← История

История · id 7320

معالم تاريخ الشرق الأدني القديم

محمد أبو المحاسن عصفور

Полный текст (525 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ترجع -دون شك- إلى اختلاف المظاهر الجغرافية التي كانت تميز تلك البيئات المختلفة، ويرى البعض أن من المحتمل وجود صلة بين الأناضول والبلاد التي تحف ببحر إيجة وامتدادها شمالًا حتى حوض بحر الدانوب. ويؤكد وجهة نظرهم هذه ما يرى من تشابه بين أشكال الفخار التي اكتشفت حديثًا في بقعة تعرف باسم فكيرتبه "Fikirtepe" "على الشاطئ الآسيوي للبسفور" مع فخار جلوجك؛ مما يساعد على معرفة اتجاه حركة الاستيطان الأولى في الهضبة. ومن الغريب أن المخلفات الأثرية في الأناضول لا تدل على أي نوع من الصلات التي تربطها بمخلفات الحضارة التي تطورت عن حضارة العصر الحجري الحديث فيما وراء الحاجز الجنوبي. وعلى هذا نستبعد كلية احتمال استيطان هضبة الأناضول عن طريق انتشار سكان تلك الجهات الجنوبية إلى الشمال. والواقع أن أول الاتصالات الملحوظة بين هؤلاء وبين جيرانهم في الأناضول على الساحل الغربي لآسيا الصغرى يرجع إلى وقت تكوين أول محلة في طروادة١, أي: في عصر البرونز القديم الذي استغرق الجزء الأكبر من الألف الثالث ق. م. مع أن استخدام النحاس لم يعرف في داخل الهضبة إلا في وقت متأخر عن ذلك، ويبدو أن المجتمعات التي عاشت في داخل الهضبة -في فترة لا يمكن تحديدها من القرون الأولى في الألف الثالث قبل الميلاد- امتزجت مع بعضها البعض وانصهرت في وحدة بشرية جديدة لا تحمل إلا شبهًا بسيطًا لأي عنصر من العناصر الأولى التي دخلت في تكوينها, ولم يحدث ما يحول دون تطور تلك الجماعات في هدوء وبطء؛ إذ إنهم ظلوا ممثلين لمدة سبعة أو ثمانية قرون في كل قرية أو مدينة تجارية "من سقارية إلى الفرات ومن البحر الأسود إلى سلاسل طوروس التي تكون حافة الهضبة" وكانوا يعيشون في نفس المنازل مستعملين لنفس الأدوات ومفضلين لنفس الأشكال في فخارهم، وكانت ظروف ومعدات حياتهم

стр. 352

الزراعية معروفة من بضع المحلات التي تم اكتشافها فلم يلاحظ في معظمها إلا تغير طفيف في حالات شاذة، وربما كانت هذه التغيرات الضئيلة في الصناعات التقليدية نتيجة هجرة قوية، ومع ذلك فإن المظهر العام لحياتهم ظل كما هو إلى ما بعد الألف الثالث قبل الميلاد؛ فانعدام مظاهر التقدم في مخلفاتهم يكاد يكون عامًّا؛ بينما عاصرت حضارات عصر استخدام النحاس في الأناضول حضارات بالغة الرقي في بقية أقطار الشرق الأدنى: فمصر مثلًا كانت تعيش في عهد الدولة القديمة وهو من أزهى عهودها التاريخية؛ ولذا لا يمكن أن نقارن بين حضارات الأناضول وتلك التي كانت في الأقطار الأخرى خلال هذه الفترة؛ بل يمكن القول بأن منطقة طروادة المطلة على بحر إيجة كانت منفصلة حضاريًا عن داخل الهضبة، والواقع أن قليلًا من الأدلة الأثرية هي التي تربط بين المنطقتين في هذا العصر السحيق؛ بحيث يصعب إيجاد صلة بينهما, أما الأدلة على ارتباط طروادة "خلال هذا العصر" بإقليم بحر إيجة فهي متعددة وكافية لأن تؤيد وجود صلة بينهما. ومع أن مخلفات الحضارات التالية من عصر النحاس في طروادة التي تتمثل في طبقاتها الأثرية ابتداء من الطبقة الثانية إلى الطبقة الخامسة -وهي التي تعد نموذجًا لكل المنطقة المحيطة ببحر إيجة- تشير إلى اقتصاد زراعي متواضع؛ إلا أن بعض آثار فيها تدل على غنى عظيم يوحي بوجود مستوى أعلى للحياة بين الطبقات العليا، وهذه تتمثل في وجود بعض حلي من الذهب والفضة عثر عليها شليمان "Shliemann" في الطبقة الثانية من حفائره في طروادة؛ ولكن شواهد أخرى تدل على حدوث تغيرات واضحة فيما بعد حيث توجد آثار حريق عظيم في هذه الطبقة الثانية يرجع تاريخه إلى نهاية القرن ٢٤ ق. م. تقريبًا. ولا يوجد من التشابه بين الحضارة التي سادت منطقة إيجة وتلك التي كانت

стр. 353

داخل الهضبة إلا مظاهر ضئيلة أخذت تختفي بعد ذلك؛ فقد وجدت في الصناعات المعدنية أثناء عصر النحاس طرز مشتركة في الأدوات وفي بعض المظاهر الزخرفية الصغيرة بكل من المنطقتين تكاد تكون من الكثرة؛ بحيث توحي باحتمال الوصول إلى مراحل متشابهة في تطور نوع معين من الصناعة في الشرق الأدنى؛ بينما لا يتمثل ذلك التشابه في الفخار إلا في أشكال فردية يمكن أن تستخدم في المقارنة التاريخية، كما أن اختلاف بقية المظاهر الأخرى لا التشابه فيما بينها هو الذي يستحق الدراسة لكي نتبين مدى اختلاف الحضارة في كل من المنطقتين، ولا بد من الإشارة هنا إلى منطقة قيليقيا؛ حيث إنها بالمثل تترك الهضبة من خلفها وتتجه نحو سورية؛ ولذا لا نتبين هنا إلا آثارًا طفيفة للاحتكاك بين مرسين وطرسوس من جهة وبين أهل طروادة من جهة أخرى خلال عصر البرونز القديم، أما في عصر النحاس فإن علامات هذا الاحتكاك وفيرة تدل على نشاط تبادل التجارة مع الهضبة عن طريق ممرات طوروس, وعلى تغلغل الذوق السوري؛ بل والفلسطيني أيضًا، ومن المنطق أن نستنتج أن التيار الحضاري كان يتخذ طريقه عبر قيليقيا إلى وديان الأنهار والبلاد الواقعة في جنوب "حاجز الحجري الحديث" ومن ثَمَّ إلى الأراضي المرتفعة في شرق الفرات ثم إلى ساحل البحر الأسود في الشمال، ونظرًا لأن هذه المساحات لم تدرس دراسة وافية بعد فإن أي شيء يقال عن تاريخها في عصر النحاس يكون في معظمه مجرد تخمين، والواقع أن المثال الوحيد لمخلفات هذا العصر يوجد في موقع يعرف باسم كاراز "Karaz" بالقرب من أرزروم "Erzurum" حيث عثر في طبقة أثرية تنتمي إلى عصر النحاس على طرز جديدة من الفخار يوجد ما يشبه لها في القوقاز. والخلاصة أن جيران الأناضول في الشمال والشرق والجنوب الشرقي ما زالوا غامضين نسبيًّا إذا ما قُورنوا بساحل المتوسط في غرب قيليقيا, وقد يدل عدم وجود آثار في تلك الجهات على أنها لم تكن مسكونة بالفعل خلال هذا العصر،

стр. 354

وهكذا فالهيكل الأساسي لما نعرفه عن عصر النحاس يمكن تلخيصه في سطور قليلة؛ ففي حوالي سنة ٢٣٠٠ ق. م. تغيرت مميزات الحضارة في الأناضول نظرًا لدخول طائفة من الناس تميل إلى الفخار الملون الأجنبي الذي ينتمي إلى كبادوشيا, وهنا نصل إلى نهاية العصر قبل التاريخي في هضبة الأناضول.

стр. 355

العصر التاريخي مدخل ... العصر التاريخي: أشارت التوراة إلى الحيثيين في عدد من أسفارها١، كما أشارت النصوص المصرية إلى علاقاتهم مع ملوك الدولة الحديثة -الذين أطلقوا على بلادهم اسم "خيتا" كذلك ذكرها الأشوريون "من عهد تجلات بلاسر الأول" باسم خاتي- وظل أمرهم مجهولًا إلى أن أخذ الرحالة والمبشرون يجوبون شمال سورية وآسيا الصغرى؛ حيث عثر على أحجار وتماثيل منقوشة برموز غريبة لا تشبه الهيروغليفية المصرية, أطلق عليها الهيروغليفية الحيثية. وفي سنة ١٨٨٠ ألقى "A. H. Syce" محاضرة أمام جمعية الآثار الإنجيلية بلندن قرر فيها أن هذه من آثار الحيثيين، وحينما قامت بعثة من المتحف البريطاني بالتنقيب في قرقميش كشفت عن نقوش عدة بهذه الكتابة، كذلك عثرت بعثة تنقيب ألمانية على نقوش مماثلة في سنجرلي فيما بين ١٨٨٨، ١٨٩٢. ولما عثر على خطابات "تل العمارنة" المكتوبة بالخط المسماري في مصر سنة ١٨٨٧ أمكن التعرف على قدر لا بأس به من تاريخ الحيثيين, وكان من بينها خطابان مكتوبان بلغة مغايرة اتضح أنها ذات صلة باللغات الهندو أوروبية. وفي سنة ١٩٠٦ بدأت بعثة ألمانية بإشراف هوجوفنكلر بالتنقيب في بوغاز كوي

стр. 356

وكشفت عن آلاف من الألواح المسمارية الكتابة, بعضها باللغة الأكدية التي كانت قد عرفت, والغالبية بنفس لغة الخطابين اللذين عثر عليهما في تل العمارنة, وأمكن استنتاج أن هذه الألواح سجلات ملكية وأن بوغاز كوي كانت عاصمة الحيثيين؛ ومما أيد ذلك العثور على الأصل الحيثي للمعاهدة التي أبرمت بين شوبيلوليوما وبين رعمسيس الثاني١. وقد عكف الألمان على دراسة النصوص المسمارية الحيثية ونجحت محاولاتهم إلى حد كبير في تفسيرها؛ وخاصة بعد العثور على نصوص أشورية تشير إلى عدد من الأماكن والشخصيات الحيثية أمكن مطابقتها في النصوص الحيثية, كما عثر على أجزاء من معاجم لغوية دونت فيها كلمات سومرية وأكدية وحيثية في جداول متوازية، كذلك وجدت كلمات سومرية وأكدية في بعض النصوص الحيثية؛ مما ساعد كثيرًا على نجاح المحاولات التي بذلت في تقسيم المسمارية الحيثية. ومن جهة أخرى بذل الإنجليز وغيرهم محاولات وجهودًا مضنية في سبيل تفسير الهيروغليفية الحيثية؛ ولكن يمكن القول: إن النجاح في تفسيرها ما زال محدودًا وإن كان قد ثبت أنها تمت إلى الكتابة المسمارية بصلة. ومما هو جدير بالذكر أن النصوص المسمارية التي عثر عليها في الأناضول شملت تسع لغات مختلفة, منها أربع تمثل كل منها لغة مستقلة وهي: الأكدية والسومرية والحورية والآرية, وأربع أخرى حوت عناصر متشابهة ولكن كلًّا منها استعمل في إقليم مختلف من آسيا الصغرى, أما اللغة الباقية فكانت تنفرد بمميزات تختلف عن سائر اللغات الأخرى, وهي تعرف حاليا باسم "ما قبل الحيثية" أو "الحاتية".

стр. 357

ومهما كان الأمر؛ فإن الكتابات المسمارية كانت أهم ما اعتمد عليه المؤرخون في التعرف على تاريخ الحيثيين من مصادره الأصلية. وقد اصطلح المؤرخون على أن العصر التاريخي في هضبة الأناضول يبدأ بوصول تجار أشوريين إليها، وكان هؤلاء يتراسلون مع أوطانهم الأصلية باللغة البابلية؛ حيث عثر على ألواح رسائلهم الطينية في كول تبة وغيرها, وهي لا تمدنا إلا بالقليل من المعلومات عن السكان الأصليين وتاريخهم؛ غير أننا نتبين فيها كثيرًا من الأسماء الهندو أوروبية مما يوحي بأن الهندو أوروبيين كانوا قد استقروا في المنطقة قبل ذلك، كما تحدثنا هذه الألواح عن الأمراء المحليين وقصورهم، ومن ذلك نستنتج أن البلاد كانت مقسمة إلى عشر مقاطعات صغيرة على الأقل, من بينها مدينة بوروش خاندا التي تمتعت بالسلطان في بادئ الأمر؛ لأن حاكمها كان مميزًا عن حكام المدن الأخرى بلقب الأمير العظيم، ومدينة كوسارا١ التي ترك أميرها أنيتا بن بتخانا نصًّا يشير إلى كفاحه وكفاح أبيه من أجل السلطان ضد بعض المدن المنافسة ومن بينها حاتي, كما يذكر أنه قد تم إخضاع هذه المدن بنجاح وأن حاتوساس دمرت تدميرًا تامًا, وبعد أن تم له قهر جميع الأعداء نقل مقر حكمه إلى نيسا "Nesa". ويظهر أن هذا الملك قد تمكن في أواخر عهده من الاستيلاء على الجزء الأكبر من هضبة كبادوشيا. ولا يعرف متى أدخلت الكتابة الحيثية بالخط المسماري؛ إذ إنها تختلف اختلافًا بينًا عن الأسلوب الذي استعمله التجار الأشوريون في كتابة لغتهم, وخاصة لأن النصوص الحيثية المتأخرة تشير إلى أن الأمراء المحليين في العصور المبكرة كانوا يستعملون اللغة الأكدية في كتاباتهم.

стр. 358

ويبدو أن النشاط التجاري للأشوريين في كبادوشيا ظل مزدهرًا حوالي ثلاثة أجيال؛ ولكنه انتهى فجأة في حكم الملك أنيتا، ولا ندري هل كان ذلك نتيجة لانتصارات هذا الملك أم أن كارثة حلت بمدينة آشور نفسها في ذلك الوقت؟ وليس هناك ما يبرر الاعتقاد بأن السكان المحليين لم يكونوا على علاقات ودية مع التجار الأشوريين؛ بل على العكس من ذلك ربما كان هؤلاء يرحبون بمثل أولئك الذين كانوا يحملون لهم ثمار الحضارات المتقدمة من بلاد النهرين. وإذا ما أردنا تتبع علاقة الملك أنيتا المشار إليه بمملكة حاتي؛ فإننا نجد أنه كان يحكم في مدينة كوسارا أي: إن هذه المدينة كانت مقره في العصور الحيثية المبكرة إن لم تكن هي عاصمته الإدارية كذلك؛ ولذا يعتقد بعض العلماء أن الأسرة المالكة الحيثية كانت من سلالة أنيتا؛ إلا أن هذا الاعتقاد فيما يبدو لا يتفق مع ما نعرفه عن تدمير حاتوساس والعداء الذي أظهره أنيتا لها؛ مما يدل على أنه كان ينتمي إلى تقاليد تختلف عن تقاليد الملوك الذين اتخذوا حاتوساس عاصمة لهم فيما بعد، كذلك لم نعثر في نصوص ملوك الحيثيين على ما يثبت أن أحدًا منهم ادعى بأن أنيتا كان أحد أسلافه.

стр. 359

الدولة القديمة: كان الملوك الحيثيون في العصور المتأخرة يميلون إلى انتسابهم إلى ملك يدعى لابارناس، أي أن التاريخ الحيثي يبدأ به على الرغم من أنه لم يكن فيما يبدو أول ملوك أسرته؛ بل ولم يوجد لهذا الملك أي نص؛ وإنما ذكرت أعماله في نص لأحد خلفائه نتبين منه أن لابارناس كان يتزعم أولاده وأقاربه في بقعة صغيرة "وكلما خرج إلى القتال أخضع أعداءه بالقوة وجعل بلادهم مغلوبة على أمرها ومد حدوده إلى البحار"، والظاهر أنه وصل بحدود بلاده إلى أقصى اتساع بلغته

стр. 360

المملكة حتى في أزهى عصور الإمبراطورية المتأخرة, كما يرجح أن عاصمته لم تكن حاتوساس بل كوسارا القديمة. وخلف لابارناس على العرش حاتوسيليس الذي كان يتولى الحكم في كوسارا، وقد ألقى فيها خطابًا يعد مصدرنا الرئيسي عن الحالة السياسية في ذلك العهد، ومنه نتبين أن العاصمة في نهاية حكمه كانت حاتوساس وأن اسمه الأصلي لم يكن حاتوسيليس الأول بل كان لابارناس مثل أبيه، أي: إنه نقل عاصمة ملكه وغير اسمه، ولا بد أن تغيير العاصمة كان يرجع إلى أسباب إستراتيجية؛ إذ بدأت المملكة الحيثية في الاتساع جنوبًا وشرقًا في عهده والعهود التالية، أي أن الجيوش الحيثية قد خرجت من خلف حواجزها الجبلية واخترقت سلاسل جبال طوروس المنيعة التي لا يوجد بها إلا عدد قليل من الممرات، وربما كان الدافع إلى ذلك هو ثراء السهول الجنوبية وازدهارها وقدم حضارتها، وربما كانت أول مملكة اصطدم بها حاتوسيليس هي مملكة يامخاد الأمورية١ التي كانت عاصمتها حلب وكانت تسيطر على شمال سورية، ولا شك في أن هذه المملكة قد خضعت للحيثيين؛ ولكنها ثارت وخرجت عن سلطانهم بعد ذلك. ولما تولى العرش مورسيليس الأول خلفًا لحاتوسيليس دمر يامخاد ولم يكتف بفتح سورية الشمالية؛ بل تتبع الفرات جنوبًا وقضى على المملكة الأمورية الكبرى في بابل حوالي سنة ١٦٠٠ ق. م. وبذلك انتهت الأسرة البابلية الأولى التي كان حامورابي أعظم ملوكها. ويبدو أن النظام الداخلي في المملكة الحيثية لم يكن قد وصل إلى درجة من الاستقرار تهيئ لها الصمود, فقد ظهرت فيها علامات الاضطرابات منذ عصر الملك حاتوسيليس؛ إذ إن أفراد البيت المالك ثاروا عليه بقيادة ولي عهده ولكنه

стр. 361

استطاع أن يسحق الثورة وأنكر ولي عهده ونفاه وعين مكانه مورسيليس الذي كان أصغر منه، وخلفه بالفعل على العرش؛ ولكن كثرة تغيب هذا الملك الشاب في حملاته الحربية شجعت على حدوث المؤامرات ضده؛ حيث قتله صهره حانتيليس -الذي كان متزوجًا بأخته- بعد عودته من بابل, وبدأ عهد مليء بحوادث القتل والدسائس استمر أجيالًا عدة حتى آلت المملكة إلى حالة قريبة من الفوضى. وقد توالت الأزمات وحلت الكوارث الخارجية في عهد حانتيليس؛ فالحوريون المقيمون بالجبال المحيطة ببحيرة وان "wan" والذين كان مورسيليس قد غزاهم من قبل, هاجموا الجزء الشرقي من المملكة الحيثية وتقدموا فيه حتى وصلوا إلى قرب العاصمة من الناحية الشمالية، ودمروا في طريقهم بعض المدن؛ مما جعل الملك يضطر إلى تقوية حصون حاتوساس نفسها. وقد فقد حانتيليس وخلفاؤه معظم الأراضي التي كان أسلافهم قد استولوا عليها في الجنوب، ولم يتحسن الحال نوعًا إلا عندما اعتلى العرش تليبينوس الذي كان مغتصبًا؛ ولكنه كان على عكس أسلافه يمتاز بالمهارة؛ إذ نجح في تقوية مركزه بالتخلص من الذين نافسوه على السلطة ونجح في إنهاء حالة الفوضى التي استمرت حوالي خمسين عامًا, وذلك بسن قانون لاعتلاء العرش وتقوية الدولة الحيثية من الداخل ويعد هذا أعظم أعمال تليبينوس، ومن المحتمل أن القانون الذي أصدره عن كيفية اعتلاء العرش والتعليمات الخاصة بسلوك الملوك والأمراء هو الذي اتبع فيما بعد حتى آخر أيام الإمبراطورية. أما سياسته الخارجية فتتلخص في أنه اكتفى بتأمين حدوده الدفاعية وتقويتها وطرد الغزاة البرابرة من شمال العاصمة وشرقها, كما يحتمل أنه أعاد غزو بعض الأراضي التي خرجت عن سلطان الحيثيين، وقد عقد معاهدة مع مملكة كيزواتنا "Kizzuwatna" وهو أول من ذكر أنه عقد معاهدة مع دولة أجنبية, وهذه

стр. 362

المملكة هي التي كانت تحتل في ذلك الوقت الجزء الشرقي من سهول قيليقيا, ويبدو أنها كانت دولة قوية إذ اعترف بملكها على قدم المساواة معه. ويعتبر تليبينوس عادة آخر ملوك الدولة القديمة، ورغم عدم العثور على وثائق تاريخية يمكن بواسطتها التعرف على أسماء خلفائه الذين تبعوه في السنوات الأربعين التالية لحكمه؛ إلا أننا نجد أن قليلًا من النصوص تحدثنا عنها؛ إذ يرجح أن القانون الذي عثر على نصوصه في بوغاز كوي -وهو أحد الوثائق التاريخية المهمة- يرجع إلى عهد أحد خلفائه, كما أن كثيرًا من عقود الأرض والمواثيق تنتمي إلى هذه الفترة أيضًا.

стр. 363

عصر الإمبراطورية: يعد تود هالياس الثاني مؤسس الأسرة التي كان لها الفضل في تشييد الإمبراطورية الحيثية شخصية غامضة ولم يسجل التاريخ له إلا حادثًا واحدًا وهو غزو حلب وتدميرها وهذا لا يكفي للدلالة على أن المملكة الحيثية قد استعادت استقرارها الداخلي، وأصبحت قادرة على فرض سلطانها مرة أخرى على جيرانها، ومع أن تاريخ تدمير حلب وظروفه غير مؤكدة؛ إلا أنه يجب وضع هذا الحادث حسب تاريخ سورية المعروف في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، فبعد موت مورسيليس الأول ضعف الحيثيون فترة طويلة تمكنت خلالها هاني جلبات وهي إحدى الوحدات السياسية التي انتظم فيها الحوريون من السيطرة على شمال سورية حوالي ١٥٠٠ ق. م. ومما يدل على ضعف حاتي في ذلك الوقت أن أحد موالي المملكة الحورية نجح في الاعتداء على حدود البلاد الحيثية ولم يلق جزاء على ذلك، وفي سنة ١٤٥٠ ق. م. انتهت السيطرة الحورية بفضل انتصارات تحتمس الثالث في حملته الثامنة وأصبح المصريون هم أصحاب السلطة العليا في سورية لمدة ثلاثين عامًا تقريبًا؛ ولكن سيطرتهم على شمال سورية تراخت قليلًا

стр. 364

بعد وفاته لظهور قوة حورية جديدة هي مملكة ميتاني التي أصبحت القوة الفعالة في غرب آسيا فترة من الوقت. وربما كان غزو الحيثيين لحلب يرجع إلى أنهم أرادوا عقاب هذه المدينة على عودتها للخضوع إلى هاني جالبات؛ ولذا يرجح أن غزوها لا يمكن أن يكون متأخرًا عن هزيمة هاني جالبات على يد تحتمس الثالث في سنة ١٤٥٧ ق. م. وليس من المستبعد أن يكون الحيثيون قد قاموا بهذا الغزو بالاتفاق مع الملك المصري تحتمس الثالث؛ إذ إننا نعلم أنه قد تسلم هدايا من خيتا العظمى, وهذا ما يفسر لنا سبب عدم وجود أي إشارة في النصوص المصرية إلى الاستيلاء على حلب في هذه الحملة. وقد سببت نهضة ميتاني أزمة جديدة للمملكة الحيثية؛ فبعض المقاطعات التي كانت فيما مضى تسير في فلك الحيثيين انضمت إلى القوة المنافسة "ميتاني" أو أعلنت استقلالها وبدأت علامات الضعف تبدو في المملكة ابتداء من عهد أرنووانداس الأول خليفة تود هالياس الثاني. وفي عهد خلفاء هذا الأخير وهم حاتوسيليس الثاني وتود هالياس الثالث وأرنووانداس الثاني وصلت المملكة إلى حافة الهاوية، كما يشير إلى ذلك نص تركه أحد الملوك المتأخرين، ومما جاء فيه: "في الأيام الخوالي كانت البلاد الحيثية تغزو البلاد التي تقع خارج حدودها. ثم جاء العدو من كاسكا ونهب الأراضي الحيثية واتخذ نيناسا حدودًا له, كما جاء العدو من آرزاواوا خلف الأراضي السفلى ونهب البلاد الحيثية أيضًا واتخذ تووانودا وأودا حدودًا له. كذلك جاء العدو من بعيد من أونا ونهب أرض جاسيبا ... إلخ".

стр. 365

وليس من المعقول أن تكون الهجمات العديدة التي ذكرها هذا النص قد حدثت دفعة واحدة؛ ولكن يبدو أن القصة تتفق مع حقيقة الحال في ذلك الوقت؛ إذ لا بد أن الأقطار المجاورة لمملكة الحيثيين من الشرق كانت تلقى تأييدًا من جانب ميتاني، ويستدل على ذلك من الخطابات التي وجهها الفرعون إلى ملك آرزاواوا التي عثر عليها في محفوظات تل العمارنة. وتنتهي فترة الضعف هذه باعتلاء سوبيلوليوما على العرش حوالي سنة ١٣٨٠ ق. م. وظروف ارتقائه غامضة رغم أنه كان ابن تود هالياس الثالث وعرف عنه أنه صاحب والده في حملاته؛ ولكنه كافح بضع سنين في أول حكمه حتى دعم سلطانه في وطنه, وأغلب الظن أنه هو الذي شيد الحائط الضخم في جنوب العاصمة حاتوساس وأقام تحصينات أخرى للدفاع عنها, وبعد ذلك تفرغ لتسوية حسابه مع مملكة ميتاني التي يمكن أن تعد مسئولة عن سوء الحالة التي وصلت إليها المملكة في الجيل السابق. وقد باءت غزوته الأولى التي عبر فيها جبال طوروس إلى سورية بالفشل وتكبد خسائر فادحة, وتمكن ملك ميتاني توشراتا من أن يقدم جزءًا من الغنيمة التي حصل عليها إلى حليفه ملك مصر، وقد استفاد ملك الحيثيين من هذه التجربة فأعد غزوته الثانية بدقة كبيرة, ومن المحتمل أنه استطاع أن يكتشف أن خطوط الدفاع الرئيسية لمملكة ميتاني كانت في شمال سورية؛ ولذلك عبر الفرات عند مالاطيا وهاجم مملكة ميتاني من الخلف بعد أن مهد لذلك بحملة أولية؛ لأن الطريق المؤدي إليها كان شديد الخطورة لوجود القبائل المتوحشة في منطقة الجبال التي تحف به, وقد استطاع أن يخضع هذه القبائل في تلك الحملة الأولية وعقد معاهدة معهم توثقت بزواج أخت الملك من زعيم هذه القبائل، ثم استطاع سوبيلوليوما أن يعبر الفرات وأن ينقضَّ فجأة على عاصمة ميتاني التي كان اسمها

стр. 366

وشوجاني فدخلها ودمرها، وعاد سوبيلوليوما بعد ذلك إلى اجتياز الفرات وتقدم إلى سورية؛ حيث سارع أمراؤها المحليون إلى التسليم بعد أن حرموا من مساعدة ميتاني, واكتفى سوبيلوليوما بأن جعل نهر الأورنت حدًّا له ولم يتقدم نحو مصر؛ ولكن ملك قادش التي كانت تعتبر نقطة أمامية للنفوذ المصري خرج لقتاله؛ إلا أن العربات الحيثية اكتسحته, وتقدم الجيش الحيثي جنوبًا إلى "أبينا" بالقرب من دمشق وادعى سوبيلوليوما أنه اتخذ لبنان حدودًا له، ومن حسن حظه أن مصر في ذلك الوقت لم يحكمها من الفراعنة من يهتم بالدفاع عن إمبراطوريتها؛ إذ كان إخناتون منهمكًا في الإصلاح الديني الداخلي١، وهذه الحملة يجب تأريخها حوالي سنة ١٣٧٠ ق. م. وكان من نتيجتها أن أصبحت حلب وعلالق "Alalakh" "عطشانة الحالية" حيثيتان٢, ومن المحتم أن المعاهدات بين ممالك أواسط سورية وآمور التي تشمل منطقة لبنان وجزءًا كبيرًا من ساحل البحر المتوسط قد عقدت في ذلك الوقت، وعلى أي حال فإن بعض البلاد وخاصة قرقميش كانت تنتظر مساعدة من قوات توشراتا ملك الميتانيين التي لم تنهزم, وإن كانت الثقة فيها قد أصبحت مفقودة. وقد اضطر سوبيلوليوما في ذلك الوقت أن يعود إلى وطنه؛ نظرًا لظروف طارئة عاجلة وترك مهمة المحافظة على سورية لأحد أولاده، وكان يدعى تليبينوس؛ ولكن هذه المهمة لم تكن سهلة إذ انقسمت المقاطعات السورية إلى فريقين: فريق كان يناصر الحيثيين والآخر يناصر الميتانيين, وأخذ كل منهما يترقب نتيجة الصراع الدائر بين الكتلتين الكبيرتين، ولحسن حظ الحيثيين فرقت الفتنة مملكة ميتاني؛ لأن ملكها توشراتا كان يحالف المصريين وتوطدت الصلة بين الأسرتين المالكتين فيهما بالزواج؛ ولكن مصر كانت في ذلك الوقت قد أصبحت

стр. 367

عاجزة عن أن تمد يد المساعدة لحليفتها، وقد رأى في ذلك فرع منافس للبيت المالك الميتاني فرصة للخروج على الحكم وطلبوا مساعدة آشور أو بالط الذي كان ملكًا على أشور في ذلك الوقت, وتمكن هذا من مساعدة الحزب الذي لجأ إليه، وقتل توشراتا فاعترف أرتاتاما ملك ميتاني بأشور كما اعترف بها كذلك ابنه شوتارتا وقدما إلى ملك أشور الهدايا الفاخرة بعد أن كان ملوكها يقدمون الولاء لمملكة ميتاني. وكان ظهور هذه الدولة الفتية "أشور" المفاجئ؛ مما ساعد دون شك على سقوط ميتاني, وأدى هذا بدوره إلى سهولة غزو الحيثيين لسورية واستطاع سوبيلوليوما أن يجتاح سورية، وأصبحت الأراضي الممتدة من الفرات حتى البحر بما في ذلك حصن قرقميش ولاية حيثية, وعين ولده تليبيوس المشار إليه ملكًا على حلب كما عين ابنًا آخر ملكًا على قرقميش. ولم يمضِ وقت طويل حتى لجأ ابن توشراتا إلى سوبيلوليونا "وقد فر بحياته بعد مقتل أبيه"؛ وبذلك وجد سوبيلوليوما فرصة سانحة لإنشاء دولة محايدة بينه وبين المملكة الفتية أشور؛ فأرسل ابن توشراتا إلى ولده ملك قرقميش وتقدم الاثنان بعد عبور الفرات على رأس قوات كبيرة ودخلوا "وشوجاني" عاصمة ميتاني, وهكذا ظهر إلى الوجود ملك جديد موالٍ للحيثيين. ويبدو أن سوبيلوليوما نال شهرة كبيرة؛ لأنه حينما كان يحاصر قرقميس وصله رسول من مصر يحمل خطابًا من ملكتها تذكر فيه أن زوجها توفي وليس لها ولد وطلبت منه أن يرسل أحد أبنائه لكي تتزوج منه؛ لأنها لا ترغب زوجًا من رعيتها؛ فدهش سوبيلوليوما وأرسل رسوله الخاص إلى مصر ليتأكد بأن ليس في الأمر خدعة، وقد عاد هذا الرسول سريعًا يحمل رسالة ثانية من الملكة تذكر له فيها بأنه لو كان لها ولد لما كتبت إلى أجنبي تستدعيه

стр. 368

إذ ليس من المعقول أن تعلن مصيبتها ومصيبة شعبها على الملأ, كما أن كرامتها تأبى عليها أن تتزوج بأحد من رعيتها, ونظرًا لأن له أبناء كثيرين؛ فقد لجأت إليه ليرسل إليها أحدهم، ومن المرجح أن هذه الملكة هي زوجة توت عنخ آمون الابنة الثالثة للملك إخناتون، ولم يضع سوبيلوليوما الفرصة؛ فأرسل أحد أبنائه على الفور؛ ولكن هذا الأمير الحيثي لقي حتفه عند وصوله إلى مصر بإيعاز من "آي" أو "حور محب"١. وبعد وفاة سوبيلوليوما هاجم أشور أو بالط مملكة ميتاني "التي كان ملكها ابن توشرانا الموالي للحيثيين" وضمها إلى ملكه، ومع ذلك فإن سلطان الحيثيين على سورية لم يتزعزع؛ فبعد وفاه سوبيلوليوما وولده الأكبر أرنوانداس الثالث ظل أمراء حلب وقرقميش على ولائهم لوارث العرش الشاب مورسيليس الثاني مع قله خبرته، وقد أثبت هذا جدارته بإخضاع أمراء المقاطعات الثائرة التي خرجت عن طاعة الحيثيين وعين بدلهم ولاة حيثيين, كما أنه ظل ينظم الإمبراطورية طوال حياته؛ ولكن الثورات كانت دائمًا تتجدد كلما اعتلى العرش ملك جديد كما أن الحدود الشمالية كانت مصدر قلق دائم؛ ولذلك وزعت القوة الحيثية على مناطق متباعدة؛ فكان من الصعب على المملكة أن تحتفظ بحدودها وخاصة لأن القبائل البعيدة كانت تتلقى مساعدات خارجية. وقد قامت ثورة في سورية بتحريض من مصر في عهد حور محب على الأرجح, وكان "شاركوشورخ" ملك قرقميش قد توفي واستطاع أحد الغزاة أن يستولي عليها؛ ولكن ملك الحيثيين "وهو شقيق ملك قرقميش" تدل شخصيًّا في السنة التاسعة من حكمه، وكان مجرد ظهور الجيش الإمبراطوري كافيًا لإخضاع الأمراء السوريين وعين ابن شاركوشورخ ملكًا على قرقميش، وفي نفس السنة تقدم ملك الحيثيين شمالًا؛ حيث استطاع إخضاع بعض المناطق هناك.

стр. 369

وقد ترك مورسيليس لابنه وخليفته موواتاليس إمبراطورية وطيدة الدعائم تحوطها شبكة من الممالك الموالية؛ فلم تحدث أية اضطرابات عند اعتلائه للعرش، ومع ذلك كان لا بد من استعراض قوته في الغرب. وبعد أن أمن الملك سلطانه في هذه الجهات أصبح قادرًا على تركيز مجهوداته ضد الخطر الآتي من الجنوب؛ حيث تحرك المصريون أخيرًا؛ لأن ملوك الأسرة التاسعة عشرة طمعوا في استرجاع أقاليم سورية التي سبق أن غزاها تحتمس الثالث وضاعت أثناء حكم إخناتون، وفي حوالي سنة ١٣٠٠ ق. م. قاد سيتي الأول ملك مصر جيوشه إلى كنعان وتقدم إلى قادش؛ ولكن يبدو أن الحيثيين قاوموه بشدة، ومع ذلك فقد أعاد الملك المصري القانون والنظام في أرض كنعان وظل السلام قائمًا بقية عهده؛ ولكن عندما تولى خليفته رعمسيس الثاني حكم بلاده, كان من الواضح أن من المستحيل تجنب الصدام بين الإمبراطوريتين المتنافستين؛ ولهذا جمع "موواتاليس" فرقًا من كل حلفائه الذين ذكرتهم القوائم المصرية؛ بينما لم تشر إليهم القوائم الحيثية التي من ذلك العهد، وكان الدردانيون من بين هؤلاء الحلفاء "وهم الذين عرفوا في إلياذة هوميروس أيضًا" والفلسطينيون والشرادانيون الذين ذكرتهم النصوص المصرية مرارًا، وتقابلت جيوش الإمبراطوريتين في قادش في السنة الخامسة من حكم رعمسيس، ويبدو أن "موواتاليس" قد تمكن من التقدم والاستيلاء على "آبا" أو "أبينا" بالقرب من دمشق. ورغم أن الفرعون ملأ الدنيا تفاخرًا ببسالته ونقش أخبار انتصاره على المعابد المصرية؛ ولكن ليس هناك أدنى شك في أن معركة قادش قد انتهت بانتصار الحيثيين الحاسم. وفي عهد موواتاليس أعيد تنظيم المقاطعات الشمالية الشرقية من المملكة, ووحدت في إمارة عاصمتها "حاكبيس" تحت إشراف "حاتوسيليس" شقيق الملك؛ بينما أقام الملك نفسه في الجنوب في مدينته المنيعة "داتاسا" ليبقى بمقربة من العمليات الحربية في سورية.

стр. 370

وعندما توفي موواتاليس تولى ابنه "أورهى تشوب" الملك وأراد أن يخفض من أملاك عمه الطموح لاعتقاده أنه يريد العرش لنفسه, وظل "حاتوسيليس" يعاني اتهامات ابن أخيه نحو سبع سنوات وأخيرًا أعلن الحرب عليه وعزله، ويدعونا هذا إلى الظن بأن حكومة "أورهى تشوب" لم تكن محبوبة على الاطلاق، وقد أسر "أورهى تشوب" في سموحا بالقرب من مالاطيا؛ ولكنه عومل بالحسنى ونفي إلى المقاطعة السورية البعيدة نوهاس. وعندما اعتلى "حاتوسيليس" العرش كان يبلغ من العمر نحو ٥٠ سنة, وكان قائدًا محنكًا نعمت الإمبراطورية الحيثية في عهده بشيء من السلام والازدهار النسبي وإن كانت قد حدثت في بداية عهده بعض الاحتكاكات بينها وبين مصر وبابل "الدولة الكاشية"، وربما كان ظهور قوة أشور في ذلك الحين؛ مما ساعد على التقارب بين الإمبراطوريتين الحيثية والمصرية, وأصبحت العلاقات بينهما ودية للغاية، وفي سنة ١٢٦٩ ق. م. عقدت المعاهدة المشهورة بين "رعمسيس الثاني" وبين "حاتوسيليس". وبعد ١٣ سنة توطدت المعاهدة بزواج رعمسيس من أميرة حيثية، وفي عهد حاتوسيليس كذلك عادت العاصمة إلى "حاتوساس" التي كانت قبائل "الكاسكا" قد نهبتها في عهد "موواتاليس" عندما كان متغيبًا في حملة في الجنوب، وأعيد بناء المدينة وتدوين الأرشيف وساد الاستقرار والازدهار وصدر عدد كبير من المراسيم الدينية والإدارية، ومع هذا فإن ما وصلنا من حوليات حاتوسيليس يدل على أن الحالة لم تكن في الغرب على ما يرام, وربما وجهت بعض العمليات الحربية ضد العدو القديم في آرزواوا كما تدهورت العلاقات مع بابل بعد وفاة ملكها كادشمان تورجو، وربما كان لأورهي تيشوب الأمير المنفي يد في ذلك حينما كان يقيم في نوهاس؛ إذ إن حاتوسيليس يقص علينا أنه "أي: أورهي تيشوب" ضبط وهو يتآمر

стр. 371

مع البابليين وأنه نقل بسبب ذلك إلى البحر، وربما كان المقصود أنه نقل إلى قبرص أو إلى قطر أجنبي بحري, ولم يقف نشاطه عند هذا الحد؛ بل إنه اتصل بملك مصر، ومن المحتمل أنه كان يسعى للحصول على مساعدة دولة أجنبية لاسترداد عرشه؛ ولكنه باء بالفشل، وقد اخترع حاتوسيليس قصة مؤداها أنه طرد الملك الشرعي واستأثر بالعرش نظرًا لما لقيه من استفزاز شديد وبناء على أمر من الإلهة "آشتار" إلهة "ساموحا". وقد توفي حاتوسيليس بعد فترة قصيرة من زواج ابنته من ملك مصر وتولى من بعده ابنه "تود هالياس الرابع" الذي وجه اهتمامه نحو الشئون الدينية، ويمثل الجزء الأول من حكمه عصر سلام وإن كانت بعض الحملات الناجحة في غرب المملكة قد مكنت الحيثيين من ضم إقليم أسووا إلى مملكتهم؛ ولكن لم تلبث أن ساءت الحالة هناك قبل نهاية حكمه، ومع أن الملك كان في حالة من القوة تسمح له بالقضاء على أي عدوان على أجزاء من مملكته؛ إلا أن أيام الإمبراطورية الحيثية أصبحت معدودة؛ ففي عهد الملك التالي وهو "أرنووانداس الثالث" تدهورت الحالة في غرب هضبة الأناضول وحدثت تحركات ضخمة من شعوب هذه المناطق حيث تقدمت واجتاحت الأقاليم الواقعة في شرق البحر الأبيض المتوسط, واضطرت الحيثيين وشعوب هذه الجهات إلى سورية، ثم اتحدت بعد ذلك مع شعوب البحر في هجوم كبير كان من نتائجه استقرار الفلسطينيين على ساحل فلسطين وحل الفريجيون محل الحيثيين كقوة حاكمة, وأصبح خطر هذه الشعوب يهدد مصر لولا أن "رعمسيس الثالث" نجح في الانتصار عليهم برًّا وبحرًا وأبعد خطرهم.

стр. 372

الممالك الحيثية الجديدة: استمر الأثر الثقافي للحيثيين في الأجزاء الجنوبية الشرقية من إمبراطوريتهم

стр. 373

بعد سقوطها نحوًا من خمسة قرون, وظلت السجلات الأشورية تشير إلى سورية ومنطقة طوروس على أنهما أرض حاثي وتتحدث عن ملوك يحملون أسماء حيثية، كذلك يشير الكتاب المقدس إلى ملوك المقاطعات السورية كملوك للحيثيين واهتم الكثيرون منهم بإقامة آثار تحمل نقوشًا دونت بخط هيروغليفي لم يمكن تفسيره تمامًا حتى الآن، أي أن تقاليد الثقافة الحيثية ظلت منتشرة في المناطق الممتدة من ملاطيا إلى حدود فلسطين؛ حتى بعد أن تحولت هذه المنطقة إلى جزء من الإمبراطورية الأشورية، ولم تكن لغة تلك النقوش الحيثية الجديدة ولا الديانة التي نصت عليها هي التي استعملت في "حاتوساس"، وليست هي التي استعملها عامة الشعب الذين استوطنوا سورية في عهد الإمبراطورية الحيثية "لأنهم كانوا حوريين". وعلى هذا يبدو أن سورية قد اجتاحها شعب آخر جاء من إحدى المقاطعات الحيثية وكان يتخذ الحضارة الحيثية، ويحتمل أن المقاطعة هي "كزوواتنا" ويرجح أن ذلك لم يكن نتيجة غزو منظم؛ لأنه أدى إلى ظهور عدد كبير من الممالك الصغيرة في القرن ١٢ ق. م. تدل أسماؤها على أنها لم تكن على الإطلاق مجرد استمرار للممالك الحيثية القديمة التي كانت خاضعة للإمبراطورية في سورية, وأن معظم هذه الأسماء نشأ حديثًا، ونظرًا لأن الخط الهيروغليفي الحيثي يصعب تفسيره حتى الآن؛ فلا يمكن تتبع تاريخ هذه الممالك في إيجاز إلا عن طريق سجلات الدول المجاورة مثل: أشور وأورارتو "آرارات" وإسرائيل. وأول ملك أشوري يصل إلى غرب الفرات بعد سقوط "حاتوساس" هو "تيجلات بلاسر الأول" الذي ذكر بأنه حارب حاتي العظمى ووصل إلى البحر المتوسط, ولا شك أنه كان يقصد مملكة "ميليد" ويدهشنا أن يذكر أن مملكة أخرى لحاتي العظمى قدمت له عند عودته فروض الطاعة والولاء وربما كان يقصد

стр. 374

بهذه مملكة "قرقيمش" أي أن هاتين المدينتين كونتا مملكتين حيثيتين عند معبر الفرات. وقد انسحبت الجيوش الأشورية على أي حال ومضت عدة سنوات قبل أن يصل أي ملك أشوري آخر إلى غرب الفرات أو أن يعبره، وفي خلال فترة الضعف الأشوري هذه جاء الآراميون البدو من الشرق وأسسوا بدورهم ممالك في سورية كانت أولها وأقواها دمشق١ التي تقع جنوب خط الغزو الحيثي، ولا بد أن الآراميين قد اصطدموا في الشمال مع الإمارات الحيثية الحديثة العهد وهزموا الحيثيين في أماكن متعددة وحل محلهم الآراميون؛ حيث كونوا أسرات حاكمة في عواصم الممالك الحيثية التي استولوا عليها ونقشوا نقوشهم بالكتابة الفينيقية أو بلغتهم الآرامية؛ بينما ظلت الأسر الحيثية الباقية تحافظ على كيانها واستمرت في تدوين نقوشها بالهيروغليفية الحيثية. ولا نعرف شيئًا عن تاريخ قيليقيا في هذه الفترة؛ لأن نقوش "كاراتيب" لم يمكن تفسيرها بصفة مؤكدة حتى الآن؛ ولكن يستدل من النقوش التي تركها والي "أضنة" أن أضنة كانت العاصمة ولم يكن حاكمها هو الملك؛ بل كان واليًا من قِبَل الملك، وربما كان "الدانيونا" الذين ذكرتهم النصوص المصرية بين شعوب البحر هم سكان هذه البلاد، كما يحتمل أنهم كانوا من جنس يغاير الشعوب المجاورة لهم، وقد عرف الآشوريون قيليقيا منذ عهد شلمناصر الثالث ولكنهم كانوا يطلقون عليها اسم "قوا" ولا يعرف تفسير لهذا الاسم حتى الآن. وتمتعت الممالك الحيثية الحديثة وجيرانها الآراميون بشيء من الاستقرار والازدهار لمدة يسيرة, وانتشرت الثقافة الحيثية جنوبًا إلى فلسطين, وخدم الجنود المرتزقة الحيثيون في الجيوش اليهودية, وأدخل سليمان الحيثيات في حريمه.

стр. 375

وقد بدأت أشور تستعيد مجدها في عهد "أدادنيراري الثاني" وفي عهد خلفه "توكولتي نينورتا الثاني" ولم تنتبه الممالك السورية لهذا الخطر فاستطاع خليفتهما "أشور ناصر بال" أن يدعم فتوحات أسلافه سريعًا، وفي السنوات السبع الأولى من حكمه استولى على الإقليم الواقع شرق الفرات ولم تقاومه قرقميش عندما فرض عليها الجزية, وحينما عبر الجيش الأشوري الفرات واخترق سورية إلى الساحل لم تقاومه الممالك الحيثية الأخرى؛ حيث فشلت في الاتحاد ضد الغازي، ومع أنها حاولت الاتحاد بعد ذلك بنحو ١٨ سنة حينما عبر "شلمنصر الثالث" نهر الفرات؛ إلا أنها لم تنجح في المقاومة ووقع شمال سورية مرة أخرى في يد الأشوريين؛ غير أنهم اضطروا للانسحاب أمام المقاومة التي أبداها ملوك حماة ودمشق, التي كان يعاونهم فيها ١٢ أميرًا من أنصارهم وخاصة من الساحل الفينيقي رغم أن المتحالفين قد تكبدوا خسائر فادحة، ومع هذا فقد عاد "شلمنصر الثالث" إلى الهجوم على دمشق في السنوات التالية حتى ضعفت وتمكن "أدادنيراري الثالث" بمساعدة زاكير الآرامي "الذي كان قد استولى قبل بضع سنوات على حماة الحيثية" من إخضاعها, وبذلك ادعى أدادنيراري السيادة على حاتي وأمورو وبالاشتو جميعها. وقد ضعفت سلطة الآشوريين بعد ذلك فترة لا تقل عن نصف قرن بسبب ظهور منافس جديد في الجبال الشمالية يتمثل في مملكة أورارتو التي استنفدت الجزء الأكبر من جهود ملوك أشور، ومن المحتمل أن الدولة الحيثية في شمال سورية كانت تشعر بشيء من التقارب الجنسي أو الثقافي مع هذه المملكة الجديدة، أما جنوب سورية فقد أصبح كله آراميًّا، وهكذا انقسمت سورية إلى قسمين: حيثي وآرامي, ثم انتهت هذه الحالة فجأة بنهضة أشور مرة ثانية بقيادة "تيجلات بلاسر الثالث" فقد نجح هذا الملك في السنة الثالثة من حكمه في التقدم غربًا

стр. 376

والانتهاء من مشاكل سورية بصفة نهائية؛ إذ استطاع أن يهزم السوريين وكان يعاونهم ملك أورارتو الذي حضر بنفسه على رأس قواته؛ ولكنه اضطر إلى الهرب هربًا مشينًا بعد هزيمة جيشه، وبعد ثلاثة أعوام تمكن ملك أشور من إخضاع بقية سورية وعادت جميع ممالكها إلى ولائها السابق لأشور؛ إلا أن ذلك لم يستمر سوى عامين؛ حيث قامت ثورة جديدة اضطر ملك أشور إزاءها إلى السير لإخمادها وضم سورية إلى أشور ضمًا مباشرًا، وقد اتبع خلفاء تيجلات بلاسر الثالث سياسته التي سار عليها؛ إذ نجد أن "شلمنصر الخامس" و"سرجون الثاني" يستعملان القوة والعنف في ضم بقية الممالك السورية حتى انتهى أمرها في سنة ٧٠٩ ق. م. وبذلك انتهى تاريخ الممالك الحيثية في شمال سورية حتى إن الرحالة الإغريق عندما زاروا هذه البقاع لم يجدوا إلا مقاطعات الإمبراطورية الأشورية وأصبح اسم حاتي نفسه منسيًّا.

стр. 377

سكان غرب وجنوب هضبة الأناضول "الآخيون والطرواديون ": يظن أن بلاد الآخيين أو اليونان الميسينية هي التي عرفت في النصوص الحيثية باسم أهياوا "Ahhiyawa" أو أهيا "Ahhiya" وقد ظهر هذا الاسم لأول مرة في عهد سوبيلوليوما، ومن المحتمل أن المقصود في هذه الحالة جزيرة قبرص التي نفي إليها "أورهي تشوب"١، كذلك ذكرت هذه البلاد في حوليات "مورسيليس الثاني" في السنتين الثالثة والرابعة من حكمه, ومنها عرفنا أن تلك البلاد كانت عبر البحر.

стр. 378

وحينما مرض الملك مورسيليس؛ بحث الكهنة عن مصدر الغضب الإلهي الذي سبب هذا المرض، ودونت الأسئلة والإجابات المتعلقة بذلك على لوحة كبيرة يفهم منها أن إله أهياوا وإله لازباس قد جلبا على أمل إيجاد علاج له، ويفهم منها كذلك أن علاقات الود كانت قائمة بين حاتي وأهياوا ولازباس التي يحتمل أنها ليزبوس "Lesbos". ومن الرسائل المهمة في ذلك العهد رسالة تعرف باسم خطاب تاواجالاواس "Tawagalawas"، وقد دونت في ثلاث لوحات، ومنها عرفنا أن شخصًا كان واليًا حيثيًّا أو من الطبقة العليا "واسمه بياما رادوس كان يقيم في ميلاواندا" أصبح قاطع طريق وسبب اضطرابات في بلاد لوكا "ويحتمل أنها ليقيا" التي كانت تكوِّن مقاطعة من الإمبراطورية الحيثية, وكانت مركز عملياته مدينة مجاورة في منطقة خارج ممتلكات الحيثيين وتحت الحكم غير المباشر لملك أهياوا، ولما كانت هذه الرسالة موجهة من أحد ملوك الحيثيين١ إلى ملك أهياوا؛ فإن من المرجح أن الغرض المقصود منها هو تسليم ذلك الثائر وإراحة مقاطعة لوكا من متاعبه، ويبدو أن تاواجالاواس كان قريبًا لملك أهياوا وقد قصده أهالي المقاطعة لمساعدتهم, وبعد أن دعم تاواجالاواس مركزه في بلاد لوكا بعث برسالة إلى الملك الحيثي يطالبه فيها بالاعتراف به كوالٍ من قبله, كما يبدو أن الملك الحيثي وافق على ذلك وأرسل ولده ليصاحب تاواجالاواس إلى حضرته؛ فاستاء هذا الأخير لأن مرافقه لم يكن القائد العام للجيش بنفسه وعلى ذلك انسحب غاضبًا فسار ملك الحيثيين إلى لوكا وقضى على الثورة فيها، وبعدئذ تسلم رسالة من ملك أهيا يخبره فيها بأنه أمر عامله في ميلاواندا بأن يسلمه

стр. 379

قاطع الطريق, ولما تقدم الملك نحوها وجد أن ذلك الثائر "ببامارادوس" قد أبيح له الهرب على ظهر سفينة؛ فأرسل ملك الحيثيين رسولًا خاصًّا إلى ملك أهياوا لإقناعه بتسليم الثائر واعدًا إياه بالإبقاء على حياته, ومعلنًا له بأن يترك رسوله الخاص كرهينة من أجل ذلك، ويتبين من سياق النصوص أن العلاقات بين حاتي وأهياوا كانت ودية ومتينة، وبعد مضي بعض الوقت أصبح حاكم ميلاوندا من موالي الملك الحيثي، ومن الرسائل التي تُبُودلت بينهما نتبين أن خلافات عديدة نشبت بينهما وأن ملك أهياوا رضخ في النهاية لطلب الملك الحيثي وسلمه قاطع الطريق. ولدينا خطاب من عهد حاتوسيليس يبين أن ملك أهياوا أرسل إلى ملك حاتي يطلب نصيبه من الهدايا التي أرسلت إليه، ولا تعرف طبيعة هذه الهدايا، وهناك نص آخر يشير إلى الوقائع الخاصة بانقلاب "حاتوسيليس"١ ولكنه مهشم وإن كان البعض يرى أن هناك ما يدعو إلى ربط اسم "أورهي تشوب" مع أهياوا؛ ولكن لا يوجد ما يؤيد ذلك. وفي إحدى فقرات معاهدة أبرمت بين "تود هالياس الرابع٢" وبين ملك أمورو نتبين أن ملك أهياوا ذكر على قدم المساواة مع ملوك مصر وبابل وأشور, أي: إنه كان يمثل إحدى القوى الكبرى في ذلك الوقت وإن كان القصر الحيثي لم يعترف بهذه الحقيقة رسميًّا بدليل إزالة اسم أهياوا من النص؛ ولكن العلامات المتخلفة تدل على وجود اسمها فيه من قبل، وهناك نص مهشم ربما كان

стр. 380

من عصر "تود هالياس الرابع"، كذلك يشير إلى أن ملك أهياوا قد انسحب؛ مما يوحي بأنه كان موجودًا في آسيا الصغرى وأن بلاده كانت ولاية على حدود الإمبراطورية الحيثية وأنه كان قد استولى على بعض أراضيها ثم انسحب بعد ذلك. والخلاصة التي يمكن أن نستنتجها أن العلاقات بين حاتي وبين أهياوا كانت طيبة في أول الأمر حتى إن أقارب ملك أهياوا كانوا يرسلون إلى حاتي لدراسة فن قيادة العربات، كما كانت ترسل آلهة أهياوا إلى حاتي لعلاج الملك في مرضه, ثم نسمع بعد ذلك بازدياد الأعمال العدوانية التي يرتكبها عمال أهياوا على حدود الممتلكات الحيثية, وقد بلغت هذه أشدها أثناء حكم "تود هالياس الرابع" و"أرنووانداس الثالث"، ورغم أن هذا النشاط بدأ في عهد مورسيليس؛ فقد ظلت العلاقات الرسمية بين الملوك ودية في الظاهر على الأقل حتى نهاية عهد مورسيليس، ثم ترد بعض الإشارات عن تدخل ملك أهياوا بصورة عدائية في إقليم موالٍ للحيثيين ولا يوجد بعدئذٍ ما يدل على وجود علاقات رسمية ودية. ومن الواضح أن أهل أهياوا كانوا بحارة ممتازين وصلت سفنهم حتى ساحل سورية "أمورو" وقد اعتدوا على الإمبراطورية الحيثية في أربع مناطق على الأقل، ولا شك في أن الحيثيين قد أخطئوا في نطق اسمهم وحرفوه إلى أهياوا بعد أن عرفوهم واتصلوا بهم، ولا بد أن هؤلاء كانوا يعيشون في أقصى غرب شبه الجزيرة وسيطروا مثل المقدونيين على البحار؛ فابتداء من سقوط كنوسس حوالي سنة ١٤٠٠ ق. م. إلى الغزو الدوري في القرن الثاني عشر كانت السيادة العليا في البحار متركزة في أيدي الإغريق الميسينيين وقد وجدت منتجاتهم بكثرة في مختلف الجزر, وخاصة قبرص وكريت ورودس التي لا بد أن كان

стр. 381

في كل منها مستعمرة مهمة للآخيين, كما وجدت مستعمراتهم بكثرة في بعض الأماكن السورية وفي قيليقيا وفي أماكن مختلفة من السواحل الجنوبية الغربية لآسيا الصغرى. وبما أن الحيثيين لم يعرفوا إلا مملكة واحدة باسم أهياوا، وبما أن العالم الميسيني لم يشمل وحدة سياسية واحدة؛ فإننا لا ندري هل كانت أهياوا تدل على ميسينا بأكملها أم أنها كانت إحدى الممالك التي تنقسم إليها بلاد ميسينا, سواء في شبه الجزيرة الإغريقية نفسها أم مملكة في إحدى الجزر مثل كريت وقبرص وغيرهما؟. أما طروادة فقد ذكرت في النصوص الحيثية بأسماء كثيرة وذكرت في إحدى المرات ضمن مناطق بلاد آسووا؛ ومعنى ذلك أن هذه الأخيرة تقع على الساحل الغربي لآسيا الصغرى, ويرى البعض أن اسمها هو الذي حرف فيما بعد إلى آسيا، ويبدو أن أول ملك حيثي زار هذه الأنحاء هو "تود هالياس الرابع". ويحاول الكثيرون أن يقربوا بين الأسماء التي وردت في النصوص الحيثية وبين الأسماء التي ذكرت في أشعار هومر والأساطير اليونانية التي يمكن ربطها بطروادة؛ ولكن هذه المحاولات ما زالت مبنية على أسس غير مؤكدة؛ ومن ذلك مثلًا محاولة استنتاج أن مملكة تسمى في النصوص الحيثية إلوسينا أو "ولوسيا" وكانت موالية للحيثيين هي نفسها التي تعرف في شعر هومر باسم وليوس التي يظن أنها طروادة, وكان ملكها يدعى "الكساندوس" في عهد موواتاليس الحيثي "حوالي سنة ١٣٠٠ ق. م.". ويرى البعض أن هذا الملك ليس إلا "Alaxandres Aliaé Paris" بارس أمير طروادة، وتشير أسطورة بيزنطية إلى أن موتيلوس "Motylos" هو الذي استقبل هيلين وبارس "في رحلتهما من إسبرطة إلى طروادة" ويظن بعض المؤرخين أن هذه الأسطورة تشير

стр. 382

إلى المعاهدة التي أبرمت بين موواتاليس وألكساندروس. ويكاد يكون اسم دردني الذي أطلق في النصوص المصرية على جماعة كانوا يحاربونهم كحلفاء للحيثيين في معركة قادش هو اللفظ الوحيد القريب من اسم الطرواديين، وهكذا لا يمكن أن نجد ما يؤكد وجود صلة بين الأسماء التي ذكرت في النصوص الحيثية وبين طروادة.

стр. 383

الحيثيون في فلسطين: مع أن الكتاب المقدس يشير إلى الحيثيين كقبيلة فلسطينية؛ إلا أن معلوماتنا عن تاريخ أهل حاتي تقودنا في البحث عن موطنهم الأصلي بعيدًا عن فلسطين, وتذهب بنا إلى قلب هضبة الأناضول وخاصة لأنه لم توجد دولة حيثية جنوب جبال طوروس قبل عهد سوبيلوليوما, وأن الدول السورية الموالية للإمبراطورية الحيثية اقتصرت على المنطقة الواقعة شمال قادش على نهر الأورنت. ورغم أن الجيوش الحيثية وصلت إلى دمشق؛ إلا أنها لم تدخل فلسطين على الإطلاق ولم توجد دولة حيثية من الدول الجديدة جنوب حماة؛ إذ كان يفصل هذه الأخيرة عن فلسطين المملكة الآرامية في دمشق. وعندما حل الطاعون بأرض حاتي في بداية عهد الملك "مورسيليس الثاني"، وبحث الملك في الأرشيف عن سبب غضب الإله عثر على لوحتين أوضحتا له أن أهمل عيدًا خاصًّا, وأن أهل حاتي قد نكثوا عهد إلههم "جوحاتي" بعد أن أقسموا به في معاهدة لهم مع مصر؛ إذ إنهم أغاروا على أملاكها السورية ثانية وتقدموا إلى العمق ونجحت الحملة؛ فحينما تفشى وباء الطاعون بينهم بدا ذلك لمورسيليس كعقاب واضح.

стр. 384

ومن المحتمل أن فئة من الحيثيين استوطنوا تلال فلسطين أو أنهم ممن جاءوا من بلاد تحت حكم الحيثيين، كذلك ربما كان هؤلاء المستوطنون من أقرب الأقاليم الحيثية في سورية التي استولى عليها سوبيلوليوما باسم آخر كأنها غير حيثية؛ لأن هجرة الحيثيين من الأناضول إلى فلسطين لم تكن كثيرة الحدوث، كذلك يحتمل أن هؤلاء المستوطنين الحيثيين لم يكونوا في الواقع إلا من الأقوام التي كانت تتكلم اللغة الحيثية, وعاشت منعزلة في تلال فلسطين حتى بعد أن ساد فيها الساميون والحوريون؛ لأن هذه اللغة كانت واسعة الانتشار في جنوب غربي آسيا.

стр. 385

الفصل السابع: العراق مدخل ... الفصل السابع: العراق: يقع العراق في جنوب غربي آسيا ويحتل القسم الشمالي الشرقي من الوطن العربي، وهو يبدو لأول وهلة شبيهًا بمصر من حيث ظروفه الطبيعية؛ إذ يعتمد سكانه في صميم حياتهم على نهري دجلة والفرات، كما يعتمد المصريون على نهر النيل، وقد استرعى التشابه بين الفرات وبين النيل أنظار قدماء المصريين؛ فأطلقوا عليه اسم النهر المنعكس, أي الذي يسير على غير ما ألفوه في النيل. ولا يقتصر الفرق بين مصر والعراق على اتجاه الأنهار فحسب؛ وإنما تبدو الاختلافات بينهما واضحة عند دراسة بقية الظروف الجغرافية في كل منهما؛ فبمقارنة ما عرفناه من طبيعة مصر١ بما نجده في العراق نجد أن هذا الأخير ينقسم إلى قسمين رئيسيين: أ- القسم الشمالي: وتغلب عليه الطبيعة الجبلية؛ إذ تكثر به المرتفعات وخاصة في قسمه الشمالي

стр. 386

خريطة رقم ٥

стр. 387

الشرقي الذي تتخلله وديان نهر دجلة وفروعه, ويفصله عن الجهات التي تقع أبعد من ذلك شمالًا سلسلة جبال طوروس وهضبة أرمينيا. ب- القسم الجنوبي: وهو حديث التكوين من الناحية الجيولوجية؛ لأنه كان جزءًا من الخليج العربي ثم غمرته الرواسب التي جاء بها نهرا دجلة والفرات من المناطق الجبلية في الشمال١. ونظرًا لوقوع العراق في طريق الهجرات البشرية التي حدثت في أزمنة مختلفة من تاريخ الإنسان؛ فقد استقرت به عناصر سامية وغير سامية، وإن كانت العناصر السامية قد سادت فيه في معظم أدواره التاريخية؛ إلا أن العناصر غير السامية كانت تتوغل فيه أحيانًا, وخاصة من الشمال والجنوب الشرقي، وكان لهذه العوامل بالطبع أثرها في تاريخ العراق وحضارته.

стр. 388

العصور قبل التاريخية: ١- العصر الحجري القديم: لم يعثر إلا على آثار ضئيلة جدًّا من حضارات العصر الحجري القديم، وهي تتمثل على الخصوص في هضبة كردستان؛ إذ وجدت آثار الحضارتين الشيلية والأشولية في بردابلكا "شرق جمجمال"، كما وجدت آثار الحضارة الموستيرية

стр. 389

في كهف شاندر وكهف هزارمرد، ومن المحتمل أن هيكل الطفل الذي عثر عليه في كهف شاندر من نوع إنسان نياندرثال، أما آثار أواخر العصر الحجري القديم؛ فقد وجدت في كهوف زرزي وبالي جورا وكريم شهر, وإن كان البعض يميل إلى تأريخ آثار كريم شهر بأول العصر الحجري الحديث.

стр. 390

العصر الحجري الحديث مدخل ... ٢- العصر الحجري الحديث: تتمثل آثار هذا العصر في حضارات: جرمو في "لواء كركوك" وحسونة في "لواء الموصل" وسامراء في "لواء بغداد".
следующие страницы →