ثالثًا: المناسبة بين مقاطع السورة وهدفها
ذكرنا في السابق أهداف سورة الكهف واخترنا أحدها لنجعله محور البحث في تفسير السورة موضوعيًا، وقلنا: إن مقاطع السورة تدور حول الهدف لإبرازه وتقريره فما وجه الصلة بين مقاطع سورة الكهف وبين "القيم".
وذكرنا في تبرير اختيارنا لعنوان البحث "القيم في ضوء سورة الكهف" أن من أدرك الحقائق التي وردت في سورة الكهف ملك الميزان الذي يفرق به بين الصحيح والسقيم والحق والباطل، ولما كان موضوع إثبات صدق رسول الله ﷺ في دعوته من الأهداف الأساسية ومن المحاور التي تدور حولها السورة، فإن الميزان الذي تدلنا عليه سورة الكهف هو الفيصل الذي نتعرف به على صدق هذه الدعوة وعلى صدق الرسول الذي جاء بها.
إذا أدركنا ذلك وحددنا هذا الهدف، سهل علينا الربط بين مقاطع السورة كلها وبين الهدف الذي تبرزه السورة وتقرره.
تمثل القصص الأربع التي وردت في سورة الكهف مقاطعها الرئيسية إلى جانب الافتتاحية والخاتمة.
وتضمن فاتحة السورة وخاتمتها للقيم الصحيحة التي توزن بها الأمور تقدم الحديث عنه في بحث المناسبات بين الافتتاحية والخاتمة.
أما المقاطع الأربعة الأخرى وبالأحرى القصص الأربع في السورة فإنها وثيقة الصلة أيضًا بهدف السورة.
- فقصة أصحاب الكهف وكذلك قصة ذي القرنين واضحة الاتصال بهدف السورة لأن القصتين جاءتا إجابة للسؤال الموجه إلى رسول الله ﷺ ، كما ورد في سبب النزول.
- أما قصة صاحب الجنتين فاتصالها بالسؤال أيضًا من زاوية الاستنكار على
стр. 177
قريش في أصل التوجه بالسؤال. وفيما يلي تفصيل ذلك:
إن قريشًا لم تكن بحاجة إلى مثل هذا السؤال والاستفسار للتأكد من صدق محمد ﷺ ، فإن محمدًا قد عاش بينهم وليدًا وترعرع في ديارهم شابًا يافعًا ثم كهلًا، وهم أعرف الناس بشئونه كلها، وينبغي أن يكونوا المرجع العدل الذي يرجع إليه الناس في شأن محمد ﷺ ، وهذه الحقيقة برزت على ألسنة بعض زعمائهم في لحظات وعي وتعقل:
قال ابن هشام: قال ابن إسحاق: قال النضر بن الحارث فقال: يا معشر قريش إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد، قد كان محمد فيكم غلامًا حدثًا، أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثًا، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم به، قلتم: ساحر، لا والله ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم، وقلتم: كاهن، لا والله ما هو بكاهن، قد رأينا الكهنة وتخالجهم وسمعنا سجعهم، وقلتم: شاعر، لا والله ما هو بشاعر، قد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها: هزجه ورجزه، وقلتم: مجنون، لا والله ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون، فما هو بخنقه، ولا وسوسته، ولا تخليطه، يا معشر قريش فانظروا في شأنكم، فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم١.
كان هذا حديث أحد زعمائهم عن شخص محمد ﷺ ، وكان حدث آخر منهم عن القرآن الذي نزل على محمد ﷺ :
"والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه لمغدق أسفله وإنه لمثمر أعلاه، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه وإنه ليحطم ما تحته وما هو بقول بشر"٢.
كانت تلك شهادة حق من الوليد بن المغيرة في لحظة صدق مع نفسه.
فعلى الرغم من إدراك القوم صدق رسول الله ﷺ وصدق دعوته كانوا يحاولون طمس نور الحق بأي وسيلة يتمكنون منها، وكانوا يصرون على موقفهم المعادي
стр. 178
ويحاولون تبريره بأي حجة كانت، مهما كانت واهية متناقضة مع مداركهم وقناعاتهم الذاتية، والسبب الدافع لهم إلى كل ذلك هو اختلال موازين القيم عندهم، فقد أعماهم الجاه وحب المال أن ينظروا إلى القيم إلا من خلالها، وهذه القيم الزائفة هي التي حملتهم على طلب إبعاد فقراء المسلمين وضعفائهم من مجلس رسول الله ﷺ لكيلا يراهم الناس يجالسون الأرقاء المستضعفين فيعيروهم بذلك.
إن مثل هؤلاء في طمس نور الفطرة في نفوسهم، واستيلاء سكرة المال والجاه على بصائرهم كمثل صاحب الجنتين الذي أعماه الغرور بالمال والجاه وكثرة النشب والأولاد فكفر بربه الذي خلقه من تراب ثم من نطفة ثم سواه رجلًا.
فالقصة وثيقة الصلة بموقف قريش الذين أرسلوا إلى اليهود في المدينة ليسألوهم عن شأن محمد ودعوته، ولو كانوا ذوي حكمة وتعقل وفطر سليمة لما تصرفوا مثل هذا التصرف الكاشف عن سفاهة وحقد، فعندهم من أمارات صدق محمد ﷺ في سيرته وإطلاعهم على رجاحة عقله، وطهارة ذيله واستقامة سلوكه ونبل أخلاقه وعظيم أمانته ما يغنيهم عن الترحال والاستفسار.
بالإضافة إلى ملكتهم البيانية في إدراك فصاحة الكلم وبلاغته فهم أمراء البيان ومنهم خطباء المحافل وشعراء المواسم، فبإمكانهم أن يدركوا حقيقة القرآن وأنه ليس من قول البشر.
- أما قصة موسى والخضر ﵉، فلها صلة وثيقة بالهدف أيضًا، فهو توبيخ وتأنيب لليهود الذين يشكلون الطرف الثاني في اختبار صدق محمد ﷺ .
لقد لقنت اليهود وفد قريش أسئلة تاريخية وعلمية لاختبار صدق محمد ﷺ فيما جاء من دعوة الحق.
والأسئلة التعجيزية لا تكون الوسيلة المثلى دائمًا للتعرف على الحقيقة. كان الأليق باليهود -وهم أهل الكتاب الأول، ولديهم من الهدايات والوحي المنزل- أن يتدبروا حياة النبي ﷺ ، بعد سؤال الوفد عن دقائق حياته وشأنه -كما فعل
стр. 179
قيصر الروم عندما سأل أبا سفيان عنه-١، وكان عليهم أن يتدبروا ما جاء به محمد ﷺ من الهدايات ويقارنوها بما عندهم -كما فعل النجاشي ﵁-٢ ليحكموا بعد ذلك على الدعوة وصاحبها، هاتان الوسيلتان هما المنهج الصحيح الذي كان على اليهود أن يسلكوه. أما مثل هذه المعلومات الغيبية فإن الجهل بها ليس دليلًا على عدم صدق المسئول، فهذا موسى ﵇، وهو من أعظم أنبياء بني إسرائيل قاطبة ومن أولي العزم من الرسل، ومجال افتخار اليهود جميعًا قد جهل أمورًا ثلاثة في رحلته مع الخضر ﵇، ولم يؤثر ذلك في مكانته عند بني إسرائيل ولا من أذهان المسلمين، ولم يقل أحد إن جهله بها قد أثر على صدقه في نبوته، ومقامه عند ربه.
فلماذا تجعلون -معشر اليهود- مثل هذه الاستفسارات وسيلة تشكيك في دعوة الحق التي جاء بها محمد ﷺ .
ولئن لجأت قريش إلى مثل هذا الموقف لأن الموازين مختلة عندهم وليسوا أهل علم وكتاب سماوي، وقد انطمست أنوار الفطرة لديهم فإن لديكم مقاييس الوحي السماوي -مما لم تطاوله أيديكم بالتحريف والتشويه- وبواسطتها يمكنكم تقويم الدعوات والمواقف والأشخاص وإدراك الصادق من غيره.
ومن هذا الجانب أيضًا نجد أن قصة موسى والخضر ﵉ وثيقة الصلة بهدف سورة الكهف، وبالقيم الصحيحة التي اشتملت عليها، وبالموازين المختلفة والقيم الزائفة التي تبناها المنحرفون والمفسدون. فكل القصص الأربع -التي تشكل المقاطع الأساسية في السورة- توجه الأنظار إلى ما ينبغي أن يكون عليه الحال تجاه دعوة الحق، وتبرز القيم الصحيحة التي تتخذ موازين لتمييز الحق والصدق والصواب من غيرها.
لقد اشتملت القصص الأربع في سورة الكهف أسباب الفتن الأساسية في الحياة الدنيا؛ فتنة السلطان، والمال، والعلم، والأسباب.
стр. 180
ولهذا كانت قراءة سورة الكهف نورًا كاشفًا وعلاجًا ناجحا للفتن جميعها، فإن قيم هذه الأشياء إذا أدركت في ضوء الإيمان بالله واليوم الآخر، علم المؤمن أنها قيم مموهة داجلة ما لم ترتبط بالإيمان بالله ورجاء مثوبته يوم القيامة.
فكانت تمثل القيم الحقيقية في سورة الكهف عقيدة وسلوكًا عصمة من أنواع الدجل كلها، وعلى رأسها فتنة المسيح الدجال.
стр. 181
افتتاحية سورة الكهف
الموضوعات الأساسية في الافتتاحية
...
افتتاحية سورة الكهف:
بسم الله الرحمن الرحيم:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا، قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا، مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا، وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا، مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا، فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا، إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ١-٨] .
الموضوعات الأساسية في الافتتاحية:
يمكن القول إن افتتاحية سورة الكهف أجملت الأسس والموازين التي تقوم بها المفاهيم والتصرفات والسلوك الإنساني.
فقد جاءت الافتتاحية متضمنة للحقائق الأساسية التي ينبغي وضعها نصب الأعين عند البحث والمقارنة والتقويم، وقد جاءت هذه الحقائق مجملة في منتهى الوضوح والفصاحة والإعجاز:
فالحقيقة الأولى:
توجيه الثناء المطلق لله رب العالمين، لأنه المستحق على وجه الكمال هذا الحمد والثناء، ولأنه أنعم على البشرية بالنعمة التي لا تضاهيها نعمة، وهي الحياة الحقيقية المميزة لهم عن سائر المخلوقات، هذه النعمة هي نعمة الوحي، لإخراج
стр. 182
الناس من الظلمات إلى النور ﴿الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ .
الحقيقة الثانية:
الوحي المنزل على عبد الله ورسوله، الذي احتواه "الكتاب" له مزايا ثلاث:
الميزة الأولى: في كونه منزلًا من عند الله ، والمنزل يأخذ شرفه ومجده من الذي أنزله، فإذا كان المنزل هو خالق السماوات والأرض ومبدعهما، الذي بيده الملك والأمر وإليه المصير، فلا شك أن هذا المنزل، فيه من أوصاف العزة والتمجيد والتقديس ما يليق بجانب منزله.
وهذه المزية إضافية خارجة عن ذات الكتاب المنزل.
أما المزيتان الأخريان فهما ذاتيتان:
فالمزية الذاتية الأولى: كونه مستقيمًا في حد ذاته، فالاستقامة في هداياته الاستقامة في منهجه في تثقيف الفكر والسلوك، الاستقامة في موازينه وضوابطه التي يضبط بها السلوك والمشاعر والأفكار، فيبين الحق منها عن الزيف والتمويه والخداع وإلى كل ذلك الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ ١.
والمزية الذاتية الثانية: كامنة في قوله تعالى: ﴿قَيِّمًا﴾ ، فهذا الكتاب المنزل له القوامة على ما سواه من الكتب السابقة، فيصدق ما فيها من الحق والصواب، وبين التحريف والتنوير الذي أدخل فيها أتباعها كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] .
كما أن لهذا الكتاب القوامة على الحياة الإسلامية والمجتمع الإسلامي. ومن استقامة هذا الكتاب وقوامته استمدت هذه الأمة القوامة على غيرها، لأن القرآن الكريم أنشأها على الاستقامة في ذاتها فاستحقت القوامة على غيرها.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ
стр. 183
عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] ، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] .
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
يقول الفخر الرازي: إن قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا، قَيِّمًا﴾ في وصف القرآن مثل قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ، فليس فيه عوج ولا شك، ولا ريب فيه، وهو مقوم لغيره، مهيمن عليه، يقيمه على الجادة الصحيحة بهداياته١.
الحقيقة الثالثة:
الرسول الذي أنزل عليه الكتاب:
فهو عبد من عباد الله المصطفين الأخيار المختصمين الذين أراد الله لهم الكرامة باختيارهم لحمل الرسالة، فهو عبد بشر كغيره٢.
إلا أن الله اصطفاه بالوحي وجعله يتميز بنوع من الخاصية على غيره فهو على صلة بالملأ الأعلى، ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ .
стр. 184
ومن الجوانب المتعلقة بالرسول ﷺ في هذه الافتتاحية تحديد مهمته وحصرها في: الإنذار والبشارة.
الإنذار لمن تقول الكذب والافتراء على الله ، تقليدًا لآبائهم، وهذه الفرية ناتجة عن جهل عقولهم، وغفلة قلوبهم وطمس بصائرهم.
أما البشارة فهي للمؤمنين١ بالغيب، بالمثل والقيم التي أنزلها بالوحي على رسوله.
الحقيقة الرابعة:
المسئولية والحساب والأجر:
إن من مستلزمات الإيمان الالتزام بالسلوكيات التي يفرضها الإيمان فإن من بدهيات العقل، أن لكل عقيدة يعتقدها الإنسان سلوكًا ينبثق عنها، وأخلاقًا تظهر على معتنقي هذه العقيدة، لذا كان من الطبيعي عند العقلاء أيضًا أن يربطوا بين المظاهر السلوكية والعقائد التي يتبناها الناس.
ولما لم يخلق الإنسان عبثًا، فلا بد من رجوعه إلى خالقه ليكافئ المحسن على إحسانه والمسيء على إساءته: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] فلا بد من المثوبة والأجر الحسن اللائق بصاحب الإيمان والعمل الصالح، والخلود الدائم غير المنقطع في جنات عرضها السماوات والأرض.
ومن الملاحظ هذا التأكيد في الخلود ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ وفي ذلك تطمين كبير، لأن من أهم منغصات الشهوات والملذات لأهل الدنيا هو تحققهم من زوالها عنهم، أو زوالهم عنها مهما امتد بهم العمر.
وبالمقابل فإن المسئولية والجزاء لهؤلاء المفترين الكاذبين الذين نسبوا إلى
стр. 185
الله أعظم فرية، فعليهم أن يتوقعوا البأس الشديد في عقوبتهم بحيث تكافئ ضخامة الكلمة الكاذبة التي تفوهوا بها.
الحقيقة الخامسة:
العلم المبني على تعاليم الوحي يوصل إلى القيم الثابتة، وينهج المنهج الذي يوصله إلى النتائج الصحيحة المبينة على العقل.
والجهل يؤدي إلى التمسك بالمألوفات والعادات الموروثة والتشبث بالتقاليد ولو خالفت المنهج السليم في التفكير والاستدلال، بل يحمل الجهل صاحبه إلى قبول مفتريات لا أصل لها على الإطلاق.
كما قبل هؤلاء الجاهلون نسبة الولد إلى الله عن ذلك علوًا كبيرًا١ ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ .
الذين اتخذوا مع الله شركاء وجعلوا له ولدًا فئة من اليهود والنصارى حيث قالوا ذلك كما أخبر عنهم القرآن الكريم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ
стр. 186
قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] كما قال المشركون من العرب عن الملائكة، ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ، أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ، وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [الزخرف: ١٥- ١٧] .
الحقيقة السادسة:
إن الحياة الدنيا بمباهجها وزينتها وأموالها وطاقاتها ﴿مَا عَلَى الْأَرْض﴾ الهدف من خلقها وإيجادها هو ابتلاء البشر، ومآلها الزوال والفناء فمن أحسن التصرف فيها وربطها بالحقائق الباقية الخالدة وسخرها للعمل الصالح فقد فاز ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] .
أما من جعل هذه الحياة الدنيا مبلغ علمه وغاية مقصده، فقد سقط في الفتنة وخسر خسرانًا مبينًا.
فلا يستحق من لم يرفع لدعوة الحق رأسه، الحسرة والتأسف عليه فمن ربط نفسه ومصيره بمصير الدنيا وجعلها دائرة اهتمامه، فقد أضاع نفسه، ومن لم يرحم نفسه فلا راحم له.
وفي ذلك تسلية لرسول الله ﷺ الذي كان يهمه أمر القوم وتكاد تذهب نفسه حسرات عليهم، كما قال تعالى في موضع آخر مسليًا رسوله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨] .
وهذا الشعور من كمال شفقة رسول الله ﷺ بالناس فهو الأخذ بحجزهم من النار١. إلا أن حكمة الله جرت بترك الخيار للمكلفين لتتحقق.
стр. 187
الحكمة من الابتلاء ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] .
وما ورد في افتتاحية الكهف من التسلية شبيه بما جاء في افتتاحية سورة الشعراء في قوله تعالى: ﴿طسم، تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ، لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ١-٤] .
هذه جملة الحقائق الأساسية في افتتاحية الكهف، وقد وجدنا في مبحث المناسبات في سورة الكهف تكرر ذلك في الخاتمة أيضًا.
وسنرى أن المقاطع اللاحقة جاءت لتفصيل هذه الحقائق وتقريرها وضرب الأمثلة عليها مما يزيدها وضوحًا وتقريرًا وبيانًا.
بين يدي قصص سورة الكهف:
قبل البدء بعرض قصة أصحاب الكهف والتعليق عليها يحسن بنا أن نذكر بعض المزايا للقصص القرآني عامة ولقصص سورة الكهف خاصة.
١- القصص القرآني تربوي في المقام الأول، يعالج المشاكل والأفكار والمواقع علاجًا معينًا على ضوء المبادئ الإسلامية والأحكام الشرعية في قالب فني جمالي، لتعميق المفاهيم التي يراد غرسها في النفس الإنسانية. أو لاجتثاث جذور الأفكار السيئة التي يريد الإسلام تزكية النفس منها.
- فمثلًا عندما تعرض قضية الطاعة والامتثال والتضحية من خلال قصة إسماعيل وإبراهيم ﵉، تكون أوقع في النفس وأشد أثرًا.
- وكذلك آداب طلب العلم من خلال قصة موسى والخضر ﵉ في سورة الكهف.
- وعندما تعالج قضية الشح والبخل في النفس من خلال قصة أصحاب
стр. 191
الجنة في سورة "ن"، تكون أوعى للاعتبار والاتعاظ. وكذلك مرض الغرور والبطر من خلال قصة صاحب الجنتين في سورة الكهف ولم يترك القرآن الكريم جانبًا من جوانب الحياة الإنسانية إلا وأورد فيه القصص التربوي على طريقته الخاصة ومن الزوايا الإنسانية العامة.
فساق نماذج بشرية تمثل الفطرة المهتدية، وأخرى تمثل الفطرة المنحرفة، وحتى الجانب الذي قد يخطر لنا أن القرآن لم يتعرض له وهو جانب "الحب والمرأة" فقد تناولها القرآن الكريم، ولكن -كما قلنا- على طريقته التربوية الخاصة.
يعرض القرآن نماذج إنسانية منحرفة في سلوكها ومعتقداتها، إلا أن الأسلوب القرآني في ذلك يجعل هذه الانحرافات في حجمها الطبيعي ولا يجعل منها أبطالًا، ويعرض انحرافاتها بشكل خاطف بعد أن يقدم لها بما يحقر من شأن أصحابها، ثم يعقب عليها بإبراز الهدايات الربانية في ذلك مما يحجم الانحراف ويزيل أثره من ذهن القارئ مباشرة، وخير نموذج لمثل هذا قصة امرأة العزيز ومراودتها ليوسف ﵇، هذا هو الأسلوب القرآني في عرض هذه النماذج البشرية.
أما الأساليب الجاهلية المعاصرة فإنها تعرض سيرة هذه النماذج بتفصيل كامل وفي صور مشرقة زاهية وتجعل منها أبطالًا تسلط عليهم الأضواء حتى إذا حفرت في النفس أخاديد من آثارها وتعلقت النفوس بسيرتهم، جاءت التعقيبات الهزيلة، فلا تغير من الأثر شيئًا، ولا تزيل من المعالم والبصمات إلا أخفها.
هذا الجانب التربوي كما هو ملاحظ في القصص التاريخي، فإنه ملاحظ أيضًا في القصص الواقعي "الحاضر".
ونقصد به القصص التي عاشها رسول الله ﷺ وصحابته الكرام، أو القصص التي تعرض أحداثًا تتعلق بالحالة التي كانت فيها الفئة المؤمنة.
والغرض التربوي منها تقديم المسيرة، وتوضيح الرؤية أمام الجماعة المؤمنة خلال سير الحياة ونشر الدعوة إلى الله، هذا من جانب، ومن جانب آخر التسلية والتخفيف عما يعتور الدعاة إلى الله ويحدث لهم أثناء المسيرة الجهادية في
стр. 192
حياتهم: إن أحداث قصة بدر في سورة الأنفال، وأحد من آل عمران والخندق في الأحزاب، والإفك في النور، والحديبية في الفتح، وحنين في التوبة ... معالم بارزة في حياة الدعاة إلى الله لأخذ العظات والعبر إلى يوم القيامة.
٢- القصص القرآني يهمل عن قصد في حالات كثيرة؛ الناحية الزمنية، والمكانية، وأحيانًا أسماء الأشخاص -أبطال القصة.
كما نجد ذلك في قصة أصحاب الكهف، وقصة صاحب الجنتين، وقصة ذي القرنين وذلك لأن الهدف الهام من سوق القصة أخذ العبرة والعظة وترسيخ الفكرة المعينة من خلال أحداث القصة، فينبغي أن يركز الفكر وتثار المشاعر وتوجه العواطف حول الغرض منها.
وصرف الاهتمامات إلى أي عنصر آخر في القصة تبديد للطاقات العقلية والملكات النفسية وصرفها عن التفاعل مع الغرض الأساسي الذي سيقت القصة من أجله.
٣- القصص القرآني كلها حقائق وقعت أحداثها؛ ولئن عجز الجهد البشري عن إدراك تفصيلات هذه الوقائع، وتحديد زمانها ومكانها أو أشخاصها بوسائله القاصرة من كتابات وآثار ... فليس ذلك حجة لمن يزعم أنها قصص تمثيلي أو تخييلي.
وسواء ذكرت هذه القصص في كتب أهل الكتاب أو لم ترد، فلا تأثير لكل ذلك على الحقائق والأحداث التي ذكرها القرآن الكريم.
فلو عجز علم الآثار عن تحديد موقع الكهف أو المناطق التي تغلب عليها ذو القرنين وأخضعها لحكم الله أو عجز عن التعرف على مكان إيقاد النار على إبراهيم ﵇، فلا يؤثر ذلك على الحقيقة شيئًا.
وقد جعل القرآن الكريم سرد هذه القصص دليلًا على صدق رسول الله ﷺ في دعوته ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] .
стр. 193
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١] .
كما جعله وسيلة لتثبيت قلب رسوله ومن ورائه الدعاة إلى الله خلال العصور ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠] .
٤- يهدف القرآن الكريم أن يقدم للفئة المؤمنة -من خلال قصصه- تجارب البشرية وخبرتها من خلال عرض هذه النماذج المختلفة من السمو الفكري والروحي والصفات الخلقية النبيلة.
والتعرف على سنن الله في الدعوات والحضارات والابتلاء والمحن والاعتبار بمصير النماذج المنحطة المسفة.
إن قصة فرعون وقارون والسامري تعطي صورًا منفرة من طريقة تفكيرهم وأسلوب تعاملهم مع غيرهم، وموقف الكفر والجحود الذي وقفوه من خالفهم ورازقهم، ثم المصير التعيس البئيس الذي صاروا إليه.
أما قصة إبراهيم وإسماعيل وموسى وأصحاب الكهف وذي القرنين فكلها قصص مشرفة تزكي في النفوس الرغبة في الخير، والتضحية من أجل المثل العليا، والخشوع والتضرع لخالق السماوات والأرض.
إن القصص القرآني عرض بأساليب معينة ووزع على السور توزيعًا خاصًا بين إيجاز وإطناب، وكل منها منسجم مع أهداف السورة الأساسية ولا ينفصل أسلوب القصة عن أجواء السورة وأغراضها، ومن هنا كانت الحكمة في عدم تكرار القضية الواحدة في السورة الواحدة.
لذا ينبغي دراسة القصة حسب أسلوب العرض في السورة، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في القسم المنهجي من التفسير الموضوعي.
стр. 194
العرض الإجمالي لقصة الفتية المؤمنين:
تمثل هذه القصة جانبًا من الحياة البشرية ومشهدًا يتكرر عند وجود العقيدة الصحيحة في مجتمع ما، مهما كان وضع هذه العقيدة قوة أوضعفًا، ففي حال قوتها يكون السواد الأعظم من الناس يتحلون بها، ولا توجد مظاهر تلفت النظر.
أما في حال ضعف أصحاب العقيدة الصحيحة وقلتهم، فإن هذا النموذج يبرز، ولعل أبسط صورة لها ما ورد في قصة هؤلاء الفتية.
- إن المجتمع جاهلي وثني، ولا يتعرف إلا على القوة والثورة والمتع والشهوات والحكم الجائز يفرض نفسه، وقد ألقى بثقله على الناس، فلا يستطيعون النظر إلا من خلاله، ولا التنفس إلا برئتيه، ولا الإطعام إلا من يديه.
تحف المظاهر الكاذبة بأبهة السلطة، والمنافقون المتزلفون يرتعون في الملذات من خلال تزيين الباطل للحاكم المستبد.
فالناس الماديون أصحاب المصالح ينظرون من خلال الواقع، والواقع يصور أمامهم كما يلي:
- لا شبع من غير طعام، ولا طعام من غير مال، ولا مال إلا عند الدولة.
- ولا شرف ولا سمعة ولا جاه إلا بالوظيفة، ولا وظيفة إلا عند الدولة.
- ولا هدوء ولا سلامة إلا بمسايرة الناس وموافقة المجتمع، ولا موافقة إلا باتباع العقيدة السائدة والرأي العام المسيطر١.
هذه منطلقات الفلسفة المستندة على الأسباب والمسببات، وهي القيم التي يحتكمون إليها.
ولكن شعلة الإيمان إذا اتقدت في النفوس، وبدأت تنير القلب والفكر والجوارح، وتقطع أواصر الثقل الأرضي وتسمو بالروح وتبلغ الشفافية بالمؤمن أن
стр. 195
ينظر بنور الله إلى ما وراء الأسباب، وأن يدرك أن هذه الأسباب قد وضعها خالق الكون ومدبره، وأن مصير الأشياء بيديه وأنه يقول للشيء كن فيكون.
إن جذوة ايمان هذه لها منطلقات خاصة ولها حساباتها المتفردة وتطلعاتها المستقلة، إنه يترفع عن متع الدنيا وشهواتها، وينظر إليها بعين الازدراء والاحتقار، وتسمو نفسه وروحه إلى الدار الباقية فهو لا يرضى الخنوع والاستسلام لجبروت السلطة مهما كان طغيانها، ولا لضغوط المجتمع وفلسفته مهما بلغ ثقلها، يقوم في وجه الظلم ليعلن كلمة التوحيد وأن لا إله إلا الله الذي خلق السماوات والأرض الذي بيده الأمر وإليه المرجع والمآب، وأن لا حكم إلا لمدبر الكون وواضع سننه وأقواته وخواصه ولا طاعة لمن تنكب شرعه ودستوره في الحياة.
والمؤمن بقيامه هذا في وجه الطغيان يلتزم العقل والحكمة، فيدعو الناس إلى التدبر والتفكر فيما حولهم من الكائنات ليتعرفوا على الخالق المعبود بحق، ويدعو الخصوم إلى مقارعة الحجة بالحجة وإلى التحاكم إلى البرهان وإلى العقل والمنطق ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ .
لقد حقق هؤلاء من جانبهم مقومات تنزل النصر عليهم والاستجابة لدعائهم ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِم﴾ والفتوة والقوة الجسدية مطلوبة في الصراع مع الباطل ومقارعة أهله.
والإيمان هو السلاح الماضي الذي يصول به الداعية ويجول، ويلقي به على الباطل فإذا هو زاهق.
إن سنة الله في نصر الدعوات تكمن في كون منطلقات حاملها، سليمة، وأن يكونوا فئة متميزة تسموا إلى أفق الدعوة وتضحي في سبيلها بغض النظر عن العدد والكثرة.
وهذا ما جرى للفتية المؤمنين فقد قابل رب السماوات والأرض صنعهم بفضل منه ورحمة عظيمتين، فربط على قلوبهم فأخرج منها الخوف والحيرة والاضطراب، وملأها شجاعة وسكينة وقوة ويقينًا وانشراحًا وسرورًا وزادهم إيمانًا على إيمانهم
стр. 196
ورضى وتسليمًا بقضاء الله وقدره ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً، وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ .
وإذا توافرت هذه المقومات في الإنسان: الفتوة والإيمان ورباطه الجأش ومضاء العزيمة، لا يستقر لهذا الإنسان قرار بل لا بد من مصارعة الباطل، والوقوف في وجهه، وهذا ما كان من أمر الفتية ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا، هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ وفي خضم هذه المشاعر النبيلة والعواطف المتأججة بنور الإيمان، يهتدون إلى رأي، أن يخرجوا مجتمعين إلى الغار، ليعتزلوا المجتمع الجاهلي ماديًا بعد أن اعتزلوه شعوريًا، وليفكروا بروية في الأسلوب الأنجح لمقارعة الباطل فإن لم يستطيعوا مقارعته وجهًا لوجه، فبإمكانهم أن يضربوا في أرض الله الواسعة ويهاجروا في سبيل الله ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠] .
إذ العزلة الشعورية واجبة دائمًا فلا يجوز مطلقًا موادة من حاد الله ورسوله مهما كانت درجة قرابته ومكانته. ولا يجوز مهادنة الجاهلية وأهلها سواء كانت الغلبة لهم أو لنا.
أما العزلة المادية الجسدية فإن لها شروطًا ولعل من أهمها كما ذكرها رسول الله ﷺ : أن لا يجد المرء على الحق أعوانًا، وأن يرى شحًا مطاعًا وهوى متبعًا وإعجاب كل ذي رأي برأيه١، وأن لا تكون للمسلمين جماعة، عندئذ جازت العزلة الجسدية والانصراف إلى خويصة النفس وترك أمر العامة.
روى البخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمًا يتبع به شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن" ٢.
стр. 197
وبينما كان الفتية في طريقهم إلى الكهف وهم منهمكون في ما هم عليه من حال وما سيكون عليه العمل والمآل، كانت عناية الله وإرادته تهيئ لهم شيئًا أعظم من ذلك لتكفيهم مؤنة الجهد والمشقة، فما أن وصلوا إلى الكهف حتى ضرب على آذانهم فيه سنين عددًا، وهيأت لهم مكان إقامة تتوافر فيه الشروط الصحية الملائمة من شمس وتهوية وبعد عن القتم، وتوقفت عقارب الزمن بالنسبة لهم داخل كهفهم، إلا أنها بقيت دائرة خارجه، واستمرت عجلة الحياة على مشيئة الله، وكان انتصار الإيمان ودخول الناس في الإسلام، وتغيرت الأحوال، وحل الأمن والأمان مكان الظلم والطغيان، فأذن الله بانبعاثهم، لكي يظهر آثار إكرامه للفتية، وليقيم في نفس الوقت الحجة على من زعم أن البعث يوم القيامة بالأرواح لا بالأبدان، فأخرج الله هؤلاء الفتية وبعثهم من رقادهم، وأعثر عليهم ليكونوا أنموذجًا محسوسًا لقدرة الخالق على الإحياء بعد الموت، فكما حفظ على هؤلاء أجسادهم من البلى وأعاد إليها الروح بعد اندثار الأجيال المتعاقبة، فإنه قادر على أن يجمع شتات الأبدان ورميمها، ويعيد إليها الروح يوم الحساب.
стр. 198
العرض التحليلي للقصة:
- أسلوب عرض قصة أصحاب الكهف: طريقة التلخيص والإجمال أولًا، ثم العرض المفصل آخرًا، وعرض مشاهد من القصة ثم ترك فجوات بين المشاهد تعرف من السياق.
- كما تذكر القصة جوانب أساسية في أبطال القصة، وتعرض عن جوانب أخرى لأنها غير ذات جدوى.
فهم فتية آمنوا، وتمردوا على الظلم والطغيان، وآواهم الكهف، بعد لجوئهم إلى كنف بارئهم ليجعل لهم من أمرهم رشدًا.
- ولقد أهمل الأسلوب القرآني اسم الحاكم الذي خرجوا عليه، وأعلنوا رفضهم لظلمه، فليس بذي شأن، لأن الجبابرة المتألهون والطغاة المتسلطون كثير في كل زمان ومكان، فليست العبرة بالأشخاص وإنما بالفعل السيئ الذي يدفعهم إلى ذلك والأثر الذي يتركونه بين الناس.
стр. 199
- ولم تتعرض الآيات الكريمة إلى الطبقة التي ينتمى إليها الفتية، وكيف اجتمعوا على هذه الفكرة.
- وكيف تم خروجهم عن أي طريق وعلى أي حال، وكم كان عددهم وما بال الكلب الذي رافقهم.
- وعند السرد التفصيلي للقصة نجده ينصب على جوانب العقيدة والمعاني الأساسية وتهمل ما سواها.
- فهم فتية جمعهم الإيمان بالله : ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ .
- وتتداركهم رحمة الله وعنايته، ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدى﴾ .
- ولأنهم فتية ليست لهم تلك التجارب العريقة في مواجهة الشدائد يتداركهم لطف الله ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِم﴾ .
- فنتج من هذا الربط على القلوب الثبات والرسوخ والاطمئنان والعزيمة الصادقة والاعتزاز بالإيمان ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ .
- ثم الالتفات إلى ما حولهم وهم ينظرون بنور البصيرة إلى هذا الظلام المخيم على القوم، وهذا الجهل والغي الذي هم فيه سادرون، فيستنكرون ذلك عليهم، لماذا لا يحتكمون إلى العقل الذي وهبهم إياه خالقهم، ولماذا لا يبحثون عن دليل على ما هم فيه ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ .
ويأتي الفاصل في العرض، وكأن الستار قد أسدل على المشهد الأول وقد توجه الفتية إلى الكهف.
ثم يفتح الستار على المشهد الثاني، وقد ضرب على آذان الفتية في الكهف١، وتوقفت عوامل الزمن بالنسبة لهم، إلا أن دولات الكون لم يسكن وقد
стр. 200
سخر جانب من آله الكون لصيانة الفتية وكهفهم فالشمس قد شغلت بهم عن الدنيا كلها وكأن مدار فلكها حول هذا الكهف وحده، فكأنها حانية عليهم ترعاهم في الصباح والمساء ﴿إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ .
أما موقفهم، ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْه﴾ فمتسع من داخل الكهف، وفي ذلك عون على حفظ أجسادهم على حالة صحية بعيدة عن العفونة والرطوبة. إنها آيات ربانية عظيمة تحيط بهؤلاء الفتية الكرام على الله وتهيئ لهم الأسباب وتسخر لهم السنن الكونية ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ .
ولقد توجت هذه الآيات العظيمة بآية أعظم وهي إضفاء الحماية المعنوية عليهم بإلقاء الرعب في قلب كل من اطلع عليهم أو حاول الاقتراب منهم ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ .
- ولم تحدثنا الآيات الكريمة عن الوقت الذي قضوه في الكهف قبل نومهم.
- ولا عن تصرفاتهم التي قاموا بها، والتدابير التي فكروا فيها، هل يعودون إلى قومهم ليبينوا لهم الطريق، أو يضربوا في الأرض فرارًا بدينهم.
- وهل كان معهم كتاب يدرسون فيه ويتعلمون أمور دينهم، فقد ذهب بعض المفسرين إلى أن المقصود بالرقيم: الكتاب الذي كانوا يحملونه معهم للمدارسة ﴿كِتَابٌ مَرْقُوم﴾ ، وقال آخرون: إنه اللوح الذي وضع على بابهم فيما بعد.
ولا بد أن طعامهم الذي حملوه معهم قد نفذ قبل نومهم، لذا لم يستغربوا أن لم يكن معهم زاد.
وفجأة تدب الحركة في المشهد الثالث.
﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا
стр. 201
أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ﴾ .
إن أسلوب الحوار بين بعضهم، واختيار الكلمات المعبرة تلقي في النفس الشعور بالتثاقل من أثر النوم الطويل ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾ .
إن تكرار حرف الثاء في هذا المشهد الذي يصف استيقاظهم لها إيحاءات مشعرة بهذا التثاقل "بعثناهم، كم لبثتم، لبثنا، بما لبثتم، فابعثوا" ثم عدم الوقوف طويلًا عند البحث عن المدة التي استغرق نومهم فيها، شأن المستيقظ من نوم ثقيل، لا يستطيع تركيز فكرة على شيء معين، وإنما يصرف ذهنه إلى الشيء الملح الذي يلاحقه وهو الشعور بالجوع والحاجة إلى تناول شيء من الطعام، ولكن لا زاد معهم، فليدبروا أمر نزول أحدهم إلى المدينة لشراء الطعام.
وبعد التوصية بأخذ الحيطة والحذر لئلا ينكشف أمرهم، ويقعوا في قبضة زبانية الطاغية ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا، إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ ، يسدل الستار على المشهد الثالث، والمشاهدون يمسكون أنفاسهم وهم ينتظرون المفاجأة في طريقة التعرف على الفتى الذي يريد دخول المدينة على حين غفلة من أهلها.
ويترك للسامع والقارئ أن يتخيل الصور والأشكال التي يمكن أن يتعرف بها أهل المدينة المؤمنين، ومدى الدهشة من الفتى وزملائه من هذا الانقلاب الجذري الهائل، فسبحان محول الأحوال، لقد زالت دولة الظلم والطغيان وولت جحافل الكفر والضلال، وأشرق على المدينة نور الإيمان.
أما الديار فإنها كديارهم ... وأرى رجال الحي غير رجاله
فالناس غير الناس، والحال غير الحال، فالمؤمنون آمنون على عقائدهم ومعايشهم والرغبة في الخير سائدة بينهم.
ويمر المشهد الرابع كلمح البصر سرعة ووجازة، قد تم التعرف عليهم وتم العثور على بقيتهم، وتتداركهم رحمة الله مرة أخرى فتلحقهم
стр. 202
بالرفيق الأعلى، فإن بقاءهم على الأرض لم يعد ذا جدوى، والناس غير الذين كانوا يعرفونهم، وقد انقطعت الوشائج وتغيرت العادات والأساليب المعيشية فهم في أعين الناس أشبه بالذكرى الحية منهم بالأشخاص الواقعية. ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ .
لقد تحققت العظة والعبرة من خروجهم بعد رقودهم فكانوا مثلًا محسوسًا على البعث بعد الموت.
ثم يعرض المشهد الخامس والأخير، والناس يتناقشون في أمرين يتعلق بهم: عددهم، والمدة التي لبثوا في الكهف.
إن هذه الفجوات من خلال أحداث القصة مقصودة، وهي تضفي جو المشاركة من السامع وتطلعًا إلى التفاصيل.
ولو ذكرت الأحداث الجزئية لتبلد حسه ولتلقي الأحداث بخمول ذهن وبروده مشاعر.
وتنتهي القصة في المشهد الخامس بعرض صورة المتجادلين، ومقولة الحق في ذلك وفي المدة التي قضوها في الكهف.
وبالتوجيه الرباني بأن يلتجئ العباد إلى فاطر السماوات والأرض فكما التجأ أهل الكهف إليه فآواهم وهيأ لهم من أمرهم رشدًا وخلد ذكراهم بين الاتقياء الصالحين.
فكذلك يا محمد اتل ما أوحي إليك من كتاب ربك، واتكل على ربك فإنه ملجؤك وملاذك ولن تجد من دونه ملتحدًا.
стр. 203
تعقيب واستطراد وتعليل:
جاء في سبب النزول أن رسول الله ﷺ قال للقوم القرشيين -عندما سألوه الأسئلة الثلاثة: "ائتوني أخبركم غدًا"، فلبث الوحي فترة حتى أرجف أهل مكة.
وجاء أثناء التعقيب على المجادلين في شأن أهل الكهف -عددهم، ومدة لبثهم: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ .
لا شك أن في هذا الإرجاء في الجواب -في هذا الموقف الحرج- إحراجًا لرسول الله ﷺ ، فهل من حكمة في هذا الإرجاء؟!
إننا نعتقد جازمين أن الحكمة كل الحكمة، والخيرة للمرء فيما اختاره الله لعباده المؤمنين، وعلى رأسها الخيار الذي يختاره الله لأنبيائه ورسله، وقد يظهر لنا وجه الحكمة وقد يخفى، ولكن مشيئة الله وخيرته في ذلك خير وأبقى.
ولعل من وجوه الحكمة في هذا الإرجاء ما ندركه في الأمور الثلاثة التالية:
أ- جانب تربوي للأمة من خلال هذا الموقف مع رسول الله ﷺ فعلى المؤمن أن يربط كل شيء بمشيئة الله وإرادته، ولا يغفل عن ذلك، وإن غفل عنه فليذكره في أول سانحة أو خاطرة ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيت﴾ ١.
ب- أن في هذا الإرجاء برهانًا -بصورة غير مباشرة- لقريش على أن محمدًا ليس له من أمر الوحي سوى التلقي والتبليغ، وأنه مكلف بهذه المهمة ومؤاخذ على التقصير فيها، وليس له أن يختلق شيئًا من عند نفسه، أو يبدل شيئًا أو يقدم أو يؤخر أو يكتم، وهذا الجانب أكدته آيات كثيرة: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤-٤٦] .
﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [يونس: ١٥] .
وإذا تذكرنا أن أصل الاستفسار وإيراد الأسئلة كان للتحقق من صدق محمد ﷺ في دعوى الرسالة أدركنا أهمية هذا اللون البرهاني من واقع الأحداث
стр. 204
ومجريات الأمور، فجو الحادثة والسور والآيات كلها متجهة لإثبات صدق رسول الله ﷺ وإبطال أساليبهم وبيان زيف مواقفهم وما يحاولون الوصول إليه من إبطال دعوة النبوة وتبرير مواقفهم الشركية، واطلاعهم على حقيقة ما يعتقدون ويتبنون من قيم.
"ج" لو جاء الجواب في الوقت الذي حدده رسول الله ﷺ لهم، لمرت الحادثة كأي حادثة مرت في العلاقات بين القوم مما كان يجري في العلاقات اليومية.
لكن عندما انصب اهتمام قريش على هذه الأسئلة، وكان التحديد من رسول الله ﷺ ، ثم كان الإرجاء والتأجيل، كما تقول الرواية -حتى أرجف أهل مكة- فقد أصبحت النفوس متشوفة متطلعة، وقد كثرت الأقاويل والإشاعات بين القوم.
وهذا أسلوب من أساليب الدعوة لشد الانتباه وإشغال الرأي العام بقضية الدعوة، ثم إذا جاءت الإجابة عند الحاجة الماسة إليها فإنها أوقع في النفس وأشد تأثيرًا.
ولعل هذا هو المراد بالإشارة التعقيبية على موضوع المشيئة ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ .
فما يأتي من نتائج وثمرات مترتبة على هذا الإرجاء فهو أقرب رشدًا.
ولعل مثل هذه اللفتة بعد آيات حادثة الإفك ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وذلك لما يترتب على هذه الحادثة من جوانب تربوية، وإبراز فضل آل رسول الله ﷺ وأزواجه الطاهرات، وآل أبي بكر، وما كشف عن معادن كريمة في نفوس أصحاب رسول الله ﷺ .
وإبرازًا لهذا الجانب ولسوق بعض الفوائد نستطرد إلى ما ذكره القرآن الكريم من أحداث متشابهة كان فيها الإرجاء وعدم تلبية طلب النبي مما حدث ليوسف ﵇.
ففي قصة يوسف ﵇، طلب من الناجي -من صاحبي السجن-
стр. 205
﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّك﴾ [يوسف: ٤٢] . حيث كانت نفسه تتشوف إلى الخروج من السجن، وقد كانت الأيام الأولى، أو قل الأشهر الأولى من سجنه، ولنتصور الحالة التي كان عليها بلاط الملك وحاشيته في هذه الآونة:
١- كانت الشائعات التي تموج بها المدينة وأهل البلاط حول امرأة العزيز وفتاه، ومما أجبر الملك -على الرغم من تأكده من براءة يوسف- على أن يزج بيوسف في السجن قطعًا للقيل والقال. فعودة يوسف على الساحة من جديد يلقي بالوقود على النار من جديد ويذكي الشائعات والأراجيف مرة أخرى.
٢- امرأة العزيز التي شففها حب يوسف، لئن كانت الصدمة قد صعقتها عندما امتنع يوسف ولم يرضخ لرغبتها الجامحة، إلا أن تعلق القلب به لا يمكن أن يسكن خلال هذه الفترة القصيرة، بل لعلها أعادت شيئًا من معنوياتها المنهارة عندما ِأقامت الحجة على قريناتها من نسوة المدينة، واستلت منهن الاعتراف قسرًا، بأن أي أنثى لو كان مكانها لوقفت مثل هذا الموقف ولحاولت مثل هذه المحاولة وهي كأنثى معذورة في هذه المراودة في منطق الإناث، فإخراج يوسف من السجن مرة أخرى وخلال هذه الفترة القصيرة سيجلعها متوفرة للثأر من كرامتها وإعادة المحاولة مرة أخرى، وستلقي متاعب جديدة في طريق يوسف ﵇، الذي يعده ربه على عينه لمهمة أعظم من ذلك. ليكون أبا الأنبياء، وليتمكن من إحضار آباء الأسباط الذي ستكون منهم أسباط بني إسرائيل.
٣- لو خرج يوسف ﵇ من السجن في هذه المرحلة فلن يشعر به أحد، لعدم الحاجة إليه في هذا الظرف، فهو أحد أفراد الحاشية -وما أكثرهم- والبلاد في بحبوحة من عيشها ورغد من رزقها، أما عندما تكون هنالك بوادر أزمات سياسية أو اقتصادية أو عسكرية فإن أهل الكفاءات والخبرات في هذه المجالات تتعلق بهم القلوب، ويمكن أن تضحى الجماهير بأرواحها في سبيل الحفاظ على حياتهم، وتبوئهم المكانة السامية الرفيعة، لأنها تنظر إليهم أنهم المنقذون لها في هذه المرحلة، وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر، وهذا ما كان يهيئه الله ليوسف.
стр. 206
لقد كان في الأفق بوادر مجاعة طاحنة -ولو بعد سبع سنوات مخصبة- فإن السبع العجاف التي تأكلها سيكون وقتًا عصيبًا إن لم تعد العدة من الآن وإن لم يكن التصرف حكيمًا، ستقع البلاد في مآزق وأزمات قد تثير الناس إلى الثورة والدمار، -والعامة والرعاع لا تسوقهم إلا بطونهم- إذن فالأمر جد، ولا بد من الاستعداد.
ويأتي دور يوسف ﵇ لإملاء شروطه إذن، فبدلًا من أن يكون المعترف بإنعام الملك عليه لإخراجه من السجن -ليضيف رقمًا مهملًا على أرقام الحاشية- يكون الملك هو الراغب الملح في الإفراج عنه:
فالشرط الأول: أن يعاد إليه اعتباره، وتظهر براءته للناس جميعًا، وعلى رءوس الأشهاد، ولتكن صاحبة الدعوى أول المقرين والمعترفين، ولتذكر الحقيقة كاملة، ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] .
الشرط الثاني: أن يتوجه الملك مع أعيان البلاط بالتأنيب والتوبيخ للمتسببات في هذه الأراجيف حول يوسف، ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ [يوسف: ٥١] .
وبعد أن ازدادت ثقة الملك بيوسف ﵇ وأدرك قيمته وخبرته وأنه كنز لا يقدر بقيمة من المال ولا يساويه جيش من الرجال. ارتفعت مكانته عنده، وكانت هذه الثقة وهذه المكانة مقدمات لإيجاد القابلية عنده ليكون من أتباع دعوة يوسف ﵇، -ولم لا- فهو موطن سره وشوراه، وبطانته التي يعتمد عليها، فربما يكون النبي المرسل الذي يلقنه الهدايات الربانية وكان في الشرائع السابقة من الأمور المعتادة أن يوجد النبي في أمة، ويجود ملك تابع للنبي وشريعته، وبيده السلطة التنفيذية كما ورد ذلك في قصة طالوت١. ولا شك أن كون النبوة ورئاسة الدولة
стр. 207
في يد واحدة أمكن لأمر الرسالة وأقوى لسلطان الدولة، وأدعى لنشر العدالة. وبعد أن تبوأ يوسف ﵇ هذه المكانة عند الملك ورجال الدولة، وفي قلب الجماهير مما جاء التعبير عنه على لسان الملك ﴿قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤] ، جاء دور يوسف لإملاء شرطه الثالث والأخير: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] .
أفليس الإرجاء كان الأفضل وأن اختيار الله هو الخيرة وفيه الفلاح والنجاح.
﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف: ٥٦، ٥٧] ١.
٤- ولا نغفل أن في هذا الإرجاء في قصة يوسف ﵇ خاصة، كان لون من ألوان التربية الربانية وبيان سنة في دعوات الله فإن السجن وما فيه من تذوق مرارة الحرمان، وقطع الاعتماد على الأسباب وتقوية الصلة بالله والتوكل عليه.
إنها مدرسة الدعاة إلى الله . فهذه الحكمة لا تقل عن الحكم الثلاث الأولى.
стр. 208
عظات وعبر:
وقبل أن نودع قصة أصحاب الكهف نذكر جملة من العظات والعبر التي لم ترد مناسبة لذكرها في الفقرات السابقة:
١- الفتيان الشباب أسرع استجابة لنداء الحق، وأشد عزمًا وتصميمًا وتضحية في سبيله.
٢- صدق التوجه إلى الله واللجوء إلى كنفه وحسن الظن به من قبل الفتية، قوبل من الله بما يتناسب مع رحمته الواسعة الشاملة بعباده المخلصين١.
"أ" أوجد الطمأنينة في القلوب وربط عليها بالسكينة فأوجد فيها السعة والهدوء والأمان قبل أن يوجد في المحيط الخارجي.
"ب" هيأ لهم من أسباب الحماية والدفاع ما تعجز قوى البشر عنه فسخر لهم الشمس، ورفع عن أجسادهم آثار تقلب الليل والنهار واختلاف الأجواء وحماها من الآفات والبلى كما حماها من عبث العابثين. واطلاع الفضوليين فألقى عليهم الرعب ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ .
٣- إن العناية الإلهية رافقت أحوال الفتية والمشيئة الصمدية هيأت الأسباب لإبراز الحكمة العليا من العثور عليهم، فلو لم يحملوا معهم عند الخروج من المدينة شيئًا من العملة "الورق" لما فكروا بالنزول لشراء الطعام ولما كان للاستدلال عليهم من سبيل، لولا شعورهم بالجوع المفاجئ الشديد -وقد لبثوا هذه الفترة الطويلة ولم يكن للجوع أثر في أجسادهم- لما أسرعوا بإرسال الشخص لإحضار ما يسد جوعتهم، إنها تدابير ربانية سابقة ولاحقة لتخليد ذكرى هذه الواقعة، وبرهان ساطع لمن فكر واعتبر.
٤- التزام القيم الصحيحة تورث السيرة العطرة والذكر الحسن في الدنيا والمشوبة والخلود في جنات النعيم يوم القيامة.
أما أصحاب القيم الباطلة فإنهم يذهبون مع معتقداتهم الزائفة وتندثر ذكراهم في الدنيا، وإن بقي منها شيء فتقبيح واستهجان وفي الآخرة عذاب شديد.
стр. 209
لقد تمثلت القيم الزائفة الباطلة في موقف الطاغوت الذي ادعى الألوهية ودعا الناس إلى عبادته، وفي موقف أتباعه الذين أشركوا بالله واتخذوا معه آلهة أخرى.
وتتمثل القيم الصحيحة في موقف الفتية الذين آمنوا برب السماوات والأرض، ورفضوا ضغوط السلطة والبيئة والمجتمع والتجئوا إلى كنف الله وحمايته. فحماهم من الفتنة وخلد ذكراهم، وأجزل مثوبتهم.
لم يذكر كلب بعينه في القرآن الكريم إلا كلب أصحاب الكهف وذلك لصحبته الأماجد.
وما أجمل ما قاله الشيرازي في "كلستان" عن صحبة الكرام وكيف ترفع القدر والذكر. وقد صاغها بعض المتأخرين شعرًا بعد ترجمتها إلى العربية.
فقد دخل الحمام يومًا فوجد مجموعة من الناس يدهنون رءوسهم وأجسامهم بطين "البيلون" -وهو نوع من الطين الفخاري ينقع في الماء والورد ويعتبر نوعًا من المنظفات كالصابون والأشنان.
فخاطب البيلون بلسان الحال وهو يقول:
رأيت الطين في الحمام يومًا ... بكف الحب أثر ثم نسم
فقلت له أمسك أم عبير ... لقد صيرتني بالحب مغرم
أجاب الطين أني كنت تربًا ... صحبت الورد صيرني مكرم
ألفت أكابرًا وازددت علمًا ... كذا من عاشر العلماء يكرم
المناسبة بين المقطع الأول والثاني:
هنالك مناسبات واضحة بين الافتتاحية وبين المقطع الأول، والمقطع الثاني فقد ذكرنا أن الافتتاحية تضمنت الحقائق والقيم الصحيحة التي توزن بها المبادئ والتصرفات.
فاشتمل المقطع الأول على قصة أصحاب الكهف وفيها الصراع بين الباطل المتمثل في السلطة الطاغية المتجبرة وبين الحق المتمثل في نور الإيمان ومشعل الحق الذي آمن به الفتية.
أما المقطع الثاني فقد اشتمل أيضًا على لونين من المبادئ والقيم: فالباطل ويتمثل في موقف زعماء قريش المتجبرين المتكبرين على عباد الله بسبب ما أوتوا من مال وجاه، فاتبعوا أهواءهم وطلبوا من الرسول ﷺ طرد فقراء المسلمين المستضعفين.
وشبه حال هؤلاء القوم بحال صاحب الجنتين الذي أبطرته النعمة فتكبر وتجبر وكفر بالآخرة.
والحق يتمثل في موقف المؤمنين الضعفاء الذين أمر رسول الله ﷺ أن يصبر نفسه معهم، فقد وصفوا بالإخلاص ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَه﴾ والمثابرة على طاعة الله وعبادته ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ وضرب لهم المثل بمحاور صاحب الجنتين الذي قال كلمة الحق للغافل المتكبر وبين له أن العزة الحقيقية والغنى الحقيقي لمن ملك الإيمان بالله واستغنى بما عنده عما في أيدي الناس.
стр. 212
هذه المناسبات بين المقاطع وبين الافتتاحية
أما المناسبات بين المقطعين نفسيهما فمما يرد على الذهن بشأنها -والله أعلم.
١- لما كان تعلق المقطع الأول بقصة أصحاب الكهف، وهو البند الأول من السؤال الأول الذي وجهته قريش -بتلقين من اليهود- إلى رسول الله وقد جاء الجواب عليه بالتفصيل، ولم تبق شبهة في ذلك، فمما يرد على الذهن -وقد قالوا: لقد جئنا بالأمر الفصل فيما بينكم وبين محمد، فاستقرت النتيجة لصالح محمد ﷺ أن يفكروا في الإيمان بمحمد، ولكن واقعهم وموروثاتهم الجاهلية لن يستطيعوا التخلي عنها بسهولة. ولن يستسلموا طواعية، فلكي يسمعوا من محمد دعوته وينظروا في أمر الإيمان به، فليطرد هؤلاء الضعفاء من مجلسه لكيلا يعير بهم الأسياد فيقال إنهم جلسوا مع الأرقاء والفقراء والمستضعفين في مجلس واحد. فهذا -في نظرهم- مما يزري بمكانتهم كما أن رائحة جباب هؤلاء تؤذي القوم، فإن كان حريصًا على إسلام السادة الزعماء فليهيئ لهم الجو المناسب اللائق بمقامهم فالمناسبة بين المقطع الأول والثاني كالمناسبة بين المقدمة والنتيجة فلما جاء الجواب على سؤالهم، فالنتيجة المنطقية أن يدخلوا الإسلام ولكن القوم طلبوا ما طلبوا واشترطوا ما اشترطوا ليبرروا موقفهم المعاند ولو بأتفه الأسباب.
٢- الوجه الثاني من المناسبة بين المقطع الأول والثاني: لما ورد ذكر الفتية المؤمنين في المقطع الأول ومنزلتهم في الحفاظ على العقيدة والتضحية في سبيل الله وكرامتهم على الله تعالى.
ناسب أن يذكر لرسول الله ﷺ أن في أمته أمثال أولئك فلا ينبغي التفريط فيهم، بل الواجب تقريبهم والعناية بهم فهم عدة الدعوة ووقود المعارك، وهم المخلصون الذين يعتمد عليهم -بعد ذلك- في الملمات والشدائد.
أما الغافلون عن ذكر الله، الساردون في ملذاتهم وشهواتهم، العابدون لأهوائهم فلا خير فيهم، وليسوا أهلًا للقيام بأعباء الدعوة ولا يزنون عند الله جناح
стр. 213
بعوضه، فلا يسمع كلامهم ولا تلبى طلباتهم والله غني عنهم، ثم ضرب لهم المثل بصاحب الجنتين.
٣- ختم المقطع الأول بقوله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ .
والآية كالجسر بين المقطعين فطرفها الأول في المقطع السابق يتعلق بالإخبار بحقيقة مكوث أصحاب الكهف، وأنه لا يلتفت إلى أقوال الفئات المتنازعة في شأنهم، فعند الله الذي يعلم غيب السماوات والأرض العلم الحقيقي، واتل ما أنزل عليك في شأنهم، يا محمد من أمور الغيب واستمسك به وبالهدايات التي ترد إليك، ومن هذه الهدايات الصبر مع المتقين المخلصين، وعدم الاغترار بالمظاهر الزائفة والأقوال الخادعة من زعماء الشرك فإنما يزينون لك الحياة الدنيا وقد علمت قيمتها الحقيقية. وهو الطرف الآخر من الجسر إلى المقطع الثاني.
٤- يضاف إلى هذه المناسبات ما تقدم في مبحث المناسبة بين المقاطع وبين هدف السورة وقد ذكرنا هناك أن سوق هذه القصة بمثابة التقريع والتوبيخ لزعماء قريش الذين أهملوا عقولهم وأغفلوا معرفتهم بمحمد ﷺ وصدقه ونزاهته وأمانته وأرسلوا إلى اليهود ليعطوهم ما يتحققون به من صدق محمد في دعوته.
فسيق لهم هذا المثل أن من غفل قلبه عن ذكر الله واتبع هواه وكانت قيمه التي يحتكم إليها المال والجاه ضل ضلالًا بعيدًا، ولم يهتد إلى بدائه العقول وإلى نور الفطرة فلا ينظر إلى الأمور إلا بمنظار الغنى المادي وكثرة الرجال وعلو الجاه والمنزلة بين الناس.
فطغيانهم المادي واختلال الموازين والقيم عندهم هو الذي دفعهم إلى هذا التصرف فضرب لهم المثل لبيان الحقائق.
стр. 214
العرض العام للمقطع الثاني:
عرض المقطع الثاني في فقرتين رئيسيتين تتعلق الأولى منهما بتوجيه رسول الله ﷺ لصبر نفسه مع الفئة المؤمنة من فقراء المسلمين وضعفائهم ونبذ
ما طلبه زعماء قريش من إبعادهم، كما وضح سبب النزول ذلك١ ثم جاءت الفقرة الثانية بمثابة التقرير والتأكيد لما تضمنته الفقرة الأولى عن طريق ضرب المثل٢ لتوضح الحقائق وإبرازها.
وما ورد في هذه الفقرة الأولى من الفتن التي يتعرض لها أهل الدعوات خلال مسيرتهم في الدعوة إلى الله .
إن من سنن الله في المجتمعات أن يستجيب لكل دعوة جديدة أقل الناس تعلقًا بالحياة الدنيا وأثقالها وأوثاقها، وأن يستجيب لها أقل الناس وجاهة ومكانة في القوم.
وأن يكون من جندها أول الأمر أهل الحماسة والنخوة الذين لم تفسد فطرهم.
نستطيع أن نقول إن هذا الأمر عام مشترك بين أتباع الدعوات جميعًا فإذا كانت الدعوة ربانية مقنعة للعقل ملائمة للفطرة الإنسانية ملبية لحاجات البشر المادية والروحية، تمكنت في القلب وارتفعت بالأتباع وازدادوا لها محبة وفي سبيلها تضحية وبذلًا، وجاهدوا في سبيلها بكل شيء.
أما إذا كانت الدعوة أرضية بشرية تهدف لتحقيق مصالح معينة فسرعان ما يحيط بها فئة أو طبقة من الناس فيستغلونها لتحقيق مآربهم وينكشف الأمر للرعيل الذي استجاب لها أول وهلة فمنهم من يستمر معها لأنها حققت له مصلحة، ومنهم من يتركها ويعاديها لأنه كان ضحية شعاراتها، وبريق أضوائها، فلا بد من وجود الصراع بين أتباع هذه الدعوة إلى أن يفني طرف منهما الآخر، وقد كانوا من الرعيل الأول الذي تبنى الدعوة وحمل لواءها.
هذه سنة الله في الدعوات واتباعها -حسب فهمنا.
ودعوة رسول الله صلى الله لعيه وسلم استجاب لها أول من استجاب الشباب والفقراء والنساء
стр. 215
والأرقاء، ومن كانت تربطه برسول الله ﷺ قبل البعثة روابط شخصية خاصة كأبي بكر ﵁. وتقاعس أهل الثراء والغنى وأهل الجاه والزعامة.
وذلك لأن أهل الثراء ينظرون إلى الدعوة من خلال مصالحهم المادية وما تدره الدعوة عليهم من مال ونشب، أو تفوت عليهم من مصالح وتلحق بهم من خسارة، فإن بان لهم -وخاصة في بداية الأمر- أنها مغارم وليس مغانم كانوا أبعد الناس عنها، بل كانوا من العقبات الشديدة في عرقلة مسيرتها١.
وصاحب الجاه والزعامة ينظر إلى مكانته في هذه الدعوة الجديدة، هل تبقى له الزعامة ويكون المقدم فيها، أو أنه سيفقد مكانته ويكون تابعًا كسائر الناس. فإن لم يضمن المكانة والمنزلة في الدعوة الجديدة لم يسلم له القياد، بل كان من جملة العقبات في سبيل انتشارها.
وكلا الفريقين يأتي ويساوم صاحب الدعوة، ماذا ستكون لنا إن نحن تبعناك ونصرنا دعوتك هل يكون لنا الأمر من بعدك٢.
وهنا تختلف الدعوة الربانية عن غيرها من الدعوات، إن الأمر لله من قبل ومن بعد يضعه حيث يشاء، ولكنهم إن آمنوا وعملوا الصالحات والتزموا أحكام دعوة الله وأخلاقها فلهم الجنة، أما في الدنيا فإن شأن الدنيا أحقر من أن تكون عوضًا عن الإيمان بالله والجهاد في سبيله وقد تأتي تبعًا ومن غير قصد إليها، ولكن لا تشكل في حال من الأحوال الغرض الأساسي في المتاجرة مع الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] .
وصاحب أي دعوة وعلى رأسهم رسول الله ﷺ لا يلغي من حسابه الأسباب