لقد أزاح الخضر ﵇ ثقل التساؤلات عن قلب موسى ﵇ بذكر حقيقة الدوافع إلى هذه التصرفات.
ويختفي الخضر ﵇ ويسدل الستار على القصة، وفي النفس من عمق التأمل في الحقائق الكامنة في الغيب وراء الأحداث المشاهدة الشيء الكثير.
ويسرح الخيال مع وقعات أقدام موسى ﵇ في طريق العودة إلى بني إسرائيل وقد عاد من رحلته بعلم نفيس، وكنز وفير من الحقائق اللدنية ليتم مسيرة الكفاح والجهاد مع بني إسرائيل.
стр. 282
العظات والعبر من فقرة الصحبة الكريمة والأحداث العجيبة
مدخل
...
العظات والعبر من فقرة الصحبة الكريمة والأحداث العجيبة:
١- المكلف ملزم بتطبيق ما يدل عليه ظاهر الشرع، والمحاسبة أو المؤاخذة تكون حسب موقف المكلف من دلالة النصوص الظاهرة في اعتقاده، أما حقائق الأشياء ومآل الأحداث فليس مكلفًا بها لأنها في علم الغيب. لذا لو غلب على ظن المكلف أمر ما فتصرف بناء على ما ترجح لديه، ثم تبين له أن الصحة والصواب كان على خلاف ذلك لم يأثم في تصرفه، وإن ترتب على تصرفه أضرارًا بالغير تحمل هذا الضرر من غير مؤاخذة أخروية.
٢- من كمال الحكمة الربانية وعظيم رحمة الله بعباده أن يستعمل نبيين كريمين مثل موسى والخضر ﵉ في حفظ مصالح الغلامين اليتيمين، ليلجأ عباده إليه ويتوكلوا عليه حق التوكل، فإن الله لا تضيع عنده الودائع، كما أن في ذلك حفظ مصالح الذرية بصلاح الآباء.
٣- الالتزام بالأدب القرآني الرفيع في المخاطبة والمحادثة:
- فلما كان خرق السفينة عيبًا في الظاهر، لا صلاح فيه، نسبه الخضر إلى نفسه فقال: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ .
- ولما كان أمر الغلام فيه جانبان: القتل، والإبدال بأفضل منه، أسنده إلى ضمير الجمع ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا، فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ .
- ولما كان إقامة جدار الغلامين خيرًا محضًا، نسبه إلى الله : ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ . علمًا أن الأفعال على الحقيقة كلها لله، وبأمر منه ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ .
وهذه الآداب نجدها بكثرة في الأسلوب القرآني وفي السنة النبوية المطهرة وهي ذات إيماء عميق في النفس البشرية.
стр. 283
تعقيبات وتعليقات:
قبل الانتقال من هذا المقطع أرى لزامًا أن أتعرض لثلاث نقاط كثر فيها كلام المفسرين.
أولاها- نبوة الخضر ﵇:
اختلف العلماء في نبوة الخضر ﵇، فمنهم من قال: إنه نبي، ومنهم من قال: إنه رجل صالح وولي من أولياء الله تعالى.
أستند القائلون بنبوته على جملة من الأدلة منها:
١- قوله تعالى: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ والمراد بالرحمة النبوة بدليل قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّك﴾ [القصص: ٨٦] . والرحمة المنزلة على رسول الله ﷺ النبوة.
ولكن يرد على هذا القول أن كلمة "رحمة" ومشتقاتها ذكرت في القرآن الكريم أكثر من ثلاثمائة مرة، للدلالة على النعم الإلهية في مختلف مجالات الحياة ومنها نعمة النبوة، فالنبوة رحمة لا شك في ذلك، ولكن لا يلزم أن تكون كل رحمة نبوة.
قال البقاعي: قال الحراني: المراد بالرحمة في ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ ما ظهر من كراماته وبالعلم الباطن الخفي المعلوم قطعًا أنه خاص بحضرته سبحانه١.
٢- قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ يقتضي أن الله علمه بغير واسطة، فلا معلم له من البشر ومن كان هذا شأنه لا بد أنه قد تلقى
стр. 284
علمه بوحي من الله تعالى، وكذلك قول الخضر في نهاية تأويل الأحداث ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ فيدل على أنه أوحي إليه للقيام بهذه التصرفات.
وهذا أيضًا ليس نصًا قطعيًا في الدلالة على نبوته، فقد ثبت قوله عندما التقي بموسى ﵇: إني على علم لا ينبغي لك أن تعلمه.
فهو عبد من عباد الله الصالحين الذين أكرمهم الله بهذا العلم اللدني الخاص، ولا مانع أن يتلقى ذلك عن طريق الإلهام والمكاشفة.
٣- في قول موسى ﵇ له ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ قد جعل نفسه تابعًا للخضر والنبي لا يتبع غير النبي في التعليم، لأن في تبعيته لغيره من غير الأنبياء إنزالًا لمكانته، ولا يليق لكونه القدوة في قومه.
وهذا أيضًا غير مسلم به لأن تابعية النبي لغيره لا تصح فيما أصبح باعتبارها نبيًا، أما في غيرها من العلوم الكونية والتجريبية والغيبية فلا مانع من التبعية.
٤- واستدلوا بطريقة الخضر في مخاطبة موسى حيث أبدى له الترفع والتعزز بالعلم الذي عنده، بينما نجد تواضع موسى الشديد، فلو لم يكن نبيًا لما تواضع له موسى هذا التواضع الجم.
وهذا أيضًا مردود لأن موسى ﵇ أفضل وأعلى مكانة من الخضر ﵇ على كل الاحتمالات، فإنه نبي مرسل من أولي العزم من الرسل، والخضر مختلف في نبوته، ولم يقل أحد ممن يعتد برأيه إنه رسول.
أما تواضع موسى ﵇ له فإنه من باب تقدير العلم، وخفض الجناح للعلماء، وهضم حظ النفس، وقد خوطب سيد ولد آدم وأفضل الأنبياء والمرسلين بقول الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] فالتواضع وخفض الجناح لا يدل على أفضلية المتواضع له.
٥- واستدلوا بما ورد في الحديث، أن موسى ﵇ عندما التقى به قال: السلام عليك، قال: وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل، فقال موسى ﵇: من عرفك هذا؟ قال: الذي بعثك إلي.
стр. 285
قالوا: وهذا يدل على أنه عرف ذلك بالوحي، والوحي لا يكون إلا مع النبوة والجواب عن هذا كالجواب عن الدليل الثاني ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ لأن ذلك قد يكون عن طريق الإلهام أو المكاشفة١.
وعلى الرغم من ورود هذه الاحتمالات على هذه الأدلة، والقاعدة تقول: "إذا ورد على الدليل الاحتمال بطل به الاستدلال" فإني أرجح قول القائلين بنبوته والوحي إليه.
وذلك لأن الإلهام والمكاشفة لا يبنى عليهما حكم شرعي، ولا يجوز للولي العمل بمقتضاهما إذا خالفهما ظاهر الشريعة، لعدم العصمة.
بينما الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فمعصومون من تسلط الشياطين عليهم أو التدخل فيما يوحى به إليهم أو يلهمونه، فإلهام الأنبياء والنفث في روعهم، وما يرونه أثناء النوم كل ذلك دليل شرعي تبنى عليه الأحكام الشرعية إلى جانب الوحي بواسطة جبريل ﵇ إليهم، لذا كان إقدام إبراهيم ﵇ على ذبح ولده إسماعيل بناء على ما رآه في منامه، حكمًا شرعيًا لازمًا لا مناص من تنفيذه ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] .
وإقدام الخضر ﵇ على إتلاف المال وقتل النفس لا بد أن يكون بناء على دليل يقيني لا يتطرق إليه الشك. ولا يكون هذا إلا لنبي من الأنبياء المعصومين من التلبيس والإلقاء والتشويش الذي قال الله في شأن صون ما يوحي به إليهم ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا، لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٦-٢٨] .
стр. 286
ثانيها- موت الخضر ﵇:
اختلف العلماء في موت الخضر ﵇:
ذهب جمهورالعلماء من المحدثين والفقهاء إلى موته، واستدلوا على ذلك بما يلي:
١- ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] .
وكلمة بشر نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، والخضر ﵇ داخل في هذا العموم.
٢- قول الرسول ﷺ يوم بدر: "اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض" ١. فلو بقي أحد غيرهم على الأرض لما صح في الإطلاق، فدل على أن لا أحد غير المسلمين من أمة محمد ﷺ يعبد الله على وجه الأرض على الشكل الصحيح.
٣- حديث ابن عمر ﵄، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته -وفي رواية قبل موته بشهر- فلما سلم قام فقال: "أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد" ٢.
٤- لو كان الخضر حيًا لآمن برسول الله ﷺ ونصره وقاتل معه ولحضر الجمعة والجماعة، وقد قال رسول الله ﷺ : "لو كان موسى حيًا لما وسعه إلا اتباعي" ٣. وقد أخذ الله الميثاق على النبيين وأممهم أن يؤمنوا برسول الله وينصروه، إذا أدركوا زمن بعثته كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِه
стр. 287
وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] .
ولم يثبت بطريق صحيح مجيء الخضر ﵇ إلى رسول الله ﷺ وما روي في ذلك من روايات لا يسلم من الطعن والضعف.
وذهبت طائفة من العلماء إلى أن الخضر ﵇ حي، وهو من أمة محمد ﷺ ، ومن أبرز القائلين بذلك: الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم١، والقرطبي في تفسيره٢، وابن الصلاح الشهرزوري في فتاواه٣، والنقاش وجهور الصوفية٤.
واستدلوا على ما ذهبوا إليه بما يلي:
١- ذكر ابن عبد البر في "التمهيد" عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما توفي رسول الله ﷺ وسجي بثوب، هتف هاتف من ناحية البيت يسمعون صوته ولا يرون شخصه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته السلام عليكم أهل البيت ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْت﴾ الآية، إن في الله خلفًا من كل هالك، وعوضًا من كل تألف وعزاء من كل مصيبة، فبالله فثقوا وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب.
فكانوا يرون أنه الخضر ﵇، يعني أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم٥.
٢- أخرج الخطيب وابن عساكر عن علي ﵁ قال: بينا أن أطوف بالبيت إذا رجل متعلق بأستار الكعبة يقول: يا من لا يشغله سمع عن سمع، ويا من لا تغلطه المسائل، ويا من لا يتبرم بإلحاح الملحين، أذقني برد عفوك وحلاوة رحمتك، قلت: يا عبد الله أعد الكلام، قال: أسمعته؟ قلت: نعم، قال: والذي نفس الخضر بيده -وكان هو الخضر- لا يقولهن عبد دبر الصلاة المكتوبة إلا
стр. 288
غفرت ذنوبه، وإن كانت مثل رمل عالج وعدد المطر وورق الشجر١.
٣- روى الدارقطني في الأفراد وابن عساكر عن ابن عباس أنه قال: الخضر ابن آدم لصلبه ونسيء له في أجله حتى يكذب الدجال.
٤- في التعليق على الحديث الوارد في صفة الدجال -وهو في صحيح مسلم- قال: "يأتي وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة فينتهي إلى بعض السباخ التي تلي المدينة فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس -أو من خير الناس- فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته أتشكون في الأمر" الحديث. قال أبو إسحاق: يقال: إن هذا الرجل هو الخضر عليه السلام٢.
٥- مشاهدات الناس له في كل عصر ولقاؤهم به في أنحاء الأرض يؤكد استمرار حياته.
والذي يميل إليه القلب، أن أمور الكون تجري على سنن مطردة وإثبات خرق سنة كونية، لا بد له من دليل ثابت قطعي، إما بالمشاهدة المحسوسة أو بالاتصال إلى المعصوم ﵊ والروايات التي استدل بها القائلون بحياة الخضر ﵇ لا يتوفر فيها شرط الصحة -فضلًا عن الثبوت القطعي- إلى رسول الله ﷺ فرواية ابن عبد البر، قال عنها ابن كثير: إسنادها ضعيف.
والروايات الأخرى ليست مسندة إلى رسول الله ﷺ ، كما أن حكايات العامة لا تقوم بها حجة، ولا تثبت بها وبالروايات الضعيفة خارقة لسنة كونية في امتداد عمر إنسان آلاف السنوات. والله أعلم.
ثالثها- قصة الخضر مزلقة قدم:
قصة موسى والخضر ﵉ كانت ولا تزال مزلقًا لأقدام كثير من السفهاء والجهلة والزنادقة، حيث ذهبوا إلى الاستدلال بما فعله الخضر ﵇
стр. 289
على التفلت من ظواهر أحكام الشريعة وادعوا أنها خاصة بالأنبياء والعوام، أما الخاصة من الأولياء، فإنهم تتجلى لقلوبهم التي خلت من الأغيار الحقائق، فيتصرفون على ضوء هذه الحقائق ولا يتقيدون بالظواهر، ويستدلون على زندقتهم بأفعال الخضر التي كانت مخالفة لظواهر الشريعة.
وأجمع العلماء على أن مثل هذا القول كفر وزندقة وهذا يقتل قبل أن يستتاب أو تعرض عليه التوبة، فإن أصر قتل، على خلاف في ذلك.
يقول الإمام القرطبي: "وهذا القول زندقة وكفر يقتل قائله ولا يستتاب، لأنه إنكار ما علم من الشرائع، فإن الله قد أجرى سنته وأنفذ حكمته بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله السفراء بينه وبين خلقه، وهم المبلغون عنه رسالته وكلامه، المبينون شرائعه وأحكامه، اختارهم لذلك، وخصهم بما هنالك، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ، وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣] ، وعلى الجملة فقد حصل العلم القطعي، واليقين الضروري، واجتماع السلف والخلف على أن لا طريق لمعرفة أحكام الله تعالى التي هي راجعة إلى أمره ونهيه، ولا يعرف شيء منها إلا من جهة الرسل، فمن قال: إن هناك طريقًا آخر يعرف بها أمره ونهيه غير الرسل، بحيث يستغني عن الرسل فهو كافر، يقتل ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب، ثم هو قول بإثبات أنبياء بعد نبينا ﵊، الذي قد جعله الله خاتم أنبيائه ورسله فلا نبي بعده ولا رسول، وبيان ذلك أن من قال يأخذ عن قلبه، وأن ما يقع فيه حكم الله تعالى، وأنه يعمل بمقتضاه، وأنه لا يحتاج مع ذلك إلى كتاب ولا سنة، فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة فإن هذا نحو ما قاله ﵊: "إن روح القدس نفث في روعي" ١ الحديث٢.
стр. 290
القيم من خلال قصة موسى والخضر ﵉:
إن القيمة الأساسية التي يدور حولها المقطع الرابع وأحداث هذه الرحلة والصحبة هو "العلم"، ولئن كانت القيم الصحيحة في المقاطع السابقة تقابل بأخرى داخلة فيها التمويه والزيف، فيراد كشف بهرجها وزيفها بإلقاء أنوار القيم الصحيحة عليها لإذابة ذاك الزيف والدجل عنها. فإن الأمر مختلف في هذا المقطع.
إن العلم يعرض هنا على أنه قيمة صحيحة ولكن له مظهران: ظاهر وخفي وينبغي أن لا تحجبنا وسائلنا التي نطلع بواسطتها على الجانب الظاهري عن التسليم بوجود الجانب الخفي الذي أحاط الله به.
إن العلوم التي بلغها الأنبياء والمرسلون لأممهم وأقاموا صرح الحضارات الإنسانية عليها علوم أساسية لم تستغن عنها البشرية في أي مرحلة من مراحل وجودها. وكانت واسطة العقد في هذه الرسالات السماوية رسالة محمد ﷺ ، حيث ختمت به وبرسالته النبوات ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] .
وإلى جانب العلوم المستمدة من الوحي الإلهي فهنالك العلوم التجريبية، التي تشكل حصيلة الجهد البشري على مر القرون للتعرف على سنن الله في الكون، للارتقاء بالوسائل التي يستخدمها الإنسان في حياته وتعامله.
وهذه العلوم كلها تكتسب بالجهد البشري، ولوسائل المعرفة من الحواس وغيرها دور في تنميتها والاستزادة منها.
ووراء كل ذلك علم غير خاضع للجهد البشري ووسائله في التعرف والاستزادة وهو علم الغيب الذي تدار شئون الكون به، ومجاله الإيمان المطلق والتسليم لعالمه ﷻ الذي أحاط بكل شيء علمًا. ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي
стр. 291
كِتَابٍ مُبِينٍ، أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦١-٦٣] .
ولعل من وجوه الحكمة في تأخير ذكر هذه القصة بعد القصتين السابقتين في سورة الكهف، أن القيم الواردة في القصص الثلاث تتباين المدارك البشرية في التعرف عليها.
فالقصة الأولى -قصة الفتية الذين آواهم الكهف- التي اشتملت على ذكر السلطة الجائرة التي أدعت حق الألوهية وموهت على الناس الحقيقة، إن بطلان هذه الدعوى يدركه العقل السليم مهما كان المستوى الثقافي لصاحبه، لأنه أمر مخالف لبدائه العقول وفطرة الإنسان.
بينما لا تدرك جميع العقول القيمة الزائفة في القصة الثانية -قصة صاحب الجنتين- فإن المال والجاه وكثرة الرجال، زينة الحياة الدنيا، ولا تدرك حقيقتها إلا العقول المهتدية بنور الإيمان.
أما القيمة الحقيقية للعلم بمظهره الظاهر والخفي، علم الشرائع والعلم اللدني لا يدرك حقيقته إلا أهل البصائر من المؤمنين الراسخين الذين لا تزعزع إيمانهم الأسباب الظاهرة والنتائج المحتملة، بل يرون خلف الأسباب والمسببات يد القدرة الإلهية والحكمة العليا التي تتجلى فيها حقائق أسماء الله الحسنى وصفاته العلى.
لذا فإننا نقول إن المقابلة هنا في قصة موسى والخضر ﵉ ليست مقابلة بين قيم زائفة وأخرى حقة، كما كان الحال في قصة أصحاب الكهف وقصة صاحب الجنتين، بل المقابلة بين قيم صحيحة ظاهرة وقيم صحيحة أخرى غيبية في علم الله المحيط بالحقائق ومآل الأمور.
والمتمسك بالعلم الظاهر محمود الفعال والسلوك، وينبغي أن لا ينكر العلوم الخفية وخاصة إذا وجد من الظواهر الكونية ما لا يمكنه تعليله أو معرفة أسبابه الظاهرة أو إدراك وجه الحكمة فيه، وإنما يعيد العلم إلى الذي يعلم السر في السماوات والأرض.
المناسبات:
وحسب المنهج الذي التزمناه نذكر المناسبات بين هذا المقطع وبين المقاطع السابقة كما نحاول الربط بين هذا المقطع ومحور السورة أو العنوان الذي اخترناه لهذا البحث ذكر البقاعي وجوهًا للمناسبة بين قصة ذي القرنين وقصة موسى والخضر ﵉ فمما ذكره قوله:
- "لما فرغ من هذه القصة التي حاصلها أنها طواف في الأرض لطلب العلم عقبها بقصة من طاف الأرض لطلب الجهاد، وقدم الأولى إشارة إلى علو درجة العلم لأنه أساس كل سعادة وقوام كل أمر"١.
- ويمكن أن يضاف إلى ما قاله البقاعي: أن في كل من القصتين رعاية لمصالح العباد وخاصة الضعفاء منهم، ومنع الفساد في الأرض وإقامة الحق والعدل ابتغاء مرضاة الله .
- الخبر الحقيقي عند الله وهو العلم ببواطن الأمور فضلًا عن ظواهرها ففي قصة موسى والخضر ﵉ ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ ، ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ ، ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ .
وفي قصة ذي القرنين ﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ ، ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ .
أما مناسبة قصة ذي القرنين مع محور السورة والعنوان الذي اخترناه للبحث فهناك تناسب تام وانسجام كامل بين هذه القصة وبين القصص الثلاث المتقدمة في الهدف العام الذي استهدفت القصص الثلاث ترسيخه ألا وهو القيم الصحيحة، وما استهدفت كشفه والتنفير عنه ألا وهو القيم المزيفة الباطلة. وهذا البيان:
١- لما كانت القيمة الزائفة في قصة أصحاب الكهف هي السلطة الغاشمة الظالمة التي أدعت الألوهية من دون خالق السماوات والأرض، ووضعت نفوذها غير المجال التي خلقت من أجلها السلطة.
نجد في قصة ذي القرنين الحاكم الصالح الذي مكن له في الأرض وأوتي من كل شيء سببًا، فدالت لسلطته الأمم والشعوب، وفتحت له الأقاليم، وألقت
стр. 294
الملوك له قيادها، يحكم فيها بالعدل والإحسان، وعمران الأرض لما فيه خير العباد ودفع الفساد، ورفع الظلم والاعتداء، ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾ .
فاستعمل السلطة والقوة في الموطن الذي خلقت من أجله، فكان استخدامها في موضعها شكرًا للخالق الذي أنعم عليه بهذا التمكين له في الأرض.
٢- والقيمة الزائفة في قصة صاحب الجنتين كانت زينة الحياة الدنيا المتمثلة في المال والنقر، ونجد في قصة ذي القرنين الإعراض عن زينة الحياة الدنيا والانصراف إلى ما عند الله فهو خير وأبقى ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا، قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ .
٣- وفي قصة موسى والخضر ﵉ كانت هناك قيمتان صحيحتان إلا أن إحداهما تتعلق بالعلم الظاهر الذي تساس به الأمم والشعوب.
والأخرى تتعلق بالعلم اللدني الخفي الذي لا يطلع عليه أحد إلا بمقدار ما يعلمه الله من لدنه.
نجد أن القيمتين تبرزان في قصة ذي القرنين، فقد أوتي من كل شيء سببًا وهي الأسباب الظاهرة من الخبرة والعلوم المتعلقة بسياسة الشعوب والأمم وعمارة الأرض وتخطيط المدن والأقاليم وتجييش الجيوش ومعرفة منازل الأرض. وكل ما من شأنه أن يمكن له في الأرض من أسباب عزة الدولة والحاكم العادل وترسيخ أقدامه في الحكم.
إلى جانب هذه الأسباب الظاهرة نجد الإيمان المطلق بالله سبحانه وتعالى
стр. 295
وتوفيقه له وأنه وفق إلى هذا بمحض الرحمة والفضل من رب العزة والكرم. ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ .
وكذلك إيمانه المطلق بوعد الله الذي إذا جاء فلن تستطيع هذه الأسباب الظاهرة الصمود أمامها. وأن هذا السد الذي منع يأجوج ومأجوج من العدوان، سيزول ويكون دكاء، لأن وعد الله قد تم بأن ينتشر فساد يأجوج ومأجوج قبيل قيام الساعة وقبل النفخ في الصور لجمع الخلائق ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ جعله دكاء علمًا أن الأسباب الظاهرة تومئ إلى تخليده لأنه جبل من الحديد المطعم بالنحاس، إلا أن وعد الله كفيل بإثارة السبب الخفي الذي يجعل هذا الجبل الحديدي دكاء ليلتحق بأمثاله من الجبال عندما يأتي أمر الله ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا، فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا، لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٥-١٠٧] .
لقد قال الخضر ﵇ في نهاية جولاته مشيرًا إلى هذا العلم الغيبي الذي آتاه الله : ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ ، ويقول الملك الصالح: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ .
لقد كانت خبرته وتوفيقه لعمل الخير والصواب وتمكينه في الأرض ليس اعتمادًا على الأسباب الظاهرة وإنما كانت في الحقيقة رحمة من الله العزيز الحكيم العليم الخبير.
لقد جاءت قصة ذي القرنين في خاتمة القصص السابقة لتبرز القيم الصحيحة واقعًا متمثلًا في سيرة أحد عباد الله الصالحين، ولا تكون مظنة خيالات ومثل لا مجال لتطبيقها على هذه الأرض وفي الواقع البشري١. بالإضافة إلى أنها من
стр. 296
نوع القصص الذي كان فيه تثبيت قلب الرسول ﷺ الذي يقول عنه : ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] . لتكون إفحامًا لأولئك الذين أرادوا إطفاء نور الله بتوجيه هذه الأسئلة التعجيزية، ولتكون دليل صدق على أن هذا وحي من الله ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١] .
стр. 297
العرض الإجمالي للمقطع الخامس:
في هذا المقطع قصة ذي القرنين وجولاته الثلاث في مغرب الشمس ومطلعها وبين السدين، وكما هو الشأن في القصص القرآني لا تخبرنا الآيات الكريمة عن اسم ذي القرنين ونشأته ولا عن زمانه أو مكانه١، وإنما تحدثنا عن شيء حول شخصيته وعن رحلاته الثلاث: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ .
إنه شخص مكن له رب السماوات والأرض الخالق المدبر المتصرف في شئون الكون، رب العزة والجبروت مكن له في الأرض وآتاه من كل شيء سببًا، وينصرف ذهن السامع أو القارئ إلى وجوه التمكين له في الأرض،
стр. 298
- مكن له في العلوم والمعرفة واستقراء سنن الأمم والشعوب صعودًا وهبوطًا.
- مكن له في سياسة النفوس أفرادًا وجماعات تهذيبًا وتربية وانتظامًا.
- مكن له في أسباب القوة من الأسلحة والجيوش وأسباب القوة والمنعة والظفر.
- مكن له في أسباب العمران وتخطيط المدن وشق القنوات وإنماء الزراعة.
مهما قيل ومهما تصور من أسباب التمكين الحسنة التي تليق برجل رباني قد مكن له في هذه الأرض يمكن أن يدخل تحت قوله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ . ويبقى للتصور مجال وللخيال سعة لاستشفاف صور هذا التمكين وأشكاله، وذلك من خلال المؤكدات العدة التي وردت في الآية الكريمة١.
ويبدأ ذو القرنين رحلته الأولى -ولا نعلم نقطة الانطلاق فيها- إلى أن يبلغ مغرب الشمس حيث يجدها الرائي أنها تغرب في موضع ما حسب ما تكون الجهة أو الموضع الذي يقف عنده فيما أنه كان في أقصى الغرب وكان أمامه البحر أو بحيرات ومستنقعات وجدها تغرب في عين حمئة٢.
ووجد عندها -أي العين الحمئة- قومًا، وهل كلف ذو القرنين من قبيل الله تعالى أن يحمل إليهم رسالة؟ وهل كان نبيًا؟ أو ملكًا صالحًا من أتباع أحد الأنبياء؟ أو أن تمكينه منهم جعل لسان حاله يقول بأن يتخذ فيهم سيرة حسنة حسب المفاهيم التي أتلزمها في حياته؟
ظاهر النص يدل على أنه كان مكلفًا بذلك من غير تحديد وسيلة التكليف.
стр. 299
بهذا الأمر، ومن ثم كان المبدأ الذي سار عليه فيهم ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا، وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ .
إنها سياسة العدل التي تورث التمكين في الحكم والسلطة وفي قلوب الناس الحب والتكريم للمستقيمين، وإدخال الرعب في قلوب أهل الفساد والظلم١. فالمؤمن المستقيم يجد الكرامة والود والقرب من الحاكم، ويكون بطانته وموضع عطفه وثقته ورعاية مصالحه وتيسير أموره.
أما المعتدي المتجاوز للحد، المنحرف الذي يريد الفساد في الأرض فسيجد العذاب الرادع من الحاكم في الحياة الدنيا، ثم يرد إلى ربه يوم القيامة ليلقى العقوبة الأنكى بما اقترفت يداه في حياته الأولى.
ولم يعين السياق القوم الذين اتخذ فيهم ذو القرنين هذه السياسة الحكيمة كما أهمل ذكر المدة التي مكثها بينهم والنتائج التي توصل إليها، وكأن الأمر المفروغ منه أن تثمر هذه السيرة العادلة والمبادئ السامية حضارة ربانية وتقدمًا وسعادة وطمأنينة لذا لا داعي لذكرها والوقوف عندنا.
ثم تأتي رحلة المشرق فيصل إلى مكان يبرز لعين الرائي أن الشمس تطلع من خلف الأفق، ولم يحدد السياق أهو بحر أم يابسة، إلا أن القوم الذين كانوا عند مطلع الشمس كانوا في الأرض مكشوفة بحيث لا يحجبهم عند شروقها مرتفعات
стр. 300
جبلية أو أشجار سامقة، ولعلها كانت بعض الصحاري الممتدة أو السهول الواسعة، فالمكان لم يحدد والستر لم يعين ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ ١.
ونظرًا لوضوح سياسة ذي القرنين في الشعوب التي تمكن منها، وهو الدستور المعلن في رحلة الغرب لم يكرر هنا إعلان مبادئه، لأنها منهج حياة ودستور ودولة مترامية الأطراف وسياسة أمم فهو ملتزم بها أينما حل أو ارتحل ﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ .
إلا أن الرحلة الثالثة تختلف عن الرحلتين السابقتين من حيث طبيعة الأرض والتعامل مع البشر سكان المنطقة، ومن حيث الأعمال التي قام بها فلم يقتصر فيها على الأعمال الجهادية لكبح جماح الأشرار والمفسدين، بل قام بعمل عمران هائل.
أما الأرض فوعرة المسالك، وأما السكان -وكان وعورة الأرض قد أثرت على طبائعهم وطريقة تخاطبهم مع غيرهم- فهناك المشقة في التفاهم والمخاطبة بحيث لا يكاد الإنسان منهم يقدر على التعبير عما في نفسه، ولا أن يفقه ما يحدثه به غير بني قومه ﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ إما في أسلوب التخاطب والتعامل -كما أسلفنا- أو من التخلف الحضاري والبدائية في العادات والمفاهيم والمصطلحات.
فلما وجدوا القوة في دولة ذي القرنين والعدل والصلاح في سيرته -وعدل السلطان بفتح أمامه القلوب قبل فتح الجيوش الأمصار- لجئوا إليه لحمايتهم من
стр. 301
هجمات تلك القبائل الهمجية المفسدة، قبائل يأجوج ومأجوج التي كانت تشن عليهم هجماتهم من خلف الجبلين المتقابلين من الممر الضيق الذي بينهما وذلك بإقامة سد بين الصدفين١، مقابل خراج يدفعونه إليه من أموالهم.
ونظرًا لأن القضية التي وضعها ذو القرنين نصب عينيه هي الإصلاح ومقاومة الفساد والشر، والحكم بالعدل بين الناس، ولم يكن همه جمع المال أو قصد العلو في الأرض بإذلال الشعوب، فقد رفض عرضهم، وتطوع بإقامة السد على أن يتطوعوا هم من جانبهم بتقديم الجهد البشري، فمنه الخبرة والتصميم والإشراف، وعليهم الطاقة العمالية والمواد الأولية المتوافرة في بلادهم.
وكان أيسر طريق لإقامة السد هو ردم ما بين الجبلين أولًا بفلزات الحديد الذي تتخلله قطع الفحم والخشب، حتى إذا تساوت قمة الحديد بقمة الجبلين المتقابلين، أمر بالنفخ لإيقاد النار بالحطب الذي يتخلل الفلزات لتسخين الحديد، حتى إذا جعله نارًا لشدة احمراره وتوهجه أفرغ عليه النحاس المذاب يتخلل الحديد ويختلط به فيصبح قطعة واحدة وكتلة متماسكة وجدارًا أملس بين الجبلين.
وهكذا حقق الأمن والطمأنينة لهؤلاء القوم المتخلفين، فلم تستطع قبائل يأجوج ومأجوج تسور الرد ولم يستطعوا ثقبه والنفاذ من خلاله٢.
ولما أنجز ذو القرنين هذا العمل الضخم الرائع، لم تأخذه نشوة البطر والغرور بل أعاد النعمة إلى مسديها، نعمة العلم والخبرة إلى واهبها، ونعمة التوفيق للعمل الصالح إلى الذي مكن له في الأرض، ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ .
ومن إيحاء هذا الموقف العظيم وهو يطل على البناء الشامخ ومن ورائه أفواج قبائل يأجوج ومأجوج المتلاطمة وهي لا تستطيع القلب ولا النقب تذكر مصير
стр. 302
الأرض وما عليها ومن فيها، وهذه خواطر المؤمنين المصدقين بوعد ربهم فإن مصير الأرض والجبال الدك والتدمير ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ، وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً، فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٣-١٥] .
إنها المشاعر الإيمانية تجاه خالق السماوات والأرض المتصرف في شئون الكون ذي العزة والجبروت بيده مقاليد الأمور مصير كل شيء إليه.
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ .
إنه نموذج الحاكم الصالح الذي أدرك مهمته في الحياة، لقد مكن له في الأرض فجاب الآفاق لنشر العدل والخير والصلاح وقمع الشر والفساد، والأخذ على يد الظالم ومناصرة الضعيف والمظلوم، ودرء العدوان، وإقامة العمران في الأرض من غير أن يكون له حظ دنيوي في كل ذلك بل ابتغاء مرضاة ربه، وإيثارًا للدار الباقية على الفانية فلم يشغله السلطان والجاه والمال والخبرة عن ذكر الله وشكره والتطلع إلى يوم المعاد.
стр. 303
وقفات لابد منها
الوقفة الأولى: مع ذي القرنين
...
وقفات لا بد منها:
بعد هذا العرض الإجمالي لهذا المقطع، وقبل الانتقال إلى مباحث القيم والعبر والمواعظ لا بد لنا من عدة وقفات نتناول بإيجاز ثلاثة أمور طال كلام المفسرين حولها وتباينت آراؤهم فيها وهذه الأمور:
- التعرف على شخص ذي القرنين.
- السد وموقعه.
- يأجوج ومأجوج: حقيقتهم، ومصيرهم.
الوقفة الأولى: مع ذي القرنين
اختلف المفسرون في اسم ذي القرنين ونسبه وزمان وجوده، وسبب تلقيبه بذي القرنين، ولولا هذا الخلط الشديد الذي لا يقبله العقل ولا ترضاه الشريعة الذي وقع فيه كثير منهم لأعرضنا عن الخوض في هذا الحديث لأن من منهجنا أن لا نلتفت إلى ما أهمله القرآن الكريم، وأن نسير حيث توجهنا الآيات الكريمة في التعرف على الهدايات القرآنية.
وأبرز الأقوال في تحديد شخصية ذي القرنين:
- أنه أبو كرب شمر بن عمرو بن أفريقيش الحميري.
أخذ من ظاهر التسمية، لأن الأذواء من أهل اليمن، فمنهم ذو نواس، ذو النون، ذو النار، سيف بن ذي يزن.
- وقال آخرون إنه الإسكندر المكدوني بن فيلبوس اليوناني
стр. 304
وذلك لأن البلاد التي استولى عليها الإسكندر امتدت من مشارق الأرض ومغاربها.
- وقيل هو قورش الإخميني، لإجماع المؤرخين على عدالة سيرته وحسن سيرته في الشعوب والممالك التي استولى عليها.
ولو نظرنا إلى الآيات الكريمة بتدبير وروية لاستطعنا أن نستنبط من خلالها معالم بارزة وأوصافًا واضحة يمكن أن تكون ضوابط وعلامات تعين على التعرف على هوية ذي القرنين. فمن هذه المعالم:
١- أنه رجل صالح، مكن الله له في الأرض وآتاه من كل شيء سببًا، فأقام العدل وحكم بالقسط.
٢- كانت له رحلة إلى مطلع الشمس وحروب انتصر فيها على أمم كافرة وأخضعها لحكمه.
٣- كانت له رحلة إلى مطلع الشمس لتأديب أقوام متخلفين.
٤- كانت له رحلة إلى منطقة جبلية وعرة لإقامة سد يحمي أقوامًا ضعفاء من هجمات قبائل يأجوج ومأجوج المتوحشة.
٥- من أساسيات السد الذي أقامه ذو القرنين، وقوعه بين جبلين متقابلين.
٦- تكوين هذا السد من زبر الحديد المطعم بالنحاس لتحقيق الصلابة والملاسة.
٧- الغرض من إقامة السد غرض عسكري لدفع هجمات القبائل المتوحشة والحد من فسادهم على القبائل المستضعفة.
ولو وضعنا هذه المعالم نصب أعيننا ثم ولجنا البحث من بابه مستخدمين مفتاحه الذي ذكره القرآن الكريم وهو: ﴿وَيَسْأَلونَك﴾ ، لاستطعنا أن نصل إلى بعض المرجحات كما وصل إليها أبو الكلام أزاد.
لقد وجه السؤال من قريش بقصد التعجيز، فلا بد إذن أن يكون أحد الفريقين -اليهود أو قريش- على علم بحال ذي القرنين لكي يدركوا صحة ما يخبرهم به محمد ﷺ .
стр. 305
لا يقال إن قريشَا كانت تعرف ذلك، لأن ما تدركه قريش يدركه محمد ﷺ وهو أحدهم، إذن الذين يعرفون أخبار ذي القرنين هم اليهود الذين زودوا قريشًا بهذه الأسئلة للوقوف على صدق محمد صلى الله عليه وسلم١،
ولو رجعنا إلى كتب اليهود لا نجد في أخبار الملوك والأنبياء ما ينطبق على ما أخبر به القرآن الكريم سوى ما ورد في رؤيا النبي دانيال.
ينقل أبو الكلام آزاد في كتابه: "ويسألونك عن ذي القرنين" من سفر دانيال فيقول: "في السنة الثالثة لجلوس بيلش فر الملك كنت بمدينة سوس هيرا -من أعمال عيلام على شاطئ النهر أولائي- فرأيت الرؤيا للمرة الثانية، رأيت كبشًا واقفًا على شاطئ النهر له قرنان عاليان، وكان الواحد منهما منحرفًا إلى ظهره، ورأيت الكبش ينطح بقرنيه غربًا وشرقًا وجنوبًا لا قبل لحيوان بالوقوف أمامه، فهو يفعل ما يشاء وصار هو كبيرًا جدًا، وبينما أنا أفكر في هذه الظاهرة إذ رأيت تيسًا أقبل من جهة الغرب وغشى وجه الأرض كلها، وكان بارزًا بين عيني التيس قرن عجيب، ثم إن التيس اقترب من الكبش ذي القرنين ونفر منه مغضبًا، ثم عمد إليه فكسر قرنيه، وصرعه وداسه فأصبح الكبش ذو القرنين عاجزًا عن مقاومته، محرومًا من ناصر ينصره عليه" [سفر دانيال ٨/ ١ نقلًا عن "ويسألونك عن ذي القرنين ٨٧"] .
ثم ذكر الكتاب على لسان دانيال أن الملك جبريل ظهر له وشرح له رؤياه قائلًا: "إن الكبش ذا القرنين يمثل اتحاد المملكتين مادا وفارس فيملكهما ملك قوي لا تقدر دولة على مواجهته، أما التيس ذو القرن الواحد الذي رآه بعد الكبش فالمراد منه ملك اليونان، والقرن البارز بين عيني التيس يدل على أول ملك من اليونان" [سفر دانيال ٨/ ١١] .
يقول أبو الكلام آزاد تعليقًا على رؤيا دانيال:
كانت لليهود في رؤيا دانيال بشارة بأن نهاية أسرهم وبدأ نشأتهم الجديدة
стр. 306
منوط بقيام هذه المملكة ذات القرنين، أي أن ملك مادا وفارس يغير على ملك بابل ويتغلب عليه ويحرر اليهود من أسرهم، وأن هذا الملك الذي اختاره الله لإعانة اليهود ورعايتهم يأمر بتعمير بيت المقدس من جديد ويجتمع الشعب الإسرائيلي الممزق مرة أخرى تحت رعايته.
وقد ظهر بعد هذه النبوءة بسنوات: الملك غورش الذي سماه اليونان سايرس، واليهود بـ"خورس" وحد مملكتي مادا وفارس فأنشأ منهما سلطنة عظيمة، ثم هاجم بابل واستولى عليها دون عناء.
رأى دانيال في رؤياه أن الكبش ذا القرنين ينطح بقرنيه في الغرب والشرق والجنوب، أي يجوز انتصارات باهرة في الجهات الثلاث، وهكذا كان أمر غورش، فقد كان انتصاره الأول في الغرب والثاني في الشرق والثالث في الجنوب، أي في بابل، وكذلك صدقت النبوءة بخلاص اليهود وازدهارهم، فقد أطلقهم غورش بعد فتحه بابل من الأسر وأذن لهم بالعودة إلى فلسطين وبناء الهيكل من جديد، وحذا حذو غورش خلفاؤه من ملوك مادا وفارس، فما زالوا يحمون اليهود ويرفقون بهم١.
ويقول أبو الكلام آزاد عن سبب رفق غورش باليهود:
"لقد كان غورش من متبعي مذهب مزديسنا أي الدين الزردشتي، وهذا أمر له أهمية خاصة في العلاقة التي كانت بين الفارسين والإسرائيليين، وفي المعلوم أن الوثنية كانت عامة شاملة العالم كله لم يشذ عنها إلا فئتان: اليهود، والزردشتيون.
وبطبيعة الحال أن يجد الملك غورش بعد فتحه بابل أن تصورات اليهود الدينية قريبة جدًا لتصوراته الدينية، فاندفع إلى احترامهم وتلقي نبوءاتهم برغبة خالصة"٢.
стр. 307
إننا وإن كنا لا نستطيع الجزم بما قاله أبو الكلام آزاد عن غورش، فإن الروايات التاريخية يدخلها التبديل والتحريف كثيرًا، إلا أننا نجد المنهج الذي سار عليه أبو الكلام آزاد أقرب إلى الموضوعية، ومع ذلك فإننا نستبعد ما ذهب إليه كثير من المفسرين في كون ذي القرنين أبا كرب شمر بن عمرو بن أفريقيش الحميري، لأنه لم يذكر في سيرته أنه بنى سدًا عسكريًا تنطبق عليه أوصاف سد ذي القرنين كما نستبعد الإسكندر المكدوني فقد كان وثنيًا سفاكًا للدماء متغطرسًا قتل أقرب المقربين إليه.
أما الأوصاف التي ذكرت في سيرة غورش "أو قورش الإخميني" كما وردت في كتب المؤرخين فتدل على حكمته وعدالته، كما أن فتوحاته التي ذكرت في المغرب والمشرق لحماية أطراف دولته من المغيرين الطامعين وبناء السد في شمال مملكته لحفظ سكان الشمال من هجمات القبائل المتوحشة. كل ذلك يرجح أن يكون ذا القرنين.
يقول الشيخ سعيد حوى في كتابه "الأساس في التفسير":
"لا نعرف أحدًا من علماء عصرنا كأبي الكلام آزاد ﵀ أكثرنا تأهيلًا للتحقيق في المعضلات التاريخية بما اجتمع له من ثقافة موسوعية دينية وتاريخية، وقد أقدم على تحقيق المراد بذي القرنين وبسده وبيأجوج ومأجوج، فقدم دراسة تعتبر أعظم دراسة في بابها حول هذا الموضوع، إلى أن يقول ومع أننا لا نستطيع الجزم بما أوصل إليه هذا التحقيق لكنه يبقى التحقيق الأقوى في التاريخ الإسلامي حول ذي القرنين"١.
стр. 308
الوقفة الثانية: مع السد وموقعه
اختلف المفسرون في موقع السد الذي بناه ذو القرنين كاختلافهم في شخصه فذهب بعضهم إلى أنه سد مأرب وآخرون إلى أنه سور الصين إلى غير ذلك، ولو وضعنا أيضًا المعالم التي وضعها القرآن الكريم بين أيدنا لأمكننا التعرف على السد فما ذكره القرآن الكريم:
- أنه سد أقيم بن جبلين متقابلين -صدفين.
- أن تكوينه من الحديد المطعم بالنحاس المذاب.
- أن الغاية من إقامته حماية من دونه من هجمات الأعداء.
وهذا ما فعله أبو الكلام آزاد حينما خطأ القائلين بأنه سد مأرب لأنه سد من حجارة وتراب والهدف منه زراعي لحجز مياه السيول خلفه وتنظيم توزيعه لري الأرض.
وكذلك خطأ من قال إنه سور الصين الذي يمتد "٢٤٠٠" كيلو مترًا فوق السهول والوديان والتلال.
والذي وصل إليه أنه السد المقام على مضيق داريال في جبال القوقاز فإن سلسلة جبال القوقاز الرهيبة تمتد من بحر قزوين شرقًا إلى البحر الأسود غربًا بطول ألف ومائتي كيلومتر ولا يوجد ممر بين السلسلة الشاهقة سوى ممر ضيق يسمى مضيق "داريال" ولا يزد عرض هذا المضيق عن مائة متر تقريبًا، وفي هذا المضيق حاجز حديدي تنطبق عليه جميع أوصاف سد ذي القرنين، وهو يقع الآن في جمهورة جورجيا السوفياتية.
وقد كان الموقع التقريبي لسد ذي القرنين معلومًا لدى بعض المفسرين، فالقرطبي يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا، حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ وهما جبلان من قبل أرمينية وأذربيجان١، كما أشار ابن كثير٢ إلى بعثه الواثق لاكتشاف حال السد. وقد ذكر ابن خردازبه في كتاب "المسالك والممالك"٣ أن الخليفة الواثق العباسي -المتوفى سنة ٢٣٢هـ- كان رأى في منامه كأن ردم يأجوج ومأجوج قد فتح، فكلف "سلام الترجمان" باستطلاع السد، وزوده بالطعام والمال
стр. 309
وأرسل معه خمسين من الشباب الأقوياء ... إلخ. وزودهم بكتب إلى ملوك الأقاليم، وأمرائها، فوصلت البعثة إلى حصون قريبة من مكان السد، وحولها قرى وحصون خربة كثيرة، وأهل الحصون كانوا مسلمين يقرءون القرآن ولهم كتاتيب، فلما أخبروهم أنهم مرسلون من قبل أمير المؤمنين استغربوا ولم يعرفوا عنه شيئًا ولم يسمعوا به، ووصلوا إلى المدينة التي نزل فيها ذو القرنين للإشراف على بناء السد وهي على مسيرة ثلاثة أيام من موقع السد، ووصفوا السد بأن طوله يبلغ مائتي ذراع، وأن له عضادتين مما يلي الجبل من جنبي السفح.
وكله بناء من حديد مغيب في نحاس، وتكون اللبنة ذراعًا ونصفًا في ذراع ونصف في سمك أربعة أصابع.
وعادات البعثة بعد ان استغرقت رحلة الذهاب ستة عشر شهرًا، ورحلة الإياب اثنتي عشر شهرًا، ولم يبق من أعضائها سوى أربعة عشر رجلًا١.
وما ذهب إليه أبو الكلام آزاد، وبعض المفسرين السابقين رجحه الدكتور عبد العليم خضر، حيث يقول: "ووجد كورش أنه آن الأوان لتأديب الشعوب المتوحشة التي كانت تغير عبر مضيق داريال في جبال القوقاز وعلى شعوب إمارته في أذربيجان وجورجيا وأرمينيا وجنوب الحائط الجبلي الرهيب الذي يسمى جبال القوقاز التي تمتد إلى بحر قزوين في الشرق عند مدينة "دربند" حتى "سوخوم" على البحر الأسود، فتوجه إليها سنة ٣٥٧ق. م، وقضى بالإقليم حوالي تسع سنوات متوالية ما بين بناء السد الحديدي. وتأديب قبائل "الإسكوذيين" أو "الماساجيت"٢.
стр. 310
الوقفة الثالثة: مع يأجوج ومأجوج؛ حقيقتهم ومصيرهم
تضاربت أقوال المفسرين في حقيقة يأجوج ومأجوج وأشكالهم وأوصافهم وأعمارهم وتناسلهم. وليس فيها شيء مرفوع إلى رسول الله ﷺ ، لذا آثرنا أن نضرب صفحًا عن تلك الأخبار والأقاويل، ولنا وقفة مع بعض الأحاديث الصحيحة التي تحدثت عن خروجهم قبيل قيام الساعة، فيما بعد.
ولكني وجدت تحقيقًا قيمًا فيما كتبه أبو الكلام آزاد حول القبائل المتوشحة في شمال شرق القارة الآسيوية وهجماتهم على العالم المتحضر في الجنوب والغرب، فأنقله بنصه مع شيء من الاختصار فإن هذا التحقيق يلقي أضواء على أصل قبائل يأجوج ومأجوج. يقول أبو الكلام آزاد:
"تسمى هذه البقعة الشمالية الشرقية "منغوليا" وقبائلها الرحالة "منغول" وتقول لنا المصادر الصينية أن أصل كلمة منغول هو "منكوك" بالكاف الفارسية بعد النون، أو "منجوك" بالجيم الفارسية، وفي الحالتين تقرب الكلمة من النطق العبري "ماكوك" بالكافين الفارسيتين، النطق اليوناني "ميكاك" بالكافين الفارسيتين، ويخبر تاريخ الصين عن قبيلة أخرى من هذه البقعة كانت تعرف باسم "يواشي"، والظاهر أن هذه الكلمة ما زالت تحرف عند الأمم حتى أصبحت يأجوج في العبرية"١.
ثم يستعرض أبو الكلام آزاد كيف أن أرض منغوليا كانت مصدرًا لدفعات بشرية إلى الجنوب الشرقي "الصين" وإلى الجنوب الغربي، والغرب أحيانًا، وكثير من هذه الهجمات البشرية قد استوطنت الأرض التي احتلتها ومالت إلى الزراعة والصناعة، إلا أن مسقط رأس تلك الموجات البشرية بقيت على توحشها، وبقيت مصدر قلق للشعوب المتحضرة، ويستعرض أبو الكلام آزاد من خلال التاريخ سبع هجمات لهذه القبائل:
الأولى: كانت قبل العصر التاريخي عندما بدأت هذه القبائل تهاجر من الشمال الشرقي وتنتشر في آسيا الوسطى.
الثانية: في فجر التاريخ، ونرى معالم حياتين مختلفتين: حياة البداوة وحياة الاستقرار، فتخلد القبائل المهاجرة إلى السكينة، وبدأ هذا الدور من نحو سنة ١٥٠٠ ق. م. إلى سنة ١٠٠٠ ق. م.
الثالثة: من سنة ١٠٠٠ ق. م. فنجد قومًا همجًا من البدو في بلاد بحر الخزر والبحر الأسود، ثم لا يلبث هو أن يظهر بأسماء مختلفة ومن وجهات مختلفة،
стр. 311
ثم نرى قبائل "سي تهين" أخذت تظهر على مسرح التاريخ من سنة ٧٠٠ ق. م. وتهاجم آسيا الصغرى.
ويقول هيرو دتس: إن حدود الآشوريين الشمالية كانت عرضة لغارات قبائل "سي تهين" المستمرة، وكانت هذه الحدود تمتد إلى جبال أرمينيا. فكانت قبائل "سي تهين" تجتاز مضيق القوقاز وتشين الغارات المدمرة على شعوب السهول، حتى إن جموعًا كبيرة منها تقدمت سنة ٦٢٠ ق. م. ووصلت إلى "نينوى" داست في طريقها إيران الشمالية، ويرى مؤرخو اليونان أن هذا الحادث كان من أهم أسباب سقوط نينوى١.
أما الهجمة الرابعة: فينبغي أن نجعلها في حدود سنة ٥٠٠ هـ. م. الزمن الذي ظهر فيه غورش تكونت مملكة مادا وفارس المتحدة فتغيرت الظروف فجأة وأمنت آسيا الغربية من هجمات قبائل "سي تهين"٢.
وكانت الخامسة: في القرن الثالث قبل الميلاد، وقد تدفق سيل جديد للقبائل المنغولية وانصب على الصين، وقد سمى مؤرخو الصين هذه القبائل "هيونج نو" وفي هذا العصر بنى إمبراطور الصين "شي هوانج تي" ذلك الجدار العظيم الذي اشتهر بجدار الصين لصد هجمات هؤلاء المغيرين، والذي لا يزال يوجد إلى يومنا هذا، وقد بدءوا بناءه سنة ٢٦٤ ق. م. وأتموه في مدة عشر سنين٣.
стр. 312
وكانت الهجمة السادسة: في القرن الرابع الميلادي على أوروبا بقيادة "أتيلا" - بعد أن سدت في وجوههم منافذ الشرق والجنوب وقضت على الإمبراطورية الرومانية وعلى مدنيتها معًا.
وكانت الهجمة السابعة: في القرن الثاني عشر الميلادي، فاحتشدت جموع عظيمة من القبائل في بلاد منغوليا، وخرجت بزعامة جينكيز خان، فقضت على الحاضرة العربية وخربت مدينة بغداد، مدينة السلام سنة ٦٥٦هـ. ا. هـ١.
على ضوء هذا التحقيق العلمي الذي قدمه لنا أبو الكلام آزاد، فإن التكاثر السكاني من ناحية ووقوع المجاعات والكوارث ونقص الموارد الغذائية من ناحية أخرى، كل ذلك يؤدي إلى انتشار الموجات البشرية بحثًا عن الطعام أو حبًا في السيطرة والغلبة، وما هذه الهجمات المغولية إلا ظاهرة متكررة، وستكون آخرها ما أخبر به رسول الله ﷺ ما سيحدث قبيل قيام الساعة حين يخرج يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فقد جاء في صحيح مسلم: " ... فيطلبه -أي يطلب
стр. 313
عيسى بن مريم ﵇ الدجال- حتى يدركه بباب لد فيقتله، ثم يأتي عيسى بن مريم قومًا قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خير من مائة دينار لأحدكم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه، فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم، فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله طيرًا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرًا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرك وردي بركتك ... " ١.
والمتبادر إلى الذهن أن يأجوج ومأجوج الذين سيخرجون قبيل قيام الساعة وبعد نزول عيسى ﵇ هم من نسل السابقين الذين حجزهم ذو القرنين خلف السد، ولكن ما واقعهم الآن هل لا يزالون يتموجون خلف السد، ولو حاول أحد ما أن يطلع عليهم أو يراهم فما شأنهم؟
لقد ورد حديث بلبل أذهان كثير من المفسرين، مما جعل بعضهم يقول إنهم أصبحوا في علم الغيب فلا يراهم أحد إلا عند قبيل الساعة؟! والذي دفعهم إلى ذلك أن الواقع المرئي حول جبال القوقاز وغيرها من المناطق التي يحتمل أن يكون موطنهم، لا يوجد فيها مثل تلك الأمواج المتلاطمة من البشر، ومما زاد الفهم اضطرابًا دلالة ظاهر الآية الكريمة ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا، وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ .
стр. 314
ولإلقاء الضوء على الموضوع نذكر الحديث أولًا ثم نرى معنى الآية ثانيًا: روى الإمام أحمد في مسنده والترمذي وابن ماجه١ في سننهما عن أبي رافع عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ ، قال: "إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدًا، فيعودون إليه كأشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدًا إن شاء الله فيستثني فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخروجون على الناس" الحديث.
يقول ابن كثير في تفسيره تعقيبًا على الحديث:
وهذا إسناد جيد قوي ولكن في رفعه نكارة، لأن ظاهر الآية يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه، لإحكام بنائه وصلابته وشدته، ولكن هذا قد روي عن كعب الأحبار، أنهم قبل خروجهم يأتونه فيلحسونه، ويقولون غدًا نفتحه ويلهمون أن يقولوا: إن شاء الله، فيصبحون وهم كما فارقوه فيفتحونه، وهذا فتحه.
ولعل أبا هريرة تلقاه عن كعب فإنه كثيرًا ما كان يجالسه ويحدثه، فحدث به أبو هريرة، فتوهم بعض الرواة أنه مرفوع فرفعه. والله أعلم٢.
فإذا لم يصح رفع الحديث إلى رسول الله ﷺ فلا إشكال عندئذ لأن سياق الآيات الكريمة يدل على أن ذا القرنين بنى السد وأحكمه وبعد أن تم ذلك ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ . في ذاك الوقت، ثم جاء الحمد والثناء على الله على لسان ذي القرنين لأنه وفقه إلى بناء هذا السد وحماية الأقوام المستضعفين الذين كانوا مطمع قبائل يأجوج ومأجوج. فتركزا يموج بعضهم في بعض وهم لا يستطيعون تسلق السد ولا نقبه٣، ثم اسدل الستار على
стр. 315
الحديث عن يأجوج ومأجوج وهم محجوزون، وكما قلنا سابقًا ومن إيحاء هذا المنظر جرى الحديث عن مصير السد وعن حشر الناس يوم القيامة للحساب. أما السد فيصبح دكًا ويسوى بالأرض عند قيام الساعة أما الناس -جميع الناس بما فيهم يأجوج ومأجوج- فإذا نفخ في الصور سيجمعون جميعًا ويعرضون على جهنم، وجاء التعبير بصيغة الماضي "ونفخ" لتحقق الوقوع فهو أمر كائن لا محالة، ويكثر في القرآن الكريم التعبير عن أحداث المستقبل بصيغة الماضي لأن الحدث متحقق الوقوع فكأنه قد وقع وفرغ منه مثل قوله تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ .
أما واقع يأجوج ومأجوج بعد الحجز فكأي قوم من الأقوام أو أمة من الأمم تعتورها فترات تكاثر وإخصاب ونمو، كما تعتورها فترات ركود وضعف وقلة، ففي حالات التكاثر يحدث الانفجار السكاني وتكون موجات الهجرة والسيطرة، وفي فترات الضعف يكون الكمون وربما يُغزون من غيرهم.
إلا أن ظاهر الآيات والأحاديث يدل على أن الموجات البشرية التي ستكتسح كل شيء أمامها وتجفف منابع المياه العذبة -ومنها بحيرة طبرية- سيكونون من نسل يأجوج ومأجوج الذين حجزوا خلف سد ذي القرنين حيث تكون موجة التكاثر والخصوبة على أشدها في تلك القبائل. ولله في خلقه شئون.
стр. 316
القيم في قصة ذي القرنين:
أ- القيم الصحيحة:
تمثلت القيم الصحيحة في سيرة ذي القرنين وأعماله وأقواله، وهي في نفس الوقت تأكيد للقيم الصحيحة التي مر ذكرها في القصص الثلاث السابقة:
١- الحكم والسلطة والتمكين في الأرض ينبغي أن يسخر لتنفيذ شرع الله في الأرض وإقامة العدل بين العباد، وتيسير الأمر على المؤمنين المحسنين، وتضييق الخناق على الظالمين المعتدين ومنع الفساد والظلم وحماية الضعفاء من بطش المفسدين، وهي عكس ما ورد في قصة أصحاب الكهف حيث استخدمت السلطة والحكم في الانحراف والدعوة إلى الشرك ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ .
٢- الرجال الأشداء ذوو الخبرات الفنية العالية في النواحي العسكرية والعمرانية والاقتصادية الذين كانوا طوع بنان ذي القرنين، وكذلك خضوع الأقاليم له وفتح الخزائن أمامه وتقديم خراب الشعوب له طواعيه، كل ذلك لم يدخل على نفسه الغرور والبطر والطيش والغواية بل بقي مثال الرجل المؤمن العفيف المترفع عن زينة الحياة الدنيا ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ . وبعد الانتهاء من تشييد السد قال: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ .
وقارن هذا بما قاله صاحب الجنتين ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ ، ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ .
стр. 317
٣- اتخاذ الأسباب الظاهرة والخفية المغيبة لبلوغ الغايات والأهداف التي سعى إليها حيث آتاه الله من كل شيء سببًا فأتبع سببًا حتى إذا بلغ مغرب الشمس لنشر الإيمان وإقامة العدل.
- ثم أتبع سببًا حتى إذا بلغ مطلع الشمس لمحاربة التخلف.
- ثم أتبع سببًا حتى إذا بلغ بين السدين لإصلاح الأرض ومنع الفساد والدمار وهذه الأسباب الظاهرة والتي كانت من دواعي التمكين له في الأرض لم تصرفه عن النظر في الأسباب الغيبية التي تكون من دواعي التمكين المعنوي مثل: العدل، والإحسان إلى المؤمن المحسن والتيسير عليه والأخذ على يد الظالم والتضييق عليه وكلها من دواعي التمكين المعنوي.
- إعادة النعم والفضل إلى مسديها .
- الإيمان المطلق بعلم الغيب ومنه قيام الساعة.
ب- القيم الزائفة في قصة ذي القرنين:
وتمثلت القيم الزائفة فيما وجه إليه ذو القرنين همته لإزالته وإصلاحه فمن ذلك:
١- الكفر والظلم والاعتداء الذي قضى عليه في مغرب الشمس ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾ .
٢- التخلف المتمثل في القوم عند مطلع الشمس ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ .
٣- الإفساد والدمار المتمثل في تصرفات يأجوج ومأجوج ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ .
стр. 318
العظات والعبر في المقطع الخامس قصة ذي القرنين:
١- إن اتخاذ الأسباب للوصول إلى الغايات لون من ألوان التمكين الرباني لعباده ولايتنا في ذلك مع توكيل العبيد على الله وطلبهم العون والتوفيق والسداد.
٢- من دعائم الملك الصالح والسلطة العادلة تكريم أهل الصلاح وجعلهم بطانة الحاكم واستشارتهم في شئون الدولة وإسنادها إليهم، وتكليفهم بسياسة الرعية، وإبعاد أهل الفساد والظلم والانحراف والمضايقة عليهم.
٣- من مهمات الحاكم الصالح الجهاد في سبيل الله لنشر كلمة التوحيد، ورعاية مصالح الأمة، وحماية المستضعفين ودفع إفساد المفسدين عنهم، وإقامة العدل في ربوع الأرض.
٤- من مهمات دولة العدل إقامة المشاريع والمنشآت النافعة للأمة، التي توفر الأمن والرخاء والسعادة للشعوب.
٥- بقاء سد ذي القرنين إلى قيام الساعة، فإذا جاء وعد الله تعالى باختلال النظام الكوني جعله دكاء وكان وعد ربي حقًا.
٦- بقاء نسل يأجوج ومأجوج إلى قبيل قيام الساعة، حيث يخرجون في آخر الزمان، ويكون خروجهم من علامات الساعة الكبرى.
стр. 319
خاتمة السورة:
لقد تضمنت الخاتمة جملة من الحقائق التي تحدثنا عنها تفصيلًا في افتتاحية السورة، وذكرنا هناك الحكمة في ربط رسول الله ﷺ بين العشر آيات من أول السورة والعشر آيات الأخيرة من السورة وكونها عصمة من فتنة الدجال لمن قرأها أو حفظها١. ولا نعيد ذكرها هنا مرة أخرى اكتفاء بما تقدم ونكتفي هنا بالعرض العام للخاتمة.
يمكن تقسيم الخاتمة إلى ثلاث فقرات:
الفقرة الأولى: وهي وثيقة الصلة بمشهد ذي القرنين ومنظر القبائل والشعوب والأمم التي حشرت خلف السد، فهي تموج وتضطرب ولا تجد منفذًا ولا سبيلًا إلى الانتشار إلى غاياتها.
وكأن ذا القرنين بعد أن أتم هذا السد الشامخ وتحقق غرضه، ورأى ثمرة جهده لسنوات عديدة، وهو يكابد لإكمال السد بتأمين المواد الأولية وإقامته على التخطيط الدقيق والأسس العلمية السليمة من جهة.
ويكافح لدفع غارات المفسدين في الأرض الذين يحاولون الحيلولة بينه وبين إتمام هذا السد.
فما انتهى وأشرف على هذا الإنجاز الضخم توجه إلى ربه شاكرًا متضرعًا للذي بفضله وكرمه ونعمته تتم الصالحات فقال: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ واستشعر
стр. 320
-وهو المؤمن بيوم النشور والحشر- أن كل شيء في الدنيا زائل وتذكر يوم العودة إلى الله ويوم تحمل الأرض والجبال فتدك وتسوى بالأرض ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ ، قال: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ .
وتتميمًا للصورة المجسدة في حشر يأجوج ومأجوج وحجزهم خلف السد جاء التعقيب الإلهي للتذكير بالحشر الأكبر الذي يقع بعد الدك وخسف القمر وجمع الشمس والقمر واختلال نظام الكون إنه يوم النفخ في الصور ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ لقد بعث الأولون والآخرون بألوانهم المختلفة وأشكالهم المتباينة وهيئاتهم المتنوعة، إنه يوم الجمع الأكبر، إنه يوم الدين، يوم الحساب والجزاء لقد جمعوا جمعًا راغمين، يقول أحدهم: أين المفر؟ ﴿كَلَّا لا وَزَرَ، إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ . تموج بهم الأرض كالجراد المنتشر، أبصارهم خاشعة كليلة ترهقهم ذلة، إنه اليوم الموعود، وقد أزيلت الحواجز عن الأرض فلا ترى فيها عوجا ولا أمتًا، وأخرجت الأرض أثقالها فلم يبق في جوفها سر دفين، وكشفت السرائر وبرزت الحقائق على وجوه أصحابها. لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء، والقلوب لدى الحناجر كاظمين. ووضعت الموازين القسط، وتطايرت الصحف، وأعلنت مبادئ العدل الرباني:
- لا ظلم اليوم.
- لا كلام إلا لمن أذن له الرحمن ورضي له قولًا.
- لا شفاعة إلا بإذنه.
- كل إنسان يحمل طائره.
- كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا.
وتعرض جهنم وتحسب بأزمتها١، ويا هول ما يرى من أمرها.