← История

История · id 7320

معالم تاريخ الشرق الأدني القديم

محمد أبو المحاسن عصفور

Полный текст (525 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

خريطة رقم ٥

стр. 387

الشرقي الذي تتخلله وديان نهر دجلة وفروعه, ويفصله عن الجهات التي تقع أبعد من ذلك شمالًا سلسلة جبال طوروس وهضبة أرمينيا. ب- القسم الجنوبي: وهو حديث التكوين من الناحية الجيولوجية؛ لأنه كان جزءًا من الخليج العربي ثم غمرته الرواسب التي جاء بها نهرا دجلة والفرات من المناطق الجبلية في الشمال١. ونظرًا لوقوع العراق في طريق الهجرات البشرية التي حدثت في أزمنة مختلفة من تاريخ الإنسان؛ فقد استقرت به عناصر سامية وغير سامية، وإن كانت العناصر السامية قد سادت فيه في معظم أدواره التاريخية؛ إلا أن العناصر غير السامية كانت تتوغل فيه أحيانًا, وخاصة من الشمال والجنوب الشرقي، وكان لهذه العوامل بالطبع أثرها في تاريخ العراق وحضارته.

стр. 388

العصور قبل التاريخية: ١- العصر الحجري القديم: لم يعثر إلا على آثار ضئيلة جدًّا من حضارات العصر الحجري القديم، وهي تتمثل على الخصوص في هضبة كردستان؛ إذ وجدت آثار الحضارتين الشيلية والأشولية في بردابلكا "شرق جمجمال"، كما وجدت آثار الحضارة الموستيرية

стр. 389

في كهف شاندر وكهف هزارمرد، ومن المحتمل أن هيكل الطفل الذي عثر عليه في كهف شاندر من نوع إنسان نياندرثال، أما آثار أواخر العصر الحجري القديم؛ فقد وجدت في كهوف زرزي وبالي جورا وكريم شهر, وإن كان البعض يميل إلى تأريخ آثار كريم شهر بأول العصر الحجري الحديث.

стр. 390

العصر الحجري الحديث مدخل ... ٢- العصر الحجري الحديث: تتمثل آثار هذا العصر في حضارات: جرمو في "لواء كركوك" وحسونة في "لواء الموصل" وسامراء في "لواء بغداد".

стр. 391

حضارة جرمو: عثر في منطقة جرمو على حوالي ١٢ طبقة حضارية، وتتميز الآثار التي وجدت فيها بالطبقات التي تنتمي إلى العصر الحجري الحديث, بأن بقاياها المعمارية تمثل منازل بسيطة تتألف جدرانها من الطين وهي مقامة على أساس من الحجر، وقد عثر في هذه الطبقات على بعض التماثيل الصلصالية التي تمثل بعض الحيوانات وآلهة الأمومة، كذلك عثر فيها على مناجل فخارية وبقايا بعض الحبوب؛ مما يوحي بتوصل أهل هذه الحضارة للزراعة، كما وجدت لديهم بعض الأدوات والأواني الحجرية "شكل ٢٨". وتدل بقايا الحيوانات التي عثر عليها على أنهم استأنسوا الأغنام والماعز والبقر والخنازير وأنواعًا صغيرة من الخيول, ومن المحتمل أن تكون حضارة جرمو حضارة قائمة بذاتها حيث يظن أن بينها وبين كريم شهر فجوة حضارية أخرى، وقد يرى البعض أن حضارة جرمو تعاصر حضارة الفيوم؛ ولكن نظرًا لأن الفيوم أصبح يشك في أنها معاصرة

стр. 392

شكل "٢٩" أدوات وأوانٍ من حضارة جرمو

стр. 393

لحضارة نقادة الأولى١ التي تعد من عصر بداية استعمال المعادن؛ بينما ترجع حضارة جرمو إلى العصر الحجري الحديث؛ فإن من العسير الأخذ بهذا الرأي.

стр. 394

حضارة حسونة: يبدو أن حياة الاستقرار بالمعنى الصحيح أخذت تثبت دعائمها ابتداء من عصر هذه الحضارة التي ترجع إلى الألف السادس قبل الميلاد تقريبًا. ومع أن أهلها كانوا يعيشون في بداية الأمر في بيوت من الشعر١؛ إلا أنهم اتخذوا بيوتًا بسيطة من الطين فيما بعد، وقد وصلوا إلى مرحلة لا بأس بها من التقدم والرقي؛ إذ تتميز حضارتهم بنوع من الفخار المزين بالنقوش والأصباغ "شكل ٢٩", انتشر استعماله في المناطق الممتدة إلى البحر المتوسط. وتدل آثار حضارة حسونة على أن أهلها كانوا زراعًا وأنهم استأنسوا الأغنام والماعز، ولم يمكن التوصل حتى الآن إلى الجنس الذي كان مسئولًا عن هذه الحضارة رغم العثور على جثث أطفال دفنت في أوانٍ فخارية كبيرة.

стр. 395

حضارة سامراء: عثر في هذه الحضارة على أوانٍ فخارية مزينة بنقوش هندسية وحيوانات وأشخاص، وهي تؤرخ بأواخر الألف السادس قبل الميلاد، وتدل الآثار التي وجدت بها على وجود علاقات بينها وبين أرمينيا وبلاد العرب بدليل وجود بعض المصنوعات التي استُخْدِمت فيها موادُّ تنتمي أصلًا إلى هذه الجهات.

стр. 396

شكل "٣٠" أوانٍ من حسونة

стр. 397

عصر بداية استخدام المعادن: ١ حضارة حلف: يختلف المؤرخون في أصل هذه الحضارة التي تعد أول عهود ما قبل الأسرات في العراق، وقد وجدت آثارها في جهات مختلفة تمتد غربًا إلى منطقة العمق في سورية, كما وجدت شمالًا في الأريجية قرب الموصل. وتتميز هذه الحضارة بأوانٍ فخارية مصقولة رقيقة الجدران، كان الواحد

стр. 398

منها يلون بعدة ألوان زاهية جميلة "شكل رقم ٣٠"، وتعد الزخارف التي زينت بها هذه الأواني من أحسن ما خلفه الإنسان القديم على الفخار، كما تتميز هذه الحضارة أيضًا ببدء استخدام النحاس وزيادة القرى عنها في العصر السابق. وتدل الآثار التي اكتشفت في الأريجية على أن القرية كانت شوارعها مبلطة بالحجارة, وأنها كانت محاطة بسور, ووجدت بها بعض المباني العامة والمعابد كانت بين آثارها تماثيل صغيرة تمثل آلهة الأمومة؛ مما يدل على تقدم الحياة الاجتماعية والدينية. وليس من الغريب أن تنسب هذه الحضارة إلى حلف التي تقع في الإقليم السوري وتخرج عن نطاق العراق؛ فقد وجدت آثارها في أماكن متفرقة من سورية مثل رأس شمرة "أوجاريت القديمة" إلى جانب وجودها في بعض الجهات في العراق. يوجد صورة يراد سحبها على الاسكانر شكل "٣١" إناء من الأريجية

стр. 399

هذا ويلاحظ أن كل الحضارات من أقدم العصور إلى عصر حضارة حلف ليست ممثلة في جنوب العراق؛ مما يرجح أن هذا الإقليم لم يكن صالحًا للسكنى حتى قيام هذه الحضارة.

стр. 400

حضارة العبيد: يبدو أن الإقليم الجنوبي من العراق أخذ يصلح للسكنى ابتداء من عصر هذه الحضارة، وكان اختلاف ظروف البيئة في الجنوب والشمال خلال هذا العصر سببًا في وجود بعض الاختلافات في مظاهر الحضارة التي سادت في هذين القسمين، ويذكرنا ذلك بما حدث من تخصصإقليمي أثناء العصر الحجري الحديث في مصر, وهو يدعونا إلى التمييز بين حضارة العبيد الشمالية وحضارة العبيد الجنوبية. فحضارة العبيد الشمالية تتميز بالفخار الملون والتماثيل الطينية الصغيرة والأواني الحجرية والأدوات العظمية، كما عثر في إحدى المناطق التي تنتمي لهذه الحضارة "وهي تبة جورا" على مجموعة من المباني المهمة "معابد ومنازل" استخدم الآجر في بعض أبنيتها ولم يستعمل الحجر في ذلك إلا نادرًا، وقد عثر على مقابر للأطفال في طبقات المنطقة؛ بينما كان البالغون يدفنون في جبانات أخرى على السفح عند أسفل التل, وكانت المقابر أحيانًا تغطى بالحصير. أما حضارة العبيد الجنوبية فتعتبر أقدم حضارة ظهرت في هذا الجزء من العراق؛ حيث إن مخلفاتها تستقر على الأرض البكر، ومن أهم مواقعها تل أبو شهرين "أريدو" وأور وقلعة الحاج محمد "قرب الوركاء". ومن أهم ما يميزها الفخار الملون بلون يميل إلى الخضرة والحمرة أو اللون البني والرسوم التي تزينه ملونة بألوان مائية سوداء وهي تمثل أشكالًا هندسية "شكل ٣٠"؛ مما يذكرنا بحضارة نقادة الأولى في مصر، وقد عثر كذلك على تماثيل طينية

стр. 401

وأدوات وأوانٍ حجرية وبعض المناجل التي على شكل الهلال. شكل "٣٢" أوانٍ فخارية من أريدو "حضارات العبيد" هذا وقد عثر على آثار مجموعة من المعابد يتضح منها أن عمارة المباني ذات المداخل والمخارج التي على أبعاد منتظمة تأخذ في الظهور منذ هذا العصر، وهذا الطراز يبدو بصورة واضحة في مقابر عهد الأسرتين الأولى والثانية في مصر. ويبدو أن حضارة العبيد على العموم جاءت عن طريق إيران إلى جنوب العراق ومنه انتشرت في الشمال، ومنذ ذلك الحين أحرز جنوب العراق قصب السبق في ميدان الحضارة؛ فبينما توصل أهل الجنوب في حضارة الوركاء التالية إلى بداية الكتابة ظل أهل الشمال يجهلونها, وعندما بدأ هؤلاء يستخدمونها كان أهل الجنوب "سومر" قد دخلوا عصرهم التاريخي١.

стр. 402

حضارة الوركاء: تتمثل هذه الحضارة في بضعة مواقع لم يعثر فيها على مقابر إلا في موقعي أور وخفاجة شرق بغداد؛ حيث عثر على بضع مقابر صغيرة، وقد عثر في الوركاء على برج مدرج من اللبن عرف باسم الزاقورات١ على جانبي درجه معبد أو معبدان يعرفان باسم المعبد الأرضي أو السفلي, ويحيط بالزاقورة والمعبد الأرضي ساحة كبيرة بها حجر متعددة ويحيط بالجميع سور ضخم, كما وجدت بالمدينة معابد أخرى منها معبد إي – أنا "إلهة السماء التي عرفت فيما بعد باسم الإلهة عشتار" وهو يتوسط القسم الشرقي من المدينة, ومعبد جميل شيد لعبادة الإله آنو "إله السماء" في القسم الغربي من المدينة, وقد عرف باسم المعبد الأبيض لوجود طلاء في الجصعلى جدرانه. وتتميز هذه الحضارة بوجود أقدم أمثلة النحت في السطوح المستوية ونحت كتل الأجسام "نحت التماثيل أو النحت المستدير". هذا فضلًا عما عثر عليه من آثار تدل على تطور في الصناعة مثل: الأواني الحجرية والأختام الأسطوانية وأدوات الزينة, وتتمثل في هذه الحضارة كذلك أقدم محاولات الكتابة، وهي كتابة بدائية استعملت فيها الصورة لتدل على معانٍ وكانت تكتب بقلم معدني ذي طرف مدبب على لوحة من الطمي قبل أن تجف، وامتازت هذه الحضارة أيضًا بنوع من الفخار الأملس المصبوغ بالأحمر والبرتقالي, كما أن المباني كانت تزخرف بقطع صغيرة من الفخار أو الحجر الملون, وهذه القطع كانت مخروطية الشكل وتثبت في الجدران المبنية باللبن في صفوف بحيث تبدو كأنها فسيفساء "شكل ٣٣".

стр. 403

شكل "٣٣" أعمدة مغطاة بالموزاييك المخروطي الشكل في أوروك "الوركاء"

стр. 404

حضارة جمدة نصر: آخر مرحلة سابقة للعصر التاريخي, وقد استطاع الإنسان فيها أن يصل إلى مرحلة متقدمة في الفن والكتابة؛ حيث نجد أمثلة متفوقة في العمارة ذات الفجوات التي على أبعاد منتظمة, وتطورت فيها صناعة الأواني الحجرية والفخارية وزخرفتها, كما أن الرموز التي استعملت للتعبير بالكتابة تعددت وبسطت حتى أصبح من الميسور أن يعبر بها عن أغراض أكثر من ذي قبل؛ على أن أهم موضوعات الكتابة التي عثر عليها في هذه المرحلة كانت تتصل بحسابات مختلفة منها ما يتعلق بالمعابد، وهذا يدل على مدى ارتباط النواحي الاقتصادية بتطور الكتابة, كما أنه يعتبر تمهيدًا للعصر التاريخي, ويمكن القول بأن التوصل للكتابة قد ساعد على تنظيم النواحي الاقتصادية بل والسياسية والاجتماعية كذلك، على أنه يجب ألا يغيب عن الذهن ما نلاحظه من اختلاف في ظروف البيئة بين مصر وبلاد النهرين؛ حيث إنها في الأولى قد ساعدت على توحيد كل من مصر

стр. 405

السفلى والعليا قبل ظهور الكتابة بزمن طويل, أي إن سهولة الاتصال بين الجماعات التي عاشت فيها قد مكنت من تعاونهم واتحادهم فانضموا تحت لواء هاتين الوحدتين الكبيرتين، أما في الحالة الثانية "بيئة بلاد النهرين"؛ فقد كانت صعوبة الاتصال نسبيًّا سببًا في تكوين عدد من المدن تحكم كلًّا منها حكومة معينة، ويرى البعض أن بلاد النهرين توصلت منذ نهاية عصر التمهيد للكتابة إلى إيجاد نوع من الحكم الديمقراطي؛ إذ فرضت ظروف البيئة "التي كانت عرضة للكثير من الفيضانات والأعاصير وإغارات الشعوب المجاورة" نوعًا من التنظيم الاجتماعي؛ وذلك لمواجهة خطر مشترك أو للرغبة في نفع مشترك؛ كالتحكم في مياه الأنهار واستغلالها وتحالف بعض المدن ضد القوى المعادية التي تهدد كيانها. وكان التوصل إلى بعض مظاهر الحضارة في كل من مصر والعراق: إحداهما قبل الأخرى؛ مما جعل الأثريين والمؤرخين يختلفون فيما بينهم على أي الدولتين كانت أسبق من الأخرى في ميدان الحضارة؛ ولكن لم يمكن حتى الآن إثبات أسبقية حضارة إحداهما بصفة مؤكدة، كما أنه لا يوجد من الأدلة القاطعة ما يكفي لإثبات أن الحضارة قد انتقلت من إحداهما إلى الأخرى, وخاصة في تلك المرحلة السحيقة في القدم.

стр. 406

العصر التاريخى مدخل ... العصر التاريخي: زار هيرودوت بابل في منتصف القرن الرابع قبل الميلاد؛ ولكنه أهمل زيارة نينوى؛ لأنها كانت قد دمرت قبل ذلك بقرن ونصف تقريبًا, كما تحدث عن بابل كذلك إسترابو الذي وصفها كمدينة مخربة كادت أن تكون مهجورة، وبمرور الزمن طمرها الرديم بعد ذلك بنحو ١٠٠٠ سنة, ولم يعد العالم يذكر عن ماضي العراق إلا قدرًا ضئيلًا كان يذكره المؤرخون والجغرافيون العرب.

стр. 407

ولم يهتم الغربي بعاديات وحضارة بلاد النهرين القديمة بصفة عامة إلا في القرن السابع عشر على أثر عودة النبيل الإيطالي بيترو ديللافال "Pietro della Valle" سنة ١٦٢٥ من رحلته إليها, وإحضاره أحجارًا منها منقوشة برموز غير معروفة. وفي سنة أرسل ملك الدانمارك بعثته العلمية الشهيرة إلى الشرق١ لجمع كل ما يمكن من معلومات عن الشرق في كافة فروع المعرفة، وقد تمكن رئيسها كارستن نيبور من نسخ نقوش جديدة من برسبوليس أثارت اهتمام علماء اللغات؛ فبذلوا جهودهم في محاولة تفسيرها، ومنذ ذلك الحين أخد كل من ذهب إلى الشرق يحاول البحث والتنقيب في أطلاله ويجمع ما يمكن الحصول عليه من عادياته وينسخ ما يمكنه نسخه من النقوش من الآثار الثابتة التي يراها، ومن أشهر هؤلاء: القس الفرنسي جوزيف دي بوشام "Joseph de Beaichamp" سنة ١٧٨٦, والقنصل البريطاني في بغداد جيمس ريتش "James Rich" سنة ١٨٠٧, والسير هنري كريزوك رولنسون "Sir Henry Creswick Rawlinson" "سنة ١٨٣٥ وما بعدها" وبول إميل بوتا "Boul Emile Botta" القنصل الفرنسي في الموصل سنة ١٨٤٣, والسير هنري لارياد "Sir Henry Layard" وغيرهم. ومن مطلع القرن الحالي أخذت بعثات أجنبية من مختلف الجنسيات تنقب في أنحاء مختلفة من العراق. وكما كان حجر رشيد مكتوبًا بثلاث لغات مختلفة؛ مما ساعد على تفسير رموز الكتابة المصرية, وجدت نقوش في إيران كتبت بثلاث لغات مختلفة أيضًا؛ ولكنها تختلف عن حالة حجر رشيد في أن لغات هذه النقوش كانت كلها غير معروفة, ومن أهمها نقش بهستون٢ ونقوش برسبوليس "إصطخر" إلى الشمال الشرقي

стр. 408

من شيراز. وبالرغم من عدم معرفة أي من هذه اللغات؛ فقد استطاع جورج فردريك جروتفند "Georg Friedrich Grotefend" أن يستنتج في سنة ١٨٠٢ من نقشين في برسبوليس قراءة أسماء ثلاثة ملوك, وأن يعرف القيمة الصوتية لثلاثة عشر رمزًا من الفارسية القديمة١, كما استطاع العالم الفرنسي بوجين برنوف "Eugene Burnouf" والعالم الألماني كريستيان لاسين "Christian Lassen" أن يحددا سنة ١٨٣٦ القيمة الصوتية لعلامات الكتابة الفارسية القديمة؛ غير أن معرفة المعاني ظلت محدودة؛ لقلة النقوش التي كانت معروفة في ذلك الوقت. وكان لاكتشاف رولنسون نقش بهستون الطويل أبلغ الأثر في حل رموز الكتابة المسمارية بصفة عامة, وقد بدأ نسخه سنة ١٨٣٥ ثم نشره مترجمًا ابتداء من سنة ١٨٤٦ ٢, وأصبح في الإمكان تفسير النقش المدون بالفارسية القديمة, وقد ساعد ذلك على التوصل لحل رموز النقشين العيلامي والبابلي؛ وبالتالي أمكن التوصل لقراءة النصوص المسمارية وتفسيرها. وقد استطاع جروتفند أن يلقي بعض الضوء على العيلامية, واكتشف أن الأسماء المذكرة يوضع لها مخصص قبل الاسم وليس بعده كما في المصرية، وبمقارنة النقش العيلامي بالنقش البابلي اتضح له أن العيلامي حوى ١١١ رمزًا؛ بينما كان عدد رموز البابلي هائلًا؛ مما أدى إلى استنتاج أن العيلامية كتابتها مقطعية, أي ليست بها هجائية ولا رموز معانٍ. وحينما انكب إدوين نورس "Ednwin Norris" الذي كان سكرتيرًا لجمعية الدراسات الآسيوية الملكية بلندن ابتداء من سنة ١٩٣٨ على حل رموز العيلامية, بدأ كالمعتاد بالتعرف على الأسماء فتوصل إلى ٤٠ اسمًا سنة ١٨٥٣ زادت

стр. 409

بعد ذلك إلى ٩٠ اسمًا، كما أنه اكتشف أن رولنسون عند نشره لنقش بهستون سها عن أحد الأسطر, ولما راجعه في ذلك رجع هذا إلى نسخته الأصلية وثبتت صحة ما أخبره به نورس، وهكذا كان نقش بهستون خير معين للعلماء في تحديد معظم رموز المقاطع ومعاني الكلمات وقواعد اللغة العيلامية. أما عن البابلية؛ فقد وجد علماء أوروبا أن النقش المدون بالبابلية في بهستون يشبه الكتابة المدونة على الآثار العراقية التي وصلت أوروبا، ومن الذين أسهموا في حل رموز البابلية لوفن إسترن "Lowen Stern" السويدي؛ إذ توصل إلى معرفة بعض الرموز وبعض معاني الكلمات من مقارنة النص البابلي بالنص الفارسي القديم في ذلك النقش. وفي سنة ١٨٥٠ قدم رولنسون بحثًا لجمعية الدراسات الآسيوية الملكية, بحثًا أوضح فيه توصله إلى رموز ٨٠ اسمًا والقيمة الصوتية لنحو ١٥٠ رمزًا و٥٠٠ كلمة بابلية, وفي نفس السنة أعلن هينكس "Hincks" الأيرلندي أن البابلية ليست هجائية بل تتألف من رموز, ويمثل كل منها مقطعًا أو كلمة ذات معنى أو مخصص أي أن الرمز كانت له قيم مختلفة, كما تعرف على عدد كبير من المخصصات؛ كذلك توصل بوتا عند تنقيبه عن قصر سرجون الثاني من مقارنة النقوش التي عثر عليها بأن الكلمة الواحدة قد تكتب برمز واحد "معنوي" أو برموز مقطعية، وفي سنة ١٨٥١ نشر رولنسون النصالبابلي في نقش بهستون، وأعلن أن الرمز المقطعي قد تكون له قيم مختلفة النطق, وأورد أكثر من ٢٠٠ رمز كأمثلة لذلك، وكانت النهاية المؤيدة لكل ذلك العثور في نينوى على قوائم بكلمات سومرية "رموزها معنوية" وما يقابلها بالكتابة الأشورية البابلية؛ ونظرًا لما أثير من شك حول صحة قراءات وتفسير البابلية أرادت جمعية الدراسات الآسيوية الملكية التحقق من صحة ما توصل إليه علماء الأشوريات الأربعة البارزون في ذلك الوقت "وهم رولنسون, وتالبوت الذي كان يعمل بالمتحف البريطاني, وأوبرت "Oppert"

стр. 410

الذي كان أستاذًا للأشوريات في "College de france"؛ فأرسلت إلى كل منهم نسخة من نص مسماري لم يكن أحدهم يعرف عنه شيئا؛ لأنه كان حديث الاكتشاف وهو على ثلاثة أختام صلصالية من عهد تيجلات بلاسر الأول وطلبت إليهم أن يرسل كل منهم ترجمته على حدة للجمعية التي شكلت هيئة للتحكيم؛ فجاءت ترجماتهم متطابقة إلا من اختلافات تافهة، وعلى ذلك أصدرت لجنة التحكيم قرارها بأن النصوص المسمارية البابلية الأشورية أمكن تفسيرها, وأصبح في الإمكان قراءتها وفهمها. ومن معالجة مختلف النصوص التي عثر عليها في بلاد النهرين يتبين لنا أن عصرها التاريخي "على خلاف تاريخ العصر التاريخي في مصر" أبعد من أن يمثل تاريخ وحدة سياسية؛ لأنه لم يبدأ في جميع أرجائها في وقت واحد؛ نظرًا لاختلاف ظروف البيئة في أقسامها المختلفة ولاختلاف الأقوام التي عاشت فيها، ولذا ينقسم هذا العصر إلى أقسام يتميز كل منها بتغيرات سياسية مهمة تصاحبها أحيانًا تغيرات اجتماعية واقتصادية وثقافية. وأول هذه الأقسام هو الذي يطلق عليه اسم العصر قبل السرجوني١ أو عصر فجر السلالات؛ إذ إنه يشمل جزءًا من الألف الثالث وينتهي بغزو الملك السامي سرجون الأول ملك أكد لبلاد سومر حوالي سنة ٢٤٠٠ ق. م. وقد سبق أن أشرنا إلى أن القسم الجنوبي من بلاد النهرين بدأ عصره التاريخي قبل قسمها الشمالي٢، ولما كان ذلك القسم قد عرف باسم سومر٣؛ فإن من الممكن القول بأن السومريين هم الذين بدءوا العصر التاريخي في بلاد النهرين.

стр. 411

السومريون مدخل ... ١- السومريون: اختلف المؤرخون في أصل هؤلاء السومريين؛ إذ لم يمكن إرجاع لغتهم إلى عائلة اللغات السامية أو إلى عائلة اللغات الهندو أوروبية؛ ولذا فإن فريقًا من الباحثين يرى أنهم جاءوا أصلًًا من مكان في شرق بلاد النهرين أو جنوبها الشرقي، ويرى فريق آخر أنهم جاءوا عن طريق البحر وأنهم من نفس الجنس الذي وصل إلى مصر في عصر ما قبل الأسرات؛ بينما يرى فريق ثالث أنهم نشئوا نشأة محلية وتطورت حضارتهم محليًّا أي: إنهم لم يكونوا من الأجانب. وإذا ما تتبعنا الأساطير السومرية وجدنا أن السومريين اعتقدوا أن الآلهة خلقت البشر ليقوموا على خدمتهم, وأن الإنسان في حاجة إلى من يرعاه من الحكام الذين يختارهم الآلهة لتدعيم قوانينها المقدسة؛ "ففي عصر سحيق أنزل التاج وعرش الملكية من السماء", ومنذ ذلك الوقت سيطرت سلسلة من الحكام على مصائر أهل سومر نيابة عن الآلهة وهم يعملون لصالحها في نفس الوقت؛ فالملوك على هذا النحو كانوا يتمتعون بالقدسية منذ أقدم العصور وإن كان بعض الباحثين يعتقد بأن نظام الحكم في سومر كان يمثل ديمقراطية بدائية؛ حيث كانت طائفة من المدنيين تختار -عند الأزمات- زعيمًا للمحاربين "لوجال" لتولي شئون الدولة, ويستدلون على ذلك بما يتمثل في أسطورة الخلق؛ حيث تشير إلى أن الآلهة اختارت "مردوخ" كي يقضي على "تياما"١، ورغم أن تاريخ السومريين غير واضح في معظمه؛ إلا أن ما وصلنا من نصوص تاريخية وما أسفرت عنه البحوث الأثرية تدل على أنهم كانوا في عصر فجر السلالات يعيشون في عدد من المدن المستقلة تحاول كل منها فرض سيادتها على المدن

стр. 412

الأخرى ولكن لا يوجد من النصوص التاريخية ما يدل دلالة قاطعة على أن دويلات المدن كانت تحكمها هيئات جماعية؛ بل ولا نجد في تاريخ هذه المدن إلا حكامًا أو ملوكًا كانوا يتلون الآلهة في المرتبة. وقد وصلتنا بضع وثائق تحتوي على أسماء الملوك الذين حكموا في هذه المدن ومدة حكمهم، وقد وردت السلالات الحاكمة في المدن المختلفة متتالية الواحدة بعد الأخرى رغم أن بعضها على الأقل كان يعاصر البعض الآخر، وقد اتفقت هذه الوثائق في الإشارة إلى حدوث فيضان كبير أو طوفان "أهلك الحرث والنسل" يحاول كثير من الباحثين الربط بينه وبين الطوفان المشار إليه في الكتب السماوية, كذلك تفصل هذه الوثائق بين الملوك الذين حكموا قبل الطوفان وأولئك الذين حكموا من بعده، وقد أمكن التوصل إلى قائمة بملوك سومر جمعت من ١٥ وثيقة مختلفة من تلك الوثائق١, وهي تمدنا بهيكل تاريخي لسومر منذ أقدم العصور إلى القرن "١٨ ق. م." وقت كتابة هذه الوثائق. وهذه القائمة تشير إلى الأبطال الذين عاشوا في العصر الأسطوري لسومر؛ فتذكر أن الملكية هبطت من السماء إلى مدينة أريدو أولًا؛ حيث حكم فيها ملكان لمدة لا تقل عن ٦٤.٨٠٠ سنة، وانتقلت بعد ذلك إلى بادتبيرا "تل المداين قرب تللو"؛ حيث حكم ثلاثة ملوك منهم الإله تموز "إله النبات" لمدة ١٠٨.٠٠٠ سنة, ومنها إلى لارك "قرب كوت العمارة"؛ حيث حكم ملك واحد لمدة ٢٨.٨٠٠ سنة, ثم إلى سيبار "أبو حبة"؛ حيث حكم ملك واحد لمدة ٢١.٠٠٠ سنة, ثم إلى شوروباك "تل فرا" حيث حكم ملك واحد لمدة ١٨.٦٠٠ سنة, وبعدئذٍ جاء الفيضان. وبعد زوال الفيضان هبطت الملكية ثانية من السماء إلى كيش "شرق بابل"؛ حيث تكونت فيها السلالة الأولى من ٢٢ ملكًا, حكموا بمعدل ١٠٠٠ سنة

стр. 413

للواحد منهم، ومن الملاحظ أن من بين هؤلاء الملوك ١٢ ملكًا أسماؤهم سامية، ٦ أسماؤهم سومرية, ويرى بعض المؤرخين أن ما ورد عن هذه الأسرة ليس بأكمله أسطوريًّا بل بعضه تاريخي، كذلك تذكر هذه القائمة أن آخر ملوك كيش "أجا" هُزِمَ على يد أول ملوك أسرة الوركاء؛ ولكن مصادر أخرى تدلنا على أن الأسرتين كانتا متعاصرتين فترة طويلة, وأن "أجا" المشار إليه كان يعاصر خامس ملوك الوركاء "جلجامش" الذي قضى على مملكة كيش، كذلك يستدل من هذه المصادر على أن الوركاء كانت على علاقة مع آراتا "التي يحتمل أنها كانت غرب إيران أو في عيلام" وأن جماعات مارتو "الأموريين" في سورية حاصروها واستولوا على الحكم في بلاد النهرين. ومن العسير التوصل إلى بداية العصر التاريخي؛ نظرًا لأن قائمة ملوك سومر تذكر أرقامًا خيالية لمدة حكم الملوك؛ فلا نعرف منها متى انتهى العصر الأسطوري ومتى بدأ العصر التاريخي، ومما يزيد الأمر صعوبة أن بعض البحوث الأثرية أسفرت عن الكشف عن أسماء عدد من الملوك الذين حكموا في مدينة لجش ولم يذكروا في القائمة, وقد أمكن وضع مجمل تاريخي لهذه المدينة في الألف الثالث ق. م. إلى سنة ٢٠٠٠ ق. م. تقريبًا ولكن ربما كان ذلك؛ لأنهم لم يحكموا سومر كلها، ومهما كان الأمر فإن العثور على نصوص تاريخية لملوك من الذين ذكروا في قائمة ملوك سومر يدل دلالة قاطعة على أن هؤلاء الملوك عاشوا بالفعل, وأن أقدم النصوص يرجع على أسبق الملوك في ترتيبه الزمني. ففي المتحف العراقي قطعة من المرمر مجهولة المصدر, كتب عليها "مي - براج - سي" ملك كيش, وأمكن إثبات أن هذا الملك هو "إن - مي - براج - سي"١

стр. 414

الملك الثاني والعشرون من أسرة كيش الأولى الذي كان يعتبر أسطوريًّا, وهو والد "أجا" الذي حارب ضد "جلجامش" خامس ملوك الوركاء، كما أن قطعة رخامية أخرى عثر عليها في أور كتب عليها أن الملك "إي - أني - بدا" بن "مس - أني - بدا" بنى معبدًا للإلهة "نن – هورساج" "وهي الإلهة الأم وتقابل إبنانا التي عرفت باسم عشتار لدى الساميين"، ولم يكن "إي - أني - بدا" معروفا؛ ولكن والده يعد في قائمة ملوك سومر مؤسس الأسرة الأولى في أور التي تلت أسرة الوركاء الأولى في هذه القائمة، وقد أمكن إثبات أن هذا الملك الأخير كان يعاصر جلجامش، ومن كل ذلك نستنتج أن أقدم حاكم سومري معروف لنا هو "إن - مي - براج - سي" وإذا ما اعتبرنا أن سرجون الأكدي عاش في الفترة ٢٣٧١-٢٣١٦ ق. م. فإن من الممكن تقدير تاريخ حكم "إن - مي - براج - سي" بحوالي سنة ٢٧٠٠ ق. م. كما يمكن اعتبار ذلك التاريخ بداية للعصر التاريخي في بلاد النهرين١. ومع أن أحد الكهنة البابليين ويدعى برعوشو "Berossus" وكان يعيش في عهد أنتبوخوس الأول "سوتير ٢٨٠-٢٦١ ق. م." وضع تاريخًا لبابل في ثلاثة أجزاء؛ فإن ما وصلنا من تاريخه عن طريق مؤرخي اليونان لا يعدو جزءًا ضئيلًا لا يلقي كثيرًا من الضوء عن تاريخ هؤلاء السومريين، كذلك لا تذكر النصوص الأدبية التي ترجع إلى عصر فجر الأسرات إلا ١٣ مدينة هي من الشمال إلى الجنوب: سيبار، كيش، أكشاك, لاراك، آداب، أوما، لجش، بادتيبرا، أورك، لارسا، أور، أريدو بينما أسفرت البحوث الأثرية عن وجود مدن

стр. 415

مهمة أخرى في أجزاء بعيدة من بلاد النهرين كانت تحت تأثير سومري قوي, ومن هذه أشور "قلعة شرقاط" على نهر دجلة وماري "تل الحريري" على نهر الفرات، ومع أن هذه الأسماء المدونة في نقوشهما المحلية تدل على أنهما في قلب منطقة سامية إلا أن الآثار التي عثر عليها كانت سومرية الطابع, وقد وجدت آثار شبيهة بها كذلك في أشنونا "تل أسمر" في وادي ديالة. وقد عثر في بعض مقابر الجبانة الملكية في أور على ما يثبت دفن الضحايا البشرية مع المتوفى، والظاهر أن ذلك يرجع إلى الاعتقاد بأن هؤلاء المتوفين كانوا من الآلهة سواء في ذلك الملك أو الملكة؛ فلم يكن هناك من فاصل بين الملك ورئاسة الكهنة، ثم أخذت هذه العادة في الاختفاء بعد أن تم الفصل بين العرش والمعبد، كما يستدل على ذلك من أن "أينتمينا" حاكم لجش "٢٥٠٠ ق. م." لم يكن كاهنها الأعظم؛ إذ إن آنية فضية عثر عليها دونت عليها عبارة تفيد أن "دودو" كان كاهن "ننجرسو" إله لجش، ويبدو أن النزاع قد اشتد بعد ذلك بنحو مائة عام بين الملك والكهنة؛ حيث ظهر ذلك في عهد أوركاجينا آخر ملوك لجش، ولم يستمر هذا النزاع طويلًا؛ لأن لجش وسومر كلها خضعت لغير السومريين بعد ذلك.

стр. 416

عصر فجرات الأسرات ... عصر فجر الأسرات: مما سبق يتبين لنا أن عددًا من الحكام المحليين كانوا متعاصرين، وأن أسرة كيش الأولى كانت صاحبة السيادة؛ إذ تشير قائمة الملوك السومرية إلى أن الملكية هبطت إليها بعد الفيضان, وعلى ذلك أصبح لقب "ملك كيش" يعادل على الأرجح لقب "ملك سومر" وقد أشرنا إلى أن ملكها "إن - مي - براج - سي" حكم حوالي سنة ٢٧٠٠ ق. م.، وتدل الشواهد الأثرية على أنه بنى معبدًا

стр. 417

للإله إنليل في نيبور؛ مما جعلها تعتبر عاصمة سومر الدينية وأصبح ملوك وحكام مختلف المدن يتبارون في إرسال الهدايا لمعبدها، ونتيجة لهذا أصبح من الضروري أن يتم اختيار الحكام بواسطة الإله إنليل في نيبور إذا ما أرادوا أن يعترف بهم الأمراء الآخرون كسلاطينهم, وأصبح امتلاك نيبور لا مناصمنه للسيادة على سومر، وأصحاب نظرية الديمقراطية البدائية يميلون إلى أن السومريين في عصر الأسرات الباكر كانوا يرسلون إلى نيبور "عندما يهدد سومر غزو أجنبي" مندوبين من كل دويلات المدن لاختيار قائد عام للحرب؛ فاختيار إنليل لمن يصبح صاحب السلطان المطلق في البلاد هو المظهر الباقي لهذا الإجراء القديم؛ ولكن وجود مثل هذا التعصب لنيبور أمر افتراضي بحت, وربما كان للعوامل الاقتصادية أثرها كذلك؛ حيث كانت كيش ونيبور تقعان فيما بين دجلة والفرات وتتحكمان في طريق البرونز الذي يصل من الأناضول وأرمينيا وأذربيجان إلى جنوب العراق، وربما لم تصبح نيبور عاصمة سياسية اكتفاء بمركزها الديني مثل هليوبوليس في مصر. وتشير الأساطير السومرية والبابلية إلى جلجامش وتصف أعماله الخارقة وحكمته البالغة وأسفاره البعيدة جريًا وراء الخلود, وإلى أنه بنى أسوار الوركاء ومعبدها المقدس, كما أنها تذكر ما حدث في عهده من طوفان عظيم يحاول الباحثون توحيده بطوفان نوح في الكتب السماوية، وقد سبق أن ذكرنا أنه هو الذي قضى على مملكة كيش١. ومن المرجح أن أسرة أور الأولى خلفت أسرة كيش في السيادة؛ لأن مؤسسها

стр. 418

"مس - أني - بدا" ذكر على ختم عثر عليه في أور باعتباره "ملك كيش"، كما أن ولديه من بعده امتلكا نيبور لأنهما قاما بترميم معبدها، ومن الآثار التي عثر عليها في جبانة أور نتبين مقدار ثراء هذه المدينة وعظمة أسرتها الحاكمة؛ حيث عثر على بعض مقابرها الغنية التي حوت كثيرًا من الأثاث الثمين والتحف النادرة, ومن أهم هذه المقابر مقبرة "بو - آبي" التي كانت تعرف فيما سبق باسم "شب - عاد"١ التي حوت بالإضافة إلى حلي هذه السيدة كأسًا ذهبية وغطاء للرأس في حالة جيدة وقيثارة ذهبية تعد من آيات الفن القديم، وقد دفن مع صاحبة المقبرة عدد من الأتباع أحياء. ومن بين الآثار التي عثر عليها في إحدى مقابر أور لوحة خشبية مطعمة بالصدف, نقوشها تمثل الحاكم "أو الملك" وهو يستعرض عددًا من الجنود والأسرى، وفضلًا عن ذلك فإن آثار هذه المدينة تؤيد ما ذهبنا إليه من أنها كانت تنعم بالرخاء والرفاهية؛ إلا أن هذه الحال فيما يبدو لم تدم طويلًا؛ فبعد نحو قرن فقدت أهميتها؛ لأن القبائل العيلامية التي كانت تسكن الجبال الشرقية من بلاد النهرين كانت تغير عليها إلى أن تمكنت أسرتا أوان وحمازى الأجنبيتان "وهما من عيلام" أن تفرضا سلطانهما عليها وعلى جزء من سومر على الأقل، ولم يكن هذا هو أول دور في سلسلة الحروب الطويلة بين بلاد النهرين وعيلام التي استمرت منذ ذلك التاريخ لمدة ألفي سنة. ومن أهم مدن عصر فجر السلالات مدينة لجش، وليس هذا لأن آثارها أمدتنا بنصوص تاريخية أكثر من أي مدينة أخرى فقط؛ بل لأن أحد حكامها سيلعب دورًا مهمًّا أيضًا في بلاد سادتها الفوضى بعد الغزو الأجنبي؛ إذ إن "إياناتم" "حوالي ٢٥٥٠ ق. م." كان مثل جده "أورتانشة" حاكم لجش بنَّاءً عظيمًا للمعابد وشق القنوات، وقد جعلته الظروف أيضًا محاربًا عظيمًا فخلص السومريين من قبضة العيلاميين

стр. 419

وأمَّن الحدود الشرقية بإخضاع عدة مدن عيلامية على الحدود إن لم يكن كلها كما ادعى، وقهر أور وأورك "وأضاف مملكة كيش إلى إمارة لجش" ولكن الحرب التي جاءتنا عنها معلومات مهمة هي الحرب المحلية ضد أوما على بعد ١٨ ميلًا شمال غربي لجش؛ حيث كان التنافس بينهما على أشده من أجل منطقة زراعية تدعى "جو إيدين" تقع على الحدود بين المدينتين وكل منهما كانت تدعي ملكيتها، فقبل "إياناتم" بعدة أجيال توسط ملك في كيش يدعى "ميسيلم"١ بين الدولتين ووضع لوحة له كحدود فاصلة بينهما وانتهى القتال بمعاهدة سلمية, وثبت ملك لجش حدوده مع "إينا كالي" أمير أوما وأعاد لوحة ميسيلم إلى مكانها وفرض ضريبة ضخمة من الشعير على أوما. وقد بين إياناتم انتصاره على أوما في لوحة تعرف باسم لوحة النسور, وفي نهاية عهده حارب ضد ائتلاف من رجال كيش وماري يقوده "زوزو" "أو أنزو" ملك أكشاك٢, ومع أنه أعلن انتصاره؛ إلا أنه لا شك في أن هذه الحرب قد تسببت في إنهاء إمبراطوريته الصغيرة التي كونها. والقرن الذي تلا إياناتم كان مضطربًا، ويبدو أن "إن - شاكوش - أنا" ملك أورك و"لوجال أنا موندا" ملك أداب "بسمايا الحالية على بعد ١٦ ميلًا شمال تل فرا" احتلا على التوالي كيش ونيبور واعترف بهما ملكينِ على سومر؛ ولكن ملوك ماري كانوا يتحدون سيادتهما، وتذكر قائمة ملوك سومر أن ستة من ملوك ماري حكموا في سومر لمدة ١٣٦ سنة وهذا الرقم مبالغ فيه، كما أن حكم ملوك من هذه المدينة التي تبعد كثيرًا في الشمال الغربي لمنطقة جنوب العراق يدل على أن الفوضى سادت هذه المنطقة في ذلك العهد، وفي لجش اندلعت

стр. 420

الحرب ثانية بين "أنتمينا" ابن أخي "إياناتم" وبين أوما التي كان ملكها يعاونه "ملوك أجانب" يحتمل أنهم ملوك ماري، وعلى ختمين أسطوانيين يوجد نصطويل يشير فيه "أنتمينا" إلى ما حدث في الماضي من أنه قضى على قوات أوما وقاوم حاكمها "مخرب الحقول والزراعات، الناطق بالسوء" وحفر خندقًا كحدود دائمة بين المدينتين المنافستين، كذلك نعلم من مصادر أخرى أن "أنتمينا" أبرم معاهدة سلمية مع جاره القوي "لوجال- كينيش- دودو" ملك أورك الذي وحد أورك وأور في مملكة واحدة, وانتهى حكمه في سلام ورفاهية؛ ولكن بعد سنوات قلائل تدهور الموقف ثانية في لجش واستولى كهنة "ننجرسو"١ على الحكم نحو عشرين عامًا وزادوا في ممتلكاتهم على حساب الآلهة, وبعد ذلك أطاح بهم "أوروكاجينا"٢ الذي عرف بإصلاحاته الاجتماعية؛ ولكنه لم يحكم سوى ٨ سنوات, ثم استطاع "لوجال زاجيزي" حاكم أوما أن يستولي على لجش وأن يدمرها وبعدئذ استولى على أورك ونصب نفسه ملكًا عليها ثم تقدم لغزو بقية سومر, ونجح على ما يبدو في ذلك حيث دون على إناء مذري لإنليل عثر عليه في نيبور, أن غزواته شملت كل بلاد النهرين وسورية. ومن العسير الاعتقاد بأنه امتلك هذه الإمبراطورية، ويحتمل أن ملك الوركاء تمكن من الحصول على اعتراف الساميين في ماري بخضوعهم له أو الاتحاد معه وكان هؤلاء بدورهم لهم نفوذ على الساميين في سورية. وعلى أي حال لم تستمر إمبراطورية لوجال زاجيزي أكثر من حكمه الذي استمر ٢٥ سنة؛ حيث قضى عليه وعلى إمبراطوريته الأمير السامي سرجون ملك أكاد.

стр. 421

الساميون مدخل ... ٢- الساميون: في عصر الأسرات الباكر تنافس حكام سومر على السيادة على نحو ١٢ مدينة وبضعة أميال مربعة من الأرض القابلة للزراعة, التي يحدها البحر جنوبًا وتنتهي عند كيش شمالًا, وكانت كل من ماري وأشور أجنبية بالنسبة لهم مثل عيلام؛ ولكن بعد سنة ١٤٠٠ ق. م. بقليل تمكن الأمراء الساميون في وسط العراق من تغيير مجريات الأحداث؛ فلم يكتفِ سرجون وخلفاؤه بإخضاع دويلات المدن السومرية لسلطانهم؛ بل غزوا كل حوض دجلة - الفرات وأجزاء أخرى من البلاد المجاورة, كما أرسلوا بعثات في الخليج العربي وكونوا أول إمبراطورية عظيمة لبلاد النهرين. وقد استمرت هذه الإمبراطورية نحو قرنين ثم قضت عليها قبائل جبال زاجروس والثورات الداخلية, ولكنها ضربت مثلًا لا يُمْحَى عن إمكان وحدة بلاد النهرين ووصولها إلى حدودها الطبيعية التي أصبحت حلم كل الملوك بعد ذلك؛ فمن منتصف الألف الثالث ق. م. إلى سقوط بابل سنة ٥٣٩ ق. م. يتمثل تاريخ العراق في محاولات هؤلاء الملوك لتحقيق هذا الغرض ومدى نجاحهم وفشلهم فيه. ويختلف المؤرخون بشأن نشأة المملكة الأكدية؛ فمنهم من يرى أن وجود العنصر السامي في جنوب ووسط العراق يرجع إلى غزوة سامية حدثت في أوائل القرن الثامن والعشرين قبل الميلاد وكانت مدينة كيش أهم مسرح لها، وما إن استقر الأمر لهؤلاء الساميين حتى عملوا على توسيع رقعة سلطانهم ونجحوا في ذلك حتى استطاعوا أن يغيروا مجرى التاريخ في العراق القديم، ومن المؤرخين من يرى أن الساميين كانوا بالعراق منذ أقدم العصور وقد عاشوا جنبًا إلى جنب مع السومريين بدليل وجود أسماء سامية لملوك سلالة كيش الأولى؛ ولكنهم كانوا دون شك يكونون غالبية السكان في شمال العراق. ومهما كان الأمر فإن هذا العنصر السامي قد نجح إلى أبعد الحدود وتركز نشاطه في المنطقة الوسطى من بلاد النهرين, وقد عرفت هذه المنطقة باسم أكد؛ ولذا يطلق على الدولة التي أسسها سرجون فيها اسم الدولة الأكدية.

стр. 422

سرجون الأول: يرجع بعض المؤرخين حكمه إلى الفترة ما بين ٢٣٧١-٢٣١٦ ق. م؛ بينما يرى البعض الآخر أنه أنشأ مملكة موحدة حوالي سنة ٢٣٥٠ ق. م؛ ولكنهم جميعًا يتفقون في أنه حكم نحوًا من ٥٥ عامًا على أي حال، ونظرًا لنجاحه الساحق فقد حِيكت حول نشأته الأساطير وخاصة لأنه لم يكن في طفولته شخصية معروفة، ومن المحتمل أنه كان من غلمان قصر ملك كيش ثم تدرج في سلك الوظائف حتى أصبح ساقيًا للملك "أور - زبابا" "ثالث ملوك أسرة كيش الرابع". وبفضل ذكائه استطاع أن يصل إلى مركز سامٍ جعله يستحوذ على السلطة, وما لبث أن قضى على سيده وأعلن نفسه ملكًا على كيش، ثم بدأ في الكفاح ضد لوجال زاجيزي ملك أوما الذي سبقت الإشارة إليه١ وتمكن من الانتصار عليه ثم شيد مدينة أكد وأخذ في تدعيم ملكه حتى أنشأ الإمبراطورية السامية الأولى؛ إذ إنه بعد أن نجح في ثورته على سيده وانتصاره على لوجال زاجيزي اتجه نحو الشمال واستولى على مدينة ماري "تل الحريري" ومنها اتجه نحو الشمال الشرقي إلى هضبة كركوك وأربيل, وبعد ذلك عاد إلى جنوب العراق حيث نشر نفوذه على مدينة أور السومرية, واستطاع أن يوحد العراق لأول مرة توحيدًا ظل مستمرًّا فترة طويلة نسبيًّا، وبعد أن وطد نفوذه في الداخل استولى على منطقة عيلام الواقعة في جنوب غرب إيران "أي: جنوب شرق العراق"

стр. 423

وكانت عاصمتها سوسة، وتذكر وثيقة من تل العمارنة "وهي مكتوبة في عصر متأخر عن عصر سرجون" أنه عبر جبال طوروس إلى بلاد الأناضول وسيطر على جزء كبير منها، ويؤكد ذلك ما ورد في بعض الوثائق التي عثر عليها في أطلال بوغاز كوي, كما يحتمل أنه وصل إلى جزيرة قبرص. وهكذا نجد أنه حكم إمبراطورية مترامية الأطراف ظل يحكمها نحو ٥٥ عامًا حتى حيكت حوله الأساطير، وأصبح في نظر الأجيال المتأخرة إلهًا، ومع هذا فقد أخذت نيران الثورة تشتعل ضده في جميع أنحاء الإمبراطورية قبل وفاته. ومنذ عهد سرجون أخذت العناصر السامية تسيطر من الناحيتين السياسية والحضارية, وقد بدأت اللغة الأكدية المكتوبة بالخط المسماري تحتل مكانة رفيعة, حتى أصبحت اللغة الدولية في الشرق الأدنى القديم.

стр. 424

خلفاء سرجون: خلف سرجون ابنه "ريموش" الذي اضطر للكفاح من أجل إعادة السلم في مختلف أنحاء مملكته؛ فقام بغزوات متلاحقة على كثير من أطرافها لكي يخمد الثورات فيها، ولم يستمر في الحكم طويلًا بل ذهب ضحية مؤامرة في السنة التاسعة من حكمه, وخلفه أخوه "مانيشتوسو" الذي استمر في كفاحه من أجل الإبقاء على الإمبراطورية التي شيدها أبوه, ولم يقتصر في ذلك على سياسة الغزو بل قام بتحسين الأحوال الاقتصادية والشئون الداخلية في البلاد، وقد حكم خمسة عشر عامًا ثم تبعه ابنه "نرام - سن Naram – sin" الذي تمكن من إعادة الاستقرار إلى إمبراطوريته الواسعة على الرغم من محاولة السومريين تفكيك وحدتها، وقد حكم "نرام - سن" نحوًا من أربعين عاما بذل فيها جهده في رفع شأن أمته؛ حيث شجع الفنون على اختلافها وحرص على تشييد دور العبادة وتعميرها، ومن أهم آثاره لوحه النصر, وهي تمثله على رأس جيشه منتصرًا على بعض القبائل الجبلية المعروفة باسم لولوبي "Lulubi" ومن آثاره كذلك

стр. 425

لوحة حفرت في جبل عالٍ في منطقة ديار بكر شمال العراق, جاء فيها أنه هزم بلاد "ماجان" التي تحوي محاجر الديوربت، وقد استورد منها هذا الحجر ليصنع تمثالًا لنفسه. وكان بعض المؤرخين يشك في أن "ماجان" هي مصر؛ حيث إن النصوص البابلية كانت تشير إلى مصر باسم "مالوخا" الغنية بالذهب, كما يشكون في أن "نرام - سن" هاجم مصر في أوائل عهد الأسرة السادسة, ويستدلون على ذلك بأن ببي الأول كلف وزيره أوني بالدفاع عن مصر ضد غزوات قوية وجهت إليها في شمالها الشرقي؛ ولكن أوني استطاع أن يهزم العدو عند الحدود الشمالية الشرقية لمصر؛ إلا أن هذا الرأي بعيد عن الصواب؛ لأن ماجان كانت تطلق على منطقة عمان الواقعة جنوب شبه جزيرة العرب, وهي غنية بالحجر والنحاس. وكان نرام سن آخر ملك قوي من الأكديين؛ حيث تبعه في الحكم ولده "شاركار شري" "وشار بالأكدية تعني: ملك" الذي كان ضعيفًا لم يستطع مجابهة الظروف؛ حيث اندلعت الثورات في أنحاء الإمبراطورية, وقامت الشعوب التي خضعت للأكديين تبغي إعادة استقلالها، كما انتهزت قبائل الجوتيين التي كانت تسكن في الجبال الشمالية الشرقية فرصة الضعف الذي مُنِيت به الإمبراطورية وزحفت على السهول الخصبة في بلاد النهرين, وقضت على حكم الإمبراطورية، وكان من قسوتها في حروبها أن ظل الناس في الأجيال التالية يذكرون فظائعهم لمدة طويلة، وقد وصف أحد الكتاب القدامى ذلك بقوله: "وحوش الجبال, الذين فتكوا بالناس, وسلبوا النساء من أزواجهن والأطفال من أمهاتهم, والذين اغتصبوا الحكم وقضوا على "سومر" بعد أن حملوا كنوزها معهم إلى الجبال". وبعد أن استقر الأمر لهؤلاء الغزاة فضلوا العودة إلى وطنهم في الشمال
следующие страницы →