ومن هذه الهيئات: دار الكتب المصرية، والقسم الأدبي بها، ومعهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية، ومراكز تحقيق التراث الملحقة ببعض الجامعات في العالم العربي، بجانب دور النشر البارزة التي كان يهيمن عليها علماء، وكانوا يعدون نشر التراث وتحقيقه رسالة لا وسيلة للكسب.
أضف إلى هذا وذاك بعض الشخصيات العلمية التي عرفت بالتحقيق العلمي, حتى إن الواحد منهم كان يعد مدرسة في هذا الصدد، له تلاميذه ومريدوه الذين تمرسوا على يديه المهمة الصعبة.
وكان للاتصال بالمستشرقين -ولهم سابقة في هذا المجال وسبق إليه- دور هام في نشر التحقيق، ومناهجه، والوسائل العلمية التي ينبغي أن تتبع حتى يخرج النص على صورة سليمة قويمة١.
شروط المحقق:
الباحث الذي يريد التصدي لتحقيق مخطوط عربي ينبغي أن يكون ملما بالخبرات العلمية والعملية التالية:
وأولها: المعرفة باللغة العربية بكل مستوياتها: صوتية وصرفية ونحوية، مع الخبرة بأساليبها وخصائص التعبير فيها، ولغات القبائل، والغريب.
وكذلك معرفة بالخطوط العربية، والمراحل التاريخية لتطور الخط العربي، وما يتميز به كل نوع من أنواع الخطوط، فالخط المشرقي يختلف في بعض الأمور عن الخط المغربي؛ إذ إن الأخير تتشابه فيه الفاء مع القاف في أن الإعجام بنقطة واحدة توضع فوق الحرف في القاف وتحت الحرف في الفاء.
وبجانب ذلك لا بد أن يكون على دراية جيدة بالببليوجرافيا العربية، وفهارس وقوائم الكتب العربية، المطبوع منها والمخطوط.
стр. 177
وقد قدمت في الفصول السابقة إلماما كافيا بهذه الأمور.
ثم المعرفة بأصول التحقيق وقواعده وأصول نشر الكتب.
هذه شروط عامة.
وهناك شروط خاصة تختلف باختلاف الكتاب الذي يتصدى الباحث لتحقيقه.
فإذا كان المخطوط في النحو، فلا بد أن يكون ملما بقواعد هذا العلم واصطلاحاته ومدارسه وتاريخه ونشأته وأعلامه المشهورين فيه وبالمكتبة النحوية المطبوعة, والمخطوطة.
وبجانب ذلك علوم اللغة الأخرى وآدابها، وكذا العلوم الأخرى التي تربطها بالنحو صلة ما، كالمنطق، والفلسفة، وعلم الكلام، وعلم أصول الفقه.
وكذلك إذا كان البحث بصدد تحقيق كتاب فقهي, فإنه يطالب بالإلمام بأحكام الفقه ومدارسه وأصوله، وأساليب الفقهاء، وتاريخ الفقه، ونشأة الاجتهاد، وكذلك المنطق الذي هو آلة العلماء، ثم الخبرة الكافية بالمصنفات الفقهية، المخطوط منها والمطبوع.
وقل مثل ذلك في مخطوط في العقيدة.
أو في التفسير وعلوم القرآن.
أو في الحديث الشريف وعلومه.
وهذا كله بجانب صفات خُلُقية لازمة للباحث كالأمانة في النقل، والحيدة في الحكم، والنزاهة في النقد.
وأن يتوخى الإجادة والإتقان حتى يخرج النص المحقق على أحسن وجه, وأكمل صورة.
стр. 178
أصول التحقيق وقواعده:
أصبح التحقيق في المرحلة الراهنة عملا علميا يستند إلى أصول وقواعد منهجية يلزم اتباعها, حتى يخرج النص في صورة يغلب على الظن كما قلنا: إنها أقرب صورة لما كتبه المصنف.
ولأن التحقيق في الفترة الأخيرة دخل في دائرة البحوث الجامعية، وأصبحت أعمال التحقيق مؤهلة لصاحبها للحصول على درجتي الماجستير والدكتوراه، رأيناه قد أخذ بعدًا، لم يكن مطروحا لدى كبار المحققين من العرب والمستشرقين، وذلك بأن يتحول التحقيق إلى دراسة للنص، وثوثيق النقول وتحقيق الخلاف، والترجمة للأعلام, ونحو ذلك.
وهذا البعد -كما أشرت سابقًا- كان معروفا عند أسلافنا، ومن كان يتصدى منهم لذلك كانوا يعرفون بالمحققين؛ إذ يحسمون الرأي في المسائل الخلافية باجتهاد وسط أقرب إلى الاعتدال.
لكن الالتزام بقواعد التحقيق النصي يصبح هو المسئولية الأولى، وسنبسطها هنا بإذن الله وحده.
خطوات التحقيق:
عندما يتخير الباحث كتابا من كتب التراث يتصدى لتحقيقه يكون مطالبا بالتزام الخطوات التالية حتى يخرح عمله على الصورة اللائقة، ويكون جهده في الوقت نفسه مثمرًا ومفيدًا:
الخطوات الأولى:
أن يطمئن إلى أن هذا المخطوط لم يسبق تحقيقه في مكان ما، وقد يكون سبق نشره، ولكنه مجرد نشر بدون تحقيق، مثل هذا لا بأس من تحقيقه؛ لأن النشر في بداية الأمر -كما عرفنا- كان مجرد طباعة فحسب، لكن بالتحقيق ستكون الفائدة أكبر وأعظم، وانتفاع الباحثين به أكثر.
стр. 179
وهذا الأمر يتطلب من الباحث مراسلة المؤسسات المعنية بالتحقيق, والآن صدرت مجلة عن معهد المخطوطات التابع للجامعة العربية، وفيها إشارات لأعمال التحقيق التي تقع في ساحة العالم العربي وجامعاته، بجانب مجلات كثيرة لها هذا الاهتمام.
وهناك جمعية إحياء التراث بالكويت ولها مراكز للمخطوطات, وتتصدى لمثل هذا الأمور١.
الخطوات الثانية:
جمع أكبر قدر متاح من نسخ المخطوطة المراد تحقيقها.
ويمكن الحصول عليها بمتابعة فهارس المخطوطات التي أثبتنا أكثرها في الفصل السابق؛ لتكون بين يدي الباحث، بالإضافة إلى المجلات والدوريات المعنية بالتراث عربية وأجنبية، نذكر منها ما يلي:
١- مجلة اللغة العربية، بالقاهرة.
٢- مجلة المجمع العربي، بدمشق.
٣- مجلة المجمع العربي العراقي، ببغداد.
٤- مجلة التراث العربي، بدمشق.
٥- مجلة اللسان العربي، بالرباط.
٦- مجلة معهد المخطوطات العربية، بالقاهرة "الكويت الآن".
٧- مجلة "اليونسكو للمكتبات، بالقاهرة".
٨- مجلة "مجمع اللغة العربية، بعمان".
стр. 180
٩- مجلة "عالم الكتب, بالرياض".
١٠- النشرة البيلوجرافية اللبنانية, دار الكتب الوطنية, بيروت.
١١- البيلوجرافيا الجزائرية, المكتبة الوطنية, الجزائر.
١٢- إعلامات بيلوجرافية, دار الكتب الوطنية, تونس.
ومن الدوريات الأجنبية المعنية بشئون المخطوطات العربية:
١- المجلة الآسيوية الفرنسية, ورمزها: JAF.
٢- مجلة الإسلاميات "إسلاميكا" ورمزها: ISIGA.
Journal Asia Tique Franciais
Islamica. Ed A. Fischer et E. Leipzig. ١٩٢٧
٣- مجلة الدراسات الإسلامية, ورمزها: REI
Revue des Etudes IsIamiques.
٤- مجلة عالم الإسلام، ورمزها: RMM.
Revue Du Monde Musulman
وهناك دوريات كثيرة بالعربية واللغات الأوروبية غير ما ذكرت.
وارجع إلى: الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية, رودي بارت, ترجمة الدكتور مصطفى ماهر, القاهرة، وكذلك مثال:
ما أسهم به المستشرقون الأسبان في الدراسات الأندلسية الإسلامية، د. محسن جمال الدين, مجلة المورد, بغداد مجلد ٩ عدد ٤ سنة ١٤٠١هـ -١٩٨١م, والمستشرقون للأستاذ نجيب العقيقي، واقرأ كذلك بروكلمان في تاريخ الأدب العربي، واقرأ تاريخ التراث لفؤاد سزكين.
стр. 181
المرحلة الثالثة: اعتماد النسخة الأصل
قد يكشف البحث عن نسخ أخرى للمخطوط أنه ليس له إلا نسخة واحدة فريدة، وعند ذاك لا مفر من الاعتماد واعتبارها أصلًا.
وقد حققت كتب كثيرة اعتمادًا على نسخة واحدة, ومن ذلك:
١- كتاب شرح أبيات سيبويه، لأبي جعفر النحاس "٣٥٨هـ".
ولا توجد له إلا مخطوطة واحدة محفوظة بمكتبة أحمد الثالث بطوب قبو في إستانبول تحت رقم ٢٦٣٥.
وقد اعتمد هذه النسخة المحققان: د. زهير غازي زاهد في طبعته الأولى سنة ١٩٧٤ النجف بالعراق، والأستاذ أحمد خطاب في طبعته الأولى سنة ١٩٧٤، مطابع المكتبة العربية في حلب.
٢- التوطئة لأبي علي الشلوبين "٦٤٥هـ" وليس لهذا الكتاب إلا نسخة وحيدة محفوظة في دار الكتب المصرية تحت رقم "٦٦٨هـ" نحو تيمور، وقد اعتمدها د. يوسف أحمد المطوع، وحقق هذا الكتاب وصدرت طبعته الأولى سنة ١٩٧٣م.
٣- كتاب منال الطالب شرح طوال الغرائب، لأبي السعادات مجد الدين بن الأثير المتوفى سنة ٦٠٦هـ، لا توجد له إلا نسخة وحيدة احتفظت بها الخزانة العامة بمدينة الرباط، بالمغرب تحت رقم ١٨٢ أوقاف، وقد اعتمد الدكتور محمود الطناحي هذه النسخة في تحقيق الكتاب، وصدر في مجلد واحد عن مركز البحث العلمي وتحقيق التراث، بجامعة أم القرى، مكة المكرمة ١٩٨٤.
تعدد النسخ:
أما إذا تعددت النسخ، وتفاوتت درجاتها من حيث الزمن وجودة الخط، وشخصية الناسخ ونحو ذلك، فإنه يلزمنا أن نعمل مفاضلة نستخرج على أساسها نسخة نعدها أصلا، نقابل عليه النسخ الأخرى وتذكر وجوه الاختلاف بينها.
стр. 182
وتقوم المفاضلة على الأسس التالية، أو قل: على هذا الترتيب من حيث الأهمية:
١- النسخة المكتوبة بخط المؤلف.
٢- النسخة التي أملاها المصنف على طلابه.
٣- نسخة قرأها المؤلف بنفسه، وكتب بخط يده عليها ما يثبت قراءته لها.
٤- نسخة قرئت على المؤلف, وأثبت عليها ما يفيد سماعه لها.
٥- نسخة منقولة عن نسخة المؤلف، أو قوبلت على نسخة المؤلف.
٦- نسخة كتبت في عصر المؤلف، وأثبتت عليها سماعات من العلماء.
٧- نسخة كتبت في عصر المؤلف وليس عليها سماعات.
٨- نسخة كتبت بعد عصر المؤلف وليس عليها سماعات.
وهناك اعتبارات أخرى تجعل بعض النسخ أولى من بعض في الثقة كصحة المتن، ودقة الكاتب, وقلة الإسقاط١.
وإذا كان بين أيدينا نسختان: نسخة قديمة كثيرة التصحيفات، والتحريفات, والنقصان، وأخرى حديثة لكنها صحيحة, فالأولى الاعتماد على الحديثة الصحيحة؛ لأن سلامة النسخة الحديثة يكون راجعًا إلى كونها مكتوبة بخط ناسخ محقق، له دراية فأصلح الخطأ وقومه أثناء عملية النسخ، وقد تكون النسخة الحديثة منقولة عن نسخة أخرى قديمة صحيحة، وتسرب إليها التلف.
أيا ما كان الأمر، فإن هذا المنهج الذي ذكرناه في الموازنة بين النسخ المتعددة أفضل بكثير من المنهج الذي ذكره برجستراسر في المفاضلة بين النسخ؛ إذ جعله قائمًا على الأسس التالية:
١- النسخ الكاملة أفضل من النسخ الناقصة.
٢- الواضحة أحسن من غير الواضحة.
стр. 183
٣- القديمة أفضل من الحديثة.
٤- النسخ التي قوبلت بغيرها أحسن من التي لم تقابل١.
ذلك لأن هذه الأسس عامة وينقصها التحديد الدقيق لتتم على أساسها المفاضلة، وقد ذكر برجستراسر في محاضراته التي ألقاها على طلبة كلية الآداب، وهي تعد في طليعة ما كتب عن قضية تحقيق النصوص، أن هناك كتبا حققت، ولم تلتزم هذه القواعد، ومنها:
١- كتاب اللمع في التصوف، لأبي نصر عبد الله بن علي بن محمد بن يحيى السراج الطوسي، الصوفي، المتوفى سنة ٣٧٨ والذي نشره رينولد نيكلسون سنة ١٩١٤ في ليدن، وله مخطوطتان كتبت أقدمهما سنة ٥٤٨هـ، وكتبت الأخيرة منهما سنة ٦٣٨هـ والقديمة فيها نقص يصل إلى نحو ثلث الكتاب, والموجود منها غير مرتب ترتيبًا واضحًا، فبنى الناشر طبعته على النسخة الحديثة، ولم يستعمل القديمة إلا في بعض المقابلات لتصحيح النص.
وخروج الناشر هنا عن القاعدة صحيح, لما ذكرناه سابقًا؛ لأن قدم النسخة في حد ذاته ليس مسوغا كافيا.
٢- عيون الأنباء في طبقات الأطباء، لموفق الدين أبي العباس أحمد بن القاسم بن أبي أصيبعة بن خليفة السعدي الخزرجي، نشره المستشرق أوجست موللر، كتبت نسخته القديمة سنة ٧١٢هـ، أي: بعد وفاة المؤلف بأقل من نصف قرن، وأخطاؤها كثيرة، وأحسن منها نسخة أخرى أحدث منها بثلاثة قرون أي: إنها كتبت سنة ١٠١٧هـ، لكنها وإن كانت فاسدة في بعض أجزائها إلا أنه يبدو أنها نسخت من أصل قديم جيد؛ لأن أخطاءها قليلة٢.
стр. 184
ومن هنا كان الناشر على صواب في عدوله عن القديمة.
وإذا تعددت النسخ وهي غير مؤرخة، فعلى الباحث أن يجد في البحث عن القرائن والشواهد والأمارات التي تميز واحدة من الأخرى تأتي بين السطور أو على الهوامش كاسم الناسخ، وعصر النسخ، ونوع الخط وطريقة الكتابة، والورق والحبر المستعملين في عملية النسخ، فإذا لم توجد أمارة ما اعتمدت جميع النسخ.
المرحلة الرابعة: توثيق نسبة المخطوطة:
وهذه قضية بالغة الأهمية أن يتعرف المحقق مؤلف الكتاب الذي يريد تحقيقه، إذا لم يكن مكتوبًا على الصفحة الأولى للمخطوط.
ويمكن محاولة ذلك بقراءة جيدة للنص المخطوط، فقد يعثر القارئ على اسم المؤلف، أو على عصره، أو يذكر أثناء الصفحات اسم أحد شيوخه، وقد يعرض آراء منسوبة إلى المؤلف المجهول، وهذه الآراء معروفة لدى جمهرة العلماء صاحبها وقائلها.
وفي أغلب الظن سيعثر الباحث على أمارات، أو إشارات تدل على مؤلف بعينه يغلب على الظن نسبة المخطوط إليه، أو على الأقل تضييق دائرة الظنون.
وإذا لم نصل إلى القطع يمكن أن ينشر النص المخطوط وتيسر قراءته للناس، ويذكر المحقق جهوده التي بذلها وما انتهى إليه الأمر بشأنها.
وإذا ذكر للمخطوط مصنف معين فلا يعفينا هذا من توثيق ما كتب.
وذلك بإحدى الوسائل الآتية:
أ- قراءة النص لعل الباحث يجد فيه ما يؤكد خطأ النسبة المثبتة على الصفحة الأولى، أو ما يشير إلى علم آخر هو أولى بنسبة المخطوط إليه.
ب- فهارس المؤلفين والكتب.
جـ- كتب التراجم والطبقات.
стр. 185
د- فهارس المكتبات العامة والخاصة، بما فيها من مخطوط ومطبوع.
وهذه بعض الشواهد لما توصلت إليه اجتهادات الباحثين من نتائج هامة في قضية التوثيق:
١- كتاب تنبيه الملوك والمكايد، منسوب للجاحظ "٢٥٥هـ" ومخطوطته بدار الكتب المصرية رقم ٢٣٤٥ أدب, درس نصه الأستاذ عبد السلام هارون فوجد بين سطوره ما ينفي هذه النسبة تمامًا؛ إذ وجد من بين أبوابه: نكت مكايد كافور الإخشيدي، ومكيدة توزون بالمتقي بالله، وكافور الإخشيدي كان يعيش في الفترة بين سنتي ١٩٢-٢٥٧هـ، والمتقي كان يعيش في الفترة بين سنتي ٢٩٧-٣٥٧هـ أي: بعد وفاة الجاحظ بنحو أربعين سنة.
كما أن أسلوب المقدمة يتعارض تمامًا مع ما عرف من خصائص لأسلوب الجاحظ١.
٢- إعراب القرآن المنسوب للزجاج "٣١١هـ" المنشور في سلسلة تراثنا سنة ١٩٦٣ بتحقيق إبراهيم الإبياري غلب على ظن محققه أنه من تأليف مكي بن أبي طالب القيرواني سنة ٤٣٧هـ، ولكن لو تدبرنا نص الكتاب نجد أنه ذكر الرأي النحوي القائل بأن اسم الفعل قسم رابع للكلمة، والنحويون ينسبون هذا الرأي لأبي جعفر أحمد بن صابر الذي عاش في القرن السابع, مما يشير إلى أن مؤلف الكتاب معاصر لابن صابر أو متأخر عنه.
٣- شرح ديوان المتنبي، نسب إلى أبي البقاء العكبري، المتوفى ٦١٦هـ وطبع أربع طبعات, منها: طبعة بولاق سنة ١٢٨٧هـ وآخرها طبعة الحلبي سنة ١٣٩١هـ، بتحقيق مصطفى السقا، وإبراهيم الإبياري، وعبد الحفيظ شلبي.
стр. 186
وقد انتهى الأستاذ مصطفى جواد إلى أنه من تأليف: عفيف الدين علي بن عدلان الموصلي المتوفى سنة ٦٦٦.
وهذه النتيجة ثمرة لقراءة متأنية لمضمون الكتاب، فاكتشف هذه القرائن:
أ- البكري كان ضريرًا، وترجم له الصفدي في "نكت الهميان" ثم تجد في مقدمة الكتاب أن مؤلفه قرأ الديوان على الشيخ مكي بن ريان الموصلي.
ب- يذكر الشارح أثناء الشرح أنه انحدر من الموصل مارا بسامرا، ورأى موضع الغيبة المعروف عند الشيعة الإمامية.
جـ- ذكر أنه نقل بخطه فوائد من كتاب الأمالي لابن الشجري.
هذه الشواهد لا تنطبق على عالم ضرير، فقد بصره وهو شاب ولم يترك بغداد إلا إلى مواضع قريبة منها، وإنما هذه الأوصاف تنطبق على رجل آخر، هو سمي العكبري، وانتهت حياته في منتصف القرن السابع، وهذه الأوصاف تنطبق عليه، وهو الذي ورد اسمه أثناء الشرح١.
والمطلع على فهارس المكتبات العامة والخاصة يجد أن مؤلفيها كشفوا عن خطأ النسبة لبعض الكتب إلى مؤلفين غير مؤلفيها، أو اختلاف في نسبتها إلى أكثر من مؤلف.
ومن ذلك ما جاء في الفهرست لابن النديم؛ إذ قال عن الفتح بن خاقان: وله من الكتب كتاب البستان, منسوب إليه، والذي ألفه رجل يعرف بمحمد بن عبد ربه، ويلقب برأس البغل.
المرحلة الخامسة: ضبط عنوان الكتاب، واسم المؤلف
قد يذكر للمخطوط العنوان الذي وصفه له مؤلفه على الصفحة الأولى، أو ذكره في مقدمة كتابه، أو أشار إليه في خاتمة الكتاب، أو أثنائه.
стр. 187
وقد يأتي المخطوط بلا عنوان، وذلك يرجع لضياع الورقة الأولى، أو يكون هناك خرق في موضع العنوان بفعل الأرضة, أو بتلاعب النساخ والتجار لحاجة في نفوسهم، أو يكون العنوان مطموسًا بسبب الرطوبة.
وهناك وضع ثابت بأن يأتي المخطوط وقد تغير عنوانه إما للجهل بعنوانه، أو تزييف العنوان لأهداف شخصية، أو تجارية، أو بسبب اجتهاد خاطئ.
في الحالتين الأخيرتين يمكن التعرف على العنوان الصحيح للكتاب بما يأتي:
١- القراءة المتأنية للكتاب.
٢- الرجوع إلى فهارس الكتب للوقوف على العنوان، وذلك بذكر موضوع الكتاب، أو مؤلف الكتاب.
وسنسوق شاهدًا واحدًا على الخلط في عناوين الكتب المخطوطة، وكيف كشف البحث عن الزيف والتلفيق الذي يحدث في بعض عناوين الكتب:
كتاب الروضة الندية في شواهد علوم العربية، منسوب لابن هشام الأنصاري، والكتاب مخطوط ومحفوظ في مكتبة برلين برقم ٦٧٥٢.
وكثير من الباحثين ذكروا هذا المؤلف بين مؤلفات ابن هشام، ومنهم فايز فارس في مقدمة كتاب اللمع لابن جني، على أساس أن الكتاب شرح لشواهد "اللمع" كما ذكر ذلك أيضًا الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد في مقدمة كتاب أوضح المسالك، كما قال ذلك أيضًا د. عبد العال سالم مكرم في مقدمة كتابه: المدرسة النحوية في مصر والشام، والدكتور أحمد محمود الهرميك أشار إلى ذلك في مقدمة كتاب الجامع الصغير لابن هشام.
والحقيقة التي هدى إليها البحث: أن الكتاب المسمى الروضة الندية هو بعينه كتاب الاقتراح في أصول النحو للسيوطي، وقد كشف هذا التلاعب وأثبته، ومن أحضر صورة
стр. 188
الكتاب من مكتبة برلين، وطابقها مع كتاب الاقتراح تأكدت له النتيجة١.
وهناك شاهد آخر على اختلاف العناوين وتعددها:
كتاب شرح الأبيات المشكلة الإعراب من الشعر, لأبي علي الفارسي النحوي "٣٧٧هـ".
محقق الكتاب د. علي جابر المنصوري, ذكر في المقدمة ما يلي: "ولقد جاء اسم هذا الكتاب بأشكال مختلفة، سواء على ظهر المخطوطة أو في المصنفات الأخرى، فقد ذكر باسم: أبيات الإعراب, كتاب الشعر, الشعر العضدي, شرح الأبيات المشكلة الإعراب من الشعر.
ويبدو لي أن الاسم الأخير هو الاسم الكامل للكتاب، وقد آثرنا هذه التسمية لأنها وردت في كتاب "الحجة" أولا، ولأنها أقرب إلى واقع المضمون فيها ثانيًا"٢.
وتبقى بعد ذلك مهمة المحقق في أن يتخير الاسم الملائم لمضمون الكتاب، أو لقرائن أخرى تدل عليه.
وأما أسماء المؤلفين, فيقع فيها الخطأ نتيجة التشابه بين الأسماء, منها اسم الأب مع الابن، وأحيانا مع الجد، أو يقع التشابه في الكنى والألقاب، فهناك -مثلا- الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي "١٧٥هـ" وهناك الخليل بن أحمد أبو عبد الله المتوفى سنة ٢٧٩هـ، ومن هنا نسب الدكتور رمضان عبد التواب إلى الأول كتاب معاني الحروف سنة ١٩٦٩م، ثم جاء الدكتور رمضان ششن في كتابه نوادر المخطوطات العربية في مكتبات تركيا ١/ ٤٥٩، ونص على أن هذا الكتاب وكذلك كتاب جمل الإعراب للثاني "٣٧٩هـ".
стр. 189
وكذلك تعددت في كتب التراث اسم ابن تيمية: الابن والأب والجد، وكذلك الإبياري: أبو البركات أو أبو بكر، ومن هنا فمن واجب المحقق أن يرجع إلى كتب الفهارس، والتراجم، والكتب التي عنيت بالمؤتلف والمختلف، والمتشابه, ونحو ذلك، وفي تراثنا منها كثير، وذلك ليضبط الاسم ضبطا صحيحًا قويمًا.
المرحلة السادسة: المقابلة بين النسخ:
عندما ينتهي المحقق إلى نسخة يعدها أصلًا، ويرمز إليها برمز معين، وليكن هذا الرمز هو الحرف "أ" أو "ص" أو "صل" ثم يأتي إلى النسخ الأخرى، ويجعل لكل منها رمزًا يعينها بأن يرمز إليها بحرف من حروف الهجاء أو برمز يشير إلى ناسخها، أو المدينة الموجودة فيها, أو المكتبة التي تحتويها.
فالباحث أو المحقق ينسخ نسخة الأصل على أوراق مناسبة، ينسخ نحو نصف الصفحة ويترك النصف الأسفل لإثبات ما تسفر عنه المقابلة بين النسخ مما يأتي:
١- الزيادة والنقصان.
٢- بياض أو خروم.
٣- أخطاء, أو تصحيف، أو تحريف.
والمحقق إزاء هذه الأمور المشار إليها مطالب بأمرين:
أولهما: إثبات الفروق بين النسخ.
وهذه هي المرحلة الأولى في التحقيق، وتعرف بالتحقيق الابتدائي١.
جاء في معجم المصطلحات العربية: التحقيق الابتدائي، مصطلح يطلق على
стр. 190
المرحلة الأولى في تحقيق النصوص القديمة من جمع النسخ للمؤلف المخطوط، ومعرفة تاريخها، ومقابلتها بعضها ببعض، وذكر كل الاختلافات بينها، واختيار الأقرب منها للصواب حتى يكون أساسًا للتحقيق النهائي١.
والآخر: تقويم النص بالتصويب والتكملة والتعليق.
تقويم النص:
لا نكتفي بإثبات الفروق بين النسخ، ولكننا نقوم معوجها، ونعالج خطأها.
ويمكن تعريف تقويم النص بأنه: تحرير النص في شكل يجعله أقرب ما يكون إلى الصورة التي كتبها مؤلف الكتاب.
والفساد الذي يطرأ على النص في شكل صورة من الصور السابقة يرجع إلى سهو المؤلف, أو من غفلة الناسخ، أو جهله، أو تعمده لغاية "ما" أو بسبب من الإهمال ومؤثرات الجو الطبيعية.
ومظاهر الفساد التي تحتاج إلى تقويم تتمثل في:
١- التصحيف.
٢- التحريف.
٣- الخطأ.
ويمكن كشف هذا الفساد بالقراءة المتأنية للنص والخبرة بأسلوب المؤلف، وكذا مراجعة كتبه الأخرى إن تيسرت، أو مراجعة الكتب المؤلفة في المادة موضوع المخطوط.
ولتقويم هذه المظاهر الثلاثة طريقتان:
الأولى: أن نبقي في النص الكلمة التي وقع فيها التصحيف أو التحريف أو
стр. 191
الخطأ، ثم يوضع عليها رقم، ويذكر الصواب في الهامش، مع التعليل أو بدونه, مع الإشارة إلى نوع الخطأ.
والأخرى: أن يذكر التصويب في صلب المخطوط، ثم نذكر في الهامش الكلمة على حالتها الأولى مع الإشارة إلى ما حدث فيها، وهذه الطريقة أولى وأجدى.
أما إذا كشفت المقابلة عن خروم أو بياض، فلنا أن نشير إلى أن هذا بياض أو خروم في الأصل، أو نأتي بعبارة تنسجم مع السياق توضع بين معقوفين، وتشير في الهامش إلى أنه من تأليف المحقق، ومكانها بياض في الأصل١.
وإذا كشفت عن زيادة كلمة أو عبارة أو سطر في نسخة وعدم وجودها في نسخة أخرى، فإن كانت الزيادة في نسخة الأصل فقط، أو في الأصل وبعض النسخ الأخرى، تثبت الزيادة ويوضع لها رقم, ويشار في الهامش إلى أنها موجودة في كذا وغير موجودة في كذا.
وإن كانت الزيادة في غير نسخة الأصل والسياق يتطلبها، توضع مع الأصل بين قوسين، ويشار في الهامش إلى النسخة التي فيها الزيادة، أما إذا كان السياق لا يقتضيها فيوضع رقم في الأصل على الموضع الذي كان ينبغي أن توضع فيه، وتثبت الزيادة في الهامش ويشار للنسخة التي وجدت بها.
وهذا التقويم الخاص بعملية الزيادة والنقصان داخل في مرحلة التحقيق الابتدائي.
أما تقويم الفساد بمظاهره الثلاثة فيدخل في مرحلة التحقيق النهائي التي هي إلى العلم والخبرة والفطنة أقرب منها إلى الصنعة.
стр. 192
أمور يكتمل بها التحقيق:
١- التخريج.
٢- التعليق.
٣- التشكيل.
٤- الترقيم.
٥- التهميش.
٦- الفهارس "التكشيف".
١- التخريج:
مصدر خرّج, ويراد به: إرجاع النصوص المنقولة إلى مصادرها الرئيسية التي استمدها منها المؤلف.
وعرفه بعض المعاصرين بأنه: "تحديد مواطن النقول في النص، وتصحيحها، وضبطها وإكمالها ونسبة ما لم ينسب منها إلى مصادره, وأصحابه"١.
وأصل هذا المصطلح: أنه يستخدم في علوم الحديث، ثم توسع في استخدامه فأصبح يستعمل فيما يأتي:
١- الآيات القرآنية.
٢- القراءات القرآنية.
٣- الأحاديث النبوية.
٤- الأقوال المأثورة.
٥- الخطب والوصايا والأمثال.
٦- الشعر والرجز.
٧- الآراء والأقوال.
٨- العبارات والجمل التي لها تميز خاص.
стр. 193
ومما يضاعف من قيمة التخريج أن أكثر كتب التراث أو كلها لا تهتم بذكر أكثر من النقول منسوبة إلى مصادرها, اعتمادًا على أن ذلك في عصرهم كان في حكم المعارف الميسورة أو البدهيات.
٢- التعليق:
التعليق: مصدر علّق, وفي المعجم الوسيط: علق على كلام غيره: تعقبه بنقد, أو بيان، أو تكميل، أو تصحيح، أو استنباط.
ويضيف صاحب معجم مصطلحات الأدب واللغة إلى ذلك: أنه يشمل التفسير الطويل أو القصير ما ورد في النص منسوبًا إلى مؤلف النص, أو إلى غيره١.
التعليق إذًا مصطلح من مصطلحات تحقيق التراث، ومن الأمور الهامة التي يكتمل بها هذا العمل العملي، وهو يرادف ما كان معروفا من قديم باسم: الحاشية، وهو خواطر علمية وأفكار تتصل بالنص المؤلف يثبتها على حاشية الكتاب مؤلفه، أو عالم آخر درس هذا الكتاب واهتم به، وأهم الأمور التي تتطلب التعليق عليها:
١- الكلمات الغريبة.
٢- المصطلحات العلمية غير المشهورة.
٣- الأعلام وبخاصة المغمورة منها وغير المشهورة.
٤- المواضع الغامضة أو المشتبهة.
٥- ما يذكر المؤلف من إشارات تاريخية, أو أدبية، أو دينية إذا كانت غير مشهورة.
٦- إكمال ما ينبغي إكماله من عبارات الكتاب.
٧- الإشارة إلى المواضع التي يحيل إليها المؤلف في كتابه.
стр. 194
٣- التنقيط والتشكيل:
التنقيط، والمراد به: النقط المزيل للإعجام، والكلمات المنقوطة تسمى معجمة، أي: أزيلت عجمتها التي كانت عليها عندما كانت مبهمة أي: بدون نقط.
بعض كتب التراث لا يهتم بالنقط كما ينبغي، فيصبح من مهمة المحقق أن يحافظ على النقط ويلاحظ ما أهمله صاحب المخطوط.
يذكر الدكتور عبد الهادي الفضلي: أن كتاب الناسخ والمنسوخ للعتائقي، والذي قام بتحقيقه متعمدًا على نسختين, كانت إحداهما مهملة التنقيط إهمالا يكاد يكون تاما١.
وأما التشكيل فيراد به حركات الإعراب، أو البناء، أو حركات البنية، وهو هام في الآيات القرآنية والكلمات الغريبة والأعلام المشتبهة من أسماء الناس والأماكن ونحوها، وكذلك في مواضع يمكن أن يصعب فيها الفهم في حالة عدم التشكيل.
٤- علامات الترقيم:
مضى فيها حديث مفصل في الباب الأول من هذا المصنف، وهو الخاص بأصول البحث العلمي.
٥- التهميش:
هو مصدر الفعل "همّش" وهمّش الكتاب: علق هامشه، والهامش: حاشية الكتاب، والكلمة مولدة كما جاء في القاموس المحيط مادة "همش".
والكلمة تستعمل الآن في كل شيء بعيد عن جوهر الشيء وحقيقته, أو ليس أساسيا فيه.
ويتم هذا العمل بوضع رقم على المكان الذي يراد التعليق عليه أو تخريجه، وتكتب المعلومة في الهامش إزاء هذا الرقم نفسه.
стр. 195
وهناك طريقتان للتهميش:
الأولى: أن توضع لكل صفحة هوامشها الخاصة بها أسفلها، وهي الأكثر شيوعًا.
والأخرى: أن تؤخر الهوامش وتوضع في ملحق آخر الكتاب.
ويذهب آخرون إلى طريقة وسط وهي: وضع هوامش المقابلات أسفل الصفحات، أما هوامش التعليق والتخريج فتوضع في ملحق آخر الكتاب.
طرق التهميش:
١- بالنسبة للآيات القرآنية: يذكر رقم السورة ثم رقم الآية هكذا: ٩/ ١٥٧ أو اسم السورة ورقم الآية مثل: سورة النساء آية: ٩٢، أو رمز السورة ورقمها، ورمز الآية ثم رقمها: س: ٣ آ: ٣٥.
وقد يبدأ بالآية ثم السورة مثل: آية ٤٦ سورة الأعراف.
تهميش تخريج النقول غير الآيات القرآنية:
إذا كان الغرض من التهميش ذكر مصدر لم يذكر من قبل يتم على الوضع التالي:
اسم الكتاب، فاصلة، اسم المؤلف ولقبه، اسم المحقق أو المترجم, فاصلة، مكان الطبع: نقطتان، الناشر، وتاريخ النشر ومكانه بين قوسين، رقم الطبعة، نوع الطبعة, بين خطين صغيرين, رقم الجزء فرقم الصفحة، مثال ذلك: الكشف عن القراءات السبع وعللها لمكي بن أبي طالب تحقيق محيي الدين رمضان بيروت، مؤسسة الرسالة سنة ١٩٨١م، ط ٢٠ جـ٢ ص٢٢٥.
وإذا كان للكتاب أكثر من مؤلف أو من محقق يذكر الأول ثم يقال: وزميله أو زملاؤه.
وفي حالة تكرار ذكر المرجع يكفي اسم المرجع والجزء والصفحة، مثل: وفيات الأعيان جـ٣ ص٩٥.
стр. 196
وإذا كان له أكثر من طبعة لا بد من ذكر الطبعة التي رجع إليها، وإذا كان له أكثر من تحقيق أو محقق يذكر المحقق الذي أخذت من تحقيقه.
وإذا لم يذكر رقم الطبعة لأن الكتاب طبع عدة مرات عن طريق جهات مختلفة, يذكر محل وتاريخ الطبع واسم المحقق أو الناشر.
وإذا كان المرجع من كتب الأحاديث التي اعتمد لها رموز معينة, يمكن أن تعتمد على الرمز في التهميش، وفي فهرس المراجع يذكر المرجع كاملًا ومعه رمزه.
وفي الباب الخاص بأصول البحث العلمي قدمنا فكرة موجزة عن التهميش.
٦- الفهارس:
الفهرسة أو التكشيف هو عمل الكشافات والفهارس.
والفهرس -كما جاء في القاموس المحيط- الكتاب الذي تجمع فيه الكتب، وهو معرب "فهرست"١.
وفي المعجم الوسيط شرح لعبارة فهرس كتاب أي: جعل له فهرسًا، ثم يعرف الفهرس بأنه: الكتاب الذي تجمع فيه أسماء الكتب مرتبة بنظام معين، وملحق يوضع في أول الكتاب أو آخره يذكر فيه ما اشتمل عليه الكتاب من الموضوعات والأعلام والفصول والأبواب, مرتبة بنظام معين، معرب فهرست الفارسية٢.
وتضبط هذه الكلمة بكسر الفاء وسكون الهاء وكسر الراء, وقد دخلت العربية في زمن مبكر؛ إذ ورد استعمالها في العصر العباسي كالفهرست لابن النديم ٣٨٥هـ, والفهرست لأبي جعفر الطوسي ٤٦٠هـ.
ويقابلها بالعربية كلمة "ثبت" وقد استخدمت بمعنى فهرس في زمن مبكر جدا.
стр. 197
يقول ابن النديم في الفهرست في ترجمة النضر بن شميل "٢٠٣هـ": وله من الكتب "كتاب الصفات" وهو كتاب كبير ويحتوي على عدة كتب، ومنه أخذ أبو عبيد القاسم بن سلام كتابه "غريب المصنف".
قرأت بخط أبي الحسن بن الكوفي "ثبت كتاب الصفات" على ما قد ذكرته١.
وقد استخدمت حديثا كلمة "كشاف" بمعنى "ثبت" أو "فهرس" وهي لم تدخل بعد المعاجم العربية، وإن دخلت في المصطلحات المكتبية مرادفة للكلمة الإنجليزية "Indox".
ومما يستعمل أيضًا بمعنى "ثبت" أو "فهرس" كلمة "محتوى" أو "محتويات" وهو استخدام محدث أيضًا٢.
واستخدمت كلمة "مسرد" -بكسر الميم وسكون السين وفتح الراء- بمعنى ثبت أو فهرس، وإن كان هذا الاستخدام لم تشر إليه المعاجم المعاصرة، ولعله مأخوذ من سرد الحديث وتواليه، فأشبه توالي الموضوعات في الفهرس.
نخلص من هذا إلى أن الفهرس له استخدامان:
١- الكتاب الذي يجمع أسماء الكتب، مثل: الفهرست لابن النديم، وفهارس المكتبات.
٢- القائمة التي تفهرس موضوعات الكتاب ومحتوياته.
وفهرس موضوعات الكتاب, له صورتان:
أ- عرض مجمل لعناوين الأبواب والفصول ونحوها, وهذا فهرس إجمالي.
ب- عرض شامل للموضوعات الجزئية التي تندرج تحت الأبواب والفصول، وهذا فهرس تحليلي.
стр. 198
أما موضوع الفهرس من البحث، فذاك مجرد اصطلاح وعرف.
فالباحثون الإنجليز يضعون فهارسهم في أول الكتاب.
والباحثون الفرنسيون يضعون الفهرس آخر الكتاب.
وأما الكتب العربية، فأحيانا تضع الفهارس أول الكتاب, وأحيانًا في آخره١.
ولأهمية الفهرسة اتسعت آمادها وصورها زيادة في تيسير الفائدة للباحثين، فأصبحت تتناول أشياء كثيرة٢.
وعلى سبيل المثال: وضع الدكتور صبحي الصالح محقق كتاب نهج البلاغة، اختيار الشريف الرضي, عشرين فهرسًا للكتاب "بيروت ١٩٦٧ط١" ووضع الشيخ محمد عبد الخالق عضيمة "القاهرة ١٣٨٨هـ" أربعة عشر فهرسًا لكتاب المقتضب للمبرد الذي قام بتحقيقه.
ووضع الدكتور محيي الدين رمضان لكتاب الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها اثني عشر فهرسًا هي: مقدمة التحقيق, موضوعات الكتاب, الآيات, الأخبار والآثار, أسباب النزول والتفسير, مسائل الإعراب والاشتقاق, الشعر, اختيار مكي, الأعلام, الأقوام والأماكن ونحوها, مصادر المؤلف, مصادر التحقيق ومراجعه.
وضع المحققان د. مازن المبارك والأستاذ محمد علي حمد الله عشرة فهارس لمغني اللبيب لابن هشام "بيروت ١٩٥٩ ط٥" وهي: الآيات، والأحاديث، والأمثال والأقوال المأثورة، والشعر، والأعلام، والقبائل، والأماكن، والكتب المذكورة في المغني، والمراجع، وأبواب المغني.
стр. 199
في نهاية التحقيق:
عندما يصل الباحث إلى نهاية التحقيق, يجد نفسه مطالبًا بأمرين:
أولهما: مقدمة التحقيق.
والآخر: الخاتمة.
ثم ثبت المصادر والمراجع في آخر الفهارس.
المقدمة:
برغم اسمها، وأنها أول ما يقدم من شيء أخذًا من مقدمة الجيش، لكنها آخر ما يكتبه الباحث؛ نظرًا لأن المعلومات المطلوب تناولها لا يستطيع المحقق تحصيلها إلا بعد الفراغ من عملية التحقيق.
وقد سبق لنا حديث عن المقدمة عند حديثنا عن قواعد البحث العلمي, لكن مقدمة التحقيق تختلف عن مقدمة أي بحث من البحوث التي يتصدى لها أهل العلم.
وقد عرف بعض الباحثين المقدمة بأنها: "فصل يعقد في أول الكتاب, يمهد لمضمونه"١.
وتنطق بتشديد الدال مفتوحة، أو مكسورة، والتزم ثعلب فتح الدال.
ومقدمة المحقق ينبغي أن تشمل النقاط التالية:
١- تعريف عام بالكتاب المخطوط.
٢- مقارنة بالمؤلفات المشتركة معه في موضعه، سابقة ولاحقة لإبراز أهميته.
٣- التعريف بالمؤلف وذكر مصادر ترجمته.
٤- تقديم بيان وصفي للمخطوط من حيث عدد الصفحات، ومقاس الصفحة
стр. 200
وعدد الأسطر في الصفحة، وعدد كلمات السطر، ونوع الخط، ونوع الحبر ولونه, ونوع الورق.
٥- اسم الناسخ إن وجد، والتعريف به، وبتاريخ النسخ، وذكر القراءات والسماعات والتملكات وما إليها إن وجدت.
٦- وصف النقوص والتغيرات والزيادات والإضافات والاختلافات بين النسخ.
٧- ذكر طريقة التحقيق والتعليق التي يسير عليها المحقق، وكذا الصعوبات التي مرت به.
٨- ذكر أمور يرى المحقق فائدة من ذكرها, في مجال التحقيق.
٩- تتبع المقدمة بذكر صور لبعض صفحات المخطوط.
وأما الخاتمة التي ينهي بها تحقيقه للمخطوط, فتتضمن بعض النتائج التي حصل عليها من خلال معايشته لعمليات التحقيق، وكذا بعض النتائج العلمية التي انتهى إليها من خلال دراسته للكتاب الذي حققه.
стр. 201
المصادر والمراجع:
سبق لنا حديث عن المصادر والمراجع ونحن نتحدث عن قواعد البحث العلمي, ونعيد القول مرة أخرى هنا؛ لنؤكد أهمية ذكر المصادر والمراجع في تحقيق التراث.
والمصادر والمراجع في عملية التحقيق لها صور ثلاث:
أ- أولاها: نسخ المخطوطة التي يقوم الباحث بتحقيقها؛ إذ هي من المصادر الضرورية.
ب- ثانيتها: المصادر التي اعتمد عليها المؤلف نفسه ورجع إليها في تصنيفه لا بد أن يعمل فهرسًا لمراجع المؤلف, ومصادره.
جـ- ثالثتها: المصادر والمراجع التي اعتمد عليها المحقق في إنجاز التحقيق على الوجه الأكمل.
وإضافة إلى الكلام السابق عن المصادر والمراجع، وما قيل من الفروق بينهما أو أنهما مترادفان، نذكر أن المتمسكين بالتفريق يصنعون قائمتين لفهرس المراجع والمصادر, للمصادر قائمة وللمراجع الأخرى، والذين يقولون بالترادف يصنعون قائمة واحدة. هو إذًا اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح.
تنظيم المراجع:
أما تنظيم المراجع, فيمكن أن نعمد إلى طريقة من الطرق التالية:
١- البدء باسم الكتاب حسب الترتيب الهجائي، أو حسب تاريخ النشر.
٢- البدء باسم المؤلف وفق الترتيب الهجائي، أو وفق تاريخ الوفاة.
٣- البدء بلقب المؤلف حسب الترتيب الهجائي, أو تاريخ الوفاة.
كما يراعى في تنسيق المراجع:
البدء بالمطبوعات، ثم بالمخطوطات، ثم بالدوريات، ثم بالمراجع الأجنبية إن وجدت.
كما نلاحظ وضع القرآن الكريم في صدر المراجع ما دام مرجعًا للباحث, ولا ينبغي وضعه حسب الترتيب الهجائي.
стр. 202
مصطلحات في تحقيق التراث وملاحظات:
على طريق تحقيق التراث نجد عدة مصطلحات مطروحة يجدر بنا أن نجلي مفاهيمها للباحث المبتدئ، ونذكر بها من هو بسبب ودربة على البحث، كما أن هناك ملاحظات نرى من المفيد التنبيه إليها.
وسنتناولها فيما يلي:
إجازة المخطوط:
الإجازة هنا: يقصد بها توثيق نسبة المخطوط إلى مؤلفه, إذ إن المخطوطة بعد اختبارها بالسماع أو الإقرار تعد سليمة ومطابقة لتصنيف المؤلف معنى ومبنى.
وهي مأخوذة من إجازة الرواية التي تعني الإذن برواية الحديث لثقة المجيز في علم المجاز وأمانته.
وإجازة المخطوط من المصنف تعد من أعلى درجات التوثيق.
وأحيانًا يكتب على المخطوطة إجازة لها, وإجازة لروايتها لثقة المصنف في الراوي.
ومن أمثلة الإجازات: ما كتب على ورقة العنوان من المجلد الحادي عشر من كتاب "تاريخ الإسلام وطبقات مشاهير الأعلام" للذهبي "٧٤٨هـ" من نسخة بخط المؤلف، وقد سجل عليها قراءة الصفدي "٧٣٥هـ" على المؤلف وإجازته برواية الكتاب١.
والإجازة تعتمد على أمرين هما: الإقراء والسماع.
أما الإقراء: فهو أن يقرأ الكتاب على المؤلف أو غيره دون أن يكون معهما
стр. 203
مستمع أو مستمعون, وأما السماع: فهو أن تكون القراءة للكتاب بمحضر آخرين يستمعون للقراءة, عدا القارئ والمقروء عليه.
وللسماع صور عدة منها:
أن يكتب المصنف بخطه أن طالبًا سمع عليه كتابه، أو يقر طالب بسماع كتاب على مصنفه، أو يخبر بسماع الكتاب على شيخ غير مصنفه١.
ومن أمثلة هذه السماعات:
ما كتب على مخطوطة "الموجز في النحو" لابن السراج "٣١٦هـ".
ذكر المحققان للنسخة وهما: د. مصطفى الشويمي وأ. بن سالم "مرجي": عثر عليها سنة ١٩٥٨ بمدينة تمغروت جنوب المغرب.
يقول كاتب المخطوط في نهايتها: إنه اكتتبها سنة ٣٥٤هـ من نسخة مقروءة على أبي علي الفارسي -تلميد المؤلف- وعارضها بنسخة بغدادية أملاها المؤلف على تلاميذه مجلسا مجلسا, ابتداء من سنة ٣٠٤هـ٢.
أما فائدة الإجازة, وما يتبعها من سماعات وإقراء، فذلك مثال من أمثلة التثبت العلمي كما أنها وثائق لثقافات العلماء الماضين وما سمعوه، وما قرءوه من كتب، وهي دليل على صحة الكتاب وقدمه وتاريخه، كما أنها وسيلة لمعرفة مراكز العلم في البلاد الإسلامية وحركة تنقل الأفراد بينها، وأخيرًا تعد مصدرًا للتراجم الإسلامية٣.
علامات الترقيم:
من المصطلحات الهامة المعول عليها في التحقيق، ولها ضوابط سبق الحديث عنها في الباب الأول من هذا المصنف.
стр. 204
الاختصارات:
لا يستغني المحقق عن استخدام رموز تعفيه عن كلمات وعبارات، وذلك مثل:
إلخ= إلى آخره. ا. هـ= انتهى. رض= ﵁. ح= حينئذ.
ثنا= حدثنا. م= مفرد. ج= جمع. ش= شرح أو شارح.
ص= أصل أو مصنف. م= تاريخ ميلادي. هـ= تاريخ هجري.
ص= صفحة.
س= سطر. صح= صحح. جـ= جزء، وأحيانا جواب. س= سؤال.
مج= مجلد.
على أن الاختصارات مجرد اصطلاحات عرفية لمن شاء، ومن الناس من يتوسع فيها ولا يوافق على بعضها، ومن ذلك استخدام ص أو صلعم بدلا من: ﷺ . أو: ع بدلا من ﵇، أو رض بدلا من ﵁.
وهناك من مصادر التراث ما يصطفي مؤلفوها رموزًا خاصة للاختصار، وذلك ما ذكره الفيروزآبادي في القاموس المحيط:
وما فيه من رمز فخمسة أحرف ... فميم لمعروف، وعين لموضع
وجيم لجمع ثم هاء لقرية ... وللبلد الدال التي أهملت فع
المسودة:
هي الصورة الأولى لتدوين المصنف، وتعرف بكثرة ما يشيع فيها من اضطراب وخلط ومحو، وكشط واستدراكات وحواشٍ، وقد يدرك المحقق أن هذا المخطوط على مسودته ولم يتم تبييضه، وذلك من خلال كتابة الفهارس.
ومن ذلك ما كتبه ابن النديم في الفهرست من أن ابن دريد صنع كتاب أدب
стр. 205
الكاتب على مثال كتاب ابن قتيبة، ولم يجروه من المسودة١. وكذلك جاء في بغية الوعاة للسيوطي: أن لابن هشام الأنصاري من المؤلفات سرح التسهيل, وهو مسودة٢.
الخطأ:
هو تغيير في الكلمة أو الجملة يأتي مخالفًا لقواعد النحو أو الصرف، أو الضوابط المعجمية, أو الرسم الإملائي، وما إلى ذلك.
ومثل هذا يطالب المحقق بإصلاحه وفق القواعد على نحو ما ذكرنا في تقويم النص.
التصحيف:
التصحيف لغة: الخطأ في الصحيفة، ويعني اللغويون بذلك الخطأ في قراءتها، ومن هنا سمي من يخطئ في قراءة الصحيفة صحفيا٣.
ثم توسع في استخدام اللفظ فصار يشمل الخطأ في الكتابة أيضًا، ولا سيما في استعمالات المعنيين بالتراث وتحقيقه.
جاء في المعجم الوسيط: صحف الكلمة: كتبها أو قرأها على غير صحتها؛ لاشتباه الحروف٤.
وعلى هذا الأساس وضع له صاحب معجم مصطلحات الأدب هذا التعريف: الكلمة المصحفة هي الكلمة الموضوعة خطأ نتيجة لإهمال الناسخ أو الطابع، أو جهل كل منهما.
стр. 206
ومن العلماء من لا يفرق بين التصحيف والتحريف, ويعدونهما مترادفين.
وهناك من يفرق بينهما، ومنهم العلامة ابن حجر في "شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر ص٢٢" قال: "فإن كانت المخالفة بتغيير حرف أو حروف مع بقاء صورة الخط في السياق، فإن كان ذلك بالنسبة للنقط فالمصحف، وإن كان بالنسبة إلى الشكل فالمحرف".
ويعني ابن حجر بالشكل هنا: هيئة الحرف لا حركاته.
وقد شاع التصحيف عند القدماء، وكثر في المصنفات، ووقع فيه كثير من أفاضل العلماء في اللغة والحديث, حتى قال الإمام أحمد: ومن يعرى من الخطأ والتصحيف١؟!!
هذا, وقد وقع التصحيف في الكلمات المعجمية، كما وقع في أسماء الأعلام, ولكثرته اهتم العلماء وصنفوا فيه كتبًا.
فمما ألف في تصحيفات الكلمات:
١- كتاب التنبيه على حدوث التصحيف لحمزة بن الحسن الأصفهاني ٣٦٠هـ.
٢- كتاب التصحيف للحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري ٣٨٢هـ.
٣- كتاب التصحيف والتحريف لعثمان بن سعيد اليلطي ٦٠٠هـ.
٤- كتاب التطريف في التصحيف للسيوطي، كما خصص النوع الثالث والأربعين من كتابه المزهر لذلك.
ومما ألف في تصحيفات الأعلام:
١- المؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء وكناهم وألقابهم وأنسابهم للآمدي الحسن بن بشر ٣٧٠هـ.
стр. 207
٢- المتفق والمفترق، للخطيب البغدادي أحمد بن علي ٤٦٣هـ.
٣- المشتبه بالرجال: أسمائهم وأنسابهم، للذهبي محمد بن أحمد ٧٤٨هـ.
٤- ضبط الأعلام، أحمد تيمور، ١٣٤٨هـ.
أمثلة للتصحيفات:
١- الآية الكريمة: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] قرئت كلمة حزنًا تصحيفا: حربا.
٢- قال الزبيدي: حدثني قاضي القضاة منذر بن سعيد، قال: أتيت أبا جعفر النحاس فألفيته يملي في أخبار الشعراء شعر قيس بن معاذ المجنون, حيث يقول:
خليلي هل بالشام عين حزينة ... تبكي على نجد لعلي أعينها
قد أسلمها الباكون إلا حمامة ... مطوقة باتت وبات قرينها
فلما بلغ هذا الموضع قلت: باتا يفعلان ماذا, أعزك الله؟ فقال لي: وكيف تقول أنت يا أندلسي؟ قلت: بات وبان قرينها١.
٣- روى الأصمعي بيت الحطيئة:
وغدرتني وزعمت أنـ ... ـك لاتني في الصيف تامر
فقال أبو عمر: إذا صحفتم فصحفوا مثل تصحيفه, وإنما هو:
وغدرتني وزعمت أنـ ... ـك لابن في الصيف تامر٢
٤- ومن التصحيفات الطريفة: ما روي أن سليمان بن عبد الملك كتب إلى عامله بالمدينة: أحص المخنثين قبلك، فوقعت من قلم الكاتب نقطة على الحاء فجعلتها خاء، فوصل الكتاب والي المدينة وقرأه كاتبه، فقال له الأمير: لعله أحص المخنثين، فقال:
стр. 208
يا أيها الأمير, إن على الحاء نقطة مثل سهيل، فأمر الأمير بإحضارهم, فتهارب أكثرهم ووقع أقلهم١.
ومن أمثلة التصحيفات:
١- إخراج, إحراج.
٢- أبواب, أثواب.
٣- جنان, حنان.
٤- حاد, جاد.
٥- حنايا, خبايا.
٦- خبيث, حثيث.
٧- صانع, ضائع.
٨- سديد, شديد.
٩- غالي, عالي.
١٠- صر, ضر.
١١- بشر, نشر.
١٢- جنائب, خبائث.
١٣- باب, ناب, تاب.
١٤- تمر, نمر, ثمر.
١٥- فصم, قصم, قضم.
١٦- موازنة, مواربة.
١٧- قتيل, قبيل, فتيل.
١٨- نبي بين أنبياء, نبي بين أبيناء.
التحريف:
الذين يفرقون بين التصحيف والتحريف يرون أن التحريف هو التغيير في الحرف, بأن يوضع حرف مكان آخر قريب الشبه به.
ومن أمثلة التحريف:
١- جاء في جمهرة اللغة مادة: أن، وأن يقال: أن الرجل الماء: إذا صبه، وفي بعض كلام الأوائل: أن ماء وأغله أي: صب، وقال ابن الكلبي: إنما هو أز ماء وزعم أن "أن" تصحيف.
стр. 209
وهاك بعض الكلمات التي وقع فيها تحريف:
ضاع, ضاء. قتال, قتاد. حيف, صيف. دانية، رانية. حريق, غريق. صب, حب. وجوم, رجوم. قريب, غريب.
تعدد الإخراج:
من الملاحظات على ما ورثناه من مخطوطات التراث, أن منها ما أخرجه مؤلفه وكتبه عدة مرات.
في كتاب التنبيه والإشراف للمسعودي ٣٤٦هـ، جاء في آخره: وكان سلف لنا قبل تقرير هذه النسخة نسخه على الشطر منها في سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، ثم زدنا فيها ما رأينا زيادته وكمال الفائدة به، فالمعول من هذا الكتاب على هذه النسخة دون المتقدمة١.
وذكر ابن النديم في ترجمة محمد بن جابر البتاني أن "له من الكتب كتاب الزيج, وهو نسختان أولى وثانية، والثانية أجود من الأولى".
ومن هنا ينبغي للمحقق أن يطلع على إخراجات الكتاب, إذا كان له أكثر من إخراج.
التصفيح:
من عادة الأقدمين ألا يرقموا الصفحات, ويستبدلوا بذلك عملية التصفيح, وذلك بأن يثبت الكاتب في آخر الصفحة "في هامشها" أول كلمة في الصفحة التالية، أو يثبت آخر كلمة في الصفحة السابقة في أول الصفحة التالية، وذلك ليمكن تسلسل صفحات الكتاب في غيرما حاجة إلى الترقيم٢.
стр. 210
سلبيات على طريق التحقيق:
على نحو ما فصلنا في الفصول السابقة توفر على نشر التراث مؤسسات عدة، قديمة وحديثة، حكومية وشعبية على امتداد العالم الإسلامي, بل والعالم الغربي الذي شارك في هذا المجال من خلال المستشرقين دعمًا للتراث الإنساني أو لأهداف أخرى يعلمها الله، ونعلم بعضًا منها.
ولأجل هذا لست في حاجة إلى إعادة لأمر وضحته؛ وذلك لأن مراحل نشر التراث التي بسطت جوانبها تكشف عن المراحل التي مر بها التحقيق العلمي للتراث, حتى وصل إلى الصورة التي هو عليها الآن.
وجهود القائمين على نشر التراث لا تحتاج إلى دليل, أو برهان.
لكن هذه الأعمال العظيمة لا تخلو من شوائب نحب أن ننبه إليها حتى لا يقع المعاصرون في شيء مما وقع فيه سابقوهم.
١- الازدواجية:
في مقدمة هذه السلبيات: الازدواجية في مجال نشر التراث، فقد نجد مخطوطًا واحدًا نشرته عدة جهات، بعضها مجرد نشر خالٍ من أصول التحقيق العلمي، وبعضها محقق تحقيقًا واحدًا.
ومن هنا نأسى على الجهد الضائع، والمال المهدر؛ إذ لو كان هناك تنسيق صادق أمين لوفرنا هذا الجهد لإحياء مخطوط حبيس على رفوف المكتبات هنا وهناك، بل إن بعض الجهات القائمة على هذا الأمر عندها مخطوطات محققة ومعدة, ويعوزها المال لإخراجه.
بل إننا بكل أسف نجد هذه الازدواجية في الرسائل الجامعية, وفي مجال التحقيق
стр. 211
العلمي مما يؤكد ضرورة وجود لون من التلاقي, والتنسيق بين الجامعات الإسلامية توفيرًا للجهد، ولكي نسير في هذا المضمار خطوات إلى الأمام.
ولعل رابطة الجامعات الإسلامية، ومقرها الرباط, تنهض بهذا العبء الهام، وأرى أنها بقيادتها مؤهلة لذلك.
قد تسد الدوريات الصادرة عن بعض مؤسسات التحقيق جزءًا من هذه الثغرة, لكن حاجتنا إلى تنسيق كامل لا تزال قائمة.
٢- ما التراث الذي نحييه؟:
الإجابة عن هذا السؤال تكشف عن خلل واضح في هذا الصدد, إنه مما لا ريب فيه أن تراثنا لحق به قدر لا بأس به من الزيف والدخيل الذي يعصف بما فيه من قيم فاضلة، ومبادئ سامية، وهذا الأمر يفرض علينا أن نتخير ما نخرجه للناس وما ننشره فيهم، منه ما هو كفيل باستمرار المسيرة على الدرب الصحيح، وما سوى ذلك مما لحقه الزيف فهو قطعة شاهدة على جزء من التاريخ، فليظل مكانه مقصورًا على أهل البحث والدرس القادرين على أن يميزوا الخبيث من الطيب.
وإننا لنعجب للمستشرق آرثر جفري لم يجد أمامه كتابًا ينشره من تراثنا إلا كتاب المصاحف للسجستاني، وهو كتاب فيه ما فيه مما يزلزل إيمان المؤمنين بالكتاب العزيز. إن اختيار هذا المخطوط بصفة عامة إنما يريد الطعن في ديننا وتراثنا من خلال التظاهر بالحرص على نشر تراث المسلمين.
وإذا حدث هذا من المستشرق جفري، فهو أمر غير جديد على هؤلاء.
لكن عندما نرى الأزهر الشريف ومجمع البحوث يتصدى لنشر الجامع الكبير للسيوطي، وفيه الكثير من الموضوع والضعيف، فذلك أمر غير مستساغ، أو أن يسهم في فترة من الفترات في نشر كتاب الأخلاق المتبولية للشعراني، وفيه من الزيف ما لا يطاق ولا يحتمل، فهذا دليل على وجود خلل في خطة إحياء التراث.
стр. 212
وكذلك نرى وزارة الثقافة المصرية تسهم مشكورة في إحياء التراث، ثم تطالعنا بالفتوحات المكية لابن عربي، وفيه نظريته الملحدة في وحدة الوجود، فهذا أمر يتطلب وقفة من الغيرة على التراث.
لا بد أن نفكر أولا: ما التراث الذي ينبغي لنا إحياؤه؟
٣- أدعياء التحقيق:
إن التحقيق العلمي عمل مجيد، وجهد مشكور متى التزم المحقق الدرب الصحيح، وراعى الأصول، والتزم بالقواعد، وبذل الجهد من أجل إخراج النص صحيحًا مستقيمًا، وثقت نقوله, وخرجت فيه الآيات والأحاديث، وضبط الغريب.
أما أن يخرج النص كثير التصحيفات والتحريفات، والأخطاء، تفسر الكلمة الواضحة وتترك الغامضة والغريبة، تضبط الكلمات البينة وتترك المشتبهة، فذلك لون من العبث لا يمكن أن نسميه تحقيقًا.
وبكل أسف نجد هؤلاء يكتبون أسماءهم بحروف بارزة على الغلاف "تحقيق فلان" والمؤلف القديم الذي بذل العرق والجهد، وأكد الفكرة يكتب اسمه بحروف صغيرة تحت العنوان!! إنه لون من العدوان على جهود الآخرين.
٤- احتجاز المخطوطات النفيسة:
بعض ذي الكفاءة من أهل التحقيق يحتجزون مخطوطات نفيسة ذات قيمة, على أساس أنهم سيقومون بتحقيقها، ثم يدركهم الملال فلا تخرج ولا يتركون الفرصة لسواهم.
وأحيانًا تتصدى بعض مؤسسات التحقيق لإخراج مخطوط معين فتخرج منه جزءًا أو جزأين، ثم تقصر بها النفقة فتعجز عن إخراج بقية الأجزاء.
٥- خروج بعض المطبوعات باسم التحقيق:
وهو مجرد نشر لا تتوافر فيه أصول التحقيق, مما يعد جناية على هذا العمل العلمي.
стр. 213
من توصيات لجنة تحقيق التراث المنعقدة في بغداد:
عقدت هذه اللجنة في بغداد في المدة من "٦-١٥ رجب ١٤٠٠هـ, ٢٠-٢٩ مايو ١٩٨٠" بإشراف معهد المخطوطات العربية، التابع للمنظمة العربية للثقافة والعلوم, وبالتعاون مع وزارة الثقافة والإعلام بالجمهورية العراقية.
وقد شارك في الندوة التي عقدتها اللجنة, عدد من الأعلام من خبراء التراث، وأصحاب الدراية بالتحقيق، نذكر منهم:
د. شكري فيصل, عضو المجمع السوري، والأستاذ محمد بهجة الأثري، عضو المجمع العراقي، والدكتور فؤاد سزكين أستاذ بجامعة فرانكفورت بألمانيا الغربية، والدكتور أحمد سليم سعيدان عميد كلية العلوم، القدس، وعضو مجمع اللغة العربية الأردني.
وبعد مناقشة البحوث المقدمة, انتهت اللجنة إلى إرساء القواعد التالية:
١- أن يكون تحقيق التراث في أيد أمينة قادرة عليه، فلا يقحم نفسه فيه من لم تكتمل أدواته اللغوية والعلمية والفنية.
٢- أن يبنى التحقيق على مناهج منظمة, وأولويات مرتبة.
٣- أن تخضع أعمال حديثي العهد بالتحقيق للتدقيق والمراجعة, على أن يتحمل الأستاذ المراجع التبعة في ذلك كاملة.
٤- أن تصرف عناية خاصة للتراث العلمي؛ استجابة للحاجة الحضارية الراهنة، وتحقيقًا للتوازن بين التراثين: العلمي والأدبي.
٥- أن تنشأ في العواصم العربية فروع لمعهد المخطوطات, يودع في كل فرع منها نسخ من الرقوق المصورة المحفوظة في مقر المعهد.
стр. 214
٦- أقرت اللجنة أن تكون للتحقيق ثلاثة مقاصد, وأن تراعى هذه المقاصد في وضع المنهج والتوصيات:
الأول: تقديم النص صحيحًا مطابقًا للأصول العلمية.
الثاني: توثيق النص نسبة ومادة.
الثالث: توضيح النص وضبطه.
في ضوء هذه المنطلقات والقواعد اتخذت اللجنة سلسلة من التوصيات وهي:
اختيار المخطوط, معرفة النسخ وجمعها, دراسة النسخ وتعرف مراتبها في الصحة, ضبط النص, التعليق على النص, المقدمة, الفهارس, الطباعة والنشر.
ومن توصياتهم في مجال اختيار المخطوط:
تقديم الأهم على المهم، والأصول على الفروع، وما لم ينشر على ما نشر، والتسامح في تجديد نشر المطبوعات التي لم تراع القواعد العلمية في تحقيقها، واختيار طوائف من المخطوطات يرى المختصون ترشيحها للتحقيق، والاهتمام بتحقيق التراث العلمي.
وفي مجال معرفة النسخ, أوصت اللجنة معهد المخطوطات بعمل فهرس موحد شامل لما دون في فهارس المخطوطات العامة والخاصة، وعلى المعهد أن يتعرف مكان المخطوطات القيمة التي لم تصل إليها يده بعد، ووضع فهارس تفصيلية للمخطوطات تنشر على المؤسسات التراثية في العالم العربي.
وفي الفهارس أوصت بفهرسة كل ما يمكن فهرسته من العمل المحقق.
وأوصت في فهرسة الأعلام بأن نبدأ بالأسماء المبدوءة بألفاظ: ابن، ثم ابنة، ثم أبو، ثم أم، ثم بنت، ولا يذكر هنا الصفحات إذا كانت الأسماء معروفة, وإنما يحال على الاسم في موضعه من توالي الحروف الهجائية، فالعلم: أبو اليمن الكندي يذكر في "أبو اليمن" ويذكر اسمه إلى جانبه زيد بن الحسن، ويحال عليه وتذكر أرقام الصفحات في حرف الزاي.
стр. 215
ثم تبدأ فهرسة الأسماء على ترتيب حروف الجهاء، بدءًا بالهمزة الممدودة مثل: آدم ونحوه، ثم ما يكون بعد ذلك: الهمزة والباء.
والألفاظ التي تداخلها الهمزة يراعى في موضعها الحرف الذي توضع عليه الهمزة.
وفيما عدا ذلك من الأمور التي ذكرتها سابقًا في قواعد التحقيق, أرى أن ما أوصت به اللجنة لا يزيد عما ذكرته فيها من قواعد وأصول.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
وكان الفراغ من تصنيف هذا المؤلف -ولله الحمد والمنة- في تمام الساعة العاشرة من مساء الاثنين، السابع والعشرين من ربيع الأول ١٤٠٩هـ, الموافق السابع من نوفمبر ١٩٨٨م, الدقي.
المعتز بالله وحده
د. السيد رزق الطويل