاحف على قطعها في كل موضع
وهي تنحصر في ست كلمات بيانها كالآتي:
الكلمة الأولى: "أَنْ" مفتوحة الهمزة مخففة النون مع "لم" فهي مقطوعة باتفاق المصاحف، حيث وقعت في القرآن نحو: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾ ١ بالأنعام، ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْس﴾ ٢ بيونس،
стр. 300
﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ ١ بالبلد وغير ذلك من المواضع.
الكلمة الثانية: "عن" مع "من" الموصولة فهي مقطوعة باتفاق المصاحف وذلك في موضعين:
١- قول تعالى: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ ٢ بالنور.
٢- قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ ٣ بالنجم، وليس في القرآن غيرهما.
الكلمة الثالثة: "حيث" مع "ما" فهي مقطوعة باتفاق المصاحف وذلك في موضعين:
١- قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ٤ الموضع الأول بسورة البقرة.
٢- قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ﴾ ٥ الموضع الثاني بها أيضًا، وليس في القرآن غيرهما.
الكلمة الرابعة: "أَيًّا" مع "ما" فهي مقطوعة باتفاق المصاحف، ولا توجد إلا في موضع واحد هو قوله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٦ بالإسراء، وفيها خلاف: هل الوقف على "أيَّا" أم على "ما" والمشهور أنه يجوز الوقف على "أيًّا" أو على "ما" في حالة الاضطرار أو الاختبار كما اختاره الإمام ابن الجزري في النَّشْر٧، ولكن يتعين البدء بأَيَّا، وإلى ذلك يشير صاحب لآلئ البيان بقوله:
.................................. ... كوقف أَيًّا مَا بأيا أو بما
الكلمة الخامسة: "ابن" مع "أم" فقد أجمعت المصاحف على قطع كلمة: "ابن" عن "أم" من قوله تعالى: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾ ٨
стр. 301
بالأعراف، وعلى هذا يجوز الوقف الاضطراري أو الاختباري على كل من "ابن" أو "أم"، ولكن يتعين الابتداء بكلمة "ابن" دون "أم" جوازًا.
الكلمة السادسة: "إِلْ" مع "ياسين" من قوله تعالى: ﴿سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ ١ بالصافات، فقد قرأ حفص ومن وافقه بكسر الهمزة من غير مدٍّ مع سكون اللام فهي حينئذ كلمة واحدة وإن انفصلت رسمًا فلا يجوز قطع إحداها عن الأخرى، كما لا يجوز اتباع الرسم فيها وقفًا إجماعًا، ولم يقع لهذه الكلمة نظير في القرآن٢.
وأما من قرأها "ءَالِ" بفتح الهمزة وكسر اللام وألف بينهما وفصلها عما بعدها فيجوز قطعها وقفًا؛ لأجل الاضطرار أو الاختبار، والمراد بها حينئذ ولد ياسين وأصحابه٣.
وإلى هذه الأحكام يشير صاحب لآلئ البيان بقوله:
وجاء إل ياسين بانفصال ... وصح وقف من تلاها آل
стр. 302
النوع الثاني: الكلمات التي اتفقت المصاحف على وصلها في كل موضع
وهي تنحصر في اثنتين وعشرين كلمة بيانها كالآتي:
الكلمة الأولى: "إنْ" الشرطية مع "لا" النافية فهي موصولة باتفاق المصاحف نحو قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ﴾ ١ بالأنفال، ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ ٢ بالتوبة، ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٣ بهود، وقد سبق أن قلنا بأن معنى وصلها هو إدغام النون في اللام
стр. 303
نطقًا ورسمًا.
الكلمة الثانية: "أم" مع "ما" فقد اتفقت المصاحف على وصلها نحو: ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ١ بموضعي الأنعام، ﴿أَمَّا يُشْرِكُون﴾ ٢ بالنمل، ﴿أَمَّاذَا كُنتُم تَعْمَلُونَ﴾ ٣ بها أيضًا، وليس منها أما الشرطية في نحو: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ ٤ بالضحى فهي موصولة أيضًا باتفاق٥ المصاحف.
الكلمة الثالثة: "نِعْم" مع "ما" فقد اتفقت المصاحف على وصلها في قوله تعالى: ﴿فَنِعِمَّا هِي﴾ ٦ بالبقرة، ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ ٧ بالنساء ولا ثالث لهما في القرآن.
الكلمة الرابعة: "كأنَّ" المشددة مع "ما" فقد اتفقت المصاحف على وصلها في جميع القرآن نحو قوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ ٨ بالأنعام، ﴿فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ ٩ بالحج.
الكلمة الخامسة: "أي" مع "ما" فقد اتفقت المصاحف على وصلها في قوله تعالى: ﴿أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ ١٠ بالقصص، وهي شرطية١١ وجوابها: ﴿فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ .
الكلمة السادسة: "مهما" فقد اتفقت المصاحف على وصلها في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ﴾ ١٢ بالأعراف.
стр. 304
وفيها للنُّحَاة أقوال ثلاثة: الأول: أنها بسيطة غير مركبة، واختاره ابن هشام. الثاني: أنها مركبة من "مه" وما الشرطية.
الثالث: أنها مركبة من ما الشرطية وما الزائدة وأبدلت ألف الأولى هاء١.
الكلمة السابعة: "رب" مع "ما" فقد اتفقت المصاحف على وصلها في قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٢ بالحجر ولا ثاني لها في القرآن.
الكلمة الثامنة: "مِنْ" الجارة مع "مَنْ" الموصولة، فقد اتفقت المصاحف على وصلها حيث وقعت في القرآن وذلك نحو: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ ٣ بالبقرة، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ ٤ بفصلت.
الكلمة التاسعة: "مِنْ" الجارة مع "ما" الاستفهامية محذوفة الألف فقد اتفقت المصاحف على وصلها في قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ٥ بالطارق وليس في القرآن غير هذا الموضع.
الكلمة العاشرة: "في" مع "ما" الاستفهامية محذوفة الألف، فقد اتفقت المصاحف على وصلها حيث وقعت في القرآن نحو: ﴿قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ﴾ ٦ بالنساء، ونحو ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ ٧ بالنازعات، وليعلم أنه إذا جُرَّت ما الاستفهامية حذفت ألفها رسمًا ولفظًا فرقًا بين الاستفهام والخبر٨.
الكلمة الحادية عشرة: "عن" مع "ما" الاستفهامية محذوفة الألف، فقد اتفقت المصاحف على وصلها وذلك في موضع واحد هو قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ٩ أول النبأ.
стр. 305
الكلمة الثانية عشرة: "وي" مع "كأن" في قوله تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ ١ بالقصص.
الكلمة الثالثة عشرة: "وي" مع "كأنه" بزيادة الهاء عن الكلمة السابقة وهي في نفس الآية السابقة من قوله تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ٢.
وحفص ممن يقف على النون في الكلمة الأولى وعلى الهاء في الكلمة الثانية وهذا هو الأولى والمختار في مذاهب الجميع اقتداء بالجمهور، وأخذًا بالقياس الصحيح كما قاله في النشر٣.
الكلمة الرابعة عشرة: "إلْياس" فقد اتفقت المصاحف على وصلها حيث وقعت نحو قوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ٤ بالأنعام، ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٥ بالصافات.
الكلمة الخامسة عشرة: "يبنؤم" من قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي﴾ ٦ بطه فقد اتفقت المصاحف على وصلها وجعلها كلمة واحدة، والأصل فيها أنها ثلاث كلمات "يا"، "ابن"، "أم" فحذفت ألف "يا" وكذا ألف همزة الوصل ووصلتا بأُمَّ وصورت همزتها على الواو فصارت كلمة واحدة وعلى هذا لا يجوز الوقف إلا على نهايتها.
الكلمة السادسة عشرة: "يوم" مع "إذ" فقد اتفقت المصاحف على وصلها حيث وقعت نحو قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ ٧ بالقيامة، وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ ٨، وقوله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ ٩ الموضعين
стр. 306
بالغاشية، فهي كلمة واحدة لا يحوز الوقف إلا على نهايتها.
الكلمة السابعة عشرة: "حين" مع "إذ" في قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ ١ بالواقعة فقد اتفقت المصاحف على وصلها أيضًا وجعلها كلمة واحدة مثل: يومئذ، لا يجوز الوقف إلا على نهايتها.
الكلمة الثامنة عشرة، والتاسعة عشرة: "كالوهم"، "وزنوهم" بالمطففين في قوله تعالى ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ ٢ ولم يوجد سواهما في القرآن، وقد كتبت الكلمتان في جميع المصاحف موصولتين حكما بدليل حذف الألف بعد واو الجماعة فيهما فدل ذلك على أن الواو غير منفصلة فتكون موصولة، وقد اختلف في كون ضمير "هم" مرفوعًا منفصلا أم منصوبًا متصلا، والصحيح أنه منصوب لاتصاله رسمًا بدليل حذف الألف إذ لو كان ضمير رفع لفصل بالألف٣ كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [بالشورى: آية ٣٧] ، وهو مخالف لما ذكر؛ لأن "غضبوا" كلمة، و"هم" ضمير فصل مرفوع على الابتداء، وجملة "يغفرون" خبره بدليل ثبوت الألف بعد الواو، ومن أجل هذا يصح الوقف عليها عند الضرورة أو الاختبار، ولكن لا يصح الابتداء بقوله: ﴿هُمْ يَغْفِرُون﴾ لما فيه من الفصل بين الشرط وجوابه بل يتعين الابتداء بقوله: ﴿إِذَا﴾ .
الكلمة العشرون: "أل" التعريفية مطلقًا اتفقت المصاحف كلها على وصلها بما بعدها فكأنها لكثرة دورانها نزلت منزلة الجزء من مدخولها فوصلت٤ نحو قوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ ٥ الرحمن.
الكلمة الحادية والعشرون: "ها" التي تعرف بهاء التنبيه في قوله تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ ٦ بآل عمران وغيرها فالهاء فيهما دالة على التنبيه وقد اتفقت
стр. 307
المصاحف على وصلها بما بعدها ولا يجوز الوقف عليها مطلقًا؛ لأنها لشدة امتزاجها بما بعدها صارت كأنها كلمة واحدة، ولا يجوز الوقف على بعض الكلمة.
الكلمة الثانية والعشرون: "يا" التي للنداء وهي كثيرة في القرآن نحو: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ ١ بآل عمران، نحو ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ ٢ بالتحريم فقد اتفقت المصاحف على وصلها؛ لأنها لما حذفت أَلِفُها بقيت على حرف واحد فاتصلت٣.
стр. 308
النوع الثالث: الكلمات التي وقع فيها اختلاف المصاحف
...
النوع الثالث: الكلمات التي وقع فيها اختلاف بين المصاحف
وقد جاء على ضربين أحدهما غير متعدد المواضع، والآخر متعدد المواضع وإليك بيانهما:
الضرب الأول: وقد جاء في كلمة واحدة في موضع واحد ليس له ثانٍ في القرآن وهي:
"لات" مع "حين" في قوله تعالى: ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ ١ بسورة ص، فقد اختلفت فيها المصاحف: فرسمت في بعضها بقطع التاء عن كلمة "حين" ورسمت في البعض الآخر بالوصل، والصحيح هو قطعها عنها وأن "لات" كلمة مستقلة و"حين" كلمة أخرى، وعليه فتكون "لا" نافية دخلت عليها تاء التأنيث كما دخلت على "رب" و"ثم" فيقال: "ربت" و "ثمت" فتكون التاء متصلة بلا حُكْمًا٢، وعلى هذا يصح الوقف على التاء عند الاضطرار أو في مقام التعليم أو الاختبار، ولكن لا يصح الوقف عليها اختيارًا والبدء بكلمة "حين"، بل يجب الابتداء بكلمة: "ولات".
وقيل: إن التاء موصولة بكلمة "حين" وترسم هكذا: "ولا تحين" وهو غير
стр. 309
مشهور ولا شك أن شهرة الفصل صحيحة اعتبارًا بما عليه أكثر المصاحف وهو المعمول به١.
الضرب الثاني: وهو متعدد المواضع، وينحصر في سبع عشرة كلمة جاءت على ثلاث صور.
الصورة الأولى: جاءت في كلمة واحدة وقعت في أربعة مواضع وهي: "أَنْ" مفتوحة الهمزة مخففة النون مع "لو" وهي على قسمين:
القسم الأول: اتفقت المصاحف على قطعه وذلك في ثلاثة مواضع:
١- قوله تعالى: ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ ٢ بالأعراف،
٢- قوله تعالى: ﴿أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ ٣ بالرعد،
٣- قوله تعالى: ﴿أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾ ٤ بسبأ.
القسم الثاني: اختلفت المصاحف في قطعه ووصله وذلك في الموضع الرابع وهو قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ ٥ بالجن، ولقد ذكرت أكثر كتب التجويد أن العمل في هذا الموضع على القطع، ولكن بنظرة فاحصة إلى أغلب المصاحف التي بين أيدينا ومنها مصحف الأزهر، ومصحف المدينة النبوية وُجِدَ أن العمل على الوصل وهذا هو ما اختاره أبو داود سليمان بن نجاح في التنزيل.
الصورة الثانية: جاءت في سبع كلمات متعددة المواضع٦ وفيما يل بيانها بالتفصيل:
الكلمة الأولى: "إنْ" مكسورة الهمزة مخففة النون مع "ما" وجاءت على قسمين:
стр. 310
القسم الأول: اتفقت المصاحف على قطعه وذلك في موضع واحد هو قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ ١ بالرعد.
القسم الثاني: اتفقت المصاحف على وصله وذلك فيما عدا الموضع السابق نحو قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾ ٢ بالأنفال، وقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ ٣ بها أيضا وقوله تعالى: ﴿نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ ٤ بيونس، وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي﴾ ٥ بمريم وغير ذلك كثير.
الكلمة الثانية: "عن" مع "ما" الموصولة وجاءت على قسمين:
القسم الأول: اتفقت المصاحف على قطعه وذلك في موضع واحد هو قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ﴾ ٦ بالأعراف.
القسم الثاني: اتفقت المصاحف على وصله وذلك فيما عدا الموضع السابق نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ﴾ ٧ بالمائدة، وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٨ بالقصص، وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ٩ بالصافات، وكل ما شابه ذلك.
الكلمة الثالثة: "يوم" مع "هم" وهي على قسمين:
القسم الأول: أن يكون "هم" ضمير منفصل في محل رفع، وقد اتفقت المصاحف على قطعه أي قطع "يوم" عن "هم" وذلك في موضعين:
١- قوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾ ١٠ بغافر،
٢- قوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ ١١ بالذاريات وإنما فصلت "يوم" عن "هم" في الموضعين
стр. 311
السَّابِقَينِ؛ لأن يوم ليس بمضاف إلى ضمير وإنما هو مضاف إلى الجملة، يعني يوم فتنتهم، يوم بروزهم فالضمير في موضع رفع على الابتداء وما بعده الخبر١.
القسم الثاني: أن يكون "هم" ضمير متصل في محل جر، وقد اتفقت المصاحف على وصله وذلك نحو قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ بالزخرف٢، والمعارج٣، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ ٤ بالطور.
وإنما وصل "يوم" بـ "هم" فيما تقدم؛ لأن "هم" ضمير متصل مضاف إلى "يوم" فأصبحا كالكلمة الواحدة.
أما إذا كان "يومهم" مكسور الميم والهاء كما في قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ٥ بآخر الذاريات فهو موصول أيضًا باتفاق المصاحف.
الكلمة الرابعة: "كي" مع "لا" النافية وهي على قسمين:
القسم الأول: اتفقت المصاحف على قطع "كي" عن "لا" في ثلاثة مواضع:
١- قوله تعالى: ﴿لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ ٦ بالنحل،
٢- وقوله تعالى: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ ٧ الموضع الأول بالأحزاب،
٣- قوله تعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ ٨ بالحشر.
القسم الثاني: اتفقت المصاحف على وصله وذلك في أربعة مواضع:
١- قوله تعالى: ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ ٩ بآل عمران،
٢- قوله تعالى: ﴿لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ ١٠ بالحج،
٣- قوله تعالى: ﴿لِكَيْلا يَكُونَ
стр. 312
عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ ١ الموضع الثاني بالأحزاب،
٤- قوله تعالى: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ ٢ بالحديد.
الكلمة الخامسة: "أمْ" مع "مَنْ" الاستفهامية وهي على قسمين:
القسم الأول: اتفقت المصاحف على قطع "أم" عن "من" في أربعة مواضع:
١- قوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ ٣ بالنساء.
٢- قوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾ ٤ بالتوبة.
٣- قوله تعالى: ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ ٥ بالصافات.
٤- قوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٦ بفصلت.
القسم الثاني: اتفقت المصاحف على وصله وذلك في غير المواضع الأربعة السابقة نحو قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ لا يَهِدِّي﴾ ٧ بيونس، وقوله سبحانه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ ٨ بالنمل، وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ﴾ ٩ بالملك، وغير ذلك كثير.
الكلمة السادسة: "لام الجر" مع مجرورها وهي على قسمين:
القسم الأول: اتفقت المصاحف على قطع "اللام" عن مجرورها في أربعة مواضع:
١- قوله تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ﴾ ١٠ بالنساء،
٢- قوله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ ١١ بالكهف،
٣- قوله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾ ١٢ بالفرقان،
٤- قوله تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ
стр. 313
مُهْطِعِينَ﴾ ١ بالمعارج، وحينئذ يجوز الوقف على "ما" أو على "اللام" في حالة الاضطرار أو في مقام الاختبار كما أشار صاحب لآلئ البيان بقوله:
......... وقطع مال في النسا ... وسال والفرقان والكهف رسا
ووقفه بما أو اللام اعلما ... ......................
ولكن لا يجوز الابتداء باللام ولا بما بعد اللام في هذه المواضع بل يتعين الابتداء بما٢.
القسم الثاني: اتفقت المصاحف على وصله وذلك في غير المواضع الأربعة السابقة نحو قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ٣ بالصافات، وقوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾ ٤ بغافر، وقوله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ ٥ بالليل.
الكلمة السابعة: "إنْ" المكسورة الهمزة المخففة النون مع "لم" وهي على قسمين:
القسم الأول: اتفقت المصاحف على وصل "إن" بـ "لم" في موضع واحد فقط هو قوله تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ ٦ بهود.
القسم الثاني: اتفقت المصاحف على قطع "إن" عن "لم" في غير الموضع السابق حيث جاء في القرآن الكريم وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ ٧ بالبقرة، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ﴾ ٨ بالمائدة وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا﴾ ٩ بالأعراف، وقوله تعالى: ﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ ١٠ بالكهف وكل ما شابه ذلك.
стр. 314
الصورة الثالثة: وقد جاءت في تسع كلمات متعددة المواضع أيضًا، وهذه الصورة تختلف عن الصورتين السابقتين حيث إن كل كلمة من الكلمات التسع تأتي على ثلاثة أقسام: أحدها متفق على قطعه، والآخر متفق على وصله، والثالث مختلف فيه بين المصاحف، وفيما يلي بيان ذلك بالتفصيل:
الكلمة الأولى: "إنَّ" المكسورة الهمزة مشددة النون مع "ما" الموصولة، وهي على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: اتفقت المصاحف على قطع "إنَّ" عن "ما" في موضع واحد هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ ١ بالأنعام.
القسم الثاني: اختلفت فيه المصاحف فرسم في بعضها مقطوعًا ورسم في بعضها موصولا وذلك في موضع واحد هو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ٢ بالنحل، والوصل فيه أشهر وأقوى٣ وهو الذي عليه العمل.
القسم الثالث: اتفقت المصاحف على وصله وهو فيما عدا الموضعين المذكورين في القسمين السابقين نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٤ بالنساء، وقوله تعالى: ﴿إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إَخْوَة﴾ ٥ بالحجرات، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِق﴾ ٦ بالذاريات، وغير ذلك كثير.
الكلمة الثانية: "مِنْ" الجارة مع "ما" الموصولة وهي على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: اتفقت المصاحف على قطع "من" عن "ما" في موضع واحد هو قوله تعالى: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ٧ بالنساء.
القسم الثاني: اختلف فيه المصاحف فرسم في بعضها مقطوعًا ورسم في بعضها
стр. 315
موصولا وذلك في موضعين: أولهما: قوله تعالى: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ١ بالروم ثانيهما: قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ٢ بالمنافقون، والعمل فيهما على قطع٣، وإلى ما ذكر يشير صاحب لآلئ البيان بقوله:
وفي النسا من ما بقطعه وصف ... وفي المنافقون والرُّوم اختلف
القسم الثالث: اتفقت المصاحف على وصله وذلك فيما عدا المواضع الثلاثة المذكورة في القسمين السابقين نحو قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ٤
اول البقرة، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ ٥ بالبقرة أيضًا، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ٦ بالنور، وكل ما شابه ذلك.
تنبيهٌ: اتفقت المصاحف على قطع "مِنْ" الجارة الداخلة على الاسم الظاهر الذي وقعت فيه "ما" جزءًا منه نحو قوله تعالى: ﴿مِنْ مَالٍ وَبَنِين﴾ ٧ بالمؤمنون،
وقوله تعالى: ﴿مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ ٨ بالنور وقوله تعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ ٩ بالطارق، وكل ما شابه ذلك، وإلى هذا يشير صاحب مورد الظمآن لكي يرفع التوهم بأنها في مثل ذلك مقطوعة لا موصولة١٠ حيث يقول:
وقطع من مع ظاهر ...
الكلمة الثالثة: "كل" مع "ما" وهي على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: اتفقت المصاحف على قطع "كل" عن "ما" في موضع واحد
стр. 316
هو قوله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ ١ بإبراهيم.
القسم الثاني: اختلفت فيه المصاحف فرسم في بعضها بالقطع ورسم في بعضها بالوصل وذلك في أربعة مواضع هي:
أولها: قوله تعالى: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ ٢ بالنساء، ثانيها: قوله جل وعلا: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ ٣ بالأعراف، ثالثها: قوله سبحانه: ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا﴾ ٤ بالمؤمنون، رابعها: قوله : ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ ٥ بالْمُلك. ولكن العمل على القطع في موضعي النساء والمؤمنون، وعلى الوصل في موضعي الأعراف والملك٦.
القسم الثالث: اتفقت المصاحف على وصله وذلك في غير المواضع الخمسة المذكورة في القسمين السابقين وذلك نحو قوله تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ ٧ بالبقرة، وقوله سبحانه: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ ٨ بآل عمران، وقوله : ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ ٩ بالمائدة وغير ذلك.
الكلمة الرابعة: "في" مع "ما" الموصولة، وهذه الكلمة اختلف فيها العلماء على خمسة مذاهب:
المذهب الأول: وهو للإمام ابن الجزري، وهي فيه على قسمين:
القسم الأول: القطع بلا خلاف في المواضع الأحد عشر الآتية:
١- قوله تعالى: ﴿فِي مَا فَعَلْن﴾ الثاني بالبقرة١٠.
٢، ٣- قوله سبحانه: ﴿فِي مَا آتَاكُمْ﴾ بالمائدة١١ والأنعام١٢.
стр. 317
٤- قوله تعالى: ﴿فِي مَا أُوحِيَ﴾ بالأنعام١ أيضًا.
٥- قوله سبحانه: ﴿فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ﴾ بالأنبياء٢.
٦- قوله جل وعلا: ﴿فِي مَا أَفَضْتُمْ﴾ بالنور٣.
٧- قوله : ﴿فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ بالشعراء٤.
٨- قوله سبحانه: ﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ بالروم٥.
٩- قوله تعالى: ﴿فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ بالزمر٦.
١٠- قوله تعالى: ﴿فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ٧ بالزمر أيضًا.
١١- قوله سبحانه: ﴿فِي مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ بالواقعة٨.
القسم الثاني: الوصل بلا خلاف وذلك فيما عدا هذه المواضع الأحد عشر نحو قوله تعالى: ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ٩ بالبقرة، وقوله سبحانه: ﴿فِيمَا فَعَلْنَ﴾ ١٠ الموضع الأول بالبقرة، وقوله جل وعلا: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١١ بالأنفال، وكل ما شابه ذلك، وهذا المذهب هو الذي عليه العمل١٢ ويؤخذ من كلام الإمام ابن الجزري في المقدمة الجزرية حيث قال:
............... في ما اقطعا ... أوحي أفضتم اشتهت يبلو معًا
ثاني فعلن وقعت روم كلا ... تنزيل شعراء وغير ذي صلا
المذهب الثاني: وهو للإمام ابن الجزري أيضًا حيث استثنى العشرة مواضع عدا موضع الشعراء، وذكر فيها الخلاف وصرح به في النَّشْر ثم قال: والأكثرون على فصلها، وما عدا الأحد عشر موضعًا فموصول اتفاقًا كالمذهب السابق.
стр. 318
المذهب الثالث: وهو للإمام أبي داود سليمان بن نجاح، وهي عنده على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: القطع بلا خلاف في موضعي الأنبياء والشعراء.
القسم الثاني: القطع بالخلاف في التسعة الباقية.
القسم الثالث: الوصل بلا خلاف فيما عدا الأحد عشر موضعًا.
المذهب الرابع: وهو للإمام أبي عمرو الدَّاني وهي عنده على قسمين:
القسم الأول: القطع بالخلاف في الأحد عشر موضعًا.
القسم الثاني: الوصل بلا خلاف فيما عدا ذلك.
المذهب الخامس: وهو للإمام الشاطبي وهي عنده على قسمين:
القسم الأول: القطع بلا خلاف في موضع الشعراء.
القسم الثاني: الوصل بلا خلاف فيما عداه.
وقد أشار صاحب مورد الظمآن إلى بعض هذه الخلافات فقال:
............................... ... وخلف مقنع بكل مستطر
وخلف تنزيل بغير الشعرا ... والأنبيا واقطعهما إذ كثرا
الكلمة الخامسة: "أنَّ" المفتوحة الهمزة المشددة النون مع "ما" الموصولة وهي على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: اتفقت المصاحف على قطع "أنَّ" عن "ما" في موضعين هما:
١- قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ ١ بالحج.
٢- قوله سبحانه: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ ٢ بلقمان.
стр. 319
القسم الثاني: اختلفت المصاحف فيه فرسم في بعضها موصولا، وفي بعضها مقطوعًا وذلك في موضع واحد هو قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ١ بالأنفال والأرجح فيه الوصل٢ وهو الذي عليه العمل.
القسم الثالث: اتفقت المصاحف على وصله، وذلك فيما عدا المواضع الثلاثة المذكورة في القسمين السابقين نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ٣ بالتغابن وكل ما شابه ذلك.
الكلمة السادسة: "أنْ" مفتوحة الهمزة ساكنة النون مع "لا" النافية وهي على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: اتفقت المصاحف على قطع "أن" عن "لا" في عشرة مواضع وإليك بيانها:
١- قوله تعالى: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ ٤ بالأعراف.
٢- قوله جل شأنه: ﴿أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ ٥ بها أيضًا.
٣- قوله سبحانه: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ ٦ بالتوبة.
٤- قوله : ﴿وَأَنْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٧ بهود.
٥- قوله جل وعل: ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ ٨ بهود أيضًا.
٦- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ ٩ بالحج.
٧- قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ ١٠ يس.
стр. 320
٨- قوله : ﴿وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ ١ بالدُّخَان.
٩- قوله تعالى: ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ ٢ بالممتحنة.
١٠- قوله جل وعلا: ﴿أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ ٣ بالقلم.
القسم الثاني: اختلفت فيه المصاحف فرسم في أكثرها مقطوعًا وفي بعضها موصولا، وذلك في موضع واحد هو قوله تعالى: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ﴾ ٤ بالأنبياء، والمختار فيه القطع وعليه العمل٥.
القسم الثالث: اتفقت المصاحف على وصله وذلك في غير المواضع الأحد عشر المذكورة في القسمين السابقين نحو قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ ٦ بهود، وقوله تعالى: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ ٧ بطه، وقوله سبحانه: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ ٨ بفصلت، وقوله : ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٩ بالحديد، وغير ذلك كثير في القرآن.
الكلمة السابعة: "أنْ" مفتوحة الهمزة ساكنة النون مع "لن" وهي على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: اتفقت المصاحف على وصل "أن" بـ"لَنْ" وذلك في موضعين:
١- قوله تعالى: ﴿أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ ١٠ بالكهف.
٢- قوله سبحانه: ﴿أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ ١١ بالقيامة.