← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7314

مباحث في التفسير الموضوعي

مصطفى مسلم

Полный текст (361 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

"أنا زعيم ببيت في ربض الجنة، لمن ترك المراء، وإن كان محقًا ... " ١ الحديث. ٣- ذكر في المقطع السابق بعض وسائل المعرفة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ . إن وسيلة الإدراك الأصلية في الإنسان هو القلب الذي انفرد به الإنسان من بين سائر المخلوقات ونقصد بالقلب تلك الملكة المعنوية التي يستطيع الإنسان بواسطتها التمييز بين الحق والباطل والخطأ والصواب وهي وسيلة التحليل والتركيب والاستنباط والإقناع، وهي التي جاء التعبير عنها باللب والعقل والفؤاد والقلب وهي التي تأتيها الغشاوة والران أو الإبصار والإشراق وهي المرادة بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] . ولهذه الملكة صلة وثيقة بالقلب المادي المكون من اللحم، وبالمخ في الرأس المكون من النخاع والأعصاب. وهذا القلب يستمد معلوماته الأولية عن طريق الحواس الخمس وعلى رأسها السمع والبصر. فبعد ذكر وسائل المعرفة في المقطع السابق، ذكر هنا أن هنالك علمًا لا يخضع لوسائل المعرفة المعهودة عند الناس، وإنما هو علم من لدن الله يقذفه في قلوب بعض عباده وأصفيائه، وإما إلهامًا أو وحيًا، لذا جاء تعظيم شأن هذا العلم بإسناده إلى ضمير العظمة مع التأكيد عليه بالمؤكدات العديدة ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ . ٤- ذكر في المقطع السابق أن مشركي قريش اتبعوا سنة من قبلهم من المكذبين الهالكين في طلب العقوبة الدنيوية العاجلة وذلك في قوله تعالى:

стр. 247

﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ . وذكر أيضًا سنة الله في الأخذ في العاجلة أو الإرجاء إلى الآجلة وأن الخيرة في اختيار الله ومشيئته وإرادته وأمره، لو كان الإنسان مدركًا للحكمة العالية في تصريف شئون الكون، جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ . وذكر في هذا المقطع ثلاث وقائع كان ظاهرها أن العاجلة خلاف المصلحة، ولكن عندما كشف النقاب عن السر الإلهي في ذلك، وبرزت الحكمة الدافعة، اختلف التقدير والتقويم للتصرفات، فقد كانت النظرة الظاهرة تقضي بإبقاء السفينة على حالها وهو أفضل لمصلحة المساكين وترك الغلام على قيد الحياة أدخل للسرور على قلب والديه من قتله وترك الجدار الآيل للسقوط أليق بتصرف أهل القرية البخلاء اللئام عقوبة لهم. ولكن حكمة الله وإرادته وأمره كان خلاف هذه الظواهر العاجلة، فكانت الآجلة أفضل للمساكين، وأقوم للأبوين الصالحين، وأحفظ لليتيمين في القرية. هذه الأوجه التي أراها أحكم من غيرها في الربط بين المقطعين، أما ما ذكره بعض المفسرين من ورود ذكر إبليس في المقطع السابق وذكر الشيطان في المقطع اللاحق. وذكر تمرد إبليس وتكبره عن سماع أمر ربه بالسجود لآدم فكانت عاقبته الطرد واللعنة، وعكس ذلك في قصة موسى ﵇ حيث سمع أمر الله وأطاع وتواضع لله تعالى فذهب لتلقي العلم ممن هو دون شهرته ومكانته في قومه. هذه الوجوه وغيرها أراها عابرة لا تخلو من التكلف. وفيما ذكرته الغنية والكفاية بإذن الله.

стр. 248

العرض الإجمالي للمقطع الرابع: ذكرت في مقدمات تفسير هذه السورة الكريمة أن الأسلوب العام في مقاطع هذه السورة هو أسلوب القصة، كما ذكرت أن القصص التي ذكرت في هذه السورة قصص فريدة، حتى قصة موسى فتعتبر فريدة من وجه لأنها تتعلق بالسيرة الذاتية لموسى ﵇ وبمداركه العلمية وتلمذته على الرجل الصالح الذي علمه ربه من لدنه علمًا، أما القصص الأربع في سورة الكهف قصص فريدة في القرآن الكريم. وذكرت أيضًا أن أسلوب القرآن الكريم في كثير من قصصه إغفال جزئيات كثيرة إما لعدم تأثيرها في السياق والعبر المستقاة من القصة، أو تشويقًا للسامع وإفساحًا لمجال فكرة وخياله لكي يملأ تلك الفجوات بالاحتمالات التي تخطر على باله، وفي ذلك تنشيط للذهن، وإثارة للتساؤلات لمتابعة الأحداث. وتتبلور هذه الأسس في قصة موسى والخضر ﵍ في أبرز صورة: - فالدافع لموسى ﵇ في اتخاذ قرار بالسفر إلى مجمع البحرين لا وجود له في ثنايا القصة. - ونفاجأ بالقصة وأحداثها وبموسى وفتاه وهما على متن الطريق وقد شرعا في السفر، وهما يتبادلان الحديث حول الوصول إلى الهدف والتصميم على ذلك. - والمكان الذي كان منه الانطلاق مجهول وكذلك مكان اللقاء بالعبد الصالح وزمانه ولئن ذكر مجمع البحرين فهو غير معلوم بالتحديد لأحد من المفسرين. وقل مثل ذلك في زمان الحادثة هل كان قبل خروج بني إسرائيل من مصر، أو بعد الخروج، وهل وقع قبل التيه أو أثناءه. - وهذا الفتى الذي رافق موسى ﵇ من هو؟ ما دوره في مجريات الأحداث؟ ما مصيره بعد اللقاء بالعبد الصالح؟

стр. 249

- والعبد الصالح ما حقيقته؟ أنبي مرسل، أو ولي مكرم، أو عالم مطلع؟ وما المدة التي قضياها مصطحبين؟ وما وجهته ومصيره بعد الفراق؟ وجو الغموض والمفاجآت الذي يلف القصة من أولها إلى آخرها ملائم تمامًا للهدف منها، يقول سيد قطب رحمه الله تعالى في هذا الصدد: إن القوى الغيبية لتتحكم في القصة منذ نشأتها، فها هو ذا موسى يريد أن يلقى هذا الرجل الموعود، فمضى في طريقه، ولكن فتاه ينسى غداءهما عند الصخرة، وكأنما نسيه ليعودا فيجد هذا الرجل هناك. "ولم ينبئنا القرآن باسم الرجل تكملة للجو الغامض الذي يحيط بنا، وما قيمة اسمه؟ إنما يراد به أن يمثل الحكمة الإلهية العليا، التي لا ترتب النتائج القريبة على المقدمات المنظورة بل تهدف إلى أغراض بعيدة لا تراها العين المحدودة، فعدم ذكر اسمه يتفق مع الشخصية المعنوية التي بمثلها"١. وبعد أن يكشف الرجل ستر الغيب عن تصرفاته ليبرز الحكمة من ورائها يختفي من السياق كما بدا، لقد مضى في المجهول كما خرج من المجهول فالقصة تمثل الحكمة الكبرى، وهي لا تكشف عن نفسها إلا بمقدار ثم تبقى مغيبة في علم الله وراءه الأستار. ولولا أن السنة النبوية الشريفة أكملت جوانب وألقت الأضواء على بعض التفصيلات لما وجدنا إلى العلم الصحيح بها سبيلًا. لذا أرى من اللزام علي أن أسرد ما ذكرته السنة الصحيحة في هذا الشأن لنستعرض بعد ذلك العرض الإجمالي لمعاني الآيات الكريمة. جاء في صحيح البخاري ... عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: إن نوفًا٢ البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ﵇ ليس هو موسى صاحب

стр. 250

بني إسرائيل، قال ابن عباس: كذب عدو الله، حدثنا أبي بن كعب ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ ، يقول: "إن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ قال: أنا". وفي رواية قال رسول الله ﷺ : "موسى رسول الله ذكر الناس يوما حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب، ولَّى فأدركه رجل فقال: أي رسول الله هل في الأرض أحد أعلم منك؟ قال: لا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه، إن لي عبدًا بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى: يا رب فكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتًا فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم، فأخذ حوتًا فجعله في مكتل ثم انطلق، وانطلق معه فتاه يوشع بن نون، حتى إذا أتيا الصخرة -وفي رواية: وفي أصل الصخرة عين يقال لها الحياة، لا يصيب من مائها شيء إلا حيي، فأصاب الحوت من ماء تلك الصخرة فتحرك وانسل من المكتل فدخل البحر- وضعا رءوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سربًا، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، حتى إذ كان من الغد، قال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به قال له فتاه: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ ، قال: فكان للحوت سربًا ولموسى وفتاه عجبًا، قال: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ قال: فرجعا يقصان أثرهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجَّى بثوب، فسلم عليه موسى، فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام؟ -وفي رواية فوجدا خضرًا على طنفسة خضراء على كبد البحر مسجى بثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه، وطرفه تحت رأسه، فسلم عليه موسى، فكشف عن وجهه، وقال: هل بأرضك من سلام؟ - من أنت؟ قال: أنا موسى فقال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: أتيتك لتعلمني مما علمت رشدًا -وفي رواية قال له موسى: وما أدراك بموسى بني إسرائيل؟ قال: الذي

стр. 251

أدراك بي ودلك علي، قال له الخضر: ما شأنك؟ قال: جئت لتعلمني مما علمت رشدًا قال: أما كان لك شغل في بني إسرائيل يشغلك؟ أما يكفيك التوراة ينزل عليك؟ - ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه، فقال موسى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ قال له الخضر: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نول١، فلما ركبا في السفينة، لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحًا من ألواح السفينة بالقدوم -وفي رواية فخرقها ووتد فيها وتدًا- فقال له موسى: قد حملونا بغير نول فعمدت إلى سفينتهم فخرقها لتغرق أهلها؟ ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ ٢، ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ قال رسول الله ﷺ : فكانت الأولى من موسى نسيانًا، قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة، فقال له الخضر: ما علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر، ثم خرجا من السفينة فبينما يمشيان على الساحل إذا أبصر الخضر غلامًا يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه بيده فقتله، فقال له موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ، قال: وهذا أشد من الأولى، ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا، فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ أي مائلًا: فقال الخضر بيده "فأقامه"، فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا ﴿لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا، قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ ، فقال رسول الله ﷺ : "وددنا

стр. 252

أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما" ١. من خلال العرض القرآني للقصة، ومن خلال بعض التفصيلات في السنة النبوية لها، يمكن تقسيم القصة إلى أربع فقرات: ١- الانطلاق والبحث عن العبد الصالح. ٢- اللقاء والحوار. ٣- الصحبة الكريمة والأحداث العجيبة. ٤- الفراق بعد تأويل التصرفات الغريبة. ونظرًا لطول الحديث عن أحداث القصة مجتمعة، فالأولى أن نذكر كل فقرة باستقلال في العرض الإجمالي، وكذلك في العظات والعبر، وسأحاول إلقاء الضوء على بعض الجوانب والإشكالات التي أثارها بعض المفسرين على نقاط في القصة من خلال العرض والمناقشة.

стр. 253

الانطلاق والبحث عن العبد الصالح: تقدمت الإشارة إلى أن القرآن الكريم لم يذكر عن أسباب رحلة موسى ﵇ للبحث عن العبد الصالح شيئًا. إلا أن السنة النبوية أوضحت أن سبب الرحلة كان عتاب الله لنبيه موسى ﵇ عندما سئل هل في الأرض أحد أعلم منك؟ قال: لا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه. وقبل البدء بعرض أحداث الفقرة الأولى من هذا المقطع، أحب أن أتناول جانبًا مما يورده القرآن الكريم من عتاب الله لأصفيائه من خلقه، وذلك لئلا يتسرب للنفوس شيء من وساوس الشيطان تجاه عصمة الأنبياء والمرسلين، ولكيلا تهتز الصورة المشرقة في أذهان المؤمنين عن رسل الكرام. إن ما يرد في آيات الذكر الحكيم من عتاب لبعض الأنبياء والمرسلين نلحظ

стр. 254

فيه ثلاثة جوانب: أولها: إثبات بشرية هؤلاء الأنبياء وأنهم وإن بلغوا قمة الكمالات البشرية فلا تزول عنهم صبغة البشر المخلوق الذي تتنازعه الطاقات والقوى المودعة فيه، فإن صلتهم بالملأ الأعلى، وسعيهم الحثيث لتطبيق ما يوحى إليهم والمسارعة إلى مرضاة الله يجعل منهم قدوة لأتباعهم في الإيمان والعمل الصالح، إلا أن دواعي الحاجة الإنسانية من طعام وشراب وسير في الأسواق للكسب والمعاش، وعدم الاطلاع على الغيب ومستقبل الأيام وما يعتورهم من مرض ونسيان وضعف في القوى الجسمية كل ذلك يؤكد بشريتهم فلا يستطيعون النجاة منها، وإلى هذا الجانب أشار القرآن الكريم في دحض شبهة من زعم أن عيسى وأمه إلهين من دون الله. ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ، لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٢-٧٥] . فبلوغ الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه الدرجات العليا من القربى والطاعة لا تخرجهم عن طبيعة البشر ولا يجوز اتخاذهم شركاء مع الله . وقد ضلت الأمم السابقة في هذا الأمر فاختلطت عليهم المقاييس، فبلغ من تقديسهم لأنبيائهم وصالحيهم أن عبدوهم من دون الله، كما فعلت النصارى فضلوا وأضلوا. وأبرزت بعض الأمم جانب البشرية فيهم وضخمته ونفت عنهم المزايا التي يتميزن بها عن غيرهم، فنسبت إليهم كل نقيصة ظلمًا وزورًا فضلوا وأضلوا، كما فعل اليهود في سير أنبيائهم. والمنهج العدل أن يعتقد في اصطفائهم من البشر لحمل رسالة ربهم وتبليغها إلى الناس على خير وجه، وصلتهم بالملأ الأعلى وتلقيهم عن طريق الوحي إليهم. وهي مكانة لا تدانيها مكانة غيرهم من البشر. إلا أنهم يبقون من البشر ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ . فوجود النسيان والسهو من بعض الأنبياء تأكيد لهذا الجانب، من غير أن يؤثر على مكانتهم الرفيعة عند ربهم ومولاهم ﷻ .

стр. 255

ثانيها: جانب تربوي تعليمي، إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يمثلون قمة العبودية لله تعالى، وهم القدوة لغيرهم في ذلك. كما أن سيرتهم الذاتية هي النبراس لغيرهم أثناء السير إلى الله تعالى فلئن وقع منهم بمقتضى الطبيعة البشرية ما يعاتبون عليه سرعان ما يرجعون إلى الله ويلتجئون إلى عفوه ومغفرته ويتفيئون ظلال رحمته ورضوانه. إن في رسم معالم التوبة والاستغفار واستدرار الرحمة والرضوان من خلال سيرة الأنبياء تشريعًا لأمم، ولو لم تكن هذه الوقائع في سيرهم فأنى للمذنبين أن يدركوا طريق الإنابة إلا ظلال رحمة ربهم. إن في لجوء آدم ﵇ إلى ربه بالابتهال، والإنابة ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] . وفي استسلام نوح ﵇ لربه ورجوعه إليه، وإيثار رضوانه على ما تطلعت إليه نفسه بشأن ابنه أكبر المعالم التربوية إلى يوم القيامة. ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧] . وفي ابتهال ذي النون في بطن الحوت ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] . زاد لمن وقع في ضيق الدنيا وتقلبات أحوالها وسدت في وجهه السبل. وفي إنابة داود ﵇ واستغفاره وإقباله على ربه بالطاعة والعبادة إدراك للصلة بين العبد وخالقه ومولاه ومالكه. ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ، فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٤، ٢٥] . لو ترك البشر يشرعون لأنفسهم طريق التوبة والإنابة والاستغفار لما اهتدوا إلى رضوان ربهم، ولضلوا كما ضل من شرع لنفسه شئون حياته الدنيوية إن "الدعاء هو العبادة"١ والشرائع التعبدية كلها من الله وليس لأحد أن يشرع

стр. 256

لنفسه والمقربون إلى الله يدركون ما يليق بالذات القدسية من كمالات وما تنزع عنها الذات القدسية من نقص ومحال، والبشر عاجزون عن ذلك فما يكون كمالًا في حق البشر قد يكون نقصًا محالًا على الذات الإلهية إن وجود الولد والزوجة والقرين والشريك من متطلبات الحياة الإنسانية وتعتبر من الكمالات البشرية ومن عدمها اشتكى من نقص في نفسه. أما بالنسبة لله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا، تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا، أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا، وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا، إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٨٨-٩٣] . ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ، بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ، لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٠-١٠٣] . ثالثها: إن من يمعن النظر في الأقوال والأعمال التي عوتب عليها الأنبياء صلوات الله عليهم يجدها لا تخرج عن دائرة الأقوال والأفعال التي تدخل في دائرة الاجتهاد وورود الاحتمالات عليها، والموقف الذي اتخذه النبي في الغالب يكون مما يقال عنه أن الأولى كان الوجه الآخر، إلا أن هذه الأولوية لا تدرك إلا بعد التنبيه الرباني ولا يمكن الاستدلال عليها بالظواهر والأسباب المتاحة عند وجود الحادثة وإلا لأدى إلى ارتكاب النبي المخالفة الواضحة وهم منزهون عن ذلك. وإذا كان العتاب يرد على خلاف الأولى، والتهديد يرد على الأمر المفروض غير الواقع١.

стр. 257

ولمن العتاب؟ ولمن التهديد؟ لصفوة الله من خلقه وأنبيائه المرسلين إلى عباده فكيف يكون الحال بالنسبة لمن خالف صريح أمره وارتكب صريح نهيه وعصى محكم شرعه. إن في ذكر هذه الألوان من العتاب إيجاد حاجز نفسي بين العباد وبين المعصية ومخالفة شرائع الله. وبالنسبة لمعاتبة موسى ﵇ التي نحن بصدد الحديث عنها فهناك احتمالان لا ثالث لهما: أ- إنه نسي رد الأمر إلى الله ، كما نسي غيره من الأنبياء والمرسلين: كما نسي آدم ﵊، وكما نسي سليمان ﵇ وكما نسي محمد ﷺ ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ . ولكن النسيان في أمور الشرائع والعبادات لا يخلو من نوع من الأثر والتعقيب أو التعليق، فالنسيان في بعض العبادات يجبر بعمل لاحق كالصلاة، وفي بعض المعاملات بتحمل الآثار المالية وإن كانت المؤاخذة الأخروية غير واردة في شأن النسيان فإن التنبيه أو العتاب الدينوي مما يقوم الأمر ويعدله. هذا لعامة الناس، فكيف الأمر بالنسبة للقدوة وأئمة الهدى الذين تكون أقوالهم وأفعالهم وإقرارهم تشريعًا. ب- إن موسى ﵇ عندما نفى أن يكون من الناس من هو أعلم منه، إنما قصد الناس من أمته من بني إسرائيل وفي أمور الشرائع التي كلف بها ومن المعلوم عند العلماء، أن الرسول أعلم الناس بأمور الشرائع المنزلة عليه. فيستحيل أن يكون في أمته من هو أعلم منه ولو بجزئية من الشريعة لأن في ذلك خدشًا لمقام النبوة. وقد ذهب بعض العلماء كالإمام الفخر الرازي إلى أن النبي أعلم الناس من أمته بجميع العلوم الموجودة في عهده -ولم يقصرها على الشرائع- لذات

стр. 258

السبب السابق لذا رجح الفخر الرازي أن الذي ﴿عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَاب﴾ هو سليمان ﵇ نفسه وليس أحد أتباعه المؤمنين به١. وإني وإن كنت لا أميل إلى ما ذهب إليه الرازي، إلا أن مبدأ كون الرسول أعلم أمته بالشرائع المنزلة عليه مبدأ متفق عليه بين العلماء فقول موسى ﵇ كان من هذا القبيل، فأخبر عن ظاهر علمه بالمبدأ المقرر. إلا أن الصلة القلبية للأنبياء بمصدر الوحي والعلوم الربانية تعطي لدائرة المدارك أفقًا أوسع، ودقة أبلغ، فكان العتاب الإلهي، لأن صيغة التعبير جاءت عامة من غير تخصيص ومطلقة من غير تقييد. أقدم هذه الأسس بين يدي البحث في قصة موسى والخضر ﵉ مخافة أن تند بالقلم كلمة أسيء فيها الأدب مع مقام نبي الله موسى ﵇، أو يفهم أحد القراء عبارة على خلاف ما أقصد فتورث شبهة في النفس أو استهانة بحق نبي الله، وفي ذلك مزلق وإلحاد في دين الله، ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] . وأعود إلى سياق فقرة انطلاق موسى ﵇ للبحث عن العبد الصالح إننا نستشف من افتتاحية الفقرة أن موسى ﵇ كان قد تلقى أمرًا من ربه للذهاب إلى العبد الصالح والتعلم منه بدليل هذا الجزم والتصميم ﴿لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ ، لو لم يكن الأمر واجبًا عليه لكان له في بني إسرائيل ما يشغله، ولما كان له أن يتركهم أحقابًا من الزمان وإذا أدركنا أن الحقب فسر بالدهر، والحقبة الواحدة تبلغ ثمانين عامًا وقيل أكثر، إذا علمنا ذلك وأدركنا مدى العزم والتصميم الذي كان عليه موسى ﵇ للظفر بالعبد الصالح، فلا يكون ذلك إلا عن تكليف كلف به. ومرة أخرى نفاجأ بوجود الحوت معهما ولم يحدثنا النص القرآني عن حكمة

стр. 259

وجوده إلا أن السنة النبوية بينت لنا أيضًا سبب حمله معهم، وهو أن عودة الحياة إليه علامة وصولهم إلى مجمع البحرين مكان وجود العبد الصالح -وأستبعد ما ذهب إليه بعض المفسرين من أنهم حملوه زادًا للسفر، لأن نص الحديث النبوي جعله أمارة البلوغ واللقاء- والقصة مليئة بالمفاجآت وخوارق العادات، التي تبرز جانب قصور العلم البشري، وإحاطة المشيئة الإلهية بالكون وتصريف شئونه. فلما جلس موسى ﵇ وفتاه على الصخرة، وكان المفروض أن الفتى مكلف بالحراسة والخدمة ومراقبة الحوت في المكتل، وإخبار موسى ﵇ بكل ما يطرأ، إلا أن النسيان الذي لا يعهد في مثل هذه الحالة يطرأ على الفتى يوشع بن نون فينسى عودة الحياة إلى الحوت وخروجه من المكتل وذهابه في البحر، وبقاء السرب في البحر، إن أي أمر عادي في حياة الإنسان يمكن أن يغفل عنه بحكم الإلف والعادة، أما مثل هذه الخوارق فلو حدثت مرة واحدة لبقي القلب والعقل والفكر مشغولًا بها طيلة العمر، فما بالك إذا كانت شئون السفر والحصول على المبتغى مترتبًا على عودة الحياة إلى الحوت. إنها دروس ربانية، ثم لا يشعران بالتعب والحاجة إلى الراحة والطعام إلا بعد مضي بقية اليوم وليلة كاملة من الحادثة، ولا يخطر الأمر على بال الفتى إلا بمناسبة الرجوع إلى المكتل لإخراج الطعام، والشيء بالشيء يذكر ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ . وعادا أدراجهما فقد تحققت أمارة اللقاء، لكن الصخور تتشابه أين الصخرة التي أويا إليها، إلا أن العلامة الجديدة للاستدلال كان ذاك النفق الذي تركه الحوت كالطاق في البحر، وتماسك الماء عن الجريان عليه بمشيئة الله تعالى: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾ .

стр. 260

العظات والعبر من فقرة الانطلاق والبحث عن العبد الصالح: ١- مشروعية الرحلة في طلب العلم. ٢- من الأدب الإسلامي التلطف مع الخدم والعبيد، ومناداتهم بالأسماء المحببة وفي الحديث "لا يقل أحدكم عبدي وأمتي وليقل فتاي وفتاتي" ١. ٣- في اصطحاب موسى ﵇ لفتاه مشروعية اتخاذ الرفيق للاستئناس والاستعانة به عند الحاجة. ٤- من شرط الرفقة في السفر أن يكون أحدهم أميرًا، وعلى الأمير أن يعلم صحبه عزيمته ومقصده ويخبر عن مدة مكثه في سفره. ٥- مما ينظم شئون السفر ويخفف الأعباء ويزيد من التلاحم والترابط بين المسافرين توزيع الأدوار والمهمات، إلا أن الجميع يتضامنون في تحمل المسئولية ولو كان الخطأ أو النسيان في فرد واحد. لذا نسب النسيان إلى موسى وفتاه وإن كان حصوله من الفتى ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ . ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ . ٦- في نسيان الفتى حادثة عودة الحياة إلى الحوت وانسلاله من المكتل واتخاذه السرب في البحر، وعدم جرية الماء على هذا السرب -وكلها خوارق- في هذا النسيان، تنبيه رباني على أن كسب العلم لا يتم إلا بإرادة الله ومشيئته كما أن ثبوته وبقاءه لدى الإنسان لا يتم إلا بإرادته ومشيئته مهما بذل الإنسان من جهد وحرص على ذلك. الحقيقي لكل ذلك هو الله لا خالق ولا فاعل على الحقيقة سواه. وهو من قبيل ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] .

стр. 261

اللقاء والحوار: هذه الفقرة على وجازتها واختصار عباراتها تعد من الذخائر القرآنية التي لا يحاط بمعانيها وقد استنبط المفسرون آدابًا وحكمًا من هذه الآيات المعدودة، وسأذكر طرفًا من هذه الحكم عند الحديث عن العظات والعبر. لكني أذكر قبل ذلك: المنزلق الذي هلك فيه بعض الناس. لقد ضلت طائفتان في شأن أفضلية موسى على الخضر ﵉، والمنطلق الذي انطلقوا منه أن الأستاذ ينبغي أن يكون أفضل من التلميد فكيف يذهب موسى ﵇ للتلقي من الخضر ﵇؟ فذهبت طائفة -مقتفية أثر اليهود- إلى أن موسى المذكور في القصة ليس موسى بن عمران رسول الله، وإنما هو رجل آخر من بني إسرائيل وكان نوف البكالي يقول بهذا وهو ما رد عليه عبد الله بن عباس ﵄ كما تقدم في حديث البخاري. والدافع لهذه الطائفة للذهاب هذا المذهب هو أن في هذا التلقي ازدراء وتحقيرًا لنبي الله موسى ﵇، وهم يريدون بهذا الإنكار إبعاده عن ذلك. وضلت طائفة أخرى عندما قررت المبدأ نفسه وقالت إن الأستاذ ينبغي أن يكون أفضل من التلميذ، ولما ثبت أن نبي الله موسى ﵇ ذهب إلى ولي الله الخضر ﵇، فالخضر أفضل من موسى والولي أفضل من النبي، وعمموا هذه القاعدة إلى أبعد من ذلك ليقولوا، إن الولي قد يصل إلى مرتبة لا يبلغها ملك مقرب ولا نبي مرسل. وهذه ضلالة وجهالة، فالولي أحد أتباع نبي من الأنبياء وأحد المتلقين لشرائع الله عن طريق النبي، فكيف يكون أفضل من النبي نفسه أو تكون مرتبته أعلى من مرتبة النبي؟ وقد ذهب ابن حجر العسقلاني في فتح الباري إلى كفر القائلين بهذا القول لمخالفتهم أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة.

стр. 262

والقول الحق في ذلك: أن الخصوصية لا تقتضي الأفضلية، كما أن الأفضل قد يتلقى من الفاضل، ولا يعد ذلك نزولًا للملتقي عن مرتبته أو مكانته أو ازدراء له وتحقيرًا. وموسى ﵇ أفضل من الخضر بالاتفاق، لأنه نبي ورسول، أنزل الله عليه التوراة وأسمعه كلامه ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ كما أنه من أولي العزم من الرسل المذكورين في قوله الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧] . والخضر ﵇ مختلف في نبوته، وليس رسولًا باتفاق١. وخلال اللقاء القصير تدور محاورة بين الرجل الصالح وبين موسى ﵇، نلاحظ فيه شخصية الرجل الصالح المملية للشروط، الواقفة موقف

стр. 263

المعلم المربي، الواثقة من نفسها المتحدثة عن الحقائق الغيبية. كما نلاحظ شخصية موسى ﵇ المتلهفة لطلب المعرفة، المتواضعة أشد درجات التواضع، الحريصة على الظفر بالقبول عند الرجل الصالح ولقد أشارت الآيات الكريمة إلى جانب من تفخيم شأن الرجل الصالح، فهو عبد من خواص عبيد الله، المنسوبين إلى الله جلا جلاله والعبودية منتهى درجات الكمالات الإنسانية وما ذكر أحد في القرآن الكريم بصفة العبودية المنسوبة إلى الله تعالى إلا في سياق التكريم والتشريف١. كما أن في ذكر إيتائه رحمة من عند الله إضفاء مزايا جليلة على مكانته وفي ذكر تعليمه العلم اللدني تشريف وتوقير له. كل ذلك في قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ . ولعل سياق النص الكريم يدل بإشاراته وظلاله إلى ما ورد في الحديث الصحيح من سبب خروج موسى ﵇، وعتب الله له. ليلقى من الرجل الصالح لونًا من ألوان الاستعلاء بالعلم اللدني. ولكن هذا. الاستعلاء لا يخرجه من إعادة الفضل والنعمة إلى مسديه كما ورد في صحبح البخاري: "فسلم عليه موسى فكشف عن وجهه وقال: هل بأرضك من سلام، من أنت؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: فما شأنك؟ قال: جئت لتعلمني مما علمت رشدًا، قال: أما يكفيك أن التوراة بيدك؛ وأن الوحي يأتيك؟ يا موسى إن لي علمًا لا ينبغي لك أن تعلمه، وإن لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه ... فأخذ طائر بمنقاره من البحر، وقال: والله ما علمي وعلمك من جنب علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر"٢. إن الإشارة إلى سعة علم الله في هذا الموقف تذكير لموسى ﵇

стр. 264

لساعة النسيان التي كانت وراء هذه الرحلة العلمية١. وهي في نفس الوقت من الحوافز لحرص موسى ﵇ للمصاحبة والتلقي، لذا نراه يوافق مسبقًا على الشروط وأنه سيكون عند حسن ظن العبد الصالح به، ولا ينسى أن يربط ذلك بالمشيئة الربانية ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ . ووقفة مع دلالات هذه الفقرة وعظاتها وعبرها.

стр. 265

العظات والعبر من فقرة اللقاء والحوار: ١- تواضع الطالب للمعلم وإشعاره بهذا التواضع، يكون أدعى إلى توجه المعلم القلبي، فيبارك الله في العلم وتفتح آفاق المعرفة أمام الطالب ويبرز هذا التواضع في مخاطبة موسى ﵇ للعبد الصالح بصيغة الاستفهام ﴿هَلْ أَتَّبِعُك﴾ ، أي هل تأذن لي أن أكون لك تبعًا؟، ولم يقيد هذ التبعية بجانب من جوانب الصحبة أو الخدمة وإنما أطلقها، وفي ذلك إبراز لجانب الثقة المطلقة في المعلم. ٢- رفع المعلم إلى مقام رفيع والاعتراف له بالأستاذية، وإنزال النفس مكان التلمذة، تقدير لمكانة الأستاذ، وتواضع وهضم نفس من جانب الطالب، وهو من أسباب حصول النفع بإذن الله للطالب، لأن استشعار الطالب بهذا الفارق الكبير بينه وبين معلمه يزيده حرصًا على عدم تفويت شيء مما يقوله معلمه، بينما تكبر الطالب ورؤيته نفسه أنه أعظم قدرًا، أو أكثر فهمًا من أستاذه فمن الحواجب التي تحجب بين الطالب والفائدة من هذا الأستاذ١. أبرز موسى ﵇ هذا الجانب من الفرق بينه وبين العبد الصالح بقوله ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ﴾ ، فعلم الخضر ﵇ قد تلقاه من الله ﷻ ، يدل على ذلك سياق الآيات "وعلمناه" وبناء الفعل للمفعول "عُلمت". أما تعليم موسى فيكون على يد العبد الصالح "تعلمني"، وكأنه يقول إن الفرق بين علمك وعلمي كالفرق بين المعلمين، وهذا منتهى التقدير والاعتراف بالمنة، كما قيل: "من علمني حرفًا كنت له عبدًا" وقال شعبة: من أخذت منه أربعة أحاديث أقررت له بالعبودية حياتي.

стр. 266

٣- وفي "من" التبعيضية "مما" إشارة إلى جانبين: إن موسى ﵇ لا يريد إرهاق الأستاذ ومطالبته بكل ما عنده وإنما يكتفي ببعض ما عنده الذي يراه الأستاذ صغيرًا أو قليلًا ولكنه في حد ذاته علم راشد عظيم. وأيضًا بيان لجانب من تواضع موسى واستدرار عطف أستاذه لقبوله طالبًا عنده. فالفقير الذي يقول للغني: "أعطني من بعض ما أعطاك الله" يظهر قناعته باليسير ويبرز سعة ما عند الغني وأن ذلك لا يرهقه. ٤- العلوم التي يحرص عليها هي العلوم الراشدة وهي الوسيلة إلى الفلاح، وذلك تزكية للعلم لدى العبد الصالح "مما علمت رشدًا". ٥- في تواضع موسى ﵇ على الرغم من مكانته وشرفه في قومه والحرص الشديد الذي أظهره لطلب العلم رفع لمكانة العلم والعلماء، وبيان أن الشرف يزداد بالعلم وأن التواضع في سبيل طلبه رفع للمكانة. يقول ابن عباس ﵄: "ذلك طالبًا فعززت مطلوبًا"١. ٦- على المتعلم أن لا يعترض على أستاذه في بداية الطلب، لأن ذلك قد يؤدي إلى حرمانه من علوم أستاذه، وخاصة إذا لم تتبين له الطريقة المناسبة في توجيه السؤال بحيث لا يزعج أستاذه. وكم كان أسلوب السؤال سببًا في الغضب والحرمان والعتاب: انظر إلى أسلوب بني إسرائيل في الطلب ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [البقرة: ٦٨] . وإلى أسلوب استفسار الحواريين ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٢] . فكأنه رب موسى وعيسى وليس ربهم؟ علمًا أن القوم مؤمنون بالله وبرسالة النبي الذي يخاطبونه؟!

стр. 267

بينما نجد الأسلوب القمين بالإجابة في دعاء عيسى ﵇ ربه ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٤] . ٧- إذا شعر المعلم أن تلميذه ليس مبتدئًا، وأن علومه السابقة تهيئ له كثرة الاعتراضات والمناقشات، للمعلم أن يملي عليه شروطه التي تهيئ الظروف المناسبة لأداء رسالة التعليم، وعند عدم الالتزام بالشروط له أن يشترك المفارقة ويطلبها. ٨- للأستاذ أن يكشف عن جوانب النقص في معلومات تلميذه، ويعرفه بحقيقة علمه القاصر -وذلك من باب التأديب لا التحقير- ولكيلا تأخذه النخوة والغرور العلمي. ٩- وللأستاذ أن يختبر مدى إخلاص الطالب ورغبته الصادقة في التحصيل ومدى قدرته على تحمل المشاق في سبيله، وحدود صبره على غلظة الأستاذ وجفائه. كل ذلك نأخذه من إيحاءات قول الخضر ﵇: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ . ١٠- ولطالب العلم -بعد الاعتماد على الله وربط الأمر بمشيئة مولاه- أن يُري الأستاذ من نفسه الجلد والتحميل والمصابرة، وأن عين الأستاذ ستقر به وأنه سيجده حيث يحب، وذلك تحدثًا بفضل الله ونعمته عليه واستظهارًا لرغبته الصادقة في الطلب -لا من باب تزكية النفس أو الرياء. ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ .

стр. 268

الصحبة الكريمة والأحداث العجيبة مدخل ... الصحبة الكريمة والأحداث العجيبة: بعد ذاك الحوار المعبر ذي المغزى، انطلق الركب الكريم١، واقتصر النص القرآني على الأحداث ذات الشأن في هذه الرحلة -كما هو الحال في شأن القصص القرآني- ولم يحدد الاتجاه والمقصد، وكأنها رحلة مطلقة متروكة لمجريات الأحداث، ليكون الموقف المناسب تجاه الحدث الطارئ، هذا ما يبدو في الظاهر، أما في علم الغيب فلا صدفة ولا مفاجأة، بل الأمور تجري حسب تقدير العزيز العليم بها. ويمر الركب على مساكين يعملون في البحر، على سفينة لهم، ينقلون الناس من ساحر البحر إلى آخر، لقاء أجر معلوم، فيعرفون الرجل الصالح فيحملونه وصاحبه من غير أجر تكريمًا وتقديرًا، فلا يلبث الخضر أن ينزوي إلى طرف من السفينة ليقلع لوحًا من خشبها، ويوتد مكان الخرق وتدًا ليحد من تسرف الماء إليها، ولا يملك موسى نفسه من الغضب والانفعال تجاه هذا التصرف، كيف يقابل إحسان القوم بمثل هذا التصرف؟! ثم بأي وجه حق يعتدي على مالهم بالإتلاف؟! وكونهم مساكين تستدر حالهم العطف وتثير الشفقة عليهم. ومن شأن هذا الخرق أن يغرق ركاب السفينة الأبرياء، فما وجه المشروعية في كل ذلك؟! ﴿قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ إن هذا العمل بالمقاييس الظاهرة وما يحتمل أن يترتب عليه من المهالك أمر عظيم ولا شك. ولكن الرجل الصالح ينظر إلى المسألة من زاوية أخرى، بناء على الحكمة العليا والمصلحة الآجلة، وتطبيقًا للقاعدة الشرعية المتفق عليها بين العلماء الربانيين "يتحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأقوى" فيذكر موسى ﵇ ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ . وتهدأ نفس موسى ﵇ ويذكر العهد الذي قطعه على نفسه بعدم الاعتراض والاستفسار، حتى يكون الخضر هو البادئ بالتوضيح والبيان، وتطمئن نفسه إلى أن صاحبه ليس كسائر الأصحاب، وإنما هو رجل رباني على جانب من العلم لا يعمله موسى.

стр. 269

ومرة أخرى نتساءل: كيف ينسى موسى ﵇ في هذا الموقف الدقيق العهد على الرغم من استمرار الصحبة، وحصول العلم الراشد الذي يتوقع أن يتعمله منها مبني على عدم الاعتراض والاستفسار؟! نقول في الجواب كما قلنا في الحكمة في نسيان الحوت، ليعلم الإنسان أن تحصيل أي علم مهما صغر أو كبر، واستمراره وبقاءه مهما طال الوقت أو قصر، مرتبط بمشيئة الله تعالى وإرادته، ولا يمكن أن يحصل شيء من ذلك إلا بتوفيقه ورضاه. وبعد اعتذار موسى ﵇ عن نسيانه، وطلبه السماح من صاحبه بالتغاضي عما بدر، وأن لا يحاسبه عليه فيشق عليه الأمر، ويرهق من أمره. انطلقا فمرا على مجموعة من الغلمان يلعبون، فرأى الخضر غلامًا هو أضوؤهم وجهًا وأحسنهم مظهرًا، فتقدم إليه واجتز رأسه فاقتلعه، وأزهق روحه. لقد كان أمر السفينة إتلافًا ماليًا مباشرًا، وإغراق الركاب بقي في حدود الاحتمال، أما هنا في حادثة الغلام، فإن القتل قد حصل وإن النفس قد أزهقت، والغلام لم يبلغ الحلم ليقال: إنه أخذ بجريرة سابقة -لم يعلمها موسى- حتى لو ارتكب الغلام جريمة قتل قلا قصاص عليه لأن القلم رفع عن الصغير حتى يبلغ، فلا توجد شريعة سماوية تبيح قتل مثل هذه النفس مهما كانت الاحتمالات والتأويلات للأسباب الظاهرة لذا كان انفعال موسى ﵇ أشد من السابقة، وكان احتجاجه أقوى. ولئن كانت الأولى نسيانًا، فلا نسيان هنا، وإنما هو العمد والقصد كما قال خاتم النبيين ﵊، "فكانت الأولى من موسى نسيانًا، والثانية عمدًا، والثالثة فراقًا" ١. ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ إنه إنكار معلل، لأن قتل النفس البريئة لا يجوز في أي شريعة ولا تحتمله العقول

стр. 270

السليمة، وبعد سفك دم، بدون وجه حق، وهو من الإفساد في الأرض عند جميع العقلاء. وإلى جانب تذكير الخضر له بعهده ووعده، يقابل شدة موسى بشدة مثلها واحتجاجه المعلل بصرامة وعنف. ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ألم أقل لك أنت بالذات يا موسى، وليس لغيرك، مع ذلك تعترض علي المرة تلو الأخرى. وعاد إلى نفس موسى ﵇ هدوءها مرة أخرى، وتذكر أن المقاييس التي يحتكم إليها الرجل الصالح غير المقاييس الظاهرة التي ينطلق منها موسى ﵇ وأنه ينظر من أفق غير الأفق الذي ينظر منه موسى، وتذكر أنه قال له في بداية الرحلة: "إني على علم من الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه"١. عندئذ حصلت القناعة التامة لموسى ﵇ أن لا مجال للوصول إلى هذا العلم إلا بما يهيئه الله للعبد، وأن الطريق الكسبي إلى أسسه وقواعده المطردة مسدودة، وأن النماذج التي رآها -وإن لم يعلم تأويلها وحقائقها بعد- كافية لإعطائه أمثلة صالحة من هذه العلوم التي استأثر الله بعلمها ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤] . عند ذلك قال له موسى: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ . "رحمة الله علينا وعلى موسى، لو صبر على صاحبه لرأى العجب، ولكن أخذته ذمامة ٢، فقال ذلك"، كما قال رسول الله ﷺ ، ورغب موسى ﵇ في الفراق لا رغبته عن الصحبة، وإنما أخذه الحياء من تصرفاته مع الرجل

стр. 271

الصالح، وكأنه لا يملك من نفسه إلا الاعتراض والاحتجاج. وخاصة بعد حصول القناعة بنوع هذا العلم، وتقديم النماذج الصالحة، وسواء كثرت هذه النماذج أو قلت فلن تمكن موسى من أخذ زمام هذا العلم والمبادأة بتصرفات شبيهة بتصرفات الرجل الصالح. فما دام الأمر كذلك فليعد إلى مجاله وإلى شغله في بني إسرائيل ليؤدي فيهم رسالة ربه. ولكن ليس من الأدب انسحاب الطالب وكأنه يرغب عن معلمه، وإنما ليعط المبرر للأستاذ في اتخاذ قرار الفراق، فعلق الفارق على واقعة أخرى يظهر فيها عدم صبر موسى ﵇، وتأتي الحادثة غير بعيد، ونجد موسى ﵇ يسارع إلى الاعتراض علمًا أن ظاهر الأمر لا يقتضي الاعتراض، لأنه لا مفسدة مالية ولا بدنيه، بل هو معروف وإصلاح، وكل ما في الأمر أن ظاهره معروف لأناس لا يستحقونه. ومع ذلك نجد موسى ﵇ يسارع إلى الاحتجاج ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا، قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ . وقبل أن أدع العرض الإجمالي لهذه الفقرة أحب أن أناقش أقوال المفسرين في الدوافع التي جعلت موسى ﵇ يحتج المرة تلو المرة على الرجل الصالح على الرغم من عهده بعدم السؤال والاستفسار ناهيك عن الاعتراض والاحتجاج؟! ولئن كانت الأولى نسيانًا، فما توجيه المرة الثانية والثالثة، ولم يكن هناك نسيان؟ أليس في ذلك ما يؤخذ على موسى ﵇ ويؤثر على جانب العصمة فيه. لعل أبرز التوجيهات التي ذكرت في هذا الصدد ثلاثة:

стр. 272

أولها: الجانب النفسي لموسى ﵇ ويقصد بذلك طبيعة موسى ﵇ التي تربى عليها، فقد فتح عينيه في بيت عزة وأبهة وملك، وترعرع على ذلك، والإنسان ابن بيئته، فقد كان العنفوان والحدة يسري في دمه، وانعكس ذلك على تصرفاته قبل النبوة وبعدها: ففي حادثة انتثاره للإسرائيلي وضربه القبطي يظهر جانب من هذه الشدة: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥] . وفي حادثة توجهه إلى الإسرائيلي في اليوم التالي وقد استنجد به ثانية ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ، فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [القصص: ١٨، ١٩] . وبعد النبوة نلحظ هذه الشدة في تصرفاته، فلما رجع إلى قومه ووجدهم يعكفون على عبادة العجل، ووجد أخاه هارون بين ظهرانيهم لم يتخذ حيالهم إجراء حاسمًا، ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٠، ١٥١] . وفي سفره مع الرجل الصالح ﴿قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ ، ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ . إنه يمثل ذاك النموذج من الرجال المخلصين الذين تأخذهم الحدة عند مجابهة الأحداث المخالفة لما يرونه الصواب والحق، ولكن سرعان ما يراجعون أنفسهم عندما يذكرون بالحق ويظهر لهم الصواب. فموقفه من تصرفات الرجل الصالح كان من أثر التكوين الشخصي لنفس موسى ﵇، وحدة مزاجه، فلا يستطيع إلا أن يقول ما يعتقده الحق مهما كانت الظروف.

стр. 273

ثانيها: صدمة المفاجأة وهول الحادث كثيرًا ما تكون الآراء والمواقف النظرية بمنأى عن التطبيق العملي، فكم من طالب علم أخذ دروسًا في علم البيان ومقومات الخطابة وآدابها، فلما تولى إلقاء خطبة في محفل أو على منبر خانته معلوماته وتطايرت الأفكار من ذهنه. وارتجفت منه الأقدام وتلعثمت الشفاه فجاء بها مفككة العبارات ركيكة الجمل. وكم من باحث تلقى مبادئ الكتابة والتأليف وطريقة جمع المادة العملية وترتيبها والتوثيق من المراجع العلمية وتخريج الأحاديث النبوية من مظانها، بل قد ينتقد الآخرين لعدم التزامهم بالمنهج العلمي في ذلك، فلما كلف بكتابه مقالة أو بحث انهارت الأسس التي كان يبني عليها آراءه ونقده، ويشهد ميلاد بحث لا يطلق عليه اسم التأليف إلا تجوزًا. وهكذا في الحياة العملية، فالتاجر الذي يأخذ معلوماته وخبرته من كتب علم التجارة يصطدم بعقبات قد تودي بثروته عند النزول إلى الأسواق. والجندي الذي يأخذ ثقافته العسكرية عن السلاح واستخدامه في الكلية النظرية قد يدفع حياته أو حياة زملائه ثمنًا للتجربة الأولى على السلاح. ومن هذا القبيل ما جرى لموسى ﵇، فقد قطع على نفسه العهد بأن لا يسأل -وبالأولى أن لا يعترض- حتى يكون الرجل الصالح هو البادئ بالشرح والبيان ولكنه عندما خرج إلى التجربة العملية، ورأى أمام عينه هذا التخريب والإفساد -حسب الظاهر- نسي وعده واستنكر. يقول سيد قطب ﵀: "لقد نسي موسى ما قاله هو، وما قاله صاحبه أمام هذا التصرف العجيب الذي لا مبرر له في نظر المنطق العقلي، والإنسان قد يتصور المعنى الكلي المجرد، ولكنه عندما يصطدم بالتطبيق العملي لهذا المعنى، والنموذج الواقعي منه يستشعر له وقعًا غير التصور المجرد، وها هو ذا موسى الذي نبه من قبل أنه لا يستطيع صبرًا على ما لم يحط به خبرًا، فاعتزم الصبر واستعان بالمشيئة وبذل الوعد وقبل الشرط، ها هو ذا يصطدم بالتجربة العملية لتصرفات هذا

стр. 274

الرجل فيندفع مستنكرًا"١. ورغم وجاهة التعليل الذي ذكره سيد قطب رحمه الله تعالى ومطابقته للحادثة الأولى، فإن المفاجأة تفقد صدمتها عندما تتكرر، وخاصة عند التذكير بالوعد المرة تلو المرة، كما أن التجربة تكسب الخبرة، فلا يتماشى هذا التعليل مع الحادثة الثانية والثالثة. ولئن كانت الأولى نسيانًا واندهاشًا بهول الحادثة، فقد كانت الثانية عمدًا، والثالثة رغبة في الفراق. فلا بد من مبرر منطقي يستمسك به موسى ﵇ ودافع شرعي يمنعه من السكوت على ما يشاهده أمامه. ولعلى هذا السبب دفع بعض المفسرين ليقولوا توجيهًا آخر.

стр. 275

ثالثها: مبادئ شريعة التوراة ذهب بعض المفسرين إلى أن موقف موسى ﵇ من الاعتراض على الحوادث التي يخالف ظاهرها شريعة التوراة، منسجم تمام الانسجام مع أحكام التوراة، ولو لم يقف هذا الموقف لكان مؤاخذًا بموجب شريعته. يقول البقاعي: "من العهد الوثيق المكرر في جميع أسفار التوراة بعد إثباته في لوحي الشهادة في العشر كلمات -التي نسبتها من التوراة كنسبة الفاتحة من القرآن- بالأمر القطعي أنه لا يقر على منكر"١. فإنكار المنكر في حينه ركن من أركان الدين ولا يجوز السكوت عليه، ولما ترك بنو إسرائيل هذا الركن من شريعتهم استحقوا لعنة الله على لسان أنبيائهم ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨، ٧٩] . ولا يقال: لكن موسى ﵇ أعطى وعدًا وقطع عهدًا على نفسه بعدم

стр. 276

الاستفسار والمعارضة لما يرى أو يسمع خلال مصاحبته للرجل الصالح؟! لا يقال ذلك، لأن مخالفة ظاهر الشريعة غير داخلة في الوعد، فلو تم العقد والالتزام بين طرفين على اشتراط شرط مصادم لنص من الكتاب والسنة أو لحكم شرعي متفق عليه كان هذا الشرط باطلًا، ومن الفقهاء من يرى فساد العقد، ومنهم من يرى سريان العقد وبطلان الشرط. كما في حادثة بريرة واشتراك بائعيها أن يكون لهم الولاء، فقد قال ﷺ في شأنها: "من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فليس له وإن شرط مائة مرة، شرط الله أحق وأوثق" ١، أي لا تقره الشريعة. هذا في شريعتنا وما يدل عليه ظاهر الأمر أن ذلك كان مقررًا في شريعة موسى ﵇، يقول البقاعي: "على أنه -أي موسى ﵇ لو لم ينس لم يترك الإنكار، كما فعل عند قتل الغلام، لأن مثل ذلك غير داخل في الوعد لأن المستثنى شرعًا كالمستثنى وضعًا"٢، ويقول في موضع آخر من كتابه: "فكل منهما -موسى والخضر ﵉ صادق فيما قال موف بحسب ما عنده، أما موسى ﵇ فلأنه ما خطر له قط أن يعاهد على أن لا ينهي عما يعتقده منكرًا، وأما الخضر فإنه عقد على ما في نفس الأمر لأنه لا يقدم على منكر"٣.

стр. 277

الفراق بعد تأويل التصرفات الغريبة: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ . لقد حان وقت الفراق، كما طلب موسى ﵇ عند اعتراضه على قتل الغلام، وعند شعوره بأن لا جدوى من الاستمرار، فلن يتمكن من هذا العلم إلا ما يطلعه عليه الرجل الصالح -كما تقدم- ولكنه تحقق من مجالات العلم الذي لا يحيط به أحد غير الله ، وأن الأمور جارية في هذا الكون بقتضى الحكمة الإلهية وحسب موازين ربانية منضبطة. ولكيلا يتركه العبد الصالح في حيرة من أمره، وكما وعده في بداية الأمر أنه

стр. 278

سيحدث له ذكرًا لهذه التصرفات، بدأ بوفاء وعده، وذكر الأسباب التي دفعته إليها: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ . إن الأمر في غاية الوضوح عند المطلع على الأسباب الحقيقية الخفية. إن هذا التصرف -الذي كان ظاهره إلحاق الضرر بأهل السفنية- كان في الحقيقة لصالحهم، لقد كانت سفينتهم معرضة للحجز والغصب، ولو تركت سليمة لخسروها تمامًا وفاتتهم بالكلية، فإلحاق خرق بها وهو ضرر محتمل في سبيل دفع ضرر أكبر شيء تقول به بدهيات العقول، وتستسيغه جميع النفوس بل يكون هذا التصرف من أعظم الإحسان إلى أصحاب السفينة، مقابل إحسانهم بحملنا من غير أجر. ولم ينتظر الخضر من موسى جوابًا وإقرارًا على ما يقول، فإن الأمر من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى تردد أو جدال. ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا، فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ . "لقد كان الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرًا" ١، وكان الأبوان المؤمنان الصالحان متعلقين بهذا الغلام تعلقًا شديدًا، إنها عاطفة الأبوة، وحقيقة حال الغلام غير ظاهرة لهما، فلو استمر الغلام بينهما على قيد الحياة لأوردهما المهالك، فلا يملكان رده عن غيه وكفره ولا يتحكمان في قلبيهما لهجرة ومقاطعته. إن حزن ساعات وأيام خير لهما من نار جهنم، والعوض الذي وعدا به كفيل أن يسدل الستار على ذكرى هذا الغلام التعيس الشقي. ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] . ومن ينظر بنور الله وببصيرة المؤمن يتلمس جوانب الخيرية في كل ما يصيبه

стр. 279

في دنياه، وفي توجيهات المصطفى ﷺ "عجبت للمؤمن إن الله لم يقض قضاء إلا كان خيرًا له" ١. ولا يعترض معترض: إن الغلام لا يطلق إلا على من كان دون سن البلوغ، فكيف يحكم بكفره؟ وقد ذهب جمهور أهل السنة والجماعة إلى أن الأطفال دون البلوغ، لا يوصفون بالكفر والإيمان حقيقة، وأنهم إذا ماتوا دون البلوغ كانوا من أهل الجنة، على خلاف في التفاصيل الفرعية بينهم؟! أقول إن قول أهل السنة والجماعة تظاهره النصوص الكثيرة، وهو حكم عام وقاعدة أساسية، ولكن ما استثناه الدليل من القاعدة العامة يؤخذ به أيضًا، وقد ورد الدليل الصحيح أن الغلام قد طبع يوم طبع كافرًا، ولما أوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، وأن كل مولود بعد ذلك، أو كان موجودًا ولكنه لم يبلغ الحلم هو كافر، عمم الدعاء عليهم، وحكم بكفرهم جميعًا. ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٦، ٢٧] . إن النص يقطع دابر الاجتهاد والاختلاف، فلا اجتهاد في مورد النص. إذن فوجه المصلحة في الحادثة واضحة، وكان هذا القتل للغلام أكبر تكريم للأبوين الصالحين، وكان في نفس الوقت رحمة بهما وشفقة على حالهما، لأنهما لو أطلعا على حقيقة حال الغلام، فلربما كلفا بقتله بأيديهما، وفي ذلك من الإصر والشدة ما فيه. ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ . لقد كان الجدار لغلامين صغيرين فقدا حنان الأب ورعايته منذ الصغر، وكانا وديعتين لأب صالح استودعهما الله الذي لا تضيع ودائعه، وكان تحت الجدار كنز لهما، وكان الجدار آيلًا للسقوط، ولو ترك يسقط وحال الغلامين

стр. 280

على ما تقدم لضاعت ثروتهما، وبالتالي ضاع مستقبلهما وضاعت الوديعة، فكلف الله الخضر ﵇ بالقيام برعاية مصالحهما في هذا الجانب أليس في هذا العمل إحسان ووضع للمعروف في موضعه؟ بل إهمال مصالح الغلامين وتعريضها للخطر يزعزع ثقة الصالحين الملتجئين إلى الله بوعد ربهم. ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ . بهذا التنبيه وهذه الإشارة يودع الرجل الصالح موسى ﵇. لقد كانت هذه التصرفات تجاه هذه الوقائع أمرًا من الله تعالى للعبد الصالح ولم يكن تصرفًا ناشئًا عن اجتهاده. وكأن هذه الأحداث قد اختيرت بالذات لمشابهتها لأحداث شبيهة وقعت لموسى ﵇، وكانت له مواقف حيالها من غير أن يتلقى في ذلك أمرًا بالتصرف. - لقد كان لموسى واقعة مع التابوت واليم، وكانت المخاطر تحيط به من كل جانب، ولكن المخاطر كانت سببًا في نجاته من بطش فرعون وجنوده فالذي نجى التابوت من الغرق وألقى به إلى الساحل هو الذي أنقذ سفينة المساكين من استيلاء الملك الظالم عليها. - ولقد كان لموسى تجربة مع قتل نفس من غير أن يوحى إليه في ذلك، فلما ندم على فعلته تولاه ربه بواسع مغفرته ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ، قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٥-١٧] . - وتقديم المعروف من غير عوض قد فعله موسى ﵇ مع ابنتي شعيب ﵇ ولم يطلب منهما أجرًا ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] .

стр. 281

لقد أزاح الخضر ﵇ ثقل التساؤلات عن قلب موسى ﵇ بذكر حقيقة الدوافع إلى هذه التصرفات. ويختفي الخضر ﵇ ويسدل الستار على القصة، وفي النفس من عمق التأمل في الحقائق الكامنة في الغيب وراء الأحداث المشاهدة الشيء الكثير. ويسرح الخيال مع وقعات أقدام موسى ﵇ في طريق العودة إلى بني إسرائيل وقد عاد من رحلته بعلم نفيس، وكنز وفير من الحقائق اللدنية ليتم مسيرة الكفاح والجهاد مع بني إسرائيل.

стр. 282

العظات والعبر من فقرة الصحبة الكريمة والأحداث العجيبة مدخل ... العظات والعبر من فقرة الصحبة الكريمة والأحداث العجيبة: ١- المكلف ملزم بتطبيق ما يدل عليه ظاهر الشرع، والمحاسبة أو المؤاخذة تكون حسب موقف المكلف من دلالة النصوص الظاهرة في اعتقاده، أما حقائق الأشياء ومآل الأحداث فليس مكلفًا بها لأنها في علم الغيب. لذا لو غلب على ظن المكلف أمر ما فتصرف بناء على ما ترجح لديه، ثم تبين له أن الصحة والصواب كان على خلاف ذلك لم يأثم في تصرفه، وإن ترتب على تصرفه أضرارًا بالغير تحمل هذا الضرر من غير مؤاخذة أخروية. ٢- من كمال الحكمة الربانية وعظيم رحمة الله بعباده أن يستعمل نبيين كريمين مثل موسى والخضر ﵉ في حفظ مصالح الغلامين اليتيمين، ليلجأ عباده إليه ويتوكلوا عليه حق التوكل، فإن الله لا تضيع عنده الودائع، كما أن في ذلك حفظ مصالح الذرية بصلاح الآباء. ٣- الالتزام بالأدب القرآني الرفيع في المخاطبة والمحادثة: - فلما كان خرق السفينة عيبًا في الظاهر، لا صلاح فيه، نسبه الخضر إلى نفسه فقال: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ . - ولما كان أمر الغلام فيه جانبان: القتل، والإبدال بأفضل منه، أسنده إلى ضمير الجمع ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا، فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ . - ولما كان إقامة جدار الغلامين خيرًا محضًا، نسبه إلى الله : ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ . علمًا أن الأفعال على الحقيقة كلها لله، وبأمر منه ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ . وهذه الآداب نجدها بكثرة في الأسلوب القرآني وفي السنة النبوية المطهرة وهي ذات إيماء عميق في النفس البشرية.

стр. 283

تعقيبات وتعليقات: قبل الانتقال من هذا المقطع أرى لزامًا أن أتعرض لثلاث نقاط كثر فيها كلام المفسرين. أولاها- نبوة الخضر ﵇: اختلف العلماء في نبوة الخضر ﵇، فمنهم من قال: إنه نبي، ومنهم من قال: إنه رجل صالح وولي من أولياء الله تعالى. أستند القائلون بنبوته على جملة من الأدلة منها: ١- قوله تعالى: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ والمراد بالرحمة النبوة بدليل قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّك﴾ [القصص: ٨٦] . والرحمة المنزلة على رسول الله ﷺ النبوة. ولكن يرد على هذا القول أن كلمة "رحمة" ومشتقاتها ذكرت في القرآن الكريم أكثر من ثلاثمائة مرة، للدلالة على النعم الإلهية في مختلف مجالات الحياة ومنها نعمة النبوة، فالنبوة رحمة لا شك في ذلك، ولكن لا يلزم أن تكون كل رحمة نبوة. قال البقاعي: قال الحراني: المراد بالرحمة في ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ ما ظهر من كراماته وبالعلم الباطن الخفي المعلوم قطعًا أنه خاص بحضرته سبحانه١. ٢- قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ يقتضي أن الله علمه بغير واسطة، فلا معلم له من البشر ومن كان هذا شأنه لا بد أنه قد تلقى

стр. 284

علمه بوحي من الله تعالى، وكذلك قول الخضر في نهاية تأويل الأحداث ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ فيدل على أنه أوحي إليه للقيام بهذه التصرفات. وهذا أيضًا ليس نصًا قطعيًا في الدلالة على نبوته، فقد ثبت قوله عندما التقي بموسى ﵇: إني على علم لا ينبغي لك أن تعلمه. فهو عبد من عباد الله الصالحين الذين أكرمهم الله بهذا العلم اللدني الخاص، ولا مانع أن يتلقى ذلك عن طريق الإلهام والمكاشفة. ٣- في قول موسى ﵇ له ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ قد جعل نفسه تابعًا للخضر والنبي لا يتبع غير النبي في التعليم، لأن في تبعيته لغيره من غير الأنبياء إنزالًا لمكانته، ولا يليق لكونه القدوة في قومه. وهذا أيضًا غير مسلم به لأن تابعية النبي لغيره لا تصح فيما أصبح باعتبارها نبيًا، أما في غيرها من العلوم الكونية والتجريبية والغيبية فلا مانع من التبعية. ٤- واستدلوا بطريقة الخضر في مخاطبة موسى حيث أبدى له الترفع والتعزز بالعلم الذي عنده، بينما نجد تواضع موسى الشديد، فلو لم يكن نبيًا لما تواضع له موسى هذا التواضع الجم. وهذا أيضًا مردود لأن موسى ﵇ أفضل وأعلى مكانة من الخضر ﵇ على كل الاحتمالات، فإنه نبي مرسل من أولي العزم من الرسل، والخضر مختلف في نبوته، ولم يقل أحد ممن يعتد برأيه إنه رسول. أما تواضع موسى ﵇ له فإنه من باب تقدير العلم، وخفض الجناح للعلماء، وهضم حظ النفس، وقد خوطب سيد ولد آدم وأفضل الأنبياء والمرسلين بقول الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] فالتواضع وخفض الجناح لا يدل على أفضلية المتواضع له. ٥- واستدلوا بما ورد في الحديث، أن موسى ﵇ عندما التقى به قال: السلام عليك، قال: وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل، فقال موسى ﵇: من عرفك هذا؟ قال: الذي بعثك إلي.

стр. 285

قالوا: وهذا يدل على أنه عرف ذلك بالوحي، والوحي لا يكون إلا مع النبوة والجواب عن هذا كالجواب عن الدليل الثاني ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ لأن ذلك قد يكون عن طريق الإلهام أو المكاشفة١. وعلى الرغم من ورود هذه الاحتمالات على هذه الأدلة، والقاعدة تقول: "إذا ورد على الدليل الاحتمال بطل به الاستدلال" فإني أرجح قول القائلين بنبوته والوحي إليه. وذلك لأن الإلهام والمكاشفة لا يبنى عليهما حكم شرعي، ولا يجوز للولي العمل بمقتضاهما إذا خالفهما ظاهر الشريعة، لعدم العصمة. بينما الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فمعصومون من تسلط الشياطين عليهم أو التدخل فيما يوحى به إليهم أو يلهمونه، فإلهام الأنبياء والنفث في روعهم، وما يرونه أثناء النوم كل ذلك دليل شرعي تبنى عليه الأحكام الشرعية إلى جانب الوحي بواسطة جبريل ﵇ إليهم، لذا كان إقدام إبراهيم ﵇ على ذبح ولده إسماعيل بناء على ما رآه في منامه، حكمًا شرعيًا لازمًا لا مناص من تنفيذه ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] . وإقدام الخضر ﵇ على إتلاف المال وقتل النفس لا بد أن يكون بناء على دليل يقيني لا يتطرق إليه الشك. ولا يكون هذا إلا لنبي من الأنبياء المعصومين من التلبيس والإلقاء والتشويش الذي قال الله في شأن صون ما يوحي به إليهم ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا، لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٦-٢٨] .
следующие страницы →