← Акыда

Акыда · id 7318

مختصر العلو للعلي العظيم

شمس الدين الذهبي

Полный текст (301 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

استواؤه. ثم سرد سائر اعتقاد أهل السنة. كان الإسماعيلي من مشايخ الإسلام، رأساً في الحديث والفقه. قال أبو إسحاق في "طبقات الفقهاء الشافعية": جمع أبو بكر بين الفقه والحديث، ورئاسة الدين والدنيا، وصنف "الصحيح"١ أخذ عنه فقهاء جرجان، وقال حمزة السهمي: مات سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة بجرجان، وله أربع وتسعون سنة. ٢٨٦- قلت: أخرجه المصنف بإسناده، ورجاله كلهم ثقات معروفون غير مسعود بن عبد الواحد الهاشمي فلم أجد له ترجمة. وبهذا الإسناد ساقه في ترجمة أبي بكر الإسماعيلي من "التذكرة" "٣/ ١٥٠-١٥١". ١٢٩- الأزهري إمام اللغة "٢٨٢-٣٧٠" ٣٠٣- قال العلامة الأستاذ أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر الهروي، صاحب "التهذيب" فيما نقله عنه شيخ الإسلام بلديه في كتاب "الفاروق": الله تعال على العرش، ويجوز أن يقال في المجاز هو في السماء لقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ ٢. الأزهري هو صاحب كتاب "تهذيب اللغة" توفي في شهر ربيع الآخر٣ سنة سبعين وثلاثمائة. ومن ورعه أنه لحق ببغداد ابن دريد٤ فامتنع من

стр. 247

الرواية عنه لشربه المسكر. ١٣٠- أبو بكر "بن" شاذان "٢٩٧-٤٨٤" ٣٠٤- قال الإمام المحدث الصادق أبو بكر أحمد بن إبراهيم "بن" شاذان البغدادي. حدثني من أثق به وسم ذلك معي ولدي أبو علي قال: كنا نغسل ميتاً وهو على سريره، فكشفنا عنه الثوب، فسمعناه يقول: هو على عرشه "وحده١"، هو على عرشه وحده، قال: فتفرقنا من عظم ما سمعناه، ثم رجعنا فغسلماه ﵀. أخرج هذه القصة الشيخ موفق الدين في كتاب "صفة العلو" له وهو سماعنا من القاضي تاج الدين عبد الخالق عنه. وكان أبو بكر من أصحاب الحديث والآثار٢، يروي عن البغوي وذويه. توفي سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة. وكان ابنه الحسن مسند بغداد في وقته، مات في آخر سنة خمس وعشرين وأربعمائة. ١٣١- أبو الحسن بن مهدي المتكلم "؟ -؟ " ٣٠٥- قال الإمام أبو الحسن علي بن مهدي الطبري تلميذ الأشعري في كتاب "مشكل الآيات" له في باب قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ : اعلم أن الله في السماء فوق كل شيء، مستو على عرشه، بمعنى أنه عال عليه، ومعنى الاستواء: الاعتلاء، كما يقول العرب: استويت على ظهر الدابة، واستويت على السطح، بمعنى علوته، واستوت الشمس على رأسي، واستوى الطائر على قمة رأسي، بمعنى علا في الجو فوجد فوق رأسي. "والله"

стр. 248

جل جلاله عال على عرشه يدلك على أنه في السماء عال على عرشه قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاء﴾ وقوله: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّب﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْه﴾ وزعم البلخي١ أن استواء الله على العرش هو الاستيلاء عليه، مأخوذ من قول العرب: استوى بشر على العراق، أي: استولى عليها، وقال: إن العرش يكون الملك، فيقال له: ما أنكرت أن يكون عرش الرحمن جسماً خلقه، وأمر ملائكته بحمله، قال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَة﴾ وأمية يقول: مجدوا الله فهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى٢ كبيرا بالبناء الأعلى الذي سبق الناس ... وسوى فوق السماء سريرا قال: ومما يدل على أن الاستواء ههنا ليس بالاستيلاء، أنه لو كان كذلك لم يكن ينبغي أن يخص العرش بالاستيلاء عليه دون سائر خلقه، إذ هو مستول عل العرش وعلى الخلق، ليس للعرش مزية على ما وصفته، فبان بذلك فساد قوله. ثم يقال له أيضاً: إن الاستواء ليس هو الاستيلاء الذي هو من قول العرب: استوى فلان على كذا، أي: استولى، إذا تمكن منه بعد أن لم يكن متمكناً، فلما كان الباري لا يوصف بالتمكن بعد أن لم يكن متمكناً، لم يصرف معنى الاستواء إلى الاستيلاء. ثم ذكر ما حدثه نفطويه عن داود بن علي عن ابن الإعرابي وقد مر٣ ثم قال:

стр. 249

فإن قيل: فما تقولون في قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاء﴾ ؟ قيل له: معنى ذلك أنه فوق السماء على العرش كما قال: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْض﴾ بمعنى على الأرض، وقال: ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْل﴾ فكذلك ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاء﴾ . فإن قيل: فما تقولون في قوله: "وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وفي الأرض؟ " قيل له: إن بعض القراء يجعل الوقف في "السموات" ثم يبتدئ ﴿وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَم﴾ وكيفما كان، فلو أن قائلاً قال: فلان بالشام والعراق ملك، لدل على أن ملكه بالشام والعراق، لا أن ذاته فيهما -إلى أن قال:- وإنما أمرنا الله برفع أيدينا قاصدين إليه برفعهما نحو العرش الذي هو مستو عليه. الطبري رأس في المتكلمين، صنف التصانيف، وصحب أبا الحسن الأشعري، ذكره الحافظ أبو القاسم في طبقات أصحاب أبي الحسن الأشعري، وأثنى عليه١ "ولا أعلم متى توفي"٢. ١٣٢- ابن سفيان "؟ -٣٥٥" ٣٠٦- قال شيخ المالكية أبو إسحاق محمد بن القاسم بن شعبان المصري في كتاب "تسمية الرواة عن مالك". الحمد لله أحق ما بدا، وأول٣ من شكر، الواحد الصمد، ليس له صاحبة ولا ولد، جل عن المثل، بلا شبه ولا عدل، على عرشه استوى، فهو دان بعلمه، أحاط علمه الأمور، ونفذ حكمه في سائر المقدور. مات ابن شعبان بمصر سنة خمس وخمسين وثلاثمائة. وكان من كبار الأئمة. ١٣٣- ابن بطة "٣٠٤-٣٨٧" ٣٠٧- قال الإمام الزاهد أبو عبد الله بن بطة العكبري شيخ الحنابلة في كتاب

стр. 250

"الإبانة" من جمعه وهو ثلاث مجلدات: "باب الإيمان بأن الله على عرشه، بائن من خلقه، وعلمه محيط بخلقه". أجمع المسلمون من الصحابة والتابعين، أن الله على عرشه فوق سمواته، بائن من خلقه، فأما قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُم﴾ فهو كما قالت العلماء: علمه، وأما قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ معناه أنه هو الله في السموات وهو الله في الأرض "إله" وتصديقه في كتاب الله ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ واحتج الجهمي بقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ فقال: إن الله "معنا وفينا"١ وقد فسر العلماء "أن" ذلك علمه، ثم قال تعالى في آخرها: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ . ثم إن ابن بطة سرد بأسانيده أقوال من قال: إنه علمه، وهم الضحاك والثوري ونعيم بن حماد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه. وكان ابن بطة من كبار الأئمة، ذا زهد وفقه، وسنة واتباع، وتكلموا في إتقانه، وهو صدوق في نفسه، سمع من البغوي وطبقته، وتوفي سنة سبع وثمانين وثلاثمائة. ١٣٤- الدارقطني "٣٠٦-٣٨٥" كان العلامة الحافظ أبو الحسن علي بن عمر نادرة عصره، وفرد الجهابذة، ختم به هذا الشأن، فمما صنف كتاب "الرؤية" وكتاب "الصفات" وكان إليه المنتهى في السنة ومذهب السلف. ٣٠٨ وهو القائل "فيما" أنبأني أحمد بن سلامة عن يحيى بن يوش أنبأنا ابن كادش أنشدنا أبو طالب العشاري، أنشدنا الدارقطني رحمه الله تعالى: حديث الشفاعة في أحمد ... إلى أحمد المصطفى نسنده ..................... ... على العرش أيضاً فلا نجحده أمروا الحديث على وجهه ... ولا تدخلوا فيه ما يفسده

стр. 251

توفي الدارقطني ﵀ في سنة خمس وثمانين وثلاثمائة عن ثمانين١ سنة "وكان يقول: ما شيء أبغض إلي من علم الكلام"٢. ٢٨٧- قلت: إن ثبت، وهيهات! "راجع التعليق رقم ١٩١"، وفي الطريق إلى الدارقطني يحيى بن يوش أو بوش أو نوش أو غير ذلك فإنه في المخطوطة مهمل الحرف الأول، ولم أجد له ترجمة كما سبق، وابن كادس هو أبو العز أحمد بن عبيد الله بن كادش، وهو مخلط، انظر "الأحاديث الضعيفة" "٨٧٠". ١٣٥- "ابن منده "٣١٦-٣٩٥" ٣٠٩- قال الإمام الحافظ، محدث الشرق، أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده العبدي الأصبهاني مصنف كتاب "التوحيد٣" وكتاب "الصفات" وكتاب "الإيمان"٤ وكتاب "النفس والروح" وكتاب "معرفة الصحابة" وغير ذلك: "فهو تعالى موصوف غير مجهول، وموجود غير مدرك، ومرئي غير محاط به، لقربه كأنك تراه "قريب غير ملاصق، وبعيد غير منقطع"٥ وهو يسمع ويرى، وهو بالمنظر الأعلى، وعلى العرش استوى، فالقلوب تعرفه، والعقول لا تكيفه، وهو بكل شيء محيط". ٢٨٨- قلت ومن أبواب كتابه "التوحيد" "ق١١٧/ ٢": "بيان آخر يدل على أن الله تعالى فوق عرشه، بائنا عن خلقه". ثم ساق حديث "لما قضى الله الخلق ... " الحديث وقد مضى برقم "٢١"ز وساق نحوه في كتاب "الإيمان" "ق١٣/ ٢" وساق حديث الجارية.

стр. 252

١٣٦- ابن أبي زيد "؟ -٣٨٩" ٣١٠- قال الإمام أبو محمد بن أبي زيد المغربي شيخ المالكية في أول رسالته المشهورة في مذهب مالك الإمام: "وأنه تعالى فوق عرشه المجيد بذاته، وأنه في كل مكان بعلمه"١. وقد تقدم مثل هذه العبارة عن أَبِي جَعْفَرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وعثمان بن سعيد الدارمي، وكذلك أطلقها يحيى بن عمار واعظ سجستان في رسالته، والحافظ أبو نصر الوائلي السجزي في كتاب "الإبانة" له، فإنه قال: "وأئمتنا كالثوري ومالك والحمادين وابن عيينة وابن المبارك والفضيل وأحمد وإسحاق متفقون على أن الله فوق العرش بذاته، وأن علمه بكل مكان". وكذلك أطلقها ابن عبد البر كما سيأتي، وكذا عبارة شيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري، فإنه قال: وفي أخبار شتى أن الله في السماء السابعة على العرش بنفسه، وكذا قال أبو الحسن الكرجي الشافعي في تلك القصيدة: عقائدهم أن الإله بذاته ... على عرشه مع علمه بالغوائب وعلى هذه القصيدة مكتوب بخط العلامة تقي الدين بن الصلاح: هذه عقيدة أهل السنة وأصحاب الحديث. وكذا أطلق هذه اللفظة أحمد بن ثابت الطرقي الحافظ، والشيخ عبد القادر الجيلي، والمفتي عبد العزيز القحيطي وطائفة. والله تعالى خالق كل شيء بذاته، ومدبر الخلائق بذاته، بلا معين، ولا موازر. وإنما أراد ابن أبي زيد وغيره التفرقة بين كونه تعالى معنا، وبين كونه تعالى فوق العرش، فهو كما قال: ومعنا بالعلم، وأنه على العرش كما أعلمنا حيث يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وقد تلفظ بالكلمة المذكورة جماعة من

стр. 253

العلماء، كما قدمناه١، وبلا ريب أن فضول الكلام تركه من حسن الإسلام. وكان ابن أبي زيد٢ من العلماء بالمغرب، وكان يلقب بمالك الصغير، وكان غاية في علم الأصول، وقد ذكره الحافظ ابن عساكر في كتاب "تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الأشعري" ولم يذكر له وفاة. توفي سنة ست وثمانين وثلاثمائة، وقيل: سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، وقد نقموا عليه في قوله "بذاته" فليته تركها. ٢٨٩- قلت: هو عبيد الله بن سعيد بن حاتم البكري حافظ متقن، مات سنة "٤٤٤"، قال المؤلف في "التذكرة" "٣/ ٢٩٧": "صاحب الإبانة الكبرى في مسألة القرآن، وهو كتاب طويل في معناه، دال على إمامة الرجل، وبصره بالرجال والطرق". ٢٩٠- مضت ترجمته. ٢٩١- نسبة إلى "جيل" وهي بلاد متفرقة من وراء طبرستان. ويقال لها "جيلان" و"كيلان"، وهو من كبار فقهاء الحنابلة، ومن المتمسكينن في مسائل الصفات وغيرها بالسنة، مبالغا في الرد على من خالفها، ومن المشهورين بالصلاح والتصوف، وكانت له أحوال وشطحات، لكن لم تبلغ به إلى الانزلاق فيما انزلق فيه غيره من المتصوفة من الحلول وغيره، توفي سنة "٥٦١" عن تسعين سنة. ٢٩٢- قلت: وهؤلاء وأمثالهم من أهل السنة وفيهم المؤلف يقول عنهم الكوثري -عامله الله بما يستحق- بأنهم شيوخ الحشوية! لأنهم يتسارعون إلى نقل هذه اللفظة "بذاته" عن ابن أبي زيد هذا، ويقول عنها إنها إما مدسوسة، أو من قبيل الاحتراس بالرفع أي المجيد بذاته! وهكذا فليكن التشكيك في أقوال أهل العلم بالإنكار أصلا أو بتأويله تأويلا باطلا! ٢٩٣٤- قلت: يعني لكي لا ينقم الناس عليه، لا لأنه خطأ في نفسه، كيف وقد قاله من سبق ذكرهم من العلماء عند المؤلف، مع ملاحظة أنه لا فرق في الحقيقة بينه وبين قول المؤلف المتقدم آنفا: "والله تعالى خالق كل شيء بذاته"! وراجع لهذا الكلام ابن تيمية في "حديث النزول" "ص٥٦".

стр. 254

١٣٧- الخطابي "؟ -٣٨٨" ٣١١- قال الإمام العلامة أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب الخطابي البستي صاحب "معالم السنن" في كتاب "الغنية عن الكلام وأهله" له قال: "فأما ما سألت عنه من الكلام في الصفات، وما جاء منها في الكتاب والسنن الصحيحة، فإن مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها". وكذا نقل الاتفاق عن السلف في هذا الحافظ أبو بكر الخطيب، ثم الحافظ أبو القاسم التيمي الأصبهاني وغيرهم. توفي الخطابي سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، يروي عن أبي سعيد "بن" الأعرابي وطبقته. ١٣٨- ابن فورك "؟ -٤٠٦" ٣١٢- قال الإمام العلامة أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك فيما نقله عنه تلميذه الإمام أبو بكر البيهقي في كتاب "الأسماء والصفات" أنه قال: "استوى بمعنى علا، وقال في قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاء﴾ أي: من فوق السماء". ثم احتح البيهقي لذلك بقول النبي ﷺ الذي قدمناه لسعد: "لقد حكمت فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سموات"، وبقول ابن عباس: "إن بين السَّمَاءِ السَّابِعَةِ إِلَى كُرْسِيِّهِ سَبْعَةَ آلافِ نُورٍ، وَهُوَ فَوْقَ ذَلِكَ". كان ابن فورك شيخ أهل خراسان في النظر والكلام والأصول، ألف قريباً من مائة مصنف، وحدث عن أبي محمد بن فارس الأصبهاني بـ"مسند الطيالسي" توفي سنة ست وأربعمائة. ٢٩٤- ص٤١١-٤٢٠.

стр. 255

٢٩٥- هذا الحديث حسن، وقد مضى تخريجه، فانظر التعليق "١١". ٢٩٦- قلت: إسناده ضعيف، فإنه أخرجه من طريق عاصم بن علي- وهو صدوق ربما وهم- عن أبيه وهو علي بن عاصم بن صهيب الواسطي صدوق يخطئ ويصر. عن عطاء ابن السائب وكان اختلط. ١٣٩- ابن الباقلاني "؟ -٤٠٣" ٣١٣- قال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب البصري الباقلاني- الذي ليس في المتكلمين الأشعرية أفضل منه مطلقاً- في كتاب "الإبانة" من تأليفه: "فإن قيل: فما الدليل على أن لله وجها "ويدا"؟ قيل: قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّك﴾ وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي﴾ فأثبت لنفسه وجهاً ويداً، فإن قيل: فما أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة، إذ كنتم لا تعقلون وجهاً ويداً إلا جارحة، قلنا: لا يجب هذا، كما لا يجب في كل شيء كان قديما بذاته أن يكون جوهراً، لأنا وإياكم لم نجد قديما بنفسه في شاهدنا إلا كذلك. وكذلك الجواب لهم إن قالوا: فيجب أن يكون علمه وحياته وكلامه وسمعه وبصره وسائر صفات ذاته عرضاً، واعتلوا بالوجود. فإن قيل: فهل تقولون: إنه في كل مكان؟ قيل: معاذ الله، بل هو مستو على عرشه، كما أخبر في كتابه، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّب﴾ وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاء﴾ ". قال: "ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه وفي الحشوش، ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن، ويصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض، وإلى خلفنا ويميننا وشمالنا، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله" إلى أن قال: "وصفات ذاته التي لم يزل ولا يزال موصوفاً بها، الحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، والإرادة، والوجه، واليدان، والعينان، والغضب، والرضا". ٣١٤- وقال مثل هذا القول في كتاب "التمهيد" له. وقال في كتاب "الذب

стр. 256

عن أبي الحسن الأشعري". "كذلك قولنا في جميع المروي عن رسول الله ﷺ في صفات الله -إذا صح- من إثبات اليدين والوجه والعينين، ونقول: إنه يأتي يوم القيامة في ظلل من الغمام، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا، كما في الحديث، وأنه مستو على عرشه، إلى أن قال: "وقد بينا دين الأئمة وأهل السنة أن هذه الصفات تمر كما جاءت بغير تكييف، ولا تحديد ولا تجنيس ولا تصوير، كما روي، عن الزهري وعن مالك في الاستواء، فمن تجاوز هذا فقد تعدى وابتدع وضل". فهذا النفس نفس هذا الإمام، وأين مثله في تبحره وذكائه وبصره بالملل والنحل؟ فلقد امتلأ الوجود بقوم لا يدرون ما السلف، ولا يعرفون إلا السلب، ونفي الصفات وردها، صم بك عتم عجم، يدعون إلى العقل ولا يكونون على النقل، فإنا لله وإنا إليه راجعون. مات القاضي أبو بكر سنة ثلاث وأربعمائة وهو في عشر السبعين، حدث عن القطيعي وابن ماسي، وقد سارت بمصنفاته الركبان. ١٤٠- أبو أحمد القصاب "؟ -نحو٤٠٠" ٣١٥- قال العلامة أبو أحمد الكرجي في عقيدته التي ألفها، فكتبها الخليفة القادر بالله وجمع الناس عليها، وذلك في صدر المائة الخامسة، وفي آخر أيام الإمام أبي حامد الإسفراييني شيخ الشافعية ببغداد، وأمر باستتابة من خرج عنها من معتزلي ورافضي وخارجي، فمما قال فيها: "كان ربنا وحده لا شيء معه، ولا مكان يحويه، فخلق كل شيء بقدرته، وخلق العرش لا لحاجة إليه، فاستوى عليه استواء استقرار١ كيف شاء وأراد، لا استقرار راحة كما يستريح الخلق"١. قلت: ليته حذف "استواء استقرار" وما بعده فإن ذلك لا فائدة فيه بوجه، والباري منزه عن الراحة والتعب، إلى أن قال:

стр. 257

"ولا يوصف إلا بما وصف به نفسه، أو وصف به نبيه، فهي صفة حقيقة لا مجازا". قلت: وكان أيضاً يسعه السكوت عن "صفة حقيقة" فإننا إذا أثبتنا نعوت الباري وقلنا: تمر كما جاءت. فقد آمنا بأنها صفات، فإذا قلنا بعد ذلك: صفة حقيقة وليس بمجاز، كان هذا كلاماً ركيكاً نبطياً مغلثا للنفوس فليهدر، مع أن هذه العبارة وردت عن جماعة، ومقصودهم بها أن هذه الصفات تمر ولا يتعرض لها بتحريف ولا تأويل، كما يتعرض لمجاز الكلام، والله أعلم. وقد أغنى الله تعالى عن العبارات المبتدعة، فإن النصوص في الصفات واضحة، ولو كانت الصفات ترد إلى المجاز، لبطل أن تكون صفات لله، وإنما الصفة تابعة للموصوف، فهو موجود حقيقة لا مجازاً، وصفاته ليست مجازاً، فإذا كان لا مثل له ولا نظير لزم أن تكون لا مثل لها. وإنما شهر الإمام أبو أحمد بـ"القصاب" لكثرة من قتل في الغزو من الكفار. وكان من أئمة الحديث في حدود الأربعمائة. ٢٩٧- هو الحافظ الإمام محمد بن علي بن محمد المجاهد، وإنما عرف بـ"القصاب" لكثرة ما أهرق من دماء الكفار في الغزوات كما في "تذكرة المؤلف" "٣/ ١٤١" وقال: "ولم أظفر بوفاته، وكأنه بقي إلى قريب الستين وثلاثمائة". و"الكرجي" بالجيم كذا وقع في جميع الأصول، ووقع في "التذكرة" "الكرخي" بالخاء المعجمة وأظنه خطأ مطبعيا، فقد جاء فيها بعد سطور: "وفيه يقول أبو الحسن الكرجي: "وفي الكرج الغراء أو حد عصره أبو أحمد القصاب غير مغالب". و"الكرج" بفتح أوله والراء مدينة بين أصبهان وهمذان. و"الكرج" بضم أوله وسكون الراء جيل من النصارى يسكنون ناحية من بعض أذربيجان من الروم. ومن الغريب أن المترجم لم يذكر في هاتين البلدتين من كتب الأنساب والبلدان والمشتبه. والله أعلم.

стр. 258

طبقة أخرى تابعة لما مر ١٤١- "أبو نعيم الأصبهاني ٣٣٦-٤٣٠" ٣١٦- قال الحافظ الكبير أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني مصنف "حلية الأولياء" في كتاب "الاعتقاد" له: "طريقتنا طريقة السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة، ومما اعتقدوه أن الله لم يزل كاملاً بجميع صفاته القديمة، لا يزول ولا يحول، لم يزل عالماً بعلم، بصيرا ببصر، سمعيا بسمع، متكلماً بكلام، ثم أحدث الأشياء من غير شيء، وأن القرآن كلام الله، وكذلك سائر كتبه المنزلة، كلامه غير مخلوق، وإن القرآن في جميع الجهات مقروءا ومتلواً ومحفوظاً ومسموعا ومكتوبا وملفوظا، كلام الله حقيقة، لا حكاية ولا ترجمة، وأنه بألفاظنا، كلام الله غير مخلوق، وأن الواقفة واللفظية من الجهمية، وأن من قصد القرآن بوجه من الوجوه، يريد به خلق كلام الله، فهو عندهم من الجهمية، وأن الجهمي عندهم كافر" إلى أن قال: "وأن الأحاديث التي ثبتت في العرش، واستواء الله عليه يقولون بها، ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل، وأن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم، وهو مستو على عرشه في سمائه من دون أرضه". فقد نقل هذا الإمام الإجماع على هذا القول ولله الحمد، وكان حافظ العجم في زمانه بلا نزاع، جمع بين علو الرواية، وتحقيق الدراية. ذكره ابن عساكر الحافظ في أصحاب أبي الحسن الأشعري. توفي في صفر سنة ثلاثين وأربعمائة، وله أربع وتسعون سنة. وكان ما بينه وبين ابن منده١ فاسدا لمسائل من العقيدة.

стр. 259

١٤٢٠- معمر بن زياد "؟ -٤١٨" ٣١٧- قال الإمام العارف شيخ الصوفية أبو منصور، معمر بن أحمد بن زياد الأصبهاني ﵀: "أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة، وأجمع ما كان عليه أهل الحديث، وأهل التصوف والمعرفة" فذكر أشياء إلى أن قال فيها: "وأن الله استوى على عرشه بلا كيف، ولا تشبيه ولا تأويل، والاستواء معقول، والكيف مجهول، وأنه بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، فلا حلول، ولا ممازجة، ولا ملاصقة، وأنه سميع بصير، عليم خبير، يتكلم ويرضى، ويسخط، ويعجب، ويضحك، ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكاً، فمن أنكر النزول أو تأويل فهو مبتدع ضال". روى معمر عن أبي القاسم الطبراني ودويه. توفي في رمضان سنة ثمان عشرة وأربعمائة. ١٤٣- أبو القاسم اللالكائي "؟ -٤١٨" ٣١٨- قال الإمام الحافظ أبو القاسم هبة الله بن الحسن الطبري الشافعي مصنف كتاب "شرح اعتقاد أهل السنة" وهو مجلد ضخم: "سياق ما روي في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وأن الله على عرشه، قال الله : ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّب﴾ وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاء﴾ وقال: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِه﴾ فدلت هذه الآيات أنه في السماء، وعلمه بكل مكان، روي ذلك عن عمر وابن مسعود وابن عباس وأم مسلمة، ومن التابعين، ربيعة وسليمان التيمي ومقاتل بن حيان. وبه قال مالك والثوري وأحمد". كان اللالكائي من أوعية العلم، ومن كبار الشافعية، مات سنة ثماني عشرة وأربعمائة.

стр. 260

٢٩٨- "شرح اعتقاد أهل السنة" "١/ ٩٠/ ١"، وكان في الأصل بعض الأخطاء صححتها منه ومن المخطوطة. ١٤٤- يحيى بن عمار "٣٣٢-٤٢٢" ٣١٩- قال الإمام أبو زكريا يحيى بن عمار السجستاني الواعظ في رسالته: "لا نقول كما قالت الجهمية: إنه تعالى مداخل للأمكنة وممازج بكل شيء، ولا نعلم أين هو؟ بل نقول: هو بذاته على العرش، وعلمه محيط بكل شيء، وعلمه وسمعه، وبصره وقدرته مدركة لكل شيء، وذلك معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ فهذا الذي قلناه هو كما قال الله وقاله رسوله". قلت: قولك "بذاته" هذا من كيسك، ولها محمل حسن ولا حاجة إليها، فإن الذي يؤول استوى يقول: أي قهر بذاته واستولى بذاته بلا معين ولا مؤازر. كان ابن عمار له جلالة عجيبة بتلك الديار، وكان يعرف الحديث، أخذ عنه شيخ الإسلام الأنصاري، وكان يروي عن عبد الله بن عدي الصابوني لا الجرجاني. مات في ذي القعدة اثنتين وعشرين وأربعمائة عن قريب من ثمانين سنة عفا الله عنه. ٢٩٩- هذا يخالف ما صرح به ابن العماد في "الشذرات" "٣/ ٢٢٦" أنه مات وله تسعون سنة. ١٤٥- القادر بالله أمير المؤمنين "٣٣٥-٤٢٢" ٣٢٠- له معتقد مشهور، قرئ ببغداد بمشهد من علمائها وأئمتها، وأنه قول أهل السنة والجماعة، وفيه أشياء حسنة، من ذلك: "وأنه خلق العرش لا لحاجة، واستوى عليه كيف شاء، لا استواء راحة، وكل صفة وصف بها نفسه، أو وصفه بها رسوله فهي صفة حقيقة لا صفة مجاز، وكلام الله غير مخلوق أنزله على رسوله"١.

стр. 261

توفي القادر بالله أحمد بن إسحاق بن المقتدر في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة. وله سبع وثمانون سنة، وكانت خلافته إحدى وأربعين سنة وثلاثة أشهر. ١٤٦- أبو عمر الطلمنكي "٣٣٩-٤٢٩" ٣٢١- قال الحافظ الإمام أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد الله الأندلسي الطلمنكي المالكي في كتاب "الوصول إلى معرفة الأصول" وهو مجلدان: "أجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ونحو ذلك من القرآن أنه علمه، وأن الله تعالى فوق السموات بذاته، مستو على عرشه كيف شاء. وقال أهل السنة في قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ : أن الاستواء من الله على عرشه على الحقيقة لا على المجاز، فقد قال قوم من المعتزلة والجهمية: لا يجوز أن يسمى الله بهذه الأسماء على الحقيقة، ويسمى بها المخلوق. فنفوا عن الله الحقائق من أسمائه وأثبتوها لخلقه. فإذا سئلوا: ما حملهم على هذا الزيغ؟ قالوا: الاجتماع في التسمية يوجب التشبيه. قلنا: هذا خروج عن اللغة التي خوطبنا بها، لأن المعقول في اللغة أن الاشتباه في اللغة لا يحصل بالتسمية، وإنما تشبيه الأشياء بأنفسها أو بهيئات فيها، كالبياض بالبياض، والسواد بالسواد، والطويل بالطويل، والقصير بالقصير، ولو كانت الأسماء توجب اشتباهاً لاشتبهت الأشياء كلها لشمول اسم الشيء لها وعموم تسمية الأشياء به، فنسألهم: أتقولون إن الله موجود؟ فإن قالوا: نعم، قيل لهم: يلزمكم على دعواكم أن يكون مشبهاً للموجودين. وإن قالوا: موجود ولا يوجب وجود الاشتباه بينه وبين الموجودات. قلنا: فكذلك هو حي، عالم، قادر، مريد، سميع، بصير، متكلم، يعني ولا يلزم "من ذلك" اشتباهه بمن اتصف بهذه الصفات. كان الطلمنكي من كبار الحفاظ، وأئمة القراء بالأندلس، عاش بضعاً

стр. 262

وثمانين سنة. وتوفي في سنة تسع وعشرين وأربعمائة. ١٤٧- أبو عثمان الصابوني "٣٧٢-٤٤٩" ٣٢٢- قال شيخ الإسلام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن النيسابوري الصابوني في رسالته في السنة: "ويعتقد أصحاب الحديث ويشهدون أن الله فوق سبع سمواته على عرشه كما نطق به كتابه, وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف لم يختلفوا أن الله على عرشه، وعرشه فوق سمواته، وإمامنا الشافعي احتج في المبسوط في مسألة إعتاق الرقبة المؤمنة في الكفارة بخبر معاوية بن الحكم، فسأل رسول الله ﷺ عن إعتاق السوداء الأعجمية فامتحنها ليعرف أهي مؤمنة أم لا، فقال لها: "أين ربك؟ فأشارت إلى السماء إذ كانت أعجمية فقال: أعتقها فإنها مؤمنة"، حكم بإيمانها لما أقرت بأن ربها في السماء، وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية". كان شيخ الإسلام الصابوني فقيهاً محدثاً وصوفياً واعظاً، كان شيخ نيسابور في زمانه، له تصانيف حسنة، سمع من أصحاب ابن خزيمة والسراج. توفي سنة تسع وأربعين وأربعمائة. وقد روى إسماعيل بن عبد الغافر أنه سمع إمام الحرمين يقول: كنت بمكة أتردد في المذاهب فرأيت النبي ﷺ فقال: عليك باعتقاد "ابن" الصابوني. ٣٠٠- قلت: أصل الحديث صحيح دون قوله "الأعجمية"، وبلفظ: "قالت في السماء" مكان "فأشارت إلى السماء". هذا هو المحفوظ من طرق في "صحيح مسلم" وغيره ولفظ "سوداء أعجمية" في سنده ضعيف ومختلط. كما تقدم بيانه في التعليق رقم "٢". ٣٠١- قلت: للإمام الصابوني رسالة نافعة مطبوعة في "مجموعة الرسائل المنيرية" "١/ ١٠٥-١٣٥" بعنوان عقيدة السلف وأصحاب الحديث"، فظننت بادي الرأي أنها هي التي عناها المصنف بقوله "رسالته في السنة"، ولكني لما رجعت إليها، ولم أر فيها من هذا النص الذي نقله المصنف عن "الرسالة" إلا قوله "ص١٠٩-١١٠": "ويعتقد أهل الحديث، ويشهدون أن الله فوق سبع سماوت على

стр. 263

عرشه كما نطق به كتابه". دون ما بعده من قوله: "وعلماء الأمة ... " إلخ. قلت: فلما لم أر فيها إلا هذا ظننت أن "العقيدة" المطبوعة هي غير "الرسالة". والله أعلم. ١٤٨- الفقيه سليم "؟ - ٤٤٧" ٣٢٣- قال الإمام المفسر أبو الفتح سليم بن أيوب الرازي في تفسيره في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ : "قال أبو عبيدة: علا. وقال غيره: استقر"١. وذكر قوله تعالى: "ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العرش" قال: "استوى في اليوم السابع". وهكذا سائر تفسيره على الإثبات لا على النفي. وكان إماماً علامة، تفقه بالشيخ أبي حامد الإسفراييني، وسمع من أصحاب إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي وابن أبي حاتم، وصنف التصانيف، وحمل عنه الفقيه نصر المقدسي وغيره. توفي سنة سبع وأربعين وأربعمائة. ١٤٩- أبو نصر السجزي "؟ -٤٤٤" ٢٤٣- وقال الحافظ الحجة أبو نصر عبيد الله بن سعيد الوائلي السجزي في كتاب "الإبانة" الذي ألفه في السنة" "أئمتنا كسفيان الثوري، ومالك، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، والفضيل، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق متفقون على أن الله سبحانه بذاته فوق العرش، وعلمه بكل مكان، وأنه ينزل إلى السماء

стр. 264

الدنيا، وأنه يغضب، ويرضى، ويتكلم بما شاء". قلت: هذا الذي نقله عنهم مشهور محفوظ، سوى كلمة "بذاته" فإنها من كيسه نسبها إليهم بالمعنى، ليفرق بين العرش وبين ما عداه من الأمكنة. أبو نصر حافظ مجود، روى عن أصحاب المحاملي وطبقتهم، وهو راوي الحديث المسلسل بالأولية. مات في سنة أربع وأربعين وأربعمائة. ٣٠٢- قلت: هو الحديث المتقدم برقم "٤": الراحمون يرحمهم الرحمن ... " وقد خرجته هناك غير مسلسل بالأولية، وإنما يروى هكذا في بعض الأجزاء الحديثية من طرق عن أبي نصر وغيره، فانظر إن شئت المجموع" ٢٥ ق٢٣/ ٢-٢٤/ ١" والمجموع "٥١ ق١٠٥/ ١-٩/ ٢" والمجموع "٥٢ ق١٣١/ ١-١٣٢/ ٢". ١٥٠- أبو عمرو الداني "٣٧١-٤٤٤" ٣٢٥- قال الحافظ إمام القراء أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني صاحب "التيسير" في أرجوزته التي في عقود الديانة: كلم موسى عبده تكليماً ... ولم يزل مدبراً حكيماً كلامه وقوله قديم ... وهو فوق عرشه العظيم والقول في كتابه المفضل ... بأنه كلامه المنزل على رسوله النبي الصادق ... ليس بمخلوق ولا بخالق توفي الداني في شوال سنة أربع وأربعين وأربعمائة بـ"دانية" من الأندلس، ومشى السلطان أمام نعشه، وأكبر شيخ أدركه أبو مسلم الكاتب، خاتمة أصحاب البغوي. ١٥١- ابن عبد البر "٣٦٨-٤٦٣" ٣٢٦- قال الإمام العلامة، حافظ المغرب، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري الأندلسي -صاحب "التمهيد" و"الاستذكار"

стр. 265

و"الاستيعاب" و"العلم" والتصانيف النفيسة -لما انتهى إلى شرح حديث النزول من الموطأ: "هذا حديث صحيح لم يختلف أهل الحديث في صحته، وفيه دليل على أن الله تعالى في السماء على العرش فوق سبع سموات، كما قال الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة، وهذا أشهر عند العامة والخاصة، وأعرف من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته، لأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم". ٣٢٧- وقال أبو عمر أيضاً١: "أجمع علماء الصحابة والتابعين الذي حمل عنهم التأويل، قالوا في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ : هو على العرش، وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله". ٣٠٣- قلت: في هذا النص رد صريح لما ذهب إليه الإمام الشوكاني في آخر "تحفته" "ص٩٥-٩٦" المجموعة المنيرية ج٢" أن تأويل هذه الآية وآية ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ بالمعية العلمية إنما هو شعبة من شعب التأويل المخالف لمذهب السلف وما كان عليه الصحابة والتابعون وتابعوهم. كذا قال، وكأنه لم يقف على هذا النص من الحافظ ابن عبد البر، ولا على ما سبق من القول عن الأئمة الفحول كسفيان الثوري ومالك ومقاتل بن حيان الذي فسروا الآيتين بمثل ما نقل ابن عبد البر إجماع الصحابة ومن بعدهم عليه، فلا تغتر إذن بما زعمه الشوكاني من المخالفة، فإن لكل عالم زلة، ولك جواد كبوة. ٣٢٨- وقال أيضاً: "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة في الكتاب والسنة، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لم يكيفوا شيئاً من ذلك، وأما

стр. 266

الجهمية والمعتزلة والخوارج فكلهم ينكرها، ولا يحمل منها شيئاً على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أقر بها نافون للمعبود". صدق والله، إن من تأول سائر الصفات، وحمل ما ورد منها على مجاز الكلام، أداه ذلك السلب إلى تعطيل الرب، وأن يشابه المعدوم، كما نقل عن حماد بن زياد أنه قال: "مثل الجهمية كقوم قالوا: في دارنا نخلة، قيل: لها سعف؟ قالوا: لا، قيل: فلها كرب١؟ قالوا: لا، قيل: لها رطب وقنو٢ قالوا: لا. قيل: فلها ساق؟ قالوا: لا، قيل: فما في داركم نخلة". قلت: كذلك هؤلاء النفاة قالوا: إلهنا الله تعالى، وهو لا في زمان ولا في مكان، ولا يُرى، ولا يسمع، ولا يبصر، ولا يتكلم، ولا يرضى، ولا يغضب، ولا يريد، ولا، ولا ... وقالوا: سبحان المنزع عن الصفات! بل نقول: سبحان الله "العلي" العظيم السميع البصير، المريد، الذي كلم موسى تكليماً، واتخذ إبراهيم خليلاً، ويرى في الآخرة، المتصف بما وصف به نفسه، ووصفه به رسله، المنزه عن سمات المخلوقين، وعن جحد الجاحدين، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. ولقد كان أبو عمر ابن عبد البر من بحور العلم، ومن أئمة الأثر، قل أن ترى العيون مثله، وكان عالي الإسناد، لقي أصحاب ابن الأعرابي وإسماعيل الصفار، وروى المصنفات الكبار، واشتهر فضله في الأقطار. مات سنة ثلاث وستين وأربعمائة عن ست وتسعين سنة. ١٥٢- القاضي أبو يعلى "٣٨٠-٤٥٨" ٣٢٩- قال عالم العراق أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء البغدادي الحنبلي

стр. 267

في كتاب "إبطال التأويل" له: "لا يجوز رد هذه الأخبار، ولا التشاغل بتأويلها، والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات لله ، لا تشبه بسائر صفات الموصوفين بها من الخلق". قال: "ويدل على إبطال التأويل أن الصحابة ومن بعدهم حملوها على ظاهرها، ولم يتعرضوا لتأويلها، ولا صرفها عن ظاهرها، فلو كان التأويل سائغاً لكانوا إليه أسبق، لما فيه من إزالة التشبيه". يعني على زعم من قال: إن ظاهرها تشبيه. قلت: المتأخرون من أهل النظر قالوا مقالة مولدة، ما علمت أحداً سبقهم بها. قالوا: هذه الصفات تمر كما جاءت ولا تؤول، مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد، فتفرع من هذا أن الظاهر يعني به أمران: أحدهما: أنه لا تأويل لها غير دلالة الخطاب كما قال السلف: الاستواء معلوم. وكما قال سفيان وغيره١: قراءتها تفسيرها، يعني أنها بينة واضحة في اللغة لا يبتغي لها مضايق التأويل والتحريف. وهذا هو مذهب السلف، مع اتفاقهم أيضاً أنها لا تشبه صفات البشر بوجه، إذ الباري لا مثل له، لا في ذاته، ولا في صفاته. الثاني: أن ظاهرها [هو الذي يتشكل في الخيال من الصفة، كما يتشكل في الذهن من وصف البشر، فهذا غير مراد، فإن الله تعالى فرد صمد، ليس له نظير، وإن تعددت صفاته فإنها حق، ولكن ما لها مثل ولا نظير، فمن ذا الذي عاينه ونعته لنا؟ ومن ذا الذي يستطيع أن ينعت لنا كيف سمع كلامه؟ والله إنا لعاجزون كالون حائرون باهتون في حد الروح التي فينا، وكيف تعرج كل ليلة إذا توفاها بارئها، وكيف يرسلها، وكيف تستقل بعد الموت؟ وكيف حياة

стр. 268

الشهيد المرزوق عند ربه بعد قتله؟ وكيف حياة النبيين الآن؟ وكيف شاهد النبي ﷺ أخاه موسى يصلي في قبره قائماً؟ ثم رآه في السماء السادسة وحاوره، وأشار عليه بمراجعة رب العالمين، وطلب التخفيف منه على أمته؟ وكيف ناظر موسى أباه آدم، وحجه آدم بالقدر السابق، وبأن اللوم بعد التوبة وقبولها لا فائدة فيه؟ وكذلك نعجز عن وصف هيأتنا في الجنة، ووصف الحور العين، فكيف بنا إذا انتقلنا إلى الملائكة وذواتهم وكيفيتها، وأن بعضهم يمكنه أن يلتقم الدنيا في لقمة مع رونقهم وحسنهم وصفاء جوهرهم النوراني، فالله أعلى وأعظم، وله المثل الأعلى والكمال المطلق، ولا مثل له أصلاً ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُون﴾ . ٣٣٠- وقال القاضي أبو يعلى أيضاً بعد أن ذكر حديث الجارية: "الكلام في هذه الخبر في فصلين: أحدهما: جواز السؤال عن الله تعالى سبحانه بـ"أين هو؟ " والثاني: جواز الإخبار عنه بأنه في السماء، وقد أخبرنا تعالى أنه في السماء فقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاء﴾ وهو على العرش". وسرد كلاما طويلاً، لكنه ساق أحاديث ساقطة لا يسوغ أن يثبت بمثلها لله صفة. وكان آية في معرفة مذهب الإمام أحمد، صنف التصانيف الفائقة، وتوفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وكان عالي الإسناد، سمع من علي بن عمر الحربي وطائفة، وعاش نيفاً وثمانين سنة. ١٥٣- البيهقي "٣٨٤-٤٥٨" ٣٣١- قال الإمام شيخ الإسلام أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي صاحب التصانيف في كتاب "المعتقد" له: "باب القول في الاستواء" قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وقال: "ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ"، و ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِه﴾ ، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم

стр. 269

مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاء﴾ وأراد من فوق السماء كما قال تعالى: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْل﴾ "بمعنى على جذوع النخل"١ وقال: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْض﴾ أي: على الأرض، وكل ما علا فهو سماء، والعرش أعلى السماوات، فمعنى الآية: آآمنتم من على العرش، كما صرح به في سائر الآيات. وفيما كتبناه من الآيات دلالة على إبطال قول من زعم من الجهمية بأن الله بذاته في كل مكان. وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ إنما أراد بعلمه لا بذاته٢". شهرة البيهقي وجلالته في الإسلام تغني عن التعريف به، عاش أربعاً وسبعين سنة، ولحق أصحاب الحافظ أبي حامد بن الشرقي. توفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. ١٥٤- الخطيب "٣٩٢-٤٦٣" ٣٣٢- قال المبارك بن علي الصيرفي في كتابه: أنبأنا محمد بن مرزوق الزعفراني، أنبأنا الحافظ أبو بكر الخطيب ﵀ قال: "أما الكلام في الصفات٣، فأما ما روي منه في السنن الصحاح فمذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها. والأصل في "هذا" أن الكلام في الصفات فرع علي الكلام في الذات، ونحتذي في ذلك حذوه ومثاله، وإذا كان معلوما "أن" إثبات رب العالمين، إنما هو إثبات وجود، لا إثبات تحديد وتكييف، فكذلك إثبات صفاته، إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف. فإذا قلنا: يد، وسمع، وبصر، فإنما هو إثبات صفات أثبتها الله لنفسه، ولا نقول: أن معنى اليد القدرة، ولا إن معنى السمع والبصر، العلم. ولا نقول: إنها جوارح وأدوات للفعل، ولا نشبهها بالأيدي والأسماع

стр. 270

والأبصار، التي هي جوارح وأدوات للفعل، ونقول: إنما وجب إثباتها لأن التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد﴾ . وقال نحو هذا القول قبل الخطيب أحد الأعلام، وهذا الذي علمت من مذهب السلف، والمراد بظاهرها، أي: لا باطن لألفاظ الكتاب والسنة غير ما وضعت له، كما قال مالك وغيره: الاستواء معلوم. وكذلك القول في السمع والبصر والعلم والكلام والإرادة والوجه ونحو ذلك، هذه الأشياء معلومة، فلا تحتاج إلى بيان وتفسير، لكن كيف في جميعها مجهول عندنا، والله أعلم. وقد كان الخطيب ﵀ الدارقطني الثاني، لم يكن ببغداد بعده مثله في معرفة هذا الشأن، توفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة، وأول سماعاته بعد الأربعمائة. ٣٠٤- ذكره المصنف باختصار وهو بتمامه في رسالة "الصفات" للخطيب البغدادي ﵀، المحفوظة في دار الكتب الظاهرية حرسها "مجموع ١٦/ ٤٣-٤٤".

стр. 271

طبقة أخرى ١٥٥- الفقيه نصر المقدسي "نحو ٤١٠-٤٩٠" ٣٣٣- قال الإمام الزاهد شيخ الإسلام أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الشافعي في كتاب "الحجة" له -وهو مجلد في السنة:- "وأن الله تعالى مستو على عرشه، بائن من خلقه، كما قال في كتابه". كان الفقيه نصر سيد أهل الشام في وقته علما وعملا، وكان يتقوت باليسير، يخبز في جنب الكانون قرصاً يفطر عليه. قال: درست على الفقيه سليم الفقه من سنة سبع وثلاثين إلى سنة أربعين، كتبت عنه تعليقته في ثلاثمائة جزء، وما كتبت حرفا إلا وأنا على وضوء، وقد نزل إليه السلطان تتش بدمشق فلم يقم له، ونفذ إليه بمال من الجزية فرده، أخذ عنه الغزالي والكبار، ومات في سنة تسعين وأربعمائة. ١٥٦- إمام الحرمين "٤١٨-٤٧٨" ٣٣٤- قال الإمام عالم الشرق أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني الشافعي في كتاب "الرسالة النظامية": "اختلف مسالك العلماء في هذه الظواهر، فرأى بعضهم تأويلها والتزم ذلك في آي الكتاب وما يصح من السنن، وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب . والذي نرتضيه رأيا وندين الله به عقيدة، اتباع سلف الأمة، والدليل القاطع السمعي في ذلك، وأن إجماع الأمة حجة متبعة، فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغاً أو محتوماً، لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة،

стр. 272

وإذا انصرم عصر الصحابة والتابعين على الإضراب عن التأويل، كان ذلك هو الوجه المتبع، فلتجر آية الاستواء وآية المجيء وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي﴾ على ذلك"١. ٣٣٥- قال الحافظ الحجة عبد القادر الرهاوي: سمعت عبد الرحيم بن أبي الوفا الحاجي يقول: سمعت محمد بن طاهر المقدسي يقول: سمعت الأديب أبا الحسن القيرواني بنيسابور يقول: -وكان يختلف إلى دروس الأستاذ أبي المعالي الجويني يقرأ عليه الكلام- يقول: سمعت الأستاذ أبا المعالي اليوم يقول: "يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ لي ما بلغ ما اشتغلت به". ٣٠٥- قلت: وإسناده صحيح مسلسل بالحفاظ إلى الأديب أبي الحسن القيرواني وأما هذا فلم أعرفه الآن. ٣٣٦- وقال الفقيه أبو عبد الله الرستمي الذي أجاز لكريمة: حكى لنا الإمام أبو الفتح محمد بن علي الفقيه قال: دخلنا على الإمام أبي المعالي ابن الجويني نعوده في مرض موته فأقعده، فقال لنا: "اشهدوا علي أني قد رجعت عن كل ما مقالة قلتها أخالف فيها ما قال السلف الصالح، وإني أموت على ما تموت عليه عجائز نيسابور". قلت: هذا معنى قول بعض الأئمة: عليكم بدين العجائز، يعني أنهن مؤمنات بالله على فطرة الإسلام، لم يدرين ما علم الكلام. وقد كان شيخنا العلامة أبو الفتح القشيري٢ ﵀ يقول: تجاوزت حد الأكثرين إلى العلا ... وسافرت واستبقيتهم في المفاوز

стр. 273

وخضت بحاراً ليس يدرك قعرها ... وسيرت نفسي في قسيم١ المفاوز ولججت في الأفكار ثم تراجع أخـ ... تياري إلى استحسان دين العجائز ٣٠٦- قلت: ومن شعر أبي المعالي ﵀: نهاية إقدام العقول عقال ... وغاية آراء الرجال ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وغاية دنيانا أذى ووبال ومن قوله: "قرأت خمسين ألفا، في خمسين ألفا، ثم حلبت أهل الإسلام بإسلامهم فيها وعلومهم الظاهرة، وركبت البحر الخضم، وغصت في الذي نهى أهل الإسلام عنه "قلت: كأنه يعني علم الكلام" كل ذلك في طلب الحق، وهو يأمن التقليد "قلت: فكيف يكون حال الغارق في التقليد والموجب له؟! "، والآن رجعت من العمل إلى كلمة الحق: "عليكم بدين العجائز"، فإن لم يدركني الحق بلطفه، وأموت على دين العجائز، وتختم عاقبة أمري على الحق وكلمة الإخلاص، وإلا فالويل لابن الجويني". نقلته من "شذرات الذهب" "٣/ ٣٦١-٣٦٢". ٣٠٧- قلت: يشير المؤلف رحمه الله تعالى إلى أن ليس بحديث وإن اشتهر على الألسنة عند بعض الفقهاء، أنه حديث الغزالي، وفي كلام المترجم نفسه الذي نقلته آنفا عن "الشذرات" ما يشعر بذلك فتنبه، وانظر الكلام عليه في كتابي "الأحاديث الضعيفة والموضوعة" "٥٣". ٣٣٧- قال أبو منصور بن الوليد الحافظ في رسالة له إلى الزنجاني: أنبأنا عبد القادر الحافظ بحران، أنبأنا الحافظ أبو العلاء، أنبأنا أبو جعفر بن أبي علي الحافظ فقال: سمعت أبا المعالي الجويني وقد سئل عن قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ؟ فقال: "كان الله ولا عرش -وجعل يتخبط في الكلام- فقلت: قد علمنا ما أشرت إليه، فهل عندك للضرورات من حيلة؟ فقال: ما نريد بهذا القول وما

стр. 274

تعني بهذه الإشارة؟ فقلت: ما قال عارف قط يا رباه إلا قبل أن يتحرك لسانه، قام من باطنه قصد لا يلتفت يمنة ولا يسرة يقصد الفوق، فهل لهذا القصد الضروري عند من حيلة؟ فنبئنا نتخلص من الفوق والتحت، وبكيت وبكى الخلق، فضرب الأستاذ بكمه على السرير وصاح: يا للحيرة، وخرق ما كان عليه وانخلع، وصارت قيامة في المسجد، ونزل، ولم يجبني إلا: يا حبيبي الحيرة الحيرة، والدهشة الدهشة". فسمعت بعد ذلك أصحابه يقولون: سمعناه يقول: حيرني الهمداني. توفي إمام الحرمين في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، وله ستون سنة. وكان من بحور العلم في الأصول والفروع، يتوقد ذكاء. ٣٠٨- قلت: وإسناد هذه القصة صحيح مسلسل بالحفاظ، وأبو جعفر اسمه محمد بن أبي علي الحسن بن محمد الهمداني مات سنة "٥٣١"، وقد وصفه ابن تيمية في "مجموعة الفتاوى" "٤/ ٤٤" بـ"الشيخ العارف". ويبدو لي أن هذه الحيرة كانت قبل استقرار عقيدة أبي المعالي الجويني على المذهب السلفي، بل لعلها كانت المنطلق إلى هذا الاستقرار الذي أبان عنه فيما سبق من كلامه في "الرسالة النظامية". وما أشبه حال بحال أبيه العلامة أبي محمد عبد الله بن يوسف الجويني، فقد كان برهة من الدهر متحيرا في هذه المسألة "الأستواء" وسواها من مسائل الصفات. بسبب تأثره بعلم الكلام الذي تلقاه عن شيوخه. ثم استقر أمره -والحمد لله- على العقيدة السلفية فيها، كما شرح ذلك هو نفسه أحسن الشرح في رسالته القيمة في "إثبات الاستواء والفوقية" وهي مطبوعة في المجلد الأول من "مجموعة الرسائل المنيرية" "ص١٧٠-١٨٧". وإني لأستغرب كيف فات ذكر هذا الإمام على الحافظ الذهبي في جملة هؤلاء الأئمة الأعلام الذي قالوا بقول السلف في هذه المسألة الهامة. ولك جل من لا ينسى. ١٥٧- سعد الزنجاني "٣٨١-٤٧١" ٣٣٨- كان الإمام أبو القاسم سعد بن علي الزنجاني الحافظ المجاور بمكة له حرمة عظيمة بالحرم، بحيث أنه إذا خرج من منزله يقلبون يده أكثر مما يقبلون

стр. 275

الحجر، وهو صاحب القصيدة الرائية في السنة أولها: تمسك بحبل الله واتبع الأثر ... ودع عنك رأيا لا يلائمه خبر وكان من دعاة السنة، وأعداء البدعة، توفي سنة إحدى وسبعين وأربعمائة. ١٥٨- شيخ الإسلام الأنصاري "٣٩٦-٤٨١" ٣٣٩- قال الإمام الكبير أبو إسماعيل عبد الله بن محمد بن مت الأنصاري الهروي صاحب كتاب "ذم الكلام وأهله" وكتاب "منازل السائرين" في التصوف، في كتاب "الصفات" له: "باب استواء الله على عرشه فوق السماء السابعة بائنا من خلقه من الكتاب والسنة". فساق حججه من الآيات والحديث إلى أن قال: "وفي أخبار شتى أن الله في السماء السابعة على العرش بنفسه، وهو ينظر كيف يعملون، وعلمه وقدرته واستماعه ونظره ورحمته في كل مكان". كان أبو إسماعيل آية في التفسير، رأساً في التذكير، عالماً بالحديث وطرقه، بصيراً باللغة، صاحب أحوال ومقامات، فياليته لا ألف كتاب "المنازل" ففيه أشياء منافية للسلف وشمائلهم. قيل إنه عقد على تفسير ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ ثلاثمائة وستين مجلساً، وقد هدد بالقتل مرات ليقصر من مبالغته في إثبات الصفات، وليكف عن مخالفيه من علماء الكلام، فلم يرعو لتهديديهم، ولا خاف من وعيدهم. ومات سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، وله خمس وثمانون سنة سمع من عبد الجبار الجراح وأبي سعيد الصيرفي وطبقتهما. ٣٠٩- قلت: وهو كتابه المعروف بـ"الفاروق". ٣١٠- قلت: تجد أمثلة من ذلك في كتب ابن تيمية ﵀، ومنها رسالته في القضاء والقدر. قال المؤلف في "التذكرة" "٣/ ٣٥٥".

стр. 276

"ورأيت أهل الاتحاد "يعني الصوفية القائلين بوحدة الوجود" يعظمون كلامه في "منازل السائرين"، ويدعون أنه موافقهم، ذائق لوجدهم، ورامز لتصوفهم الفلسفي! وأنى يكون ذلك وهو من دعاة السنة، وعصبته آثار السلف، ولا ريب أن في "منازل السائرين" أشياء من محض المحو والفناء، وإنما مراده بذلك الفناء، الغيبة عن شهود السوى، ولم يرد عدم السوى في الخارج. وفي الجملة هذا الكتاب لون آخر غير الأنموذج الذي أطبق عليه صوفية التابعين، ودرج عليه نساك المحدثين، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم". ٣١١- قلت: هذا هو الموافق لسنة ميلاده التي وضعتها بجانب اسم المترجم نقلا عن "التذكرة" للمؤلف رحمه الله تعالى، وهو مخالف لما في "الشذرات" "٣/ ٣٦٥" أنه توفي وله ثمانون سنة. والله أعلم. ١٥٩- القيرواني "؟ -؟ " ٣٤٠- قال الإمام أبو بكر محمد بن الحسن الحضرمي١ القيرواني المتكلم صاحب رسالة "الإيماء إلى مسألة الاستواء" فساق فيها قول أبي جعفر محمد بن جرير، وأبي محمد بن أبي زيد، والقاضي عبد الوهاب، وجماعة من شيوخ الفقه والحديث إن الله سبحانه مستو على العرش بذاته. قال: "وأطلقوا في بعض الأماكن أنه فوق عرشه. ثم قال: وهذا هو الصحيح الذي أقول به من غير تحديد، ولا تمكن في مكان، ولا كون فيه ولا مماسة". قلت: سلب هذه الأشياء وإثباتها مداره على النقل، فلو ورد شيء بذلك نطقنا به وإلا فالسكوت والكف أشبه بشمائل السلف، إذ التعرض لذلك نوع من الكيف وهو مجهول، وكذلك نعوذ بالله أن نثبت استواءه بمماسة أو تمكن بلا توقيف ولا أثر، بل نعلم من حيث الجملة أنه فوق عرشه كما ورد النص. ٣١٢- قلت: وهذا هو الذي عناه صاحب قصيدة "بدء الأمالي"، بقوله فيها: "ورب العرش فوق العرش لكن بلا وصف التمكن واتصال".

стр. 277

وهي تمثل عقيدة الماتريدية الحنفية، ولكن جمهورهم اليوم -بفضل علم الكلام- صاروا لا يعتقدونها! ١٦٠- "ابن أبي كدية التيمي؟ -؟ " ٣٤١- وقال السلفي في "معجم بغداد": سألت أبا عبد الله محمد بن أبي بكر التيمي القيرواني ابن أبي كدية المتكلم الأشعري عن الاستواء فقال: "من أصحابنا من قال: المراد به العلو، ومنهم من قال: القصد، ومنهم من قال: الاستيلاء، ومن أصحابنا المتقدمين من ذهب إلى أنه يحمل على ما ورد به ولا يفسر. وهو أحد الوجهين عن أبي الحسن". ١٦١- البغوي "نحو ٤٣٦-٥١٦" ٣٤٢- قال الإمام محي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الشافعي صاحب "معالم التنزيل"١ عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش﴾ : "قال الكلبي ومقاتل: استقرز وقال أبو عبيدة: صعد". قلت: لا يعجبني قوله: استقر. بل أقول كما قال مالك الإمام: الاستواء معلوم. ثم قال البغوي: "وأولت المعتزلة الاستواء بالاستيلاء، وأما أهل السنة فيقولون: الاستواء على العرش صفة الله بلا كيف، يجب الإيمان به". ٣٤٣- وقال فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: "ثُمَّ اسْتَوَى إلى السماء": "قال ابن عباس وأكثر مفسري السلف: ارتفع إلى السماء". وقال في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ : الأولى في هذه الآية وما شاكلها أن يؤمن الإنسان بظاهرها ويكل علمها إلى الله، وبعتقد أن الله منزه عن سمات الحدوث، على ذلك مضت أئمة السلف وعلماء السنة". وقال في ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ :

стр. 278

"أي من سرار ثلاثة إلا هو رابعهم بالعلم". كان محيي السنة من كبار أئمة المذهب. زاهداً، ورعاً، متعبداً، ألف كتاب "التهذيب" في المذهب فأتقنه. وصنف كتاب "شرح السنة"١. توفي سنة ست عشرة وخمسمائة، وقد قارب الثمانين. ١٦٢- أبو الحسن الكرجي "٤٥٨-٥٣٢" ٣٤٤- قال العلامة أبو الحسن "محمد بن عبد الملك"٢ الشافعي صاحب شيخ الإسلام الهروي في عقيدته المشهورة، أولها: عقيدة أصحاب الحديث فقد سمت ... بأرباب دين الله أسنى المراتب عقائدهم أن الإله بذاته ... على عرشه مع علمه بالغوائب وأن استواء الرب يعقل كونه ... ويجهل فيه الكيف جهل الشهارب٢ وهذه القصيدة طويلة أزيد من مائتي بيت. وكان ناظمها الكرجي من كبار الفقهاء الشافعية. مات سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة. ٣١٣- قلت: وهو من الفقهاء المتحررين من الجمود المذهبي، فقد جاء في ترجمته من "الشذرات" ما نصه: "وكان لا يقنت في الفجر، ويقول: لم يصح في ذلك حديث، وقد قال الشافعي: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط". والحديث الذي أشار إلى تضعيفه، قد كنت خرجته في "الضعيفة" "١٢٣٩" فراجعه. ١٦٣- أبو القاسم التيمي "٤٥٧-٥٣٥" ٣٤٥- قال الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي

стр. 279

الطلحي الأصبهاني مصنف "الترغيب والترهيب"١ وقد سئل عن صفات الرب فقال: "مذهب مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وأحمد ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وإسحاق بن راهويه، أن صفات الله التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله من السمع والبصر والوجه واليدين وسائر أوصافه، إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور، من غير كيف يتوهم فيها، ولا تشبيه ولا تأويل، قال ابن عيينة: كل شيء وصف الله به نفسه فقراءته تفسير. ثم قال: أي هو على ظاهره لا يجوز صرفه إلى المجاز بنوع من التأويل". توفي حافظ وقته أبو القاسم في سنة خمس وثلاثين وخمسمائة. ١٦٤- ابن موهب "؟ -؟ " ٣٤٦- قال العلامة أبو بكر محمد بن موهب المالكي في شرحه لرسالة الإمام أبي محمد بن أبي زيد: "أما قوله: "إنه فوق عرشه المجيد بذاته" فمعنى فوق وعلى عند جميع العرب واحد. وفي الكتاب والسنة تصديق ذلك، وهو قوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش﴾ ، وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ، وقال: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِم﴾ . وساق حديث الجارية والمعراج إلى سدرة المنتهى، إلى أن قال: "وقد تأتي لفظة "في" في لغة العرب بمعنى فوق، كقوله: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ و ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْل﴾ و ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاء﴾ قال أهل التأويل٢: يريد فوقها، وهو قول مالك مما فهمه عمن أدرك من التابعين مما

стр. 280

فهموه عن الصحابة، مما فهموه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أن الله في السماء، يعني فوقها وعليها، فلذلك قال الشيخ أبو محمد: "أنه فوق عرشه" ثم بين أن علوه فوق عرشه إنما هو بذاته لأنه تعالى بائن عن جميع خلقه بلا كيف وهو في كل مكان بعلمه لا بذاته. "إذ"١ لا تحويه الأماكن، لأنه أعظم منها، قد كان ولا مكان". ثم سرد كلاماً طويلاً إلى أن قال: "فلما أيقن المنصفون إفراد ذكره بالاستواء على عرشه بعد خلق سمواته وأرضه، وتخصيصه بصفة الاستواء، علموا أن الاستواء هنا غير الاستيلاء ونحوه، فأقروا بوصفه بالاستواء على عرشه، وأنه على الحقيقة لا علي المجاز، لأنه الصادق في قيله، ووقفوا عن تكييف ذلك وتمثيله، إذ ليس كمثله شيء". ١٦٥- "القاضي العلامة أبو بكر بن العربي ٤٦٨-٥٤٣" ٣٤٧- ذكر في تفسير سورة الأحزاب في قوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِك﴾ قال: "فهذا مُحَمَّدٍ ﷺ ما عصى ربه لا حال الجاهلية، ولا بعدها، تكرمة من الله وتفضيلا وجلالا، أحله به المحل الرفيع، ليصلح أن يقعد معه على كرسيه للفصل بين "الخلق في"٢ القضاء يوم الحق". وذكر فصلا طويلا، وما علمت للقاضي مستندا في قوله هذا سوى مجاهد والله أعلم. وابن العربي من كبار أئمة الأندلس، رحل ولحق مثل طراد الذينبي والكبار، وقد سارت بتصانيفه الركبان. توفي سنة بضع وأربعين وخمسائة.

стр. 281

١٦٦- الشيخ عبد القادر "٤٧١-٥٦٢" ٣٤٨- قال شيخ الإسلام سيد الوعاظ أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح بن جنكي دوست الجيلي شيخ العراق في كتاب "الغنية" له، وهو مجلد: "أما معرفة الصانع بالآيات والدلائل على وجه الانتصار، فهو أن يعرف ويتيقن أن الله واحد أحد" إلى أن قال: "وهو مستو على العرش، محتو على الملك، محيط علمه بالأشياء ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان، وينبغي إطلاق ذلك من غير تأويل، وكونه تعالى على العرش فمذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل، بلا كيف". سمعت الحافظ أبا الحسين يقول: سمعت الشيخ عز الدين بن عبد السلام بمصر يقول: ما نعرف أحداً كراماته١ متواترة كالشيخ عبد القادر ﵀. توفي في سنة إحدى وستين وخمسمائة. ١٦٧- الشيخ أبو البيان "؟ -٥٥١" كان الشيخ الإمام القدوة أبو البيان "بنابن" محمد بن محفوظ السلمي الحوراني ثم الدمشقي الشافعي اللغوي شيخ الفقراء البيانية لهجاً بإثبات الصفات، منافراً لذوي الكلام، ذاماً للنفاة، له أشياء في هذا المعنى. ٣٤٩- أخبرنا عبد الخالق بن عبد السلام القاضي، أخبرنا الإمام أبو محمد ابن قدامة، قال: حدثني أبو المعالي أسعد بن المنجا قال: كنت يوماً عند الشيخ أبي البيان رحمه الله تعالى فجاءه ابن تميم الذي يدعي الشيخ الأمين، فقال له الشيخ بعد كلام جرى بينهما: ويحك، الحنابلة إذا قيل

стр. 282

لهم: ما الدليل على أن القرآن بحرف وصوت؟ ١ قالوا: قال الله كذا، وقال رسوله كذا، وسرد الشيخ الآيات والأخبار، وأنتم إذ قيل لكم: ما الدليل على أن القرآن معنى "قائم" في النفس؟ قلتم: قال الأخطل "إن الكلام لفي الفؤاد" إيش هذا الأخطل؟! نصراني خبيث بنيتم مذهبكم على بيت شعر من قوله، وتركتم الكتاب والسنة!. قال أبو محمد الخشاب نحوي العراق: فتشت شعر الأخطل المدون كثيراً فما وجدت هذا البيت٢. قلت: مسألة الكلام لها موضع آخر وهي غامضة، لكن يكفي المسلم أن يؤمن بالقرآن العظيم -جل منزله- أنه كلام الله غير مخلوق، وأنه عين ما تكلم به منشيه ومبتديه ، مع اعترافنا بأن تلاوتنا له وأصواتنا وتلفظنا به مخلوق، وتكلم الرب به صفة من صفاته التي من لوازم ذاته المقدسة، فلا يعلم كيفية ذلك، وكلمات الله لا تنفد ولو كان البحر مداداً لها، ويمده من بعده سبعة أبحر، فكلامه من علمه، وعلمه لا يتناهى، فلا نحيط بشيء من علمه إلا بما شاء. توفي الشيخ أبو البيان في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة. ٣١٤- قلت: إسناده جيد، فأبو المعالي أسعد ويسمى محمد بن المنجا من فقهاء الحنابلة البارعين، سمع منه جماعة منهم الحافظ المنذري، وأخذ عنه الفقه الموفق. مات سنة "٦٠٦".

стр. 283

وأبو محمد بن قدامة الإمام المقدسي أشهر من يذكر. وعبد الخالق بن عبد السلام هو أبو محمد البعلبكي، فقيه عالم ذو حظ من عبادة وتواضع مات سنة "٦٩٦" وله "٩٣" سنة. ١٦٨- القرطبي "؟ -٦٧١" الإمام العلامة أبو عبد الله القرطبي صاحب التفسير الكبير. ٣٥٠- قال في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش﴾ : "هذه مسألة قد بينا فيها كلام العلماء في كتاب "الأسنى في شرح الأسماء الحسنى" وذكرنا فيها أربعة عشر قولاً، إلى أن قال: وقد كان السلف الأول ﵃ لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أن استواءه على عرشه حقيقة، وخص عرشه بذلك لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء، فإنه لا يعلم حقيقة كيفيته. قال الإمام مالك: الاستواء معلوم، يعني في اللغة، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة". وقال القرطبي أيضاً في "الأسنى": "الأكثر من المتقدمين والمتأخرين -يعني المتكلمين- يقولون: إذا أوجب تنزيه الباري ﷻ عن الجهة والتميز فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عند عامة العلماء المتقدمين، وقادتهم المتأخرين تنزيه الباري عن الجهة، فليس لجهة فوق عندهم، لأنه يلزم من ذلك عندهم أنه متى اختص بجهة أن يكون في مكان وحيز، ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون للتميز والتغير والحدوث. هذا قول المتكلمين". قلت: نعم هذا ما اعتمده نفاة علو الرب ، وأعرضوا عن مقتضى الكتاب والسنة وأقوال السلف وفطر الخلائق. و"إنما" يلزم ما ذكره في حق الأجسام، والله تعالى لا مثل له، ولازم صرائح النصوص حق، ولكنا لا نطلق عبارة إلا بأثر. ثم نقول: لا نسلم "أن" كون الباري على عرشه فوق السموات

стр. 284

يلزم منه أنه في حيز وجهة، إذ ما دون العرش يقال فيه حيز وجهات، وما فوقه فليس هو كذلك، والله فوق عرشه كما أجمع عليه الصدر ونقله عنهم الأئمة. وقالوا ذلك رادين على الجهمية القائلين بأنه في كل مكان محتجين بقوله "وهو معكم" فهذان القولان هما اللذان كانا في زمن التابعين وتابعيهم، وهما قولان معقولان في الجملة. فأما القول الثالث المتولد أخيرا١ من أنه تعالى ليس في الأمكنة، ولا خارجاً عنها، ولا فوق عرشه، ولا هو متصل بالخلق ولا بمنفصل عنهم، ولا ذاته المقدسة متحيزة٢، ولا بائنة عن مخلوقاته، ولا في الجهات، ولا خارجاً عن الجهات، ولا، ولا، فهذا شيء لا يعقل ولا يفهم مع ما فيه من مخالفة الآيات والأخبار، ففر بدينك، وإياك وآراء المتكلمين، وآمن بالله وما جاء عن الله على مراد الله، وفوض أمرك إلى الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. تم الكتاب والحمد لله وحده. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. وحسبنا الله ونعم الوكيل. ٣١٥- قلت: نعم، إنما يفهمه القائلون بوحدة الوجود، وأن الخالق والمخلوق شيء واحد، بل لا شيء هناك يسمى خالقا أو مخلوقا، فكل ما تراه بعينك فهو الله! تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا، ولعل جهما وأمثاله من الدعاة الأولين كانوا يرمون من قولهم بأن الله في كل مكان، وأنه ليس على العرش، غرس عقيدة وحدة الوجود المستلزمة لنفي وجود الخالق ﵎. ولكن بطريقة خبيثة خفية، ولذلك اشتد نكير السلف عليه، وعلى أتباعه، وصرح بعضهم -كما تقدم في ترجمة الإمام ابن المبارك وغيره- أن الجهمية يزعمون أن الله ليس بشيء! فماذا يقول السلف الصالح لو سمعوا اليوم غلاة الصوفيين وهم يقولون على المنابر: "الله، لا فوق، ولا تحت، ولا يمين، ولا يسار، ولا أمام، ولا خلف، ولا داخل العالم، ولا خارجه"!

стр. 285

فآمن أيها المسلم بما جاء عن الله ورسوله. على ما بينه السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، تكن مثلهم من المهتدين. والحمد لله رب العالمين. دمشق ١ ربيع الأول سنة ١٣٩٢ محمد ناصر الدين الألباني
следующие страницы →