ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ١. فالسابق من رجحت حسناته والمقتصد من استوت حسناته وسيئاته، والظالم المرتكب لبعض المحرمات، على رأي، والسابق المخلص، والمقتصد المرائي، والظالم كافر النعمة غير الجاحد لها على رأي ثان، والسابق هو الذي تمحض للخير، والمقتصد هو الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا، والظالم هو المرجأ إلى امر الله، على رأي ثالث، وهكذا٢، وهي أقوال كما ترى ليس بينها تناف ولا تعارض.
جـ- وتفاسير الفرق الإسلامية المختلفة ترجع -في الحقيقة- إلى التفسير بالرأي، غير أنها تدخل في النوع المذموم منه، لأن أصحابها لم يؤلفوها إلا لتأييد أهوائهم، أو الانتصار لمذاويقهم ومواجيدهم، من ذلك تفاسير المعتزلة والمتصوفة والباطنية.
ويغلب على تفاسير المعتزلة الطابع العقلي, والمذهب الكلامي، تبعا لقاعدتهم المشهورة "الحسن ما حسنه العقل، والقبيح ما قبحه العقل"٣، ولا ترد النصوص النبوية فيها إلا على أنها شيء ثانوي، نادرا ما يلجئون إليه لشرح معاني الآيات، وخير من يمثل هذه النزعة العقلية في التفسير الزمخشري "محمود بن عمر الملقب بجار الله المتوفى سنة ٥٣٨هـ" في كتابه "الكشاف" الذي يمتاز بإيراد النكات البلاغية وتحقيق بعض وجوه الإعجاز، بطريق الفنقلة "أي: إن قلت قلت"، وهو إلى ذلك خال من الإسرائيليات التي تكثر في بعض كتب التفسير بالمأثور, وعبارته بليغة موجزة ليس فيها حشو وتطويل.
وإليك نموذجا من تفسيره: قال في بيان قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ
стр. 282
وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ ١ فإن قلت: لم أسند الختم إلى الله تعالى وإسناده إليه يدل على فعل القبيح.. بدليل ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ ٢ إلخ ... ثم أول إسناد الختم إلى الله بأن الكلام استعارة أو مجاز، على معنى أن الشيطان هو الخاتم أو الكافر، وأسند إلى الله تعالى لأنه هو الذي أقدره ومكنه٣.
ويغلب على تفاسير المتصوفة الشطحات التي تبعدهم عن النسق القرآني، وتجعل كلامهم غامضًا إلا على المشتغل بالشئون الروحية، الذي تعلم أساليب المتصوفة ومرن عليها.
وأشهر التفاسير التي من هذا النوع التفسير المنسوب إلى الشيخ محيي الدين بن عربي المتوفى سنة ٦٣٨، وإن كان كثير من العلماء لا يصححون نسبته إليه.
وإليك نموذجا من هذا التفسير، حول تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ٤ ففيه ما نصه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: حجبوا عن تجليات صفاتنا وأفعالنا، إذ مطلع الآية كونه متجليا بالعلم والحكمة والملك في آل إبراهيم ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ﴾ نار شوق الكمال، لاقتضاء غرائزهم وطبائعهم بحسب استعدادهم ذلك مع رسوخ الحجاب ولزومه، أو نار قهر من تجليات صفات قهره تناسب أحوالهم، أو نار شره نفوسهم وحدة شوقها وطلبها لما ضريت به من كمالات صفاتها وشهواتها مع حرمانها منها ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ رفعت حجبهم الجسمانية
стр. 283
بانسلاخهم عنه ﴿بَدَّلْنَاهُمْ﴾ حجبا غيرها جديدة ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ نيران الحرمان ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا﴾ قويا يقهرهم ويذلهم بذل صفات نفوسهم، ويحرقهم بنيران توقانها إلى كمالاتهم مع حرمانهم أبدا ﴿حَكِيمًا﴾ يجازيهم بما يناسبهم من العذاب الذي اختاروه لأنفسهم بدواعيهم الغضبية والسهوية وغيرها، وميولهم إلا الملاذ الجسمانية، فلذلك بدلوا حجبا ظلمانية بعد حجب"١.
فالتذوق الجداني القائم على ضرب من الحدس النفسي هو الذي يسود هذه الشروح. ولذلك تكثر فيه العبارات الغامضة التي ليس وراءها طائل. والدين لا يؤخذ من ذوق المتذوقين، ولا وجد المتواجدين.
ويقرب من تفسير المتصوفة ما يسمى بالتفسير الإشاري, وهو الذي تؤول به الآيات على غير ظاهرها مع محاولة الجمع بين الظاهر والخفي. من ذلك تفسير الآلوسي "المتوفى سنة ١٢٧٠هت" ويسمى "روح المعاني" فبعد أن يورد فيه مؤلفه تفسير الآيات حسب الظاهر، يشير إلى بعض المعاني الخفية التي تستنبط بطريق الرمز والإشارة، كقوله في تفسير الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٢: وإذ أخذنا ميثاقكم المأخوذ بدلائل العقل، بتوحيد الأفعال والصفات، ورفعنا فوقكم طور الدماغ، للتمكن من فهم المعاني وقولها. أو أشار سبحانه بالطور إلى موسى القلب, وبرفعه إلى علوه واستيلائه في جو الإرشاد، وقلنا: "خذوا" أي: اقبلو "ما آتيناكم" من كتاب العقل الفرقاني بجد، وعوا ما فيه من الحكم والمعارف والعلوم والشرائع لكي تتقوا الشرك والجهل والفسق، ثم أعرضتم بإقبالكم إلى الجهة السفلية بعد ذلك. فولا حكمة الله بإمهاله، وحكمه بإفضاله، لعاجلكم بالعقوبة، ولحل
стр. 284
بكم عظيم المصبية"١.
أما تفاسير الباطنية الذين يقتصرون على الأخذ بباطن القرآن ويهملون ظاهره، مستدلين بقوله تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ ٢ فيسل فيها إلا التأويلات الفاسدة المخالفة لأصول الشرع وقواعد اللغة، وتفاسير الباطنية أشد بعدا عن النسق القرآني من تفاسير التصوف والتفاسير الإشارية, وإن كانت تشترك جميعا في مخالفة ظاهر القرآن واستلهام معان ما أنزل الله بها من سلطان.
د- هذا وإننا نضطر أحيانا للرجوع إلى نوع معين من التفاسير: فإذا كنا نبحث عن النكات البلاغية رجعنا إلى الزمخشري، وإذا التمسنا المباحث الكلامية رجعنا إلى الرازي، وإذا أردنا إعراب القرآن فعلينا بالبحر المحيط لأبي حيان الأندلسي "المتوفى سنة ٧٤٥" ففيه كثير من المباحث النحوية، والمسائل المتعلقة بالقراءات، ولم نجد فيه ما نسلكه به في عداد التفسير بالرأي, كما أنه لا يعنى بالنصوص النبوية إلا قليلا، فليس من باب التفسير بالمأثور.
هـ- وقد ألفت في القرن الأخير تفاسير لبعض العلماء المعاصرين فيها محاولات للتجديد، وأقلها نصيبا من النجاح -بلا ريب- "الجواهر في تفسير القرآن" لطنطاوي جوهري، فإن في تفسيره كل شيء ما عدا التفسير. أما تفسير المنار للسيد محمد رشيد رضا فإنه نمط خاص في تأويل كلام الله، يرجع به مؤلفه غالبا إلى آثار السلف محاولا التوفيق بينها وبين مقتضيات العصر الحاضر، ويحالفه النجاح في أكثر هذه المحاولات، إلا أنه أحيانا يستمسك ببعض الآراء الضعيفة ويدافع عنها بقوة وعناد، والمنهج الذي يصدر عنه يدل -بوجه عام- على تعمقه للأسلوب القرآني، ودراسته له على أنه للهداية والإعجاز. ولسيد قطب في تفسيره "ظلال القرآن" لمحات موفقة في فهم أسلوب القرآن في التعبير والتصوير، إلا أن الغرض الأول منه تبسيط المبادئ
стр. 285
القرآنية للنشء، فهو إلى التوجيه أقرب منه إلى التعليم.
والتفسير بالمأثور إذا اجتمع إليه حسن الاستنباط، وسعة الثقافة، والمقدرة على الترجيح هو أولى التفاسير بالاعتبار، ونحن مع ذلك لا ننصح بالاقتصار عليه، فلا بد لنا لتأويل الآية أو الآيات من الرجوع إلى مختلف التفاسير، ثم نحاول أن نختار لأنفسنا أصلح الآراء فيها، إلا أن يثبت لنا على وجه القطع أثر صحيح في الموضوع فنأخذ به ونطرح ما عداه، إذ لا مسوغ للاجتهاد في مورد النص.
стр. 286
الفصل الثاني: القرآن يفسر بعضه بعضا
منطوق القرآن ومفهومه:
"القرآن يفسر بعضه بعضا"١.
يردد المفسرون هذه العبارة كلما وجدوا أنفسهم أمام آية قرانية تزداد دلالتها وضوحا بمقارنتها بآية آخرى. وإن لهم أن ينهجوا في تأويل القرآن هذا المنهج، لأن دلالة القرآن تمتاز بالدقة والإحاطة والشمول, فقلما نجد فيه عاما أو مطلقا أو مجملا ينبغي أن يخصص أو يقيد أو يفصل إلا تم له في موضع آخر ما ينبغي له من تخصيص أو تقييد أو تفصيل، ولقد كانت هذه الدلالة الشاملة جديرة أن توحي إلى العلماء وضع مصطلحات خاصة يرمز بكل منها إلى السمة البارزة في كل فكرة يدعو إليها القرآن، وفي كل مشهد يصوره، ومن هنا نشأ في الدراسات الإسلامية ما يسمى بمنطوق القرآن ومفهومه، وعامه وخاصه، ومطلقه ومقيده، ومجمله ومفصله، وعرفت هذه المصطلحات وأمثالها واستعرضت الشواهد الكثيرة الدالة عليها، وتباينت مناهج العلماء في دراستها، فمنهم من يبحثها على أساس تشريعي وهم الأصوليون، ومنهم من يبحثها على أساس منطقي وهم المتكلمون, وآخرون -ونحن في بحثنا هذا منهم- يؤثرون أن ينظروا إلى هذه المصطلحات من خلال الزاوية اللغوية
стр. 287
والأدبية، ليتتبعوا بلذة وشغف طريقة القرآن في الأداء والتعبير.
وأول ما ينبغي معرفته من هذه المصطلحات منطوق القرآن ومفهومه، لأنهما يفصلان أنواع الدلالة القرآنية المستفادة من اللفظ والمستنبطة من المعنى، فيشملان النص والظاهر والمؤول، وفحوى الخطاب ولحنه، ومعاني الوصف والشروط والحصر، وسنوضح هذه المسألة "بنماذج" مختلفة نجمعها مما تفرق في ثنايا كتاب الله الحكيم.
قالوا في تعريف المنطوق: "إنه ما دل عليه اللفظ في محل النطق"١. فلاحظوا في تعريفه أن التلفظ بالآية هو وحده منفذنا إلى دلالتها. وذلك واضح جدا في "النص" الذي لا يحتمل اللفظ غيره، كدلالة قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ ٢، فلا يمكن أن يحتمل الفظ غير كمال الأيام العشرة التي نطقت بها الآية ونصت عليها.
وحتى ما يسمى "بالظاهر" الذي يفيد معنى متبادرا مع احتمال غيره احتمالا مرجوحا، هو نوع من المنطوق, لأن دلالته على معناه المتبادر الراجح إنما تتم في محل النطق نفسه، لأن الراجح من اللفظ المنطوق يقدم على مرجوحه، يوضح ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ٣ فالباغي يطلق على معنيين، أحدهما مرجوح وهو الجاهل، والثاني راجح وهو الظالم، لأنه هو الظاهر المتبادر من سياقه الآية٤. و"المؤول" الذي يستحيل حمله على ظاهره فيصرف إلى معنى آخر يعينه السياق هو كذلك نوع من المنطوق, لأن ظاهره المستحيل مرجوح, ومعناه الذي يعنيه السياق راجح يكاد اللفظ نفسه ينطق به وينبئ عنه، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ
стр. 288
أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ١ فإن حمل المعية على قرب الله بذاته مستحيل٢، أما تأويلها بالقدرة والعلم والرعاية فمعنى صحيح يصل إلى النفس عن طريق اللفظ المنطوق ذاته من غير تعمل ولا اصطناع.
أما المفهوم فقد اصطلحوا على أنه "ما دل عليه اللفظ في غير محل النطق"٣. فلاحظوا في تعريفه أن المعنى الذهني هو المنفذ الوحيد إلى دلالته، ويسمى مفهوم موافقة إذا وافق المنطوق بحكمه، ومفهوم مخالفة إذا لم يوافقه به٤، ولكل من هذين المفهومين فروع تتعلق به، فمفهوم الموافقة إذا دل على المعنى الأولي بالأخذ والاعتبار سمي "فحوى الخطاب"، كدلالة "فلا تقل لهما أف"٥ على تحريم ضرب الوالدين لأنه أولى بالتحريم من قول أف لمأ، وإذا دل على المعنى المساوي سمي "لحن الخطاب" كدلالة ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ ٦ على تحريم إحراق أموال اليتامى لأن الإتلاف هو المقصود بالتحريم، سواء أحصل بالأكل أم بالإحراق, فكل منها مساو للآخر٧.
ومفهوم المخالفة على أنواع أهمها: مفهوم وصفي، ومفهوم شرطي، ومفهوم حصري٨.
ويتوسع في المفهوم الوصفي فلا يقتصر فيه على النعت، بل يدخل فيه كل ما أفاد معنى الوصفية كالحال والظرف والعدد٩.
стр. 289
مثال النعت ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ ١: مفهومه أنه لا يجب علينا أن نتبين أو نتثبت في نبأ غير الفاسق٢، فإذا جاءنا من نعت بالعدالة بدلا من الفسق بنبأ قبلناه وسلمنا به وحسنا الظن بخبره، ومن هنا استنبط العلماء وجوب قبول الخبر الذي يرويه الواحد العدل.
ومثال حال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ ٣ فإن الغاية من الآية التدرج في تحريم المسكرات على المؤمنين، فالصلاة لا تقرب إلا في حال الصحو التي يعلم فيها المصلي ما يقول: وفي حال السكر لا يعي الإنسان شيئا مما يفعل ويقول: ولذلك لا يجوز صلاة المؤمنين وهم سكارى.
ومثال الظرف: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ ٤ فقد عينت الآية الظرف المكاني الذي يذكر الله فيه ذكرا خاصا، فلو ذكر الله في غير هذا المكان لكان تحصيلا لشيء غير مطلوب٥، والأمر التعبدي لا يعلل، لأن تنفيذه على الوجه الذي أراده الشارع دليل على طاعة الله، والتزيد فيه كالنقصان منه معصية ووضع للشيء في غير محله. ونقول مثل ذلك في قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ٦، فهذا تعيين للظرف الزماني الذي يحرم فيه الحاج، بحيث لو وقع إحرامه في غير هذه الأشهر لكان غير صحيح٧.
ومثال العدد: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ
стр. 290
الْفَاسِقُونَ﴾ ١ فحد القذف ثمانون جلدة لا أكثر ولا أقل٢.
وهذه الأمثلة الأربعة كلها شواهد على المفهوم الوصفي، مع شيء من الاتساع فيه.
ومثال المفهوم الشرطي: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ ٣ فاشتراط الحمل يفيد أن غير الحاملات لا يجب الإنفاق عليهن٤.
ومثال المفهوم الحصري: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٥ أي: لا نعبد أحد سواك ولا نستعين إلا بك.
وقد نص العلماء على أنه لا مفهوم للموصول وصلته في قوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ ٦، لأن الغالب أن يكن في حجور الأزواج٧ ولا مفهوم للشرطية في قوله: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ ٨، لأن إرادتهن التحصن موافقة للواقع، فلا يجوز إكراه الفتيات على البغاء إن مالت أنفسهن إلى الفحشاء، ولم يردن التحصن، لأن الآية لا تشترط شرطا وإنما توافق واقع الفتيات عندما يكون واقعا سليما ليس فيه شذوذ.
стр. 291
عام القرآن وخاصه:
أ- نقصد بعام القرآن، اللفظ الذي نجده فيه دالا -في أصل وضعه اللغوي- على استغراقه جميع الأفراد التي يصدق عليها معناه من غير حصر كمي ولا عددي١، فإذا قال تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ ٢ فلفظ "رجل" ليس بعام، لأنه يدل على فرد واحد معين، وإذا قال: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ ٣ فلفظ "رجلين" ليس بعام كذلك لأنه يدل على شخصين معينين، ومثل ذلك يقال في "رجال" في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾ ٤، وفي "أمة" في قوله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ ٥ وفي "ألف" في قوله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ ٦ لأن هذه الألفاظ تدل على كمية محصورة أو عدد معين, ولا تدل على الشمول والاستغراق، فليس فيها إذن معنى العموم.
والقرآن الذي نزل بلسان عربي مبين، يعبر عن العام بالألفاظ التي وضعها العرب لإفادة الشمول والاستغراق. وقد دل الاستقراء على أن الألفاظ العموم٧ لا تخرج عن هذه التي سنذكرها تباعا مع التمثيل من النصوص القرآنية.
أولا: لفظ كل، وجميع، وكافة، وما في معناها، نحو ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ ٨، ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ٩، ﴿ادْخُلُوا
стр. 292
فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ ١.
ثانيا: أسماء الموصول إفرادا وتثنية وجمعا، وتذكيرا وتأنيثا، نحو ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ٢، ﴿وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ ٣، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ٤، ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ ٥.
ثالثا: المعرف بأل تعريف الجنس مفردا كان نحو ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٦، أو جمعا نحو ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون﴾ ٧.
رابعا: الجمع المعروف بالإضافة نحو ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ ٨، ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ ٩.
خامسا: أسماء الشرط، نحو ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ ١٠.
سادسا: النكرة في سياق النفي، نحو: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ ١١.
وهذه الصيغ -بحسب الوضع اللغوي- تعين العموم تعيينا حقيقيا ما لم يرد مخصص لها، وموارد التخصيص كثيرة في القرآن حتى لقد تعذر على
стр. 293
بعض العلماء أن يتصور عاما باقيا على عمومه غير قابل للتخصيص١.
وحاول السيوطي أن يستنبط من القرآن مثالا على ذلك فوجده في الآية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ﴾ ٢.
إلخ، فالعموم مقصود في جميع المحارم المذكورة. ولم يكن الأمر محوجا إلى هذا الجهد وذلك العناء، فالعام الباقي على عمومه موجود في القرآن، ولكنه قليل بالنسبة إلى العام المراد به الخصوص، ومن أمثلة الباقي على عمومه قطعا هذه السنن الإلهية التي لا تحتمل التخصيص ولا التبديل في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ٣ وقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ ٤, وقوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ٥.
ومن المحقق أن العام غالبا تصحبه قرينة تمنع بقاءه على عمومه، نحو ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ ٦، فلا يراد من أهل المدينة والأعراب إلا القادرون على الجهاد، أما العجزة فلا يشملهم التعبير، لأن العقل يقضي بخروجهم، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ ٧ فلا يراد بالناس إلا المكلفون، أما الصبية والمجانين فالعقل يقضي كذلك بخروجهم، ومن العام الذي يراد به الخصوص ما يكون فيه الانقال من العموم لغرض بلاغي يزيد التعبير جمالا، والفكرة
стр. 294
وضوحا، كقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ١ فالمقصود بالناس هنا إنسان واحد هو محمد رسول الله ﷺ ، جمع ولم يفرد لأنه المثل الأعلى للإنسانية.
وإذا خاطب الله نبيه بمثل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ ٢ فخطابه لا يعم الأمة بطريق الدلالة الوضعية, ولكنه يعمها بدليل آخر، هو وجوب الاقتداء به صلوات الله عليه، إلا إذا قام على أن الحكم خاص به.
والمدح والذم لا يخرجان العام عن عمومه، مثال ذلك ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم﴾ ٣، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ ٤.
ب- أما خاص القرآن فهو اللفظ الموضوع للدلالة على فرد واحد مثل محمد، أو واحد بالنوع مثل رجل، أو على أفراد محصورة الكم والعدد: كاثنين وعشرة وألف, وقوم وأمة وطائفة وفريق٥.
واللفظ القرآني الخاص قد يكون مطلقا أو مقيدا، وأمرا أو نهيا.
فالخاص المقيد كلفظ "مسفوحا" في قوله: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ ٦ فإن هذا اللفظ قيد لفظ "الدم" المطلق في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ ٧ ... فقد حمل هنا الخاص المطلق على الخاص المقيد٨.
وصيغة الأمر إذا وردت في لفظ قرآني خاص تفيد الإيجاب والإلزام٩،
стр. 295
نحو ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ١ لكنها قد تصرف إلى معنى آخر بقرينة، كالإباحة في قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ ٢ والإشعار بالعجز ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ ٣ والتهديد ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُم﴾ ٤ وتكرير طلب الشيء ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ٥ أي: كلما شهد أحدكم الشهر وجب عليه الصيام.
وصيغة النهي إذا وردت في لفظ قرآني خاص تفيد التحريم على وجه الإلزام٦، نحو ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ٧، وقد تصرف إلى معنى آخر بقرينة، كالدعاء ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ ٨ أو الكراهة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ ٩.
والحكم الذي يفيده الخاص بدلالته الحقيقية الوضعية حكم قطعي لا سبيل إلى الظن فيه، فإذا قال تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ ١٠ فالحكم إطعام هؤلاء العشرة, بحيث لا يزاد عليهم ولا ينقص منهم، وذلك لأن الخاص الحقيقي لا يتصور فيه إلا الخصوص، بعكس العام فإنه يتصور فيه دائما ما يخصصه وقلما يبقى على عمومه.
стр. 296
المجمل والمبين:
المجمل وهو ما لم تتضح دلالته١، أو هو -بعبارة أوضح- ما له دلالة على أحد أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر بالنسبة إليه. وقد أنكر داود الظاهري٢ وقوعه في القرآن٣، والأصح وقوعه غير أنه لا يبقى على إجماله ولا سيما في الأمور التي شعرها الله لعباده وأمرهم بها.
وفي إجمال النص ضرب من الغموض ينشأ من أحد الأسباب الآتية:
غرابة لفظه: "كالهلوع" فقد فسره السياق القرآني في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ ٤.
أو وقوع الاشتراك فيه، كلفظ "عسعس" في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَس﴾ ٥ فإنه صالح لإفادة الإقبال والإدبار٦. أو اختلاف مرجع الضمير, نحو ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ٧ يحتمل عود ضمير الفاعل في "يرفعه" إلى ما عاد عليه ضمير "إليه" وهو الله, ويحتمل عوده إلى العمل، والمعنى: أن العمل الصالح هو الذي يرفعه الكلم الطيب، ويحتمل عوده إلى الكلم أي: إن الكلم الطيب -وهو التوحيد- يرفع العمل الصالح، لأنه لا يصح العمل إلا مع الإيمان٨.
أو التقديم والتأخير، نحو ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمّىً﴾ ٩ أي: ولولا كلمة وأجل مسمى لكان لزاما١٠.
على أن هذا الغموض العارض الناشئ عن تردد المجمل بين أمرين لا يلبث أن يزول, فإذا ورد عليه بيانه سمي مفصلا أو مفسرًا أو مبينا.
стр. 297
وتبين المجمل إما أن يرد متصلا١، نحو ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فإنه فسر مجمل قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ٢، إذ لولا من ﴿الْفَجرِ﴾ لبقي الكلام الأول على تردده واحتماله٣.
وإما أن يرد منفصلا في آية أخرى٤، نحو ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة﴾ ٥ فإنه دل على جواز الرؤية, ويفسر به قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ ٦، إذ كان مترددا بين نفي الرؤية أصلا وبين نفي الإحاطة والحصر دون أصل الرؤية٧.
وقد يقع تبيين المجمل بالسنة النبوية٨، لأن القرآن والحديث أبدا "متعاضدان على استيفاء الحق وإخراجه من مدارج الحكمة، حتى إن كلا منهما يخصص عموم الآخر، ويبين إجماله"٩.
وأكثر ما يكون في الألفاظ الشرعية المنقولة من معانيها اللغوية، "كالصلاة" فقد فسر أقوالها وأفعالها الرسول ﷺ في قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي". وكذلك الزكاة بين الرسول مقاديرها، والحج فصل مناسكه١٠.
ومن ذلك تفسيره ﵊ ﴿قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ في قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ ١١ فقد قال: "فيها ما لا عين رأت ولا أذن
стр. 298
سمعت، ولا خطر على قلب بشر, بله ما اطلعتم عليه" ١. وفي بيان معاضدة السنة للقرآن وتفسيرها لإجماله ألف الإمام أبو الحكم بن برجان٢ كتابه المسمى "بالإرشاد في تفسير القرآن"٣، وقال: "ما قال النبي ﷺ من شيء فهو في القرآن, وفيه أصله, قرب أو بعد, فهمه من فهمه, وعمه عنه من عمه"٤.
стр. 299
النص والظاهر:
يراد بالنص ما دل بصيغته نفسها على ما يقصد أصلا من سياقه١، كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ٢ فالمعنى المقصود أصالة من هذا السياق القرآني نفي كل نوع من أنواع المماثلة بين البيع الحلال والربا الحرام.
وبديهي أنه يجب العمل به، لأنه من مقاصد القرآن التي تدل عليها عباراته دلالة واضحة صريحة.
أما الظاهر فيراد به ما يتبادر إلى الفهم من عبارته نفسها من غير حاجة إلى قرينة، ولكن مفهومه غير مقصود أصالة من سياقه٣، كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ ٤ فالمعنى المتبادر إلى الفهم من غير توقف على قرينة هو
стр. 300
إباحة نكاح ما حل من النساء، ولكنه لم يقصد من السياق أصلا، وإنما قصد به أصلا قصر العدد على أربع أو الاكتفاء بواحدة.
ويجب العمل بالظاهر أيضا، لأ اللفظ لا يصرف عن المتبادر إلا بقرينة، فإذا وجدت هذه القرينة بغير المتبادر منه١.
стр. 301
الفصل الثالث: إعجاز القرآن
مدخل
...
الفصل الثالث: إعجاز القرآن
تحدى القرآن فصحاء العرب بمعارضته، وطاولهم في المعارضة، ولكنهم انهزموا أمام تحديه، وأعلنوا عجزهم عن تقليده؛ لأنه يعلو وما يعلى، وما هو بقول بشر.
ولقد كان الإعجاز القرآني خليقا أن يثير في الحياة الإسلامية مباحث على جانب عظيم من الأهمية يتصدى بها العلماء للكشف على وجوه البلاغة القرآنية, وعن أسلوب القرآن الفذ في التصوير والتعبير. وبذل أولئك العلماء جهودا مشكورة, وقاموا بمحاولات مضنية، لإبراز البلاغة القرآنية في صورة موحية ذات ظلال، ولكنهم وقفوا غالبا عند النص الواحد، فاقتطعوه اقتطاعا من الوحدة القرآنية الكبرى, ودرسوه على حدة دراسة تحليلية جزئية ذهب بمعالم جمالها خلافهم الذي لا يتناهى حول مشكلة اللفظ والمعنى, فكانت النزعة الكلامية تفسد عليهم تذوقهم للنصوص، وإدراكهم مواطن البلاغة والإعجاز.
ولعل الجاحظ "ت٢٥٥" أول من تكلم على بعض المباحث المتعلقة بالإعجاز في كتابه "نظم القرآن"، ولم يصلنا هذا الكتاب، ولكن للجاحظ نفسه إشارات إلى هذا المصنف في كتابه "الحيوان" إذ يقول: "ولي كتاب جمعت فيه آيا من القرآن لتعرف بها ما بين الإيجاز والحذف، وبين الزوائد والفضول والاستعارات، فإذا قرأتها رأيت فضلها في الإيجاز، والجمع للمعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة. فمنها قوله حين وصف خمر أهل الجنة: ﴿لا
стр. 302
يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ﴾ وهاتان الكلمتان جمعتا جميع عيوب خمر أهل الدنيا. وقوله حين ذكر فاكهة أهل الجنة: ﴿لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ جمع بهاتين الكلمتين جميع تلك المعاني"١. ولا يبعد أن يكون محمد بن زيد الواسطي "ت٦٠٣"٢ قد استفاد من كتاب الجاحظ وبنى عليه حين صنف كتابه "إعجاز القرآن" الذي لم يصل إلينا كذلك، وإنما وصل إلينا ما ينبيء عنه في "دلائل الإعجاز" لعبد القاهر الجرجاني٣ الذي نعلم أنه شرح كتاب الواسطي شرحين: أحدهما كبير سماه "المعتضد"، والآخر أصغر منه. ولقد كان عبد القاهر ذواقة للأسلوب القرآني, حتى أوشك أن يسبق عصره في بعض لمحاته الموفقة التي نفذ بها إلى إدراك الجمال الفني في كتاب الله. واستمع إليه وهو يفسر هذه الصورة البارعة في قوله تعالى: ﴿اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ فسيعجبك منه بلا ريب حسه المرهف الدقيق وفهمه طريقة القرآن المفضلة في التعبير والتصوير. قال: "إن في الاستعارة ما لا يمكن بيانه إلا من بعد العلم بالنظم، والوقوف على حقيقته. ومن دقيق ذلك وخفيه أنك ترى الناس إذا ذكروا قوله تعالى: ﴿اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ ٤ لم يزيدوا فيه على ذكر الاستعارة، ولم ينسبوا الشرف إلا إليها، ولم يروا للمزية موجبا سواها. هكذا ترى الأمر في ظاهر كلامهم، وليس الأمر على ذلك, ولا هذا الشرف العظيم، ولا هذه المزية الجليلة، وهذه الروعة التي تدخل على النفوس عند هذا الكلام لمجرد الاستعارة ولكن لأن يسلك بالكلام طريق ما يسند الفعل له في المعنى منصوبا بعده، مبينا أن ذلك الإسناد وتلك النسبة إلى ذلك الأول إنما كان من أجل الثاني, ولما بينه وبينه من
стр. 303
الاتصال والملابسة كقولهم: طاب زيد نفسا، وقر عمرو عينا، وتصبب عرقا، وكرم أصلا، وحسن وجها، وأشباه ذلك مما تجد الفعل فيه منقولا عن الشيء إلى ما ذلك الشيء من سببه، وذلك أنا نعلم أن " اشتعل" للشيب في المعنى، وإن كان هو للرأس فقط كما أن طاب للنفس، كان لأن سلك فيه هذا المسلك، وتوخي به هذا المذهب, أن تدع هذا الطريق فيه وتأخذ اللفظ فتسنده إلى الشيب صريحا، فتقول: اشتعل الرأس، والشيب في الرأس، ثم تنظر هل تجد ذلك الحسن, وتلك الفخامة؟ وهل ترى الروعة التي كنت تراها؟ فإن قلت: فما السبب في أن كان "اشتعل" إذا استعير للشيب على هذا الوجه كان له الفضل، ولم بان بالمزية من الوجه الآخر هذه البينونة؟ فإن السبب أنه يفيد مع لمعان الشيب في الرأس الذي هو أصل المعنى الشمول، وأنه قد شاع فيه وأخذه من نواحيه، وأنه قد استقر به، وعم جملته، حتى لم يبق من السواد شيء، أو لم يبق منه إلا ما لا يعتد به. وهذا ما لا يكون إذا قيل: اشتعل شيب الرأس, أو الشيب في الرأس، بل لا يوجب اللفظ حينئذ أكثر من ظهوره فيه على الجملة, ووزان ذلك أن تقول: اشتعل البيت نارا، فيكون المعنى أن النار قد وقعت فيه وقوع الشمول، وأنها قد استولت عليه وأخذت في طرفيه ووسطه، وتقول: اشتعلت النار في البيت، فلا يفيد ذلك، بل لا يقتضي أكثر من وقوعها فيه وإصابتها جانبًا منه, فأما الشمول وأن تكون قد استولت على البيت وابتزته فلا يعقل من اللفظ البتة، ونظير هذا في التنزيل قوله : ﴿فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ ١ التفجير للعيون في المعنى، وواقع على الأرض في اللفظ كما أسند هناك الاشتعال على الرأس، وقد حصل بذلك من معنى الشمول ههنا مثل الذي حصل هناك، وذلك أنه قد أفاد أن الأرض قد كانت صارت عيونا كلها، وأن الماء كان يفور من كل مكان فيها، ولو أجري اللفظ على ظاهره
стр. 304
فقيل: وفجرنا عيون الأرض، أو العيون في الأرض، ولم يفد ذلك، ولم يدل عليه، ولكان المفهوم منه أن الماء قد كان فار من عيون متفرقة في الأرض, وتبجس من أماكن فيها١.
وآثرنا أن ننقل هذا النص برمته -على طوله- لكيلا نذهب بتصرفنا فيه جمال فكرته، ولقد بدا لنا عبد القاهر -بعبارته الفياضة هذه- مشغوفا بالتصوير القرآني، ناعما بأخيلته البارعة، مدركا تناسقه الجمالي الأخاذ، وإن كان هنا كسواه من بلغاء عصره واقفا عند لمحة من لمحات القرآن الجزئية، غير مستوف خصائص العامة، ولا طريقته الموحدة في التعبير المتحرك النابض بالحياة.
ثم يأتي بعد الواسطي الرماني٢ "ت٣٨٤" بكتابه في "الإعجاز"، ولم يصدر فيه عن رأي مبتكر، ولا استشفاف أدق لأسلوب القرآن، ثم يضع القاضي أبو بكر الباقلاني "ت٤٠٣" كتابه المشهور "إعجاز القرآن" الذي جمع فيه كثيرا من المباحث البلاغية القرآنية ولكنه -على سعته وشموله- لا يصور إلا الفكرة السائدة عن الإعجاز في عصره، ممزوجة بالمسائل الكلامية الكثيرة التي تفقد الكتاب سماته في استقصاء الجمال الفني في القرآن.
نخلص من هذا كله إلى أن الباحثين القدامى في البلاغة القرآنية قد شغلوا أنفسهم بمسائل كثيرة هي أبعد ما تكون عن الجو الفني المحض، فلم يتح لهم شغفهم بالتبويب والتقسيم فرصة لإدراك الخصائص العامة المشتركة التي يصدر عنها كتاب الله في تصويره وتعبيره، فيهز النفوس, ويحرك المشاعر، ويفيض الدموع.
على أن النهضة الأدبية العربية في القرن الأخير قد وجهت أنظار الباحثين
стр. 305
إلى مقالات جديدة في عناصر الجمال الفني في القرآن, فللسيد رشيد رضا صاحب المنار لمحات موفقة في فهم القرآن، ومثل ذلك لأستاذه الشيخ محمد عبده، والسيد رشيد يذكرها له في تفسيره، ولمصطفى صادق الرافعي كلمات رائعة في هذا المجال في الجزء الثاني من كتابه "تاريخ آداب العرب" وقد خصه بالقرآن والبلاغة النبوية"، ولسيد قطب بعد هذا كله في كتابه "التصوير الفني في القرآن" تخريجات ذكية، واستنباطات سديدة، وأفكار ناضجة، في استلهام الجمال القرآني بأسلوب مشرق جذاب.
ولقد عني مصطفى صادق الرافعي عناية خاصة بالنظم الموسيقي في القرآن، فرأى: "أنه مما لا يتعلق به أحد، ولا يتفق على ذلك الوجه الذي هو فيه إلا فيه، لترتيب حروفه باعتبار من أصواتها ومخارجها, ومناسبة بعض ذلك لبعضه، مناسبة طبيعية في الهمس والجهر، والشدة والرخاوة، والتفخيم والترقيق, والتفشي والتكرير"١.
ولا بد لنا من ذكر بعض الأمثلة التي سردها، ليزداد رأيه وضوحا قال: "ولو تدبرت ألفاظ القرآن في نظمها، لرأيت حركتها الصرفية واللغوية تجري في الوضع والتركيب مجرى الحروف أنفسها فيما هي له من أمر الفصاحة, فيهيئ بعضها لبعض، ويساند بعضها بعضا، ولن تجدها إلا مؤتلفة مع أصوات الحروف, ومساوقة لها في النظم الموسيقي، حتى إن الحركة ربما كانت ثقيلة في نفسها لسبب من أسباب الثقل أيها كان، فلا تعذب ولا تساغ، وربما كانت أوكس النصيبين في حظ الكلام من الحرف والحركة، فإذا هي استعملت في القرآن رأيت لها شأنا عجيبا، ورأيت أصوات الأحرف والحركات التي قبلها قد امتهدت لها طريقا في اللسان, واكتنفتها بضروب من النغم الموسيقي، حتى إذا خرجت فيه كانت أعذب شيء وأرقه، وجاءت متمكنة في موضعها، وكانت لهذا الموضع أولى الحركات بالخفة والروعة.
стр. 306
من ذلك لفظ "النُذُر" جمع نذير، فإن الضمة ثقيلة فيها لتواليها على النون والذال معا، فضلا عن جسأة هذا الحرف ونبوه في اللسان، وخاصة إذا جاء فاصلة للكلام، فكل ذلك مما يكشف عنه ويفصح عن موضع الثقل فيه. ولكنه جاء في القرآن على العكس وانتفى في طبيعته من قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ ١ فتأمل هذا التركيب، وأنعم ثم أنعم على تأمله، وتذوق مواقع الحروف، وأجر حركاتها في حس السمع، وتأمل مواضع القلقلة في دال ﴿لَقَدْ﴾ وفي الطاء من ﴿بَطْشَتَنَا﴾ وهذه الفتحات المتوالية فيما وراء الطاء إلى واو ﴿تَمَارَوْا﴾ مع الفصل بالمد كأنها تثقيل لخفة التتابع في الفتحات إذا هي جرت على اللسان، لكيون ثقل الضمة عليه مستخفا بعد، ولتكون هذه الضمة قد أصابت موضعها، كما تكون الأحماض في الأطعمة"٢.
ويرى الرافعي أن القرآن كان "نمطا واحد في القوة والإبداع، وأن مرد ذلك إلى روح التركيب التي تنعطف عليها جوانب الكلام الإلهي، وهذه الروح -على حد تعبيره: "لم تعرف قط في كلام عربي غير القرآن, وبها انفرد نظمه وخرج مما يطيقه الناس، ولولاها لم يكن بحيث هو, كأنما وضع جملة واحدة ليس بين أجزائها تفاوت أو تباين, إذ تراه ينظر في التركيب إلى نظم الكلمة وتأليفها، ثم إلى تأليف هذا النظم، فمن هنا تعلق بعضه على بعض، وخرج في معنى تلك الروح صفة واحدة هي صفة إعجازه في جملة التركيب كما عرفت، وإن كان فيما وراء ذلك متعدد الوجوه التي يتصرف فيها من أغراض الكلام ومناحي العبارات على جملة ما حصل به من جهات الخطاب، كالقصص والمواعظ والحكم والتعليم وضرب الأمثال إلى نحو مما يدور عليه"٣.
стр. 307
وإنما كان حرص الرافعي على الأصل اللغوي في الإعجاز، والتزامه له وعنايته به، لأنه كان آخذا نفسه بالكشف عن أسرار النظم الموسيقي في القرآن، هذا النظم الذي يشبه السحر والذي ألف العرب على تعاديهم، وكون منهم أمة واحدة تطرب للحن واحد تجتمع عليه قلوبها في الأرض بينما ترتفع به أرواحها في السماء.
وقد نحا سيد قطب في دراسته للقرآن منحى آخر، فلم تكن مفردات القرآن وحدها شاغلة له بموسيقاها، ولا تراكيب القرآن وحدها مستأثرة باهتمامه بتناسقها وترابطها، وإنما كان نظره مركزا في الأداة المفضلة للتعبير في كتاب الله، ولقد وجدها في التصوير وراح يتحدث عنها بأسلوب شعري يستهوي النفوس ويهديها بحق إلى جمال القرآن: "التصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن: فهو يعبر بالصورة المحسة المتخيلة عن المعنى الذهني، والحالة النفسية، وعن الحادث المحسوس والمشهد المنظور، وعن النموذج الإنساني والطبيعة البشرية. ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة، أو الحركة المتجددة. فإذا المعنى الذهني هيئة أو حركة، وإذا الحالة النفسية لوحة أو مشهد، وإذا النموذج الإنساني شاخص حي، وإذا الطبيعة مجسمة مرئية، فأما الحوادث والمشاهد، والقصص والمناظر، فيردها شاخصة حاضرة، فيها الحياة وفيها الحركة، فإذا أضاف إليها الحوار فقد استوت لها كل عناصر التخييل. فما يكاد يبدأ العرض حتى يحيل المستمعين نظارة، وحتى ينقلهم نقلا إلى مسرح الحوادث الأول الذي وقعت فيه أو ستقع، حيث تتوالى المناظر، وتتجدد الحركات، وينسى المستمع أن هذا كلام يتلى، ومثل يضرب، ويتخيل أنه منظر يعرض، وحادث يقع. فهذه شخوص تروح على المسرح وتغدو، وهذه سمات الانفعال بشتى الوجدانات، المنبعثة من الموقف، المتساوقة مع الأحداث، وهذه كلمات تتحرك بها الألسنة فتنم عن الأحاسيس المضمرة.
إنها الحياة هنا، وليست حكاية الحياة.
стр. 308
فإذا ما ذكرنا أنا لأداة التي تصور المعنى الذهني والحالة النفسية، وتشخص النموذج الإنساني أو الحادث المرئي، إنما هي ألفاظ جامدة، لا ألوان تصور, ولا شخوص تعبر، أدركنا موضع الإعجاز في تعبير القرآن"١.
وفي الفصول التي تلي هذا الفصل من كتابه "التصوير الفني في القرآن" أنشأ سيد قطب يذكر الدليل إثر الدليل على صحة نظرته، وسلامة فكرته، فعقد فصلا للتخييل الحسي والتجسيم، وفصلا للتناسق الفني، وثالثا للقصة في القرآن، ثم عرض بعض النماذج الإنسانية التي تنطق بها الآيات مؤكدا في نهاية المطاف أن الجدل القرآني قائم على ضرب من المنطق الوجداني الذي تشترك فيه "الألفاظ المعبرة، والتعبيرات المصورة، والصور الشاخصة، والمشاهد الناطقة، والقصص الكثيرة"٢.
ولعل الغاية التي انتهى إليها سيد قطب من فهم الأسلوب القرآني أن تكون أصدق ترجمة لمفهومنا الحديث لإعجاز القرآن، لأنها تساعد جيلنا الجديد على استرواح الجمال الفني الخالص في كتاب الله، وتمكن الدارسين من استخلاص ذلك بأنفسهم، والاستمتاع به بوجدانهم وشعورهم. ولا ريب أن العرب المعاصرين للقرآن قد سحروا قبل كل شيء بأسلوبه الذي حاولوا أن يعارضوه فما استطاعوا، حتى إذا فهموه أدركوا جماله ومس قلوبهم بتأثيره، لذلك سنقتصر في بحثنا هذا على الجانب الفني الخالص الذي نجده عنصرا مستقلا بنفسه كافيا لإثبات فكرة الإعجاز وخلود القرآن بأسلوبه الذي يعلو ولا يعلى. أما ما يتساوق مع هذا العنصر الجمالي الفني من الأغراض الدينية والعلمية التي توسع فيها السيد رشيد رضا، كاشتمال القرآن على العلوم الدينية والتشريعية، وتحقيقه مسائل كانت مجهولة للبشر، وعجز الزمان عن
стр. 309
إبطال شيء منه١ فهي أمور لا سبيل إلى إنكارها بل يقوم عليها من الأدلة والبراهين ما لا يحصى، غير أنها أدخل في معاني الفلسفة القرآنية منها في بلاغة القرآن، وليست هي مادة التحدي لفصحاء العرب، وإنما تحدى القرآن العرب بأن يأتوا بمثل أسلوبه، وأن يعبروا بمثل تعبيره، وأن يبلغوا ذروته التي لا تسامى في التصوير، فما إعجاز هذا الكتاب الكريم إلا سحره. ولقد فعل سحره هذا فعله في القلوب في أوائل الوحي، قبل أن تنزل آياته التشريعية، ونبوءاته الغيبية، ونظراته الكلية الكبرى إلى الكون والحياة والإنسان.
ونحن إذا ألقينا نظرة على كتاب من الكتب التقليدية في "علوم القرآن" -كإتقان السيوطي مثلا- لنستخلص مه ما يتعلق بالأسلوب القرآني فقط باعتباره وجها من وجوه الإعجاز بالنسبة إلى السلف؛ وقعنا على أبواب مختلفة توحي عناوينها بالكثير مما ينطق به مفهومنا الحديث للإعجاز، ولكننا حين نمضي في قراءتها لا نستطيع أن نتملى فيها جمال القرآن، وإنما نكون بها فكرة عن ولوع علمائنا الأقدمين بالتفريع والتبويب واستنباط القواعد البلاغية الكثيرة من الشواهد القليلة، ها هو ذا السيوطي يصهر في "إتقانه" جميع المباحث القرآنية البلاغية التي التقطها من عدد لا يستهان به من المصنفات السابقة، وهو يشير إليها بأمانة وإخلاص, فيدرس تشبيه القرآن واستعارته، وكنايته وتعريضه وحقيقته ومجازه، وحصره واختصاصه، وإيجازه وإطنابه، وخبره وإنشاءه، وجدله وأمثاله وأقسامه، فلا يكاد يفوته فن من فنون القرآن الأدبية، ولا يكاد ينسى جملة مستجادة لأحد المفسرين يبرز بها موطنا من مواطن الجمال القرآني، ونحنى مع ذلك -بإكبارنا العنصر الأسلوبي وإشادتنا به عنصرا أساسيا في الإعجاز- لا نستطيع أن نكتشف في شيء من تلك المباحث التقليدية منبع السحر الأصيل للقرآن. إلا أننا لشديد ثقتنا بأن السحر كامن في صميم النسق القرآني في كل مقطع منه ومشهد، سنستعير بعض عناوين "الإتقان" وبعض الشواهد القرآنية مع تعقيب السيوطي عليها، ثم نتبعها بطريقة فهمنا لها وتملينا مواطن الجمال فيها، ولن يضيرنا أن تكون عناوين أبحاثنا مشتركة، لأن الاصطلاحات الخارجية الشكلية لا تغير شيئا من روحانية القرآن الداخلية العميقة.
стр. 310
تشبيه القرآن واستعارته:
يذكر السيوطي في هذا الباب تعريف التشبيه وأدواته وأقسامه باعتبار طرفيه وباعتبار وجهه، حتى إذا قسمه باعتبار وجهه إلى مفرد ومركب قال: "والمركب أن ينتزع وجه الشبه من أمور مجموع بعضها إلى بعض، كقوله: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ ١ فالتشبيه مركب من أحوال الحمار، وهو حرمان الانتفاع بأبلغ نافع مع تحمل التعب في استصحابه، وقوله: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ ٢: فإن فيه عشر جمل وقع التركيب من مجموعها بحيث لو سقط منها شيء اختل التشبيه، إذ المقصود تشبيه حال الدنيا في سرعة تقضيها، وانقراض نعيمها، واغترار الناس بها، بحال ماء نزل من السماء، وأنبت أنواع العشب، وزين بزخرفها وجه الأرض كالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة، حتى إذا طمع أهلها فيها وظنوا أنها مسلمة من الجوائح أتاها بأس الله فجاءة, فكأنها لم تكن بالأمس"٣.
وإنه ليعنينا أن نقف قليلا عند تشبيه الحياة الدنيا، فلقد أصاب السيوطي في استخلاص وجه الشبه، وتقسيمه هذا التركيب القرآني إلى عشر جمل،
стр. 311
أما موضع الجمال الحقيقي في هذا المشهد -مشهد الحياة القصيرة التي يوشك أن تزول- فلم يتتبعه السيوطي في تنسيق الجمل العشر، والصور التي تطويها كل جملة منها في أوقات يتفاوت عرضها الخيالي طولا وقصرا، لأن هذا التفاوت في العرض الخيالي تبعا لمراحل المشهد المصور لم يكن جزءا من التشبيه المركب، فما على السيوطي إلا أن يذكر المعنى العام للآية, وقد وفق فيه وأجاد، وإن علينا نحن أن نشير إلى المراحل التي أبطأ فيها التصوير وتمهل، أو التي اندفع فيها وأسرع، حتى تم لهذا المشهد القرآني من الإعجاز بالألفاظ الجامدة ما لا يتم من الإبداع بالريشة والألوان.
لقد استخدمت في هذا المشهد الوسائل المقصرة لعرض مراحل النبات: فالفاء التعقيبية تطوي المشاهد بسرعة عظيمة: ما كاد الماء ينزل من السماء حتى اختلط به نبات الأرض مباشرة، وأصبح فجاءة في متناول الناس يأكلونه والأنعام تتمتع به، ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ﴾ ولكن أهل هذه الأرض المتمتعين بنباتها البهيج يمتد بهم الغرور، وليجون في اللهو كأنهم يعيشون أبدا، وكأنهم يقدرون على إخلاد الأرض وإخلاد أنفسهم فيها، غارقين في متعها، متقلبين في نعمائها، مسحورين بزخرفها، فاستخدمت "حتى" الدالة على امتداد الصور امتدادا يعرف أوله ويجهل منتهاه، وتتابعت أوصاف الغرور الإنساني تترى، لكل وصف منها تعبير متمهل متبطئ, فأما الأرض فشخصت مرتين, وقامت بحركتين، إذا أخذت بنفسها زخرفها كما تفعل العروس في يوم جلوتها، وتطلبت الزينة تطلبا وسعت إليها سعيا فلم تزين ولكنها ازينت، وأما أهل الأرض فانتفخت أوداجهم زهوا واختيالا، وصعروا خدودهم عجبا وكبرا، وأيقنوا -وإن كان يقينهم ظنا وخيالا- أنهم في الأرض على كل شيء قادرون، ولكن الظن لا يغني من الحق شيئا، وهذه الآماد الطوال كلها ليست إلا ومضات خيالية تزول كما تزول الأطياف، ففي لحظة من ليل أو نهار يأتي تلك الأرض أمر الله فيطوي تلك الأخيلة
стр. 312
الكواذب في وقت كلمح البصر بل هو أقرب، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وانظر فما من زخرف، وانظر فما من زينة، ثم انظر فالناس المغرورون أعجز من أن يتصوروا ولو بالخيال ربوعهم ومغانيهم في تلك الأرض التي أصبح نباتها حصيدًا هشيما تذروه الرياح ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
ويذكر السيوطي بعد ذلك في الباب نفسه ما يتعلق بالاستعارة، ويقسمها باعتبار أركانها إلى خمسة أقسام، ويستشهد بوفرة من الأمثلة على كل قسم منها، فإذا مر بقوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ ١ جعل ذلك من باب استعارة محسوس لمحسوس بوجه محسوس، وأوضح ذلك بقوله: "استعير خروج النفس شيئا فشيئا لخروج النور من المشرق عند انشقاق الفجر قليلا قليلا، يجامع التتابع على طريق التدريج، وكل ذلك محسوس"٢. وقد فاته أن ينبه هنا على ظاهرة التشخيص، وسمتها في القرآن واضحة كل
الوضوح, فالحياة تخلع في هذه الآية على الصبح، حتى لقد صار كائنا حيا يتنفس, بل إنسانا ذا عواطف وخلجات نفسية تشرق الحياة بإشراقة من ثغره المنفرج عن ابتسامة وديعة وهو يتنفس بهدوء، وإذا تلا قوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ ٣ لم ير في ذلك إلا ضربا من استعارة محسوس لمعقول بوجه عقلي "فالقذف والدمغ مستعاران وهما محسوسان، والحق والباطل مستعار لهما وهما معقولان"٤: فما في التعبير بالقذف من إيحاء، وبالدفع من
стр. 313
إشعاع، يظل غامضا بهذا التفسير، ولكن جمال النص يكاد ينطق بالإفصاح عن نفسه حين نتخيل في الآية الحق -وهو معنى مجرد- أشبه بالجسم القوي العنيف الذي ينفذ في جسم الباطل الضعيف الخفيف، فيرزح الباطل تحت وطأة الحق الشديدة التي تدمغه وتكاد تلصقه بالتراب، وتزهق روحه. وهكذا يجتمع في هذا المثل التجسيم والتشخيص والتخييل، وأما التجسيم ففي تصوير الحق بالقذيفة الثقيلة، وأما التشخيص ففي دمغ الحق الباطل وإزهاقه إياه, وأما التخييل ففي تصور نوع الثقل الذي تحدثه حركة القذف ثم الدمغ ثم الإزهاق، فإنها أصوات شداد توشك أن تكون صدى لعظام الباطل, وهي تتحطم وتقعقع١. وإذا قرأ السيوطي قوله تعالى في وصف جهنم: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ، تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ ٢ لم يجد في هذا المشهد المروع إلا استعارة معقول لمحسوس والجامع عقلي, مع أن تشخيص جهنم في هذه الآية هو الذي يجعل المشهد حافلا بالحياة والحركة، فهي مغيظة محنقة تحاول أن تكظم غيظها حين أالقي إليها المجرمون، ولكأن منظرهم البشع كان أشد من أن تتحمله وتصبر عليه، فتلقتهم بألسنة لهبها وهي تئز وتشهق، وبمهلها وقطرانها وهي تغلي وتفور، حتى كاد صدرها ينفجر حقدا عليهم، ومقتا لوجوههم السود. فليس في الصورة استعارة معقول لمحسوس فقط، وإنما استعيرت لجهنم شخصية آدمية, لها انفعالات وجدانية، وخلجات عاطفية، فهي تشهق شهيق الباكين، وهي تغضب وتثور، وهي ذات نفس حادة الشعور٣.
لسنا ندعي أن تحليلات الأقدمين لمشاهد القرآن الفنية لم تكن تتيح لهم أن
стр. 314
يستشعروا جمال هذا الكتاب الكريم، وإنما نريد أن نقول: إن استشعارهم ذلك الجمال كان بطبيعة الحال متأثرا بمنهجهم الذي يجعل للقاعدة البلاغية المكان الأول, ولكن للتقعيد مساوئ كثيرة أهمها أن جفاف العاطفة يفقد المشهد المرسوم قيمته التصويرية الفنية. ولذلك نجد لزاما علينا أن نشيد ببعض التحليلات الموفقة التي تبرز جمال الصورة القرآنية عند علمائنا السالفين, فالسيوطي لدى تفسير قوله تعالى ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ ١ ينقل خلاصة آراء البلاغيين في الاستعاضة عن "بلغ" بـ"اصدع"، ويكاد تعقيبه يشعرك بأنه أدرك أن الاستعارة هنا ضرب من التجسيم مع التخييل لشيء معنوي مجرد، فهو يقول: "استعير الصدع -وهو كسر الزجاجة, وهو محسوس- للتبليغ وهو معقول, والجامع التأثير، وهو أبلغ من "بلغ" وإن كان بمعناه لأن تأثير الصدع أبلغ من تأثير التبليغ، فقد لا يؤثر التبليغ، والصدع يؤثر جزمًا"٢، وكأن السيوطي يقول بتعبير آخر: إن ما أمر به ﵊ جسم فأصبح مادة سريعة العطب قابلة للشق والكسر، فليصدعها بقوة وليخيل إلى قارئ هذه العبارة أنه يسمع حركة هذه المادة المصدوعة، فذلك أدل على نفاذ تبليغه إلى القلوب من أية صغية أخرى. ولك أن تستحسن أيضا تذوقه جمال هذه الاستعارة في قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ ٣ فإنه يقول: "شبه ميلانه للسقوط بانحراف الحي، فأثبت له الإرادة التي هي من خواص العقلاء"٤. ومن ذلك قوله في ﴿وَاعْتَصِمُوا
стр. 315
بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ١: "شبه استظهار العبد بالله ووثوقه بحمايته، والنجاة من المكاره، باستمساك الواقع في مهواة بحبل وثيق مدلى من مكان مرتفع يأمن انقطاعه". ومن ذلك قوله في ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ ٢: "أصل الموج حركة الماء، فاستعمل في حركتهم على سبيل الاستعار، والجامع سرعة الاضطراب وتتابعه في الكثرة"٣.
والخلاصةن أننا لا نريد أن نستبدل التجسيم والتشخيص والتخييل بعبارات البلاغيين القدامى "التشبيه والاستعارة وما شابه ذلك" لأن هذه التسميات المختلفة شكليات لا تمس جوهر الموضوع في شيء، وإنما نريد ألا نغفل عن الحياة والحركة والتناسق الفني في المشاهد القرآنية, فإنها أوضح من أن تكتم، وأقوى من أن تهمل، وبعد ذلك فلنعبر عن الصورة المحسة أو المتخيلة بالتعبير الذي نؤثره، فإما يكون من الاصطلاحات القديمة التي تبث فيها الحياة وتنفخ فيها الروح، وإما أن يكون بألفاظنا الحديثة السهلة التي تنفر من التعقيد وتأبى كلفة التقعيد، وتصور الحياة بريشة الحياة نفسها وبأصباغها الزاهية وألوانها البديعة.
стр. 316
المجاز والكناية:
لقد استدعى بحثنا عن التشبيه والاستعارة أن نجري شيئا من التعديل في تصورنا طريقة القرآن في التعبير، كما كان يفهمها علماؤنا السالفون ﵃ وأرضاهم، ونفعنا بعلومهم، وكان هذا التعديل الطفيف ضروريا بالنسبة إلى التشبيه والاستعارة لقيام أكثر الصور المفصلة على أحدهما، وتركبها منهما. فغير هذين البابين قلما يحوجنا إلى تعديل في تصوره أو فهمه، فنستطيع أن ندرسه على ما نجده في ثنايا الكتب القديمة, لأنه يدخل في التصوير
стр. 317
العام، أو التعبير المجمل، الذي برع الأقدمون في تفريعه وتبويبه وتوفير الشواهد عليه، وفهموه من ورح التركيب في كل نص على حدة، تستوي في ذلك مباحثهم عن المجاز العام الذي ليست علاقته المشابهة، وعن الكناية وأنواع الرمز بها، وعن الإيجاز والمساواة والإطناب، وعن الخبر والإنشاء، وما شابه ذلك. ولقد يتيسر لأحدنا لدى عرض تلك المباحث وشواهدها ذوق خاص يود لو يضيفه إلى المفهومات القديمة، ولكن ذلك لن يغير من طبيعة الموضوع شيئا، لأن علماءنا السالفين كانوا في ذلك كله أقرب منا إلى النبع وأقدر منا على تتبع خصائص الأسلوب العربي، ولا سيما الأسلوب القرآني. فما يضيفه أحدنا إلى ملاحظاتهم وتوجيهاته ليس إلا قبسا من نارهم وشعاعا من نورهم.
فلنسمع إليهم يحدثونا عن مجاز القرآن, ولنستجد ما استجادوه من ألوان التعبير المجازي، فنحن معهم أمام ما سموه بالمجاز العقلي الذي علاقته المشابهة، وهو واقع في التركيب، وأمام ما سموه بالمجاز اللغوي الذي يستعمل فيه اللفظ في غير ما وضع له، وهو واقع في المفرد. ولن نخوض الآن معهم في أقسام كل من المجازين، فلتفصيل ذلك نرجع إلى كتب البلاغة، وإنما نتباعهم في بعض شواهدهم، فمن المجاز العقلي ما يكون أحد طرفيه حقيقيا دون الآخر كقوله تعالى: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَة﴾ ١ قالوا في توضيح ذلك: "فاسم الأم "الهاوية" مجاز، أي: كما أن الأم كافلة لولدها وملجأ له، كذلك النار للكافرين كافلة ومأوى ومرجع"٢،
وهذا فهم سديد، خصوصا إذا وقفنا عند هذا التركيب وحده ولم نربطه بالنسق القرآني الذي صاحبه، فإن ربطناه به وقرأنا الآيات كلها ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ، فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ، نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ ٣ تجلى لنا من مجموع المشهد معنى آخر لطيف، فالأعمال المعنوية جسمت ووزنت بموازين حسية، فإذا هي خفاف ترتفع بها كفة الموازين،
стр. 318
فلا يقابل خفتها وارتفاعها إلا هاوية سحيقة منخفضة في الدرك الأسفل من النار الحامية التي لا يكون للمجرم في ذلك الهول أم سواها يلجأ إليها ويعتصم بها. وساءت ملجأ ومعتصمًا!.
ومن المجاز اللغوي إطلاق اسم الكل على الجزء, نحو ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ ١ أي: أناملهم، ونكتة التعبير عنها بالأصابع الإشارة إلى إدخالها على غير المعتاد مبالغة في الفرار٢، وفي ذلك تصوير لحالتهم النفسة وما أصابهم من الذعر والهلع وهم يولون هاربين.
ومن الغريب حقا أن بعض العلماء أنكروا وقوع المجاز في القرآن "منهم الظاهرية٣ وابن القاص٤ من الشافعية، وابن خويز منذاذ٥ من المالكية، وشبهتهم أن المجاز أخو الكذب والقرآن منزه عنه، وأن المتكلم لا يعدل إليه إلا إذا ضاقت به الحقيقة فيستعير، وذلك محال على الله". لكن الذين تذوقوا جمال الأسلوب القرآني يرون أن هذه الشبهة باطلة، "ولو سقط المجاز من القرآن لسقط منه شطر الحسن, فقد اتفق البلغء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة، ولو وجب خلو المجاز من القرآن لوجب خلوه من الحذف والتوكيد وتثنية القصص وغيرها"٦.
وإذ كان بعض العلماء يعتبر الكناية ضربا من ضروب المجاز، أنكر وقوعها في القرآن منكرو المجاز فيه. ولكن للكناية مفهوما آخر غير مفهوم
стр. 319
المجاز، فهي لفظ أريد به لازم معناه، وهي -على هذا- كثيرة في القرآن، لأنها من أبلغ الأساليب في الرمز والإيماء, وللقرآن قصد إلى الرمز في مواطن لا يجمل فيها التصريح، فإذا أراد الله أن يعبر عن الغاية من المعاشرة الزوجية -وهي التناسل- رمز إلى ذلك بلفظ "الحرث" في قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ١ ويكمل وصف تلك العلاقة بين الزوجين -بما فيها من مخالطة وملابسة- بأنها لباس من كل منهما للآخر ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ ٢. ومن هذا الباب في الإيماء اللطيف الذي يعلمنا أدب التعبير ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ٣، ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ٤، ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ ٥. ومن أجمل الكنايات في مثل هذه المعاني ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ ٦ ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ ٧ لأن المراد بالفروج هنا فروج القمصان والثياب٨، فما تنفرج ثياب المؤمنين عن ريبة ولا تنكشف دروع المؤمنات عن منكر، بل المؤمنون والمؤمنات نقية ثيابهم طاهرة أذيالهم عفيفة أنفسهم, على حد قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّر﴾ ٩ كناية عن عفة النفس وطهارة الذيل١٠، ولذلك سموا هذا النوع من التعبير "كناية عن كناية"، وبه قال المفسرون في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ ١١، فإحصانها فرجها كناية عن طهارة ذيلها
стр. 320
وعفتها الكاملة١، وكان النفخ في جيب درعها -كما ورد- تأكيدا لهذا المعنى الرمزي الذي يجمع إلى أدب التعبير إشادة لا نظير لها بعفة السيدة مريم التي فضلها الله على نساء العالمين.
وتستخدم الكناية في القرآن لاختصار مقدمات لا أهمية لها بالتنبيه على النتيجة الحاسمة التي يتقرر فيها المصير. مثاله ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ ٢: فهذه كناية عن أنه جهنمي٣ وأن مصيره إلى اللهب ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ، فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ ٤, فهي تسعى بالنميمة, ومصيرها أن تكون حطبا لجهنم٥, وأن تكون مغلولة اليد، وواضح أن الكناية هنا لخصت في ومضة واحدة المصير الذي يراد تصويره.
ولقد بلغ بالقرآن حرصه على الرمز والإيماء أن يكني عن الحقائق الدينية الكبرى المتعلقة بذات الله وصفاته، بأسلوب تزيده المبالغة حسنا، لأنه يقرب الفكرة المجردة من الصورة المحسة، فتستحيل المبالغة فيه بلاغة، ويصير التهويل فيه تخييلا، فالله يقول في سعة جوده وكرمه: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ٦، ويؤثر للتعبير عن هذا المعنى اللفظ نفسه الذي يكنى به عن إسراف العبد وتبذيره في قوله: ﴿وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ ٧، أي: لا تبالغ في الإنفاق والعطاء كمن يبسط يده فلا يردها عن الإنفاق شيء. وفي هذا الجو الرمزي نستطيع أن نتملى جمال الكناية عن الشئون الغيبية "بالمفاتح": ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ ٨ وجمال الكناية عن أزلية الأرزاق والمقدرات بالخزائن: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا