قلت: ولحق مسلم بن إبراهيم وسعيد بن أبي مريم والطبقة، وما هو في العلم بدون أبي محمد الدارمي السمرقندي. مات بعد الثمانين ومائتين بسجستان.
وفي كتابه بحوث عجيبة مع المريسي يبالغ فيها في الإثبات، السكوت عنها أشبه بمنهج السلف في القديم والحديث.
٢٤٢- انظر "كتاب النقض" "ص٢٥ و٧٩ و٨٢ و٨٣"
٨٥- أبو محمد الدارمي صاحب السنن "١٨١-٢٥٥"
وأبو محمد لا يتأول، ويؤمن بالصفات وبالعلو في ذلك الوقت، الحافظ أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي الدارمي، وكتابه ينبئ بذلك.
٢٤٣- يعني كتابه المعروف بـ"سنن الدارمي"، ومن أبوابه في آخره: "باب في شأن الساعة ونزول الرب تعالى" و"باب النظر إلى الله تعالى".
٨٦- أحمد بن الفرات الرازي "-؟ -٢٥٨"
وأحمد بن الفرات الرازي الحافظ الشهير أبو مسعود.
٨٧- أبو إسحاق -الجوزجاني "-؟ - ٦ و٢٥٩"
وأبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب السعدي الجوزجاني الحافظ، صاحب التصانيف.
٨٨- الإمام مسلم "٢٠٤-٢٦١"
والإمام الحجة أبو الحسين مسلم بن الحجاج صاحب "الصحيح".
٨٩- القاضي صالح بن الإمام أحمد "٢٠١-٢٩٠"
والقاضي الإمام صالح بن أحمد بن حنبل.
стр. 212
٩٠- الحافظ أبو عبد الرحمن بن أحمد حنبل.
وأخوه الحافظ أبو عبد الرحمن١.
٩١- ابن عمهما حنبل بن إسحاق "-؟ -٢٧٣"
وابن عمهما حنبل بن إسحاق الحافظ.
٩٢- أبو أمية الطرسوسي "١٨٠-٢٧٣"
والحافظ أبو أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي صاحب "المسند".
٩٣- بقي بن مخلد "١٨١-٢٧٦"
والحافظ شيخ الأندلس بقي بن مخلد القرطبي مصنف "المسند" و"التفسير".
٩٤- الإمام إسماعيل القاضي "١٩٩-٢٨٢"
وشيخ المالكية الإمام إسماعيل بن إسحاق الأزدي البصري القاضي.
٩٥- الحافظ يعقوب الفسوي. "؟ ٢٧٧"
والحافظ يعقوب بن سفيان الفارسي الفسوي.
٩٦- الحافظ ابن أبي خيثمة "١٨٥-٢٧٩"
والحافظ أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة.
٩٧- أبو زرعة الدمشقي "-؟ -٢٨١"
والحافظ أبو زرعة الدمشقي.
٩٨- ابن نصر المروزي "٢٠٢-٢٩٤"
والإمام محمد بن نصر المروزي.
стр. 213
٩٩- ابن قتيبة "٢١٣-٢٧٦"
٢٦٣- قال الإمام العالم أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري صاحب التصانيف الشهيرة في كتابه في "مختلف الحديث":
نحن نقول في قول الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ : أنه معهم، يعلم ما هم عليه، كما تقول الرجل وجهته إلى بلد شاسع: احذر التقصير فإني معك، يريد أنه لا يخفي علي تقصيرك، وكيف يسوغ لأحد أن يقول: إن الله سبحانه بكل مكان على الحلول فيه مع قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ومع قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّب﴾ كيف يصعد إليه شيء هو معه؟! وكيف تعرج الملائكة والروح إليه وهي معه؟!
قال: ولو أن هؤلاء رجعوا إلى فطرتهم وما ركبت عليه ذواتهم من معرفة الخالق، لعلموا أن الله هو العلي، وهو الأعلى، وأن الأيدي ترفع بالدعاء إليه، والأمم كلها عجمها وعربها تقول: أن الله في السماء ما تركت على فطرها. قال:
وفي الإنجيل أن المسيح ﵇ قال للحواريين: "إن أنتم غفرتم للناس فإن أباكم الذي في السماء يغفر لكم ظلمكم، انظروا إلى الطير فإنهن لا يزرعن ولا يحصدن، وأبوكم الذي في السماء هو يرزقهن" ومثل هذا في الشواهد كثير.
قلت: قوله "أبوكم" كانت هذه الكلمة مستعملة في عبارة عيسى والحواريين، وفي "المائدة": ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ فالأبوة والنبوة في قولهم لم يكونوا يريدون بها الولادة أصلا، بل يعنون به يحبهم ويربهم ويرأف بهم. وهذه الكلمة لم تستعمل في لغة هذه الأمة، ولا ينبغي الآن إطلاقها فإنها قد هجرت، بل ونزل نص كتابنا بذمها حيث يقول: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ الآية: فإن صح أن عيسى ﵇ نطق بها، فلها محمل غير ما ذم الله تعالى، فأما اليوم فلا نقر
стр. 214
أحداً على إطلاقها والله أعلم. مات ابن قتيبة سنة ست وسبعين ومائتين.
مات ابن قتيبة سنة ست وسبعين ومائتين.
٢٤٤- مختلف الحديث "ص٣٤٤-٣٤٧".
١٠٠- ابن أبي عاصم "؟ -٢٨٧"
٢٦٤- قال الحافظ الإمام قاضي أصبهان صاحب التصانيف أبو بكر أحمد ابن عمرو بن أبي عاصم الشيباني:
جميع ما في كتابنا -كتاب "السنة الكبير". الذي فيه الأبواب -من الأخبار التي ذكرنا أنها توجب العلم، فنحن نؤمن بها لصحتها، وعدالة ناقليها، ويجب التسليم لها على ظاهرها، وترك تكلف الكلام في كيفيتها، فذكر من ذلك النزول إلى السماء الدنيا والاستواء على العرش.
سمعت عاتكة بنت أبي بكر هذا الكلام من أبيها، وكانت فقيهة عالمة.
وكان أبوها شيخ الظاهرية بأصبهان، كما أن شيخهم بالعراق داود بن علي، علي.
روى عن أصحاب شعبة وحماد بن سلمة. وقع لنا جملة من تصانيفه، ومات سنة سبع وثمانين ومائتين، لم يلحق جده أبا عاصم النبيل، ولحق جده لأمه موسى بن إسماعيل التبوذكي.
٢٤٥- قلت: هو كتاب عظيم جامع في موضوعه، وأنا في صدد تحقيقه، وتخريجه، يسر الله إتمامه"١، ومن أبوابه "باب ما ذكر أن الله في سمائه دون أرضه". ثم ساق حديث الجارية المتقدم في أول الكتاب.
١٠١- أبو عيسى الترمذي "٢٠٩-٢٧٩"
٢٦٥- ذكر الحافظ أبو عيسى في "جامعه" لما روى حديث أبي هريرة وهو خبر منكر "لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله" فقال أهل
стр. 215
العلم: وهو على العرش كما وصف نفسه في كتابه.
٢٤٦- الترمذي في "جامعه" "٢/ ٢٢٦"، وأشار إلى تضعيف الحديث بقوله:
"حديث غريب".
قلت: وعلته أنه من رواية الحسن عن أبي هريرة. والحسن -وهو البصري- مدلس وقد عنعنه، على اختلاف العلماء في أصل سماعه من أبي هريرة. ومن هذا الوجه أخرجه أحمد أيضا "٢/ ٣٧٠"، لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الرسالة العرشية" "ص٢٣" بعد أن أعله سماع الحسن من أبي هريرة: "ولكن يقويه حديث أبي ذر المرفوع". قلت: ولم أعرفه عن أبي ذر، ولا هو عزاه لأي مصدر، حتى ننظر في إسناده.
"تنبيه": في نسخة المكتبة السلفية دون كل المطبوعات زيادة في كلام الترمذي ليست في "سنن الترمذي" ولا في الأصول الأخرى أثبتها محققها نقلا عن الشيخ عبد الغفار المسلاوي. فحذفتها لما ذكرت وكذلك ليس لها أصل فيما نقله ابن القيم في "جيوشه" "ص٩٦" عن الترمذي، فاقتضى التنبيه.
٢٦٦- وقال أبو عيسى إثر ما روى حديث أبي هريرة "أن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها".
قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبهه من الصفات ونزول الرب ﵎ إلى سماء الدنيا، قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا، ونؤمن به ولا نتوهم ولا نقول: كيف؟ هكذا روي عن مالك وابن عيينة وابن المبارك، أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمروها بلا كيف. قال: وهذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات، وقالوا: هذا تشبيه، وفسروها على غير ما فسر أهل العلم. وقالوا: أن الله لم يخلق آدم بيده، وإنما معنى اليد ههنا القوة١! قال إسحاق بن راهويه: إنما يكون التشبيه إذا قال: يد مثل يدي، أو سمع كسمعي، فهذا تشبيه. وأما إذا قال كما قال الله: يد، وسمع، وبصر، فلا يقول: كيف، ولا يقول: مثل،
стр. 216
فهذا لا يكون تشبيها عنده، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .
مات أبو عيسى ﵀ في رجب سنة تسع وسبعين ومائتين، حمل العلم عن أصحاب حماد بن سلمة ومالك.
٢٤٧- جامع الترمذي "١/ ١٢٨-١٢٩"، وقال عقب الحديث:
"حديث حسن صحيح".
قلت: وأخرجه الشيخان وغيرهما، وهو من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مرفوعا، وقد مضى برقم "١١".
١٠٢- ابن ماجه "٢٠٩-٢٧٣"
٢٧٦- ذكر الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني في سننه "باب ما أنكرت الجهمية". فساق حديث الرؤية، وحديث أبي رزين، وحديث جابر "بَيْنَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ، إِذْ سَطَعَ لَهُمْ نَوُرٌ فَرَفَعُوا رؤوسهم، فإذا الرب أشرف عليهم من فوقهم"، وحديث "يطوي الله السموات بيمينه"، وحديث الأوعال. وحديث "إن الله ليضحك إلى ثلاثة"، ونحو ذلك من الصفات. وفعل نحواً من ذلك في تفسيره كغيره من علماء الحديث.
توفي في رمضان سنة ثلاث وسبعين ومائتين.
٢٤٨- سنن ابن ماجه "ج١ ص٦٣-٧٣".
٢٤٩- رقم ١٧٧-١٧٩ من حديث جرير بن عبد الله، وأبي هريرة وأبي سعيد، وهو عند الشيخين أيضا كما سبق في التعليق "٥٦".
٢٥٠- رقم "١٨٣"، وساقه المصنف بتمامه فيما تقدم من كتابه "ص١٩"، ولكني حذفته من هذا المختصر، لأنه ليس على شرطنا الذي نبهنا عليه في المقدمة.
٢٥١- رقم "١٨٤": قلت: وهو ضعيف أيضا، وقد بينت علته في "تخريج الطحاوية" "ص١٧٠".
٢٥٢- رقم "١٩٢ و١٩٨" من حديث أبي هريرة، وهو عند الشيخين، وابن عمر، وهو عند مسلم، وقد خرجتهما في "تخريج كتاب السنة لابن أبي عاصم" "٥٤٦-٥٤٩".
стр. 217
٢٥٣- ساقه المصنف في كتابه "ص٤٩-٥٠"، وقد حذفته أيضا لضعفه، وقد أشار إلى ذلك المؤلف فيما تقدم من هذا المختصر "الأثر ٨٥".
٢٥٤- رقم "٢٠٠" وإسناده ضعيف كما بينته في "الأحاديث الضعيفة" "٣٤٥٣".
١٠٣- "أبو جعفر" ابن أبي شيبة "؟ -٢٩٧"
٢٦٨- قال الحافظ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بن محمد بن أبي شيبة العبسي محدث الكوفة في وقته -وقد تكلم فيه، ألف كتاباً في العرش- فقال:
ذكروا أن الجهمية يقولون: ليس بين الله وبين خلقه حجاب، وأنكروا العرش، وأن يكون الله فوق، وقالوا: إنه في كل مكان، ففسرت العلماء "وهو معكم" يعني علمه، ثم تواترت الأخبار أن الله تعالى خلق العرش فاستوى عليه، فهو فوق العرش متخلصاً من خلقه، بائناً منهم.
توفي أبو جعفر سنة سبع وتسعين ومائتين. لحق أحمد بن يونس وطبقته.
٢٥٥- يوجد منه نسخة مخطوطة في المكتبة الظاهرية تحت رقم "٢٩٧ -حديث".
١٠٤- سهل التستري "٢٠٣-٢٨٣"
٢٦٩- قال إسماعيل بن علي الأيلي: سمعت سهل بن عبد الله بالبصرة سنة ثمانين ومائتين يقول:
العقل وحده لا يدل على قديم أزلي فوق عرش محدث نصبه الحق دلالة وعلماً لتهتدي القلوب به إليه ولا تجاوزه، أي: بما أثبت الحق فيها من نور الهداية، ولم يكلفها علم ماهية هويته، فلا كيف لاستوائه عليه، لأنه لا يجوز لمؤمن أن يقول: كيف الاستواء لمن خلق الاستواء؟ وإنما عليه الرضى والتسليم لقول النبي ﷺ : "إنه تعالى على العرش" قال: وإنما سمي الزنديق زنديقاً لأنه وزن دق الكلام بمخبول عقله، وترك الأثر وتأول القرآن بالهوى، فعند ذلك لم يؤمن بأن الله على عرشه.
стр. 218
٢٥٦- لم أعرفه.
٢٥٧- لعله يعني في الاستواء الثاني استواء المخلوق، فإن استواء الله تعالى على عرشه صفة فعل له، وصفته كذاته أزلية، لا يجوز القول بخلقها كما هو ظاهر لا يخفى.
واسم والد أبي نعيم عبد الله بن أحمد بن إسحاق أبو محمد الأصبهاني. ترجمه ابنه في "أخبار أصبهان" "٢/ ٩٣-٩٤"، وذكر أن مولده سنة "٢٨١"١ ووفاته سنة "٣٦٥". وذكر في "الشذرات" "٣/ ٥٠-٥١" أنه رحل وعني بالحديث، وروى عن أبي خليفة الجمحي وطبقته، وكانت رحلته في سنة ثلاثمائة.
٢٧٠- وقال أبو نعيم الحافظ. "سمعت أبي يقول" حدثنا أبو بكر الجوربي، سمعت سهل بن عبد الله يقول:
أصولنا: التمسك بالقرآن، والاقتداء بالسنة، وأكل الحلال، وكف الأذى، والتوبة، وأداء الحقوق.
كل سهل شيخ العارفين في زمانه، مات في المحرم سنة ثلاث وثمانين ومائتين، وله ثمانون سنة، لقي ذا النون المصري وجماعة.
١٠٥- أبو مسلم الكجي الحافظ "٢٠٠-٢٩٢"
٢٧١- وعن أبي محمد بن ماسي قال: حدثنا أبو مسلم الكجي قال:
خرجت فإذا الحمام قد فتح سحراً، فقلت للحمامي: أدخل أحد؟ قال: لا، فدخلت، فساعة افتتحت الباب قال لي قائل: أبو مسلم، أسلم تسلم، ثم أنشأ يقول
لك الحمد إما على نعمة ... وإما على نقمة تدفع
نشاء فتفعل ما شئته ... وتسمع من حديث لا تسمع
قال: فبادرت وخرجت وأنا جزع، فقلت للحمامي: أليس زعمت أنه ليس في الحمام أحد؟
стр. 219
قال: ذاك جني يترايا لنا في كل حين وينشدنا، فقلت: هل عندك من شعره شيء؟ قال: نعن وأنشدني:
أيها المذنب المفرط مهلاً ... كم تمادى١ وتكسب الذنب جهلا
كم وكم تسخط الجليل بفعل ... سمج وهو يحسن الصنع فعلا
كيف تهدا جفون من ليس يدري ... أرضي عنه من على العرش أم لا
توفي الحافظ الكبير مسند العصر أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله البصري الكجي صاحب "السنن" في سنة اثنتين وتسعين ومائتين. وقد لقي أبا عاصم الأنصاري، وعمر دهرا.
٢٥٨- قلت: إسناد هذه القصة إلى الكجي صحيح، رجاله ثقات، رواه المصنف بسنده إلى الخطيب، وهذا أخرجه في "التاريخ" "٦/ ١٢٢": أخبرنا أبو محمد عبد الله بن علي بن محمد القرشي حدثنا عبد الله بن إبراهيم بن أيوب بن ماسي به.
وابن ماسي ثقة متقن مات سنة "٣٦٩".
وأبو محمد القرشي هو الشاهد، ترجمه الخطيب "١٠/ ١٤" وقال:
"كتبت عنه، وكان سماعه صحيحا. ولد سنة ٣٥٥. ومات سنة ٤٢٩.
стр. 220
طبقة أخرى بعد الثلاثمائة
١٠٦- زكريا الساجي "؟ -٣٠٧"
٢٧٢- قال الإمام أبو عبد الله بن بطة العكبري مصنف "الإبانة الكبرى" في السنة -وهو أربع مجلدات: حدثنا أبو الحسن "أحمد"١ بن زكريا بن يحيى الساجي قال: قال أبي:
القول في السنة التي رأيت عليها أصحابنا أهل الحديث الذي لقيناهم أن الله تعالى على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء. وساق سائر الاعتقاد.
وكان الساجي شيخ البصرة وحافظها، وعنه أخذ أبو الحسن الأشعري "علم" الحديث ومقالات أهل السنة. رحل إلى المزني والربيع فتفقه بهما، وله كتاب "علل الحديث"٢ وكتاب "اختلاف الفقهاء" لقي أبا الربيع الزهراني وطبقته وعاش بضعاً وثمانين سنة، توفي سنة سبع وثلاثمائة.
١٠٧- محمد بن جرير "٢٢٤-٣١٠"
٢٧٣- قال أبو سعيد الدينوري مستملي محمد بن جرير: قرئ على أبي جعفر محمد بن جرير الطبري وأنا أسمع في عقيدته فقال:
وحسب امرئ أن يعلم أن ربه هو الذي على العرش استوى، فمن تجاوز ذلك فقد خاب وخسر.
стр. 221
تفسير ابن جرير مشحون بأقوال السلف على الإثبات، فنقل في قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ عن الربيع بن أنس أنه بمعنى ارتفع. ونقل في تفسير "ثم استوى على العرش" في المواضع كلها أي: علا وارتفع. وقد روى قول مجاهد ثم قال: ليس في فرق الإِسْلامِ مَنْ يُنْكِرُ هَذَا، لا من يقرأ أَنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَرْشِ وَلا من ينكره من الجهمية وغيرهم١.
٢٥٩- قلت: رواه المصنف بإسناده عن أبي سعيد الدينوري واسمه عمرو بن محمد بن يحيى كما وقع في إسناد جزء "الاعتقاد" لابن جرير المطبوع في بومباي. ولم أعرفه، ولكن تابعه القاضي أبو بكر أحمد بن كامل قال: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جرير: فأول من نبدأ فيه بالقول من ذلك كلام الله ... فذكر معتقده، وفيه ما روى الدينوري.
رواه اللالكائي في "شرح أصول السنة" "١/ ٤٩/ ١" وسنده صحيح. ثم رأيت ابن القيم في "جيوشه" "ص٧٥" كما عزاه لابن جرير في كتابه "صريح السنة".
٢٧٤- وقال في كتاب "التبصير في معالم الدين" "له":
القول فيما أدرك علمه من الصفات خبراً، وذلك نحو إخباره أنه سميع بصير، وأن له يدين بقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ وأن له وجهاً بقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ وأن له قدماً بقول النبي ﷺ : "حتى يضع الرب فيها قدمه" وأنه يضحك بقوله: "لقي الله وهو يضحك إليه" وأنه يهبط إلى سماء الدنيا لخبر رسول الله ﷺ بذلك، وأن له إصبعا بقول رسوله ﷺ : "مَا من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن" فإن هذه المعاني التي وصفت ونظائرها مما وصف "الله" به نفسه ورسوله، ما لا يثبت حقيقة علمه بالفكر والروية، لا نكفر بالجهل بها أحداً إلا بعد انتهائها إليه.
أخرج هذا الكلام لابن جرير، القاضي أبو يعلى الحنبلي في كتاب "إبطال التأويل" له.
стр. 222
قال الخطيب: "كان ابن جرير أحد العلماء، يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان عارفاً بالقرآن، بصيراً بالمعاني، فقيهاً في الأحكام، عالماً بالسنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، ناسخها ومنسوخها، عارفاً بأقوال الصحابة والتابعين في الأحكام، في الحلال والحرام -إلى أن قال: -سمعت علي بن عبيد الله اللغوي يحكي أن محمد بن جرير مكث أربعين سنة يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة. وقال الأستاذ أبو حامد الاسفراييني: لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل له تفسير ابن جرير لم يكن كثيراً -أو كما قال-".
وقال إمام الأئمة ابن خزيمة: "ما أعلم على أديم الأرض أحداً أعلم من محمد بن جرير".
قلت: توفي سنة عشر وثلاثمائة وله نحو من تسعين سنة ﵀، ويذكر عنه تشيع قليل.
١٠٨- والبوشنجي الحافظ
٢٧٥- قال شيخ الإسلام الهروي: أنبأنا ابن العالي، أنبأنا جدي منصور، حدثني أحمد بن الأشرف، قال: حدثنا حماد بن هناد، البوشنجي قال:
هذا ما رأينا عليه أهل الأمصار، وما دلت عليه مذاهبهم فيه، وإيضاح منهاج العلماء وصفة السنة وأهلها، أن الله فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه، وعلمه وسلطانه وقدرته بكل مكان.
١٠٩- إمام الأئمة ابن خزيمة "٢٢٣-٣١١"
٢٧٦- قال الحافظ أبو عبد الله الحاكم: سمعت محمد بن صالح بن هانئ يقول: سمعت إمام الأئمة أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول:
من لم يقر بأن الله على عرشه استوى فوق سبع سمواته، بائن من خلقه،
стр. 223
فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وألقي على مزبلة لئلا يتأذى بريحه أهل القبلة وأهل الذمة.
كان ابن خزيمة رأسا في الحديث. رأساً في الفقه، من دعاة السنة، وغلاة المثبتة، له جلالة عظيمة بخراسان، أخذ الفقه عن المزني، وسمع من علي بن حجر وطبقته، توفي سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، وله بضع وثمانون سنة، رحمة الله عليه آمين.
٢٦٠- قلت: أخرجه الهروي أيضا في "ذم الكلام" "٦/ ١٢٤/ ٢" من طريق أخرى عن ابن هاني. والظاهر أنه ثقة، فقد صحح ابن تيمية في "الحموية" "ص١١٧" إسناد هذا الأثر.
١١٠- ابن سريج، فقيه العراق "٢٤٩-٣٠٦"
٢٧٧- قال الإمام أبو القاسم سعد بن علي الزنجاني/ ٢٦١:
سألت أيدك الله بيان ما صح لدي من مذهب السلف، وصالح الخلف في الصفات، فاستخرت الله تعالى، وأجبت بجواب الفقيه أبي العباس أحمد بن عمر بن سريج -وقد سئل عن هذا- ذكره أبو سعيد عبد الواحد بن محمد الفقيه قال: سمعت بعض شيوخنا يقول: سئل ابن سريج ﵀ عن صفات الله تعالى؟ فقال:
"حرام على العقول أن تمثل الله، وعلى الأوهام أن تحده، وعلى الألباب أن تصف إلا ما وصف به نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله، وقد صح عن جميع أهل الديانة والسنة إلى زماننا أن جميع الآي والأخبار الصادقة عن رسول الله ﷺ يجب على المسلمين الإيمان بكل واحد منه كما ورد، وأن السؤال عن معانيها١ بدعة، والجواب كفر وزندقة، مثل قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ ، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ، ونظائرها ما نطق به القرآن كالفوقية،
стр. 224
والنفس، واليدين، والسمع، والبصر، وصعود الكلم الطيب إليه، والضحك، والتعجب، والنزول، -إلى أن قال:-
اعتقادنا فيه وفي الآي المتشابهة أن نقبلها ولا نردها، ولا نتأولها بتأويل المخالفين، ولا نحملها على تشبيه المشبهين، ولا نترجم عن صفاته بلغة غير العربية، ونسلم الخبر الظاهر والآية لظاهر تنزيلها".
كان ابن سريج إليه المنتهى في معرفة المذهب، بحيث أنه كان "يفضل" على جميع أصحاب الشافعي، حتى على المزني، قال الإمام أبو إسحاق صاحب التنبيه: سمعت أبا الحسن الشيرجي يقول: إن فهرست كتب أبي العباس تشتمل على أربعمائة مصنف، وكان العلامة أبو حامد الاسفراييني يقول: نحن نجري مع أبي العباس في ظواهر الفقه دون الدقائق.
قلت: أخذ عن الزعفراني، والرمادي، وسعدان بن نصر، وتفقه بأبي القاسم بن بشار الأنماطي صاحب المزني، توفي سنة ست وثلاثمائة، رحمه الله تعالى.
٢٦١- هو حافظ ثقة ثبت، عارف بالسنة، وله فيها قصيدة مشهورة أولها:
تدبر كلم الله واتبع الخبر ... ودع عنك رأيا لا يلائمه الأثر
مات سنة "٤٧١"، له ترجمة جيدة في "تذكرة الحفاظ" وغيره.
٢٦٢- في المخطوطة "أبو سعد" فليحقق، فإني لم أجد لعبد الواحد هذا ترجمة فيما تحت يدي الآن من كتب الرجال. نعم في "تاريخ بغداد" ١١/ ١١":
"عبد الواحد بن محمد بن محمد بن أحمد أبو سعيد المقبري النيسابوري.
قدم بغداد حاجا، وحدث بها عن أبي العباس الأصم. حدثنا عنه علي بن محسن التنوخي" ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وكان حيا سنة "٣٨٨"، فيحتمل أن يكون هذا. والله أعلم.
стр. 225
١١١- أبو بكر بن أبي داود، محدث بغداد "٢٣٠-٣١٦"
٢٧٨- أخبرنا أحمد بن عبد الحميد أنبأنا محمد بن قدامة سنة ثماني عشرة وستمائة، أخبرتنا فاطمة بنت علي، أنبأنا علي بن بيان، أنبأنا الحسين بن علي الطناحيري، أنبأنا أبو حفص بن شاهين قال: قال شيخنا أبو بكر عبد الله بن سليمان هذه القصيدة وجعلها محسنة١:
تمسك بحبل الله واتبع الهدى ... ولا تك بدعياً لعلك تفلح
ودن بكتاب الله والسنن التي ... أتت عن رسول الله تنج وتربح
وقل: غير مخلوق كلام مليكنا ... بذلك دان الأتقياء وأفصحوا
ولا تقل: القرآن خلق قرانه ... فإن كلام الله باللفظ يوضح
وقل: ينجلي الله للخلق جهرة ... كما البدر لا يخفى وربك أوضح
وليس بمولود وليس بوالد ... وليس له شبه تعالى المسبح
وقد ينكر الجهمي هذا وعندنا ... بمصداق ما قلنا حديث مصرح
رواه جرير عن مقال محمد ... فقل مثل ما قد قال في ذاك تنجح
وقل: ينزل الجبار في كل ليلة ... بلا كيف جل الواحد المتمدح
إلي طبق الدنيا يمن بفضله ... فتفرج أبواب السماء وتفتح
يقول: ألا مستغفر يلق غافرا ... ومستمنح خيراً ورزقاً فيمنح
روى ذاك قوم لا يرد حديثهم ... ألا خاب قوم كذبوهم وقبحوا
وقل: إن خير الناس بعد محمد ... وزيراه قدماً ثم عثمان الأرجح
ورابعهم خير البرية بعدهم ... علي حليف الخير بالخير ممنح
وإنهم والرهط لا ريب فيهم ... على نجب الفردوس بالنور تسرح
سعيد وسعد وابن عوف وطلحة ... وعامر فهر والزبير الممدح
وقل خير قول في الصحابة كلهم ... ولا تك طعاناً تعيب وتجرح
فقد نطق الوحي المبين بفضلهم ... وفي الفتح أي في الصحابة٢ تمدح
стр. 226
وبالقدر المقدور أيقن فإنه ... دعامة عقد الدين والدين أفيح
ولا تنكرن جهلاً نكيراً ومنكراً ... ولا الحوض والميزان إنك تنصح
وقل يخرج الله العظيم بفضله ... من الناس أجساداً من الفحم تطرح
على النهر في الفردوس تحيا بمائه ... كحبة حمل السيل إذ جاء يطفح
وأن رسول الله للخلق شافع ... وقل في عذاب حق موضح
ولا تكفرن أهل الصلاة وإن عصوا ... فكلهم يعصي وذو العرش يصفح
ولا تعتقد رأي الخوارج إنه ... مقال لمن يهواه يردى ويفضح
ولا تك مرجياً لعوباً بدينه ... ألا إنما المرجي بالدين يمزح
وقل: إنما الإيمان قول ونية ... وفعل على قول النبي مصرح
وينقص طوراً بالمعاصي وتارة ... بطاعته ينمى وفي الوزن يرجح
ودع عنك آراء الرجال وقولهم ... فقول رسول الله أزكى وأشرح
ولا تك من قوم تلهوا بدينهم ... فتطعن في أهل الحديث وتقدح
إذا ما اعتقدت الدهر يا صاح هذه ... فأنت على خير تبيت وتصبح
هذه القصيدة متواترة عن ناظمها، رواها الآجري وصنف لها شرحاً، وأبو عبد الله بن بطة في "الإبانة". قال ابن أبي داود:
هذا "قولي و" قول أبي وقول شيوخنا وقول العلماء ممن لم نرهم كما بلغنا عنهم، فمن قال غير ذلك فقد كذب.
كان أبو بكر من الحفاظ المبرزين، ما هو بدون أبيه، صنف التصانيف وانتهت إليه رئاسة الحنابلة ببغداد، توفي سنة ست عشرة وثلاثمائة.
١١٢- عمرو بن عثمان المكي، شيخ الصوفية "؟ -٢٩٧"
٢٧٩- صنف آداب المريدين فقال فيه في "باب ما يجئ به الشيطان للناس من الوسوسة".
"أما الوجه الذي يأتي به التائبين إذا امتنعوا عيه واعتصموا بالله، فإنه يوسوس لهم في أمر الخالق ليفسد عليهم أصول التوحيد". فذكر في هذا فصلاً
стр. 227
طويلاً إلى أن قال:
"فهذا من أعظم ما يوسوس به في التوحيد بالتشكيك، وفي صفات الرب بالتمثيل والتشبيه أو بالجحد لها أو التعطيل، وأن يدخل عليهم مقاييس عظمة الرب بقدر عقولهم فيهلكوا إن قبلوا، أو يتضعضع أركانهم إن لم يلحقوا بذلك إلى العلم وتحقيق المعرفة، فهو القائل: "أَنَا الله"، لا الشجرة، الجائي، قبل أن يكون جائياً لا أمره، المستوي على عرشه "بعظمة جلاله دون كل مكان، كلم موسى تكليماً، وأراه من آياته عظيما"١ فسمع موسى كلام الله "يداه مبسوطتان" وهما غير نعمته وقدرته، وخلق آدم بيديه".
كان عمرو هذا من نظراء الجنيد، كبير القدر، مات قبل الثلاثمائة أو في حدودها.
١١٣- ثعلب٢، إمام العربية "؟ -٢٩١"
٢٨٠- قال الحافظ أبو القاسم اللالكائي في كتاب "السنة": وجدت بخط الدارقطني عن إسحاق الكاذي قال: سمعت أبا العباس ثعلب يقول:
"استوى": أقبل عليه وإن لم يكن معوجاً. "ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السماء": أقبل. و"اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ": علا. واستوى القمر: امتلأ. واستوى زيد وعمرو: تشابها في فعلهما وإن لم تتشابه شخوصهما. هذا الذي يعرف من كلام العرب.
كان أبو العباس من علماء لسان العرب، صنف التصانيف واشتهر اسمه توفي سنة إحدى وتسعين ومائتين.
стр. 228
٢٦٣- نسبة إلى "كاذة" قرية من قرى بغداد، وهو إسحاق بن أحمد بن محمد أبو الحسين، ترجمه الخطيب "٦/ ٤٤٠" وقال:
"وكان ثقة، وصفه لنا ابن رزقويه بالزهد، توفي سنة ٣٤٦".
وأثره هذا عند اللالكائي "١/ ٩٢/ ١".
٢٦٤- الأصل: "نعرف" بصيغة جمع المتكلم، وفي "المخطوطة" "بعرف"بإهمال حرف المضارع، وما أثبته من "اللالكائي".
١١٤- أبو جعفر الترمذي١ الفقيه "٢٠١-٢٩٥"
٢٨١- وعن منصور بن محمد بن منصور القزاز قال: سمعت أبا الطيب أحمد والد أبي حفص بن شاهين يقول:
حضرت عند أبي جعفر الترمذي فسأله سائل عن حديث نزول الرب، فالنزول كيف هو يبقى فوقه علو؟ فقال:
النزول معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
قلت: صدق فقيه بغداد وعالمها في زمانه، إذ السؤال عن النزول ما هو؟ عي، لأنه إنما يكون السؤال عن كلمة غريبة في اللغة، وإلا فالنزول والكلام والسمع والبصر والعلم والاستواء عبارات جلية واضحة للسامع، فإذا اتصف بها من ليس كمثله شيء، فالصفة تابعة للموصوف، وكيفية ذلك مجهولة عند البشر.
وكان هذا الترمذي من بحور العلم ومن العباد الورعين. مات سنة خمس وتسعين ومائتين.
٢٦٥- قلت: "إسناده صحيح، أخرجه المصنف بإسناده إلى أبي بكر الخطيب، وهذا رواه في "التاريخ" "١/ ٣٦٥": حدثني الحسن بن أبي طالب قال: نبأنا أبو الحسن منصور بن محمد بن منصور القزاز ...
стр. 229
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات. مترجمون في "التاريخ"، والحسن بن أبي طالب هو الحسن بن محمد بن الحسن بن علي أبو محمد الخلال، مات سنة "٤٣٩".
١١٥- أبو العباس السراج "٢١٦-٣١٣"
٢٨٢- وعن أبي الحسين الخفاف: حدثنا أبو العباس السراج إملاء سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة قال:
من لم يقر ويؤمن بأن الله١ تعالى يعجب، ويضحك، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، فيقول: "من يسألني فأعطيه" فهو زنديق كافر، يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين.
قلت: إنما يكفر بعد علمه بأن الرسول ﷺ قال ذلك، ثم إنه جحد ذلك ولم يؤمن به.
ولقد كان أبو العباس محمد بن إسحاق الثقفي النيسابوري السراج من حفاظ الحديث أكثر عن قتيبة وطبقته، وصنف المسند على الأبواب، وعمر دهرا، توفي سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة.
٢٢٦- اسمه أحمد بن محمد بن عمر الخفاف القنطري نسبة إلى محلة بنيسابور يقال لها رأس القنطرة كما في "أنساب السمعاني"، ووصفه بالزاهد، روى عنه أبو القاسم القشيري. وذكر في مادة "الخفاف" أنه كان شيخا صالحا كثير العبادة، وسماعاته صحيحة بخط أبيه من أبي العباس السراج، توفي وهو ابن ثلاث وتسعين سنة ٣٩٤.
وأبو عمر المليحي بالحاء المهملة، وكذلك وقع في أصل "الشذرات"، لكن المعلق عليه زعم أنه بالجيم اعتمادا منه على "المعجم"، وهو وهم، فإن السمعاني بعد أن أورد نسبة "المليجي" بالجيم قال: "المليحي" بالحاء المهملة وقال: والمشهور بهذه النسبة أبو عمر عبد الواحد بن أحمد بن أبي القاسم المليحي الهروي من أهلها. حدث عن أبي الحسين الخفاف، وحدث عن أبي حامد النعيمي بكتاب "صحيح البخاري" وجماعة غيره.
قال ابن العماد: "مات سنة "٤٦٣" وله ست وتسعون سنة، وكان صالحا، أكثر عنه محيي السنة". يعني الإمام البغوي في كتابه "شرح السنة" وغيره.
стр. 230
وهذا الأثر رواه المصنف في الكتاب إجازة بإسناده فقال: أجاز لنا إسماعيل بن جوسلين أنبأنا أحمد بن تميم الحافظ: أنبأنا عبد المعز بن محمد أنبأنا محمد بن إسماعيل: أنبأنا أبو عمر المليحي ...
ومحمد بن إسماعيل هذا الظاهر أنه ابن محمد النيسابوري التفليسي الصوفي المقرئ. قال ابن العماد:
"روى عن حمزة المهلبي وعبد الله بن يوسف الأصبهاني وطائفة، مات سنة ٤٨٣".
قلت: وكان ثقة صدوقا مكثرا من الحديث كما في "أنساب السمعاني" لكن عبد المعز ابن محمد لم أعرفه.
١١٦- الحافظ أبو عوانة، صاحب الصحيح "؟ -٣١٦"
كان من كبار الحفاظ، حمل عن أصحاب سفيان بن عيينة ووكيع.
٢٨٣- قال الحاكم في ترجمته: سمعت يحيى بن منصور القاضي يقول: سمعت أبا عوانة ﵀ يقول:
دخلت على "أبي" إبراهيم المزني في مرضه الذي مات فيه قلت له: ما قولك في القرآن؟ فقال: كلام الله غير مخلوق. فقلت: هلا قلت "هذا" قبل هذا؟ قال: لم يزل هذا قولي، وكرهت الكلام فيه لأن الشافعي كان ينهانا عن الكلام فيه، يعني البحث والجدال في ذلك.
مات أبو عوانة سنة ست عشرة وثلاثمائة.
٢٦٧- ولي قضاء نيسابور بضع عشرة سنة، روى عن علي بن عبد العزيز البغوي وأحمد ابن سلمة وطبقتهما. مات سنة "٣٥١" كما في "الشذرات".
قلت: فالإسناد جيد.
١١٧- ابن صاعد، حافظ بغداد "٢٢٨-٣١٨"
٢٨٤- نقل الحافظ أبو بكر الآجري في "كتاب الشريعة" له -وهو مجلدان- عن الإمام أبي محمد يحيى بن محمد بن صاعد أنه قال في هذه الفضيلة،
стр. 231
في قعود النبي ﷺ على العرش:
لا ندفعها ولا نماري فيها، ولا نتكلم في حديث فيه فضيلة للنبي ﷺ بشيء.
مات ابن صاعد في سنة ثمان عشرة وثلاثمائة، وله تسعون سنة. وكان من أئمة هذا الشأن. لحق أصحاب مالك وحماد بن زيد، وصنف وجمع.
٢٦٨- قلت: لكن الحديث الوارد فيه واه كما صرح به المؤلف فيما سبق في آخر الترجمة "٥٣". وتفسير بعضهم لقوله تَعَالَى: "عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مقاما محمودا" بإقعاده ﷺ على العرش مع مخالفته لما في "الصحيحين" وغيرهما أن المقام المحمود الشفاعة العظمى، فهو تفسير مقطوع غير مرفوع عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، ولو صح ذلك مرسلا لم يكن فيه حجة، فكيف وهو مقطوع موقوف على بعض التابعين؟!
وإن عجبي لا يكاد ينتهي من تحمس بعض المحدثين السالفين لهذا الحديث الواهي والأثر المنكر، ومبالغتهم في الإنكار على من رده، وإساءتهم الظن بعقيدته! وقد ساق المصنف رحمه الله تعالى في الأصل أسماء طائفة منهم "ص١٢٤-١٢٦"، وزاد أسماء آخرين في "مختصره"، وإني لأراه كأنه أخذ بهيبتهم، فإنه يتردد بين مخالفتهم وموافقتهم! فإنه بعد أن نقل قول أبي بكر النجاد:
"لو أن حالفاً حلف بالطلاق ثلاثا أن الله يقعد محمدا ﷺ على العرش، لقلت: صدقت وبررت".
فقد تعقبه بقوله -وقد أجاد:
"فأبصر -حفظك الله من الهوى- كيف آل الغلو بهذا المحدث إلى وجوب الأخذ بأثر منكر، واليوم فيردون الأحاديث الصريحة في العلو بل يحاول بعض الطغاة أن يرد قوله تعالى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ .
فهو ﵀ يشير إلى أن الصواب التوسط بين هؤلاء المعطلة النفاة، والمغالين في إثبات ما لم يصح، ومع ذلك تراه في مكان آخر "ص١٤٣" يعود إلى ذلك الأثر المنكر، محتفلا به، ومصرحا بأن فيه منقبة عظيمة انفرد بها سيد البشر ﷺ ويقول:
"ويبعد أن يقول مجاهد ذلك إلا بتوقيف"!
فأقول: هب أن الأمر كذلك، فهو -والحالة هذه- لا يزيد على كونه كالحديث أو في
стр. 232
حكم الحديث المرسل، فهل الحديث المرسل إلا من أقسام الحديث الضعيف عند المحدثين، فكيف تثبت به فضيلة؟! بل كيف يبنى عليه عقيدة أن الله تعالى يقعد نبيه ﷺ معه على العرش؟!
فمن جوز ذلك اعتمادا منه على هذا الأثر الذي أحسن أحواله أن يكون كالحديث المرسل -كما ذكرنا- فيلزمه أن يأخذ بكل حديث مرسل حتى ولو كان يتضمن مخالفة للشريعة، مثل قصة الغرانيق، فقد وردت بأسانيد عدة مرسلة، وهي صحيحة إلى مرسليها من التابعين، وقد صرحوا برفعها إِلَى النَّبِيِّ ﷺ كما بينته في رسالتي الخاصة بها، "نصب المجانيق"، فإذا كان المصنف- عفا الله عنا وعنه- يبرر أخيرا الأخذ بهذا الأثر بحجة أنه يبعد أن يقول مجاهد ذلك إلا بتوقيف، فليأخذ إذن بقصة الغرانيق بحجة أن رواتها من التابعين قد رفعوها إِلَى النَّبِيِّ ﷺ صراحة! بل الأخذ بها أولى، لما ذكرنا من التصريح بالرفع، ولأن رواتها جمع بخلاف أثر مجاهد. وفي ذلك عبرة لكل معتبر.
١١٨- الطحاوي، الإمام "٢٣٩-٣٢١"
٢٨٥- قال عالم الديار المصرية في وقته الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي الحنفي ﵀ في العقيدة التي ألفها:
"ذكر بيان السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة وأبي يوسف وأبي محمد ﵃:
نقول في توحيد الله، معتقدين أن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه، وأن القرآن كلام الله، منه بدا بلا كيفية قولاً، وأنزله على نبيه وحياً، وصدقه المؤمنون على ذلك حقا، وأيقنوا أن كلام الله بالحقيقة، ليس بمخلوق، فمن سمعه وزعم أنه كلام البشر فقد كفر، والرؤية لأهل الجنة حق بغير إطاحة ولا كيفية، وكل ما في ذلك من الصحيح عن رسول الله ﷺ فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا نثبت قدم الإعلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام، فمن رام ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصحيح الإيمان، ومن لم يتوق النفي والتشبيه، زل ولم يصب التنزيه" إلى أن قال:
стр. 233
"والعرش والكرسي حق كما بين في كتابه، وهو مستغن عن العرش وما دونه محيط بكل شيء وفوقه".
ذكر أبو إسحاق في كتاب "طبقات الفقهاء" أبا جعفر الطحاوي فقال: انتهت إليه رياسة أصحاب أبي حنيفة بمصر، أخذ العلم عن أبي جعفر بن أبي عمران، وعن أبي حازم القاضي وغيرهما.
قلت: وروى عن أصحاب سفيان بن عيينة وابن وهب، وتصانيفه شهيرة كثيرة، مات في سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة عن ثلاث وثمانين سنة.
١١٩- نفطويه، شيخ العربية "٢٤٣-٣٢٣"
٢٨٦- صنف الإمام أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي نفطويه كتابا في الرد على الجهمية، وذكر فيه أشياء منها: قول ابن الأعرابي الذي مضى ثم قال:
وسمعت داود بن علي يقول: كان المريسي -لا ﵀ يقول: سبحان ربي الأسفل. قال: وهذا جهل من قائله، ورد لنص كتاب الله إذ يقول: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ .
توفي نفطويه في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة.
١٢٠- أبو الحسن الأشعري، صاحب التصانيف "٢٦٠-٣٢٤"
٢٨٧- قال الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري البصري المتكلم في كتابه الذي سماه: "اختلاف المصلين١، ومقالات الإسلاميين" فذكر فرق الخوارج والروافض والجهمية وغيرهم إلى أن قال:
"ذكر مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث".
"جملة قولهم: الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وبما جاء عن الله، وما
стр. 234
رواه الثقات عن رسول الله ﷺ ، لا يردون من ذلك شيئاً.
وأن الله على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وأن له يدين بلا كيف كما قال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي﴾ .
وأن أسماء الله لا يقال أنها غير الله كما قالت المعتزلة والخوارج.
وأقروا أن الله علماً كما قال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِه﴾ ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ .
وأثبتوا السمع والبصر، ولم ينفوا ذلك عن الله كما نفته المعتزلة.
وقالوا: لا يكون في الأرض من خير وشر إلا ما شاء الله، وأن الأشياء تكون بمشيئته كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ . إلى أن قال:
ويقولون: "أن" القرآن كلام الله غير مخلوق.
ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله ﷺ : "إن الله ينزل إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر" كما جاء في الحديث.
ويقرون أن الله يجئ يوم القيامة كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ وأن الله يقرب من خلقه كما يشاء، قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ إلى أن قال:
فهذا جملة ما يأمرون به ويستعملونه ويرونه، وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله".
٢٦٩- "مقالات الإسلاميين" "ص٢٩٠-٢٩٧".
٢٨٨- وذكر الأشعري في هذا الكتاب المذكور في باب "هل الباري تعالى في مكان دون مكان، أم لا في مكان، أم في مكان فقال:
"اختلفوا في ذلك على سبع عشرة مقالة: منها: قال أهل السنة أصحاب الحديث: أنه ليس بجسم ولا يشبه الأشياء، وأنه على العرش كما قال:
стр. 235
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ولا نتقدم بين يدي الله بالقول، بل نقول: استوى بلا كيف، وأن له يدين كما قال: "خلقت بيدي" وأنه ينزل إلى سماء الدنيا كما جاء في الحديث" ثم قال: "وقالت المعتزلة: استوى على عرشه، بمعنى استولى، وتأولوا اليد بمعنى النعمة، وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: بعلمنا".
٢٧٠ "المقالات" "ص٢١٠-٢١١ و٢١٨".
٢٨٩- وقال أبو الحسن الأشعري في كتاب "جمل المقالات" له -رأيته بخط المحدث أبي علي بن شاذان- فسرد نحوا من هذا الكلام في مقالة أصحاب الحديث، تركت إيراد الفاظه خوف الإطالة، والمعنى واحد.
٢٩٠- وقال الأشعري في كتاب "الإبانة في أصول الديانة" له، في باب الاستواء.
فإن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل "له"١: نقول إن الله مستو على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّب﴾ وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْه﴾ وقال حكاية عن فرعون: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ فكذب موسى في قوله: إن الله فوق السموات. وقال : ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ فالسموات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السموات، وكل ما علا فهو سماء، وليس إذا قال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ يعني جميع السموات، وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السموات، ألا ترى أنه ذكر السموات فقال: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ ولم يرد أنه يملؤهن جميعا، "وأنه فيهن جميعاً" قال: ورأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم -إذا دعوا- نحو السماء لأن الله مستو على العرش الذي هو فوق السماوات، فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش.
стр. 236
وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: أن معنى استوى: استولى وملك وقهر، وأنه تعالى في كل مكان، وجحدوا أن يكون على عرشه، كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة، فلو كان كما قالوا كان لا فرق. بين العرش وبين الأرض السابعة لأنه قادر على كل شيء، والأرض شيء، فالله قادر عليها وعلى الحشوش، وكذا لو كان مستوياً على العرش بمعنى الاستيلاء، لجاز أن يقال: هو مستو على الأشياء كلها ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول: أن الله مستو على الأخلية والحشوش، فبطل أن يكون الاستواء "على العرش": الاستيلاء.
وذكر أدلة من الكتاب والسنة والعقل سوى ذلك.
وكتاب "الإبانة" من أشهر تصانيف أبي الحسن، شهره الحافظ ابن عساكر واعتمد عليه، ونسخه بخطه الإمام محيي الدين النووي.
٢٧١- "الإبانة" "ص٣٤-٣٧".
قلت: وفي قول الأشعري دليل واضح على بطلان قول الكوثري في تعليقه على "تبيين كذب المفتري" "ص٢٨" أن كتاب الإبانة هذا هو على طريقة المفوضة في الإمساك عن تعيين المراد، وهو مذهب السلف!
فإن كلام الأشعري الذي نقله المصنف ﵀ عن "الإبانة" وأشرنا إلى محله منه صريح في تعيين المراد، وهو أن الأستواء بمعنى العلو، فأين التفويض والإمساك عن تعيين المراد الذي زعمه الكوثري، ولا شك أن قوله "وهو مذهب السلف"، كذب أيضا كما يعلمه من درس أقوالهم في كتب أصول السنة التي جمعها المصنف رحمه الله تعالى في كتابه "العلو" فأوعى، ثم قربتها إليك في "مختصره" هذا، منبها على ما صح إسناده منها كما ترى.
٢٩١- ونقل الإمام أبو بكر بن فورك المقالة المذكورة عن أصحاب الحديث عن أبي الحسن الأشعري في كتاب "المقالات والخلاف بين الأشعري وبين أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب البصري" تأليف ابن فورك فقال:
الفصل الأول في ذكر ما حكى أبو الحسن ﵁ في كتاب "المقالات" من جمل مذاهب أصحاب الحديث وما أبان في آخره أنه يقول بجميع ذلك.
стр. 237
ثم سرد ابن فورك المقالة بهيئتها ثم قال في آخرها:
فهذا تحقيق لك من ألفاظه أنه معتقد لهذه الأصول التي هي قواعد أصحاب الحديث١ وأساس توحيدهم.
قال الحافظ أبو العباس أحمد بن ثابت الطرقي: قرأت كتاب أبي الحسن الأشعري الموسوم بـ"الإبانة" أدلة على إثبات الاستواء: قال في جملة ذلك:
"ومن دعاء أهل الإسلام إذا هم رغبوا إلى الله يقولون: يا ساكن العرش، ومن حلفهم: لا والذي احتجب بسبع".
٢٧٢- بفتح الطاء وسكون الراء نسبة إلى "طرق" قرية في أصبهان، مات بعد سنة "٥٢٠".
٢٧٣- الإبانة "ص٣٥-٣٦". قلت: وفي قوله: "يا ساكن العرش" شيء، لأنه لم يرد في خبر صحيح فيما علمت.
٢٩٢- وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري ﵀ في شكاية أهل السنة:
"ما نقموا من أبي الحسن الأشعري إلا أنه قال بإثبات القدر، وإثبات صفات الجلال لله، من قدرته، وعلمه، وحياته، وسمعه، وبصره، ووجهه، ويده، وأن القرآن كلامه غير مخلوق.
سمعت أبا علي الدقاق يقول: سمعت زاهر بن أحمد الفقيه يقول: مات الأشعري ﵀ ورأسه في حجري، فكان يقول شيئاً في حال نزعه "من داخل حلقه، فأدنيت إليه رأسي، وأصغيت إلى ما كان يقرع سمعي، فكان يقول": لعن الله المعتزلة موهواً ومخرقوا".
٢٧٤- تبيين كذب المفتري "ص١١١".
٢٧٥- التبيين "ص١٤٨" والزيادة منه. وقد عزى هذا اللعن عند الموت ابن قاضي
стр. 238
شبهة لزاهر بن أحمد هذا كما في ترجمته من "الشذرات" "٣/ ١٣١"، ولعله وهم وقصور أراد أن يعزوه للأشعري فوقف بصره عند رواية عنه، فعزاه إليه!
وزاهر هذا أحد أئمة الشافعية. مات سنة "٣٨٩" وله ست وتسعون سنة.
٢٩٣- قال الحافظ الحجة أبو القاسم بن عساكر في كتاب "تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الأشعري":
فإذا كان أبو الحسن ﵀ كما ذكر عنه من حسن الاعتقاد، مستصوب المذهب عند أهل المعرفة والانتقاد، يوافقه في أكثر ما يذهب إليه أكابر العباد، ولا يقدح في مذهبه غير أهل الجهل والعناد، فلا بد أن يحكى عنه معتقده على وجهه بالأمانة، ليعلم حاله في صحة عقيدته في الديانة، فاسمع ما ذكره في كتاب "الإبانة" فإنه قال:
"الحمد لله الواحد العزيز الماجد، المتفرد بالتوحيد، المتمجد بالتمجيد، الذي لا تبلغه صفات العبيد، وليس له مثل ولا نديد ... ".
فرد في خطبته على المعتزلة والقدرية والجهمية "والرافضة". إلى أن قال: فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدري والجهمية"١ والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي تقولون، وديانتكم التي بها تدينون؟ قيل له: قولنا الذي به نقول، وديانتنا التي بها ندين، التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان عليه أحمد بن حنبل نضر الله وجهه قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون، لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به المبتدعين، فرحمة الله من إمام مقدم، وكبير مفهم، وعلى جميع أئمة المسلمين.
وجملة قولنا: أن نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله، ورواه الثقات عن رسول الله ﷺ ، لا نرد من ذلك شيئاً، وأن الله إله واحد فرد
стр. 239
صمد لا إله غيره، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الجنة والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله تعالى مستو على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وأن له وجهاً كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّك﴾ وأن له يدين كما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان﴾ وأن له عينين بلا كيف كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ وأن من زعم أن أسلم الله غيره كان ضالاً، وندين أن الله يرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون -إلى أن قال:-
وندين بأنه يقلب القلوب، وأن القلوب بين إصبعين من أصابعه، وأنه يضع السموات والأرض على أصبع، كما جاء في الحديث، -إلى أن قال:-
وأنه يقرب من خلقه كيف شاء كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد﴾ وكما قال: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ ١ ونرى مفارفة كل داعية إلى بدعة، ومجانبة أهل الأهواء، وسنحتج لما ذكرناه من قولنا وما بقي "منه" باباً باباً، وشيئاً شيئاً، ثم قال ابن عساكر:
فتأملوا رحمكم الله هذا الاعتقاد ما أوضحه وأبينه، واعترفوا بفضل هذا الإمام الذي شرحه وبينه.
٢٧٦- في "التبيين" "ص١٥٢": "معتقده".
٢٧٧- التبيين "ص١٥٢-١٦٣" نقله المصنف رحمه الله تعالى بتلخيص كثير، وهو في "الإبانة" من أوله "ص١٣".
٢٩٤- وقال الحافظ ابن عساكر: وقال الإمام أبو الحسن في كتابه الذي سماه "العمد في الرؤية":
"ألفنا كتاباً كبيراً في الصفات تكلمنا فيه على أصناف المعتزلة والجهمية، فيه فنون كثيرة من الصفات في إثبات الوجه واليدين، وفي استوائه على العرش" ٢٧٨
стр. 240
كان أبو الحسن أولاً معتزلياً أخذ عن أبي الجبائي، ثم نابذه ورد عليه، وصار متكلما للسنة، ووافق أئمة الحديث في جمهور ما يقولونه، وهو ما سقناه عنه من أنه نقل إجماعهم على ذلك وأنه موافقهم. وكان يتوقد ذكاء، أخذ علم الأثر عن الحافظ زكريا الساجي. وتوفي سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، وله أربع وستون سنة رحمه الله تعالى.
فلو انتهى أصحابنا المتكلمون إلى مقالة أبي الحسن هذه ولزموها لأحسنوا، ولكنهم خاضوا كخوض حكماء الأوائل في الأشياء، ومشوا خلف المنطق، فلاقوه إلا بالله.
٢٧٨- التبيين "١٢٩".
٢٧٩- فيه إشارة إلى أنه خالف أئمة الحديث في بعض أقوالهم، وأشار إلى ذلك ابن عساكر أيضا في قوله السابق: "يوافقه في أكثر ما يذهب إليه أكابر العباد".
وقد صرح بذلك بعض العلماء، فقال أبو العباس المعروف بقاضي العسكر -وكان من أكبر أصحاب أبي حنيفة ﵁:
"وقد أخذ عامة أصحاب الشافعي بما استقر عليه مذهب أبي الحسن الأشعري، إلا أن بعض أصحابنا من أهل السنة والجماعة خطأ أبا الحسن الأشعري في بعض المسائل مثل قوله "التكوين والمكون واحد ونحوها". التبيين "ص١٣٩-١٤٠".
قلت: ولعل من ذلك قوله:
"الاستواء صفة من صفاته تعالى وفعل فعله في العرش يسمى الاستواء"! التبيين "ص١٥٠".
١٢١- علي بن عيسى الشبلي "٢٤٧-٣٣٤"
دخل أبو بكر الشبلي ﵀ دار المرضى ليعالج، فدخل عليه الوزير علي بن عيسى عائداً، فقال الشبلي: ما فعل ربك؟ قال: الرب في السماء يقضي ويمضي، فقال: سألت عن الرب الذي تعبده -يريد الخليفة المقتدر "لا عن الرب الذي لا تعبده"- فقال الوزير لبعض جلسائه: ناظره، فقال له الرجل:
стр. 241
سمعتك يا أبا بكر تقول في حال صحتك: كل صديق بلا معجزة كذاب، فما معجزتك؟ قال: معجزتي أن يعرض خاطري في حال صحوي على خاطري في حال سكري فلا يخرجان عن موافقة الله.
قلت: خف دماغ الشبلي فعولج، وكان علم الصوفية في زمانه، اتفق موته وموت الوزير العادل المحدث علي بن عيسى في عام، وهو سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة ببغداد.
٢٨٠- أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي "الْحِلْيَةِ" "١٠/ ٣٦٧" ومن طريقه ساقه المصنف في "الأصل"، وإسناده صحيح، فإن ابن حبيش ثقة ثبت توفي سنة تسع وخمسين وثلاث مائة كما في "تاريخ الخطيب" "٣/ ٨٦".
٢٢- أبو محمد البربهاري الحسن بن علي بن خلف، شيخ الحنابلة ببغداد
"؟ -٣٢٩"
وكان كبير الشأن، أخذ عن المروزي، وله أصحاب وأتباع.
٢٩٦- قال: الكلام في الرب محدثة وبدعة وضلالة، فلا يتكلم في الله إلا بما وصف به نفسه، ولا نقول في صفاته: لم ولا كيف؟ يعلم السر وأخفى، وعلى عرشه واستوى، وعلمه بكل مكان، والقرآن كلام الله وتنزيله ونوره، ليس بمخلوق. وذكر فصلاً مطولاً.
توفي البربهاري في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.
٢٨١- قلت: ذكر طرفا كبيرا نحو ثلاث صفحات ابن العماد في "الشذرات" "٢/ ٣١٩-٣٢٢".
стр. 242
طبقة أخرى من أئمة الإسلام
١٢٣- "أبو أحمد العسال؟ - ٣٤٩"١
٢٩٧- قال العلامة القاضي أبو أحمد العسال محدث أصبهان في كتاب "المعرفة" من تأليفه في باب تفسير قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فساق ما ورد فيه من أقوال أئمة السلف، كربيعة ومالك والثوري وأبي عيسى يحيى بن رافع، وكعب، وابن المبارك، وحديث ابن مسعود الذي يقول فيه: "والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، ولا يخفى عليه شيء، من أعمالكم" وهو حديث صحيح قد مر٢.
وكان أبو أحمد من أوعية العلم، لقي أبا مسلم الكجي وابن "أبي" عاصم وطبقتهما، ومات سنة تسع وأربعين وثلاثمائة.
٢٨٢- قلت: هو تابعي روى عن عثمان بن عفان وأبي هريرة، وعنه إسماعيل بن أبي خالد كما في "الجرح" "٤/ ٢/ ١٤٣" ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وذكره ابن حبان في "الثقات" "١/ ٢٥٦" وذكر أنه من أهل الكوفة.
١٢٤- العلامة أبو بكر الضبعي "؟ -٣٤٢"
٢٩٨- قال أبو عبد الله الحاكم: قال الفقيه أبو بكر أحمد بن إسحاق الضبعي النيسابوري:
стр. 243
قد تضع العرب "في" موضع "على" قال الله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْض﴾ وقال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْل﴾ ومعناه على الأرض وعلى النحل، فكذلك قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاء﴾ أي من على العرش، كما صحت الأخبار عن رسول الله ﷺ .
قلت: كان هذا الضبعي عديم النظير في الفقه، بصيراً بالحديث، كبير الشأن، توفي سنة اثنين وأربعين وثلاثمائة، أكثر عنه الحاكم.
١٢٥- أبو القاسم الطبراني "٢٦٠-٣٦٠"
٢٩٩- صنف محدث الدنيا، الحافظ الكبير، أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الشامي نزيل أصبهان في "كتاب السنة" له: "باب ما جاء في استواء الله تعالى على عرشه، بائن من خلقه" فساق في الباب حديث أبي رزين العقيلي: قلت: يا رسول الله أين كان ربنا؟ وحديث عبد الله بن خليفة عن عمر في علو الله على عرشه، وحديث الأوعال وأن العرش على ظهورهن، وأن الله فوقه، وقول مجاهد في المقام المحمود.
انتهى إلى الطبراني علو الإسناد في الدنيا، وعاش مائة سنة وأياماً، وعمل المعاجم الثلاثة، وصنف كتباً كثيرة تدل على حفظه وبراعته، وسعة روايته١. مات سنة ستين وثلاثمائة رحمه الله تعالى.
٢٨٣- قلت: هذه الأحاديث الأربعة، مفرداتها ضعيفة لا تثبت من قبل أسانيدها. وقد أشرنا إلى ذلك فيما مضى من التعليق.
١٢٦- الإمام أبو بكر الآجري "٢٨٠-٣٦٠"
صنف الحافظ الزاهد أبو بكر محمد بن الحسين الآجري المجاور بحرم الله كتاب "الشريعة في السنة" فمن أبوابه: "باب التحذير من مذهب الحلولية"
стр. 244
ثم قال:
٣٠٠- الذي يذهب إليه أهل العلم، أن الله تعالى على عرشه فوق سمواته، وعلمه محيط بكل شيء، قد أحاط بجميع ما خلق في السموات العلى، وبجميع ما في سبع أرضين، يرفع إليه أعمال العباد.
فإن قيل: فأيش معنى قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُم﴾ ؟ قيل: علمه، والله على عرشه، وعلمه محيط بها. كذا فسره أهل العلم، والآية يدل أولها وآخرها على أنه العلم وهو على عرشه، هذا قول المسلمين. ثم قال: حدثنا ابن مخلد حدثنا أبو داود، حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا سريح بن النعمان، حدثنا عبد الله بن نافع قال: قال مالك: الله في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو من علمه مكان.
كان الآجري "فقيها" أثرياً، حسن التصانيف، جاور مدة، روى عن الكجي ,وأبي شعيب الحراني وطبقتهما. وحمل عنه خلق كثير من الحجاج. توفي سنة ستين وثلاثمائة.
٢٨٤- "الشريعة" "ص٢٨٥-٢٨٩".
١٢٧- الحافظ أبو الشيخ "٢٧٤-٣٦٩"
٣٠١- قال محدث أصبهان -مع الطبراني- أبو محمد ابن حيان ﵀ في كتاب "العظمة" له:
"ذكر عرش الرب ﵎ كرسيه، وعظم خلقهما، وعلو الرب فوق عرشه".
ثم ساق جملة من الأحاديث في ذلك قد مضت.
стр. 245
وله كتاب "السنة" وكتاب "فضائل الأعمال" و"السنة الكبير١" وقع "لنا"٢ جملة من تصانيفه.
وكان إماماً في الحديث، رفيع الإسناد، سمع أبا بكر بن أبي عاصم وطبقته، ولحق بالكوفة أبا عمر القتات، وبالبصرة أبا خليفة، توفي سنة تسع وستين وثلاثمائة، وهو في عشر المائة.
٢٨٥- في المطبوعات "أبا عمرو" والتصحيح من "المخطوطة" وكتب الرجال، واسم أبي عمر القتات محمد بن جعفر بن محمد الكوفي، وهو ضعيف مات سنة "٣٠٠"، ترجمته في "التاريخ" "٢/ ١٢٩-١٣٠" و"اللسان".
١٢٨- العلامة أبو بكر الإسماعيلي "٢٧٧-٣٧١"
٣٠٢- وعن حمزة بن يوسف٣ الحافظ: أنبأنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي بكتاب "إعتقاد السنة"٤ له قال:
اعلموا رحمكم الله أن مذاهب أهل الحديث، أهل السنة والجماعة: الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقبول ما نطق به الله، وما صحت به الرواية عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لا معدل عما ورد به، ويعتقدون أن الله تعالى مدعو بأسمائه الحسنى، موصوف بصفاته، التي وصف بها نفسه، ووصفه بها نبيه. خلق آدم بيده، ويداه مبسوطتان، بل اعتقاد كيف، واستوى على العرش بل كيف، فإنه انتهى إلى أنه استوى على العرش، ولم يذكر كيف كان
стр. 246
استواؤه. ثم سرد سائر اعتقاد أهل السنة.
كان الإسماعيلي من مشايخ الإسلام، رأساً في الحديث والفقه. قال أبو إسحاق في "طبقات الفقهاء الشافعية":
جمع أبو بكر بين الفقه والحديث، ورئاسة الدين والدنيا، وصنف "الصحيح"١ أخذ عنه فقهاء جرجان، وقال حمزة السهمي: مات سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة بجرجان، وله أربع وتسعون سنة.
٢٨٦- قلت: أخرجه المصنف بإسناده، ورجاله كلهم ثقات معروفون غير مسعود بن عبد الواحد الهاشمي فلم أجد له ترجمة. وبهذا الإسناد ساقه في ترجمة أبي بكر الإسماعيلي من "التذكرة" "٣/ ١٥٠-١٥١".
١٢٩- الأزهري إمام اللغة "٢٨٢-٣٧٠"
٣٠٣- قال العلامة الأستاذ أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر الهروي، صاحب "التهذيب" فيما نقله عنه شيخ الإسلام بلديه في كتاب "الفاروق":
الله تعال على العرش، ويجوز أن يقال في المجاز هو في السماء لقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ ٢.
الأزهري هو صاحب كتاب "تهذيب اللغة" توفي في شهر ربيع الآخر٣ سنة سبعين وثلاثمائة. ومن ورعه أنه لحق ببغداد ابن دريد٤ فامتنع من
стр. 247
الرواية عنه لشربه المسكر.
١٣٠- أبو بكر "بن" شاذان "٢٩٧-٤٨٤"
٣٠٤- قال الإمام المحدث الصادق أبو بكر أحمد بن إبراهيم "بن" شاذان البغدادي. حدثني من أثق به وسم ذلك معي ولدي أبو علي قال:
كنا نغسل ميتاً وهو على سريره، فكشفنا عنه الثوب، فسمعناه يقول: هو على عرشه "وحده١"، هو على عرشه وحده، قال: فتفرقنا من عظم ما سمعناه، ثم رجعنا فغسلماه ﵀.
أخرج هذه القصة الشيخ موفق الدين في كتاب "صفة العلو" له وهو سماعنا من القاضي تاج الدين عبد الخالق عنه.
وكان أبو بكر من أصحاب الحديث والآثار٢، يروي عن البغوي وذويه. توفي سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة.
وكان ابنه الحسن مسند بغداد في وقته، مات في آخر سنة خمس وعشرين وأربعمائة.
١٣١- أبو الحسن بن مهدي المتكلم "؟ -؟ "
٣٠٥- قال الإمام أبو الحسن علي بن مهدي الطبري تلميذ الأشعري في كتاب "مشكل الآيات" له في باب قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ :
اعلم أن الله في السماء فوق كل شيء، مستو على عرشه، بمعنى أنه عال عليه، ومعنى الاستواء: الاعتلاء، كما يقول العرب: استويت على ظهر الدابة، واستويت على السطح، بمعنى علوته، واستوت الشمس على رأسي، واستوى الطائر على قمة رأسي، بمعنى علا في الجو فوجد فوق رأسي. "والله"
стр. 248
جل جلاله عال على عرشه يدلك على أنه في السماء عال على عرشه قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاء﴾ وقوله: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّب﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْه﴾ وزعم البلخي١ أن استواء الله على العرش هو الاستيلاء عليه، مأخوذ من قول العرب: استوى بشر على العراق، أي: استولى عليها، وقال: إن العرش يكون الملك، فيقال له: ما أنكرت أن يكون عرش الرحمن جسماً خلقه، وأمر ملائكته بحمله، قال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَة﴾ وأمية يقول:
مجدوا الله فهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى٢ كبيرا
بالبناء الأعلى الذي سبق الناس ... وسوى فوق السماء سريرا
قال:
ومما يدل على أن الاستواء ههنا ليس بالاستيلاء، أنه لو كان كذلك لم يكن ينبغي أن يخص العرش بالاستيلاء عليه دون سائر خلقه، إذ هو مستول عل العرش وعلى الخلق، ليس للعرش مزية على ما وصفته، فبان بذلك فساد قوله.
ثم يقال له أيضاً: إن الاستواء ليس هو الاستيلاء الذي هو من قول العرب: استوى فلان على كذا، أي: استولى، إذا تمكن منه بعد أن لم يكن متمكناً، فلما كان الباري لا يوصف بالتمكن بعد أن لم يكن متمكناً، لم يصرف معنى الاستواء إلى الاستيلاء.
ثم ذكر ما حدثه نفطويه عن داود بن علي عن ابن الإعرابي وقد مر٣ ثم قال:
стр. 249
فإن قيل: فما تقولون في قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاء﴾ ؟ قيل له: معنى ذلك أنه فوق السماء على العرش كما قال: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْض﴾ بمعنى على الأرض، وقال: ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْل﴾ فكذلك ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاء﴾ . فإن قيل: فما تقولون في قوله: "وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وفي الأرض؟ " قيل له: إن بعض القراء يجعل الوقف في "السموات" ثم يبتدئ ﴿وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَم﴾ وكيفما كان، فلو أن قائلاً قال: فلان بالشام والعراق ملك، لدل على أن ملكه بالشام والعراق، لا أن ذاته فيهما -إلى أن قال:- وإنما أمرنا الله برفع أيدينا قاصدين إليه برفعهما نحو العرش الذي هو مستو عليه.
الطبري رأس في المتكلمين، صنف التصانيف، وصحب أبا الحسن الأشعري، ذكره الحافظ أبو القاسم في طبقات أصحاب أبي الحسن الأشعري، وأثنى عليه١ "ولا أعلم متى توفي"٢.
١٣٢- ابن سفيان "؟ -٣٥٥"
٣٠٦- قال شيخ المالكية أبو إسحاق محمد بن القاسم بن شعبان المصري في كتاب "تسمية الرواة عن مالك".
الحمد لله أحق ما بدا، وأول٣ من شكر، الواحد الصمد، ليس له صاحبة ولا ولد، جل عن المثل، بلا شبه ولا عدل، على عرشه استوى، فهو دان بعلمه، أحاط علمه الأمور، ونفذ حكمه في سائر المقدور.
مات ابن شعبان بمصر سنة خمس وخمسين وثلاثمائة. وكان من كبار الأئمة.
١٣٣- ابن بطة "٣٠٤-٣٨٧"
٣٠٧- قال الإمام الزاهد أبو عبد الله بن بطة العكبري شيخ الحنابلة في كتاب
стр. 250
"الإبانة" من جمعه وهو ثلاث مجلدات: "باب الإيمان بأن الله على عرشه، بائن من خلقه، وعلمه محيط بخلقه".
أجمع المسلمون من الصحابة والتابعين، أن الله على عرشه فوق سمواته، بائن من خلقه، فأما قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُم﴾ فهو كما قالت العلماء: علمه، وأما قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ معناه أنه هو الله في السموات وهو الله في الأرض "إله" وتصديقه في كتاب الله ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ واحتج الجهمي بقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ فقال: إن الله "معنا وفينا"١ وقد فسر العلماء "أن" ذلك علمه، ثم قال تعالى في آخرها: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ .
ثم إن ابن بطة سرد بأسانيده أقوال من قال: إنه علمه، وهم الضحاك والثوري ونعيم بن حماد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه.
وكان ابن بطة من كبار الأئمة، ذا زهد وفقه، وسنة واتباع، وتكلموا في إتقانه، وهو صدوق في نفسه، سمع من البغوي وطبقته، وتوفي سنة سبع وثمانين وثلاثمائة.
١٣٤- الدارقطني "٣٠٦-٣٨٥"
كان العلامة الحافظ أبو الحسن علي بن عمر نادرة عصره، وفرد الجهابذة، ختم به هذا الشأن، فمما صنف كتاب "الرؤية" وكتاب "الصفات" وكان إليه المنتهى في السنة ومذهب السلف.
٣٠٨ وهو القائل "فيما" أنبأني أحمد بن سلامة عن يحيى بن يوش أنبأنا ابن كادش أنشدنا أبو طالب العشاري، أنشدنا الدارقطني رحمه الله تعالى:
حديث الشفاعة في أحمد
... إلى أحمد المصطفى نسنده
..................... ... على العرش أيضاً فلا نجحده
أمروا الحديث على وجهه ... ولا تدخلوا فيه ما يفسده