بالأرض, ويطوي السماوات بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟ ".
وأما أن يراد بالمكان أمر عدمي وهو ما وراء العالم من العلو, فالله تعالى فوق العالم وليس في مكان بالمعنى الوجودي, كما كان قبل أن يخلق المخلوقات.
فإذا سمعت أو قرأت عن أحد الأئمة والعلماء نسبة المكان إليه تعالى. فاعلم أن المراد به معناه العدمي, يريدون به إثبات صفة العلو له تعالى, والرد
على الجهمية والمعطلة الذين نفو عنه سبحانه هذه الصفة, ثم زعموا أنه في كل مكان بمعناه الوجودي, قال العلامة ابن القيم في قصيدته "النونية"
- "٢/ ٤٤٦-٤٤٧ - المطبوعة مع شرحها "توضيح المقاصد" طبع المكتب الإسلامي "
والله أكبر ظاهر ما فوقه ... شيء وشأن الله أعظم شان
والله أكبر عرشه وسع السما ... والأرض والكرسي ذا الأركان
وكذلك الكرسي قد وسع الطبا ... ق السبع والأرضين بالبرهان
والله فوق العرش والكرسي ... لا تخفى عليه خواطر الإنسان
لا تحصروه في مكان إذ تقو ... لوا: ربنا حقا بكل مكان
نزهمتوه بجهلكم عن عرشه ... وحصرتموه في مكان ثان
لا تعدموه بقولكم: لا داخل ... فينا ولا هو خارج الأكوان
الله أكبر هتكت أستاركم ... وبدت لمن كانت له عينان
والله أكبر جل عن شبه وعن ... مثل وعن تعطيل ذي كفران
إذا أحطت علما بكل ما سبق, استطعت بإذن الله تعالى أن تفهم بيسر من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية, والآثار السلفية التي ساقها المؤلف ﵀ في هذا الكتاب الذي بين يديك "مختصره" أن المراد منها إنما هو معنى معروف ثابت لائق به تعالى ألا وهو علوه سبحانه على خلقه واستواؤه على عرشه على ما يليق بعظمته, وأنه مع ذلك ليس في جهة ولا مكان, إذ هو خالق كل
стр. 72
شيء, ومنه الجهة والمكان, وهو الغني عن العالمين وأن من فسرها بالمعنى السلبي, فلا محذور منه, إلا أنه مع ذلك لا ينبغي إطلاق لفظ الجهة والمكان ولا إثباتهما, لعدم ورودهما في الكتاب والسنة, فمن نسبهما إلى الله فهو مخطئ لفظأ, إن أراد بهما الإشارة إلى إثبات صفة العلو له تعالى, وإلا فهو مخطئ معنى أيضا إن أراد به حصره تعالى في مكان وجودي, أو تشبيهه تعالى بخلقه. وكذلك لا يجوز نفي معناهما إطلاقا إلا مع بيان المراد منهما لأنه قد يكون الموافق للكتاب والسنة, لأننا نعلم بالمشاهدة أن النفاة لهما إنما يعنون بهما نفي صفة العلو لله تعالى من جهة, ونسبة التجسيم والتشبيه للمؤمنين بها, ولذلك ترى الكوثري في تعليقاته يدندن دائما حول ذلك, بل يلهج بنسبة التجسيم إلى شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في كل مناسبة, ثم تابعه على ذلك مؤلف "فرقان القرآن" في مواطن منه, قال في أحدها "ص٦١" أن ابن تيمية شيخ إسلام أهل التجسيم ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ .
واتهام أهل البدع وأعداء السنن أهل الحديث بمثل هذه التهم قديم, منذ أن نشب الخلاف بينهم في بعض مسائل التوحيد والصفات الإلهية, وسترى في ترجمة الإمام أبي حاتم الرازي رحمه الله تعالى قوله:
" وعلامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر, وعلامة الجهمية أن يسموا أهل السنة مشبهة, وعلامة القدرية "المعتزلة" أن يسموا أهل السنة مجبرة, وعلامة الزنادقة أن يسموا أهل الأثر حشوية".
وإن افتراءهم على شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قال بعد أن روى قوله " ﷺ ": "يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ... " كنزولي هذا, معروف وقد بين بطلان هذه الفرية شيخي في الإجازة الشيخ راغب الطباخ في بعض أعداد مجلة المجمع العلمي بدمشق, ثم صديقنا العلامة الأستاذ الشيخ محمد بهجة البيطار في كتابه "ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية".
стр. 73
ومن أسوأ ما افتراه بعضهم على الإمام شيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي الأنصاري ما ذكره الحافظ المؤلف في ترجمته من "تذكرة الحفاظ" "٣/ ٣٥٨":
" لما قدم السلطان ألب أرسلان "هراة" في بعض قدماته, اجتمع مشايخ البلد ورؤساؤه, ودخلوا على أبي إسماعيل, وسلموا عليه وقالوا: ورد السلطان, ونحن على عزم أن نخرج ونسلم عليه, فأحببنا أن نبدأ بالسلام عليك, وكانوا قد تواطؤوا على أن حملوا معهم صنما من نحاس صغيرا, وجعلوه في المحراب, تحت سجادة الشيخ, وخرجوا, وقام إلى خلوته, ودخلوا إلى السلطان, واستغاثوا من الأنصاري لأنه مجسم, وأنه يترك في محرابه
صنما يزعم أن الله على صورته "" وإن بعث السلطان يجده فعظم ذلك على السلطان وبعث غلاما ومعه جماعة فدخلوا الدار وقصدوا المحراب
فأخذوا الصنم ورجع الغلام بالصنم فبعث السلطان من أحضر الأنصاري فأتى فرأى الصنم والعلماء والسلطان قد اشتد غضبه. فقال السلطان له
: ما هذا؟ قال: هذا صنم يعمل من الصفر شبهة اللعبة. قال: لست عن هذا أسألك. قال: فعم تسألني؟ قال: إن هؤلاء يزعمون أنك تعبد
هذا وأنك تقول إن الله على صورته فقال الأنصاري بصولة وصوت جهوري: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ . فوقع في قلب السلطان أنهم
كذبوا عليه فأمر به فأخرج إلى داره مكرما وقال لهم اصدقوني -وهددهم- فقالوا: نحن في يد هذا الرجل في بلية من استيلائه علينا بالعامة فأردنا أن نقطع شره عنا فأمر بهم ووكل "لعله: فكل" بكل واحد منهم وصادرهم "
وختاما أنقل إلى القراء الكرام فصلا نافعا من كلام الإمام أبي محمد الجويني في آخر رسالة "الإستواء والفوقية" في تقريب هذه المسألة إلى الأفهام بمعنى من علم الهيئة والفلك لمن عرفه قال:
" لا ريب أن أهل العلم حكموا بما اقتضته الهندسة, وحكمها صحيح لأنه ببرهان, لا يكابر الحسن فيه بأن الأرض في جوف العالم العلوي, وأنكرة
стр. 74
الأرض في وسط السماء كبطيخة في جوف بطيخة, والسماء محيطة بها من جميع جوانبها, وأن سفل العالم هو جوف كرة الأرض, وهو المركز, وهو منتهى السفل والتحت, وما دونه ولا يسمى تحتا بل لا يكون تحتا ويكون فوقا, بحيث لو فرضنا خرق المركز وهو سفل العالم إلى تلك الجهة لكان الخرق إلى جهة فوق ولو نفذ الخرق جهة السماء من تلك الجهة الأخرى لصعد إلى جهة فوق١.
وبرهان ذلك أنا لو فرضا مسافرا سافر على كرة الأرض من جهة المشرق إلى جهة المغرب, وامتد مسافرا لمشى مسافرا على الكرة إلى حيث ابتدأ بالسير, وقطع الكرة مما يراه الناظر أسفل منه, وهو في سفره هذا لم يبرح الأرض تحته, والسماء فوقه, فالسماء التي يشهدها الحس تحت الأرض هي فوق الأرض, لا تحتها, لأن السماء فوق الأرض بالذات, فكيف كانت السماء كانت فوق الأرض من أي جهة فرضتها. قال:
" وإذا كان هذا جسم وهو السماء -علوها على الأرض بالذات فكيف من ليس كمثله شيء وعلوه على كل شيء بالذات كما قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وقد تكرر في القرآن المجيد ذكر الفوقية ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ... لأن فوقيته سبحانه وعلوه على كل شيء ذاتي له, فهو العلي بالذات, والعلو صفته اللائقة به, كما أن السفول والرسوب والانحطاط ذاتي للأكوان عن رتبة ربوبيته وعظمته وعلوه. والعلو
والسفول حد بين الخالق والمخلوق يتميز به عنه هو سبحانه علي بالذات وهو كما كان قبل خلق الأكوان وما سواه مستقل عنه بالذات وهو سبحانه العلي على عرشه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج الأمر إليه فيحيي هذا ويميت هذا ويمرض هذا ويشفي هذا ويعز هذا ويذل هذا وهو الحي القيوم القائم بنفسه وكل شيء قائم به.
стр. 75
فرحم الله عبدا وصلت إليه هذه الرسالة, ولم يعالجها بالإنكار, وافتقر إلى ربه في كشف الحق آناء الليل [وأطراف] النهار, وتأمل النصوص في الصفات وفكر بعقله في نزولها, وفي المعنى الذي نزلت له, وما الذي أريد بعلمها من المخلوقات؟ ومن فتح الله قلبه عرف أنه ليس المراد إلا معرفة
الرب تعالى بها والتوجه إليه منها وإثباتها له بحقائقها وأعيانها كما يليق بجلاله وعظمته, بلا تأويل ولا تعطيل, ولا تكييف ولا تمثيل, ولا جمود ولا وقوف. وفي ذلك بلاغ لمن تدبر, وكفاية لمن استبصر, إن شاء الله تعالى".
وقال رحمه الله تعالى وأثابه خيرا مبينا أثر هذه العقيدة في قلب المؤمن بها:
" العبد إذا أيقن أن الله فوق السماء, عال على عرشه بال حصر ولا كيفية, وأنه الآن في صفاته كما كان في قدمه, صار لقلبه قبلة في صلاته وتوجهه ودعائه ومن لا يعرف ربه بأنه فوق سماواته على عرشه؛ فإنه يبقى ضائعا لا يعرف وجهة معبوده, لكن لو عرف بسمعه وبصره وقدمه ,
وتلك بلا هذا [الإيقان] معرفة ناقصة بخلاف من عرف أن إلهه الذي يعبده فوق الأشياء, فإذا دخل في الصلاة وكبر, توجه قلبه إلى جهة العرش منزها ربه تعالى عن الحصر مفردا له, كما أفرده في قدمه وأزليته, عالما أن هذه الجهات من حدودنا ولوازمنا, ولا يمكننا الإشارة إلى ربنا في قدمه
وأزليته إلا بها, لأنا محدثون, والمحدث لا بد له في إشارته إلى جهة, فتقع تلك الإشارة إلى ربه, كما يليق بعظمته, لا كما يتوهم هو من نفسه, ويعتقد أنه في علوه قريب من خلقه, هو معهم بعلمه وسمعه وبصره, وإحاطته وقدرته ومشيئته, وذاته فوق الأشياء, فوق العرش, ومتى شعر قلبه بذلك في الصلاة أو التوجه أشرق قلبه, واستنار, وأضاء بأنوار المعرفة والإيمان, وعكسته أشعة العظمة على عقله وروحه ونفسه فانشرح لذلك صدره وقوي إيمانه ونزه ربه عن صفات خلقه من الحصر والحلول وذاق حينذاك شيئا من أذواق السابقين المقربين بخلاف من لا يعرف وجهة معبوده وتكون الجاذبة راعية الغنم أعلم بالله منه فإنها قالت: "في السماء" عرفته بأنه على السماء, فإن "في" تأتي بمعنى "على", فمن
стр. 76
تكون الراعية أعلم بالله منه لكونه لا يعرف وجهة معبوده, فإنه لا يزال مظلم القلب, لا يستنير بأنوار المعرفة والإيمان.
ومن أنكر هذا القول فليؤمن به, وليجرب ولينظر إلى مولاه من فوق عرشه بقلبه, مبصرا من وجه, أعمى من وجه, مبصرا من جهة الإثبات والوجود والتحقيق, أعمى من جهة التحديد والحصر والتكييف, فإنه إذا عمل ذلك وجد ثمرته إن شاء الله تعالى, ووجد نوره وبركته, عاجلا وآجلا "ولا ينبئك مثل خبير". والله سبحانه الموفق والمعين ".
دمشق/ ٨ جمادى الأولى سنة ١٣٩٢
محمد ناصر الدين الألباني
стр. 77
باب: كتاب العلو
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"لا إله إلا الله عدة للقاء الله, رب يسر وأعن وتمم واختم بخير في عافية يا كريم" الحمد لله العلي العظيم, رب العرش العظيم, على نعمه السابغة, الظاهرة والباطنة, والحمد لله على نعمة التوحيد, وأشهد أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وحده لا شريك له, شهادة توجب من فضله المزيد.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خاتم الأنبياء, والشفيع في اليوم الشديد١, صلى الله عليه وعلى آله صلاة أدخرها ليوم الوعيد.
أما بعد فإني كنت في سنة ثمان وتسعين وستمائة جمعت أحاديث وآثارا في مسألة العلو. وفاتني الكلام على بعضها, ولم أستوعب ما ورد في ذلك, فذيلت على ذلك مؤلفا أوله: "سبحان الله العظيم وبحمده على حلمه بعد علمه" والآن فأرتب المجموع وأوضحه هنا, وبالله أستعين وهو حسبنا ونعم الوكيل. قال الله تعالى- ومن أصدق من الله قيلا ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وقال تعالى ﴿ووَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ وقال تعالى في وصف كتابه العزيز ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى، الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وقال تعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ إلى غير ذلك من آيات الاستواء.
وقال تَعَالَى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِين﴾
وقال تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ , وقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ
стр. 78
فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ , وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾
وقال تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ وقال تعالى في الملائكة ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ,
وقال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ، أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ , وقال تعالى: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ، تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾
إلى غير ذلك من نصوص القرآن العظيم جل منزله وتعالى قائله.
فإن أحببت يا عبد الله الإنصاف, فقف مع نصوص القرآن والسنن, ثم انظر٢ ما قاله الصحابة والتابعون وأئمة التفسير في هذه الآيات, وما حكوه من مذاهب السلف, فإما أن تنطق بعلم, وإما أن تسكت بحلم, ودع المراء والجدال, فإن المراء في القرآن كفر, كما نطق بذلك الحديث الصحيح
وسترى أقوال الأئمة في ذلك على طبقاتهم بعد سرد الأحاديث النبوية. جمع الله قلوبنا على التقوى" وجنبنا المراء والهوى", فإننا على أصل صحيح, وعقد متين, من أن الله تقدس اسمه لا مثل له, وأن إيماننا بما ثبت من نعوته كإيماننا بذاته المقدسة "أو الصفات تابعة للموصوف فنعقل وجود الباري ونميز ذاته المقدسة" عن الأشباه من غير أن نتعقل الماهية, فكذلك القول في صفاته, نؤمن بها, ونعقل وجودها, ونعلمها في الجملة من غير أن نتعقلها أو نشبهها أو نكيفها أو نمثلها, بصفات خلقه, تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا, فالإستواء -كما قال الإمام مالك وجماعة- معلوم, والكيف مجهول.
فمن الأحاديث المتواترة٣ الواردة في العلو:
стр. 79
١- أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما وصححه جمع كما بينته في "المشكاة" منهم في "التخليص"، وفيما يأتي ص٥٨ فقد جزم بأن النبي ﷺ قاله.
١- حديث معاوية بن الحكم السلمي قال:
كانت لي غنم بين أحد والجوانية١ فيها جارية لي٢, فاطلعتها ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب منها بشاة -وأنا رجل من بني آدم- فأسفت, فصككتها٣, فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له, فعظم ذلك علي فقلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: "ادعها" فدعوتها, فقال لها: "أين الله؟ " قالت: في السماء, قال: "من أنا؟ " قالت: "أنت" رسول الله ﷺ , قال: "أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ ".
هَذَا حَدِيثٌ صحيح أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وغير واحد من الأئمة في تصانيفهم، يمرونه كما جاء ولا يتعرضون له بتأويل ولا تحريف.
وهكذا رأينا كل من يسأل: أين الله؟ يبادر بفطرته ويقول: في السماء. ففي الخبر مسألتان:
إحداهما شريعة: قول المسلم: أين الله؟
وثانيهما: قول المسئول: في السماء. فمن أنكر هاتين المسألتين، فإنما ينكر على المصطفى ﷺ .
٢- ورد هذا الحديث من طرق، وكأنه لذلك قال المصنف إنه من الأحاديث المتواترة، وفيه نظر، وفي بعضها أن الجارية أعجمية وأنها أشارت إلى السماء بدل قوله: "قالت في السماء". كما في "المسند". لكن في إسناده المسعودي واسمه عَبْدُ الرْحَمْنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن عتبة ابن مسعود الكوفي، وكان اختلط، وهذا رواه في الاختلاط لأنه في "المسند" "٢/ ٢٩١" وسنن البيهقي "٧/ ٣٨٨" من رواية يزيد بن هارون عنه، فقد قال ابن نمير: كان ثقة، واختلط بآخره، سمع منه ابن مهدي ويزيد بن هارون أحاديث مختلطة. فقول الذهبي في "الأصل":
стр. 80
"إسناده حسن" غير حسن، ومما يؤكد ضعف هذه الزيادة "أعجمية"، أن الطرق الأخرى خلو منها، وقد ساقها المصنف في "الأصل" وبعضها صحيح، وسائرها لا بأس بها في الشواهد.
والحديث قد خرجته في "صحيح أبي داود" "٨٦٢" و"الإيمان" لابن أبي شيبة رقم الحديث "٨٤"، و"تخريج السنة" لابن أبي عصام "٤٨٩".
وهذا الحديث صحيح بلا ريب، لا يشك في ذلك، إلا جاهل أو مغرض من ذوي الأهواء الذين كلما جاءهم نص عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يخالف ما هم عليه من الضلال، حاولوا الخلاص منه بتأويله بل تعطيله، فإن لم يمكنهم ذلك؛ حاولوا الطعن في ثبوته، كهذا الحديث، فإنه مع صحة إسناده وتصحيح أئمة الحديث إياه دون خلاف بينهم أعلمه، منهم الإمام مسلم حيث أخرجه في "صحيحه" وكذا أبو عوانة في "مستخرجه عليه" والبيهقي في "الأسماء" حيث قال عقبه "ص٤٢٢": "وهذا صحيح، قد أخرجه مسلم".
ومع ذلك نرى الكوثري الهالك في تعصبه يحاول التشكيك في صحته بادعاء الاضطراب فيه، فقد علق على هذا الحديث فيما سوده على كتاب "الأسماء" بقوله "ص٤٤١-٤٤٢".
"انفرد عطاء بن يسار برواية حديث القوم "كذا قال عليه ما يستحق" عن معاوية بن الحكم، وقد وقع في لفظ له كما في "كتاب العلو" للذهبي "! " ما يدل على أن حديث الرسول ﷺ مع الجارية لم يكن إلا بإشارة، وسبك الراوي ما فهم من الإشارة في لفظ اختاره "! " فلفظ عطاء الذي يدل على ما قلنا هو: "حدثني صاحب الجارية نفسه. الْحَدِيثُ" وَفِيهِ: فَمَدَّ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ إِلَيْهَا مُسْتَفْهِمًا: مَنْ فِي السَّمَاءِ؟ قَالَتْ: الله، قال: فمن أنا، فقالت: رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: "أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مسلمة". وهذا من الدليل على أن "أين الله" لم يكن لفظ الرسول ﷺ "! "وقد فعلت الرواية بالمعنى في الحديث ما تراه من الاضطراب".
كذا قال، عامله الله بعدله، وأنت إذا تذكرت ما بيناه لك من صحة الحديث، وإذا علمت أن حديث عطاء عن صاحب الجارية نفسه لا يصح من قبل إسناده لأنه من رواية سعيد ابن زيد، فهو وإن كان في نفسه صدوقا، فليس قوي الحفظ، ولذلك ضعفه جمع، بل كان يحيى ابن سعيد يضعفه جدا، وقد أشار الحافظ في "التقريب" إلى هذا فقال: "صدوق له أوهام".
زد على هذا أن ما جاء في روايته من ذكر اليد والاستفهام، هو مما تفرد به دون كل من روى هذا الحديث من الرواة الحفاظ ومن دونهم. فتفرده بذلك يعده أهل العلم بالحديث منكرا بلا ريب.
فتأمل عصمني الله وإياك من الهوى، كيف اعتمد هذا الرجل "الكوثري" على هذه الرواية المنكرة، وليس هذا فقط، بل ضرب بها الرواية الثابتة المتفق على صحتها بين المحدثين. واعتبر الرواية المنكرة دليلا على ضعف واضطراب الرواية الصحيحة، فماذا يقول المؤمن عن
стр. 81
هذا الرجل الذي يستغل علمه واطلاعه لتشكيك المسلمين في أحاديث نبيهم ﷺ ؟ عامله الله بما يستحق.
ثم إنه لم يكتف بهذا التضليل بل أخذ ينسب إلى الراوي "وهو ثقة أيا كان هذا الراوي لأن كل رواة هذا الحديث ثقات" أخذ ينسب إليه الكذب عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو يعلم، لأن معنى كلامه السابق أن الراوي اختار أن ينسب إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أنه قال للجارية: "أين الله" والواقع عند الكوثري أنه ﷺ لم يقل ذلك، وإنما الراوي وضعه من عنده مكان رواية سعيد بن زيد "فَمَدَّ النَّبِيُّ ﷺ يده إِلَيْهَا مُسْتَفْهِمًا: مَنْ فِي السَّمَاءِ؟ ".
فأنا من واجبي أن أحذر المسلمين من هذا الكوثري وأمثاله الذين يتهمون الأبرياء، بما ليس فيهم مذكرا لهم بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ ... ﴾ الآية.
٢- حديث جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ قال في خطبتة يوم عرفة: "ألا هل بلغت" فقالوا: نعم-"فجعل" يرفع إصبعه إلى
السماء وينكتها١ إليهم- ويقول: "اللهم اشهد" أخرجه مسلم.
٣- هو طرف من حديث جابر الطويل في حجة النبي ﷺ ، وهو مخرج في جزء لي خاص بها مطبوع في المكتب الإسلامي.
٣- حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "الملائكة يتعاقبون فيكم, ملائكة بالليل, وملائكة بالنهار, ويجتمعون في صلاة الفجر, وصلاة العصر, ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم, وهو أعلم بهم, كيف تركتم عبادي"؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون, وتركناهم وهم يصلون "
. متفق عليه.
٤- حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ, ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ".
أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ
стр. 82
٤- قلت: وصححه غيره أيضا، وإنما هو صحيح لغيره كما بينته في "الأحاديث الصحيحة" "٩٢٢".
٥- حديث جَرِيرٍ: سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ لَمْ يَرْحَمْ مَنْ فِي الأَرْضِ، لَمْ يَرْحَمْهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ" رُوَاتُهُ ثقات.
٥- قلت: أخرجه الطبراني كما بينته هناك.
٦- حديث أَنَسٍ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ كَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ، وَزَوَّجَنِي الله من فوق سبع سماوات. وفي لفظ: كَانَتْ تَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ أَنْكَحَنِي فِي السَّمَاءِ.
وَفِي لَفْظٍ أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ :
زَوَّجَنِيكَ الرَّحْمَنُ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ.
هَذَاْ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ البخاري.
٦- قلت: في "التوحيد" باللفظين الأولين، وكذلك أخرجهما ابن سعد في "الطبقات" "٨/ ١٠٣، ١٠٦"، وللترمذي "٢/ ٢١٠" الأول منهما وقال: "حسن صحيح"، وعند النسائي "٢/ ٧٦" وأحمد "٣/ ٢٢٦" ثانيهما، لكنهما قالا: "من السماء": وهو لفظ ابن سعد.
وأما اللفظ الثالث، فهو في توحيد "البخاري"، من حديث أنس أيضا ذكره الحافظ في "الفتح" "١٣/ ٣٤٨" من مرسل الشعبي وقال: "أخرجه الطبري وأبو القاسم الطحاوي "! " في كتاب "الحجة والتبيان له".
وهو في "تفسير الطبري" ٢٢/ ١١" بلفظ آخر نحوه.
٧- حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ يأتيني خبر السماء صباحاً ومساءً" متفق عليه.
٨- حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "والذي نفسي بيده، ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه، إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها زوجها". أخرجه مسلم.
стр. 83
٩- حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
"إِنَّ الْمَيِّتَ يَحْضُرُهُ الْمَلائِكَةُ, فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ قَالُوا: اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ, أَبْشِرِي بَرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ, وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ, فَلا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ, ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ, فَيُسْتَفْتَحُ لها, فيقال: من هذا؟ فَيُقَالُ: فُلانٌ, فَيُقَالُ: مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَةِ, فَلا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى يُنْتَهَى بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي فِيهَا اللَّهُ تَعَالَى". وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي "مُسْنَدِهِ" وَالْحَاكِمُ فِي "مُسْتَدْرَكِهِ" وَقَالَ: هلو على شرط البخاري ومسلم.
٧- قلت: وهو كما قال، وقد خرجته في "الترغيب" ٤/ ١٨٨-١٨٩".
١٠- حديث أبي هريرة أيضا قال: قال رسول الله ﷺ :
"كان ملك الموت يأتي الناس عياناً, فأتى موسى ﵇ فلطمه, فذهب بعينه, فعرج إلى ربه عزوجل فقال: يا رب بعثتني إلى موسى فلطمني فذهب بعيني, ولولا كرامته عليك لشققت عليه. قال ارجع إلى عبدي فقل له: فليضع يده على ثور, فله بكل شعرة وارت كفه سنة يعيشها, فأتاه فبلغه ما أمره, فقال: ثم ماذا بعد ذلك؟ قال: الموت قال: الآن فشمه شمة قبض فيها روحه, ورد الله على ملك الموت بصره ".
وفي لفظ: "فلطم عينه ففقأها فرجع فقال أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت فرد الله عليه عينه, وقال ارجع إلى عبدي فقل له: إن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور" -وفيه- "قال يا رب, فالآن وقال: رب أدنني من الأرض المقدسة رمية بحجر- قال رسول الله ﷺ : لو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر ". متفق على ثبوته.
стр. 84
٨- كذا في "المخطوطة" وفي المطبوعات كلها: "متفق عليه"، وفيه نظر، فإنه ليس عندهما اللفظ الأول، وإنما أخرجه أحمد في "المسند" "٢/ ٥٣٣" وإسناده جيد. وله عنده طرق أخرى "٢/ ٢٦٩، ٣١٥، ٣٥١" بنحو اللفظ الآخر، وهو مخرج في "تخريج السنة" لابن أبي عاصم "٨٠١، ٨٠٢"، ولقد كان تعبير ابن القيم في تخريج الحديث أدق من تعبير المصنف فقال في "جيوشه" "ص٣٧": "حديث صحيح، أصله وشاهده في الصحيحين".
١١- حديث أبي هريرة أيضا: قال رسول الله ﷺ :
"من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله إلا طيب، فإنها يتقبلها بيمينه، ويربيها لصاحبها، حتى تكون مثل الجبل". هذا حديث صحيح أخرجه البخاري.
١٢- حديث أبي موسى الأشعري: قال رسول الله ﷺ :
"إن الله لا ينام، ولا ينبغي أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور١ "أو النار" لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره" أخرجه الشيخان.
١٣- حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ, فَإِنَّهَا تَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ كَأَنَّهَا شَرَارَةٌ". غريب وإسناده جيد ".
٩- قلت أخرجه الحاكم وغيره كما بينته في "الصحيحة" "٨٦٩".
١٤- حديث أبي سعيد الخدري: قال قال رسول الله ﷺ : "يَقْبَلُ اللَّهُ صَدَقَةَ الْعَبْدِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ, وَلا يَقْبَلُ الله إِلا طَيِّبًا, وَلا يَصْعَدُ إِلَيْهِ إلا الطيب, فَيَأْخُذُ التَّمْرَةَ فَيُرَبِّيهَا حَتَّى يَجْعَلَهَا مثل الجبل".
стр. 85
صحيح/ ١٠
١٠- قلت: هو كما قال، وإسناد المصنف في الأصل صحيح، ولكن لم أره فيما لدي من المراجع من حديث أبي سعيد الخدري، وهو بمعناه في "الصحيحين" وغيرهما من حديث أبي هريرة مرفوعا، نحوه وقد مضى لفظه في الكتاب "١١"، وله في "مسند أحمد" طرق عنده "٢/ ٢٦٨، ٣٢٨، ٤٠٤، ٤١٨، ٤٣١، ٥٢٨، ٥٤١" وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" "٨٢٤".
١٥- حديث سعد ابن أَبِي وَقَّاصٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: "لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْمَلِكِ من فوق سبع سموات" صحيح، أخرجه النسائي
١١- قلت: وأخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات" "ص٤٢٠" وإسناده حسن، فيه محمد بن صالح التمار، قال الحافظ: "صدوق يخطئ"، وأورده المؤلف في "الميزان"، وحكى خلاف الأئمة فيه. لكن الحديث شاهد من مرسل علقمة بن وقاص. رواه ابن إسحاق كما في "الفتح". وذكره المؤلف في الأصل من روايته أيضا عن محمد بْنِ مَالِكٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ معاذ.. الحديث وقال: هذا مرسل.
والحديث أصله في "الصحيحين" من حديث أبي سعيد الخدري مختصرا.
١٦- حديث أَنَسٍ ﵁ عَنِ النبي ﷺ أنه قَالَ:
"فَأَدْخُلُ عَلَى رَبِّي وَهُوَ على عرشه ﵎".
فيه زائدة بن أبي الرقاد ضَعِيفٌ، وَالْمَتْنُ بِنَحْوِهِ فِي "الصَّحِيحِ" للبخاري عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي في داره فيؤذن لي"
وَأَخْرَجَهُ أَبُو أَحْمَدُ الْعَسَّالُ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ وَفِيهِ:
"فَآتِي بَابَ الْجَنَّةِ فَيُفْتَحُ لِي، فَآتِي رَبِّي ﵎ وَهُوَ عَلَى كُرْسِيِّهِ أَوْ سَرِيرِهِ فَأَخِرُّ لَهُ ساجدا" وذكر الحديث.
стр. 86
١٢- قلت: لكنه عنده في صورة التعليق وقد ساقه المصنف في الأصل بعد "ص٨٢-٨٦" بسنده إليه بأتم مما هنا، لكن ذكر الدار فيه شاذ كما حققته في تعليقي على مختصري لـ"صحيح البخاري" في أوائل "كتاب التوحيد"، وهو على وشك التمام يسره الله تعالى لي يمنه وكرمه. وحديث ثابت عن أنس له طريق أخرى عنه تأتي في الكتاب "٨١" وأخرجه الدارمي في "رده على المريسي" "ص١٤" وأحمد في "مسنده" " / ٢٨١-٢٨٢، ٢٩٥-٢٩٦" عن ابن عباس ونحوه وأخرجه أبو جعفر في "العرش" "ق١١٣/ ١". وله شاهد آخر عن أبي هريرة في حديث طويل له في الحشر. أخرجه أبو الشيخ في "العظمة" "ق٦٦/ ١، ٧٢/ ١".
١٧- عَنْ أَنَسٍ أَنَّ مَالِكَ بْنَ صعصعة حدثه أن نبي الله حَدَّثَهُ عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ قَالَ:
"بَيْنَمَا أَنَا فِي الْحَطِيمِ -وَرُبَّمَا قَالَ قَتَادَةُ: فِي الْحِجْرِ: مُضْطَجِعٌ إِذْ أَتَانِي آتٍ- فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ قَالَ: - ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمِارِ أبيض يقع خطوه عند انقضاء طَرْفِهِ -قَالَ: - فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ فَانْطَلَقَ بي جبرائيل حَتَّى أَتَى بِيَ السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَاسْتَفْتَحَ فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ جبرائيل قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: أَوَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نعم. فقيل: مرحبا به ولنعم المجئ وجاء. قَالَ: فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا فِيهَا آدَمُ، قَالَ: هَذَا أَبُوكَ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ السَّلامَ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعَدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ فَاسْتَفْتَحَ. قيل: من هذا؟ قال: جبرائيل. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قَالَ: فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا يحيى وعيسى هما ابْنَا الْخَالَةِ، قَالَ: هَذَا يَحْيَى وَعِيسَى فَسَلِّمْ عَلَيْهِمَا، فَسَلَّمْتُ فَرَدَّا السَّلامَ، وَقَالا: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ بِي إلى السَّمَاءَ الثَّالِثَةَ فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَنْ هذا؟ قال: جبرائيل. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ وَنِعْمَ المجيئ جَاءَ. قَالَ: فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يُوسُفُ، قَالَ: هَذَا يُوسُفُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ السَّلامَ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعَدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ فَاسْتَفْتَحَ قيل: من هذا؟ قال: جبرائيل. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ:
هَلْ رَأَوْنِي؟ فَيَقُولُونَ: لا، فَيَقُولُ: كيف لَوْ رَأَوْنِي؟ فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا لَكَ أَشَدَّ تَحْمِيدًا وَتَمْجِيدًا وذكرا، فيقول: فأي شَيْءٍ يَطْلُبُونَ؟ فَيَقُولُونَ: يَطْلُبُونَ الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ فَيَقُولُونَ: لا، فيقول: فكيف لَوْ رَأَوْهَا؟ فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كانوا أشد طَلَبًا وَأَشَدَّ حِرْصًا. فَيَقُولُ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَتَعَوَّذُونَ؟ فَيَقُولُونَ: يَتَعَوَّذُونَ مِنَ النَّارِ. فَيَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ فيقولون: لا، فيقول: لَوْ رَأَوْهَا؟ فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا هَرَبًا، وَأَشَدَّ منها تعوذا وخوفا. فيقول: إني أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، فَيَقُولُونَ: فِيهِمِ فُلانٌ الْخَطَّاءُ لَمْ يُرِدْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ، فَيَقُولُ: هُمُ الْقَوْمُ لا يَشْقَى بِهِمْ جليسهم -مرتين-". متفق عليه.
١٩- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: حَدَّثَنِي رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُمْ بَيْنَمَا هُمْ جُلُوسٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ليلة إِذْ رُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ فَقَالَ:
"مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ إِذَا رُمِيَ بِمِثْلِ هَذَا؟! " قَالُوا: كُنَّا نَقُولُ: وُلِدَ اللَّيْلَةَ عَظِيمٌ أَوْ مَاتَ عظيم، فقال: "فإنها لا يرمى بِهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ رَبُّنَا إِذَا قضى أمرا سبح حَمَلَةُ الْعَرْشِ حَتَّى يُسَبِّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ أَهْلَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ الَّذِينَ يَلُونَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ: مَاذَا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال، فَيَسْتَخْبِرُ أَهْلُ السَّمَوَاتِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حتى يبلغ الأمر أَهْلَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَخْطَفُ الْجِنُّ السَّمْعَ فَيُلْقُونَهُ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ، فَمَا جاؤوا به على وجه فَهُوَ الْحَقُّ، وَلَكِنَّهُمْ يَقْرِفُونَ١ وَيَزِيدُونَ.
٢٠- حديث محفوظ ثابت عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:
"إذا أحب الله عبداً نادى جبرائيل فقال: إني أحب عبدي فأحبوه، فينوه بها جبرائيل في حملة العرش، فتسمع أهل السماء لغط حملة العرش، فيحبه أهل السماء السابعة، ثم سماء سماء حتى ينزل إلى السماء الدنيا، ثم يهبط إلى الأرض فيحبه أهل الأرض".
стр. 90
وقولنا في هذه الأحاديث: إننا نؤمن بما صح منها، وبما اتفق السلف على إمراره وإقراره، فأما ما في إسناده مقال، واختلف العلماء في قبوله وتأويله، فإنا لا نتعرض له بتقرير، بل نرويه في الجملة ونبين حاله، وهذا الحديث١ إنما سقناه لما فيه من تواتر من علو الله تعالى فوق عرشه مما يوافق آيات الكتاب.
١٣- قلت: أخرجه الشيخان والترمذي بنحوه مختصرا، وهو مخرج في "الأحاديث الضعيفة" "٢٢٠٧".
١٤- قلت: وهو موقوف حسن الإسناد.
٢١- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
"لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غضبي" وفي لفظ:
"إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العرش" وفي لفظ آخر:
"لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابٍ كَتَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَهُوَ مَرْفُوعٌ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رحمتي تغلب غضبي".
١٥- حديث صحيح، وبعض ألفاظه عند الشيخين، واللفظ الأخير للترمذي، وقد خرجته في "الصحيحة" "١٦٢٩"، وفي "تخريج السنة" لابن أبي عاصم "٨١٠، ٨١١".
٢٢- عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قال رسول الله ﷺ :
"يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَيَّ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَعْظَمُ؟ -قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، "فرددها مرارا ثم" قال "أبي": "اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الحي القيوم" -فَضَرَبَ صَدْرِي وَقَالَ: "لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ لِهَذِهِ الآيَةِ لِسَانًا وَشَفَتَيْنِ تقدس الملك عند ساق العرش".
стр. 91
١٦- قلت: حديث صحيح، أخرجه أحمد "٥/ ١٤١-١٤٢" بسند صحيح على شرط مسلم، وقد أخرجه في "صحيحه" "٢/ ١٩٩" عن أبي بكر ابن أبي شيبة دون الشطر الأخير منه، لكن قال المنذري في "الترغيب" "٢/ ٢٢١":
"رواه ابن أبي شيبة في كتابه بإسناد مسلم وزاد ... " فذكره.
"تنبيه" أورد ابن القيم في "جيوشه" "ص٣٤" حديث ابن عباس المشار إليه من رواية أحمد بلفظ: "على كرسيه أو سريره جالسا" فزاد "جالسا" وليست هذه الزيادة عند أحمد ولا عند غيره ممن ذكرنا، فأظنها مصحفة، ولا أعلم في جلوس الرب تعالى حديثا ثابتا.
٢٣- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
"مَا طَرَفَ١ صَاحِبُ الصُّورِ مُذْ وُكِّلَ بِهِ مُسْتَعِدًا يَنْظُرُ نَحْوَ الْعَرْشِ مَخَافَةَ أَنْ يُؤْمَرَ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْهِ طَرْفُهُ، كَأَنَّ عَيْنَيْهِ كَوْكَبَانِ دُرِّيَّانِ" أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.
١٧- قلت: ووافقه المؤلف في "تلخيصه" "٤/ ٥٥٩" وزاد: "على شرط مسلم". وهو كما قال. وأخرجه أبو الشيخ أيضا "في "العظمة" "٧٣/ ١". وذكر له شاهدا من حديث ابن عباس.
٢٤- عن أبي ذر قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ :
"أَتَدْرِي أَيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تحت العرش عند ربها وتستأذن" وذكر الحديث.
أخرجه البخاري.
٢٥- عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ حَسَرَ٢ عَنْ مَنْكِبَيْهِ حَتَّى يُصِيبَهُ الْمَطَرُ، وَيَقُولُ: "إِنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ" أَخْرَجَهُ مسلم.
١٨- قلت: ولفظه "٣/ ٢٦": قال أنس: أصابنا ونحن مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مطر، قال: فحسر رسول الله ﷺ ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: يا رسول الله لم صنعت هذا؟ قال:
стр. 92
لأنه حديث عهد بربه. وكذا رواه أبو داود في "الأدب" وأحمد "٣/ ١٣٣، ٢٦٧"، واللفظ الذي في الكتاب هو للحافظ أبي القاسم البغوي، رواه المصنف بإسناده عنه. والحديث عند ابن أبي عاصم في "السنة" "٨٢٣" والدارمي في "الرد على الجهمية" "ص٢٥".
٢٦- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ إِنِّي أَجِدُ فِي الْقُرْآنِ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ فَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي صَدْرِي. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَتَكْذِيبٌ؟ قَالَ: مَا هُوَ بِتَكْذِيبٍ وَلَكِنِ اخْتِلافٌ. قَالَ: فَهَلُمَّ مَا وقع في صدرك١. فقال له الرَّجُلُ: أَسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ -فَذَكَرَ أَشْيَاءَ ثُمَّ قَالَ-: وَفِي قَوْلِهِ: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا، وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا، والأرض بعد ذلك دحاها﴾ فَذَكَرَ فِي هَذِهِ الآيَةِ خَلْقَ السَّمَاءِ قَبْلَ الأَرْضِ، وَقَالَ فِي الآيَةِ الأُخْرَى: "وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ. ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دخان" الآيَةُ، فَذَكَرَ فِي هَذِهِ خَلْقَ الأَرْضِ قَبْلَ السَّمَاءِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا قَوْلُهُ "أَمِ السَّمَاءُ بناها، رفع سمكها فسواها" الآيَاتُ، فَإِنَّهُ خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ قَبْلَ السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الأَرْضِ فَدَحَاهَا، قَالَ: وَدَحْيُهَا أَنْ أَخْرَجَ مِنْهَا الْمَاءَ وَالْمَرْعَى.
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ٢.
٢٧- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : يقول الله :
"أنا عند حسن ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ اقْتَرَبَ إِلَيَّ شِبْرًا اقْتَرَبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ اقْتَرَبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا اقْتَرَبْتُ إليه بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً"٣. هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَفِيهِ التفريق بين الكلام النفسي وَالْكَلامِ الْمَسْمُوعِ، فَهُوَ تَعَالَى مُتَكَلِّمٌ بِهَذَا وَبِهَذَا، وَهُوَ الَّذِي كَلَّمَ موسى تكليما وناداه من
стр. 93
جانب الطور وقربه نجيا.
١٩- قلت: أخرجه البخاري "١٣/ ٣٢٨-٣٢٩- فتح" ومسلم "٨/ ٦٢" وأحمد "٢/ ٢٥١، ٤١٣، ٤٨٠"، وصححه الترمذي "٤/ ٢٩٠". وله في المسند "٢/ ٣٥٤، ٤٠٥، ٤٨٢" ثلاث طرق أخرى عن أبي هريرة به نحوه. وأخرجه ابن منده في "التوحيد" "ق٧٧/ ١"، ثم روى له "ق١٠٠/ ١" شاهدا عن أنس مرفوعا.
٢٨- عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصديق قالت: قال رسول الله ﷺ :
"لَمَّا كَانَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي انْتَهَيْتُ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى" وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. إِسْنَادُهُ صَالِحٌ.
٢٠- قلت: عزاه السيوطي في "الخصائص الكبرى" "١/ ٤٣٨" لابن مردويه عنها بنحوه. وللحديث شواهد كثيرة في "الصحيحين" وغيرهما من حديث أنس وغيره تراها في "الخصائص"، فراجعها إن شئت، وقد خرجت حديث أنس في "تخريج السنة" لابن أبي عاصم "٧٩١".
٢٩- عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قِيلَ لابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ فِي القدر. قال: يكذبون بالكتاب، لئن أَخَذْتُ بِشَعْرِ أَحَدِهِمْ لأَنْصُوَنَّهُ١، إِنَّ اللَّهَ "كَانَ" عَلَى عَرْشِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا، فَخَلَقَ الْخَلْقَ فَكَتَبَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يوم القيامة. فإنما يُجْرِي النَّاسَ عَلَى أَمْرٍ قَدْ فرغ منه.
٢١- قلت: ساق المصنف في الأصل إسناده وهو صحيح، وقد أخرجه الآجري في "الشريعة" "ص٢٩٣" واللالكائي في "السنة" "١/ ٩١/ ٢" وابن قدامة في "العلو" "١٦٩/ ١".
٣٠ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو قال: قال رسول الله ﷺ :
"الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، وَلَيْسَ الْوَاصِلُ بْالْمُكَافِئِ ٢ وَلَكِنْ "مَنْ" إِذَا قَطَعَهُ ذُو رَحِمِهِ وصله" إسناده قوي.
стр. 94
٢٢- أخرجه أحمد "٢/ ١٦٣، ١٩٣" وسنده صحيح على شرط البخاري، وقد أخرجه في "صحيحه" دون قوله "الرحم معلقة بالعرش" وصححه الترمذي، ولهذه الزيادة شواهد كثيرة عن جمع من الصحابة منهم عائشة عند الشيخين.
٣١- عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: نَزَلَ عَلَيَّ رَسُولُ الله ﷺ شَهْرًا، فَارْتَقَبْتُ عَمَلَهُ فَرَأَيْتُهُ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ فَلَوْ كَانَ فِي يده عمل الدنيا رَفَضَهُ وَإِنْ كَانَ نَائِمًا فَكَأَنَّمَا يُوقَظُ، فَيَقُومُ فَيَغْتَسِلُ أَوْ يتَوَضَّأُ ثم يركع ركعات يتمهن ويحسنهن يتمكن فِيهِنَّ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ:
"إِنَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ وَأَبْوَابَ الْجِنَانِ تُفْتَحُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، فَلا ترتج حتى نصلي هَذِهِ الصَّلاةُ، فَأُحِبُّ أَنْ يَصْعَدَ مني إلى ربي تلك الساعة خير".
رواه آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ فِي "كتاب الثواب" وإسناده ضعيف.
٢٣- قلت: لكن لموضع الشاهد منه، ما يشهد له من حديث عبد الله بن السائب به مختصرا بلفظ "إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء فأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح". أخرجه الترمذي وحسنه وأحمد "٣/ ٤١١" وسنده صحيح، فلو آثره المصنف بالذكر لأصاب، لصحة سنده واختصار متنه.
٣٢- عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا "فِي التَّسْبِيحَةِ وَالتَّحْمِيدَةِ وَالتَّهْلِيلَةِ يَتَعَاطَفْنَ حَوْلَ الْعَرْشِ، لَهُنَّ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، يُذَكِّرْنَ بِصَاحِبِهِنَّ أَلا يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ لا يَزَالَ لَهُ عِنْدَ الرَّحْمَنِ١ مَا يُذَكِّرُ بِهِ؟ "
٢٤- قلت: حديث صحيح، أخرجه ابن ماجه "٣٨٠٩" والحاكم "١/ ٥٠٣" وقال: "صحيح على شرط مسلم" ووافقه المصنف.
٣٣- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا:
"يَجِيءُ الْمَقْتُولُ بِالْقَاتِلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَرَأَسُهُ بيده وأوداجه تشخب يقول: يارب قَتَلَنِي، حَتَّى يُدْنِيهِ مِنَ الْعَرْشِ".
стр. 95
٢٥- حديث صحيح، أخرجه أحمد وغيره بسندين صحيحين عنه، وقد خرجته في "المشكاة" "٣٤٦٥".
٣٤- وعنه قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:
"يُؤْتَى بِالْمَقْتُولِ مُتَعَلِّقًا بِالْقَاتِلِ وَأَوْدَاجُهُ تَشْخَبُ دَمًا حَتَّى يَنْتَهِي بِهِ إِلَى الْعَرْشِ يَقُولُ: يارب سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي؟ ".
٣٥- حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ:
"جَعَلَ اللَّهُ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ الْمَاءَ، وَجَعَلَ فَوْقَ الْمَاءِ الْعَرْشَ، والذي نفسي بيده إن نفسي وَالْقَمَرَ لَيَعْلَمَانِ أَنَّهُمَا سَيَصِيرَانِ إِلَى النار يوم القيامة".
هذا حديث موقوف.
٢٦- قلت: ذكره المصنف من رواية روح بن عباد وهو من شيوخ أحمد بسنده عن ابن عمرو، وهو إسناد صحيح.
٣٦- عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ:
خَرَجْنَا مَعَ رسول الله ﷺ فِي جِنَازَةٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَقَالَ فِي الرُّوحِ: "حَتَّى يَنْتَهِيَ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَيِقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَعِيدُوهُ".
إِسْنَادُهُ صالح.
٢٧- قلت: هو مخرج في "أحكام الجنائز".
٣٧- عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ :
"إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه يدعوه أن يردهما صفراً ليس فيهما شيء".
٢٨- حديث صحيح، مخرج في "المشكاة" "٢٢٤٤" و"صحيح أبي داود" "١٣٣" و"الترغيب "٢/ ٢٧٣".
стр. 96
هذا حديث مشهور رواه عن النبي ﷺ أيضاً علي بن أبي طالب وابن عمر وأنس وغيرهم.
٣٨- حديث قتادة بن النعمان سمع النبي ﷺ يقول:
"لما فرغ الله من خلقه استوى على عرشه".
رواته ثقات، رواه أبو بكر الخلال في كتاب السنة له١.
٣٩- حديث أخرجه البخاري في كتاب الرد على الجهمية: من "صحيحه" في "باب قوله: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب" عن ابن عباس قال:
بلغ أبا ذر مبعث النبي ﷺ فقال لأخيه: اعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء.
٤٠- حديث عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ:
"اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ" قَالُوا: "قَدْ" بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا. قَالَ: "اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أَهْلَ الْيَمَنِ" قَالُوا: قَدْ بَشَّرْتَنَا فَاقْضِ لَنَا عَلَى هَذَا الأَمْرِ كَيْفَ كَانَ؟ فَقَالَ:
"كَانَ اللَّهُ عَلَى الْعَرْشِ، وَكَانَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَكَتَبَ فِي اللَّوْحِ كُلَّ شَيْءٍ يَكُونُ".
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَدْ خرجه البخاري في مواضع٢/ ٢٩
٢٩- قلت: لقد جمع المصنف رحمه الله تعالى في تخريجه لهذا الحديث بين تصريحه بصحته، وعزوه إياه للبخاري في "صحيحه"، بينما الغالب عليه الإشارة إلى صحته بعزوه للشيخين أو أحدهما كما سبق غير مرة، ويأتي أيضا، ففي صنيع هذا الإمام ما يدل على جواز
стр. 97
الجمع المذكور، الذي جرينا عليه في بعض تخريجاتنا، فأنكره بعض الحاقدين من متعصبة الحنفية، واتهمنا بما لم يخطر لي على بال، وقد شرحت ذلك ورددت عليه بما يكفي ويشفي في مقدمتي لتخريج "شرح العقيدة الطحاوية" الطبعة الرابعة للمكتب الإسلامي فلتراجع فإنها هامة.
٤١- عن ثابت البناني قال: كان داود ﵇ يطيل الصلاة ثم يركع ثم يرفع رأسه إلى السماء ثم يقول: "إليك رفعت رأسي يا عامر السماء، نظر العبيد إلى أربابها يا ساكن السماء". إسناده صالح.
اعلم أن الله قد أخبرنا وهو أصدق القائلين بأن عرش بلقيس عرش عظيم فقال: "ولها عرش عظيم" ثم ختم الآية بقوله: "اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رب العرش العظيم" فكان عرشها عظيماً بالنسبة إليها وما نحيط الآن علماً بتفاصيل عرشها ولا بمقداره، ولا بماهيته، وقد أتى به بعض رعية سليمان ﵇ إلى بين يديه قبل ارتداد طرفه، فسبحان الله العظيم، فما ينكر كرامات الأولياء، إلا جاهل، فهل فوق هذه كرامة؟ فيقال: إنه دعا باسم الله الأعظم، فحضر في لمح البصر من اليمن إلى الشام، فما ثم إلا محض الإيمان والتصديق، ولا مجال للعقل في ذلك، بل آمنا وصدقنا، فهذا في شيء صغير صنعه الآدميون، وجلبه في هذه المسافة البعيدة بشر بإذن الله تعالى، فما الظن بما أعد الله تعالى من السرر والقصور في الجنة لعباده؟ الذي كل سرير منها طوله وعرضه مسيرة شهر أو أكثر، وهو من درة بيضاء أو من ياقوتة حمراء، الذي كل باع منها خير من ملك الدنيا "فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ" آمنا بالغيب والله، وجزمنا بخبر الصادق، ففي الجنة "قطعاً" ما لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بشر، فما الظن بالعرش العظيم الذي اتخذه العلي العظيم لنفسه في ارتفاعه وسعته، وقوائمه وماهيته وحملته، والكرويين الحافين من حوله، وحسنه ورونقه وقيمته؟ فقد ورد أنه من ياقوته حمراء ولعل مساحته مسيرة خمسمائة ألف عام لا إله إلا هو الحليم الكريم، لا إله إلا هو رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات السبع ورب العرش الكريم، الحمد لله رب العالمين، سبحان الله وبحمده عدد خلقه وزنة
стр. 98
عرشه، ورضى نفسه ومداد كلماته، ضاعت الأفكار وطاشت العقول، وكلت الألسنة عن العبارة عن بعض المخلوقات، فالله أعلا وأعظم "آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مسلمون" تبا لذوي العقول الخائضة، والقلوب المعطلة، والنفوس الجاحدة، فما قدروا الله حق قدره، والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة، والسماوات مطويات بيمينه، سبحانه وتعالى عما يشركونه. اللهم بحقك عليك، وباسمك الأعظم وكلماتك التامة، ثبت الإيمان في قلوبنا، واجعلنا هداة مهتدين، نعم ما السماوات والأرض في الكرسي إلا كحلقة في فلاة وما الكرسي في العرش العظيم إلا كحلقة في فلاة، اسمع وتعقل ما يقال لك وتدبر ما يلقى إليك، والجأ إلى الإيمان بالغيب، فليس الخبر كالمعاينة.
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقال تعالي: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ وقال تعالي: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ، يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ وقال تعالي: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ .
والقرآن مشحون بذكر العرش -وكذلك الآثار- بما يمتنع أن يكون مع ذلك أن المراد بذلك الملك، فدع المكابرة والمراء، فإن المراء في القرآن كفر، ما أنا قلته بل المصطفى ﷺ قاله.
٣٠- قلت: أخرجه الإمام اللالكائي في "السنة" "١/ ٩٢/ ٢" وعنه ابن قدامة المقدسي في جزئه "إثبات صفة العلو لله تعالى" "ق١٦٢/ ١" ومن طريقه ساقه المصنف، ووقع في سنده سقط في الأصل يستدرك من "ابن قدامة" وصححه المؤلف عن ثابت البناني في "الأربعين" له "١٧٨/ ١".
٣١- قلت: عرش الرحمن ﵎، نؤمن به، ونصفه بما ثبت في الكتاب والسنة فقط، فليت المؤلف رحمه الله تعالى وقف عندهما، ولم يزد عليهما وصفا تظننا ورجما بالغيب، لا سيما وهو قد ذكر فيما يأتي من الأصل عن وهب بن منبه أنه قال: "العرش مسيرة خمسين ألف سنة" فقال خمسين، ولم يقل خمسمائة! وهو على كل حال من الإسرائيليات التي لا فائدة من ذكرها إلا للتنبيه، ولذلك حذفته من هذا المختصر.
стр. 99
٣٢- يشير إلى الحديث الوارد في ذلك من طرق تكلمت عليها في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" "١٠٩" وسيأتي في الكتاب برقم.
٣٣- جزم المصنف رحمه الله تعالى بأن النبي ﷺ قاله، وحق له ذلك، فإنه صحيح ثابت من طرق، وقد صححه جمع كما سبقت الإشارة إليه برقم "١".
٤٢- عن حسان بن عطية قال: حملة العرش ثمانية يتجاوبون بصوت حسن رخيم، فيقول أربعة منهم: سبحانك وبحمدك على حلمك بعد علمك. ويقول أربعة: سبحانك وبحمدك على عفوك بعد قدرتك. إسناده قوي
٣٤- ذكره المصنف من طريق الوليد بن يزيد العذري: حدثنا الأوزاعي عنه. وهذا سند قوي كما قال، وتابعه رواد بن الجراح عن الأوزاعي به. أخرجه أبو الشيخ في "العظمة". "ق٨٨/ ١- مصورة المكتب الإسلامي".
٤٣- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
"مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَقَامَ الصَّلاةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي ولد فيها" قالوا: يا رسول الله: أفلا نبشر الناس بذلك؟ قال: "إن في الْجَنَّةَ مِائَةُ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ، بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كما بين السماء والأرض، إذا سألتم الله فسألوه الفردوس فإنه في وسط الجنة وأعلا الْجَنَّةِ وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ" أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ١.
قال البخاري في أواخر صحيحه باب قوله "وَكَانَ عرشه على الماء" وهو رب العرش العظيم، ثم قال: وقال مجاهد: استوى "علا" على العرش.
٣٥- وصله الفريابي بسند صحيح عن مجاهد. قلت: وفيه رد على بعض الكتاب المعاصرين الذين يوهمون الناس أن السلف يتكلموا في آيات الصفات ولم يفسروها إطلاقا،
стр. 100
وأنهم اكتفوا بقراءتها دون تدبرها وتفهمها. وهذا مما أبطله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتبه، نعم لم يفسروها تفسيرا مقرونا بالتشبيه والتكييف، بل نهوا عن ذلك أشد النهي، كما ستراه في الكتاب عن مالك وغيره، وقد روى اللالكائي في "السنة" "١/ ٩١/ ٢" عن بشر بن عمر الثقة المتوفى "٢٠٧" قال: سمعت غير واحد من المفسرين يقولون: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال: على العرش ارتفع.
٤٤- ثم روى بسنده عَنْ عِمْرَانَ قَالَ: إِنِّي عِنْدَ النبي ﷺ وجاءه قَوْمٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقَالَ: "اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ". قالوا: بشرتنا فأعطنا. فدخل ناس مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: "اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أَهْلَ الْيَمَنِ إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ" قَالُوا: قَبِلْنَا جِئْنَاكَ لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ، وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الأَمْرِ مَا كَانَ؟ قَالَ: "كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ" ثُمَّ أَتَانِي رَجُلٌ فَقَالَ: يَا عِمْرَانُ أَدْرِكْ نَاقَتَكَ فَقَدْ ذَهَبَتْ، فَانْطَلَقْتُ أَطْلُبُهَا، فَإِذَا السَّرَابُ يَنْقَطِعُ دُونَهَا، وَايْمُ اللَّهِ لَوَدَدْتُ أَنَّهَا ذَهَبَتْ وَلَمْ أَقُمْ.
أنا أُعِدُّ "إِيرَادَ" نُصُوصِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِلاحْتِجَاجِ عِيًّا، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ الْقَائِلِ:
وَلَيْسَ يَصِحُّ فِي الأَذْهَانِ شَيْءٌ ... إِذَا احْتَاجَ النَّهَارُ إِلَى دليل
٤٥- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْكُرْسِيُّ مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ، وَالْعَرْشُ لا يُقَدِّرُ أحد قدره. رواته ثقات. ٣٦
٣٦- صحيح موقوف، أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي "التَّوْحِيدِ" "ص٧١-٧٢" والدارمي في "الرد على المريسي" "ص٧١، ٧٣-٧٤" وأبو جَعْفَرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِي "العرش" "١١٤/ ٢" وعبد الله بن أحمد في "السنة" "ص٧١" عن سفيان عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عنه.
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات.
وتابعه يوسف بن أبي إسحاق عن عمار الدهني. أخرجه أبو الشيخ في "العظمة" "٣٣/ ١" وله عنده شاهد "٣٦/ ٢١" من حديث أبي ذر مرفوعا.
٤٦- عَنْ قَيْسٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عُمَرُ ﵁ الشَّامَ اسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ وَهُوَ
стр. 101
عَلَى بَعِيرِهِ، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ رَكِبْتَ بِرْذَوْنًا يَلْقَاكَ عُظَمَاءُ النَّاسِ وَوُجُوهُهُمْ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: ألا أريكم ههنا، إنما الأمر من ههنا، فأشار بِيَدِهِ إِلَى السَّمَاءِ.
إِسْنَادُهُ كَالشَّمْسِ. ٣٧
٣٧- قلت: أخرجه الدارمي "ص١٠٥" وفي "الرد على الجهمية" "ص٢٦" ومن طريقه المصنف بإسناده إليه، وهو إسناد صحيح على شرط الشيخين.
٤٧- عن عبد الرحمن بن غنم قال: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: ويل لديان الأرض من ديان السَّمَاءِ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ، إِلا مَنْ أَمَرَ بِالْعَدْلِ، فَقَضَى بِالْحَقِّ، وَلَمْ يَقْضِ عَلَى هَوًى، وَلا عَلَى قرابة، ولا على رغبة ولا رهب، وَجَعَلَ كِتَابَ اللَّهِ مِرْآةً بَيْنَ عينيه، قال ابن غنم: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا عُثْمَانَ وَمُعَاوِيَةَ وَيَزِيدَ وعبد الملك.
رواه سمويه في "فوائده".
٣٨- قلت: ورواه المصنف بإسناده عنه. وأخرجه الدارمي "ص١٠٤" مختصرا، وإسنادهما صحيح، ورجاله ثقات إن كان سعيد بن عبد العزيز التنوخي حدث به قبل اختلاطه، وهذا هو الراجح عندي لأن الراوي له عنه أبو مسهر، مع أنه هو الذي أخبرنا باختلاطه، فغالب الظن أنه لا يروي عنه في حالته هذه، لا سيما وهو معظم له جدا، فقد قال أبو حاتم: كان أبو مسهر يقدم سعيد بن عبد العزيز على الأوزاعي، ومن البديهي أن هذا التقديم منه لا يكون إلا في روايته قبل الاختلاط، فكذا روايته عنه لا تكون إلا في هذه الحالة والله أعلم.
٤٨- حديث ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: "الْعَرْشُ فَوْقَ الْمَاءِ وَاللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ".
رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي السُّنَّةِ" لَهُ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَبُو أَحْمَدَ الْعَسَّالُ، وَأَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو الشَّيْخِ، وَأَبُو الْقَاسِمِ الْلالَكَائِيُّ، وَأَبُو عُمَرَ الطَّلَمَنْكِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ وَأَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ في تواليفهم. وإسناده صحيح.
стр. 102
٣٩- يعني في "الأسماء والصفات" "ص ٤٠١" ورواه أيضا ابن خزيمة "ص٧٠" والدارمي "ص١٠٥" وأبو الشيخ في "العظمة" "ق٣٤/ ٢" واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" "١/ ٩١/ ٢" وسنيد بن داود صحيح كما قال ابن القيم في "جيوشه" "ص١٠٠"، وسندهم جيد.
٤٩- وأخرج أبو أحمد العسال بإسناد صحيح عن ابن مسعود أنه قال:
"من قال سبحان الله والحمد لله والله أكبر، تلقاهن ملك فعرج بهن إلى الله فلا يمر بملأ من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يحيي بهن وجه الرحمن ".
٥٠- حديث ابن مسعود قال: "إن العبد لَيِهَمُّ بِالأَمْرِ مِنَ التِّجَارَةِ وَالإِمَارَةِ حتى إذا تيسر له نظر اللَّهُ إِلَيْهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ فَيَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ: اصْرِفُوهُ عَنْهُ فإنه إن يسرته له أدخلته النار".
أخرجه اللالكائي بإسناد قوي١./ ٤٠
٤٠- أخرجه اللالكائي في "السنة" "ص٦٥" بسند ضعيف كما أشار إليه المصنف، ومن طريقه ساقه المؤلف.
٥١- عن ابن مسعود قال: "إن الله تعالى يبرز لأهل جنته في كل جمعة في كثيف من كافور أبيض فيحدث لهم من الكرامة ما لم يرو مثله، ويكونون في الدنو منه كمسارعتهم إلى الجمع". أخرجه ابن بطة في الإبانة الكبري بإسناد جيد.
٥٢- حديث عائشة ﵂ قالت: وَايْمُ اللَّهِ إِنِّي لأَخْشَى لَوْ كنت أحب قتله لقتلت -يعني عُثْمَانَ ﵁ وَلَكِنَّ عِلْمَ اللَّهِ فَوْقَ عَرْشِهِ أَنِّي لم أحب قتله. / ٤١
٤١- قلت: أخرجه الدارمي في "الرد على الجهمية" "ص٢٧" وإسناده صحيح.
стр. 103
٥٣- حديث مُجَاهِدٌ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: خَلَقَ اللَّهُ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ بِيَدِهِ: الْعَرْشَ وَالْقَلَمَ وَآدَمَ وَجَنَّةَ عَدْنٍ, ثُمَّ قَالَ لِسَائِرِ الْخَلْقِ: كُنْ, فَكَانَ
إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ.
٤٢- أخرجه الدارمي "ص٣٥، ٩٠" وأبو الشيخ في "العظمة" "٣٥/ ٢ و٢٠٩/ ٢" واللالكائي "١/ ٩٧/ ١" بسند صحيح على شرط مسلم.
٥٤- نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَلَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا قَبْلَ الْمَاءِ, فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ أَخْرَجَ مِنَ الْمَاءِ دُخَانًا فَارْتَفَعَ, ثُمَّ "أَيْبَسَ" الْمَاءَ فَجَعَلَهُ أَرْضًا, ثُمَّ فَتَقَهَا فَجَعَلَهَا سَبْعَ أَرْضِينَ, إِلَى أَنْ قال: فلما فرغ الله مِنْ خَلْقِ مَا أَحَبَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ"
أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطبري في "تفسيره" والبيهقي في "الصفات"
٤٣- قلت: إسناده جيد، وهو عند البيهقي "ص٣٧٩-٣٨٠" وأخرجه ابن خزيمة أيضا "ص٢٤٣".
٥٥- حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
"سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ.." وَسَاقَ الحديث.
أخرجه البخاري١.
٥٦- حديث أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: "إِنَّ اللَّهَ تعالى يَقُولُ: "أَيْنَ" الْمُتَحَابُونَ بِجَلالِي؟ الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّ عَرْشِي، يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلِّي" وَقَدْ وَرَدَ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ أَحَادِيثُ تبلغ التواتر.
٤٤- حديث صحيح، أخرجه أحمد "٢ ٣٣٨، ٣٧٠، ٥٢٣" من طريق فليح عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر أَبِي طُوَالَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يسار عن أبي هريرة به. ومن هذه الطريق
стр. 104
أورده المؤلف في الأصل، وقد أبعد النجعة، لأن مالكا أخرجه في "الموطأ" "٢/ ٩٥٢/ ١٣" عن ابن معمر به. ومالك أوثق من مائة من مثل فليح، ولذلك أخرجه من طريقه مسلم في "صحيحه" "٨/ ١٢" وكذا أحمد "٢/ ٢٣٧، ٥٣٥" والدارمي "ص٣٧١ - هند".
٥٧- حديث الْعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: "يَقُولُ اللَّهُ : الْمُتَحَابُونَ بِجَلالِي فِي ظِلِّ عَرْشِي يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلِّي" إِسْنَادُهُ حسن.
٤٥- أخرجه أحمد "٤/ ١٢٨" وقال المنذري في "الترغيب" "٤/ ٤٨": "بإسناد حسن".
٥٨- حديث ابن مسعود في قوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ قال:
"أما إنا قد سألنا عن ذلك، فقالوا: أرواحهم في أجواف طير خضر تسرح في الجنة في أيها شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم ربك إطلاعة فقال: سلوني ما شئتم".
أخرجه مسلم والترمذي والقزويني.
٥٩- حَدِيثُ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا رَجَعَتْ مُهَاجِرَاتُ الْبَحْرِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قال:
"ألا أتحدثون بِأَعْجَبِ شَيْءٍ رَأَيْتُمْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ؟ " فَقَالَ فِتْيَةٌ مِنْهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ إِذْ مَرَّتْ عَلَيْنَا عَجُوزٌ مِنْ عَجَائِزِهِمْ تَحْمِلُ قُلَّةً مِنْ مَاءٍ فَمَرَّتْ بِفَتًى مِنْهُمْ فَجَعَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ بَيْنَ كَتِفَيْهَا ثُمَّ دَفَعَهَا عَلَى رُكْبَتِهَا فَانْكَسَرَتْ قُلَّتُهَا فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ التفتت فَقَالَتْ سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ إِذَا وَضَعَ اللَّهُ الْكُرْسِيَّ وَجَمَعَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ وَتَكَلَّمَتِ الأَيْدِي وَالأَرْجُلُ بما كانوا يكسبون أتعلم أَمْرِي وَأَمْرَكَ عِنْدَهُ غَدًا فَقَالَ رسول الله ﷺ : "صَدَقَتْ, كَيْفَ يُقَدِّسُ اللَّهُ قَوْمًا لا يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهِمْ مِنْ قويهم؟ " إسناده صالح.
٤٦- كذا قال، فإن كان يعني أنه صالح لغيره فمقبول، وإلا فقد ساقه من طريق مسلم ابن خَالِدٍ عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ عَنْ أبي الزبير عنه. قلت: وهذا إسناد ضعيف فيه علتان:
الأولى: عنعنة أبي الزبير فإنه كان مدلسا، وقد ترجمه بذلك المؤلف نفسه في "الميزان".
стр. 105
والأخرى: ضعف مسلم بن خالد وهو الزنجي، ترجمه المؤلف أيضا وحكى أقوال الأئمة فيه، وأكثرهم على تضعيفه لغلطه، ثم ساق له أحاديث، ثم ختم الترجمة بقوله:
"فبهذه الأحاديث وأمثالها ترد بها قو الرجل ويضعف". ومن هذه الطريق أخرجه ابن حبان "٢٥٨٤".
لكن مسلما لم يتفرد به، فقد قال ابن ماجه "٤٠١٠": حدثنا سعيد بن سويد ثنا يحيى بن سليم عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خثيم ويحيى وسعيد فيهما ضعف أيضا، لكن لا بأس بهما في المتابعات. وتابعه في المرفوع منه الفضل بن العلاء حدثنا ابن خثيم به. أخرجه ابن حبان أيضا "١٥٥٤" والخطيب في "التاريخ" "٧/ ٣٩٦". وللمرفوع طريق أخرى عن جابر عند البيهقي في "الشعب" "٢/ ٤٣٢/ ٢" وله شاهد من حديث أبي سعيد في قصة أخرى مخرج في "المشكاة" "٣٠٠٤"، وفي "الترغيب" "٣/ ١٣٨" شواهد أخرى، وآخر عند الحاكم "٣/ ٢٥٦". فبقيت العلة الأولى وهي العنعنة في القصة. لكنها قد جاءت من طريق أخرى عند البيقهي في "الأسماء والصفات" "ص٤٠٤" و"شعب الإيمان" "٢/ ٤٣٢ ك١" عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنِ ابْنِ بريدة عن أبيه ﵁ قال:
"لما قدم جعفر ﵁ من الحبشة قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ما أعجب شيء رأيته ثم؟ قال ... " فذكرها.
وإسناده صحيح لولا أن عطاء بن السائب كان اختلط، ولكنه يستشهد به فالحديث به صالح إن شاء الله تعالى.
٦٠- حديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ:
"الْجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ, وَالْفِرْدَوْسُ أَعْلاهَا دَرَجَةً وَمِنْ فَوْقِهَا الْعَرْشُ فَإِذَا سَأَلْتُمُ الله فاسألوه الفردوس" رواته ثقات. قد مر نحوه في الحديث رقم "٤٣" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ أَصَحُّ.
٤٧- قلت: بل إسناده صحيح كما قال الحاكم ووافقه المؤلف في "تلخيصه"، وإن أشار إلى ترجيح حديث أبي هريرة المتقدم "٤٣" فالراجح عندي تبعا للحافظ أن كلا الحديثين صحيح كما بينته في "الصحيحة" "٩٢١"، والحديث أخرجه أحمد أيضا والترمذي.
٦١- حديث أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ الْمُسْلِمُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى الْعَالَمِينَ، وَقَالَ الْيَهُودِيُّ: وَالَّذِي اصْطَفَى
стр. 106
مُوسَى عَلَى الْعَالَمِينَ، فَرَفَعَ الْمُسْلِمُ عِنْدَ ذَلِكَ يَدَهُ وَلَطَمَ الْيَهُودِيَّ، فذهب اليهودي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ :
"لا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ فَأَكُونُ أَوَّلَ مِنْ يُفِيقُ فَإِذَا بموسى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ، فَلا أَدْرِي أكان مِمَّنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَمْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ ".
وفي طريق آخر عنه ﵁ بِنَحْوِهِ، وَفِيهِ:
فَغَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: "لا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ" وَفِيهِ: "فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالْعَرْشِ فَلا أَدْرِي أَحُوسِبَ بِصَعْقَةِ يَوْمَ الطُّورِ أَوْ بُعِثَ قبلي" وفي لفظ: "فَإِنَّهُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَيَصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ من بعث "أو في أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ" فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالْعَرْشِ، فَلا أَدْرِي أَحُوسِبَ" الْحَدِيثُ. مُتَّفَقٌ عَلَى ثُبُوتِهِ.
٦٢- حَدِيثُ أبي سعيد قال: ذكري يَهُودِيٌّ مُوسَى فَكَأَنَّهُ فَضَّلَهُ عَلَى نَبِيِّنَا ﷺ ، فلطمه أنصاري، فجء الْيَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَشْكُوهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ :
"لا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ، أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُ عَنْهُ الأَرْضُ، فَإِذَا مُوسَى مُتَعَلِّقٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العرش، فلا أدري أفي الصعفة الأُولَى بُعِثَ أَمْ بَعْدِي؟ ".
رَوَى مِنْهُ مُسْلِمٌ "لا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأنبياء"
٤٨- كذا قال، وقد أخرجه مسلم "٧/ ١٠٢" بتمامه نحوه، ولكنه أحال في لفظه على حديث أبي هريرة الذي قبله عنده أيضا. وكذلك أخرجه البخاري بتمامه في موضعين "٢/ ٨٩، ٤/ ٣٢٧" وأحمد أيضا "٣/ ٣٣"، ورواه أبو دواد "٤٦٨" مختصرا وهو رواية لأحمد "٣/ ٣١".
٦٣- حديث جَابِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ وجنازة سعد بن معاذ بن أَيْدِيهِمْ: "اهْتَزَّ لَهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ" لفظ مسلم.
ومن طريق أخرى عن جابر قال: جاء جبريل لي رسول الله ﷺ فقال:
стр. 107
"من هذا العبد الصالح الذي مات؟ فتحت له أبواب السماء وتحرك له العرش". قال، فخرج رسول الله ﷺ فإذا سعد، فجلس على قبره ... " وذكر الحديث.
أخرجه النسائي.
٤٩- وأخرجه البخاري أيضا وهو مخرج عندي في "تخريج السنة لابن أبي عاصم" "٥٦٢" والطريق الأخرى هي عند أحمد أيضا "٣/ ٣٢٧" وسنده جيد، وأخرجه أبو جَعْفَرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِي "العرش" "ق١١٣/ ١".
٦٤- حديث أَنَسٍ قَالَ: "قَالَ" رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَنَازَةُ سَعْدٍ مَوْضُوعَةٌ:
"اهْتَزَّ لَهَا عَرْشُ الرحمن" هذا صحيح
٥٠- أخرجه مسلم وغيره. "تخريج السنة" "٥٦١".
٦٥- حديث أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
"اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ" هذا حديث صحيح
٥١- أخرجه أحمد وابن سعد. "تخريج السنة" "٥٦٤-٥٦٧".
٦٦- حديث أسيد بن حضير قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَقَدِ اهتز العرش لوفاة سعد" إسناده حسن.
٦٧- حديث رميثة: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -وَلَوْ أَشَاءُ أَنْ أُقَبِّلَ الْخَاتَمَ مِنْ قُرْبِي لَفَعَلْتُ -وَهُوَ يَقُولُ:
"اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ" يُرِيدُ بِذَلِكَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ. هَذَا إِسْنَادٌ صَالِحٌ، صَحَّحَهُ ابْنُ مَنْدَهْ. وفي الباب عن سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وحذيفة، وأبي هريرة، وأسماء بنت يزيد، ومعيقيب.
فهذا متواتر أشهد بأن رسول الله ﷺ قاله.
стр. 108
٥٢ و٥٣- كذا قال، وفيه نظر بينته في "تخريج السنة" "٥٦٧"، وفي "التوحيد" لابن منده باب خاص في هذا الحديث جمع فيه طرقه "ق١٣٧/ ١-١٣٨/ ١".
٦٨- حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
"إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَزَلَ الرَّبُّ إِلَى الْعِبَادِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَأَحَادِيثُ نزول الباري متواترة قد سقت طرقها وَتَكَلَّمْتُ عَلَيْهَا١ بِمَا أُسْأَلُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلا قُوَّةَ إِلا بالله العلي العظيم.
٥٤- قلت: عزوه لمسلم وهم، فإنه لم يخرجه بهذا اللفظ أصلا، وإنما أخرج بالسند الذي ذكره المؤلف في الأصل لفظا آخر "٦/ ٤٧". وأما هذا، فإنما أخرجه الترمذي "٢/ ٦١" وابن خزيمة "ق٢٥٠/ ٢" والحاكم "١/ ٤١٨" من طريق آخر عن أبي هريرة، وصححوه.
٦٩- حديث ابن مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال:
"يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم أربعين سنة، شاخصة أبصارهم إلى السماء يَنْتَظِرُونَ فَصْلَ الْقَضَاءِ، وَيَنْزِلُ اللَّهُ في ظلل من الغمام من الْعَرْشِ إِلَى الْكُرْسِيِّ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: أَيُّهَا النَّاسُ أَلْم تَرْضَوْا مِنْ رَبِّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ وَأَمَرَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا أَنْ يُوَلِّيَ كُلَّ نَاسٍ مَا كَانَ يَتَوَلَّى وَيَعْبُدُ فِي الدُّنْيَا؟ أَلَيْسَ ذَلِكَ عَدْلا مِنْ رَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى فَيَنْطَلِقُونَ، فَيَتَمَثَّلُ لَهُمْ أَشْبَاهُ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَنْطَلِقُ إِلَى الشَّمْسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْطَلِقُ إِلَى القمر، وإلى الأوثان، ويتمثل لِمَنْ كَانَ يَعْبُدُ عِيسَى شَيْطَانُ عِيسَى، وَلِمَنْ كَانَ يَعْبُدُ عُزَيْرًا شيطان عزير، ويبقى محمد وَأُمَّتُهُ، فَيَتَمَثَّلُ الرَّبُّ لَهُمْ فَيَأْتِيهِمْ فَيَقُولُ: مَا لَكُمْ لا تَنْطَلِقُونَ كَمَا انْطَلَقَ النَّاسُ؟ فَيَقُولُونَ: بَيْنَنَاَ وَبَيْنَهُ عَلامَةٌ فَإِذَا رَأَيْنَاهُ عَرَفْنَاهُ، فَيَقُولُ: مَا هِيَ؟ فَيَقُولُونَ: يَكْشِفُ عَنْ سَاقٍ. فَعِنْدَ ذَلِكَ يَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ فَيَخِرُّونَ، وَيَبْقَى قَوْمٌ ظُهُورُهُمْ كَصَيَاصِيِّ الْبَقَرِ يريدون السجود فلا يستطيعون ثم يقول: ارفعوا رؤوسكم، فَيُعْطِيهِمْ نُورَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، وَالرَّبُّ أَمَامَهُمْ" وَذَكَرَ الحديث إسناده حسن.
стр. 109
٥٥- هو كما قال أو أعلى. وقد ذكره مختصرا من طريق جمع من المخرجين منهم عبد الله ابن أحمد، ثم أخرجه بأتم منه هكذا بتمامه بسنده المتصل إلى ابن مسعود، وقد أخرجه بتمامه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي "السنة" "ص١٧٧" وقال المؤلف في "الأربعين" "١٨٦/ ١": وهو حديث صحيح.
٧٠- رَوَى بَعْضَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ أَبِي الزَّعْرَاءِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وفيه:
"فيتمثل الله لخلق، ثُمَّ يَأْتِيهِمْ فِي صُورَتِهِ" وَهَذَا الْحَرْفُ مَحْفُوظٌ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ.
وَكَانَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمَاجِشُونِ يَقُولُ فِيمَا نَقَلَهُ إِسْحَاقُ بْنُ الطَّبَّاعِ عَنْهُ وقيل له: إن اللَّهُ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُرَى فِي هَذِهِ الصِّفَةِ، فَقَالَ: يَا أَحْمَقُ، إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ يَتَغَيَّرُ عَنْ عَظَمَتِهِ١ وَلَكِنْ عَيْنَاكَ يُغَيِّرُهُمَا حَتَّى تَرَاهُ كَيْفَ شَاءَ.
٥٦- قلت: أخرجه عنهما الشيخان في "صحيحيهما" في الرؤية في الآخرة الطويل، وكذلك أخرجه جمع آخر منهم ابن خزيمة في "التوحيد" "ص١١٣-١١٥" والبيهقي في "الأسماء" "ص٢٩١-٢٩٦".
٧١- حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ بِيَدِي فَقَالَ:
"يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنَّ الله خلق السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، يَوْمَ السَّابِعِ، وَخَلَقَ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَالْجِبَالَ يَوْمَ الأَحَدِ، وَالشَّجَرَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، وَالشَّرَّ٢ يَوْمَ الثُّلاثَاءِ، وَالنُّورَ يَوْمَ الأَرْبَعَاءِ، وَالدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَآدَمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ بَعْدَ الْعَصْرِ، خَلَقَهُ مِنْ أَدِيمِ الأَرْضِ بِأَحْمَرِهَا وَأَسْوَدِهَا وَطَيِّبِهَا وَخَبِيثِهَا، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ جَعَلَ اللَّهُ مِنْ آدَمَ: الطيب والخبيث".
أخرجه النسائي في تفسيره "السجدة" والأخضر بن عجلان وثقه ابن معين.
стр. 110
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: يُكْتَبُ حَدِيثُهُ، وَلَيَّنَهُ الأَزْدِيُّ. وَحَدِيثُهُ فِي السُّنَنِ الأربعة.
٥٧- قلت: تليين الأزدي إياه؛ لا تأثير له، لأن الأزدي نفسه متكلم فيه كما هو معلوم، لا سيما وقد وثقه ابن معين كما ترى وكذا الإمام البخاري والنسائي وابن حبان وابن شاهين كما في "التهذيب" فهو متفق على توثيقه لولا قول أبي حاتم: يكتب حديثه. لكن هذا القول إن اعبترناه صريحا في التجريح فمثله لا يقبل لأنه جرح غير مفسر، لا سيما وقد خالف قول الأئمة الذي وثقوه، على أنه من الممكن التوفيق بينه وبين التوثيق بحمله على أنه وسط عند أبي حاتم، فمثله حسن الحديث قطعا على أقل الدرجات، وكأنه أشار إلى ذلك الحافظ بقوله فيه في "التقريب":
"صدوق".
وبقية رجال الإسناد ثقات كلهم، فالحديث جيد الإسناد على أنه لم يتفرد بذكر خلق التربة يوم السبت، وغيرها في بقية الأيام السبعة، فقد أخرجه مسلم وغيره من طريق أخرى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مرفوعا، وقد خرجته في "الصحيحة" رقم "١٨٣٣"، وقد توهم بعضهم أنه مخالف للآية المذكورة في أول الحديث، وهي أول سورة "السجدة"، وليس كذلك كما كنت بينته فيما علقته على "المشكاة" "٥٧٣٥"، وخلاصة ذلك أن الأيام السبعة في الحديث هي غير الأيام الستة في القرآن وأن الحديث يتحدث عن شيء من التفصيل الذي أجراه الله على الأرض، فهو يزيد على القرآن، ولا يخالفه، وكان هذا الجمع قبل أن أقف على حديث الأخضر، فإذا هو صريح فيما كنت ذهبت إليه الجمع. فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
٧٢- حديث جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ:
"أَلا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ؟ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ؟ قَالَ: "يُتِمُّونَ الصَّفَّ الْمُقَدَّمَ وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصف" أخرجه مسلم.
٧٣- عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يَقُولُ:
"الْمُتَحَابُونَ فِي اللَّهِ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ".
٥٨- حديث صحيح، أخرجه أحمد "٥/ ٢٢٩، ٢٣٦-٢٣٧" وابن حبان "٢٥١٠" والحاكم "٤/ ١٦٩-١٧٠" وكذا ابن المبارك في "الزهد" "٧١٥" من طريقين صحيحين عنه،