← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7314

مباحث في التفسير الموضوعي

مصطفى مسلم

Полный текст (361 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

المناسبة بين المقطع الأول والثاني: هنالك مناسبات واضحة بين الافتتاحية وبين المقطع الأول، والمقطع الثاني فقد ذكرنا أن الافتتاحية تضمنت الحقائق والقيم الصحيحة التي توزن بها المبادئ والتصرفات. فاشتمل المقطع الأول على قصة أصحاب الكهف وفيها الصراع بين الباطل المتمثل في السلطة الطاغية المتجبرة وبين الحق المتمثل في نور الإيمان ومشعل الحق الذي آمن به الفتية. أما المقطع الثاني فقد اشتمل أيضًا على لونين من المبادئ والقيم: فالباطل ويتمثل في موقف زعماء قريش المتجبرين المتكبرين على عباد الله بسبب ما أوتوا من مال وجاه، فاتبعوا أهواءهم وطلبوا من الرسول ﷺ طرد فقراء المسلمين المستضعفين. وشبه حال هؤلاء القوم بحال صاحب الجنتين الذي أبطرته النعمة فتكبر وتجبر وكفر بالآخرة. والحق يتمثل في موقف المؤمنين الضعفاء الذين أمر رسول الله ﷺ أن يصبر نفسه معهم، فقد وصفوا بالإخلاص ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَه﴾ والمثابرة على طاعة الله وعبادته ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ وضرب لهم المثل بمحاور صاحب الجنتين الذي قال كلمة الحق للغافل المتكبر وبين له أن العزة الحقيقية والغنى الحقيقي لمن ملك الإيمان بالله واستغنى بما عنده عما في أيدي الناس.

стр. 212

هذه المناسبات بين المقاطع وبين الافتتاحية أما المناسبات بين المقطعين نفسيهما فمما يرد على الذهن بشأنها -والله أعلم. ١- لما كان تعلق المقطع الأول بقصة أصحاب الكهف، وهو البند الأول من السؤال الأول الذي وجهته قريش -بتلقين من اليهود- إلى رسول الله وقد جاء الجواب عليه بالتفصيل، ولم تبق شبهة في ذلك، فمما يرد على الذهن -وقد قالوا: لقد جئنا بالأمر الفصل فيما بينكم وبين محمد، فاستقرت النتيجة لصالح محمد ﷺ أن يفكروا في الإيمان بمحمد، ولكن واقعهم وموروثاتهم الجاهلية لن يستطيعوا التخلي عنها بسهولة. ولن يستسلموا طواعية، فلكي يسمعوا من محمد دعوته وينظروا في أمر الإيمان به، فليطرد هؤلاء الضعفاء من مجلسه لكيلا يعير بهم الأسياد فيقال إنهم جلسوا مع الأرقاء والفقراء والمستضعفين في مجلس واحد. فهذا -في نظرهم- مما يزري بمكانتهم كما أن رائحة جباب هؤلاء تؤذي القوم، فإن كان حريصًا على إسلام السادة الزعماء فليهيئ لهم الجو المناسب اللائق بمقامهم فالمناسبة بين المقطع الأول والثاني كالمناسبة بين المقدمة والنتيجة فلما جاء الجواب على سؤالهم، فالنتيجة المنطقية أن يدخلوا الإسلام ولكن القوم طلبوا ما طلبوا واشترطوا ما اشترطوا ليبرروا موقفهم المعاند ولو بأتفه الأسباب. ٢- الوجه الثاني من المناسبة بين المقطع الأول والثاني: لما ورد ذكر الفتية المؤمنين في المقطع الأول ومنزلتهم في الحفاظ على العقيدة والتضحية في سبيل الله وكرامتهم على الله تعالى. ناسب أن يذكر لرسول الله ﷺ أن في أمته أمثال أولئك فلا ينبغي التفريط فيهم، بل الواجب تقريبهم والعناية بهم فهم عدة الدعوة ووقود المعارك، وهم المخلصون الذين يعتمد عليهم -بعد ذلك- في الملمات والشدائد. أما الغافلون عن ذكر الله، الساردون في ملذاتهم وشهواتهم، العابدون لأهوائهم فلا خير فيهم، وليسوا أهلًا للقيام بأعباء الدعوة ولا يزنون عند الله جناح

стр. 213

بعوضه، فلا يسمع كلامهم ولا تلبى طلباتهم والله غني عنهم، ثم ضرب لهم المثل بصاحب الجنتين. ٣- ختم المقطع الأول بقوله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ . والآية كالجسر بين المقطعين فطرفها الأول في المقطع السابق يتعلق بالإخبار بحقيقة مكوث أصحاب الكهف، وأنه لا يلتفت إلى أقوال الفئات المتنازعة في شأنهم، فعند الله الذي يعلم غيب السماوات والأرض العلم الحقيقي، واتل ما أنزل عليك في شأنهم، يا محمد من أمور الغيب واستمسك به وبالهدايات التي ترد إليك، ومن هذه الهدايات الصبر مع المتقين المخلصين، وعدم الاغترار بالمظاهر الزائفة والأقوال الخادعة من زعماء الشرك فإنما يزينون لك الحياة الدنيا وقد علمت قيمتها الحقيقية. وهو الطرف الآخر من الجسر إلى المقطع الثاني. ٤- يضاف إلى هذه المناسبات ما تقدم في مبحث المناسبة بين المقاطع وبين هدف السورة وقد ذكرنا هناك أن سوق هذه القصة بمثابة التقريع والتوبيخ لزعماء قريش الذين أهملوا عقولهم وأغفلوا معرفتهم بمحمد ﷺ وصدقه ونزاهته وأمانته وأرسلوا إلى اليهود ليعطوهم ما يتحققون به من صدق محمد في دعوته. فسيق لهم هذا المثل أن من غفل قلبه عن ذكر الله واتبع هواه وكانت قيمه التي يحتكم إليها المال والجاه ضل ضلالًا بعيدًا، ولم يهتد إلى بدائه العقول وإلى نور الفطرة فلا ينظر إلى الأمور إلا بمنظار الغنى المادي وكثرة الرجال وعلو الجاه والمنزلة بين الناس. فطغيانهم المادي واختلال الموازين والقيم عندهم هو الذي دفعهم إلى هذا التصرف فضرب لهم المثل لبيان الحقائق.

стр. 214

العرض العام للمقطع الثاني: عرض المقطع الثاني في فقرتين رئيسيتين تتعلق الأولى منهما بتوجيه رسول الله ﷺ لصبر نفسه مع الفئة المؤمنة من فقراء المسلمين وضعفائهم ونبذ ما طلبه زعماء قريش من إبعادهم، كما وضح سبب النزول ذلك١ ثم جاءت الفقرة الثانية بمثابة التقرير والتأكيد لما تضمنته الفقرة الأولى عن طريق ضرب المثل٢ لتوضح الحقائق وإبرازها. وما ورد في هذه الفقرة الأولى من الفتن التي يتعرض لها أهل الدعوات خلال مسيرتهم في الدعوة إلى الله . إن من سنن الله في المجتمعات أن يستجيب لكل دعوة جديدة أقل الناس تعلقًا بالحياة الدنيا وأثقالها وأوثاقها، وأن يستجيب لها أقل الناس وجاهة ومكانة في القوم. وأن يكون من جندها أول الأمر أهل الحماسة والنخوة الذين لم تفسد فطرهم. نستطيع أن نقول إن هذا الأمر عام مشترك بين أتباع الدعوات جميعًا فإذا كانت الدعوة ربانية مقنعة للعقل ملائمة للفطرة الإنسانية ملبية لحاجات البشر المادية والروحية، تمكنت في القلب وارتفعت بالأتباع وازدادوا لها محبة وفي سبيلها تضحية وبذلًا، وجاهدوا في سبيلها بكل شيء. أما إذا كانت الدعوة أرضية بشرية تهدف لتحقيق مصالح معينة فسرعان ما يحيط بها فئة أو طبقة من الناس فيستغلونها لتحقيق مآربهم وينكشف الأمر للرعيل الذي استجاب لها أول وهلة فمنهم من يستمر معها لأنها حققت له مصلحة، ومنهم من يتركها ويعاديها لأنه كان ضحية شعاراتها، وبريق أضوائها، فلا بد من وجود الصراع بين أتباع هذه الدعوة إلى أن يفني طرف منهما الآخر، وقد كانوا من الرعيل الأول الذي تبنى الدعوة وحمل لواءها. هذه سنة الله في الدعوات واتباعها -حسب فهمنا. ودعوة رسول الله صلى الله لعيه وسلم استجاب لها أول من استجاب الشباب والفقراء والنساء

стр. 215

والأرقاء، ومن كانت تربطه برسول الله ﷺ قبل البعثة روابط شخصية خاصة كأبي بكر ﵁. وتقاعس أهل الثراء والغنى وأهل الجاه والزعامة. وذلك لأن أهل الثراء ينظرون إلى الدعوة من خلال مصالحهم المادية وما تدره الدعوة عليهم من مال ونشب، أو تفوت عليهم من مصالح وتلحق بهم من خسارة، فإن بان لهم -وخاصة في بداية الأمر- أنها مغارم وليس مغانم كانوا أبعد الناس عنها، بل كانوا من العقبات الشديدة في عرقلة مسيرتها١. وصاحب الجاه والزعامة ينظر إلى مكانته في هذه الدعوة الجديدة، هل تبقى له الزعامة ويكون المقدم فيها، أو أنه سيفقد مكانته ويكون تابعًا كسائر الناس. فإن لم يضمن المكانة والمنزلة في الدعوة الجديدة لم يسلم له القياد، بل كان من جملة العقبات في سبيل انتشارها. وكلا الفريقين يأتي ويساوم صاحب الدعوة، ماذا ستكون لنا إن نحن تبعناك ونصرنا دعوتك هل يكون لنا الأمر من بعدك٢. وهنا تختلف الدعوة الربانية عن غيرها من الدعوات، إن الأمر لله من قبل ومن بعد يضعه حيث يشاء، ولكنهم إن آمنوا وعملوا الصالحات والتزموا أحكام دعوة الله وأخلاقها فلهم الجنة، أما في الدنيا فإن شأن الدنيا أحقر من أن تكون عوضًا عن الإيمان بالله والجهاد في سبيله وقد تأتي تبعًا ومن غير قصد إليها، ولكن لا تشكل في حال من الأحوال الغرض الأساسي في المتاجرة مع الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] . وصاحب أي دعوة وعلى رأسهم رسول الله ﷺ لا يلغي من حسابه الأسباب

стр. 216

الظاهرة، ولا يمكن أن تلغى من المعادلة طبائع الناس ومطالبهم وتعلقاتهم وبخاصة إذا وضعت في صورة مبسطة، مبرأة عن المطامح. ولكن موازين الله من الدقة والحساسية بحيث تميلها أدنى الانحرافات. لقد سبق أن وقعت لرسول الله ﷺ حادثة مشابهة، وكانت حسب الظاهر وحسب المقاييس البشرية لا غبار عليها، ولكن الله عاتب فيها رسوله وبين له أن الله غني عن العالمين ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى، أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى، فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى، وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى، وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى، وَهُوَ يَخْشَى، فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى، كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ [عبس: ١-١١] . وهنا موقف يتكرر من زعماء قريش يريدون إبعاد الفقراء أصحاب جبب الصوف لئلا تؤذيهم روائح جببهم، وهم يلوحون ويلمحون أن في إسلامهم إسلام من وراءهم من الأتباع، وستوضع ثرواتهم ووجاهاتهم في خدمة الدعوة. كل ذلك يشترط أن يعرف صاحب الدعوة مكانتهم ويلبي لهم طلباتهم، وبدايتها تخصيصهم بهذا المجلس الخاص. إلا أن الذي أنزل الكتاب وأرسل محمدًا بدعوة الحق، مطلع على ما يدور في الأذهان وما تحتويه الصدور. إن هؤلاء لا يلجئون إلى مثل هذه المساومات إلا إذا أحسوا أن الوقت ليس في صالحهم١، وأن المستقبل أصبح يميل إلى جانب دعوة الحق نتيجة الأحداث

стр. 217

التي يعايشونها، من دخول الناس في دين الله، وعدم ارتداد أحد منهم، ولم يستطيعوا حصر الدعوة بين جبال مكة فضلًا عن خنقها والقضاء عليها١ عند ذلك تراودهم المساومات وتخطر لهم العروض. وأمثال هؤلاء تسيرهم مصالحهم وأهواؤهم، فما أن ينظروا في موقف من المواقف أن مصالحهم قد تعرضت لخطر وشيك حتى يقلبوا ظهر المجن ويتحولوا إلى الجانب الآخر. ودعوة الله لا يصلح لها إلا من عاش بها ولها، ولم يكن له مطمع في شيء سوى رضوان الله والفوز بجنات عرضها السماوات والأرض، وسوى اتقاء غضب الله الجبار المنتقم وعذابه الشديد. لا يصلح لدعوة الله إلا من وضع نصب عينيه العطاء والبذل من غير حدود ولو جاء ذلك على ماله وروحه التي بين جنبيه من غير أن يتوقع عوضًا دنيويًا من أحد.

стр. 218

لذا كان الأمر الجازم الصارم -لأن الموقف يقتضي ذلك، ولأنها المرحلة التأسيسية لدعوة الحق- ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا، وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ . وفي ميزان الله أن الأمور بخواتيمها وعواقبها، وعاقبة هؤلاء الكفار الظالمين الطغاة إلى نار أحاط بهم سرادقها١، فأي خير يرجى من وجودهم في الصفوف. - وعاقبة أصحاب جبب الصوف من الفئة المؤمنة ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ ، إنه الثواب والعوض عن القيود والأكبال التي كبلوا بها، وعن جبب الصوف ذات الرائحة الكريهة وعن المجالس المغطاة بالرمل والحصى والحجارة التي كانوا يجتمعون فيها لكي يدعوا ربهم بالغداة والعشي٢.

стр. 219

ثم تأتي الفقرة الثانية مقررة ومؤكدة للقيم التي وردت في الفقرة الأولى عن طريق سوق القصة مثلًا لحالهم جميعًا. إن الإنسان العاقل يحدد منهجه في الحياة وسلوكه بين الناس على ضوء القيم التي يعتنقها ويؤمن بها. فلما كانت منطلقات زعماء قريش زينة الحياة الدنيا "المال والجاه" دفعتهم إلى ذلك المطلب السخيف التافه بتخصيصهم بمجلس لا يشاركهم فيه الضعفاء والفقراء. فليتدبر هؤلاء القوم ومن كان على شاكلتهم ممن أعشت زينة الحياة الدنيا بصائرهم عن رؤية الحق. فليتدبروا قصة صاحب الجنتين وصاحبه وليعتبروا فإن فيها العظة والعبرة: صديقان أوتي أحدهما من زهرة الحياة الدنيا ما تتطلع إليه النفس البشرية وتنتشئ لرؤيته، لقد أعطاه الله جنتين١ فيهما من أنواع الفاكهة والأعناب ما لذ وطاب وقد حفتا بسياج من النخيل وبين أشجار النخيل والأعناب ساحات واسعة مخصصة لزراعة الحبوب والخضراوات الأخرى، ولا شك أن هذا التنويع في الزرع والشجر يضفي جمالًا وبهاء على منظر الجنتين ويضفي قيمة وغلاء على ثمنهما، فمن المعهود عند أصحاب الفاكهة أن أنواعًا منها تثمر في سنوات وينقص ثمرها في سنوات أخرى كما أن أنواعًا من الزراعة تتأثر ببعض الآفات في سنوات بينما أنواع لا تتأثر بها. فالتنويع في الأنواع يجعل صاحب الزراعة في منأى عن ضياع المواسم بالكلية وفوات الثمر والحصاد. إلا أن الجنتين في القصة أتت أكلها خير ما يكون الإيتاء والإنتاج ولم تنقص شيئًا من العطاء.

стр. 220

ومما أضفى الجمال على الجنتين، وأغلى من قيمتهما تفجر النهر خلال الأشجار والزرع١. وبالإضافة إلى هذه الممتلكات والعقارات الثابتة، فقد كان لصاحب الجنتين من المال المنقول ومن النقدين ما كان يستثمره في التجارة والمجالات الأخرى، ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَر﴾ ٢، بحيث استكمل الرجل الأسباب الظاهرة للتمكن من الثروة والقبض عليها بأيد قوية، فلئن فاتته فرصة في التجارة فإن الزرع والأعناب ستعوضه، ولئن أصابته آفة زراعية فإن المال المستثمر سيغطي النقص لديه. كل ذلك ساقه الله له سوقًا من غير جهد وخبرة من الرجل بدليل إسناد الضمائر إلى لفظ الجلالة "جعلنا، حففناهما، جعلنا بينهما زرعًا، وفجرنا". وحصول هذه النعم الدنيوية العظيمة له، وتسخير هذا الثراء وهذه الأموال لمصالحه، وتنعمه بها، يستدعي شكر مسدي هذا النعم، وتسخيرها في طاعته واتفاقها في سد خلة المحتاجين لتكون وسيلة إلى القربى من المولى . هذا هو المفروض وهو المتوقع من العبد تجاه ما ساقه إليه سيده ومولاه. إلا أن النفس البشرية إذا تركت على هواها، وحجب عنها نور الإيمان، ونظرت إلى ما بين يديها من الأسباب المادية، أخذها الغرور والبطر، وظنت أنها لم تؤت هذا المال وهذه المكانة والوجاهة إلا لمزايا ذاتية فيها، وهذا الصنف من

стр. 221

البشر يتكرر في كل زمان ومكان وفي كل حال لم تهذب بإشراقة الإيمان، ولقد ظن هذا الظن قارون عندما قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٨٧] . لقد أخذه البطر والأشر والتكبر على عباد الله فالتقى صاحبه الفقير وهو في زينته ليحاوره ويقول له: "أنا أكثر منك مالًا وأعز نفرًا" لم يقف به الغرور والبطر عند التكبر على عباد الله وكسر قلوب الفقراء بل تجاوز ذلك إلى حين يفقد توازنه في الحكم على الأشياء وأن يضفي صفات كاذبة على ما بين يديه من المال والثراء فزعم لها البقاء والخلود: ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ ، ولكنه تذكر أن السنة الجارية على الأحياء أن لا يخلد استمتاعهم بمالهم وأولادهم فإما أن تفارقهم أو يفارقوها بالموت، يا هل ترى ما المصير عندئذ؟! إن تذكر الموت وتصور الحياة الأخرى والحساب والجزاء، مما يقض مضجع المترفين البطرين الأشرين، لذا يحاولون إلقاء حجب كثيفة بينهم وبين الاعتقاد باليوم الآخر. فقال قولته الملحدة ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ ، ولكن المؤمنين يؤكدون على وجود هذا اليوم، وقد أرسل الرسل بهذه العقيدة، ولم يخل دين سماوي عن هذه العقيدة، فتنازلًا عند كل هذه الأقوال، وافتراضًا لغير الواقع يفترض وجود هذا اليوم افتراضًا فلو وجد هذا اليوم وبعث يوم القيامة، فلأنه ذو مواهب خاصة، وطاقات نادرة، ومزايا ذاتية فسيجد عند ربه خيرًا مما آتاه في الدنيا، يقول ذلك عجرفة وتهكمًا بصاحبه وبما يعتقده. إنها النفس الأمارة بالسوء، المغرورة بالقيم الزائفة المتبعة لهواها، قد أبطرتها النعمة وأذهلتها الثورة وأسرتها الوجاهة. إلا أن صاحبه المعتز بإيمانه بربه، الذي ينظر بنور الله، ويحكم على الأشياء بميزان العقيدة ولا تبهره المظاهرة البراقة المخادعة يجابهه بالحق، ويذكره بحقيقته، وحقيقة ما هو فيه لقد بدأ الانحراف في صاحب الجنتين من داخل نفسه ومرورًا بالمال وكثرة الرجال ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ . فليذكر له صاحبه الدواء والعلاج والتقويم من داخل نفسه أيضًا إن نفسه المتكبرة المتجبرة المتعالية على العباد ما هي إلا مستلة من التراب المهين الذي يداس بالأقدام، ثم من النطفة القذرة التي يستحيي من إظهارها أو الحديث عنها،

стр. 222

ولولا رحمة الله بالناس، والنفخة الربانية التي نفخها فيها لما كان لها شأن ولا قيمة، فكيف ينسى المرء أصله ومنشأة والعناية الربانية به ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ . إن هذه الحقائق العظمى ينبغي أن لا تنسى، ولا يليق بعاقل أن يغفل عنها ويخرجها من حسبانه في النظر إلى الحياة والناس والمال والمتع، لقد جرت سنة الله في الخلق أن يدخل السرور إلى القلب وتنتعش النفس إذا تيسرت لها سبل المعيشة وحصل على زينة الحياة الدنيا، إلا أن ذلك لا يخرجها عن طبيعتها ولا يعطيها قيمة أعظم من قيمتها ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ، قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ، الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٤-١٧] . فعلى ضوء هذه الحقائق كان عليه أن يدخل جنته ويحمد الله الذي أنعم عليه بها من غير حول منه ولا قوة، ولو عرف حق الله عليه فيها فأنفق منها في وجوه الخير والبر، لكانت له مزية على غيره، ولعرف الناس فضله ومكانته، "إن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم فقال: "وما ذاك؟ " قالوا: يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون ولا نتصدق ويعتقون ولا نعتق، فقال رسول الله ﷺ : "أفلا أعلمكم شيئًا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحدًا أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة"، قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله ﷺ :

стр. 223

"ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" ١. أمثال هؤلاء عرفوا قيمة الأعراض الدنيوية فلم تلههم عن طاعة الله وعبادته بل جعلوها وسائل تقربهم إلى الله . ثم يلتفت صاحبه إلى الجنة التي كانت سبب غروره، وبطره، وتكبره على عباد الله وكسر قلوبهم، فعسى الله أن يرسل عليها إعصارًا فيه نار فتحرقها وتأتي على الأخضر واليابس فيها فتصبح خرابًا تزلق فيه الأقدام، ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ . وأحد السببين كاف للقضاء عليها، فإذا اجتمع السببان فاتت المنفعة منها تمامًا. وكانت الاستجابة لدعوة العبد الصالح فورية فلم يكد ينتهي من توجهه إلى ربه ويدعو بتفويت ما كان السبب في أشر صاحبه٢، حتى كان الدمار والخراب يحل بالجنتين، بل تعداهما إلى الأموال الأخرى ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِه﴾ . فصار يتجول في أرجاء الجنتين وهو ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ . إنها ساعة الحسرة والندم بعد فوات الأوان. لقد ذهب كل شيء في طرفة عين، أين المال الذي كان يملأ نفسه كبرًا وعجبًا وأين الجنان التي كانت تملأ نفسه نشوة وبطرًا، بل أين الرجال والنفر الذين كان يهيئهم للملمات والشدائد، لم يقدم أحدهم له عونًا ونصرًا، لم يستطع أحدهم أن يدفع عنه الكارثة الماحقة، وأنى لمخلوق أن يقف أمام قدر الله الذي يقول للشيء كن فيكون. أما كان يسع هذا الإنسان الضعيف أن يلزم حدوده، فيستمتع بما وهبه الله ويحمد الواهب على ما وهب ويشكره على ما سخر له فيكون في منأى من غضب الجبار وانتقامه، ألا يعلم الإنسان أن لله جنود السماوات والأرض، وأنه

стр. 224

لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأن إليه المصير والمآب، وأن بيده الحكم والأمر فإن أقر بذلك فينبغي أن تكون التصرفات والأعمال على ضوء ما يقر ويعترف. ثم تأتي العبرة المستقاة من الأحداث السابقة، وتساق خلاصة التجربة، وهي القاعدة العامة التي ينبغي أن لا يغفل الإنسان عنها فليتدبر زعماء قريش هذه الحقيقة، وليتدبر الآخرون من أمثال صاحب الجنتين، وليتدبر الناس جميعًا إلى قيام الساعة حقيقة ما هم فيه: الحياة الدنيا سريعة الزوال، سريعة الانقضاء ما وجودها ولا استمتاعكم بها في سرعة زوالها إلا كسرعة دورة نباتية مما تشاهدونه أمامكم يتكرر كل موسم زراعي. أمطار تنزل من السماء فتنبت الأرض من الأعشاب والحشائش وأنواع النباتات وخلال أشهر قليلة تزدهر وتزهو فتبلغ أوجها في النضارة والاخضرار في الربيع، فلا تكاد تنقضي أشهر الربيع حتى تصبح هشيمًا يابسًا مصفرًا يتكسر من هبات النسيم فتذروه الرياح في الأرجاء بددًا لا تقوم لها قائمة. إنها أشهر معدودات. تتكرر فيها حياة النبات على هذه الشاكلة إن الدورة النباتية صورة مصغرة لدورات أخرى تجري، فعلى مستوى الأفراد ولادة فطفولة فشباب ثم كهولة وشيخوخة ثم قبض وانتهاء وهذا ما يشاهده الناس في أنفسهم وعلى مستوى الأجيال والدول والمجتمعات، نقرأ في التاريخ دولًا وأممًا ولدت ثم نمت وتوسعت وانتشرت ثقافاتها ثم أصابها الجمود ثم التقلص ثم الاندثار والفناء. وقل مثل ذلك على مستوى البشرية والكوكب الذي نعيش عليه، إنها ومضات من تاريخ الكون الطويل، والقدم والبقاء للحي القيوم المقتدر. إن سنة الله في الكون أن خلق المخلوقات ووفر لها نظم حياتها ووسائل معايشها، وسخر بعضهم لبعض، ووضع في الكون طاقات وقوى ورسم سبل الهداية إليها. وأنزل على صفوته من خلقه -الأنبياء والمرسلين- النظام الذي ينبغي السير عليه في هذا الكون.

стр. 225

فهناك وسائل لا ينبغي أن تأخذ دور الغابات وهنالك أشياء جعلت زينة لغيرها فلا تأخذ مكانة القيم والحقائق وهنالك وهنالك. فعلى الناس جميعًا أن يتصرفوا في ضوء الهدايات الربانية، ويتعاملوا مع الموجودات في الكون. ومن هذه المبادئ الأساسية ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إنها زينة وليست قيمة، وإنها وسائل لا غايات. أما الباقيات الصالحات١ فإنها قيمة وغاية وحقائق فهي التي توزن بها الرجال والأعمال، وبها تدرك الغايات والثوابت ومن منطلقاتها تصدر الأحكام. وهي الباقية بعد انتهاء هذه الحياة الدنيا وزوالها، وهي الذخر والكنز الذي يبقى مع صاحبه إلى دار القرار. ورد في الحديث: " يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى معه واحد يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع الأهل والمال، ويبقى العمل معه" ٢. فيما فوز من ثقلت موازينه بالباقيات الصالحات.

стр. 226

عظات وعبر: لقد أطلنا في العرض الإجمالي لهذا المقطع، لذا نكتفي به عن العرض التحليلي مخافة الإطالة وتجنبًا للتكرار، وبعض النقاط الهامة سنذكرها في جملة فقرات العظات والعبر. اشتمل هذا المقطع على حكم جليلة -شأن المقاطع جميعًا- وفيما يلي نذكر جملة منها: ١- في تقديم الحديث عن فقراء الصحابة والصبر معهم، وعدم سماع قول المشركين الغافلين عن ذكر الله على قصة صاحب الجنتين حكم منها: أ- ربط المثل والقصة بالواقع المحسوس المشاهد أشد أثرًا في النفس وأقوى دلالة على المطلوب، فعندما ذكر واقع هؤلاء وأولئك ومصير كل، جاء المثل ليقرر الحقائق ويبين القيم والمعاني التي يعتنقها كل فريق. ب- وجود شبه ومناسبة بين الفتية المؤمنين، أصحاب الكهف، وبين الفتية الفقراء من أصحاب رسول الله ﷺ . ج- لو ذكرت قصة صاحب الجنتين بعد قصة أصحاب الكهف مباشرة لكان الانتقال من قصة إلى قصة، وفي ذلك إغراق في الخيال للمستمع والقارئ وإيغال في الأمور النظرية. مما يؤدي إلى أثر عكسي عليهما بينما التنويع في أسلوب العرض بين الأحداث الواقعية وضرب الأمثلة وسوق القصص ينشط الذهن ويحمل النفس على التفاعل مع القضايا المعروضة. ٢- ينبغي أن تكون الدعوة جماهيرية المنحى، ولا يجوز حصرها في طبقة معينة، وإذا حاولت طبقة ما: من المثقفين، أو النجار أو العمال، أو الفلاسفة، أو العسكريين حصر القيادة فيهم ستقع الفجوة بين القاعدة الجماهيرية، وبين القيادة، ويؤدي بالتالي هذا الوضع إلى تبلد إحساس القيادة بمشاكل عامة المسلمين، وتزداد النقمة من العامة على القيادة، لذا كان الصبر مع الحريصين على الدعوة المقبلين على الالتزام بمبادئها، والتضحية في سبيلها من أساسيات الصفات القيادية في الزعامة المؤمنة. والمخلصون الباذلون الربانيون هم بطانة القيادة وموضع شوراها بغض النظر عن الأنساب والطبقات والمستوى المعاشي ﴿وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ .

стр. 227

٣- المرونة في الدعوة والتدرج مع المدعوين في حملهم على الالتزام بمبادئ الدعوة، وترغيبهم فيها وتحبيبها إلى نفوسهم بشتى الأساليب كل ذلك شيء مرغوب فيه -وسيرة رسول الله ﷺ مليئة بالشواهد على ذلك- أما إذا تعلق الأمر بالمساومة على مبادئ الدعوة وتعديل منهجها وتغيير حقائقها، فينبغي على الداعية أن يقف وقفة صارمة صريحة، وإفهام المدعوين أن الله غني عن العالمين وأن دخولهم في دعوة الحق تكريم لهم وتشريف لمقامهم، وليس تشريفًا للدعوة فإن شرفها تستمده من المصدر الذي أنزلها، ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧] . وهذا ما اشتملت عليه الآيات الكريمة ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ . ومثل هذا الأسلوب يفعل فعله في نفوس المترددين والمساومين الراغبين في المداهنة ويترك أثرًا في أذهانهم لإعادة النظر في مواقفهم من الدعوة. ٤- جاء عرض مصير الفريقين على طريقة اللف والنشر غير المرتب، وذلك لحكمتين: أ- للمناسبة بين ذكر الفتية أصحاب الكهف، والفتية من صحابة رسول الله ﷺ كما تقدم. ب- لتعقيب ذكر الغافلين المتكبرين بذكر سوء مصيرهم، فما يفصلهم عنه سوى حاجز الموت ليروا النار المعدة لهم ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾ . ٥- الجزاء من جنس العمل، أبدل كل فريق بمجالس تعكس صورة أعمالهم في الحياة الدنيا. أ- لقد كان الغافلون المتبطرون يعيشون حياة الرفاه والترف في الدنيا، فكانوا يجلسون في أماكن خاصة تحيط بها السرادقات تحجبهم عن أعين الناس، فلا يستطيع أحد اقتحامها عليهم، لئلا تفسد أمزجتهم ويكدر عليهم صفو استمتاعهم، وكانت هذه المجالس تعد خصيصًا لهذه المناسبات، وقد أبدلوا

стр. 228

بها اليوم نارًا أحاط بهم سرادقها، فلا يستطيعون النجاة من النار، ولا اقتحام السرادقات، فهم في عذاب مقيم، وهذه المجالس جاهزة لهم معدة تنتظر ورودهم إليها. ب- كانوا في مجالسهم الدنيوية ينادون على الخدم والغلمان للاستزادة من الشراب ويشربون الكئوس المترعة للمزيد من النشوة والفتوة والنشاط وأبدوا بها يوم القيامة زبانية جهنم، كلما اشتد عليهم الحريق والعذاب بالنار استغاثوا بالماء ليطفئ اللهيب في أجوافهم ﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ إذا رفعوا الإناء إلى أفواههم جاءهم لفح الماء ولهبه فتساقطت أبشار الوجوه في الإناء، هذا فعلها في الوجوه فكيف تفعل بالجوف والأمعاء. جـ- كانوا يظنون أن السعادة كل السعادة في هذا اللون من المجالس والخدم والشراب، وأن من أوتي في الدنيا مثل هذا فقد نعم في حياته ولا يريد عنها بديلًا. فأدركوا في الآخرة حقيقة ما كانوا عليه، ووجدوا الشفاء الذي صاروا إليه، فأدركوا أن متعًا زائفة هذا مصيرها ساءت لذة وفي الآخرة ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ . أما أهل التقوى والصدق، الذين حبسوا أنفسهم على طاعة الله وتدبر آياته، وكانت لهم مجالسهم وهيئاتهم ومرافقهم قد أبدلهم الله بها مجالس ومرافق خيرًا منها: أ- أما مجالسهم في الدنيا فقد كانت الحصباء في الأودية والشعاب أو في قعر البيوت المظلمة وفي السراديب والأقبية مخافة اطلاع الجبابرة عليهم -وأغلبهم من الأرقاء والمستضعفين والموالي- فيسيمونهم سوء العذاب. أبدلهم الله بها الحدائق الغناء والبساتين الملتفة الأشجار تجري من تحت أقدامهم الأنهار. ب- كانت ملابسهم في حياتهم الدنيا جبب الصوف تفوح منها رائحة العرق

стр. 229

ولا تكاد تجد على أحدهم رداء وإزارًا، فمنهم من اشتمل بإزاره فعقده بين منكبيه، ومنهم من لا رداء له. ومنهم من تخلل بعباءة إنهم كانوا حفاة عراة جياعًا. لقد بوأهم الله في جنات الخلد مقاعد صدق عند مليك مقتدر وحلوا حلل الكرامة والعز والشرف، فهي أيديهم -التي طالما وضعت فيها القيود والأكبال- أساور من ذهب وفضة، ويلبسون الحلل السندسية من رقيق الحرير وغليظه، تفروح من مجالسهم رائحة المسك والعنبر. ج- كانوا في حياتهم الدنيا يفترشون الأرض ويلتحفون السماء ويتخذون الحجاة والصخور الصماء وسائد ومتكًأ. أما اليوم فلهم أرائك وعروش كعروش الملوك والسلاطين، وأين العروش الدنيوية الزائلة من أرائك الجنة الباقية. إن العيش عيش الآخرة، وكل نعيم سوى نعيم الجنة زائل، وساء كل مرتفق إلا مرتفق الجنة فنعم الثواب وحسنت مرتفقًا. ٦- منطق الفكر المادي: خطوات تجر بعضها بعضًا ومقدمات تؤدي إلى نتائج: أ- الانطلاق من النفس "أنا" والنظر إلى الأشياء بمنظارها والتحاكم إلى هواها في معرفة قيم الأشياء وحقائقها وإذا أوتي المرء مزية أو قدرة أو كفاءة، أسند ذلك إلى الفضل الذاتي والطبيعة. ب- حصر اللذة والمتعة والسعادة في المحسوسات البهيمية العاجلة. جـ- إنكار الغيبيات، واليوم الآخر والحساب والجزاء، تشبثًا باللذة الفانية، وشهوات النفس الوضيعة وعدم التفكير بالعواقب إبقاء لها وتغريرًا وخداعًا للنفس. د- اختلال التوازن والمحاكة العقلية الصحيحة فيحسبون أن القيم التي يعاملهم بها أهل الدنيا، تظل محفوظة لهم في الملأ الأعلى،

стр. 230

فما داموا يستطيلون على أهل الأرض فيظنون أن لهم عند أهل السماء مكانًا ملحوظًا: "ألا ساء ما يظنون". ٧- سنة الله في خلقه أن لا يزيل النعمة عن العباد بمجرد كفرهم، فقد يمتع الكافر طول حياته بماله وصحته وولده، وفي ذلك استدراج له، أما إذا أصبحت الصحة والثروة والأتباع وسيلة طغيان واحتقار وإذلال لعباد الله الصالحين، فإن عقوبة الله العاجلة له بالمرصاد. ٨- المال والبنون، زينة الحياة الدنيا، يجعلها أهل الدنيا قيمًا وهي أعراض زائلة، وبذلك يعيبون، الحقائق، ويبنون عليها أمور الآخرة وهو وهم وسراب خلب ذهبت بآمالهم أدراج الرياح. الباقيات الصالحات هي القيم الصحيحة وبها توزن الأعمال وهي سبب السعادة في الآخرة.

стр. 231

المقطع الثالث: وقفة تأمل في المال والمصير مدخل ... المقطع الثالث: وقفة تأمل في المآل والمصير ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا، وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا، وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا، مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا، وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا، وَرَأى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا، وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا، وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا، وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا، وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا، وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ . [الآيات من: ٤٧-٥٩] .

стр. 232

المناسبات بين المقطع الثالث وما قبله: يأتي هذا المقطع مختلفًا في أسلوب العرض عن المقطعين السابقين، حيث تعرض مشاهد سريعة من مشاهد يوم القيامة، وهي بمثابة النتائج لتصرفات المغرورين بالقيم الزائفة في الحياة الدنيا ولعل من أبرز وجوه المناسبة بين هذا المقطع والمقطع السابق. ١- لما انتهى المقطع السابق بذكر الباقيات الصالحات، وأنها خير ثوابًا وخير أملًا، بدأ هذا المقطع بذكر اليوم الذي تظهر فيه الخيرية للباقيات الصالحات وهو ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ حيث تبرز قيم الأشياء على حقيقتها للعيان. ٢- لما كانت زينة الحياة الدنيا أكبر همهم ومبلغ علمهم -كما عرض في المقطع السابق- بين لهم في هذا المقطع أن الذي يزين لهم ذلك هو عدوهم الأول إبليس، فلا ينبغي اتخاذه وذريته أولياء، لأنه سيؤدي بهم إلى المهالك وسوء المصير، إلى جهنم ولن يجدوا لهم عنها مصرفًا. أما الباقيات الصالحات فستعيدهم إلى ما كان فيه أبوهم آدم ﵇ من التكريم والنعيم المقيم. ٣- تشابه بين المواقف الثلاثة: - موقف مشركي قريش من فقراء المسلمين وتكبرهم عليهم. - وموقف صاحب الجنتين وتكبره على صاحبه وقوله: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ وقوله: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ . - وموقف إبليس من آدم ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ . وإبليس في موقفه هذا قدوة كل متكبر على الحق ومن كان إبليس وليه وقدوته فقد خسر الدنيا والاخرة. ٤- منهج المعرفة الخاطئ يجمع بين الطوائف الثلاث: فقد جعل زعماء قريش النسب والثروة ميزان التقويم ومقياس التفاضل وجعل صاحب الجنتين الثروة وكثرة الرجال والمزايا الشخصية معيار الخيرية وجعل إبليس الماهية التي خلق منها الميزان والمقياس ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] .

стр. 233

العرض الإجمالي للمقطع الثالث: هذا المقطع بمثابة التعقيب على أحداث مقطع صاحب الجنتين. ومن وحي ذكر الزينة الفانية الزائلة، والباقيات الصالحات. لقد عرض المقطع جانبًا من مشاهد يوم القيامة وأحداثه. فقد سيرت الجبال وسويت بالأرض بعد أن دكت ونفست فصارت كثيبًا مهيلًا كالعهن المنفوش، وأصبحت الأرض قاعًا صفصفًا لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا. وحشر الناس كما خلقوا أول مرة١ وعرضوا صفًا على طبيعتهم من غير أصبغة وزخارف، فلا ملابس تميزهم، ولا مال يدل على ثرائهم وغناهم ولا أتباع يرمزون إلى مكانهم وجاههم. وأسقط في أيدي أصحاب الزينة وأدركوا أن ما كانوا يتحاشون ذكره ويظنون بعيدًا ماثلًا أمامهم.

стр. 234

وفوجئ الناس بوضع الموازين القسط وعرض الكتاب، إنه صحائف الأعمال في الحياة الدنيا التي خلفوها وراء ظهورهم، لقد مضت كالسراب بزخارفها ومآسيها وآثامها وغرورها ومتعها، ولم يبق منها سوى "الباقيات الصالحات". لقد رأى المجرمون جرائرهم ويستعرض أمامهم شريط الأقوال والأفعال وخطرات السوء، ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا، اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣-١٤] . لا مجال للإنكار. فقد ردوا أيديهم في أفواههم مستغربين مدهوشين ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ . لا مجال للتظلم، فقد وضحت الحقائق، وأقيمت الحجج، وأدلى الشهود العدول من الجوارح والأعضاء بشهاداتهم، وهم يدركون شعار الحق ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْم﴾ [غافر: ١٧] . لم يكن تباكيهم على وقوع الظلم عليهم أو احتمال وقوعه، ولكن دعاؤهم بالويل والثبور على أنفسهم كان مما وجدوا في الكتاب من حصر شامل لمخازيهم ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ لم يترك الكتاب صغيرة مما كانوا يعتبرونها من محفرات الأعمال: فربما تكلم الرجل بكلمة من سخط الله أهوت به في نار جهنم١. ولربما كانوا يلهون ويلعبون ويستهزئون ويضحكون، وهم غافلون، فاليوم يقال لهم: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥] . وهذا التعقيب مناسب لما تقدم في المقطع السابق من موقف زعماء قريش من فقراء الصحابة، كما أنه منسجم مع أحداث المحاورة بين صاحب الجنتين وصاحبه المؤمن المعتز بإيمانه. وتأتي بعد ذلك لفتة لأصل الغواية، لمعرفة جذور الداء، وأصول هذه الضلالة

стр. 235

التي عليها غالبية الناس، وهي سبب خداعهم بالمظاهر البراقة والقيم الزائفة، فما أساس البلاء. إن جذور الداء موصولة بأب الغواة، وأساس الفساد إبليس عليه لعائن الله. لقد تمرد على أمر ربه فلم يسجد لآدم ﵇، وطرد بسبب هذا العصيان من رحمة ربه. فأضمر العداوة لآدم لكونه السبب في هذا الطرد وأوعد بإغواء ذريته إلى يوم الدين، وقد حذر الله آدم وذريته من مكائد إبليس ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧] . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ، إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٥، ٦] . ألا فليتدبر العقلاء: - الله خلقكم في أحسن تقويم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة. - طرد إبليس من رحمته بسببكم وتكريمًا لكم. - ولما توعد إبليس بإغوائكم كشف ربكم عن مكائده وحذركم منه. - وسلحكم بالأسلحة التي تدافعون بها عن أنفسكم، والحصون التي تلجئون إليها عند غاراته وقبيله عليكم، على ألسنة أنبيائه ورسله الذين أرسلهم إليكم تترا. ثم بعد كل ذلك ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ فهل من تعليل لهذا الموقف يقبله المنطق، وهل من شبهة تثور في أذهانكم حول مقدرة إبليس وطاقاته وإمكاناته، فتضفي على تفكيركم ظلالًا من الشك في الحقائق: - هل يقدر إبليس وجنده على خلق السماوات والأرض منفردين أو مجتمعين؟ - هل حضروا خلق الكون فاطلعوا على السر في السماوات والأرض؟

стр. 236

- هل كان لهم مؤازرة ودعم في إيجاد الأنظمة الكونية؟ - هل كان لهم أدنى مساهمة في خلق شيء حتى خلق أنفسهم؟ - هل كان لهم خيار في اختيار الماهية أو الكيفية أو الزمان أو المكان الذي يخلقون فيه؟ فإن كان العجز المطلق عن التطلع إلى مقام الألوهية وخصائصها من شأنهم فما السبب في ترك الناس موالاة الإله الخالق الرازق المتصرف المدبر لشئون الكون كله، واتخاذهم إبليس وذريته -وهم لهم عدو- أولياء من دونه. ألا بئس الاختيار وساء المنطلق والمصير. ولكن هل ستذهب هذه التصرفات الغبية ومواقف الحمق والبلادة، والانحرافات الماكرة ويسدل عليها الستار، فيسوى بين أصحابها وبين الذين استجابوا لنداء الفطرة ولبوا دعوة الحق فآمنوا بالله وحده لا شريك له؟ كلا، شتان بين الفئات؟ إن هنالك يومًا للمجابهة والمحاسبة ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ . يوم تكشف الحقائق ويظهر بطلان دعوى الشركاء والأنداد، وأقر المشركون على أنفسهم بالضلال، وعلموا علم اليقين أن الشركاء لن يغنوا عنهم في هذا اليوم شيئًا. ولكن يوجه إليهم الأمر الإلهي، أن ينادوا على شركائهم الذين دعوهم من دون الله في الحياة الدنيا، تبكيتًا وتوبيخًا وتحقيرًا. ومع يقينهم أن نداءهم صرخة في واد ونفخة في رماد، إلا أنه الأمر الإلهي ولا مفر من التنفيد. فينادي أصحاب الأصنام أصنامهم. وينادي عباد الصليب صليبهم. وينادي عباد الطواغيت طواغيتهم.

стр. 237

وينادي عبيد الحزب أحزابهم. وينادي عبيد الشهوات والمتع البهيمية قيمهم. ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ . إن بين العابدين والمعبودين المزيفين هوة سحيقة من الكره والبغض ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] . لقد تحولت المودة التي كانوا يوادون بها بعضهم إلى بغض وعداوة، وانفصمت الروابط والوشائج التي كانوا يوالون بها غيرهم من مصالح مادية ومتع جسدية، ودعوات قومية ونعرات إقليمية وعنصرية أو حزبية وسائر العصبيات الجاهلية ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ ١. وبعد هذا الموقف الرهيب تتحدد المصائر، ويؤتى بجهنم لها سبعون ألف زمام، يجر كل زمام سبعون ألف ملك٢، إنه يوم يشيب له الولدان، ويرى المجرمون النار -ويا هول ما يرون- وتساورهم الظنون هل من منقذ في آخر لحظة؟ هل نحن صائرون إلى ما نرى؟ إن هول المنظر، ورهبة الموقف أفقدهم التوازن في التفكير. نعم، إن المصير الوحيد للمجرمين ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ . لقد كان لهم ولغيرهم ملجأ ومصرف يومًا ما، قبل هذا اليوم. لقد كان لهم في القرآن العظيم الذي صرف فيه من كل مثل، وبينت فيه الحقائق ورسمت الحدود وأقيمت المعالم، لقد كان فيها الملجأ والملاذ فلو التجئوا إلى هداياته، وتركوا الجدل، وأقبلوا على الله، ونهلوا من معين كتابه واستهدوا بالحكمة والرشاد، واستنار بالمعارف القرآنية إذن لاختلف المصير الذي يوجهون إليه اليوم.

стр. 238

ولكن القوم اتبعوا سنن من قبلهم من المجادلين الرافضين للحقائق الذين تبنوا مواقف العناد، وطلبوا العذاب العاجل في الدنيا نكاية بالرسل ومحادة لله ورسله. لقد قال قبلهم قوم هود ﵇ لنبيهم ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٢] . وقالت ثمود لنبي الله صالح ﵇: ﴿وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧] . ومن قبلهم قوم نوح ﵇ قالوا لنبيهم: ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [هود: ٣٢] . ومشركو مكة لم يخرجوا عن سنة المكذبين قبلهم فقالوا: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] . ومن دعائهم أيضًا: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: ١٦] . إن هذه المواقف تتنافى مع الحكمة من إرسال الرسل، لقد أرسل الله رسله لهداية الناس، بما يحملون معهم من مشاعل الحق والنور وليحذروهم من مسالك الغواية والردى. ولكن أتباع إبليس الذين طمسوا كل بارقة خير في نفوسهم، زين لهم الشيطان سوء أعمالهم، وزخرف لهم أساليب الجدل فيحاولون دحض الحق به فإن عجزوا عن ذلك -وهم عاجزون لا محاله- لجئوا إلى السخرية والاستهزاء والإعراض عن دعوة الحق بشتى الوسائل. لقد غلفت قلوبهم بحجب كثيفة من الرين من آثار الشهوات، وحجبت عقولهم بأغلفة سميكة من آثار الشبهات، فهم في صمم عن سماع صيحات الحق،

стр. 239

وهم في بكم عن التفوه بكلمة الصدق، وهم في عمى عن رؤية دلائل التوحيد. فلا تجدي معهم جهود دعاة الخير، لأنهم عطلوا وسائل المعرفة لديهم. ومع كل ذلك فإن رحمة الله واسعة عمت الخلق جميعًا، فلم يعجل لهم العقوبة المستأصلة بسبب ذنوبهم وآثامهم ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٥٤] . ولوجود رسول الله ﷺ بين ظهراني المكذبين من قريش ميزة خاصة في استحقاق الرحمة وتأجيل العذاب. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] . فلعل الله يهدي ضالهم فيستغفرون، أو يخرج من أصلابهم من يوحد الله ويعبده. ولكن لا بد للاستمرار على الكفر والجحود والعناد من نهاية، ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ . كما جرت سنة الله فيمن سبقهم من أهل القرى، والسعيد من اتعظ بغيره وأخذ العبرة من حال القرون الخالية، ولا تزال القرى ماثلة بأطلالها خاوية على عروشها، وهم يمرون عليها مصبيحن وبالليل أفلا يتذكرون فهل من معتبر؟!

стр. 240

الفوائد والعظات والعبر في المقطع الثالث: ١- في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ . بيان لحشرهم مجردين عن الثياب والمال والأعوان، وفي ذلك ترسيخ لحقيقة وردت في المقطع السابق وهي أن زينة الحياة الدنيا تذهب مع الحياة الدنيا، لأنها لم ترتبط بقيم باقية خالدة "ذكر الله وما والاه". ٢- أسلوب الالتفات من الأساليب البلاغية العريقة في البيان القرآني لإعطاء كل مقام ما يناسبه من أفانين القول. فلما كان الحديث عن القدرة والعظمة جاء التعبير بإسناد الأفعال إلى ضمير المتكلم المعظم نفسه "نسير، وحشرناهم، فلم نغادر، جئتمونا، خلقناكم، نجعل، وجعلنا وصرفنا، نرسل، أهلكناهم". ولما كان الكلام عن الوحدانية والتفرد بالخلق والتدبير ونفي الشركاء، جاء التعبير بضمير المتكلم المفرد "أولياء من دوني، ما أشهدتهم، وما كانت، واتخذوا آياتي". وعندما يكون الحديث عن الخالق المنعم الرحيم بعباده على الرغم من كفرانهم للنعمة وعدم قيامهم بواجب الشكر، يأتي التعبير بإسناد الأفعال إلى الاسم الظاهر، وخاصة إلى "الرب". "وعرضوا على ربك صفًا، ولا يظلم ربك أحدًا، ففسق عن أمر ربه، ويستغفروا ربهم، ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه، وربك الغفور ذو الرحمة". وكذلك في أسلوب الالتفات من الغيبة إلى الحضور والعكس. ٣- في قوله تعالى عن إبليس: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ وفي آبة البقرة ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤] . وفي آية الأعراف ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١١، ١٢] . في هذه الآيات وغيرها بيان لعلة انحراف إبليس وهي "الكبر" وذلك لنظرته الخاطئة للقيم -قال: خلقتني من نار وخلقته من طين- لقد نظر إلى الصنعة فاعترض من خلالها على الصانع، وتمرد على أمره. قال العلماء: من كانت خطيئته في كبر لم يكن صلاحه مرجوًا، ومن كانت خطيئته في معصية كان صلاحه مرجوًا١. ٤- كل الولاءات والصلات والأنساب والقرابات مبتورة مقطوعة إلا الموصول بالإيمان بالله ورسوله وشرائعه.

стр. 241

لذا تنقلب المودة إلى كره، والولاء إلى عداوة، والصلة إلى قطيعة والنصرة إلى براءة. يقول تعالى في شأنهم: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨] . وقال أيضًا: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥] . وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ، الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٦، ٦٧] . وهو الفاصل المشار إليه في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ . ٥- وفي ثنايا المقطع الثالث نلحظ الدعوة إلى ترسيخ قيم وحقائق، والدعوة إلى اجتثاث قيم أخرى زائفة: ولعل أبرز القيم الصحيحة في المقطع تتبلور في الآتي: أ- كرامة آدم وذريته على الله تعالى بإسناد مهمة الاستخلاف في الأرض له، وإسجاد الملائكة له، وطرد إبليس من رحمته من أجله. ب- من شأن الإله الحق التفرد بالخلق والتدبير، وهو الجدير بإعطاء الولاء له وتوجيه المحبة إليه. جـ- الطريق المنفذ من الضلال في الحياة الدنيا، ومن عذاب جهنم في الآخرة اتباع الكتب المنزلة والكتاب المهيمن عليها القرآن الكريم والاقتداء برسل الله وخاتمهم محمد ﷺ . د- أخذ العظات والعبر من مصير الأقوام السابقين، والالتجاء إلى الله لتجنب ما حاق بهم.

стр. 242

وتقابلها القيم الزائفة الباطلة وتظهر من خلال: أ- زوال زينة الحياة الدنيا وظهور أصحابها مجردين عن الأصبغة والألوان كما خلقوا أول مرة. ب- قدوة الضالين إبليس المتمرد على طاعة ربه، وسبب غوايته عتوه تكبره. فمن يتخذه وذريته أولياء من دون الله -مع عدم ما يؤهلهم للتطلع إلى مقام الألوهية من الخليق والتدبير- فقد باء بالخسران المبين، وستظهر فداحة الخسارة يوم ينادونهم فلا يستجيبون. جـ- سبب ضلال الناس: اتباع الهوى، والمجادلة بالباطل، لدحض الحق، الاستهواء بالدعاء والمصلحين، واتباع سنن السابقين في استعجال العقوبة الدنيوية. د- تعطيل وسائل المعرفة، وعدم الاعتبار بمصير المكذبين السابقين على الرغم من مرورهم في أسفارهم على ديارهم الخاوية على عروشها ومساكنهم المندثرة التي لم تسكن من بعدهم. كل ذلك كان من دواعي هلاكهم ودمارهم.

стр. 243

المقطع الرابع: الرحلة في طلب العلم مدخل ... المقطع الرابع: الرحلة في طلب العلم ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا، فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا، فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا، قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا، قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا، قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا، قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا، قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا، قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا، فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا، فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا، فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا، قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا، أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا، وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا، فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا، وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [٦٠-٨٢]

стр. 244

المناسبات بين المقطع الرابع وما قبله: سبق أن ذكرنا في مبحث "المناسبات في السورة" أن قصة موسى والخضر ﵉ تتعلق بالهدف الأساسي لسورة الكهف من حيث الاستنكار على اليهود الذي زودوا وفد قريش بأسئلة تعجيزية ليتثبتوا -حسب زعمهم- من صدق محمد ﷺ فيما جاءهم به فسيقت لهم هذه الحادثة أن هذا المنهج ليس فهمًا صحيحًا في التثبيت من صدق النبي فهذا موسى ﵇ من أعظم أنبياء بني إسرائيل وأكرمهم على الله تعالى، قد جهل ثلاث مسائل واحتاج إلى من يعلمه إياها، ولم يؤثر ذلك في مكانته العظيمة وفضله وسبقه وكونه من أولي العزم من الرسل. فالقصة وثيقة الصلة -من هذه الزاوية- بهدف سورة الكهف وهو إثبات الرسالة، وبيان صدق الرسول. ولكن ما مدى صلة هذه القصة بالعنوان الذي اخترناه "القيم في ضوء سورة الكهف"؟ إن هذه القصة تمثل جانبًا مهمًا أيضًا في الزاوية التي نتناول منها السورة، فهي تمثل قيمة العلم الحقيقية، وتسوق نموذجًا فريدًا لما ينبغي أن يتحلى به طالب العلم والعالم من صفات، وحقيقة العلم الذي يحرص عليه وثمرته. إن قصة أصحاب الكهف تناولت قيمة السلطة والسلطان. وتناولت قصة صاحب الجنتين قيمة المال والرجال: وتتناول هذه القصة قيمة العلم وحقيقته.

стр. 245

هذان وجهان للمناسبة بين هذا المقطع وبين هذه السورة والعنوان الذي تناولها تفسير السورة من خلاله. فما أوجه المناسبة بين هذا المقطع وسابقه؟ هناك عدة أوجه للمناسبة بين هذا المقطع وسابقه، ومن الأوجه التي ذكرها المفسرون ما هو وثيق الصلة بالمقطع ومنها ما هو غير واضح الارتباط، وأذكر بعض الوجوه واضحة الارتباط والصلة بالمقطع السابق. ١- ذكر في المقطع السابق قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ . وذكر في هذا المقطع لون من ألوان تصريف القول بأسلوب القصة والحوار وفيه من عظيم الحكم، والآداب والعظات والعبر الشيء الذي لا يحاط به، وسنورد جملة من ذلك عند العرض الإجمالي وفي مبحث العظام والعبر لهذا المقطع الرابع. ٢- ذكر في المقطع السابق قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ وهو في سياق المؤاخذة على الإنسان الذي لا يستسلم لبراهين الحق وأدلة العقل، وظهور الحجة، ولولا هذه الطبيعة في الإنسان لتجاوب مع نداءات الفطرة التي فطر عليها، وللبى نداء العقل فلم يتخذ أولياء من دون الله ، ولعادي إبليس وذريته، لأن العقل يفرض عليه ذلك، ولكنه أوتي الجدل فلا يستسلم لكل ذلك إلا بعد المجاهدة ومساندة دواعي الاستسلام. وفي سياق قصة موسى والخضر ﵉ لون رفيع من ألوان التربية القرآنية وإلزام النفس الإنسانية حدودًا معينة في ترك الجدل ولو كان أمام واقعة ظاهرها الانحراف. ولا شك أن هذا النوع من ترك الجدل أشد على النفس، لأن المأمور بالكف عن الجدل يرى الحق معه فكيف يصبر عن إظهاره ويسكت على خلافه ولعل هذا اللون التربوي الذي أشار إليه رسول الله ﷺ :

стр. 246

"أنا زعيم ببيت في ربض الجنة، لمن ترك المراء، وإن كان محقًا ... " ١ الحديث. ٣- ذكر في المقطع السابق بعض وسائل المعرفة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ . إن وسيلة الإدراك الأصلية في الإنسان هو القلب الذي انفرد به الإنسان من بين سائر المخلوقات ونقصد بالقلب تلك الملكة المعنوية التي يستطيع الإنسان بواسطتها التمييز بين الحق والباطل والخطأ والصواب وهي وسيلة التحليل والتركيب والاستنباط والإقناع، وهي التي جاء التعبير عنها باللب والعقل والفؤاد والقلب وهي التي تأتيها الغشاوة والران أو الإبصار والإشراق وهي المرادة بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] . ولهذه الملكة صلة وثيقة بالقلب المادي المكون من اللحم، وبالمخ في الرأس المكون من النخاع والأعصاب. وهذا القلب يستمد معلوماته الأولية عن طريق الحواس الخمس وعلى رأسها السمع والبصر. فبعد ذكر وسائل المعرفة في المقطع السابق، ذكر هنا أن هنالك علمًا لا يخضع لوسائل المعرفة المعهودة عند الناس، وإنما هو علم من لدن الله يقذفه في قلوب بعض عباده وأصفيائه، وإما إلهامًا أو وحيًا، لذا جاء تعظيم شأن هذا العلم بإسناده إلى ضمير العظمة مع التأكيد عليه بالمؤكدات العديدة ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ . ٤- ذكر في المقطع السابق أن مشركي قريش اتبعوا سنة من قبلهم من المكذبين الهالكين في طلب العقوبة الدنيوية العاجلة وذلك في قوله تعالى:

стр. 247

﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ . وذكر أيضًا سنة الله في الأخذ في العاجلة أو الإرجاء إلى الآجلة وأن الخيرة في اختيار الله ومشيئته وإرادته وأمره، لو كان الإنسان مدركًا للحكمة العالية في تصريف شئون الكون، جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ . وذكر في هذا المقطع ثلاث وقائع كان ظاهرها أن العاجلة خلاف المصلحة، ولكن عندما كشف النقاب عن السر الإلهي في ذلك، وبرزت الحكمة الدافعة، اختلف التقدير والتقويم للتصرفات، فقد كانت النظرة الظاهرة تقضي بإبقاء السفينة على حالها وهو أفضل لمصلحة المساكين وترك الغلام على قيد الحياة أدخل للسرور على قلب والديه من قتله وترك الجدار الآيل للسقوط أليق بتصرف أهل القرية البخلاء اللئام عقوبة لهم. ولكن حكمة الله وإرادته وأمره كان خلاف هذه الظواهر العاجلة، فكانت الآجلة أفضل للمساكين، وأقوم للأبوين الصالحين، وأحفظ لليتيمين في القرية. هذه الأوجه التي أراها أحكم من غيرها في الربط بين المقطعين، أما ما ذكره بعض المفسرين من ورود ذكر إبليس في المقطع السابق وذكر الشيطان في المقطع اللاحق. وذكر تمرد إبليس وتكبره عن سماع أمر ربه بالسجود لآدم فكانت عاقبته الطرد واللعنة، وعكس ذلك في قصة موسى ﵇ حيث سمع أمر الله وأطاع وتواضع لله تعالى فذهب لتلقي العلم ممن هو دون شهرته ومكانته في قومه. هذه الوجوه وغيرها أراها عابرة لا تخلو من التكلف. وفيما ذكرته الغنية والكفاية بإذن الله.

стр. 248

العرض الإجمالي للمقطع الرابع: ذكرت في مقدمات تفسير هذه السورة الكريمة أن الأسلوب العام في مقاطع هذه السورة هو أسلوب القصة، كما ذكرت أن القصص التي ذكرت في هذه السورة قصص فريدة، حتى قصة موسى فتعتبر فريدة من وجه لأنها تتعلق بالسيرة الذاتية لموسى ﵇ وبمداركه العلمية وتلمذته على الرجل الصالح الذي علمه ربه من لدنه علمًا، أما القصص الأربع في سورة الكهف قصص فريدة في القرآن الكريم. وذكرت أيضًا أن أسلوب القرآن الكريم في كثير من قصصه إغفال جزئيات كثيرة إما لعدم تأثيرها في السياق والعبر المستقاة من القصة، أو تشويقًا للسامع وإفساحًا لمجال فكرة وخياله لكي يملأ تلك الفجوات بالاحتمالات التي تخطر على باله، وفي ذلك تنشيط للذهن، وإثارة للتساؤلات لمتابعة الأحداث. وتتبلور هذه الأسس في قصة موسى والخضر ﵍ في أبرز صورة: - فالدافع لموسى ﵇ في اتخاذ قرار بالسفر إلى مجمع البحرين لا وجود له في ثنايا القصة. - ونفاجأ بالقصة وأحداثها وبموسى وفتاه وهما على متن الطريق وقد شرعا في السفر، وهما يتبادلان الحديث حول الوصول إلى الهدف والتصميم على ذلك. - والمكان الذي كان منه الانطلاق مجهول وكذلك مكان اللقاء بالعبد الصالح وزمانه ولئن ذكر مجمع البحرين فهو غير معلوم بالتحديد لأحد من المفسرين. وقل مثل ذلك في زمان الحادثة هل كان قبل خروج بني إسرائيل من مصر، أو بعد الخروج، وهل وقع قبل التيه أو أثناءه. - وهذا الفتى الذي رافق موسى ﵇ من هو؟ ما دوره في مجريات الأحداث؟ ما مصيره بعد اللقاء بالعبد الصالح؟

стр. 249

- والعبد الصالح ما حقيقته؟ أنبي مرسل، أو ولي مكرم، أو عالم مطلع؟ وما المدة التي قضياها مصطحبين؟ وما وجهته ومصيره بعد الفراق؟ وجو الغموض والمفاجآت الذي يلف القصة من أولها إلى آخرها ملائم تمامًا للهدف منها، يقول سيد قطب رحمه الله تعالى في هذا الصدد: إن القوى الغيبية لتتحكم في القصة منذ نشأتها، فها هو ذا موسى يريد أن يلقى هذا الرجل الموعود، فمضى في طريقه، ولكن فتاه ينسى غداءهما عند الصخرة، وكأنما نسيه ليعودا فيجد هذا الرجل هناك. "ولم ينبئنا القرآن باسم الرجل تكملة للجو الغامض الذي يحيط بنا، وما قيمة اسمه؟ إنما يراد به أن يمثل الحكمة الإلهية العليا، التي لا ترتب النتائج القريبة على المقدمات المنظورة بل تهدف إلى أغراض بعيدة لا تراها العين المحدودة، فعدم ذكر اسمه يتفق مع الشخصية المعنوية التي بمثلها"١. وبعد أن يكشف الرجل ستر الغيب عن تصرفاته ليبرز الحكمة من ورائها يختفي من السياق كما بدا، لقد مضى في المجهول كما خرج من المجهول فالقصة تمثل الحكمة الكبرى، وهي لا تكشف عن نفسها إلا بمقدار ثم تبقى مغيبة في علم الله وراءه الأستار. ولولا أن السنة النبوية الشريفة أكملت جوانب وألقت الأضواء على بعض التفصيلات لما وجدنا إلى العلم الصحيح بها سبيلًا. لذا أرى من اللزام علي أن أسرد ما ذكرته السنة الصحيحة في هذا الشأن لنستعرض بعد ذلك العرض الإجمالي لمعاني الآيات الكريمة. جاء في صحيح البخاري ... عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: إن نوفًا٢ البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ﵇ ليس هو موسى صاحب

стр. 250

بني إسرائيل، قال ابن عباس: كذب عدو الله، حدثنا أبي بن كعب ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ ، يقول: "إن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ قال: أنا". وفي رواية قال رسول الله ﷺ : "موسى رسول الله ذكر الناس يوما حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب، ولَّى فأدركه رجل فقال: أي رسول الله هل في الأرض أحد أعلم منك؟ قال: لا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه، إن لي عبدًا بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى: يا رب فكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتًا فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم، فأخذ حوتًا فجعله في مكتل ثم انطلق، وانطلق معه فتاه يوشع بن نون، حتى إذا أتيا الصخرة -وفي رواية: وفي أصل الصخرة عين يقال لها الحياة، لا يصيب من مائها شيء إلا حيي، فأصاب الحوت من ماء تلك الصخرة فتحرك وانسل من المكتل فدخل البحر- وضعا رءوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سربًا، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، حتى إذ كان من الغد، قال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به قال له فتاه: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ ، قال: فكان للحوت سربًا ولموسى وفتاه عجبًا، قال: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ قال: فرجعا يقصان أثرهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجَّى بثوب، فسلم عليه موسى، فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام؟ -وفي رواية فوجدا خضرًا على طنفسة خضراء على كبد البحر مسجى بثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه، وطرفه تحت رأسه، فسلم عليه موسى، فكشف عن وجهه، وقال: هل بأرضك من سلام؟ - من أنت؟ قال: أنا موسى فقال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: أتيتك لتعلمني مما علمت رشدًا -وفي رواية قال له موسى: وما أدراك بموسى بني إسرائيل؟ قال: الذي
следующие страницы →