الاحتمال الثاني:
أن يكون بعض المخلوقات أوجد بعضها الآخر، وهذا أيضًا مناقض لبدهيات العقل، لأن الكلام السابق الذي بطل به الاحتمال الأول ينطبق على الجزء الذي أسند إليه الخلق، فقبل خلقه كان عدمًا، والعدم لا يوجد شيئًا، فيبطل هذا الاحتمال أيضًا. ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ .
الاحتمال الثالث:
وهو أن يكون غير المخلوقات، قد أوجد المخلوقات، وبالتالي يتصف هذا الخالق بصفات تضاد صفات المخلوقات. فالمخلوقات وجدت بعد أن لم تكن موجودة، أما الخالق فواجب الوجود لذاته. والمخلوقات لها بداية ونهاية، أما الخالق فهو الأول ليس قبله شيء وهو الآخر ليس بعده شيء. والمخلوقات تعتورها الحوادث والحركة والسكون والزيادة والنقص، وتستمد وجودها واستمرارها من غيرها.
أما الخالق فهو المنزه عن الحوادث ﴿الْحَيُّ الْقَيُّوم﴾ ويستمد الكون منه وجوده وحركته ونظامه، ويكون مسخرًا لأمره وتدبيره.
وهذا الاحتمال هو الذين يقبله العقل السليم، والنتيجة التي لا يجد المنطق السديد مناصًا من الرضوخ لها والتسليم بها.
﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
ثانيًا- دليل التمانع ١:
إن المتدبر لأحوال المخلوقات من الذرة إلى المجرة يجد ذاك النظام المطرد الذي يحفظ للكون بقاءه واستمراره وأداءه الدور الوظيفي الذي سخر من أجله.
стр. 142
إن هذا النظام المطرد في الكون يدل على أن الإرادة المتحكمة فيه المتصرفة في شئونه إرادة واحدة لا تقبل التعدد ولو افترض وجود إرادة ثانية تتصرف في شئون الكون لأدى ذلك إلى الاحتمالات التالية:
الاحتمال الأول:
عند تعارض الإرادتين في شأن الخلق أو عدمه، أو وضع نظام محدد على حالة معينة فأي الإرادتين تنفذ؟!
فإما أن تنفذ الإرادتان وهو مستحيل لأنه يؤدي إلى الجمع بين النقيضين وهو محال عقلًا.
الاحتمال الثاني:
أن تتعطل الإرادتان جميعًا فلا تنفذان، وهذا عجز ينزه مقام الألوهية عنه لأن مقتضى كلمة "الإله" التصرف المطلق في شأن المخلوقات الذي لا راد لقضائه الذي يقول للشيء كن فيكون.
الاحتمال الثالث:
أن تنفذ إحدى الإرادتين وتهمل الأخرى، فالإرادة النافذة هي الحق والثانية المعطلة هي الباطل، ويكون صاحبها إلهًا مزيفًا فالنتيجة الفعلية أنه لا بد أن يكون الإله واحدًا فردًا صمدًا ليس له مثيل ولا شبيه ولا ند ولا شريك وإلى هذا النوع من الاستدلال أشارت الآية الكريمة:
﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ، لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠-٢٣] .
يقول الشيخ ابن عاشور في تفسيره "التحرير والتنوير":
"والفساد: هو اختلال النظام وانتفاء النفع من الأشياء ففساد السماء والأرض هو أن تصيرا غير صالحتين ولا منتسقتي النظام بأن يبطل الانتفاع بما فيهما.
فمن صلاح السماء نظام كواكبها، وانضباط مواقيت طلوعها وغروبها، ونظام النور والظلمة، ومن صلاح الأرض مهدها للسير، وإنباتها الشجر والزرع، واشتمالها
стр. 143
على المرعى والحجارة والمعادن والأخشاب، وفساد كل من ذلك ببطلان نظامه الصالح.
ووجه انتظام هذا الاستدلال أنه لو تعددت الآلهة للزم أن يكون كل إله متصفًا بصفات الإلهية المعروفة آثارها، وهي الإرادة المطلقة والقدرة التامة على التصرف.
ثم إن التعدد يقتضي اختلاف متعلقات الإرادات والقدر، لأن الآلهة لو استوت في تعليقات إراداتها ذلك لكان تعدد الآلهة عبثًا للاستغناء بواحد منهم"١.
ولو كان مع الله آلهة أخرى لحاول بعضهم أن يتصرف في الكون حسب إراداته وعندئذ يشهد الكون حروبًا مروعة مدمرة، ويكون ميدانًا لصراع رهيب بين الآلهة المتنازعة.
فإذا كان مصير الكرة الأرضية بات في خطر من جراء تنازع القوى المدمرة من صنع البشر، فكيف الحال عندما تكون القوى المتنازعة بيدها أزمة الأمور في عالم الغيب والشهادة.
إن فكرة تعدد الآلهة لا يقرها عقل يحترم نفسه، ولا يؤيدها الواقع المنظم الذي يؤدي دوره المفيد حسب سنن مضطردة.
إن دوام السماوات والأرض على انتظامهما في مخلتف العصور والأحوال يدل على أن لها إلهًا واحدًا غير متعدد. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: ١-٣] .
ثالثًا: دليل الفرض والتسليم:
وهذا النوع من الاستدلال يقوم على التسليم بدعوى الخصم تسليمًا جدليًا، -ولو كانت دعوه مستحيلة- ثم يستدل على إبطال الدعوى بالنتائج الخاطئة المتناقضة التي تترتب على هذه الدعوى، يقول تعالى:
стр. 144
وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ، عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١-٩٢] .
فالحقيقة أن لا إله مع الله، ولم يتخذ الله ولدًا، ولكننا لو سلمنا جدلًا بهذا الافتراض الخاطئ فما هي النتائج التي تترتب على ذلك: يترتب على ذلك استعلاء بعضهم على بعض، فلا ينتظم أمر الكون ولا ينفذ فيه حكم ولا تتحقق مصلحة، وبالتالي في ذلك اختلال نظام المخلوقات واستحالة استمراره.
والواقع المشاهد خلاف ذلك، فدل هذا الواقع على أن تعدد الآلهة محال لما يلزم عليه من المحال. كما أن افتراض وجود آلهة متعددة يؤدي إلى استعلاء بعضهم على بعض، ومنع كل منهم غيره من التدخل في شئونه وهو محال مصادم لما تستلزمه صفات الكمال المطلق للإله المعبود بحق.
﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٢-٤٤] .
ملحوظة: الفرق بين دليل التمانع في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ وبين دليل الفرض والتسليم في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ .
أن الأول: يستلزم اختلال أحوال المخلوقات السماوية والأرضية وهو ما تبطله المشاهدة.
أما الثاني: فيستلزم النقص في ذات الإله وهو محال لأن الإلهية تقتضي الكمال المطلق١.
стр. 145
خامسًا: أدلة التوحيد من خلال إثبات صفات الكمال لله وتنزيهه عن صفات النقص
إن الكمالات كلها ثابتة لله وبما أن أنواع الكمالات لا يمكن أن يدركها البشر، فقد بينها الله في كتابه العزيز من خلال ذكر الصفات الجليلة، لذا كانت هذه الصفات توقيفية لا يستطيع الإنسان أن يضع له صفة من عنده لأنها قد تكون صفة نقص من حيث يريد الإنسان تقديس الله ، وذلك لأن الإنسان المحدود العقل المتأثر بما حوله من مفاهيم، وتصورات وخيالات، لا يستطيع أن يحيط علمًا بصفات الكمال للخالق غير المحدود : "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" ١. ويقول ابن القيم في "مدارج السالكين": حمد الله نفسه على عدم اتخاذ الولد المتضمن لكمال حمديته وغناه وملكه، وتعبيد كل شيء له، فاتخاذ الولد ينافي ذلك، كما قال تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٦٨] .
وحمد نفسه على عدم الشريك المتضمن تفرده بالربوبية والإلهية وتوحده بصفات الكمال التي لا يوصف بها غيره فيكون شريكًا له، لو عدمها لكان كل وجود أكمل منه لأن الموجود أكمل من المعدوم، ولهذا لا يحمد نفسه سبحانه بعدم إلا إذا كان متضمنًا ثبوت كمال.
стр. 146
كما حمد نفسه بكونه لا يموت، لتضمنه كمال حياته، وحمد نفسه بكونه لا تأخذه سنة ولا نوم لتضمن ذلك كمال قيوميته وحمد نفسه بأنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، لكمال علمه وإحاطته. وحمد نفسه بأنه لا يظلم أحدًا لكمال عدله وإحسانه، وحمد نفسه بأنه لا تدركه الأبصار لكمال عظمته يُرى ولا يدرك، كما أنه يعلم ولا يحاط به علمًا، فمجرد نفي الرؤية ليس بكمال لأن العدم لا يُرى، فليس في كون الشيء لا يرى كمال البتة. وإنما الكمال في كونه لا يحاط به رؤية ولا إدراكًا لعظمته في نفسه وتعالى عن إدراك المخلوق له، وكذلك حمد نفسه بعدم الغفلة والنسيان لكمال علمه، فكل سلب في القرآن حمد الله به نفسه فلمضادة ثبوت ضده ولتضمنه ثبوت ضده"١.
ويما يلي ذكر لبعض الصفات التي وصف الله بها نفسه في كتابه، وبيان بعض الصفات التي تنزه العلي الكبير عنها:
فمن الأدلة التي ساقها القرآن الكريم للاستدلال على وحدانية الله :
إثبات صفات الكمال المطلق للمعبود بحق وتنزيهه عن صفات النقص:
ثمة صفات إذا اتصف بها شيء حكمنا عليه بصفات المخلوقين، فمثلًا: الافتقار:
الافتقار في وجوده إلى غيره والاستمرار في حياته إلى من يقوم عليه لرعاية شئونه.
إن هذا الافتقار والحاجة من صفات المخلوقين، يتنزه الخالق عنها فهو الذي لا يفتقر في وجوده إلى غيره بل هو واجب الوجود الغني عما سواه لذا وصف بأنه الإله الحي لأنه لا يفتقر في حياته إلى غيره وكل ما سواه مفتقر إليه، وإلى قيوميته عليها. ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ .
стр. 147
الحي: الواجب الوجود لا يحتاج في حياته إلى سواه.
القيوم: القائم برعاية مصالح مخلوقاته فهي مفتقرة إليه وهو غني عنها.
فنفي الألوهية عن غيرة وأثبتها لذاته وعلل ذلك بـ"الحي القيوم".
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ، إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر: ١٥-١٦] .
الفقراء إلى الله في إيجادكم.
الفقراء إلى الله في حياتكم واستمرارها.
الفقراء إلى الله في رزقكم وطعامكم شرابًا وهواء.
وتنكشف جوانب الفقر وتتسع مجالاتها وأنواعها كلما ارتقى الإنسان فكرًا وتوسعت آفاق المعرفة لديه وتقدمت وسائل المدنية والتطور.
فالمتبادر إلى الذهن عند العامة عن كلمة الفقر "قلة المادة والممتلكات التي ينتفع بها" وقد يفهم بعض الناس أن الفقر يشمل أيضًا الحاجة إلى تعاون الناس في اختصاصاتهم لسد حاجات المجتمع المختلفة، إذ لا يستطيع الإنسان بمفرده أن يسد مختلف حاجاته، إلا أن هنالك أنواعًا من الفقر لا يدركها غير أهل الاختصاص، فهناك حاجات منظورة وحاجات غير منظورة يفتقر إليها الناس بل الكون كله:
فهناك الحاجة والافتقار إلى حفظ التوازن بين الأجرام السماوية.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١] .
وكذلك الحاجة والافتقار إلى التوازن بين الأقوات المخزونة في الأرض، المستهلكة والنامية والتوازن بين كمية المياه من الأمطار والمياه الموجودة على سطح الأرض.
والتوازن بين أنواع الغازات الموجودة في الهواء والحفاظ على نسبتها المحدودة، بحيث تبقى ثابتة على الرغم من أن استهلاك أنواع منها لدى الإنسان
стр. 148
أكثر، واستهلاك النبات لنوع آخر أقوى وهكذا. فإن دلالات الفقر ومجالاته تتسع بتقدم المجالات العلمية.
وحاجة الإنسان وافتقاره إلى النفحات الروحية والهدايات الربانية لرعاية الجانب المعنوي فيه وإشباع أشواقه الروحية، عن طريق الرسالات التي تنير السبيل أمامه وتوجد التوازن بين متطلبات الجانب المادي ومتطلبات الروح.
إن الافتقار إلى كل ذلك كان في المخلوق فهو الفقير والله هو الغني الحميد.
ومن لطف الإشارات القرآنية في الرد على النصارى الذين قالوا بألوهية عيسى بن مريم وأمه قال ﵎: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥] .
إن مخلوقًا يفتقر في حياته إلى الطعام ليستمر في البقاء.
ثم يفتقر بعد تناوله الطعام إلى التخلص من فضلانه.
إن مثل هذه الصفات لا تليق بالألوهية، والإله منزه عن مثل هذه الصفات إن مثل هذا الافتقار من شأن المخلوق ويتنزه عنه الخالق جل وعلا.
٢- ومن الصفات التي ينزه الخالق عنها: الشريك، الند، الولد، الصاحبة:
إن من الصفات الراسخة لدى المخلوقين، والتي لا يستغني عنها في حياته "الزوجية".
فإن من الأمور المغروزة في ذات المخلوق الميل إلى القرين من جنسه، ويسعى إلى ذلك لأن هذا التزواج من الأمور الجبلية التي فطر عليها.
﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [النجم: ٤٥] .
﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩] .
وكذلك الميل إلى الجنس والشبيه والاستئناس به من خاصيات الكائن الحي.
стр. 149
ومن الأمور الجبلية لدى الإنسان الرغبة في الولد لأن في الولد إشباعًا لغرائز كامنة في النفس الإنسانية، إنها غريزة حب البقاء من ناحية، والتطلع إلى الكمال والفرار من النقص من ناحية أخرى، وسد الحاجة وتلافي النقص والدفاع عنه والافتخار به، كل هذا وراء الرغبة في الولد.
إلا أن مثل هذه الدوافع والرغبات والاحتياج يتنزه عنها الخالق لذا جاءت في آيات كثيرة اتصاف الله بغير ذلك.
يقول تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١] .
﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .
إن زعم الولد والصاحبة لله ونسبة ما لا يليق بكمال الله وجلاله إليه تقدست أسماؤه، تغيير لمعالم الحق الذي قامت عليه السماوات والأرض وإحلال للباطل والزيف مكان الحكمة والعدل، إن نسبه هذه الأمور إليه تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا نسبة الحاجة والنقص والافتقار والعجز إلى الكمال المطلق وهو هدم لنظام الكون الذي يقوم على الحق والعدل والميزان.
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا، تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا، أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا، وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا، إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا، لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا، وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٨-٩٥] .
٣- تنزيه الله عن العجز في التصرف في مخلوقاته وعن الجهل بأحوالهم والغفلة عن تدبير شئونهم ومصالحهم:
إن من صفات الكمال التي يجب اعتقادها في الخاق وتنزيهه عن ضدها: القدرة والعلم المحيط والقيومية على شئون العباد. حيث لا يليق
стр. 150
بشئون الإله وصفاته أن يعجز عن التصرف في مخلوقاته حسب إرادته وحكمته أو يمتنع عليه مخلوق من مخلوقاته، بل كل من في السماوات والأرض ملكه، خاضع لإرادته يقول للشيء كن فيكون.
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤] .
ومن صفات الكمال لله تعالى علمه المحيط بكل مخلوقاته، فإن الجهل نقص، والجهل بأحوال المخلوقات صغيرها وكبيرها قصور وإهمال. وكل ذلك محال على الله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ، يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ، وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ١-٣] ١.
٤- ومن صفات الكمال للخالق ﷻ "القيوم":
القائم بتدبير ما خلق، الحافظ لكل شيء والمعطي له ما به قوامه، فالله منزه عن اللهو والعبث والغفلة يقول تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ، لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٦، ١٧] .
وقد اشتملت آية الكرسي على جملة من صفات الكمال لله ، كما اشتملت على تنزيه الخالق سبحانه عن بعض الصفات التي تكون من شأن المخلوقين ثم بعد البيان الشافي في بيان ما ينبغي للمعبود الحق وما يتنزه عنه جاء قوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦] .
стр. 151
فإن الذي يتدبر في صفات الكمال التي وردت في آية الكرسي، ويمعن النظر في صفات النقص التي تنزع الله عنها يملك الميزان الدقيق ليعلم به شأن الألوهية، فمن توفرت هذه الصفات فيه فهو الإله الحق، ومن لم يتصف بتلك الصفات، أو وجدت فيه صفات النقص ثم دعا الناس إلى عبادته واتخذه الناس إلهًا فإنما هو طاغوت.
فبعد وضوح السبيل، وإقامة البرهان وظهور الحق لا داعي لإكراه الناس على الدخول في الدين، لأن العقول الرشيدة تصل إلى الحق على ضوء هذه البراهين من نفسها، ولا تحتاج إلى إكراه للدخول في دين الحق ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ .
وإثبات الكمالات المطلقة لله وتنزيهه عن صفات النقص، متضمنة في أسمائه التسعة والتسعين لذا من قرأها متدبرًا لمضامينها مؤمنًا بما أثبت الله لنفسه فيها من صفات الكمال، منزهًا لله ﷻ عن صفات النقص من خلالها كان ممن استحق الجنة، فقد جاء في الحديث: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "لله تسعة وتسعون اسمًا من حفظها دخل الجنة، وإن الله وتر يحب الوتر"، وفي رواية عند مسلم: "من أحصاها".
وفي رواية عند البخاري: "لله تسعة وتسعون اسمًا مائة إلا واحدًا لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة" ١.
стр. 152
الخاتمة:
إن القرآن الكريم كتاب التوحيد فقد تضمنت آياته الكريمة من أول سورة الفاتحة إلى خاتمة سورة الناس الدعوة إلى توحيد الله وتوجيه العباد إلى الإخلاص في عبادته وقد وجهت هذه الدعوة من خلال الاستدلال على التوحيد من الآفاق والأنفس، وبمختلف الأساليب والطرائق، والحجج والبراهين التي تدخل الطمأنينة إلى كل قلب ينبض بالحياة ويستهدف الحقيقة، وتقنع كل عقل استنار بنور الحق وتغلب على هوى النفس.
وقد رأينا نماذج من أبرز الأدلة القرآنية في المحاجة والاستدلال والشرح والبيان ولعل من أجمع الآيات التي سيقت للاستدلال على توحيد الله وتضمنت أنواع الأدلة آيات سورة النمل الخمس:
١- ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠] .
وهو دليل الخلق والإبداع من خلال الآفاق.
وجاءت فاصلة الآية الكريمة مقررة لمضمونها ومؤيدة لدليل الإبداع، لأن كل عاقل، مكلف يدرك أنه لم يخلق السماوات والأرض ولم ينزل المطر من السماء.
ورغم إقرارهم بهذه الحقيقة الواضحة يعدلون عن عبادة الله إلى عبادة آلهة مزيفة باطلة.
стр. 153
٢- ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١] .
وفي هذه الآية تقرير لدليل العناية، فهو الذي جعل الأرض بهذه الكيفية وثبتها بالجبال وأجرى فيها الأنهار وجعل بين البحرين حاجزًا. ولولا هذه العناية الربانية وهذا التقرير المحكم لما هيئت الأرض للحياة والاستقرار.
وجاءت الفاصلة القرآنية ملائمة أيضًا لدليل العناية، فإن إدراك سنن الله الكونية في المخلوقات ومنها الأرض وإدراك أنظمة جريان الأنهار ومعرفة دور الجبال في إرساء الأرض وحفظ توازنها، والبحث عن سر الحاجز بين البحرين لا يدركه إلا العلماء أهل الاختصاص فجاءت الفاصلة "بل أكثرهم لا يعلمون".
٣- ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٠] .
وهذا دليل الفطرة، فلا ملجأ ولا ملاذ للمخلوقات عند وقوع الضر بهم إلا التوجه إلى الواحد الأحد الفرد الصمد والفاصلة ملائمة ومؤكدة للدليل، فإن الالتجاء إلى الله عند الشدة أمر فطري راسخ في النفس البشرية، إلا أن الناس يغفلون عن ذلك في حالة السراء، فلا يحتاج الأمر إلا إلى تذكرهم، وإن لم تهيأ الظروف المذكرة لهم بذلك فإن الشدة تفرض عليهم الذكرى وتزيل الغشاوة عن الفطرة وصفائها فختمت الآية بـ ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ .
٤- ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣] .
وفي الآية إشارة إلى صفات الكمال التي اتصف بها المولى ﷻ وتقدست أسماؤه، وعلى رأس هذه الصفات صفة الرحمة والهداية إلى المصالح المادية والمعنوية.
وجاءت الفاصلة مؤكدة لمضمون الدليل، فهو المتفرد بصفات الكمال والمنزه عن صفات النقص: ﴿تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .
стр. 154
٥- ﴿أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤] .
وهذا ما أطلقنا عليه البراهين العقلية الإقناعية، لأن الدليل هنا يتعلق بأمر عقلي تجريدي، ويستخدم القياس والبدهيات العقلية، فمن آمن بأن الله بدأ الخلق وأوجده من العدم، يلزمه عقلًا وتفرض عليه البديهة أن يؤمن أنه قادر على الإعادة بل الإعادة أهون عليه، لذا ختمت الآية بفاصلة في منتهى الوضوح والدلالة ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ .
فإن أنكرتم النتيجة والبدهيات فهاتوا برهانكم على ما تزعمون.
إنها آيات الذكر الحكيم، أنزلها الذي يعلم السر في السماوات والأرض، على قلب رسوله ليكون للعالمين نذيرًا.
فيا عجبًا كيف يُعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد
стр. 155
مثال تطبيقي في تفسير سورة تفسيرًا موضوعيًّا: "القيم في ضوء سورة الكهف "
تمهيد:
إن كنوز القرآن ضخمة ومتنوعة وموضوعاته كثيرة متشعبة واسعة المساحة، تبدأ من الكون المحيط بأجزائه الصغيرة بدءًا من الذرة وانتهاء بالمجرات والأفلاك التي تدور فيها، والأنظمة الدقيقة والتناسق المحكم الذي يسود ذلك كله.
وتبدأ من داخل النفس الإنسانية، من خلجات القلب وخطرات النفس ووساوس الفكر غلى أسرار علم الغيب الذي استأثر الله به.
إن من يبدأ تلاوة القرآن الكريم بتدبر تثيره أشياء كثيرة وتلفت نظره وتستجيش مشاعره، وهي آثار حسنة للتلاوة المتدبرة، ولكنها في الغالب فهوم آنية ومشاعره وقتية ربما تنتهي بالفراغ من التلاوة. أما إذا بدأ تالي القرآن -الباحث عن أسراره- تلاوته بعد تحديد هدف معين يسعى للوصول إليه من خلال تلاوة السورة١ التي يقبل على تلاوتها فإنه ينظر بعين فاحصة إلى أنواع الروابط بين الهدف المحدد وبين مقاطع السورة، وسياق الآيات التي تتحدث عنه، بل وسيلحظ تلك الروابط من خلال الكلمات المختارة بعناية فائقة لإبراز المعاني التي تحملها العبارات التي تنساب إلى العقل والقلب، وسيشعر أن روحًا معينة تسري في كيانه، وأن أنوار القرآن تشع في جنباته لتنقله من حالة إلى حالة: يستلهم فيها المعاني من المفردات والألفاظ التي ينطق بها إلى إدراك الروح التي تنساب من خلال الآيات الكريمة.
إن معايشة القرآن الكريم بنية خالصة وبمنهج معين تعطي ثمارًا يانعة ونتائج
стр. 156
حافلة، كثيرًا ما يعجز القلم عن تدوين المشاعر والخلجات التي تنتاب القارئ، ويتحقق فيه قول الباري ﷻ :
﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] .
وبمقدار ما يكون الهدف الذي حدده الباحث للسورة أو الآيات التي يتدبرها هدفًا قرآنيًا جليًا، بمقدار ما يجد الترابط بين الأجزاء والآيات، وبمقدار ما يلاحظ أن كل المعاني تتوجه إلى إبراز هذا الهدف أو تعميقه في النفس والمشاعر، أو إلقاء الأضواء عليه بيانًا وكشفًا وتوضيحًا فمثلًا:
عندما نقول: إن الموضوع الأساسي في سورة فاطر: توحيد الألوهية من خلال الأدلة الكونية.
سيجد الباحث أن مقاطع السورة كلها تتجه لإبراز هذا المعنى من خلال الأسلوب البياني والكلمات المختارة في مجالات الكون، والإنسان والحيوان والنبات إبداعًا وعناية "أدلة الخلق والعناية".
وقل مثل ذلك في سورة الكهف وغيرها من سور القرآن الكريم وهذا ما سنحاوله بإذن الله تعالى في المباحث اللاحقة بعد التعريف بسورة الكهف.
стр. 157
بين يدي سورة الكهف:
اسمها وعدد آياتها:
تسمى سورة الكهف، وسورة أصحاب الكهف، وتأتي الروايات فيما بعد في ذلك.
وعدد آياتها مائة وعشر آيات عند الكوفيين.
ومائة وإحدى عشرة آية عند البصريين.
ومائة وست آيات عند الشاميين.
ومائة وخمس آيات عند الحجازيين١.
وذلك حسب ما ثبت لدى القراء في كل بلد عن طريق النقل في وقفات الرسول ﷺ .
стр. 158
خصائص سورة الكهف:
١- قال الإمام البخاري: حدثنا آدم بن أبي إياس حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد قال: سمعت ابن مسعود ﵁، قال في بني إسرائيل -أي الإسراء- والكهف ومريم: "إنهن من العتاق الأول وهن من تلادي"١.
стр. 159
قد غشيته، فذكر ذلك للنبي ﷺ : "اقرأ فلان ١ فإنها السكينة تنزل عند القرآن، أو تنزلت للقرآن" ٢.
٣- روى مسلم في صحيحه من حديث قتادة عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: "من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال".
وفي رواية أخرى لمسلم عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ : "من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال" ٣.
٤- وفي مسند الإمام أحمد من حديث سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نورًا من قدمه إلى رأسه، ومن قرأها كلها كانت له نورًا ما بين السماء والأرض" ٤.
٥- وأخرج الحاكم في مستدركه عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين الجمعتين" وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: صحيح٥.
٦- روى الحاكم في مستدركه عن أبي سعدي الخدري ﵁ قال:
стр. 160
قال رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة الكهف كما أنزلت كانت له نورًا يوم القيامة من مقامه إلى مكة ومن قرأ عشر آيات من آخرها ثم خرج الدجال لم يسلط عليه" وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي١.
٧- وفي المختارة للحافظ الضياء المقدسي عن علي مرفوعًا: "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كل فتنة وإن خرج الدجال عصم منه" ٢.
٨- انفردت سورة الكهف بأربع قصص لم تتكرر في سورة أخرى. وعلى الرغم من تكرار قصص موسى ﵇ في سور القرآن إلا أننا يمكن أن نعتبرها فريدة من حيث تناولها للجانب التعليمي وتتلمذ موسى ﵇ على الخضر ﵇، بينما القصص الأخرى تتناول جانب الرسالة والصراع مع فرعون وأتباعه، أو مواقف بني إسرائيل من دعوة موسى ﵇، ومثل هذا العدد من القصص الفريدة يمكن اعتبارها من خصائص سورة الكهف.
стр. 161
وقت نزولها وسببه:
سورة الكهف مكية في قول جميع المفسرين.
قيل: إن أول السورة نزل بالمدينة إلى قوله: ﴿جُرُزًا﴾ وهو ضعيف. وقيل: إنها مكية غير آيتين منها وهما قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَك ... ﴾ [الآيتان ٢٨ و٢٩] .
قيل إنهما نزلتا في المؤلفة قلوبهم: عيينة بن حصن والأقرع بن حابس عندما طلبوا من رسول الله ﷺ أن يخصم بمجلس يبتعدون فيه مع رسول الله صلى اله عليه وسلم عن فقراء المسلمين أمثال سلمان، وأبي ذر لئلا تؤذيهم روائح جباب الصوف التي يلبسونها.
وقد تكون الرواية صحيحة إلا أن جعلها سبب نزول آيتي الكهف فيه بعد، وكثيرًا ما يربط المفسرون بين روايات حدثت بالفعل وفيها معنى معين، فيربطونها بمعنى الآية المتضمنة للحكم ويجعلون الرواية سبب نزول الآية. وأمثلة ذلك كثيرة في كتب التفسير.
والراجح أن سورة الكهف مكية كلها، وأمر رسول الله ﷺ بصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي. وكذلك آيات سورة الأنعام:
﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ، وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الآيات من ٥٢-٥٤] .
فإنها نزلت عندما سأل بعض زعماء قريش رسول الله ﷺ أن يبعد عن مجلسه صهيبًا وبلالًا وعمارًا -من فقراء الصحابة؛ ليجلسوا إليه.
стр. 162
روى ابن حبان والحاكم عن سعد بن أبي وقاص قال: لقد نزلت هذه الآية في ستة: أنا وعبد الله بن مسعود وأربعة.
وجاء في رواية ابن مسعود تحديد الأربعة وهم: خباب بن الأرت وصهيب وبلال وعمار، قالوا لرسول الله ﷺ -أي كبار قريش-: اطردهم فإنا نستحيي أن نكون تبعًا لك كهؤلاء، فوقع في نفس النبي ﷺ ما شاء الله، فأنزل الله ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ ١.
وأورد السيوطي في "لباب النقول" قال: اخرج ابن مردويه من طريق جرير عن الضحاك عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ قال: نزلت في أمية بن خلف الجمحي، وذلك أنه دعا النبي ﷺ إلى أمر كرهه من طرد الفقراء عنه وتقريب صناديد أهل مكة فنزلت -أي قوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ .
هذه الروايات وغيرها تفيد أن سورة الكهف سورة مكية بجملتها، من غير استثناء آيات منها. كما أن الرواية الصحيحة التي تقدم ذكرها، وقد ذكر فيها عبد الله بن مسعود سورة الكهف وِأنها من العتاق الأول ومن تلاده -أي قديم ما نزل.
وكذلك ما نورده من روايات سبب النزول يدل على مكية السورة:
أخرج ابن جرير من طريق ابن إسحاق عن شيخ من أهل مصر عن عكرمة عن ابن عباس قال: بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود بالمدينة فقالوا لهم: سلوهم عن محمد وصفوا لهم صفته وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى أتيا المدينة فسألوا أحبار اليهود عن رسول الله ﷺ ، ووصفوا لهم أمره وبعض قوله، فقالوا لهم: سلوه عن ثلاث، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقول، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم؟ فإنه كان لهم
стр. 163
أمر عجيب، وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح ما هو؟
فأقبلا حتى قدما على قريش فقالا: قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد؟ فجاءوا رسول الله فسألوه فقال: "أخبركم غدًا بما سألتم عنه" -ولم يستثن- فانصرفوا، ومكث رسول الله ﷺ خمس عشرة ليلة، لا يحدث الله في ذلك إليه وحيًا، ولا يأتيه جبريل، حتى أرجف أهل مكة، وحتى أحزن رسول الله ﷺ مكث الوحي عنه، وشق ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبريل من الله بسورة أصحاب الكهف، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية، والرجل الطواف، وقول الله: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ الآية١.
وهذه الرواية وإن تكلم بعضهم في سندها وأن فيها رجلًا مجهولًا، فإن واقع السورة وما ورد فيها من صيغ الاستفسار منهم كقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ . كل ذلك يؤكد حادثة الاستفسار من رسول الله ﷺ عن الفتية وعن الرجل الطواف، وعن نسيان ذكر المشيئة.
وأورد السيوطي في لباب النقول: قال: أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: اجتمع عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو جهل بن هشام والنضر بن الحارث وأمة بن خلف والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وأبو البختري في نفر من قريش، وكان رسول الله ﷺ قد كبر عليه ما يرى من خلال قومه إياه وإنكارهم ما جاء من النصيحة، فأحزنه حزنًا شديدًا فأنزل الله تعالى:
﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ ٢.
стр. 164
أهداف سورة الكهف:
تقدم في قسم الدراسة المنهجية للتفسير الموضوعي الحديث عن محور السورة وأهدافها، وقلنا هناك إن الدخول إلى تفسير السورة بعد تحديد محورها أو أهدافها يلقي أضواء كاشفة على الروابط بين مقاطع السورة وموضوعاتها كما ذكرنا هناك أن السورة قد يكون لها هدف واحد أو أكثر تدور السورة حوله لإبرازه وتقريره في الأذهان، وقلنا إن بعض السور المتوسطة أو الطويلة قد تتضمن عدة أهداف وتشكل محاور متداخلة لكنها متعاضدة متساندة لا متعارضة متناقضة.
وسورة الكهف التي نحن بصدد تفسيرها تفسيرًا موضوعيًا، نرى من اللزام قبل البدء بالتفاصيل أن نحدد أهدافها لتلقي أمامنا أنوارًا كاشفة ونحن نبحث في ثناياها ومقاطعها ومنعطفاتها.
لما كانت سورة الكهف سورة مكية فإننا نجد الأهداف الأساسية في السور المكية مقررة تقريرًا واضحًا قيها:
- فالدعوة إلى توحيد الله .
- وبيان صدق رسول الله ﷺ في دعوته ووجوب الإيمان برسالته، وبيان أنه بشر يوحى إليه من ربه وأن مهمته البشارة والإنذار.
- وكذلك الدعوة إلى الإيمان باليوم الآخر، وذكر مشاهد القيامة، وعرض موقف الحساب والمناقشة والمخاصمة.
كل هذه الأسس والدعوة إليها تشغل جيزًا واضحًا من مقاطع السورة وتشكل محاور تدور أحداث السورة ومقاطعها حولها كما ذكرت بشكل مختصر وبإيجاز
стр. 165
شديد في افتتاحية السورة وخاتمتها وسنذكر بعض التفاصيل لكل ذلك عند الحديث عن كل مقطع بمفرده إلا أننا اخترنا هدفًا رابعًا غير الثلاثة المذكورة، وجعلناه عنوانًا للبحث في سورة الكهف للاعتبارات التالية:
١- أن سبب النزول كشف لنا، أن الدافع لقريش لإرسال وقد إلى يهود المدينة للتحقق من صدق محمد ﷺ ، هذا الدافع كان ضياع الميزان القيوم الذي يدركون به الحق من الباطل والصدق من الكذب والصحيح من الزيف.
وسبب فقدانهم لهذا الميزان انخداعهم بمظاهر كاذبة مخادعة من الحياة الدنيا وجعلها مقياس الحق والصدق والصحة.
لقد ظنوا -وساء ظنهم- أن الغنى ووفرة المال والرجال مقياس الأفضلية والسيادة والصلاح لاختيار الرسل وإنزال الوحي عليهم:
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ، وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ، أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٠-٣٢] .
وهذا الغبش في تصوراتهم دفعهم للمطالبة بطرد فقراء المسلمين من مجلس رسول الله ﷺ ، مما اقتضى أن ينزل القرآن الكريم لبيان حقائق الأشياء وإعطاء القيم الحقيقية لهذه المظاهر:
﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٧، ٨] .
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨] .
стр. 166
﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦] .
٢- وورد في صحيح مسلم: "من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال". وفي رواية أخرى عنده "من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال".
ورواية الإمام أحمد تنص على اكتساب المؤمن نورًا يضيء بين يديه عندما يقرأ سورة الكهف، ولو حاولنا البحث عن سر هذه العصمة وهذا النور الذي يكسبه المؤمن الحافظ أو القارئ لسورة الكهف، لوجدناه يكمن في هذه المبادئ وهذه الحقائق التي اختزلتها افتتاحية السورة وأكدتها الخاتمة وفصلتها المقاطع، فمن وعاها حق الوعي والتزم بها اعتقادًا ومنهج حياة فقد أمسك بالميزان الحق والنور المضيء الذي يفرق به بين الصحيح والسقيم وبالتالي يكون بمنأى عن زيف المخادعين المموهين ولا تؤثر فيه فتنة.
إن من يدرك حقيقة ما على الأرض، وأنه خلق ليكون وسيلة إلى غايات نبيلة، وهذه الغايات حددها الوحي المنزل بالكتاب على قلب رسول الله ﷺ ، وأن الوحي المنزل قد بين مصير المكذبين وأنه العذاب الشديد، وبين مصير المؤمنين بما جاء به الوحي وعملوا بموجبه وأنه الأجر الحسن والخلود الدائم في النعيم وقرر الوحي المنزل أن منهج التلقي ينبغي أن يكون مصدره ربانيًا وأن المناهج الأخرى مبنية على الجهل والكذب ومصيرها إلى النار والشقاء:
﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا، مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٤، ٥] .
إن من تكون هذه الحقائق ملء جوانحه ونصب عينيه وتكون بين يديه ويقيس بها حقائق المبادئ الواردة والأعمال المعروضة ومناهج الحياة المختلفة، لا شك أنه يكون على نور من ربه وعلى بصيرة من أمره، فيكون في عصمة من جميع الفتن وعلى رأسها فتنة المسيح الدجال.
стр. 167
يقول الإمام النووي: قيل سبب ذلك -أي العصمة من الدجال- ما في أولها من العجائب والآيات فمن تدبرها لم يفتتن بالدجال، وكذا في آخرها قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا﴾ الآيات١.
فسورة الكهف عرضت أهم الأمور التي تأتي الفتنة من قبلها ففي قصة أصحاب الكهف ذكرت فتنة السلطان، وفي قصة صاحب الجنتين عرضت فتنة المال والرجال، وفي قصة موسى والخضر ﵉ عرضت فتنة العلم -ولو بشكل خاص- وفي قضية ذي القرنين عرضت فتنة الأسباب -والعلم التجريبي التطبيقي- وفي كل ذلك عرضت السورة حقائق هذه الأمور في ضوء المبادئ التي ذكرتها الافتتاحية وقررتها الخاتمة.
وهذا ما دفعنا أن نختار هذا العنوان الدقيق للبحث في تفسير السورة الكريمة:
"القيم في ضوء سورة الكهف"
لقد ألقت السورة الكريمة أضواء كاشفة على كل أسباب الفتن، وأعطت المؤمن الميزان الحق لمعرفة الحقائق من الأباطيل، والصدق من الكذب والصحيح من الزيف.
ولا شك أن أول حقيقة عظمى يدركها المؤمن صدق رسول الله ﷺ في دعوته وثبوت رسالته، وزيف الدعوات المناقضة لها مهما موهت واقعها بالشعارات وزخارف القول.
стр. 168
المناسبات في سورة الكهف
أولا: المناسبة بين اسم السورة وموضوعاتها
...
المناسبات في سورة الكهف:
تقدم في قسم الدراسة المنهجية أن لمعرفة المناسبات بين اسم السورة وموضوعاتها وبين افتتاحية السورة وخاتمتها، وبين مقاطع السورة وهدفها، فوائد عظيمة لمعرفة الحكم والأسرار المكنوزة في ثنايا الآيات الكريمة.
وسنحاول أن نذكر وجوهًا من هذه المناسبات في كل نوع من الأنواع الثلاثة المتقدمة.
أولًا: المناسبة بين اسم السورة وموضوعاتها
لكي نستنبط وجه المناسبة بين اسم السورة وموضوعاتها، لا بد أن يكون اسم السورة توقيفيًا أي ثابتًا عن الرسول ﷺ : الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. وقد تقدم في الروايات أن السورة تسمى "سورة الكهف" وتسمى "سورة أصحاب الكهف" وفي التسمة الأولى النظر إلى المكان الذي تم اللجوء إليه لحمايتهم من الفتنة التي تعرض لها الفتية فلجئوا إلى مكان حصين عصمهم من الأعين وحفظ عليهم دينهم وعقائدهم.
فلو نظرنا إلى هذا الاسم وإلى موضوعات السورة، لوجدنا بين الاسم والموضوعات مناسبة لطيفة إن الموضوعات المعروضة في هذه السورة الكريمة من تدبرها ولجأ إليها كانت له كالكهف الحصين من الفتن جميعها، كما ذكر ذلك رسول الله ﷺ ، فإن كان الوضع الذي لجأ إليه الفتية كهفًا محسوسًا ملموسًا، فإن الكهف الذي يأوي إليه قارئ هذه السورة كهف معنوي من عناية الله وحفظه وستره فلا تؤثر فيه الفتن المعروضة ولو كانت مثل قطع الليل المظلم.
стр. 169
وإذا نظرنا إلى الاسم الآخر للسورة "سورة أصحاب الكهف" نلاحظ أن الأشخاص أصحاب العقيدة الحقة والموقف السديد هم الملاحظون في التسمية.
ولو نظرنا إلى هؤلاء الفتية:
﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً، وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف: ١٣، ١٤] .
نجدهم يمثلون موقف المتمسكين بالقيم الصحيحة الذين يملكون الميزان الرباني لقياس الأمور بها، الإيمان، الجرأة في الحق، المنطق السليم، الحجة المقنعة، التضرع إلى الله ، اتخاذ الأسباب الظاهرة في مقارعة الباطل.
يعقب كل ذلك العناية الربانية بهم وتسخير جزء من الكون لحمايتهم وحفظهم، ثم نصره دعوتهم -ولو بعد حين.
إن أصحاب الكهف أنموذج فريد للوقوف في وجه الباطل، وسيرتهم مثال لمن يبتلى ويفتتن في دينه، لذا كانت هذه التسمية أيضًا مناسبة للموضوعات في سورة الكهف حيث تمثل العنصر البشري المفتتن -والله أعلم بمراده وبأسرار كتابه.
стр. 170
ثانيًا: المناسبة بين افتتاحية السورة وخاتمتها
إن المناسبات بين افتتاحية سورة الكهف وخاتمتها كثيرة وواضحة، بل نكاد نقول إن الحقائق التي عرضت في افتتاحية السورة كررت ذاتها بأسلوب آخر في الخاتمة، وفيما يلي نذكر جملة من هذه المناسبات والروابط:
١- جاء في افتتاحية السورة توجيه الحمد المطلق لله، فهو المستحق لهذا الحمد المطلق وحده، وعلة ذلك أنه أنزل هذا الكتاب العظيم على محمد عبده ورسوله لإخراج الناس من الظلمات إلى النور. جاء ذكر هذا الحمد المطلق في أول آية في السورة في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ .
стр. 171
فهو ثناء على الله لأفعاله، وإرشاد للعباد للتوجه إليه بما يستحق من الذكر والشكر والعبادة.
وجاء في خاتمة السورة تخصيص الله بالعبادة والذكر والشكر وسائر الأعمال الصالحة، وذلك في قوله تعالى:
﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] .
فتكون السورة قد افتتحت بذكر الألوهية واختتمت بذكر الربوبية.
٢- الوحي المنزل من الله : جاء التعبير عنه في افتتاحية السورة بصيغة "أنزل، الكتاب".
وجاء التعبير عنه في خاتمة السورة بصيغة "كلمات ربي، يوحي إلي" والكتاب الذي أنزله الله على عبده ورسوله محمد ﷺ جزء من الكلمات التي لا تحصى:
﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] .
٣- ذكر حقيقة الرسول ﷺ وأنه من البشر ومن عباد الله لا يتميز عن سائر البشر بشيء في ظاهره وأسلوب معيشته وما يعتوره من الحوادث والأعراض، إلا أنه يمتاز عنهم بتلك الصلة بالملأ الأعلى عن طريق الوحي. جاء ذلك في افتتاحية السورة في قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَاب﴾ فالمنزل عليه عبد من عباد الله، إلا أن إنزال الكتاب عليه من ربه جعل له تلك الميزة، وقد جاءت لفتة التكريم والتشريف في إضافة العبد إلى الضمير العائد إلى لفظ الجلالة "عبده"، وفي تقديم الجار والمجرور "على عبده" على الكتاب المنزل، ففي هذا التقديم نوع من التكريم والتشريف.
وجاء ذكر حقيقة الرسول ﷺ وكونه من البشر لا يتميز عن غيره بشيء سوى
стр. 172
الوحي، جاء صريحًا في خاتمة السورة في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ .
٤- تحديد مهمة الرسول ﷺ : وهي ذات شقين: حمل البشارة للمؤمنين المتقين الملتزمين بالهدايات الربانية سلوكًا ومنهج حياة، وهذه البشارة هي الخلود في جنات النعيم.
- إنذار المكذبين بما جاء به رسول الله ﷺ ، المتخذين لله أندادًا وشركاء، بالمصير السيئ وهو جهنم وساءت منزلًا ومقيلًا.
جاء ذكر المهملة بشقيها في افتتاحية السورة في قوله تعالى:
﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا، مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: ٢، ٣] .
وفي قوله تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [الكهف: ٤] .
كما جاء بيان المهمة بشقيها في خاتمة السورة في قوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا، خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: ١٠٧، ١٠٨] ١.
وجار الإنذار في قوله تعالى:
﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٢] .
وفي قوله تعالى:
﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ [الكهف: ١٠٦] .
стр. 173
٥- مصدر التلقي للمعرفة: إن النتائج الصحيحة تترتيب على الأساليب الصحيحة والمنطلقات الصحيحة في التفكير والاستدلال والبرهان.
أما إذا كانت المنظلقات الفكرية خاطئة والأساليب ملتوية، فلا شك أن النتائج تكون باطلة.
لذا جاءت الإشارة إلى المنهج الصحيح في التلقي في افتتاحية السورة وأنه الوحي المنزل من الله على رسله:
﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا، قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١، ٢] .
كما جاءت الإشارة إلى المنهج الخاطئ في التلقي في قوله:
﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥] .
فالجهل، وتقليد الآباء على ضلالهم، ولجوءهم إلى الكذب كان منهج المعرفة عندهم فأدى أن يقولوا ما يستحيله العقل وترده الفطر السليمة وتكذبه الحقائق الملموسة وهو قولهم: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ حاشاه وسبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
وجاء التنبيه على المنهجين في خاتمة السورة أيضًا.
فقد ورد ذكر المنهج الصحيح من خلال الإشارة إلى كلمات الله والوحي بها إلى عبده ورسوله، ومضمون هذا الوحي:
﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] .
وجاء ذكر المنهج الخاطئ في تلقي المعرفة في خاتمة السورة في قوله تعالى:
﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا، أَفَحَسِبَ الَّذِينَ
стр. 174
كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا، قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صنْعًا﴾ ، [الكهف: ١٠١-١٠٤] .
إنهم عطلوا وسائل المعرفة، فأعينهم عليها غشاوة، وفي آذانهم وقر فلم يتدبروا آيات الله المبثوثة في الآفاق والأنفس ولم يقرءوا كتاب الله المفتوح لكل ذي بصر ألا وهو مخلوقات الله في هذا الكون الفسيح، وأدى بهم تفكيرهم القاصر إلى ربط الضر والنفع بما بين أيديهم من المخلوقات فاتخذوا العباد أولياء من دون الله، وهم بذلك يظنون -وخاب ظنهم- أنهم يحسنون صنعًا فزين لهم شركاؤهم تكذيب رسل الله والكفر بالبعث عبد الموت، فكانت جهنم لهم نزلًا.
٦- القيمة الحقيقية للحياة الدنيا وما يجري فيها: إن من المبادئ الراسخة في العقيدة الإسلامية أن الأرض وما عليها من الكائنات مصيرها الزوال، وأن هذه الحياة على هذا الكوكب حياة مؤقتة، وأن الحكمة من وجودها الابتلاء والاختيار، وأن هذه الحياة مزرعة الآخرة فما زرعه الإنسان في هذه الحياة سيحصد ثماره في الحياة الآخرة.
وأن المقصد من متع هذه الحياة جعلها وسيلة للحياة الباقية وأنها إن لم ترتبط بالقيم الصحيحة الباقية زلت واندثرت باندثار ما على الأرض وكانت وبالًا على أصحابها.
هذه الحقيقة عرضت عرضًا معجزًا في افتتاحية السورة وخاتمتها ففي الافتتاحية جاءت في قوله تعالى:
﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٧، ٨] .
وجاء ذكر مصير ما تعلقت به نفوس أهل الدنيا، وآثروه على كل شيء وجعلوه مقياس التفاضل والتعظيم واحتكموا إلى مقاييسه المادية كل ذلك لم يكن له وزن في ميزان الله يوم القيامة بل انهارت وذهبت أدراج الرياح:
стр. 175
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] ١.
يقول رسول الله ﷺ : " إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه" ٢. إن من قصر همه على دنياه وجعلها أكبر همه ومبلغ علمه فقد خسر الحياة الحقيقية:
﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤] .
هذه جملة من الحقائق التي وردت في الافتتاحية وفي الخاتمة٣ فمن التزم بها عقيدة ومنهج حياة كانت له نورًا يكشف له الطريق وميزانًا يفرق به بين الحق والباطل، ولعل هذا يكشف لنا جانبًا من سر قول رسول الله ﷺ : "من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال" وفي رواية: "من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال" والحكمة في ربط أول السورة بآخرها. أن من أدرك حقيقة الدنيا وزينتها، وأدرك المنهج الصحيح في تلقي المعرفة وعلم أن الباقيات الصالحات هي خير ثوابًا وخير أملًا من أدرك كل ذلك لم تفتنه الدنيا -بإذن الله- ولم يضره حطامها الزائل ويعلم أن ما عند الله خير وأبقى.
стр. 176
ثالثًا: المناسبة بين مقاطع السورة وهدفها
ذكرنا في السابق أهداف سورة الكهف واخترنا أحدها لنجعله محور البحث في تفسير السورة موضوعيًا، وقلنا: إن مقاطع السورة تدور حول الهدف لإبرازه وتقريره فما وجه الصلة بين مقاطع سورة الكهف وبين "القيم".
وذكرنا في تبرير اختيارنا لعنوان البحث "القيم في ضوء سورة الكهف" أن من أدرك الحقائق التي وردت في سورة الكهف ملك الميزان الذي يفرق به بين الصحيح والسقيم والحق والباطل، ولما كان موضوع إثبات صدق رسول الله ﷺ في دعوته من الأهداف الأساسية ومن المحاور التي تدور حولها السورة، فإن الميزان الذي تدلنا عليه سورة الكهف هو الفيصل الذي نتعرف به على صدق هذه الدعوة وعلى صدق الرسول الذي جاء بها.
إذا أدركنا ذلك وحددنا هذا الهدف، سهل علينا الربط بين مقاطع السورة كلها وبين الهدف الذي تبرزه السورة وتقرره.
تمثل القصص الأربع التي وردت في سورة الكهف مقاطعها الرئيسية إلى جانب الافتتاحية والخاتمة.
وتضمن فاتحة السورة وخاتمتها للقيم الصحيحة التي توزن بها الأمور تقدم الحديث عنه في بحث المناسبات بين الافتتاحية والخاتمة.
أما المقاطع الأربعة الأخرى وبالأحرى القصص الأربع في السورة فإنها وثيقة الصلة أيضًا بهدف السورة.
- فقصة أصحاب الكهف وكذلك قصة ذي القرنين واضحة الاتصال بهدف السورة لأن القصتين جاءتا إجابة للسؤال الموجه إلى رسول الله ﷺ ، كما ورد في سبب النزول.
- أما قصة صاحب الجنتين فاتصالها بالسؤال أيضًا من زاوية الاستنكار على
стр. 177
قريش في أصل التوجه بالسؤال. وفيما يلي تفصيل ذلك:
إن قريشًا لم تكن بحاجة إلى مثل هذا السؤال والاستفسار للتأكد من صدق محمد ﷺ ، فإن محمدًا قد عاش بينهم وليدًا وترعرع في ديارهم شابًا يافعًا ثم كهلًا، وهم أعرف الناس بشئونه كلها، وينبغي أن يكونوا المرجع العدل الذي يرجع إليه الناس في شأن محمد ﷺ ، وهذه الحقيقة برزت على ألسنة بعض زعمائهم في لحظات وعي وتعقل:
قال ابن هشام: قال ابن إسحاق: قال النضر بن الحارث فقال: يا معشر قريش إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد، قد كان محمد فيكم غلامًا حدثًا، أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثًا، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم به، قلتم: ساحر، لا والله ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم، وقلتم: كاهن، لا والله ما هو بكاهن، قد رأينا الكهنة وتخالجهم وسمعنا سجعهم، وقلتم: شاعر، لا والله ما هو بشاعر، قد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها: هزجه ورجزه، وقلتم: مجنون، لا والله ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون، فما هو بخنقه، ولا وسوسته، ولا تخليطه، يا معشر قريش فانظروا في شأنكم، فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم١.
كان هذا حديث أحد زعمائهم عن شخص محمد ﷺ ، وكان حدث آخر منهم عن القرآن الذي نزل على محمد ﷺ :
"والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه لمغدق أسفله وإنه لمثمر أعلاه، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه وإنه ليحطم ما تحته وما هو بقول بشر"٢.
كانت تلك شهادة حق من الوليد بن المغيرة في لحظة صدق مع نفسه.
فعلى الرغم من إدراك القوم صدق رسول الله ﷺ وصدق دعوته كانوا يحاولون طمس نور الحق بأي وسيلة يتمكنون منها، وكانوا يصرون على موقفهم المعادي
стр. 178
ويحاولون تبريره بأي حجة كانت، مهما كانت واهية متناقضة مع مداركهم وقناعاتهم الذاتية، والسبب الدافع لهم إلى كل ذلك هو اختلال موازين القيم عندهم، فقد أعماهم الجاه وحب المال أن ينظروا إلى القيم إلا من خلالها، وهذه القيم الزائفة هي التي حملتهم على طلب إبعاد فقراء المسلمين وضعفائهم من مجلس رسول الله ﷺ لكيلا يراهم الناس يجالسون الأرقاء المستضعفين فيعيروهم بذلك.
إن مثل هؤلاء في طمس نور الفطرة في نفوسهم، واستيلاء سكرة المال والجاه على بصائرهم كمثل صاحب الجنتين الذي أعماه الغرور بالمال والجاه وكثرة النشب والأولاد فكفر بربه الذي خلقه من تراب ثم من نطفة ثم سواه رجلًا.
فالقصة وثيقة الصلة بموقف قريش الذين أرسلوا إلى اليهود في المدينة ليسألوهم عن شأن محمد ودعوته، ولو كانوا ذوي حكمة وتعقل وفطر سليمة لما تصرفوا مثل هذا التصرف الكاشف عن سفاهة وحقد، فعندهم من أمارات صدق محمد ﷺ في سيرته وإطلاعهم على رجاحة عقله، وطهارة ذيله واستقامة سلوكه ونبل أخلاقه وعظيم أمانته ما يغنيهم عن الترحال والاستفسار.
بالإضافة إلى ملكتهم البيانية في إدراك فصاحة الكلم وبلاغته فهم أمراء البيان ومنهم خطباء المحافل وشعراء المواسم، فبإمكانهم أن يدركوا حقيقة القرآن وأنه ليس من قول البشر.
- أما قصة موسى والخضر ﵉، فلها صلة وثيقة بالهدف أيضًا، فهو توبيخ وتأنيب لليهود الذين يشكلون الطرف الثاني في اختبار صدق محمد ﷺ .
لقد لقنت اليهود وفد قريش أسئلة تاريخية وعلمية لاختبار صدق محمد ﷺ فيما جاء من دعوة الحق.
والأسئلة التعجيزية لا تكون الوسيلة المثلى دائمًا للتعرف على الحقيقة. كان الأليق باليهود -وهم أهل الكتاب الأول، ولديهم من الهدايات والوحي المنزل- أن يتدبروا حياة النبي ﷺ ، بعد سؤال الوفد عن دقائق حياته وشأنه -كما فعل
стр. 179
قيصر الروم عندما سأل أبا سفيان عنه-١، وكان عليهم أن يتدبروا ما جاء به محمد ﷺ من الهدايات ويقارنوها بما عندهم -كما فعل النجاشي ﵁-٢ ليحكموا بعد ذلك على الدعوة وصاحبها، هاتان الوسيلتان هما المنهج الصحيح الذي كان على اليهود أن يسلكوه. أما مثل هذه المعلومات الغيبية فإن الجهل بها ليس دليلًا على عدم صدق المسئول، فهذا موسى ﵇، وهو من أعظم أنبياء بني إسرائيل قاطبة ومن أولي العزم من الرسل، ومجال افتخار اليهود جميعًا قد جهل أمورًا ثلاثة في رحلته مع الخضر ﵇، ولم يؤثر ذلك في مكانته عند بني إسرائيل ولا من أذهان المسلمين، ولم يقل أحد إن جهله بها قد أثر على صدقه في نبوته، ومقامه عند ربه.
فلماذا تجعلون -معشر اليهود- مثل هذه الاستفسارات وسيلة تشكيك في دعوة الحق التي جاء بها محمد ﷺ .
ولئن لجأت قريش إلى مثل هذا الموقف لأن الموازين مختلة عندهم وليسوا أهل علم وكتاب سماوي، وقد انطمست أنوار الفطرة لديهم فإن لديكم مقاييس الوحي السماوي -مما لم تطاوله أيديكم بالتحريف والتشويه- وبواسطتها يمكنكم تقويم الدعوات والمواقف والأشخاص وإدراك الصادق من غيره.
ومن هذا الجانب أيضًا نجد أن قصة موسى والخضر ﵉ وثيقة الصلة بهدف سورة الكهف، وبالقيم الصحيحة التي اشتملت عليها، وبالموازين المختلفة والقيم الزائفة التي تبناها المنحرفون والمفسدون. فكل القصص الأربع -التي تشكل المقاطع الأساسية في السورة- توجه الأنظار إلى ما ينبغي أن يكون عليه الحال تجاه دعوة الحق، وتبرز القيم الصحيحة التي تتخذ موازين لتمييز الحق والصدق والصواب من غيرها.
لقد اشتملت القصص الأربع في سورة الكهف أسباب الفتن الأساسية في الحياة الدنيا؛ فتنة السلطان، والمال، والعلم، والأسباب.
стр. 180
ولهذا كانت قراءة سورة الكهف نورًا كاشفًا وعلاجًا ناجحا للفتن جميعها، فإن قيم هذه الأشياء إذا أدركت في ضوء الإيمان بالله واليوم الآخر، علم المؤمن أنها قيم مموهة داجلة ما لم ترتبط بالإيمان بالله ورجاء مثوبته يوم القيامة.
فكانت تمثل القيم الحقيقية في سورة الكهف عقيدة وسلوكًا عصمة من أنواع الدجل كلها، وعلى رأسها فتنة المسيح الدجال.