← История

История · id 7320

معالم تاريخ الشرق الأدني القديم

محمد أبو المحاسن عصفور

Полный текст (525 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

جـ- أهم الجهود الأثرية: أولًا- في جنوب بلاد العرب: بدأ الاهتمام منذ أواسط القرن الثامن عشر, ويرجع سبب ذلك إلى أن الأوروبيين في أسفارهم إلى الهند سمعوا ما يتناقله أهل شواطئ اليمن، وحضرموت عن آثار الأبنية المدفونة في رمال تلك البقاع, وما عليها من كتابات عجز العرب واليهود عن قراءتها؛ فخطر لعالم ألماني اسمه "مخايلس" أن يبحث في تلك الآثار وقراءتها واقترح على فريدريك الخامس

стр. 282

ملك الدانمارك تشكيل لجنة تذهب لارتياد تلك البقاع؛ فأجابه لطلبه وأمر بتشكيل لجنة من خمسة أعضاء١, من بينهم "كارستن نيبور" وجعل تحقيق بعض ما ورد في التوراة عن جغرافية وعادات وحاصلات الشرق؛ ولكن أعضاء الرحلة ماتوا جميعًا فيما عدا نيبور الذي أصدر كتابًا بعد عودته لم يأت بنتائج مهمة، ومع كل فإن هذه الرحلة كانت تمهيدًا لرحلات أوروبية أخرى كما أن الكتاب الذي صدر عنها يعد أول كتاب علمي عن اليمن, حوى نقوشًا مكتوبة بخط المسند وخرائط لأماكن يمنية كانت مجهولة للأوروبين من قبل. وفي سنة ١٨١٠ تمكن العالم الألماني "سيتزن" من الاهتداء إلى نقوش في ظفار "جنوبي صنعاء" كان نيبور قد أشار إليها في كتابه، كما استطاع أن ينسخ بعض النقوش التي أرسلها إلى أوروبا, ثم اختفى داخل اليمن في ظروف غامضة واختلفت الآراء حول مصيره. وفي سنة ١٨٣٦ تمكن جروتفند الألماني من نشر خمسة نقوش سبئية عثر عليها في صنعاء, كما تمكن الضابط الإنجليزي ولستد ١٨٣٨ من اكتشاف حصن الغراب ونسخ نقشًا على جدرانه يرجع تاريخه إلى ٥٢٥م ثم قام برحلة في غرب وادي ميفعة؛ حيث عثر على آثار حصن كان في منطقة خصبة تعرف حاليًا باسم نقب الهجر. ويعتبر عام ١٨٤٣ من الأعوام التي شهدت نشاطًا ملحوظًا في ارتياد اليمن؛ حيث ارتاد الرحالة الألماني أدولف فون فريده صحراء الأحقاف شمال حضرموت واكتشف آثار سور قديم في وادي أوبنة بسهل ميفعة الشرقي نقش عليه بكتابة حضرمية. وفي نفس العام قام الصيدلي الفرنسي توماس أرنو

стр. 283

برحلة إلى اليمن أدت إلى اكتشاف سد مأرب وآثار أخرى من عصر سبأ, منها معبد ألمقه "إله القمر" الذي أطلق عليه العرب اسم محرم بلقيس, وتمكن في عودته أن ينسخ عددًا من النقوش السبئية في صنعاء ومأرب وصرواح بلغ عددها ٥٦ نقشًا, قام بترجمتها قنصل فرنسا في جدة وكان مهتما بدراسة اللهجات العربية الجنوبية. وفي سنة ١٨٧٠ أرسلت أكاديمية النقوش والفنون الجميلة في باريس بعثة إلى اليمن برئاسة المستشرق اليهودي جوزيف هاليفي, الذي تمكن من اختراق الجوف اليمني والوصول إلى نجران وطاف حول مأرب وصرواح, وعاد إلى فرنسا بعد أن جمع ٦٨٦ نقشًا جديدًا, وهو أول من اكتشف آثارًا معينية ومن أهمها خرائب "قرناو" عاصمة الدولة المعينية. وفي سنة ١٨٨٢ قام المستشرق النمسوي "لانجر" برحلة إلى اليمن وتنكر في زي الأعراب؛ حيث اخترق بلاد حمير القديمة وعثر على نقش حميري مهم بالقرب من ظران, كما نسخ عددًا من النقوش في صنعاء وعدن, ثم حاول التوغل إلى داخل البلاد ولكنه قتل. وتبعه في الذهاب إلى اليمن المستشرق النمسوي إدوارد جلازر الذي قام بأربع رحلات إليها, استطاع أن يقنع المسئولين الأتراك في صنعاء بمساعدته وتذليل الصعاب له, وكانت أولى رحلاته فيما بين عامي ١٨٨٢ وفيها درس الآثار السبئية بالمنطقة المحيطة بهمدان، ورحلته الثانية كانت ١٨٨٥ وفيها زار "ظفار" العاصمة القديمة للدولة الحميرية, ونسخ عددًا كبيرًا من النقوش المعينية، أما رحلته الثالثة؛ فكانت فيما بين عامي ١٨٨٧، ١٨٨٨ وفيها درس آثار مأرب, وتمكن من رسم تخطيطات لآثار القنوات والسدود, ونسخ الكتابات المسجلة على السدود, وتعتبر هذه الرحلة أهم رحلاته فقد قضى بعدها أربع سنوات في أوروبا؛ حيث عكف على دراسة النقوش التي عثر عليها في مأرب وهي أهم نقوش

стр. 284

عثر عليها, كما رسم خرائط للبقاع التي زارها ووصف آثارها، وحينما عاد إلى اليمن للمرة الرابعة ١٨٩٢ نسخ نقوشًا بعضها قتبانية وبعضها الآخر سبئية من مناطق الجوف, واستعان في ذلك ببعض الأعراب بأخذ طبعات لهذه النقوش على ورق من نوع معين, كذلك حصل جلازر على بعض العملات العربية القديمة. ومع أن الإمام يحيى أغلق اليمن في وجه الرواد والرحالة لشدة الصراع بينه وبين الإنجليز بشأن عدن والمحميات؛ إلا أنه كان حريصًا على الكشف عن آثار بلاده؛ حيث قام بالتنقيب في قرية حجة شمال صنعاء ورحب ببعثة أوروبية كان على رأسها كارل راتجنز "Rath jens" وفون فيسمان ١٩٢٨ اللذان قاما برحلات إلى الحبشة وحضرموت واليمن في عامي ١٩٣١، ١٩٣٢. وفي سنة ١٩٣٦ قامت بعثة أثرية من جامعة القاهرة برئاسة الدكتور سليمان حزين إلى ناعط بالقرب من صنعاء, ونسخ الدكتور خليل يحيى تامي أحد أعضاء البعثة بعض النقوش السبئية, وفي أثناء ذلك كان الصحفي السوري نزيه مؤيد العظم يزور اليمن وأقام في صرواح ومأرب ونشر نتائج رحلته في كتاب "رحلة في البلاد العربية السعيدة من مصر إلى صنعاء" وطبع في القاهرة سنة ١٩٣٨, وفي سنة ١٩٣٧ قامت ثلاث رحالات أوروبيات برحلة إلى حضرموت وكشفْنَ عن معبد لإله القمر وعثرن على عدد من النقوش, وقد نشر كاتون تومسون نتائج هذه الرحلة في كتاب طبع في أكسفورد ١٩٤٢, وفي نفس الوقت قام بعض العلماء الأوروبيين برحلات أخرى إلى اليمن أهمهم فيلبي الذي ارتاد "عسير" و"نجران" و"شبوة" و"تريم" على أن هذه الرحلات وجهت اهتمامًا خاصًّا إلى جغرافية حضرموت، وفي سنة ١٩٤٥ قام الأستاذ محمد توفيق برحلة إلى اليمن لدراسة هجرات الجراد وانتهز فرصة وجوده هناك فزار الجوف تمكن من تصوير عدد كبير من الآثار ونسخ كثيرًا من النقوش ونشر جزءًا من أبحاثه ١٩٥١ كما نشر "نقوش خربة معين" سنة ١٩٥٢، كذلك قام الدكتور خليل يحيى تامي بنشر نقوش خربة براقش على ضوء مجموعة الأستاذ محمد توفيق، وقام الأثري المرحوم

стр. 285

الدكتور أحمد فخري بزيارة مناطق كثيرة لم يزرها رحالة آخر بعد جوزيف هاليفي, ونشر تفصيلات رحلته في كتاب أصدره ١٩٥٢ وعدة مقالات وبحوث علمية. وفي سنة ١٩٥٢ قامت بعثة أثرية أمريكية برئاسة "وندل فيلبس" بالتنقيب في تمنع عاصمة الدولة القتبانية, كما نقبت في الساحة الأمامية لمحرم بلقيس وفي سد مأرب, وكشف عن الكثير من الآثار البرونزية والرخامية وبعض النقوش السبئية ولكن توقفت أعمال هذه البعثة سريعًا لخلاف نشب بينها وبين الحكومة اليمنية؛ إلا أن النتائج التي أسفرت عنها تنقيباتها مهمة للغاية. ثانيًا- في شمال بلاد العرب ووسطها: اهتم عدد كبير من العلماء والمستشرقين الأوروبيين بآثار البتراء وجنوب سورية, وكان في طليعة الرواد الذين زاروها لودفيج بورخاردت السويسري الذي تنكر في زي عربي وأطلق على نفسه اسم إبراهيم بن عبد الله, وبهذه الوسيلة تمكن من أداء فريضة الحج وزيارة مسجد الرسول كأحد الحجاج ووصف موسم الحج وصفا دقيقا, ثم زار آثار الأنباط في البتراء وسورية الجنوبية. وفي سنة ١٨٤٥ زار المستشرق جورج والين بلاد نجد كما زار "سير ريتشارد بيرتون" بلاد الحجاز متنكرًا باسم الحاج عبد الله في منتصف القرن ١٩. وتوالت بعد ذلك رحلات العلماء أمثال جراهام ويلجراف ورنكير وغيرهم، ويرجع الفضل في الكشف عن النقوش العربية الشمالية إلى داوتي وهوبر وأوتينج الذين ارتادوا المنطقة الشمالية الغربية والوسطى من بلاد العرب فيما بين عامي ١٨٧٦، ١٨٨٤, ومن المستشرقين الذين وصلوا إلى أطلال مدينة الحجر "مدينة صالح" وتيماء والعلا جيوسن وسافنياك, بينما اهتم آخرون أمثال برينوف ودوماسفسكي وموسل ودلمان بدراسة آثار الأنباط في بلاد العربية الصخرية وتدمر في بادية الشام، ومن أهم العلماء الذين قاموا برحلات في باديتي

стр. 286

الشام والعراق المستشرق الفرنسي رينيه دوسو والمستشرقان الألمانيان تيودور نلدكه الذي كتب عن تاريخ أمراء الغساسنة, وروتشتاين الذي نشر بحثًا عن تاريخ اللخميين في الحيرة. وبالرغم من كل ما سبق من دراسات وبحوث؛ فإن نتائجها أبعد من أن تعطي صورة تاريخية تامة شاملة لكل أجزاء شبه الجزيرة, وهي أبعد ما تكون أيضًا عن إعطاء سلسلة تاريخية لها متصلة الحلقات؛ إذ توجد فجوات كثيرة لم يمكن معرفتها حتى الآن، ولا بد من مضاعفة الجهود الأثرية في شتى أنحاء شبه الجزيرة حتى يمكن إكمال الصورة التاريخية لها, ومع كل فإننا سنحاول فيما يلي دراسة تاريخ أجزاء شبه الجزيرة حسب أرجح الآراء.

стр. 287

العصر التاريخى مدخل ... العصر التاريخي: يكاد تاريخ بلاد العرب القديم المعروف قبل ظهور الإسكندر ينحصر في القسمين الجنوبي والشرقي، أما شمال بلاد العرب فلا يعرف عنه شيء قبل اليونان باستثناء بعض إشارات طفيفة وردت في نصوص الأشوريين.

стр. 288

أولًا: القسم الجنوبي: بلاد اليمن: من المرجح أن اسمها مشتق من كلمة "يمنات" الواردة في نصوص سبئية قديمة كاسم لهذه البلاد وربما يكنى بها عن اليمن والخير؛ لأن بلاد اليمن قديمًا كانت وفيرة الخيرات حتى عرفت باسم اليمن الخضراء لكثرة ما بها من أشجار ونباتات, ومما يؤيد ذلك أن اليونان قديمًا سموها بلاد العرب السعيدة "Arabia felix" على احتمال أنهم ترجموا كلمة "يمنت أو يمنات" بالبلاد السعيدة.

стр. 289

وقد عرفت اليمن قديمًا بتجارة العطور والبخور والمر والصمغ والكافور والورس "وهو نبات كان يستخدم في الصباغة" وكانت مصر تستهلك كميات كبيرة من اللبان اليمني والبخور في المعابد وفي تحنيط الموتى، ولم يكتف اليمنيون بالاتجار في حاصلات بلادهم بل عملوا كوسطاء للتجارة أيضًا بين الهند والعراق والشام ومصر, فكانت التوابل والسيوف الهندية والحرير الصيني والعاج والأبنوس والذهب من أثيوبيا تنقل بوساطة تجار اليمن إلى مصر والعراق. وقد أشار كتاب اليونان والرومان إلى ثروات اليمن, ومن أمثلة هؤلاء هيرودوت وثيوفراست "تلميذ أرسطو" الذي وصف السبئيين بأنهم محاربون وزراع وتجار مهرة وديودور الصقلي وإسترابو وبلينوس ... أما كتاب العرب الذين أشاروا إلى ثروة اليمن؛ فمن أشهرهم الهمذاني والألوسي والمقدسي ونظرًا لما حظيت به اليمن من الثروة فإنها كانت أكثر بلاد العرب تحضرًا وكانت كثيرة الحصون والقصور التي كانت تعرف بالمحافد, ومن أشهرها غمدان وناعط وصرواح وظفار وبراقش ومعين وعمران وغيرها، وينسب إلى هذه المحافد والقصور أصحاب فيقال: ذو غمدان، ذو صرواح, وهكذا، وإذا تجمع عدد من المحافد والقصور في مقاطعة كبيرة سميت مخلافًا, ويتولى شئون المخلاف أمير يقال له: قيل "والجمع: أقيال" وقد بلغ عدد هذه المخاليف ٨٤ مخلافًا, كان من أهمها مخلاف صنعاء ومخلاف همدان ومخلاف خولان وغيرها. ولا شك في أن عصور ما قبل الكتابة أو العصور قبل التاريخية لا يعرف عنها إلا القليل, وقد سبق أن أشرنا إليها "ص٢٤٠". أما عن العصر التاريخي في بلاد اليمن فإن أهم أحداثه يمكن أن تنحصر في تاريخ الدول التي قامت بها, وهذه الدول هي: الدولة المعينية والدولة السبئية والدولة الحميرية، وتاريخ هذه الأخيرة يخرج عن مجال العصر التاريخي

стр. 290

الذي يعالجه هذا الكتاب، وهناك دولتان أخريان لم يكن لهما إلا دور ضئيل في تاريخ العرب, وهما دولتا قتبان ودولة حضرموت. أ- الدولة المعينية "١٣٠٠-٦٥٠ ق. م.." تعد أقدم دولة معروفة في شبه جزيرة العرب وهي أقدم دولة كذلك ظهرت في بلاد اليمن, ومن الغريب أنها لم تذكر في المصادر العربية بل ذكرت بلدة معين, وكانت تقرن غالبًا ببلدة براقش؛ حيث أشير إليهما كمحفدين من محافد أو قصور اليمن القديمة وموقعهما في الجوف فيما بين نجران وحضرموت؛ بينما أشارت المصادر اليونانية والرومانية إلى المعينيين وذكرت عاصمتهم "معن" باسم "قرتاو". ومن المحتمل أن الكتابة عرفت في معين قبل قيام دولتها ببضعة قرون وقد ظلت حضارة المعينيين غير معروفة إلى أن تمكن هاليفي من الكشف عن آثار عاصمتهم معين ونسخ كثيرًا من نقوشهم ونشر نتائج كشفه سنة ١٨٧٤، وقد زاد عدد النقوش المعينية التي نسخت بفضل جهود جلازر وجوسن, ومن دراسة هذه النقوش عرفنا الكثير عن هذه الدولة وملوكها وكان عدد هؤلاء ٢٦ ملكًا موزعين على خمس أسرات, وإن كان بعض الباحثين يرى أن هؤلاء الملوك ينتمون إلى ثلاث طبقات؛ ولكن فيلبي يؤيد أنهم في خمس أسرات إلا أنه لم يذكر إلا ٢٢ اسمًا من أسماء هؤلاء الملوك؛ كذلك أمكن عن طريق هذه النقوش أن نتعرف على بعض الألقاب الملكية مثل لقب "يطوع": المخلص، صدوق أي: العادل, وريام أي: المضيء, وكان الملوك يخاطبون بلقب "مزود" أي: مقدس أو "كبر" أي: العظيم أو الكبير. وقد ظهرت دولة المعينيين في المنطقة السهلة "أي: الجوف" بين نجران وحضرموت حيث كان المعينيون يشتغلون بالتجارة ويسيطرون على الطرق التجارية بين الشمال والجنوب, ثم ازداد نفوذهم السياسي حتى بلغ شمال الحجاز فدخلت معان وديدان "العلا" في نطاق نفوذهم كما تشير إلى ذلك النصوص المعينية والكشوف الأثرية التي عثر عليها

стр. 291

في هاتين المنطقتين١, ويبدو أنهم كانوا هم والسبئيون الذين ينتمون إلى نفس جنسهم يسيطرون خلال الألف الأول قبل الميلاد على الجزء الأعظم من التجارة العالمية في بلاد العرب, وامتد التنافس على السيادة فيما بينهم إلى الواحات التي كانت تمر بها طرق التجارة؛ فكانت بكل من تلك الواحات جالية من أبناء العرب الجنوبيين يتولى أمرهم مقيم من بلادهم ويشرف على ملوك ورؤساء الواحة ويراقبهم حتى لا يضروا بمصالح سيده السبئي أو المعيني حسب تبعيته؛ حيث كان الطريق التجاري العظيم الذي يوصل برًّا بين اليمن والشام ومصر يقع أحيانًا تحت سيطرة المعينيين وأحيانًا في أيدي السبئيين الذين عاصروهم في أواخر عهدهم، وفي كل واحة من الواحات التي يمر بها الطريق كان يقيم حكام من معين أو سبأ تؤيدهم حاميات عسكرية لحماية جالياتهم التجارية, وفي بعض الأحيان كانت توجد جاليات تجارية إفريقية أيضًا وأثناء توسع المعينيين في الواحات شمالًا احتكوا بأشور وفينيقيا ومصر, وكان حكام أشور يتفاوضون مع الحكام المعينيين في الواحات؛ على أنهم الملوك المعينيون الجنوبيون لا على أنهم الممثلون لهم, كما أن الوثائق السريانية والعبرية تشير إلى أن بلاد هؤلاء الملوك الجنوبيين تقع جنوب شرق البحر الميت, ويدل ذلك من جهة أخرى على أن المعينيين والأدوميين "سكان سعير" خضعوا لسلطان ملوك بلاد العرب الجنوبيين. وأدى اشتغالهم بالتجارة إلى معرفتهم تدوين الحسابات التجارية, فاقتبسوا الأبجدية بالفينيقية واستخدموها في كتاباتهم وظل المعينيون يستخدمونها حتى بعد زوال مملكتهم؛ حيث عثر على كتابات معينية في الجيزة بمصر وفي جزيرة ديلوس باليونان ترجع تاريخها إلى القرن الثاني قبل الميلاد, كذلك عثر على كتابات لهم في أور والوركاء بالعراق.

стр. 292

ومن المحتمل أن أول الملوك المعينيين كان "اليفع وقه" وقد عثر على اسمه مكتوبًا في النقوش المعينية في مدينة "نشان" وفي براقش "إيثيل" وقد خلفه في حكم اليمن ابنه "وقه إيل صدق" الذي ذكر اسمه مع اسم والده، كذلك ذكر مع "اليفع وقه" اسم ابن آخر له هو "أبو كرب يشع". ومن الملوك الذين وردت أسماؤهم في نقوش معينية الملك "أب يدع يشع" الذي قام بعض أشراف قرناو "معين" بترميم خنادقها وإصلاح أسوارها في عهده, وتشير النقوش التي من عهده أيضًا إلى حروب نشبت بين اليمن وبين إحدى الدويلات الشمالية, كما تشير كذلك إلى حروب حدثت بين عدن وموصر في وسط مصر وقد اختلفت الآراء بشأنهما؛ إنما يرجح أنهما كانا شعبين يعيشان بالقرب من سيناء. ومن ملوك المعينيين أيضًا "وقة إيل روام" و"يشع إيل صدق" وقد بنى هذا الأخير حصن "يشبوم" وقد أشارت بعض النقوش إلى أن الحالة السياسية أصبحت سيئة في عهدي "يشع إيل ريم" وابنه "تبع كرب" وهما من الملوك المتأخرين, وربما أصبحت معين خاضعة لسبأ؛ حيث إن هذه النقوش تشير إلى اعتراف معين بسلطان آلهة وملوك وشعب سبأ. ويبدو أن انتقال السيادة إلى سبأ قد أخذ في الظهور حينما عجزت معين عن حماية قوافلها التجارية وضعف حكامها المقيمون في المراكز التجارية التي تمر بها طرق القوافل عن مجابهة قطاع الطرق والقبائل المعادية التي كانت تعترض طرق القوافل، وربما عمت الفوضى بعد ذلك؛ حيث إننا نجد في النقوش المعينية ما يشير إلى وجود اثنين أو أكثر كل منهما يلقب بلقب ملك في وقت واحد, وتعددت الضرائب؛ فكان هناك ثلاثة أنواع منها على الأقل: نوع يجيء لخزانة الملك ونوع يجيء للمعابد ونوع ثالث يجيء للمشايخ والحكام المحليين. والجدير بالذكر أن ضرائب المعابد كانت نوعين أحدهما كان يدفع تقربًا للإلهة "أكرب" والثاني كان يفرض فرضًا على الأشخاص ويقال له العشر، ومع أن "معين" كان يحكمها ملوك؛ إلا أن كل مدينة كان لها مجلس يدير شئونها في السلم والحرب

стр. 293

ويعرف باسم "مسود". ب- دولة قتبان: من القرن الحادي عشر ق. م - ٢٥ ق. م." كان القتبانيون يقطنون في الطرف الجنوبي من بلاد اليمن إلى جنوب سبأ ويتاخمون حضرموت، وكانت عاصمتهم تقع في وادي بيجان قرب باب المندب أي: كحلان الحالية, ولم تشر المصادر إلى أخبار ذات قيمة عن قتبان, وقد شهدت الدولة القتبانية نهاية الدولة المعينية وعاصرت دولة سبأ والدولة الحميرية, وقد اندمجت فيما بعد في الدولة الأخيرة. ويرجع الفضل فيما عرفناه من أخبار هذه الدولة إلى النقوش الكثيرة التي جمعها "جلازر" ومع هذا فقد اختلف المؤرخون في تحديد بداية ونهاية هذه الدولة، ومع كل فإن البعض يحاول أن يقسم تاريخ قتبان إلى ثلاث مراحل مختلفة: المرحلة الأولى: امتدت إلى حوالي منتصف القرن الرابع ق. م. وكانت أهم فتراتها هي تلك التي كانت بين القرنين السابع والخامس قبل الميلاد؛ حيث كان يحكم المكربون "أي: المقربون أو من جمعوا بين الكهانة والملك" وكان من أشهرهم "يدع أب ذبيان" الذي قام بمهاجمة سبأ والاستيلاء على بعض ممتلكاتها, وينسب إليه أنه هو الذي شيد المدخل الجنوبي لمدينة "تمنع" وإنشاء طريق يخترق الجبل وبعض الأعمال العمرانية الأخرى، ومن المرجح أن قبائل غير قتبان اشتركت في إنشاء طريق الجبل لما له من فائدة مشتركة, ومن بعض نقوش هذا الملك يتبين لنا أن مجالس المدن كانت تقترح مشروعات للقوانين؛ ولكن الملك وحده هو الذي كان يملك حق إصدارها. والمرحلة الثانية: كانت تمتد من ٣٥٠ إلى ٢٥٠ ق. م. وأول ملوكها

стр. 294

"أب شيم" الذي تلاه ولده "شهر غيلان" وهذا الأخير ترك نقوشًا مختلفة تدل على إنشائه أحد الأبراج وبنائه لإحدى العمارات, كما تشير إلى أن رؤساء القبائل كانوا مسئولين عن جمع الضرائب التي تورد لخزينة الدولة في نهاية كل عام, وتذكر النصوص أيضًا ضرائب أخرى كانت تورد للمعابد، وقد انتصر "شهر غيلان" على حضرموت وخلد هذا الانتصار بتشييد معبد للإله "عشتر" في ذبحان "بيحان القصب الحالية" كما يشير إلى ذلك أحد النقوش. ومن ملوك هذه المرحلة أيضًا "شهر يجيل" الذي تغلب على دولة معين ثم خلفه أخوه "شهر هلال ينعم" الذي انتهت بوفاته الأسرة القتبانية الثانية, وانتهت أيضًا المرحلة الثانية من عهد الدولة القتبانية. والمرحلة الثالثة: تمثل عصرًا تناوب فيه عدد من الملوك عرش البلاد, كان آخرهم "يدع أب غيلان" ثم تتولى قتبان أسرة ملكية أخرى وكانت ضعيفة, انهارت في عهدها دولتهم حتى آلت إلى الزوال. وكانت المرحلة الثانية من تاريخ قتبان هي العصر الذهبي لها؛ حيث أخضعت فيه كلًّا من معين وسبأ وربما ترجع أسباب قوة قتبان إلى موقعها الجغرافي بجوار باب المندب وحضرموت, كما كانت تنتج أفضل أنواع الطيب والبخور وجنوا من الأشجار فيها أرباحا طائلة، وقد عثر على كثير من آثارها ومن بينها عملات هلينية ورومانية؛ مما يوحي بتأثر القتبانيين بالحضارتين الهلينية والرومانية. جـ- دولة حضرموت "١٠٢٠-٣٠٠ ق. م." تقع على شرق اليمن على ساحل بحر العرب, وتنسبها التوراة إلى حضرموت

стр. 295

ابن يقطن بن عامر بن شالخ١, ولم يكن الباحثون على علم بشيء من أخبار الدولة التي قامت في حضرموت؛ ولكن بعد أن عثر على عدد من النقوش فيها أمكن التعرف على بعض تاريخها, ومن ذلك نعلم أنه قامت في حضرموت دولة كانت تعاصر كلًّا من حمير وسبأ وقتبان, وأنها صارت تابعة للدولة الحميرية الثانية منذ حوالي ١١٥ ق. م إذ كان ملوك حمير يلقبون أنفسهم بلقب "ملوك سبأ وريدان وحضرموت ويمنات". ومن المعتقد حسب ما ورد في النقوش أن أول ملوك حضرموت هو "شهرم علام بن صدق إيل" وكان حفيده "معدي كرب" الذي يرجح أن حضرموت اندمجت في مملكة معين في عهده أو بعد وفاته؛ إذ يعتقد أنه بينما كان "معدي كرب" يحكم في حضرموت كان أخوه يحكم في معين. ويبدو من بعض النقوش أن علاقات ودية أو تجارية كانت قائمة بين حضرموت وتدمر والأراميين في عهد ملك يدعى "العزيلط الثاني" كما تشير النقوش كذلك إلى أن ملكًا آخر يدعى "يدع ال بين" بن "رب شمص" أعاد بناء مدينة شبوة وأقام بها وبنى معبدها بالحجارة بعد ما حل بها من تخريب، ولا يعرف سبب هذا التخريب؛ ولكنه يعزى إلى نشوب قتال بين سبأ وبين حضرموت أو إلى حدوث ثورة داخلية ربما أدت إلى القضاء على الأسرة الحاكمة وحلول أسرة أخرى محلها, ومن المرجح أن حضرموت فقدت استقلالها واندمجت نهائيًّا في مملكة سبأ وريدان في عهد "شمريهرعش" الذي حمل لقب "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات". وكانت العاصمة القديمة لحضرموت هي "ميفعة" ثم انتقلت العاصمة بعد ذلك إلى "شبوة" التي يحتمل أنها أسست في القرن الثاني قبل الميلاد, وقد كشف فيلبي عن آثارها التي شملت أطلال كثير من المعابد والقصور وبقايا السدود التي أقيمت على وادي

стр. 296

شبوة لحصر مياه الأمطار وكانت الحاصلات تنقل إلى "قن" وهي ميناء حضرمية إلى الشرق من عدن, وهي على الأرجح حصن الغراب الحالي, ومنها تصدر حاصلات حضرموت برًّا وبحرًا. د- دولة سبأ ٨٠٠-١١٥ ق. م: ورد في نصوص تجلات بلاسر الثالث وسرجون الثاني الأشوريين وسنحريب الكلداني ما يشير إلى أنهم فرضوا الجزية على ملكي سبأ "يثعمر" و"كرب إيلو" اللذين يحتمل أنهما كانا من حكام سبأ المقيمين في الواحات التي على طريق التجارة إلى الشام, لا ملوكًا في سبأ نفسها, كذلك ورد اسم سبأ بضع مرات في التوراة، كما ورد ذكرها في القرآن الكريم. وقد اختلف الباحثون في أصل السبئيين ونسبهم؛ ولكن يغلب على الظن أنهم كانوا شعبًا بدويًّا يتنقل بين شمال وجنوب شبه الجزيرة العربية إلى أن استقر بهم المقام في اليمن حوالي ٨٠٠ ق. م. وقد اضطرتهم الظروف إلى ذلك إذ يحتمل أن الأشوريين ازدادوا ضغطًا عليهم في الشمال, وفي نفس الوقت وجدوا الفرصة سانحة؛ لكي يستغلوا الضعف الذي منيت به الدولة المعينية, وأخذوا في التوسع جنوبًا على حساب المعينيين, وقوي نفوذهم تدريجيًا إلى أن قضوا على دولة معين وأقاموا دولتهم على أنقاضها, وورثوا لغتها وحضارتها, وحلوا محلهم في نقل التجارة بين الهند والعراق والحبشة ومصر والشام, وأصبحوا أعظم الوسطاء التجاريين بين هذه الأقطار, ويرى البعض من الباحثين أنهم تركوا مواطنهم التي أطلق عليها الأشوريون اسم عربي أو أريبي "ووردت في التوراة باسم بارب أو يعرب" وارتحلوا إلى جنوب شبه الجزيرة في القرن الثامن قبل الميلاد, واتخذوا صرواح ثم مأرب عاصمة لهم, وهذه الأخيرة يحتمل أنها سميت كذلك نسبة إلى موطنهم الأصلي "بارب".

стр. 297

واستطاعت دولة سبأ أن تزدهر وأن ينعم شعبها بالثراء لاشتغالهم بالزراعة والتجارة؛ حيث سيطروا على الطريق البري الذي يربط الجنوب بالشمال, وازداد نفوذها فأقامت حكامًا لها في الواحات الواقعة على هذا الطريق التجاري, تعاونهم حاميات عسكرية وكانت واحة ديدان "العلا" هي مركز نفوذها على شمال بلاد العرب. ويمكن حسب ما ورد في النقوش السبئية، أن نقسم عصر الدولة السبئية إلى مرحلتين تاريخيتين متتاليتين: مرحلة المكارب ٨٠٠-٦٥٠ ق. م. أي: المقربون من الآلهة والناس أو الذين كانت لهم مكانة دينية إلى جانب حكمهم كملوك, وقد اتخذوا صرواح عاصمة لهم في أول الأمر ثم نقلوا العاصمة بعد ذلك إلى مأرب، ومرحلة ملوك سبأ وتمتد إلى ١١٥ ق. م. مكارب سبأ وتمتد إلى ١١٥ ق. م. أسس "سمة على" دولة سبأ ثم خلفه على العرش ابنه "يدع إيل ذريح" "حوالي ٧٨٠ ق. م." وقد شيد معبدًا للإله ألمقه في صرواح ومعبدًا آخر لنفس الإله في مأرب وقدم القرابين إلى الإله عشتر, ثم تبعه ولده "يثع أمر" الذي ينسب إليه بناء معبد في بلدة دابر الواقعة في الجوف بين مأرب ومعين؛ مما يوحي بأن السبئيين اصطدموا بالمعينيين في عهده, وقد قام ولده "يدع إيل بين" الذي خلفه في الحكم بتحصين أبراج مدينة نشق المعينية. ومنذ بداية القرن السابع قبل الميلاد اهتم مكارب سبأ بالإصلاحات الزراعية؛ فقد وزع "كرب إيل بين" الأراضي المحيطة بنشق على الفلاحين لاستصلاحها وزراعتها وسار ولده "دمر على ذريح" على نفس السياسة, أما ابن هذا الأخير "سنة على ينف" فقد شيد سدًّا على مدخل وادي "زنة" بمأرب يعرف باسم سد "رحب"

стр. 298

سنة ٦٥٠ ق. م. فساعد على تنظيم ري المناطق المجاورة طوال العام؛ ولكنه لم يفِ بحاجة كل الأراضي الزراعية؛ مما جعل "يثعمر أمر بين" ولده وخليفته يزيد في حجم السد "طولًا وعرضًا وارتفاعًا"، كما شيد سدًّا أعظم منه يعرف باسم "سد حبايض"، وكان لهذين السدين بمأرب أعظم الأثر في زيادة الرقعة الزراعية وزيادة ثروة البلاد. وقد رمم سد "زنة" وأصلح في العصور التالية؛ ولكن اضطراب أحوال الدولة الحميرية فيما بعد وإهمالها له عجل بتصدعه ثم انهياره فتحولت الأراضي الزراعية إلى الجدب؛ وأدى ذلك إلى هجرة بعض القبائل إلى مشارف الشام والبحرين والعراق. وآخر مكارب اليمن هو "كرب إيل وتر" الذي تخلى عن سياسة التعمير واتجه إلى التوسع العسكري؛ فهاجم الدولة المعينية وقضى عليها, كما انتصر على القتبانيين وسجل انتصاراته على جدران معبد صرواح, ولقب نفسه بلقب "ملك سبأ" فأصبح أول حكام سبأ الذين تلقبوا بهذا اللقب. ملوك سبأ: اتسعت مملكة سبأ واشتد بأسها وأصبح لها أسطول تجاري ضخم ينتقل بين ثغورها والثغور الأجنبية, وقد أخذت تظهر فيها أسرات قوية وخاصة منذ سنة ٥٠٠ ق. م. ومن بين هذه الأسرات أسرة همدانية تمكنت من اغتصاب العرش، وحدثت تغيرات سياسية وفكرية مهمة؛ فبدأت تظهر فيها أسماء آلهة جديدة لم يكن يسمع عنها من قبل ثم بدأت المتاعب تحيط بملوك سبأ منذ سنة ٣٥٠ ق. م؛ إذ إن الهمدانيين وبعض أمراء القبائل الأخرى طمعوا في العرش أو الاستقلال بإماراتهم وحاولت المملكة أن تقضي على استقلال هذه الإمارات وأن تدمجها في المملكة؛ ولكن عَزَّ على هذه الإمارات أن تتنازل عن استقلالها وضعف مركز ملوك سبأ, وخاصة بعد أن أخذ البطالمة في مصر يحتكرون التجارة الشرقية, وقامت اضطرابات وثورات عنيفة أدت إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية

стр. 299

والسياسية, وتدخلت الدول الأجنبية في شئون المملكة وخاصة بعد أن فقدت سيطرتها على البحر الأحمر وسواحل أفريقيا؛ حيث إنتقلت التجارة البحرية إلى أيدي اليونان ثم إلى أيدي الرومان من بعدهم. وفي أواخر عهد ملوك سبأ قام نزاع خطير حول العرش تسبب في تدمير البلاد وتحول الكثير من الأراضي الزراعية إلى صحارى، وقد أفاد الريدانيون "وهم شعب عربي جنوبي كان ينزل قرب ساحل شبه الجزيرة الجنوبية إلى الشمال من حضرموت" والحميريون من ذلك النزاع, وتمكنوا من انتزاع العرش السبئي وأسسوا في ١١٥ ق. م. الدولة الحميرية التي حكم ملوكها باسم "ملوك سبأ وذي ريدان".

стр. 300

ثانياً القسم الشرقي مجان ... ثانيًا: القسم الشرقي: أ- مجان: ذكر سرجون الأكدي أنه غزاها وجلب منها ومن ملوخا ودلمون سفنًا١؛ ولذا يعتقد أغلب الباحثين أنها تقع في شرق شبه جزيرة العرب؛ بينما يرى البعض أنها عمان الحالية وأنها اشتهرت بالتجارة والملاحة، وتشير نصوص "نرام سين" "حفيد سرجون ملك أكاد" إلى أنه غزا مجان وأخضع ملكها مانيؤم, وهو اسم يبدو أنه سامي مما يوحي بوجود مملكة حكامها من العرب الساميين. ومع أن اسم مجان قد يكون مشتقًّا من كلمة سومرية بمعنى ميناء أو أرض السفن

стр. 301

إلا أن النصوص المسمارية تصف "مجان" بأنها "جبل النحاس"، وقد اشتهر نحاسها بوجود نسبة من القصدير, كذلك اشتهرت "مجان" بحجر الديوريت الأسود الذي صنع منه قدامى ملوك العراق تماثيلهم ونصبهم.

стр. 302

ب- دلمون أو تلمون "البحرين ": ذكر اسم دلمون أو تلمون في المصادر المسمارية، وكانت على علاقات مختلفة مع السومريين والبابليين والأشوريين منذ أقدم العصور، وقد وردت عنها إشارات في النصوص المسمارية منذ منتصف الألف الثالث إلى نحو سنة ٥٠٠ ق. م. وهذه النصوص تدل على أن دلمون تقع في منطقة البحرين وأنها أرض أسطورية غريبة؛ حيث يذكر سرجون الثاني "ملك أشور" أن ملك دلمون يعيش في وسط البحر الذي تشرق منه الشمس، كما يذكر الملك أشور بانيبال أن دلمون تقع وسط البحر الأسفل والمقصود بـ"البحر الذي تشرق منه الشمس" و"الأسفل" في النصوص الآأشورية هو الخليج العربي، ويستدل من نصوص سرجون المشار إليها على أن الوصول إلى دلمون كان يتطلب نحو ٦٠ ساعة ملاحة من مصب الفرات, أي أنها كانت تبعد نحو ٣٠٠ ميل وهي نفس المسافة إلى جزر البحرين. وفي سنة ١٨٧٩م عثر على كتابة مسمارية في البحرين ترجع إلى العهد البابلي القديم في النصف الثاني من الألف الثاني ق. م. وبها إشارة إلى "قصر رموم عبد الإله أنزاك رئيس قبيلة أجاروم" ومن المحتمل أن أجاروم القديمة هي قبيلة عربية بقي اسمها مستعملًا وحرف إلى بني هجر التي تقيم الآن في بقعة تجاور البحرين، كما يرجح أن هذا الاسم المحرف "هجر"، كان يستعمل في العصور الوسطى للدلالة على منطقة الأحساء.

стр. 303

وقد اشتهرت دلمون بتمرها منذ أقدم العصور، ويغلب على الظن أن الساحل الشرقي لشبه جزيرة العرب كان ضمن مملكة دلمون, التي ازدهرت في الألف الثاني قبل الميلاد وكانت تضم الأحساء والبحرين. وما زالت الآراء تختلف في أصل الدلمونيين؛ إذ يرى البعض أنهم جاءوا من الجزء الجنوبي الغربي من شبه الجزيرة، وكانت لهم صلات مع العراقيين منذ عصر فجر الأسرات السومرية؛ بينما يرى البعض الآخر أن من المحتمل أن يكون السومريون القدماء قد جاءوا أصلًا من دلمون. وقد تعرضت دلمون لغزوات كثيرة من ملوك بلاد النهرين؛ فقد غزاها سرجون الأكدي هي ومجان وملوخا وجلب منها سفنًا كثيرة، كما أشرنا إلى ذلك من قبل، كذلك حاول بعض الأشوريين ضمها إلى ملكهم. ومما يذكر في هذا الصدد أن سنحريب بعد أن دمر بابل سنة ٦٨٩ ق. م. أرسل إلى دلمون أمرًا بالخضوع ومعه بعض رماد حريق بابل كتهديد لها بنفس المصير؛ فبادر ملك دلمون بإرسال جزية وهدايا لسنحريب رمزًا لخضوعه له. ويود بعض الباحثين أن يربط جنة عدن المذكورة في الكتب السماوية بمنطقة دلمون, ويستندون في هذا إلى ما تذكره الأساطير المسمارية التي تصفها بأنها أرض غريبة وإلى الأساطير العربية الشائعة في شبه الجزيرة التي تصفها كجنة ليس فيها إلا الخير والطهر، وإلى أن أسطورة سومرية عن الطوفان تشبه أسطورة جلجاميش تشير إلى دلمون كأرض مقدسة؛ ولكننا بالطبع لا نستطيع تأكيد ذلك.

стр. 304

جـ- باصو أوبازو "نجد" وحاسو "الأحساء": تقع هذه البلاد في شرق وجنوب شرقي شبه جزيرة العرب, وقد اتصل بها غير واحد من ملوك الأشوريين وكان أهمهم أسرحدون الذي توغل في بلاد العرب في أماكن بعيدة وصفها وصفًا ينطبق على نجد والأحساء، وقد ذكر اسميهما باصو "أوبازو" وحاسو على الترتيب، ومع أن بعض البحوث الأثرية قد تمت حديثًا في الأحساء وفي جزيرة البحرين؛ إلا أنها لا تلقي كثيرًا من الضوء على تاريخ هذه الجهات قبل خروج الإسكندر في حملاته إلى الشرق.

стр. 305

الفصل الخامس: الاقليم السوري مدخل ... الفصل الخامس: الإقليم السوري: ويقصد بالإقليم السوري هنا تلك المساحة التي عرفها اليونان بهذا الاسم، أي المساحة الواقعة بين جبال طوروس شمالًا وسيناء جنوبًا وبين البحر المتوسط غربًا والبادية وبلاد النهرين شرقًا. ولو تأملنا هذا الإقليم لوجدناه ينقسم من ناحية التضاريس إلى أقسام طولية يغلب فيها بوجه عام تناوب الأراضي المنخفضة والمرتفعات؛ حيث نجد أن السهل الساحلي تتلوه سلسلة الجبال الغربية, ويلي هذه سهل البقاع ثم السلسلة التي تنتهي إلى بادية الشام, مع ملاحظة أن كلًّا من هذه الأقسام يختلف في اتساعه بين بقعة وأخرى. وقد تأثر هذا الإقليم في تاريخه وحضاراته ببضعة عوامل يمكن تلخيصها فيما يلي: ١- الموقع الجغرافي: تقع سورية بين القارات الثلاثة الرئيسية للعالم القديم؛ فهي لهذا تعد حلقة الاتصال فيما بينها، ومع أن هذا الموقع أتاح لها أن تلعب دورًا مهمًّا في التبادل التجاري وفي انتشار كثير من المظاهر الحضارية بين أقطار

стр. 306

الشرق الأدنى؛ إلا أنه من جهة أخرى جعلها عرضة للهجرات والغزوات المختلفة, وكانت مجاورتها لأقدم مراكز الحضارة الفعالة في العراق ومصر وآسيا الصغرى من العوامل المهمة التي جعلتها تتأثر بتلك الدول وحضاراتها. ٢- التضاريس: أشرنا إلى أنها تنقسم إلى أقسام طولية مختلفة الاتساع والمظهر, وقد أدى ذلك إلى قيام وحدات منفصلة فيها، ولم تكن إحدى هذه الوحدات من الاتساع؛ بحيث تنشأ فيها دولة قوية يمكنها أن توحد سورية بأكملها تحت سلطانها؛ ولذا كان توحيدها غالبًا ما يتم بإرادة سلطة خارجية. ٣- وجود المناطق الصحراوية في شرق سورية وجنوبها جعلها المطمع الدائم للبدو من سكان هذه الأقاليم؛ فكان في صراع مع تلك العناصر. ونظرًا لأن هذه العوامل مرتبطة بالظروف الطبيعية للإقليم السوري, فإن أثرها الحضاري والتاريخي ظل مستمرًّا في معظم أدواره التاريخية، وفيما يلي موجز للأدوار التي مر بها:

стр. 307

أولاً العصور قبل التاريخية العصر الحجرى القديم العصر الحجري القديم الأسفل ... أولًا- العصور قبل التاريخية: أ- العصر الحجري القديم: العصر الحجري القديم الأسفل: وجدت آثار حضاراته "التي تشبه مثيلاتها في جهات العالم الأخرى" في كهوف عدلون "بين صيدا وصور" وفي الكرمل وأم قطفة "شمال غرب البحر الميت" والزطية "شمال غرب بحيرة طبرية" ورأس شمرا "أوجاريت" ولم يعثر على بقايا بشرية تمثل سكان هذا العصر١.

стр. 308

العصر الحجري القديم الأوسط: عثر على آثاره في كهوف في جبل الكرمل وفي جنوب الناصرة وفي شمال غرب طبرية، وقد عثر في بعض هذه الكهوف على بقايا بشرية تبين أن إنسان هذا العصر كان خليطًا من السلالات التي تمثل إنسان نياندرنال وأنواعًا أخرى أرقى منه تكاد تشبه الإنسان الحديث، ومن المحتمل أنه كان يأكل اللحوم البشرية، كما يستدل على ذلك من بقايا العظام البشرية التي وجدت وقد استخرجت مادتها النخاعية١.

стр. 309

العصر الحجري القديم الأعلى: وجدت آثاره في كهوف أنطلياس وفي حوض نهر الكلب وفي كهف بالقرب من طبرية؛ حيث عثر فيها -فضلًا عن الأدوات الميكروليثية- على بقايا هياكل عظمية لأنواع مختلفة من الحيوانات مثل: الكركدن والضبع والثعلب والماعز والغزلان "وهذه الأخيرة كانت أكثرها" كما عثر على بعض بقايا إنسانية، ومن المحتمل أن الإنسان توصل -في هذه المرحلة- إلى معرفة النار واستخدامها في الطهي.

стр. 310

ب- العصر الحجري المتوسط: تمثل هذا العصر حضارة تعرف باسم الحضارة الناطوفية١ "نسبة إلى وادي النطوف شمال غربي القدس"، وفيها ظلت الأدوات الميكروليثية مستعملة؛ بينما أخذت بعض الحيوانات التي كانت تعيش في تلك الجهات في الاختفاء؛ نظرًا لتغير الظروف المناخية. ويستدل من بقايا إنسان هذا العصر على أنه كان قصير القامة مستدير الرأس، ويرجح أنه عرف استئناس الحيوان والمرحلة البدائية في الزراعة وإن كان هذا لا يستند إلى دليل قوي حتى الآن، واتخذ منازل عبارة عن أكواخ من الطين أو اللبن عثر على أقدم آثارها في أريحا وتل الجديدة "شمال سورية" ورأس شمرا، ويتغالى بعض المؤرخين فيعتبر سورية أول من عرف بعض أسس الحضارة التي انتقلت منها إلى جهات أخرى من الشرق الأدنى٢, وهو ما لا يتفق مع نشأة الحضارات العظيمة في مصر والعراق. ومن المرجح أن الإنسان -ابتداء من هذا العصر- اهتدى إلى نوع من العقيدة بدليل ما عثر عليه من أواني الطعام والتقدمات في أماكن الدفن، كما أنه أخذ ينمي ملكته الفنية؛ حيث أصبح يحاول محاكاة ما حوله من الكائنات يحفرها على العظم أو الحجر؛ إذ عثر على قطعة من العظم في هيئة غزال وعلى تماثيل طينية لبعض الحيوانات الداجنة كانت في مزار مقبرة في أريحا.

стр. 311

جـ- العصر الحجري الحديث: يمثل العصر الحجري الحديث والعصر التالي له "بداية استخدام المعادن" في عدة مواقع في سورية وفلسطين، وقد اصطلح كثير من الأثريين على اتخاذ منطقة العمق في سورية نموذجًا للحضارات التي شاعت في هذا العصر وما تلاه؛ نظرًا لأن تلالها الكثيرة بطبقاتها المختلفة تحوي آثارًا لكل من هذه الحضارات, ويقابل هذه المنطقة في فلسطين منطقتا جريكو وتل الغسول. وقد وجدت آثار حضارة العصر الحجري الحديث في تل الجديدة وساكجي جوزي "في أقصى الشمال" ومرسين في قيليقيا وهذه يمكن وضعها ضمن آسيا الصغرى؛ ولكنها أقرب إلى الإقليم السوري؛ ولذلك تلحق به، وقد وجدت نظائر لهذه الآثار في طبقتي العمق أ، ب بسورية وطبقتي ١٠، ٩ في جريكو بفلسطين، ويمكن أن نعدها نظائر لحضارات حسونة بالعراق وسيالك الأولى في إيران, وهي تمثل مرحلة استقرار بالمعنى الصحيح؛ إذ عثر فيها على بعض الفئوس والمناجل الحجرية لا شك في أنها استخدمت في الزراعة، كما عثر فيها على أجران ومخازن. أما الأواني الفخارية التي عثر عليها فربما كانت متأثرة في صناعتها بما كان سائدًا في العراق؛ حيث يرى البعض أنها متأثرة بحضارة سامراء التي تنتمي إلى أواخر الدور الحجري الحديث؛ بينما يرى البعض الآخر أنها متأثرة بحضارة حلف١ التي تنتمي إلى أوائل دور بداية استخدام المعادن.

стр. 312

د- دور بداية استخدام المعادن "عصر النحاس والحجر ": تتمثل حضارات أوائل هذا الدور في أوجاريت "قرقميش" وفي جزر

стр. 313

وتل الغسول وفي الطبقة جـ بمنطقة العمق والطبقة ٨ بمنطقة جريكو "وهي تقابل تقريبًا حضارة حلف بالعراق، وقد عثر فيها على منازل من اللبن أساساتها من الحجر الغشيم "غير المهذب"، وكان الأطفال يدفنون عادة في جرار تحت أرضيتها, أما البالغون فكان بعضهم يحرق والبعض يدفن في جرار على هيئة الجنين١، ومن المحتمل أن تحصينات المدن بدأت من هذا العصر، وكانت الزراعة مقترنة بالرعي واستئناس الحيوان كالثور "الذي يرجح أنه قدس" والماعز والغنم، وكان الحمام يرمز عادة للإلهة الأم، وفي هذا العهد كانت تغلب على السكان صفات جنس البحر الأبيض المتوسط في الجنوب, أما في الشمال فيغلب على الظن أنهم كانوا من الأرمنيين. وتتمثل حضارات أواخر هذا الدور في أريحا ومجدل "تل المتسلم" والعفولة وبيت شان "بيسان" وأوجاريت وبيبلوس وهي تقابل طبقات العمق د، هـ، وفي سورية والحضارة الغسولية وعصر البرونز الأول في فلسطين، ويبدو أن سورية خلال هذه المرحلة كانت في حضارتها تساير حضارات العراق ومصر المناظرة لها؛ وخاصة في الجزء الأخير من عصر التمهيد للكتابة في العراق وعصر ما قبل السلالات الحاكمة في مصر أي: حضارتي جمدة نصر وسماينة، ويبدو التطور واضحا في هذه الحضارة؛ إذ نجد أن الفخار أصبح يصنع بالعجلة وأن اللبن أصبح يستخدم في البناء وطليت الجدران بلون أبيض وزينت برسوم تمثل بعض الأشخاص والآلهة، وقد توصل أهل هذه المرحلة إلى صب المعادن؛ حيث عثر على تماثيل نحاسية صغيرة مصبوبة, كما تطورت الفنون عامة ويتجلى ذلك بوضوح في زخرفة الأواني بطلاء زجاجي.

стр. 314

ثانياً العصور التاريخية الدول التي أثرت في تاريخ سوريا ... ثانيًا- العصور التاريخية: أ- الدول التي أثرت في تاريخ سورية: سبق أن أشرنا١ إلى أن ظروف الإقليم السوري الجغرافية لم تيسر قيام دولة قوية فيه, وأن الوحدات التي نشأت به لم تتحد إلا بإدارة سلطة خارجية، والواقع أن كل ما وصلنا من معلومات عن طريق البحوث التاريخية والأثرية يوحي بأن سورية ظلت في معظم فترات تاريخها ميدانًا لصراع القوى المجاورة، وإن ظهرت بعض دويلات المدن المستقلة التي تظل مستعصية على الغزاة بعض الوقت؛ إلا أنها كانت تستسلم في النهاية تحت ضغط القوى الفتية التي تغزوها. ومن الممكن القول إجمالًا بأن الإقليم السوري كان في أقدم عصوره التاريخية على علاقات تجارية مع مصر التي كثيرًا ما كانت تنشر نفوذها فيه، وليس من المستبعد أن تكون جالية مصرية قد أقامت في جبيل "ببلوس" بلبنان في زمن الأسرة الرابعة المصرية٢ لملاحظة التبادل التجاري بينها وبين مصر, كما أن نصوص الأسرة الخامسة تدل على قيام حملات حربية مصرية إلى تلك الجهات أو على الأقل بعثات تجارية مسلحة، ومن المحتمل أن بعض عناصر الإقليم السوري استطاعت أن تهدد الحدود المصرية؛ بل ويرجح أنها في نهاية الأسرة السادسة تمكنت من بسط نفوذها على الدلتا٣، وما لبث أن حدث رد فعل في عهد الأسرة الثانية عشرة؛ إذ يبدو أن ملوكها كان لديهم شيء من النفوذ في جنوب الإقليم السوري كما أنهم استأنفوا النشاط التجاري

стр. 315

مع سواحله الشمالية وكانت لهم علاقات ودية مع بعض الإمارات الأخرى. والظاهر أن ظروفًا سيئة حلت بالإقليم السوري خلال هذه الفترة؛ إذ إن بعض القبائل السورية جاءت في عهد سنوسرت الثاني١ تطلب السماح لها بالاستقرار في مصر, ويرجع سبب ذلك إما لحدوث قحط في هذه الجهات أو لتعرضها لغزوات بعض الدويلات المجاورة, وخاصة لأن الأموريين أخذوا ينتشرون في أواسط سورية وجنوبها خلال هذه الفترة تقريبًا بعد أن كانوا قد تركزوا فترة في سورية الشمالية أو لتدفق بعض سكان شمال ووسط سورية عليها من جراء ضغط هجرات بعض العناصر الهندو أوروبية الرعوية التي جاءت بالإيرانيين والحوريين وغيرهم ممن انتشروا في أعالي دجلة والفرات، ثم زحفوا إلى سورية الشمالية. والظاهر أن ازدياد هذا الضغط قد أدى إلى زيادة تسلل العناصر الآسيوية إلى مصر وانتشارها وازدياد نفوذها تدريجيًّا حتى استطاعت أن تستولي على السلطة فيها وحكمتها في أعقاب الدولة الوسطى، وقد عرف هؤلاء في التاريخ باسم الهكسوس, وهم الذين تمكن ملوك الأسرة الثامنة عشرة من طردهم وتعقبهم في فلسطين إلى أن قضوا على سلطانهم. وظل الإقليم السوري خاضعًا للسلطان المصري معظم عهد الأسرة الثامنة عشرة ولو أن مملكة قوية عرفت باسم مملكة ميتاني نشأت في شماله الشرقي "١٤٠٠-١٢٠٠ ق. م."؛ إلا أن نفوذها لم يتعد ذلك إلى مناطق النفوذ المصري, بل وكانت علاقاتها طيبة مع مصر وارتبط ملوكها بروابط المصاهرة مع الفرعنة. وفي عهد الأسرة التاسعة عشرة تقاسم الحيثيون والمصريون النفوذ في سورية؛ إذ أصبحت الأجزاء الشمالية منها في قبضة الحيثيين بينما اقتصر النفوذ المصري على جنوبها، ولم يستمر الحال كذلك إذ انتهت الأسرة التاسعة عشرة في مصر نهاية سيئة

стр. 316

فأعلن حكام الأقاليم استقلالهم واغتصب أحد كبار موظفي البلاط السوريين العرش فترة إلى أن تمكن مؤسس الأسرة العشرين "ست نخت" من اعتلاء العرش بعد طرد الغاصب السوري وعاد الأمن والاستقرار في البلاد١، وفي عهد هذه الأسرة الأخيرة حدثت إغارات مفاجئة من شعوب هندو أوروبية عرفت باسم "شعوب البحر" على آسيا الصغرى؛ فأسقطت دولة الحيثيين وواصلت تقدمها في شمال سورية وزحفت جنوبًا حتى أصبحت تهدد مصر؛ ولكن رعمسيس الثالث -ثاني ملوك هذه الأسرة- تصدى لهم وهزمهم برًا وبحرًا في معركة فاصلة، وبذلك احتفظ بشيء من النفوذ المصري في سورية، كذلك ظلت بعض الولايات الحيثية قائمة فترة بعد ذلك في شمال سورية إلى أن قضى عليها نهائيًا سرجون الثاني ملك أشور في أواخر القرن الثامن قبل الميلاد، وبعد عهد رعمسيس الثالث أخذ نفوذ مصر يزول تدريجيًا من سورية إلى أن انتهى تمامًا في أواخر الأسرة العشرين ولم تقم له قائمة بعد ذلك إلا في فترات متباعدة ولمدد قصيرة من عهدي الأسرتين الثانية والعشرين والسادسة والعشرين, ثم أصبحت سورية ومصر نفسها بعد ذلك جزءًا من الإمبراطورية الفارسية. ولا شك في أن ظروف الإقليم السوري الجغرافية التي أشرنا إليها من قبل٢ لا تجعل من مصر الدولة الوحيدة التي كان على علاقات معها؛ بل وربما كانت بعض المناطق الأخرى أيسر اتصالًا به وعلاقاته معها أبعد مدى؛ فمن المعروف أن المنطقة بين سهول سورية الشمالية وحوض نهر دجلة الأعلى كانت كثيفة السكان منذ أقدم العصور، يسهل الانتقال عبرها بين بلاد النهرين والإقليم السوري؛ ولذا كانت بمثابة حلقة الاتصال بينهما؛ مما أدى إلى نشابه بعض حضارتهما في العصر قبل التاريخي وإلى توسع الدول القوية التي تنشأ في أي منهما في أراضي

стр. 317

الآخر، وهكذا نجد أن "لوجال زاجيري"١ يدعي أنه غزا سورية ووصل "سرجون" الأكدي في فتوحاته إلى لبنان، وما إن تحررت أرض الجزيرة وشمال سورية من الأكديين؛ حتى خضع الجزء الشمالي من سورية للحوريين، وبعدئذٍ تمكن "نارام سن" من السير في فتوحاته شمالًا؛ حتى أخضع حلب ولم يقتصر نشاط العلاقات بين القطرين على سياسة التوسع؛ فقد قامت بينهما علاقات تجارية من أقدم العصور, وخير مثال لذلك ما قام به "جوديا" حاكم لجش من إحضار خشب الأرز من لبنان. وعندما ازدادت قوة الساميين الغربيين "الأموريين" الذين كانوا يقطنون في الإقليم السوري, زحفوا على طول نهر الفرات، وأصبحوا حكامًا لكثير من بقاع بلاد النهرين, ولكن لم يلبث "حامورابي" أن أخضعهم لسلطان بابل ولو أنه هو نفسه كان أصلًا من الأموريين. وما إن انتقلت السيادة في بلاد النهرين إلى الأشوريين حتى وجدوا أن الآراميين أصبحوا يتركزون على الجانب الأيمن للفرات؛ ولذا عمد ملوكهم الأقوياء إلى فرض سلطانهم على هؤلاء الآراميين؛ بل وتوسعوا غربًا حتى وصلوا إلى البحر المتوسط، ولم تكد بضع الدويلات السورية القائمة أن تفيق من ضربات الأشوريين المتلاحقة بعد سقوط آشور حتى تعرضت من جديد لغزوات الكلدانيين. ولم تكن آسيا الصغرى في علاقاتها بالإقليم السوري أقل شأنًا من غيرها؛ بل ويمكن أن نعد الجزء الجنوبي منها -وهو الواقع خلف جبال طوروس- امتدادًا للإقليم السوري؛ ولذلك نجد تشابها في حضارتهما منذ العصر الحجري الحديث، وقد وجدت دولة الحيثيين "سكان آسيا الصغرى" فرصة للتوسع في الإقليم السوري؛ حيث بدءوا بالقضاء على مملكة يامخاد الأمورية ودمروا

стр. 318

عاصمتها حلب في أواخر القرن السادس عشر ق. م، ثم اشتد التنافس بينها وبين المصريين من أجل السيطرة عليه ابتداء من أواخر القرن الرابع عشر قبل الميلاد١, ثم تكونت فيه عدة ممالك حيثية صغيرة خلال القرن الحادي عشر ق. م.٢. وهكذا نجد أن الإقليم السوري كان ميدانًا لصراع دول وشعوب مختلفة أثرت في تاريخه أيما تأثير.

стр. 319

الشعوب التي أثرت في تاريخ سورية مدخل ... ب- الشعوب التي أثرت في تاريخ سورية: أشرنا إلى أن موقع الإقليم السوري كان عظيم الأثر في تاريخه وحضارته؛ إذ إنه جعله عرضة لوفود بعض العناصر التي لعبت في تاريخه دورًا مهمًّا، وأهم هذه العناصر هي:

стр. 320

أولًا- العناصر السامية: وفدت هذه العناصر إلى الإقليم السوري في موجات متتابعة, واستقرت في أنحاء مختلفة منه "خريطة رقم ٤" وظلت تسود فيه خلال الجزء الأكبر من تاريخه القديم. وقد تركت هذه الشعوب بصماتها في التاريخ؛ حيث احتكت بالشعوب المجاورة، وتأثرت بها وأثرت فيها من الناحية الحضارية، ومع أن بعض هذه
следующие страницы →