← История

История · id 7320

معالم تاريخ الشرق الأدني القديم

محمد أبو المحاسن عصفور

Полный текст (525 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فأعلن حكام الأقاليم استقلالهم واغتصب أحد كبار موظفي البلاط السوريين العرش فترة إلى أن تمكن مؤسس الأسرة العشرين "ست نخت" من اعتلاء العرش بعد طرد الغاصب السوري وعاد الأمن والاستقرار في البلاد١، وفي عهد هذه الأسرة الأخيرة حدثت إغارات مفاجئة من شعوب هندو أوروبية عرفت باسم "شعوب البحر" على آسيا الصغرى؛ فأسقطت دولة الحيثيين وواصلت تقدمها في شمال سورية وزحفت جنوبًا حتى أصبحت تهدد مصر؛ ولكن رعمسيس الثالث -ثاني ملوك هذه الأسرة- تصدى لهم وهزمهم برًا وبحرًا في معركة فاصلة، وبذلك احتفظ بشيء من النفوذ المصري في سورية، كذلك ظلت بعض الولايات الحيثية قائمة فترة بعد ذلك في شمال سورية إلى أن قضى عليها نهائيًا سرجون الثاني ملك أشور في أواخر القرن الثامن قبل الميلاد، وبعد عهد رعمسيس الثالث أخذ نفوذ مصر يزول تدريجيًا من سورية إلى أن انتهى تمامًا في أواخر الأسرة العشرين ولم تقم له قائمة بعد ذلك إلا في فترات متباعدة ولمدد قصيرة من عهدي الأسرتين الثانية والعشرين والسادسة والعشرين, ثم أصبحت سورية ومصر نفسها بعد ذلك جزءًا من الإمبراطورية الفارسية. ولا شك في أن ظروف الإقليم السوري الجغرافية التي أشرنا إليها من قبل٢ لا تجعل من مصر الدولة الوحيدة التي كان على علاقات معها؛ بل وربما كانت بعض المناطق الأخرى أيسر اتصالًا به وعلاقاته معها أبعد مدى؛ فمن المعروف أن المنطقة بين سهول سورية الشمالية وحوض نهر دجلة الأعلى كانت كثيفة السكان منذ أقدم العصور، يسهل الانتقال عبرها بين بلاد النهرين والإقليم السوري؛ ولذا كانت بمثابة حلقة الاتصال بينهما؛ مما أدى إلى نشابه بعض حضارتهما في العصر قبل التاريخي وإلى توسع الدول القوية التي تنشأ في أي منهما في أراضي

стр. 317

الآخر، وهكذا نجد أن "لوجال زاجيري"١ يدعي أنه غزا سورية ووصل "سرجون" الأكدي في فتوحاته إلى لبنان، وما إن تحررت أرض الجزيرة وشمال سورية من الأكديين؛ حتى خضع الجزء الشمالي من سورية للحوريين، وبعدئذٍ تمكن "نارام سن" من السير في فتوحاته شمالًا؛ حتى أخضع حلب ولم يقتصر نشاط العلاقات بين القطرين على سياسة التوسع؛ فقد قامت بينهما علاقات تجارية من أقدم العصور, وخير مثال لذلك ما قام به "جوديا" حاكم لجش من إحضار خشب الأرز من لبنان. وعندما ازدادت قوة الساميين الغربيين "الأموريين" الذين كانوا يقطنون في الإقليم السوري, زحفوا على طول نهر الفرات، وأصبحوا حكامًا لكثير من بقاع بلاد النهرين, ولكن لم يلبث "حامورابي" أن أخضعهم لسلطان بابل ولو أنه هو نفسه كان أصلًا من الأموريين. وما إن انتقلت السيادة في بلاد النهرين إلى الأشوريين حتى وجدوا أن الآراميين أصبحوا يتركزون على الجانب الأيمن للفرات؛ ولذا عمد ملوكهم الأقوياء إلى فرض سلطانهم على هؤلاء الآراميين؛ بل وتوسعوا غربًا حتى وصلوا إلى البحر المتوسط، ولم تكد بضع الدويلات السورية القائمة أن تفيق من ضربات الأشوريين المتلاحقة بعد سقوط آشور حتى تعرضت من جديد لغزوات الكلدانيين. ولم تكن آسيا الصغرى في علاقاتها بالإقليم السوري أقل شأنًا من غيرها؛ بل ويمكن أن نعد الجزء الجنوبي منها -وهو الواقع خلف جبال طوروس- امتدادًا للإقليم السوري؛ ولذلك نجد تشابها في حضارتهما منذ العصر الحجري الحديث، وقد وجدت دولة الحيثيين "سكان آسيا الصغرى" فرصة للتوسع في الإقليم السوري؛ حيث بدءوا بالقضاء على مملكة يامخاد الأمورية ودمروا

стр. 318

عاصمتها حلب في أواخر القرن السادس عشر ق. م، ثم اشتد التنافس بينها وبين المصريين من أجل السيطرة عليه ابتداء من أواخر القرن الرابع عشر قبل الميلاد١, ثم تكونت فيه عدة ممالك حيثية صغيرة خلال القرن الحادي عشر ق. م.٢. وهكذا نجد أن الإقليم السوري كان ميدانًا لصراع دول وشعوب مختلفة أثرت في تاريخه أيما تأثير.

стр. 319

الشعوب التي أثرت في تاريخ سورية مدخل ... ب- الشعوب التي أثرت في تاريخ سورية: أشرنا إلى أن موقع الإقليم السوري كان عظيم الأثر في تاريخه وحضارته؛ إذ إنه جعله عرضة لوفود بعض العناصر التي لعبت في تاريخه دورًا مهمًّا، وأهم هذه العناصر هي:

стр. 320

أولًا- العناصر السامية: وفدت هذه العناصر إلى الإقليم السوري في موجات متتابعة, واستقرت في أنحاء مختلفة منه "خريطة رقم ٤" وظلت تسود فيه خلال الجزء الأكبر من تاريخه القديم. وقد تركت هذه الشعوب بصماتها في التاريخ؛ حيث احتكت بالشعوب المجاورة، وتأثرت بها وأثرت فيها من الناحية الحضارية، ومع أن بعض هذه

стр. 321

خريطة رقم ٤

стр. 322

الشعوب لم يستدل عليها إلا من التوراة؛ إلا أن لغاتها انتشرت في الشرق الأدنى حتى أصبحت دولية, كما أن الكتابة التي توصل إليها البعض الآخر استخدمتها الشعوب غير السامية التي عاشت في الشرق الأدنى، بل وينسب إلى الفينيقيين أنهم أول من عرفوا الهجائية التي انتقلت منهم إلى اليونان الذين نقلوها بدورهم إلى أوروبا؛ فهي تعد إذًا أساس الهجائيات الأوروبية الحديثة١. ولم يكن انتشار هذه الشعوب في الإقليم السوري بدرجة واحدة ولم يسيطر أحدها على الإقليم بأكمله؛ على أنه يمكن القول إجمالًا أن الأموريين ظلوا يشكلون غالبية السكان "فيما عدا السواحل" من منتصف الألف الثالث ق. م. إلى منتصف الألف الثاني ق. م. تقريبًا؛ بينما سكن الكنعانيون "الفينيقيون" الذين جاءوا مع الأموريين في هجرة واحدة على السواحل, وظل نشاطهم بها حتى منتصف الألف الأول ق. م. تقريبًا، ومن منتصف الألف الثاني ق. م. توغلت العناصر الآرامية في شمال ووسط سورية، وفي نفس الوقت تقريبًا كان العبريون يحاولون دخول جنوب الإقليم السوري والتركز حول البحر الميت تقريبًا. وعلى العموم يمكن إجمال المعالم الرئيسية لتاريخهم على النحو التالي: ١- الأموريون: هم أول شعب سامي عاش في سورية، وقد جاءوا من بلاد العرب في هجرة واحدة مع الكنعانيين حوالي منتصف الألف الثالث ق. م. وأخذوا يتجولون في شمال سورية قبل أن يستقر بهم المقام في أواسط حوض الفرات، وكانت هذه المنطقة تسكنها جماعات سومرية عند وفود الأموريين ثم ما لبث

стр. 323

هؤلاء أن أصبحوا يمثلون غالبية السكان، وبعد انتصار سرجون الأول "ملك أكد" على لوجال زاجيري١ حوالي سنة ٢٣٧١ ق. م. اجتاح بلاد الأموريين؛ ولكن هؤلاء نجحوا في بداية الألف الثاني قبل الميلاد في تأسيس سلسلة من الدول في فلسطين وسورية وبلاد النهرين؛ فما إن حل القرن العشرون قبل الميلاد حتى أصبحت منطقة الفرات الأوسط أمورية في سكانها وحضارتها وحكومتها؛ حيث أسسوا دولة عاصمتها ماري جنوب مصب الخابور، وانتشرت إماراتها من أشور شمالًا إلى لارسا جنوبًا، ومن البحر المتوسط غربًا إلى مرتفعات عيلام شرقًا، والظاهر أن بعض الجهات التي قطنوها في أول الأمر تعرضت لحملة مصرية في عهد ساحورع أحد ملوك الأسرة الخامسة٢؛ حيث إن النقوش التي تركها على جدران معبده تبين انتصاره على آسيويين مثلوا بملامح تغلب فيها الصفات الأرمينية "رأس مستديرة وأنف ضخم" وهي صفات كانت سائدة بين الأموريين أيضًا، ومن المرجح أن بعض مواطنهم تعرضت لبعض المتاعب؛ فجاءت جماعات منهم تطلب الاستقرار في مصر، ويتضح هذا من نقوش مقبرة "خنوم حتب" أحد أشراف مصر الوسطى في عهد سنوسرت الثاني من السلالة الثانية عشرة؛ حيث مثلت إحدى القبائل التي لها نفس الملامح وقد جاءت تطلب السماح لها بالإقامة في مصر٣، وربما كان الأموريون يمثلون الغالبية بين الشعوب التي اجتاحت سورية وتسللت إلى مصر وسيطرت عليها وهي التي عرفت باسم الهكسوس٤. وقد شهد مطلع النصف الثاني من الألف الثاني قبل الميلاد تحولًا في النشاط

стр. 324

الدولي إلى سورية الوسطى التي كان الأموريون يلعبون الدور الرئيسي فيها؛ لأن الدولة الحيثية أصبحت من القوة بحيث أخضعت الجزء الشمالي من سورية لسلطانها بعد أن كانت تسيطر عليه مملكة يامخاد الأمورية التي كانت عاصمتها حلب, وفي تلك الأثناء كانت مصر قد أخذت تبني إمبراطوريتها في عهد الدولة الحديثة، ووقع جزء من سورية تحت سيطرتها، وهكذا انحصرت بقية الإمارات الأمورية في سورية الوسطى وخاصة في الجزء الشمالي من لبنان والإقليم الداخلي حول دمشق، وظلت هذه الإمارات تتأرجح بين الخضوع للحيثيين أو الولاء لمصر، وظل الحيثيون في تقدمهم؛ بينما أخذت المستعمرات المصرية تزداد سوءًا في أواخر عهد الأسرة الثامنة عشرة وانكمشت الممتلكات المصرية حتى أصبحت قاصرة على الجزء الجنوبي من سورية, وأخذ الحيثيون يسيطرون على شمال سورية ووسطها إلى أن انتهى نشاط الأموريين منها واقتصر على جنوبها؛ حيث تأرجحت بعض الولايات الأمورية بين الولاء لمصر وبين الولاء للحيثيين, كما أن الولايات استقلت لفترات قصيرة ساد الصراع خلالها فيما بينهم إلى أن قضى الأشوريون والبابليون ثم الفرس على كيانهم ودخلوا الإقليم السوري بعد ذلك تحت سيادة الإسكندر، ومن الجدير بالذكر أنهم لم يتركوا وثائق مهمة بلغتهم الخاصة؛ بل استعملوا البابلية القديمة, ويكاد لا يظهر في وثائقهم من لغتهم سوى أسماء الملوك والحكام وبعض أسماء الأماكن السورية، ويبدو أن لغتهم كانت اللهجة الكنعانية التي انتشرت في شرق الإقليم السوري، كما يبدو أن الفينيقية كانت هي الأخرى اللهجة الكنعانية التي انتشرت في غرب هذا الإقليم. ب- الكنعانيون أو الفينيقيون: أشرنا إلى أن هؤلاء وفدوا مع الأموريين في هجرة واحدة؛ ولكن هؤلاء الكنعانيين استقروا على الساحل؛ حيث أطلق عليهم اليونان اسم "الفينيقيين"، ولم تمكنهم طبيعة المنطقة التي عاشوا فيها من تأسيس دولة قوية موحدة

стр. 325

بل انتظموا في جماعات صغيرة يحكم كلًّا منها ملك ويتركزون حول مدن محصنة، تحميها أسوار وأبراج قوية تلجأ إليها تلك الجماعات عند مهاجمتها، وبعض هذه الجماعات كانت تحتل -إلى جانب أماكن استقرارها على الساحل- جزرًا صغيرة في مواجهتها, حتى إذا ما اشتد الهجوم عليها التجأت إلى تلك الجزر التي كانت محصنة هي الأخرى، أي أن هذه الجماعات كانت تتبع وسائل دفاع مزدوجة استطاعت بفضلها بعض مدنهم أن تقاوم طويلًا هجمات كثيرة تعرضت لها, ووقفت صامدة أمام الغزاة رغم حصارهم لها سنوات متتالية. وكثيرًا ما كان يكثر التطاحن بين هذه المدن وتنشب بينها الحروب, ومع ذلك فإنها كثيرًا ما كانت تتحد أمام المهاجمين من الشعوب الأخرى، وقد تحصل إحداها على الزعامة وتتمتع بنوع من السيادة على الآخرين١؛ ولكن هذه الأحلاف كانت لا تستمر طويلًا وخاصة لأن بعض المدن كانت تحاول الانتفاع على حساب البعض الآخر. وكان الفينيقيون أول أمة بحرية في التاريخ، أخذوا يجوبون البحار ويؤسسون الطرق البحرية بين الشرق والغرب وأنشئوا المستعمرات ونشروا حضاراتهم وحضارات غيرهم بين مختلف الجهات، وكانوا تجارًا نموذجيين ألفت الشعوب القديمة رؤية سفنهم؛ ولذا نجدها ممثلة في نقوش المصريين والأشوريين. ومن أهم ما قاموا به الدوران حول إفريقيا في عهد نخاو "ثاني ملوك الأسرة السادسة والعشرين المصرية"٢، كما ينسب إليهم أنهم وصلوا إلى بريطانيا وكانوا يتاجرون معها؛ إذ كانوا يحصلون منها على القصدير في نظير الخزف والملح والأواني النحاسية، وأهم المستعمرات التي أسسوها كانت في قبرص وصقلية وسردينيا وأسبانيا وأوتيكا "تونس" وقرطاجة وبلاد اليونان،

стр. 326

وكانت قرطاجة أكثر هذه المستعمرات نجاحًا؛ فقد تطورت حتى أصبحت تنافس الوطن الأم في القرن الثامن قبل الميلاد، وكونت منذ القرن السادس ق. م إمبراطورية واسعة امتدت من حدود ليبيا إلى جبل طارق وشملت بعض جزر البحر المتوسط حتى نازعت روما السيادة على هذا البحر، وبلغ من تسلطها عليه أن تردد القول بأن الرومان لم يكونوا يستطيعون غسل أيديهم في مياهه دون إذن من قرطاجة، وتطورت الحرب بين روما وقرطاجة إلى أن دمرت هذه الأخيرة على يد الرومان, وأشعلوا فيها النيران لمدة سبعة عشر يومًا حتى أتت عليها في سنة ١٤٦ ق. م. ويبدو أن الفينيقيين كانوا أول من استعمل الأبجدية الراقية١ التي لا شك في أنهم اقتبسوها من الكتابة المصرية, كما أنهم تأثروا بالمصريين في كثير من أمورهم كالآداب والعقائد وفن العمارة وعادات الفن وغير ذلك؛ إذ إن من المرجح أن النفوذ المصري كان سائدًا في الساحل الفينيقي من حوالي ٢٤٠٠-١٢٠٠ ق. م. وكانت أول مدينة تحتل مركزًا رئيسيًا في العلاقات المصرية الفينيقية هي جبيل "ببلوس" حيث كانت مصر تستورد منها خشب الأرز والخمور والزيوت في نظير الذهب والمصنوعات المعدنية وورق البردي، وقد دخلت سورية تحت سلطان فراعنة الدولة الحديثة على العموم؛ ولكنها خرجت عن سيادتها بعد ذلك. ولم يكن التأثير الحضاري لبلاد النهرين على سورية أقل من التأثير المصري، وكان ملوك بلاد النهرين الأقوياء يحصلون على خشب الأرز من هذا الإقليم، كما حدث في عهد جوديا ملك لجش، بل ويحتمل أن سورية الشمالية خضعت لسرجون الأول ملك أكد وإلى نارام - سن "ثالث خلفائه حوالي ٢٢٣٨ ق. م."،

стр. 327

على أن خضوعها بصفة حاسمة لدول بلاد النهرين لم يحدث إلا في عهد الأشوريين حينما انهارت الدولة الحيثية؛ فقد استطاع تجلات بلاسر الأول ملك أشور أن يفرض سلطانه عليها، وما لبث الآراميون أن غزوا ممتلكاته فيها ولكن أشور ناصر بال "أحد خلفائه" تمكن من استرجاعها، وفي عهد وريثه شلمناصر الثالث تكون حلف ضده من المدن السورية ومن ملك دمشق "٨٥٣ ق. م"؛ ولكنه انتصر عليه, إلا أن انتصاره لم يكن حاسمًا. وحينما اعتلى تجلات بلاسر الثالث عرش أشور قام بعدة حملات لفتح سورية, ثم استطاع ولده شلمناصر الخامس أن يجتاح المدن الفينيقية فيما عدا صور؛ ولكن في عهد سنحريب تمكنت أشور من الاستيلاء على معظم الإقليم السوري بما في ذلك صور نفسها، وفي عهد خلفه أسرحدون قامت صيدا بالثورة؛ ولكنه خربها وقتل ملكها وأخضع بعض مدن فينيقية أخرى كانت صور تتزعمها, وبعدئذ استطاعت صور أن تتخلص من السيادة الأشورية فترة قصيرة؛ إلا أن أسرحدون وخلفه آشور بانيبال تمكنا في النهاية من مد إمبراطوريتهما إلى البحر المتوسط, بل وإلى مصر أيضًا. وحينما أصبح الكلدانيون حكام بابل بعد أشور أدعوا أنهم ورثوا السيطرة على سورية, أما مصر فقد تخلصت من سيادة بلاد النهرين وأرادت أن تفرض سيادتها على سورية، وكانت المدن الفينيقية أميل للاعتراف بسلطان مصر منها إلى الاعتراف بالسيادة البابلية. وفي عام ٥٨٧ ق. م. وصل نبوخذ نصر ملك بابل إلى سورية وأعاد فتح البلاد الفينيقية وفلسطين, وحاصر صور ثلاثة عشر عامًا حتى خضعت له. وبعدئذ أخضع الفرس الإقليم السوري ومصر لسلطانهم، وقد ازدهرت بعض المدن الفينيقية في عهدهم؛ حيث سمحوا لكل منها بالاستقلال الذاتي ثم كونت هذه المدن اتحادًا مركزه طرابلس، وفي عهد أرتكزركسيس الثاني ثارت المملكة

стр. 328

الفينيقية التي تكونت من هذا الاتحاد؛ ولكن الملك الفارسي استطاع القضاء عليها. هذا ولم يترك الفينيقيون إلا وثائق قليلة بالهجائية الفينيقية رغم أن اختراع الهجائية ينسب إليهم, ولعل السبب في ذلك أنها كتبت على البردي أو مواد قابلة للتلف, وإلى جانب هذه وجدت وثائق كتبت بالخط المسماري البابلي. ج- الآراميون: كان هؤلاء من الرُّحَّل الذين عاشوا في شمال شبه جزيرة العرب ثم هاجروا إلى سورية، وما إن حل منتصف الألف الثاني قبل الميلاد إلا ووصلوا إليها، وفي خلال القرنين الرابع عشر والثالث عشر ق. م. اجتاحت جماعات منهم سورية الشمالية والوسطى ووقفت جبال لبنان حائلًا دون طغيانهم على السهل الساحلي في الغرب. ومنذ حوالي سنة ١٢٠٠ ق. م أصبحت دمشق مركزًا لدولة آرامية تأثرت بحضارة الأموريين والكنعانيين، كذلك تأسست عدة مدن ودويلات آرامية في أجزاء أخرى من الإقليم السوري وبلاد النهرين. وكانت دمشق أهم هذه الدويلات, عاصرت تأسيس المملكة العبرانية؛ فكانت محصورة بين هذه المملكة جنوبا وبين مملكة أشور شمالًا, وقد استمر عداء الآراميين للعبرانيين نحو قرنين من الزمان. ومن الدويلات الآرامية التي كانت تنازع العبرانيين مملكة صوبة التي كانت إلى جنوب زحلة في سهل البقاع، وقد انتصر داود ملك العبرانيين على هذه المملكة كما احتل دمشق، ثم تناوبت دمشق وصوبة السيادة بعد ذلك؛ فبعد أن كان ملك دمشق تابعًا لصوبة قام بمحاربة العبرانيين طوال عهد سليمان١ وانتقلت السيادة بعدئذ

стр. 329

إلى دمشق التي حالفها الحظ بانقسام مملكة العبرانيين إلى مملكتين "إسرائيل ويهودا" سنة ٩٢٢ ق. م؛ حيث أخذت تؤلب إحدى هاتين المملكتين ضد الأخرى، وتمكن ملك دمشق بنحدد الأول "٧٨٩-٨٤٣ ق. م." من أن يأخذ من ملك يهودا كنوزًا ثمينة من المعبد ومن القصر الملكي في أورشليم ثم هاجم إسرائيل وأخضعها "اسميًّا على الأقل" لسلطانه، وحينما تحالفت المدن السورية ضد شلمناصر الثالث١ كان ملك دمشق يرأس الحلف الذي لم يتمكن الأشوريون من الانتصار عليه انتصارًا حاسمًا، وبعد نحو سبعين عامًا أصبحت دمشق من الضعف بحيث هاجمها يربعام الثاني ملك إسرائيل؛ وذلك لأن هجمات أشور ضعضعت قوتها، وفي عهد تيجلات بلاسر الثالث اجتاح الأشوريون معظم المدن السورية وحاصروا دمشق وأسقطوها في سنة ٧٣٢ ق. م. وقتل ملكها, وبذلك انتهت السيادة الآرامية. وحينما سيطر الفرس على سورية ومصر ازدهرت دمشق وأصبحت أهم المدن السورية, كما اتخذت الإمبراطورية الفارسية اللغة الآرامية إلى جانب الفارسية, واستخدمت الهجائية الآرامية شعوب أخرى حتى أصبحت واسعة الانتشار وتشعبت إلى لهجات يمكن ضمها في فرعين للآرامية, أحدهما يضم اللهجات الشرقية, والآخر يضم اللهجات الغربية، وما زالت بعض الجماعات في سورية وبلاد النهرين وأرمينية تستعمل الآرامية. د- الشعب العبراني: نزح العبرانيون من شبه جزيرة العرب إلى سورية عن طريق كنعان في نفس الوقت الذي وصلها فيه الآراميون تقريبًا، فتسلسل العناصر السامية التي وصلت

стр. 330

إلى الإقليم السوري كان على النحو التالي: الأموريون تركزوا بادئ الأمر في الشمال, والكنعانيون في الساحل, والآراميون في المنطقة الداخلية, والعبرانيون في الجنوب. ولا يوجد من الوثائق والنصوص ما يشير إلى تاريخ العبرانيين سوى نذر يسير أو إشارات عابرة في كتابات الأقوام الذين احتكوا بهم وما روته التوراة عن تاريخهم، ورغم ما يبدو فيها من اضطراب وزيف؛ فإنها تعد أوفى ما كتب عنهم حتى إن المؤرخين يعتبرونها المصدر الرئيسي لتاريخهم؛ ولذا اعتمدوا عليها في كتابة هذا التاريخ. وإذا ما أخذنا لما ترويه التوراة عنهم نجد أنها تذكر أن هؤلاء العبرانيين أتموا هجرتهم إلى فلسطين على ثلاث مراحل، أقدمها كانت إلى الصحارى القريبة من شمال بلاد النهرين، ويرجح أنها كانت في نفس الوقت الذي حدثت فيه تحركات الهكسوس في شرق البحر المتوسط أي: في القرن الثامن عشر ق. م. والثانية توافق هجرة الآراميين أي: حوالي القرن الرابع عشر ق. م. والثالثة كانت في أواخر القرن الثالث عشر ق. م. وفيها خرجوا من مصر إلى جنوب شرق فلسطين بعد جولة ليست بالقصيرة في شبه جزيرة سيناء. وحينما وصلت هجرتهم الأولى إلى الإقليم السوري كان السواد الأعظم فيه من الأموريين والكنعانيين بالإضافة إلى بعض العناصر غير السامية كالحوريين والحيثيين وغيرهم، وقد استطاع هؤلاء العبرانيون أن يختلطوا بهؤلاء جميعًا وأن يتعلموا حياة الاستقرار بعد أن كانوا من المتجولين المغامرين، واتخذوا اللغة الكنعانية بدلًا من لغتهم الأصلية, كما تأثروا بكثير من مظاهر الحضارة والثقافة الكنعانية؛ ولذا يمكن اعتبارهم ورثة للكنعانيين أو أخلافًا لهم حيث تذكر

стр. 331

الأساطير العبرانية أن جدهم الأكبر إبراهيم "أو قبيلتهم الأصلية" أتى من أور الكلدانيين عن طريق حران واستقر مؤقتًا قرب حبرون "الخليل" الأمر الذي يعتقد المؤرخون أنه يتفق مع الهجرة الأولى، وأن حفيده يعقوب "ابن إسحاق" عاش عدة سنوات في فدان آرام ثم انتقل إلى مصر، ويحتمل أن هذا هو ما يتفق مع هجرتهم الثانية، وحينما وقع الاختيار على إسحاق ليكون صاحب الشأن بينهم غيَّر اسمه إلى إسرائيل كما غير أخوه عيسو اسمه هو الآخر إلى أدوم وسمى ورثته بالأدوميين، ومن أبناء يعقوب كان يوسف الذي وصل إلى مكانة مرموقة في مصر١، وبعد أن عاش أحفاد يعقوب فيها عدة أجيال أخرجوا منها وكان يقودهم موسى، وهذه هي هجرتهم الثالثة التي تعد بداية التاريخ الحقيقي للإسرائيليين. ولا يعرف تاريخ هذه الهجرة الأخيرة بالضبط رغم أن كلمة إسرائيل وردت على لوح حجري من عهد مرنبتاح٢ بن رعمسيس الثاني, وقد ظل أفرادها يتجولون طويلًا في سيناء؛ حيث قاسوا كثيرًا، وتزوج موسى من ابنة كاهن مدين "في جنوب سيناء" الذي كان يدين بوحدانية يعبد فيها يهوه وهو أحد آلهة العرب الشماليين، ثم اتخذت هذه الجماعة الإسرائيلية مكانًا لها في جنوب شرقي الأردن استعدادًا لدخول فلسطين، وكان عددها يقدر بحوالي ٦٠٠٠ أو ٧٠٠٠ نفس ومرت في طريقها بدويلات صغيرة في جنوب وشرق وشمال شرقي البحر الميت، ولم تحاول مهاجمة هذه الدويلات؛ ولكنها حاربت إمارة سيحون الأمورية "في شرق الأردن" وانتصرت عليها, كما انتصرت على إمارة باشان التي كان ملكها عوج بن عنق المشهور في التوراة على أنه كان من العمالقة،

стр. 332

واستولوا على بعض المدن الكنعانية المحصنة في فلسطين وأحرقوها وقتلوا أهلها حتى الأطفال؛ ولكن بعض المدن الأخرى استعصت عليهم مثل جزر وأورشليم وبيت شأن، وهذه الأخيرة لم تسقط في أيديهم إلا حوالي سنة ١٠٠٠ ق. م. أو بعد ذلك بقليل. وبعد أن استقروا في الجهات التي وصلوا إليها اختلطوا بسكانها ومن بينهم أقرباؤهم الذين كانوا قد فضلوا البقاء فيها من قبل ولم يهاجروا إلى مصر، ثم تغلغلوا في أماكن أخرى، وبعدئذ قسموا الجهات التي سيطروا عليها بين إحدى عشرة قبيلة من القبائل الاثنتي عشرة التي تضمهم، أما القبيلة الباقية وهي قبيلة "لاوي الكهنوتية"؛ فقد تفرغت للشئون الدينية ووزعت على القبائل الأخرى، وهذا هو ما يعرف بعصر القضاة. وهؤلاء القضاة كانوا أبطالًا وحكامًا قادرين قادوا قبائلهم في حروبهم ضد أعدائهم واشتهر منهم كثيرون, من بينهم شمشون الجبار؛ حيث روت عنه الأساطير العبرانية الشيء الكثير فيما يتعلق بحروبه مع الفلسطينيين الذين كانوا أشد أعداء العبرانيين، وهم من شعوب البحر التي جاءت من منطقة إيجة في أواخر القرن الثالث عشر ووصلوا إلى سواحل سورية الجنوبية واستقروا بها "ومن اسمهم اشتق اسم فلسطين" وقد حاولوا الدخول إلى مصر في عهد رعمسيس الثالث١؛ ولكنه هزمهم وحال دون توغلهم إليها، ومن مدنهم الخمسة الرئيسية كونوا اتحادًا بزعامة أشدود، وفي حوالي سنة ١٠٥٠ ق. م. حاربوا العبرانيين وانتصروا عليهم وأخذوا منهم تابوت العهد٢ ونقلوه إلى أشدود.

стр. 333

ويبدو أن العبرانيين حينما وجدوا أن جيرانهم كان يحكمهم ملوك طلبوا إلى زعيمهم الديني "صموئيل" أن يعين عليهم ملكًا فاختار "شاءول"؛ ولكن هذا كان ضعيفًا مسنًّا، ازداد نفوذ الفلسطينيين في عهده وتسلطوا على مدن داخلية بعيدة مثل بيت شان، وحينما حارب الفلسطينيون العبرانيين انتصروا عليهم وقتلوا ثلاثة من أبناء شاءول وأصيب هو نفسه بجراح خطيرة فانتحر. وتشير التوراة إلى أن داود كان حاملًا لدرع شاءول وأنه اختير ملكًا من بعده وهو يعد المؤسس الحقيقي للمملكة العبرانية؛ فمع أنه بدأ حكمه تحت سيادة الفلسطينيين؛ إلا أنه نجح في التخلص من سلطانهم وتمكن من توسيع مملكته إلى حد لم تبلغه في أي وقت آخر١, واختار حصن أورشليم ليكون عاصمة له، وفي عهده ظهر الأدب العبري الذي يعتبر من أرفع الآداب التي خلفها الشرق القديم, ودونت في عهده الحوادث والحوليات الملكية في أسلوب حيوي لم يكتب مثله من قبل. وورث سليمان ملك أبيه داود، وفي عهده وصلت المملكة إلى غاية المجد والأبهة, وتنسب إليه التوراة أنه عاش٢ بين مظاهر الترف كملك شهواني٣ مستبد فحذا حذوه العبرانيون، وأن أعماله العمرانية كانت عظيمة للغاية ومنها هيكله الشهير الذي كان عبارة عن معبد ملكي ملحق بالقصر

стр. 334

تم إنشاؤه في سبع سنوات١ ثم أصبح بعد ذلك مركزًا عامًّا لعبادة العبرانيين، وقد نشطت التجارة في عهده وعم الرخاء حتى أجمعت الأساطير والقصص على إعلاء شأنه؛ وإن كانت بعض الوثائق التاريخية توحي بأن فلسطين كانت تعترف بالسيادة المصرية في ذلك العهد، وقد تزوج سليمان من ابنة فرعون "الذي يرجح أنه بسونس الثاني آخر ملوك السلالة الحادية والعشرين"، وحينما استولى الفرعون على حصن جزر الكنعاني أعطاه مهرًا لابنته زوجة سليمان٢, وتذهب التوراة إلى أن نفقات هذا الأخير وتبذيره وسوء إدارته كانت سببًا في انقسام المملكة من بعده؛ حيث اجتمع ممثلو القبائل العبرانية الاثنا عشر بعد وفاته لتنصيب ولده رحبعام ملكًا وأبدوا له رغبتهم في أن يخفف عنهم عبء الضرائب التي فرضها عليهم والده, فرفض ذلك بقسوة وتهور. وعلى ذلك رفضت عشر قبائل أن تعترف به ملكًا وانتخبت "يربعام" بدلًا منه وعرفت مملكتهم باسم إسرائيل، أما القبيلتان الباقيتان فخضعتا لرحبعام وعرفت المملكة التي تكونت منهما باسم "يهودا" وقد تنافست المملكتان واستحكم العداء بينهما وكان الصراع بينهما سجالًا؛ فكانت كل منهما تتفوق على الأخرى أحيانًا حتى انتهى الأمر بانهيارهما. إسرائيل: كان "عمري" من أشهر ملوك إسرائيل "ويدل اسمه على أنه كان من أصل عربي أو نبطي" بنى السامرة وحصنها واتخذها عاصمته الجديدة وبني فيها قصرًا.

стр. 335

وحينما تولى العرش "آحاب" بن عمري وسع في قصر أبيه وزخرفه، وقد عرف هذا القصر باسم بيت العاج؛ حيث عثر فيه على أثاث منزل من العاج يبدو أن كثيرًا منه كسي بالذهب، وكانت علاقة آحاب بن عمري مع جيرانه ودية فقد حالف مملكة دمشق في معركتها ضد أشور وتزوج من ابنة ملك صور وصيدا، وهذه كانت قوية الشخصية فرضت سيطرتها على زوجها كما أرادت فرض عبادة يهوه على إسرائيل. وبعد فترة وجيزة قام أحد الضباط واسمه ياهو بالثورة, وتمكن من الاستئثار بالملك وجعل عبادة يهوه العبادة الوحيدة في إسرائيل؛ ولكن هذا الملك لم يكن موفقًا في سياسته الخارجية؛ حيث خضع لشلمناصر الثالث ملك آشور وقدم له الجزية، ولفرط ضعف كل من إسرائيل ويهودا في ذلك العهد قامت إمارة من الإمارات بالثورة ضد إسرائيل، وفي نفس الوقت قامت ثورة أخرى ناجحة ضد مملكة يهودا؛ ولكن ما لبثت قوة إسرائيل أن تجددت في عهد يربعام الثاني وهو ثالث ملك من سلالة ياهو؛ حيث أمكنها أن توسع حدودها الشمالية على حساب الآراميين. وظلت إسرائيل تنعم بالهدوء إلى أن اعتلى تجلات بلاسر الثالث عرش أشور الذي ما لبث أن أخضع سورية وحولها إلى مقاطعات أشورية, وفرض الجزية على إسرائيل التي انكمشت مساحتها حينئذٍ، وبعد بضع سنوات رفض هوشع ملك إسرائيل الاستمرار في دفع الجزية؛ فهاجمه شلمناصر الخامس وريث تجلات بلاسر المذكور وحاصر السامرة ثلاث سنوات؛ ولكنها لم تسقط إلا في يد خلفه سرجون الثاني الذي سبى أحسن رجال إسرائيل وعددهم ٢٧٠٨٠ ونقلهم إلى ميديا؛ فتلاشت مملكة إسرائيل إلى الأبد "٧٢٠ ق. م."؛ حيث إن الباقين من الرجال لم يكونوا إلا قسمًا صغيرًا من سكان المملكة يقع غرب نهر الأردن،

стр. 336

أما المسبيون فقد اندمجوا مع غيرهم في المناطق التي نقلوا إليها، ولم يكتفِ سرجون وخلفاؤه بذلك بل نقلوا قبائل من بابل وعيلام وسورية وبلاد العرب محل الإسرائيليين وأسكنوهم في السامرة وما حولها؛ فامتزج هؤلاء بالسكان واتحدت معتقداتهم الدينية مع عبادة يهوه، وأصبح يطلق على الجميع اسم السامريين؛ ولكن ما لبث النزاع أن نشب بين اليهود والسامريين بعد عودة بعض أنبيائهم من السبي؛ حيث إن هؤلاء دافعوا عن فكرة النقاوة العنصرية. يهودا: اعتلى العرش فيها عددٌ من الملوك مساوٍ لعدد ملوك إسرائيل "أي: ١٩ ملكًا" إلا أن هذه المملكة استمرت مدة أطول من المدة التي عاشتها إسرائيل بنحو قرن وثلث من الزمان, وفي عهد ملكها رحبعام تعرضت لغزو مصر على يد فرعونها شيشنق الذي كان قد زوج ابنته من يربعام ملك إسرائيل، ولم يتمكن رحبعام من صد هذا الغزو؛ فاستطاع شيشنق أن يخرب المدن وأن ينهب أورشليم١، وحينما توقف نشاط كل من أشور ومصر أفادت كل من إسرائيل ويهودا من استقرار الأمور وعمدت يهودا إلى تنظيم جيشها كما أصلحت حصونها ووسعت حدودها ونظمت شئونها الداخلية؛ إلا أنها بعد زوال مملكة إسرائيل أصبحت عرضة للهجمات المباشرة من آشور، وبالرغم من تزايد الخطر على يهودا لم يتبع ملوكها سياسة حكيمة؛ فعندما اعتلى العرش ملكها حزقيا استجاب لتشجيع مصر رغم تحذير النبي أشعيا له وتحدى أشور بالتحالف مع المدن الفلسطينية وغيرها من المدن المجاورة ضدها فتوالت على يهودا حملات سرجون وخلفه سنخريب الذي حاصر أورشليم ولكنها لم تسقط في يده، ومع ذلك فقد أجبرت يهودا على دفع الجزية بعد أن خضعت كلها فيما عدا أورشليم لسلطان أشور

стр. 337

واستمرت أشور في توسعها فخضعت لها مصر في عهد آسرحدون وأشور بانيبال١, وتقلصت مملكة يهودا وظلت تدفع لها الجزية بانتظام. وما إن دب الضعف في أشور حتى استقلت مصر وحاولت يهودا أن تعيد وحدتها مع إسرائيل، وبعد أن سقطت نينوى على يد الدولة البابلية الجديدة وميديا سعت مصر إلى إعادة إمبراطوريتها ثانية في سورية, وقام ملكها نخاو بحملة وصل فيها قرب أعالي الفرات، وقد قاومه يوشع ملك يهودا؛ حيث اعتبر نفسه تابعًا لبابل الجديدة وريثة آشور ولكنة قتل في مجدو، وبعدئذ ترددت يهودا بين الخضوع لبابل وبين التحالف مع مصر، واختار يواقيم ملكها حينئذ التحالف مع مصر، وكان جزاؤه أن دخل نبوخذ نصر أورشليم وقيده بالسلاسل ليحمله معه إلى بابل, ولكنه قضى نحبه وتبعه في الحكم ولده الذي لم يمكث سوى ثلاثة شهور ثار فيها على بابل؛ فجاء نبوخذ نصر إلى أورشليم وسبى الملك ونساءه وموظفيه وسبعة آلاف من الجنود وألفًا من مهرة الصناع ونقلهم إلى بابل وعين صدقيا وهو عم الملك السابق ملكًا على يهودا، وظل هذا الأخير يتظاهر بالولاء لبابل بضع سنين ثم حاول الاستقلال فجاءت الجيوش البابلية وخربت أورشليم وهرب الملك؛ ولكنه أدرك في أريحا وجيء به إلى معسكر نبوخذ في ربلة؛ حيث قُتِل أبناؤه أمامه ثم سملت عيناه وحمل إلى بابل، وسبى الأشوريون عظماء المدينة وغيرها من البلاد "وكان عددهم خمسين ألفًا تقريبًا؛ فلم يبق في يهودا إلا جماعة من البائسين"، ودمروا كل مدينة مهمة ما عدا صور التي قاومت الحصار نحو عشر سنوات ثم خضعت بعد ذلك، ولما حاولت الثورة أخمدت ثورتها بسهولة, وعلى ذلك أصبحت سورية كلها في يد الكلدانيين. ولما صارت الإمبراطورية الفارسية تتحكم في معظم أقطار الشرق الأدنى

стр. 338

عاملوا اليهود المسبيين في بابل معاملة حسنة وأعادوا من رغب منهم إلى أوطانهم في فلسطين, وتكونت الدولة اليهودية التابعة للفرس متمتعة باستقلال ذاتي, ونعم اليهود في ظل العرش بالهدوء والاستقرار وظلت علاقات الوئام قائمة بينهما.

стр. 339

ثانيًا- العناصر غير السامية: الحوريون والميتانيون: ظهر الحوريون في التاريخ من منتصف الألف الثالث ق. م. "أي: منذ العهد الأكدي"؛ حيث كانوا ممثلين بأعداد قليلة في شمال بلاد النهرين, شرقي نهر دجلة ثم زاد عددهم منذ عهد سلالة أور الثالثة١، وزادت مساحة الأراضي التي شغلوها في منتصف الألف الثاني ق. م. وأصبح لهم كيان سياسي في شمال بلاد النهرين وسورية وبعض جهات الأناضول، وفي ذلك الحين كان الساميون أكثرية في وسط الفرات وجنوب سورية وفلسطين، ويحتمل أنهم هم الذين غزوا أشور بعد شمش أدد الأول٢ وحمورابي، وبلغ نفوذُهُمْ أَوْجَهُ عندما أسسوا دولة قوية في شمال سورية بالإضافة إلى مكانتهم في العراق ولعبوا دورًا مهما في سياسة المنطقة. ومن بعد سنة ١٥٠٠ ق. م. تقلص نفوذهم في المنطقة؛ ولكنهم مع هذا كونوا في الإقليم الذي تركزوا فيه في شمال بلاد النهرين دولة قوية عرفت باسم مملكة ميتاني, يستدل من أسماء ملوكها على أن الطبقة الحاكمة فيها كانت من العناصر الهندو أوروبية؛ غير أننا لا نستطيع الجزم بالأصل الجنسي لعامة الحوريين. وقد بلغ من قوة هذه الدولة أنها كانت تحكم المساحة الممتدة من البحر المتوسط ومرتفعات ميديا بما في ذلك أشور التي خضعت لنفوذها نحو قرن من الزمان, حتى تحررت في عهد ملكها آشور أوبلط الأول "حوالي ١٣٦٥-١٣٣٠ ق. م.".

стр. 340

وكانت شوكاني "التي يرجح أنها الفخارية الواقعة على نهر الخابور في شرقي تل حلف" عاصمة لميتاني، ومن أهم مراكزها نوزي ويوزغان تبة وأربخا جنوب كركوك الحالية، وقد عرفت هذه المملكة في النصوص المصرية باسم نهارينا، ومن أشهر حكامها هاني جلبات ثم توشرانا الذي كان صهرًا لأمنحتب الثالث١ وأمنحتب الرابع، وبعد أن نجحت المملكة الحورية في الاعتداء على الأراضي الحيثية على أثر ما أصاب الحيثيين من ضعف عقب موت تليبينوس استعاد الحيثيون قوتهم بعد ذلك في عهد ملكهم سوبيلوليوما وهاجموا المملكة الميتانية في عهد ملكها توشراتا, واستمرت حملاتهم عليها في عهد خلفه أيضًا وانتهت هذه الحملات باستيلاء الحيثيين٢ على القسم الشمالي من سورية، الذي يحدُّه الفرات في الشرق ولبنان في الجنوب, ثم ما لبث الأشوريون أن استولوا على القسم الباقي منها في عهد ملكهم أددنيرارى؛ وهكذا زالت دولة ميتاني من الوجود.

стр. 341

الفصل السادس: آسيا الصغرى مدخل ... الفصل السادس: آسيا الصغرى: يرى البعض أن المناخ في هضبة الأناضول تتعدد أنواعه إلى درجة تدعو إلى الاعتقاد بأن من الممكن أن يجد في أجزائها المختلفة كل من الإنجليزي والإفريقي والسويسري والروسي وغيرهم نوع المناخ الملائم له؛ فهضبة أرمينيا التي تعد امتدادًا لسلسلة جبال البرز المطلة على بحر قزوين يصل ارتفاع بعض قممها في أرارات إلى ١٧ ألف قدم وتنتهي إلى خطوط تقسيم مياه الفرات التي تعتبر الحدود الطبيعية لهضبة الأناضول بالمعنى الصحيح، ومن هذه الهضبة تخرج سلسلتان جبليتان تسير إحداهما في محاذاة ساحل البحر الأسود، وتمتد الثانية إلى الجنوب الغربي حتى تصل إلى البحر المتوسط, وهما تحصران الهضبة الوسطى؛ حيث تمتد السلسلة الشمالية إلى ما يعرف باسم القوس البونتي "Pontic Arc" الذي لا يتخلله إلا بعض الأخاديد العميقة تمر فيها مياه الأنهار إلى البحر الأسود؛ بينما تنتهي السلسلة المقابلة لها جنوبا إلى سهول قيليقيا "خريطة رقم٥" فالهضبة فيما بين هاتين السلسلتين أشبه بحوض متوسط وفي غربها توجد عدة بحيرات وأنهار تنحدر بشدة إلى بحر إيجة؛ حيث تنتهي شبه الجزيرة بسلاسل جبلية متوازية تمتد نحو هذا البحر، وهي تعد امتدادًا للسلاسل الموجودة في بلاد اليونان, وهكذا تنوعت التضاريس وأدى ذلك إلى اختلاف المناخ وتباينه في أجزاء هضبة الأناضول المختلفة، ومع كلٍّ فإنها تتميز بشتاء قاسٍ طويل ولم تكن مغرية

стр. 342

بالسكنى في الألف الرابع قبل الميلاد، وعلى هذا لا شك في أن القرويين الذين عرفوا الزراعة والاستقرار لم يكونوا هم أول من غامر بسكنى الهضبة، وكانت لديهم الشجاعة على تحمل شتائها الطويل؛ ولذا ينبغي أن نستنتج أن الهضبة سكنتها أقوام سبقت أولئك الذين عاشوا فيها معيشة استقرار بعد أن عرفوا الزراعة, وأن هؤلاء الأخيرين لا بد وأنهم وفدوا إلى الهضبة من الخارج، وإذا ما حاولنا أن نتعرف على الموطن الأصلي الذي جاء منه هؤلاء؛ لوجدنا أن الأدلة الأثرية تعوزنا في هذا السبيل، وإذا ما درسنا الظروف المحيطة بالهضبة بدقة؛ فإننا نستبعد قدومهم من المناطق الجنوبية البعيدة في الهلال الخصيب؛ لأن سكان هذه الجهات كانوا قد تحولوا من البداوة إلى حياة الزراعة والاستقرار، وليس من اليسير أن يتركوا أوطانهم إلى داخل هضبة الأناضول؛ إنما المعقول أن يكون هؤلاء الوافدون قد جاءوا من القوقاز أو من منطقة بحر قزوين؛ حيث وصلت في نفس الوقت هجرة أخرى من عنصر جنسي مخالف "ولكنه كان يعيش في ظروف مشابهة تقريبًا" إلى المناطق التي تحف ببحر إيجة من الغرب, وقد عاش هؤلاء الأخيرون مع السكان الأصليين -الذين سبقوهم إلى تلك الجهات- في وئام تام فترة طويلة. ويجب أن نلاحظ أن آثار أماكن الإقامة أثناء الدور الحجري القديم في آسيا الصغرى وجدت -كما في الجهات الجبلية الأخرى التي تحف بالهلال الخصيب "فلسطين وكردستان العراقية وإيران"- في كل من الكهوف والعراء. أما الحجري الحديث الذي يرجح أنه كان في الألف الخامس قبل الميلاد فتتمثل آثاره في أعمق الطبقات في بعض البقاع مثل: مرسين وطرطوس وساكجي جوزي التي تحتل مواقع جغرافية تجعل ظروفها مشابهة لظروف الأماكن التي وجدت بها آثار الحجري الحديث في الهلال الخصيب؛ ولذا فهي تعد

стр. 343

خريطة رقم "٥"

стр. 344

الامتداد الشمالي لهذه الأماكن؛ فعند دراسة الحجري الحديث في الإقليم السوري تلحق به؛ لأنه أقرب إليها من داخل الهضبة١.

стр. 345

العصور قبل التاريخية: الدور الحجري القديم: ظل البحث عن آثار هذا الدور فترة طويلة بطريقة غير منظمة وعلى أسس غير علمية؛ وعلى ذلك فإن أي خريطة لتوزيع ما عثر عليه في تلك الفترة من آثار هذا الدور تعطي نتائج خاطئة؛ لأنها مركزة في المناطق التي يكثر ارتيادها لسبب أو لآخر، ومع كل فمن بين الجهات التي وجدت فيها تلك الآثار قرقميش وملاطيا وحول العاصمة الحديثة أنقرة. ومن الممكن تبعًا لذلك أن نستنتج أن الإنسان وجد في الأناضول منذ بداية الدور الحجري القديم، ومن المناطق التي لها أهمية خاصة منطقة آديامان "Adiyamau" التي تقع في حوض الفرات الأعلى بالقرب من ملاطيا "Malatya"؛ لأن الآثار التي وجدت بها تبين تعاقب معيشة الجماعات البشرية بها, كما أنها تعد بمثابة حلقة الاتصال الأولى بين حضارات الإقليم السوري من جهة وبين تلك التي وجدت في كردستان والقوقاز من جهة أخرى، ويجب ألا يغيب عن الذهن أن الدلائل الأثرية التي اعتمد عليها الباحثون حتى الآن تتكون في معظمها من مجموعات متفرقة من المخلفات السطحية ومن الآثار التي اكتشفت غير منتظمة في طبقات، أما النتائج التي أمكن التوصل إليها على أسس سليمة؛ فهي تلك المترتبة على الاكتشافات التي تمت في كهف كارين "Karain" بالقرب من أنطاليا "Antaly" حيث وجدت آثار حضارات

стр. 346

آشولية وموستيرية وأورنياسية متتابعة في طبقات، كما عثر على آثار لبعض حفريات حيوانية فقرية أهمها دب الكهوف "ursus spelaeue" وأسد الكهوف "felis leo spelaeus"، كما عثر على سنة من أسنان طفل من جنس نياندرثال.

стр. 347

الدور الحجري الحديث: بدأ سلوك الإنسان في الهضبة كما في غيرها يتغير خلال هذا العصر؛ حيث أخذ في استئناس الحيوان وعرف الزراعة المنظمة وكان هذان كافيين لأن يغيرا من نظام حياته تغييرًا شاملًا، وقد عرف الأواني الفخارية وعُنِي بتشكيلها وزخرفتها مع احتفاظه فيها بأشكال ورسوم تقليدية "انظر شكل ٢٧"، كما استحدث أنواعًا من الآلات الحجرية لتقابل مطالب الحياة الجديدة، وكانت الأسلحة الصوانية -ومن بينها السكاكين وأسنان المناشير ومخارز ثقب الجلود- أكثر هذه الآلات شيوعًا في آسيا الصغرى؛ حيث عثر على نماذج كثيرة منها بجوار البحيرة الملحة في الهضبة الوسطى، وهذه يعتقد البعض أنها جلبت مع التجار شكل "٢٨" أوانٍ وأدوات من مرسين "عصر حجري حديث" الذين كانوا يفدون للبحث عن الملح, وإذا كان الأمر كذلك فلا بد أن هؤلاء جاءوا من أماكن بعيده؛ لأن أقرب مراكز الاستقرار -مرسين وساكجي جوزي- تبعد نحو ٣٠٠ إلى الجنوب وراء منطقة الجبال.

стр. 348

ويبدو أن ثورة الدور الحجري الحديث كانت قاصرة على منطقة تحدها سلاسل طوروس والسفوح المطلة على سهول سورية؛ لأن هذه كانت موطن نمو الحبوب التي كان يعتمد عليها الاقتصاد الزراعي في هذه الحضارة؛ ولكن نظرًا لأن هذه الحبوب كانت تنمو أيضًا في مناطق أخرى مثل القوقاز فلا بد أن انعدامها في داخل هضبة الأناضول كان يرجع إلى الظروف التي أوجدت حاجزًا مناخيًّا جعل إنسان الدور الحجري الحديث يقف وراء حدود معينة فتمثلت حضاراته خارجها؛ ولذا لا نجدها في الهضبة الداخلية بل على حافتها في بقاع مثل مرسين وساكجي جوزي التي أشرنا إليها عند دراستنا لسورية١.

стр. 349

دور بداية استخدام المعادن: تتضح بداية استخدام المعادن من الناحية الأثرية بواسطة عدد من المستحدثات التي كان لها أثرها بالطبع في زيادة وتنويع أساليب الحياة التي كانت قائمة بالفعل؛ ولكنها لم تحدث تطورًا ثوريًّا، أي أن الإنسان ظل يتدرج في استعمال الحجر إلى جانب بدء استخدامه للمعدن فترة طويلة يحتمل أنها استغرقت الجزء الأعظم من الألفين الخامس والرابع قبل الميلاد؛ ولذا لا تمثل هذه الفترة مرحلة واحدة بل عددًا من مراحل التطور الحضاري، وحينما بلغت الحضارة في هذا الدور منتهاها كان الإنسان يعيش في مدن محصنة بها معابد وقصور ويشرع قوانينه ويكيف حياته حسب حاجياته، ونظرًا لأن هذه المظاهر لم يعثر على ما يماثلها داخل هضبة الأناضول خلال هذا الدور؛ فإن من المرجح أن الحاجز المناخي الذي أشرنا إلى أنه كان قائمًا خلال الدور الحجري الحديث٢, ظل قائمًا كذلك

стр. 350

إلى أواسط دور استخدام المعادن على الأقل؛ فظلت الجهات الداخلية من الأناضول مجهولة بالنسبة لأهل حضارة بدء استخدام المعادن ولم ينتبهوا إليها إلا في أواخر هذه الفترة، وهذا الحاجز المشار إليه يكاد ينطبق على خط كنتور المرتفعات الجنوبية الذي يصل إلى ارتفاع ألفي قدم أو أكثر ويمتد من المشرق إلى المغرب؛ ولكن تتخلله فجوات عميقة تخترقها وديان بعض الأنهار, وتصل شمالًا إلى سهل قيليقيا. وعلى أي حال ففي وقت ما من القرون الأخيرة للألف الرابع قبل الميلاد تمكنت الجماعات التي تعتمد على الزراعة من أن تعيش في بعض الجهات الواقعة شمال هذا الحاجز المناخي, وبدأت المحلات الزراعية تظهر في الهضبة نفسها وفي الإقليم الإيجي في الغرب؛ ولكننا لا نستطيع الجزم بالمكان الذي جاءت منه هذه الجماعة؛ فما زالت المعلومات التي أمكن الوصول إليها عن هؤلاء الأناضوليين الأوائل ضئيلة للغاية وغير كافية؛ لأنها جاءت عن طريق الاكتشافات التي تمت في مواقع قليلة ومعظمها لا تخرج عن كونها نتجت عن مجسات طبقية في بعض الأماكن أو أشياء وجدت على سطح الأرض في أماكن أخرى، ومع هذا يمكن القول بأنها تغطي مساحة جغرافية لا بأس بها؛ إذ إنها تمتد من أقصى الغرب إلى حدود إيران، ولو أنها في أول الأمر كانت عبارة عن سلسلة من الاكتشافات المتفرقة التي أمدتنا بمخلفات تتميز في كل موقع أو مجموعة من المواقع المتجاورة عما عداها, ولم يمكن معرفة أنها ترجع إلى دور بداية استخدام المعادن إلا عن طريق أدلة الطبقات فقط. ومن أمثلة الاختلاف في آثار الجهات المختلفة ما يشاهد من فوارق بين المخلفات التي عثر عليها في كل من عليشار وأزجوق "بالقرب من سمسون ودنداراتبة" وبيوق جلوجك "بالقرب من ألاجا" وطروادة وكوم تبة وغيرها، ومع أن كلًّا من هذه تتميز عن الآخرين في صفات معينة إلا أن هذه الصفات الخاصة

стр. 351

ترجع -دون شك- إلى اختلاف المظاهر الجغرافية التي كانت تميز تلك البيئات المختلفة، ويرى البعض أن من المحتمل وجود صلة بين الأناضول والبلاد التي تحف ببحر إيجة وامتدادها شمالًا حتى حوض بحر الدانوب. ويؤكد وجهة نظرهم هذه ما يرى من تشابه بين أشكال الفخار التي اكتشفت حديثًا في بقعة تعرف باسم فكيرتبه "Fikirtepe" "على الشاطئ الآسيوي للبسفور" مع فخار جلوجك؛ مما يساعد على معرفة اتجاه حركة الاستيطان الأولى في الهضبة. ومن الغريب أن المخلفات الأثرية في الأناضول لا تدل على أي نوع من الصلات التي تربطها بمخلفات الحضارة التي تطورت عن حضارة العصر الحجري الحديث فيما وراء الحاجز الجنوبي. وعلى هذا نستبعد كلية احتمال استيطان هضبة الأناضول عن طريق انتشار سكان تلك الجهات الجنوبية إلى الشمال. والواقع أن أول الاتصالات الملحوظة بين هؤلاء وبين جيرانهم في الأناضول على الساحل الغربي لآسيا الصغرى يرجع إلى وقت تكوين أول محلة في طروادة١, أي: في عصر البرونز القديم الذي استغرق الجزء الأكبر من الألف الثالث ق. م. مع أن استخدام النحاس لم يعرف في داخل الهضبة إلا في وقت متأخر عن ذلك، ويبدو أن المجتمعات التي عاشت في داخل الهضبة -في فترة لا يمكن تحديدها من القرون الأولى في الألف الثالث قبل الميلاد- امتزجت مع بعضها البعض وانصهرت في وحدة بشرية جديدة لا تحمل إلا شبهًا بسيطًا لأي عنصر من العناصر الأولى التي دخلت في تكوينها, ولم يحدث ما يحول دون تطور تلك الجماعات في هدوء وبطء؛ إذ إنهم ظلوا ممثلين لمدة سبعة أو ثمانية قرون في كل قرية أو مدينة تجارية "من سقارية إلى الفرات ومن البحر الأسود إلى سلاسل طوروس التي تكون حافة الهضبة" وكانوا يعيشون في نفس المنازل مستعملين لنفس الأدوات ومفضلين لنفس الأشكال في فخارهم، وكانت ظروف ومعدات حياتهم

стр. 352

الزراعية معروفة من بضع المحلات التي تم اكتشافها فلم يلاحظ في معظمها إلا تغير طفيف في حالات شاذة، وربما كانت هذه التغيرات الضئيلة في الصناعات التقليدية نتيجة هجرة قوية، ومع ذلك فإن المظهر العام لحياتهم ظل كما هو إلى ما بعد الألف الثالث قبل الميلاد؛ فانعدام مظاهر التقدم في مخلفاتهم يكاد يكون عامًّا؛ بينما عاصرت حضارات عصر استخدام النحاس في الأناضول حضارات بالغة الرقي في بقية أقطار الشرق الأدنى: فمصر مثلًا كانت تعيش في عهد الدولة القديمة وهو من أزهى عهودها التاريخية؛ ولذا لا يمكن أن نقارن بين حضارات الأناضول وتلك التي كانت في الأقطار الأخرى خلال هذه الفترة؛ بل يمكن القول بأن منطقة طروادة المطلة على بحر إيجة كانت منفصلة حضاريًا عن داخل الهضبة، والواقع أن قليلًا من الأدلة الأثرية هي التي تربط بين المنطقتين في هذا العصر السحيق؛ بحيث يصعب إيجاد صلة بينهما, أما الأدلة على ارتباط طروادة "خلال هذا العصر" بإقليم بحر إيجة فهي متعددة وكافية لأن تؤيد وجود صلة بينهما. ومع أن مخلفات الحضارات التالية من عصر النحاس في طروادة التي تتمثل في طبقاتها الأثرية ابتداء من الطبقة الثانية إلى الطبقة الخامسة -وهي التي تعد نموذجًا لكل المنطقة المحيطة ببحر إيجة- تشير إلى اقتصاد زراعي متواضع؛ إلا أن بعض آثار فيها تدل على غنى عظيم يوحي بوجود مستوى أعلى للحياة بين الطبقات العليا، وهذه تتمثل في وجود بعض حلي من الذهب والفضة عثر عليها شليمان "Shliemann" في الطبقة الثانية من حفائره في طروادة؛ ولكن شواهد أخرى تدل على حدوث تغيرات واضحة فيما بعد حيث توجد آثار حريق عظيم في هذه الطبقة الثانية يرجع تاريخه إلى نهاية القرن ٢٤ ق. م. تقريبًا. ولا يوجد من التشابه بين الحضارة التي سادت منطقة إيجة وتلك التي كانت

стр. 353

داخل الهضبة إلا مظاهر ضئيلة أخذت تختفي بعد ذلك؛ فقد وجدت في الصناعات المعدنية أثناء عصر النحاس طرز مشتركة في الأدوات وفي بعض المظاهر الزخرفية الصغيرة بكل من المنطقتين تكاد تكون من الكثرة؛ بحيث توحي باحتمال الوصول إلى مراحل متشابهة في تطور نوع معين من الصناعة في الشرق الأدنى؛ بينما لا يتمثل ذلك التشابه في الفخار إلا في أشكال فردية يمكن أن تستخدم في المقارنة التاريخية، كما أن اختلاف بقية المظاهر الأخرى لا التشابه فيما بينها هو الذي يستحق الدراسة لكي نتبين مدى اختلاف الحضارة في كل من المنطقتين، ولا بد من الإشارة هنا إلى منطقة قيليقيا؛ حيث إنها بالمثل تترك الهضبة من خلفها وتتجه نحو سورية؛ ولذا لا نتبين هنا إلا آثارًا طفيفة للاحتكاك بين مرسين وطرسوس من جهة وبين أهل طروادة من جهة أخرى خلال عصر البرونز القديم، أما في عصر النحاس فإن علامات هذا الاحتكاك وفيرة تدل على نشاط تبادل التجارة مع الهضبة عن طريق ممرات طوروس, وعلى تغلغل الذوق السوري؛ بل والفلسطيني أيضًا، ومن المنطق أن نستنتج أن التيار الحضاري كان يتخذ طريقه عبر قيليقيا إلى وديان الأنهار والبلاد الواقعة في جنوب "حاجز الحجري الحديث" ومن ثَمَّ إلى الأراضي المرتفعة في شرق الفرات ثم إلى ساحل البحر الأسود في الشمال، ونظرًا لأن هذه المساحات لم تدرس دراسة وافية بعد فإن أي شيء يقال عن تاريخها في عصر النحاس يكون في معظمه مجرد تخمين، والواقع أن المثال الوحيد لمخلفات هذا العصر يوجد في موقع يعرف باسم كاراز "Karaz" بالقرب من أرزروم "Erzurum" حيث عثر في طبقة أثرية تنتمي إلى عصر النحاس على طرز جديدة من الفخار يوجد ما يشبه لها في القوقاز. والخلاصة أن جيران الأناضول في الشمال والشرق والجنوب الشرقي ما زالوا غامضين نسبيًّا إذا ما قُورنوا بساحل المتوسط في غرب قيليقيا, وقد يدل عدم وجود آثار في تلك الجهات على أنها لم تكن مسكونة بالفعل خلال هذا العصر،

стр. 354

وهكذا فالهيكل الأساسي لما نعرفه عن عصر النحاس يمكن تلخيصه في سطور قليلة؛ ففي حوالي سنة ٢٣٠٠ ق. م. تغيرت مميزات الحضارة في الأناضول نظرًا لدخول طائفة من الناس تميل إلى الفخار الملون الأجنبي الذي ينتمي إلى كبادوشيا, وهنا نصل إلى نهاية العصر قبل التاريخي في هضبة الأناضول.

стр. 355

العصر التاريخي مدخل ... العصر التاريخي: أشارت التوراة إلى الحيثيين في عدد من أسفارها١، كما أشارت النصوص المصرية إلى علاقاتهم مع ملوك الدولة الحديثة -الذين أطلقوا على بلادهم اسم "خيتا" كذلك ذكرها الأشوريون "من عهد تجلات بلاسر الأول" باسم خاتي- وظل أمرهم مجهولًا إلى أن أخذ الرحالة والمبشرون يجوبون شمال سورية وآسيا الصغرى؛ حيث عثر على أحجار وتماثيل منقوشة برموز غريبة لا تشبه الهيروغليفية المصرية, أطلق عليها الهيروغليفية الحيثية. وفي سنة ١٨٨٠ ألقى "A. H. Syce" محاضرة أمام جمعية الآثار الإنجيلية بلندن قرر فيها أن هذه من آثار الحيثيين، وحينما قامت بعثة من المتحف البريطاني بالتنقيب في قرقميش كشفت عن نقوش عدة بهذه الكتابة، كذلك عثرت بعثة تنقيب ألمانية على نقوش مماثلة في سنجرلي فيما بين ١٨٨٨، ١٨٩٢. ولما عثر على خطابات "تل العمارنة" المكتوبة بالخط المسماري في مصر سنة ١٨٨٧ أمكن التعرف على قدر لا بأس به من تاريخ الحيثيين, وكان من بينها خطابان مكتوبان بلغة مغايرة اتضح أنها ذات صلة باللغات الهندو أوروبية. وفي سنة ١٩٠٦ بدأت بعثة ألمانية بإشراف هوجوفنكلر بالتنقيب في بوغاز كوي
следующие страницы →