← Указатели

Указатели · id 7328

نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة

محمد الطنطاوي

Полный текст (256 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

المذهب البصري: لقد كان من حسن الحظ للنحو أن كانت البصرة مولده ومهده لأنها اختصت بما حرمته الكوفة التي ناهضتها بعد ذلك للأمور التالية: أولا: أن العرب النازحين إليها من القبائل العريقة في اللغة الفصحى استطابوها فاتخذوها دراهم وأكثرهم من قيس وتميم الذين بقوا على عربيتهم. ثانيا: أنه كان على كثب منهم "المِرْبَدُ" الذي قد اتخذه العرب سوقا في الجهة الغربية منها مما يلي البادية بينه وبينها نحو ثلاثة أميال، يقضون فيه شئونهم قبل أن يدخلوا الحضر أو يخرجوا منه، وقد صارت هذه السوق في الإسلام صورة موازنة لعكاظ الجاهلية، فكانت فيه النوادي الأدبية والمجامع الثقافية تألفت فيه حلقات الإنشاد والمفاخرة والمنافرة والمعاظمة ومجالس العلم والأدب، فكان الشعراء يؤمونه ومعهم رواتهم، وكانت لفحولهم حلقات خاصة فيه، قال الأصفهاني: "وكان لراعي الإبل والفرزدق وجلسائهما حلقة بأعلى المربد بالبصرة يجلسون فيها"١. كما كان العلماء والأدباء والأشراف ينزلون فيه للمذاكرة والرواية والوقوف على ملح الأخبار، واللغويون يأخذون عن أهله ويدونون ما يسمعون، والنحويون يسمعون فيه ما يصحح قواعدهم ويؤيد مذاهبهم، وكثيرا ما نجد التنويه عنه في تراجم النحاة واللغويين. ثالثا: موقعها الجغرافي فإنها على طرف البادية مما يلى العراق وأدنى المدن إلى العرب الأقحاح الذين لم تلوث لغتهم بعامية الأمصار فعلى مقربة منها بوادي نجد غربا والبحرين جنوبا، والأعراب تفد إليهم منهما ومن داخل الجزيرة العربية بكثرة، وكل أولئك يسر لعلماء البصرة حينما قاموا بتدوين القواعد أن يجدوا طلبتهم وينالوا رغبتهم، ففي هذه الثلاثة مدد من اللسان العربي الفصيح لا ينفدوهم في بصرتهم مقيمون لا يتجشمون بعدئذ أسفارا ولا يجربون قفارا، إذ لم تشتد الحاجة أولا للرحلة في مدى الطبقتين

стр. 107

الأوليين من طبقاتهم. لأنهم لما يبلغوا الغاية في تجريد القياس وتعليل النحو وتفريعه ولم تضطرب الروايات في هذا الحين، ومادة اللغة قوية. ولا ريب أن نشوء النحو بالبصرة إنما كان تلبية لداعي المحافظة على صيانة اللغة العربية مما نزل بها منذرا بالخطر المدلهم الذي لو ترك وشأنه لدرجت كما درج غيرها من اللغات، كما كان واجبا على من دخل في الإسلام من غير أبناء العرب أن يتعلمه ليتعرف لغة القوم الذين صار منهم حتى يتم الاندماج بينهما وتستحكم أواصر الوحدة فيها: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ١. والفضل في ذلك راجع إلى أبي الأسود الذي توطنها مع تشيعه للعلويين ومناوأة البصريين للعلويين وشيعتهم، إلا أن سلطان هذا العلم استرعاهم فأقبلوا إليه يزفون، وتحلقوا حوله وتدارسوا مسائله حبا في المعرفة لذات المعرفة ورغبة في العلم لذاته غير طامعين في مغنم أو حريصين على شيء من حطام الدنيا، وأغلبهم من الموالي الذين سعد بهم هذا العلم منذ بزغ فجره لأنهم من أمم مرنت على مزاولة العلوم والفنون بحسب لغاتها، فشدوا عضد أبي الأسود في التدوين وكانوا له خير معين. كان لتعاون تلك البيئة التي تموج بمختلف العرب الذين يمثلون أغلب القبائل المعترف بينهم بسلامة سلائقها -كما كانت تعج بالرواة والحفظة والنقدة، وهذا الداعي العلمي الخالص- الأثر الطيب في سلوك البصريين في قواعدهم، ونمطهم العلمي، فحولهم الأساليب العربية متوافرة تجود لهم بشواهد القواعد دون مجهود يلحقهم، ولا منافس لهم يستعجلهم ويقطع عليهم سلسلة الاستقراء حتى يثقوا بما يدونون متئدين مطمئنين إلا شيئا واحدا، وذلك هو منادي العلم المحض، فكان لزاما لذلك أنه لم تدون قواعدهم إلا مدعومة على عناصر ثلاثة:

стр. 108

١- سلامة من أخذوا عنه من العرب المقطوع بعراقتهم في العروبة وصونهم فطرهم من تسرب الوهن إليها من رطانة١ الحضارة حتى لم يأخذوا إلا عن سكان البوادي، بل كانوا يتحرزون عنهم إذا لمحوا عليهم ضعفا اعتراهم، فكانوا يختبرونهم أحيانا قبل التقبل لما يروون عنهم، قال ابن جني: "ومن ذلك ما يحكى أن أبا عمرو استضعف فصاحة أبي خيرة لما سأله فقال: كيف تقول استأصل الله عرقاتهم؟ ففتح أبو خيرة التاء فقال له أبو عمرو: هيهات أبا خيرة لان جلدك"٢. ٢- الثقة برواية ما سمعوه عنهم من طريق الحفظة والأثبات الذين بذلوا النفس والنفيس في نقل المرويات عن قائليها معزوة إليهم. ٣- الكثرة الفياضة من هذا المسموع التي تخول لهم القطع بنظائره وتسلمهم إلى الاطمئنان عليه في نوط القواعد به، وإلا اعتبروه مرويا يحفظ ولا يقاس عليه إلا إذا لم يرد من نوعه ما يخالفه، فلا بأس من اعتباره مبنى للتقعيد عليه، ومن هنا ارتضى العلماء رأي سيبويه في إلحاق فعولة بفعيلة في النسب في حذف حرف المد وقلب الحركة فتحة اعتمادا على سماعه في النسب إلى "شنوءة" شنئيا" وعدم سماع ما يخالفه نسبا من هذه الزنة، ولذا قال ابن جماعة في حاشيته على الجاربزدي: "فهو جميع المسموع منها فصار أصلا يقاس عليه". تلك حالة السابقين منهم وهم بذلك خطوا الخطة التي ترسمها خلفهم بعدهم عندما حانت المنافسة بين البلدين، وأخذت الكوفة تنحاز لنفسها

стр. 109

وتهيئ لها طريقا آخر، بل زاد عندئذ البصريون نشاطا ومثابرة على السير في منهاجهم، إذ قد بدأ وقت ذاك اختبال١ الألسن ودخل إلى الطباع الفساد وخلص شيء من ذلك إلى الأجيال الناشئة في الحضر فاختلف المصران بعضهما عن بعض وتمكنت منهما العصبية، وأخذ كل في الطعن على الآخر. كل ذلك حمل كثيرا من البصريين على التطواف في الجزيرة العربية ولم يقنعهم ما بين ظهرانيهم٢ فارتحل من رجال الطبقة الثالثة الخليل ويونس وغيرهما، ومن الرابعة أبو زيد وأبو عبيدة والأصمعي، وأخذوا عن القبائل، وإن توافر على الأصمعي ميله إلى غير النحو والصرف من علوم اللغة العربية. فأخذوا عن القبائل البعيدة من أطراف الجزيرة والباقية في سرتها٣ من جفاة الأعراب وأهل الطبائع المتوقحة، وتحاموا سكان الأطراف الحضريين المخالطين لغير العرب، وربما كان أوفى كتاب استقرأ القبائل من الصنفين كتاب الألفاظ والحروف للفاربي، وقد نقل كلامه بنصه السيوطي في المزهر "النوع التاسع الفصل الثاني في معرفة الفصيح من العرب". فأجهد هؤلاء العلماء أنفسهم وشرقوا وغربوا وتحملوا ذلك الشهور والأعوام وما بالوا ما نالهم من نصب أو مخمصة تفانيا في التثبت بأنفسهم من سلامة ما يروون عن العرب، فشافهوهم في أوديتهم وسمعوا منهم في أخبيتهم ومراعيهم وأسواقهم ومجتمعاتهم، وقدموا للعلم خدمة جلى٤ ويدا

стр. 110

وتهيئ لها طريقا آخر، بل زاد عندئذ البصريون نشاطا ومثابرة على السير في منهاجهم، إذ قد بدأ وقت ذاك اختبال١ الألسن ودخل إلى الطباع الفساد وخلص شيء من ذلك إلى الأجيال الناشئة في الحضر فاختلف المصران بعضهما عن بعض وتمكنت منهما العصبية، وأخذ كل في الطعن على الآخر. كل ذلك حمل كثيرا من البصريين على التطواف في الجزيرة العربية ولم يقنعهم ما بين ظهرانيهم٢ فارتحل من رجال الطبقة الثالثة الخليل ويونس وغيرهما، ومن الرابعة أبو زيد وأبو عبيدة والأصمعي، وأخذوا عن القبائل، وإن توافر على الأصمعي ميله إلى غير النحو والصرف من علوم اللغة العربية. فأخذوا عن القبائل البعيدة من أطراف الجزيرة والباقية في سرتها٣ من جفاة الأعراب وأهل الطبائع المتوقحة، وتحاموا سكان الأطراف الحضريين المخالطين لغير العرب، وربما كان أوفى كتاب استقرأ القبائل من الصنفين كتاب الألفاظ والحروف للفاربي، وقد نقل كلامه بنصه السيوطي في المزهر "النوع التاسع الفصل الثاني في معرفة الفصيح من العرب". فأجهد هؤلاء العلماء أنفسهم وشرقوا وغربوا وتحملوا ذلك الشهور والأعوام وما بالوا ما نالهم من نصب أو مخمصة تفانيا في التثبت بأنفسهم من سلامة ما يروون عن العرب، فشافهوهم في أوديتهم وسمعوا منهم في أخبيتهم ومراعيهم وأسواقهم ومجتمعاتهم، وقدموا للعلم خدمة جلى٤ ويدا

стр. 111

وتهيئ لها طريقا آخر، بل زاد عندئذ البصريون نشاطا ومثابرة على السير في منهاجهم، إذ قد بدأ وقت ذاك اختبال١ الألسن ودخل إلى الطباع الفساد وخلص شيء من ذلك إلى الأجيال الناشئة في الحضر فاختلف المصران بعضهما عن بعض وتمكنت منهما العصبية، وأخذ كل في الطعن على الآخر. كل ذلك حمل كثيرا من البصريين على التطواف في الجزيرة العربية ولم يقنعهم ما بين ظهرانيهم٢ فارتحل من رجال الطبقة الثالثة الخليل ويونس وغيرهما، ومن الرابعة أبو زيد وأبو عبيدة والأصمعي، وأخذوا عن القبائل، وإن توافر على الأصمعي ميله إلى غير النحو والصرف من علوم اللغة العربية. فأخذوا عن القبائل البعيدة من أطراف الجزيرة والباقية في سرتها٣ من جفاة الأعراب وأهل الطبائع المتوقحة، وتحاموا سكان الأطراف الحضريين المخالطين لغير العرب، وربما كان أوفى كتاب استقرأ القبائل من الصنفين كتاب الألفاظ والحروف للفاربي، وقد نقل كلامه بنصه السيوطي في المزهر "النوع التاسع الفصل الثاني في معرفة الفصيح من العرب". فأجهد هؤلاء العلماء أنفسهم وشرقوا وغربوا وتحملوا ذلك الشهور والأعوام وما بالوا ما نالهم من نصب أو مخمصة تفانيا في التثبت بأنفسهم من سلامة ما يروون عن العرب، فشافهوهم في أوديتهم وسمعوا منهم في أخبيتهم ومراعيهم وأسواقهم ومجتمعاتهم، وقدموا للعلم خدمة جلى٤ ويدا

стр. 112

لكنه شاقه أن قيل ذا رجبُ ... يا ليتَ عدةَ حولٍ كُلِّهِ رجَبَا١ فيقولون: الرواية عدة حولي، أو للضرورة. ٦- عدم إظهار "أَنْ" بعد كي فيعترض عليهم بقول الشاعر: أردتَ لكيما أن تطيرَ بِقِرْبتِي ... فتتركها شنا ببيداءَ بلقَعِ٢ فيقولون: لا يعرف قائله، أو لضرورة الشعر، أو غير ذلك. ٧- عدم عمل "أَنْ" محذوفة في غير مواطنها المعروفة فيرد عليهم: خذ اللص قبلَ يأخذَكَ، وتسمع بالمعيدي خير من أن تراه، وأمثال هذا فيقولون: إن ذلك شاذ يحفظ ولا يجارى في الاستعمال. كل ذلك إنما سرى لهم من التعويل على قواعدهم، بل لقد بلغ بهم الاعتزاز بها إلى الاعتراض على العربي المطبق على الاستشهاد بقوله كما رأيت فيما تقدم من اعتراض ابن أبي إسحاق على الفرزدق، وأغرب من ذلك تعقب تلميذه عيسى بن عمر قول النابغة: فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرُّقش في أنيابها السم ناقع ٣ إذ قال أساء النابغة إنما هو ناقعا، وقد خطأ أبو عمرو ذا الرمة في قوله: حراجيج ما تنفك إلا مناخة ... على الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا٤ لأن أفعال الاستمرار بمعنى الإيجاب فلا يصح الاستثناء في خبرها.

стр. 113

ضجر الشعراء من النحاة، ولهذا قال عمار الكلبي لما عيب عليه بيت من شعره: ماذا لقيت من المستعربين ومن ... قياس نحوهم هذا الذي ابتدعوا١ ومرجع هذه النزعة إلى عيسى بن عمر وشيخه ابن أبي إسحاق من متقدمي البصريين، دون غيرهما من معاصريهما، فإن يونس وشيخه أبا عمرو كانا يتحرزان عن تخطئة العربي ويعتمدان قوله وإن خالف القياس، وقد غلبت النزعة الأولى الثانية على البصريين بعد سيبوبه وصارت لهم منهاجا، وانتقلت الثانية إلى الكوفيين، ثم اتخذوها إحدى دعائم القواعد كما ترى.

стр. 114

المذهب الكوفي: لقد عرفت أن الكوفيين تأخروا عن البصريين في هذا العلم حقبة طويلة، وذلك لانصرافهم أولا عن التلقي عنهم ربا بأنفسهم عن الأخذ منهم، وما لبثوا أن شغلهم الشعر ورواياته والأدب وطرائفه، فاستأثروا بهذا وتنفلوا به على البصريين مدة طويلة لم يشاركوا فيها البصريين النظر إلى علم النحو. تنبه الكوفيون بعدئذ وصحوا من سباتهم وأرادوا مساهمة البصريين فيه بعد أن عرفوه منهم وشق عليهم أن تنماع شخصيتهم في البصريين إن لم يكن لهم نحو خاص وبينهما ما بينهما من دواغل وإحن، دعاهم ذلك إلى تنظيم نحوهم على نمط خاص لا ينتحون فيه اتجاه البصريين، ولديهم في معتقدهم من الوسائل ما يهيئ لهم نيل مأمولهم، فاستمعوا من الأعراب الثاوين بالكوفة، وقد كانوا أقل عددا وأضعف فصاحة ممن كانوا بالبصرة وإن كان منهم لفيف من بني أسد وغيرهم إلا أن أغلبهم اليمانون، وأهل اليمن في عين أهل التمحيص ممن لا يستند إليهم، لخلاطهم الحبشة والهند والتجار

стр. 115

الذين يفدون إليهم من مختلف الأمصار، ولم تقم سوق "الكناسة" بالكوفة التي كانوا يرتفقون منها حاجتهم مقام "المريد" بالبصرة مهبط الشعراء والخطباء من العرب المياسير، والأعراب العقف١ المنتجعين للأرزاق. هذا مع قصوهم عن جزيرة العرب ينبوع معين هذا العلم، وحيلولة صحراء السماوة بينهم وبينها، فلم تكن لهم فيها إلا رحلات قليلة لبعد الشقة وثقل المؤونة كرحلة الكسائي المعروفة، وهو زعيم طبقتهم الثانية التي تحاذي الرابعة البصرية، أما طبقتهم الأولى فلم تكن لها رحلات، على حين أن الطبقة الثالثة البصرية التي تقابلها أبلت في الرحلات بلاء حسنا عاد على اللغة العربية بالأثر الذي لا يبلى. على أنه لم يقف ذلك دون رواج الشعر فيما بينهم، والشعر على كل حال ذو النصيب الأوفى في تدوين القواعد بعد كتاب الله تعالى وسنة رسوله لتماسكه ومصايرته لأحداث الزمان بل قد فاقوا البصريين في علمه بفضل الأوراق المطمورة من عهد النعمان بن المنذر، نقل ابن جني في حماد الراوية الكوفي "قال: أمر النعمان فنسخت له أشعار العرب في الطنوج٢ "الكراريس" ثم دفنها في قصره الأبيض فلما كان المختار بن أبي عبيد الثقفي قيل له: إن تحت القصر كنزا فاحتقره، فأخرج تلك الأشعار، فمن ثم أهل الكوفة أعلم بالشعر من أهل البصرة"٣. ولقد كانوا قبل العثور على هذه الأوراق مسوقين إلى الشعر عن رغبة ملحة وغريزة فيهم متأصلة منذ حل العرب الكوفة، يؤيد ذلك أن عليا كرم الله وجهه لما رجع بهم من قتال الخوارج، على أن يستعدوا لقتال أهل الشام

стр. 116

ثم تخاذلوا عنه، لم ير أبلغ في ذمهم من صفة التشاغل بالشعر، فقال في خطبته حين خطبهم: "إذا تركتكم عدتم إلى مجالسكم حلقا عزين تضربون الأمثال وتناشدون الأشعار تربت أيديكم وقد نسيتم الحرب واستعدادها وأصبحت قلوبكم فارغة من ذكرها وشغلتموها بالأباطيل والأضاليل". إن العثور على الأوراق السالفة الذكر صادف هوى من نفوسهم فازدادوا بها إقبالا على الشعر، وزخر بحره عندهم وقذف فيه بالملح والطرف إلا أن النحل والافتعال طغيا عليه، حتى التبس الأمر على الناس، وأسند القول إلى غير قائله، قال أبو الطيب: "الشعر بالكوفة أكثر وأجمع منه بالبصرة، ولكن أكثره مصنوع ومنسوب إلى من لم يقله، وذلك بين في دواوينهم"١. حقا لقد كان ذلك، إذ كان من رواتهم حماد المذكور الذي جر عليهم التلبيس في المرويات والازدياد عليها مختلقاته، وقد كان ضليعا في الشعر وآداب العرب إلا أنه رقيق الأمانة، قال فيه المفضل الكوفي: "قد سلط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده فلا يصلح أبدا، فقيل له وكيف ذلك أيخطئ في روايته أم يلحن؟ ولكنه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها ومذاهب الشعراء ومعانيهم، فلا يزال يقول الشعر يشبه مذهب رجل ويدخله في شعره ويحمل عنه ذلك في الآفاق فتختلط أشعار القدماء ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد وأين ذلك؟ "٢. بل إن خلفا الأحمر البصري زاد ذلك ضغثا على إبالة٣ فقد كان كذلك مضرب المثل في محاكاته من ينسب إليهم الشعر، روى عنه الكوفيون كثيرا

стр. 117

من الشعر "وكانوا يقصدونه لما مات حماد الراوية لأنه قد أكثر الأخذ عنه وبلغ مبلغا لم يقاربه حماد، فلما نسك خرج إلى أهل الكوفة فعرفهم الأشعار التي قد أدخلها في أشعار الناس، فقالوا له أنت كنت عندنا في ذلك الوقت أوثق منك الساعة فبقي ذلك في دواوينهم إلى اليوم"١. ومع أنه بصري فلم يعرف عنه أنه لبس على البصريين وروى لهم شعرا منحولا وربما كان منشأ ذلك العصبية البلدية التي تملي على المتأثر بها ارتكاب ما لا يجمل في المسائل العلمية، وقيل: إنه فعل ذلك انتقاما لنفسه إذ ذهب إلى الكوفيين أولا للتلقي عنهم فبخلوا عليه بشعرهم قال أبو زيد: "حدثني خلف الأحمر قال: أتيت الكوفة لأكتب عنهم الشعر فبخلوا علي به، فكنت أعطيهم المنحول وآخذ عنهم الصحيح، ثم مرضت فقلت لهم: ويلكم أنا تائب إلى الله. هذا الشعر لي، فلم يقبلوا مني، فبقي منسوبا إلى العرب لهذا السبب"٢. إن المصادفة التي جمعت بين هذين الوضاعين لكفيلة بتوريث الكوفيين توهينا لمذهبهم فليس في الرواة جميعا على كثرتهم ومحاولة بعضهم الصنع من يداني حمادا وخلفا، فهما طبقة في التاريخ كله يعرف ذلك من له إلمام بالأدب. أبصر ذلك البصريون فصدفوا عن شواهد الكوفيين واطرحوها ظهريا ولم يسمع عنهم إلا ما وقع من أبي زيد البصري الذي نقل عن المفضل الضبي الكوفي لأنه غير متأثر بالعصبية البلدية وقر عنده صدقه، قال السيرافي: "ولا نعلم أحدا من علماء البصريين بالنحو واللغة أخذ عن أهل الكوفة شيئا من علم العرب إلا أبا زيد فإنه روى عن المفضل الضبي. قال أبو زيد في أول كتاب النوادر أنشدني المفضل لضمرة بن ضمرة النهشلي، جاهلي:

стр. 118

بكرت تلومك بعد وهن في الندى ... بسل عليك ملامتي وعتابي الأبيات ... وعامة كتاب النوادر لأبي زيد عن المفضل"١ بينما الكوفيون يتلقون بالقبول رواياتهم ويعتمدون على شواهدهم. على أنه ما كان الكسائي وهو ناشر المذهب الكوفي وصاحب الفضل فيه يبن٢ ببغداد حتى استمع إلى الأعراب الذين فيها وحولها وهم أوشاب من مختلف القبائل غير العريقة في العروبة، ومنهم أعراب الحليمات الذين قدموا بغداد وضربوا خيامهم في "قطربل" "قرية من متنزهات بغداد اشتهرت باللهو والخمر" فاعتد بكلامهم واستشهد به وهم من زعانف العرب الذين اختبل لسانهم، فازداد مذهبه ضعفا على ضعف قال أبو زيد: "قدم علينا الكسائي البصرة فلقي عيسى والخليل وغيرهما وأخذ منهم نحوا كثيرا، ثم سار إلى بغداد فلقي أعراب الحليمات فأخذ عنهم الفساد من الخطأ واللحن، فأفسد بذلك ما كان أخذه بالبصرة كله"٣. ولولاهم ما فاز الكسائي وانخذل سيبويه في المناظرة البغيضة، فإن الكسائي إنما اعتمد على لغتهم واحتج بكلامهم وكانوا له مظاهرين، ولذلك قال اليزيدي: كنا نقيس النحو فيما مضى ... على لسان العرب الأول فجاء أقوام يقيسونه ... على لغى أشياخ قطربل فكلهم يعمل في نقض ما ... به يصاب الحق لا يأتلي إن الكسائي وأصحابه ... يرقون في النحو إلى أسفل٤

стр. 119

وقد اقتفى الكوفيون طريق الكسائي، فعولوا على شعر الأعراب بعد أن امتزجوا وتأشبوا "اختلطوا" بالمحتضرين ولان جفاؤهم، ومن أجل هذا كان البصريون يغتمزون الكوفيين فيقول الرياشي البصري "نحن نأخذ اللغة عن حرشة الضباب وأكلة اليرابيع، وهؤلاء أخذوا اللغة عن أهل السواد أصحاب الكواميخ وأكلة الشواريز"١. من ذلك كله ترى أنه لم تتهيأ لهم بيئة تصلح أن تكون منبعا لنمير هذا الفن كبيئة البصريين بمن فيها وفي أرباضها٢ وما دنا منها من العرب الخلص، يضاف إلى هذا ما استفزهم للعمل حثيثا في إبراز فن لهم يضارع الفن البصري غيرة منهم وحنقا على البصريين، فأصاخوا إلى كل مسموع لهم وقاسوا عليه فعثرت بهم عجلة الرأي، ولم يدققوا تدقيق البصريين بل تدرجوا مطاوعة لمناديهم إلى الاكتفاء بالشاهد الواحد ولو خالف الأصل المعروف المتفق عليه بين الفريقين، قال الأندلسي: "الكوفيون لو سمعوا بيتا واحدا فيه جواز شيء مخالف للأصول جعلوه أصلا وبوبوا عليه بخلاف البصريين"٣. وقد يتساهلون مع هذا في التثبت من معرفة القائل، وربما استشهدوا بشطر بيت لا يعرف شطره الآخر ولا يعلم قائله كدليلهم على جواز دخول اللام في خبر "لكن" يقول المجهول: ................................ ... ولكنني من حبها لعميد٤ وأول من سن لهم طريقة التسامح إلى أبعد مدى شيخهم الكسائي "وذلك أن الكسائي كان يسمع الشاذ الذي لا يجوز من الخطأ واللحن وشعر

стр. 120

أهل الفصاحة والضرورات فيجعل ذلك أصلا ويقيس عليه حتى أفسد النحو"١. وسترى عند حكمة تخصص كل من المذهبين إشادة الكسائي بالقياس وكثر ما انحدر الكوفيون فناطوا القاعدة بالقياس دون ورود لمطلق شاهد، فمن ذلك: أمثلة للقياس الكوفي: ١- تجويزهم مجيء العدد للتكرار على وزني فعال ومفعل ممنوعا من الصرف للوصيفة والعدل من خمسة إلى تسعة مع أن المسموع عن العرب في ذلك من واحد لأربعة، لكنهم قاسوا في الباقى عليها قال الرضي: "والمبرد والكوفيون يقيسون عليها إلى تسعة نحو خماس ومخمس وسداس ومسدس، والسماع مفقود"٢. ٢- تجويزهم تثنية أجمع وجمعاء وتوابعهما قياسا على جمعها، قال الرضي: "وقد أجاز الكوفيون والأخفش لمثنى المذكر أجمعان أكتعان أبصعان أبتعان، ولمثنى المؤنث جمعاوان كتعاوان بصعاوان بتعاوان، وهو غير مسموع"٣. ٣- تجويزهم الجزم بكيف مطلقا قال الرضي: "والكوفيون يجوزون جزم الشرط والجزاء بكيف وكيفما قياسا، ولا يجوزه البصريون إلا شذوذا"٤. ٤- تجويزهم النصب بأن مضمرة في غير المسائل المعدودة قياسا

стр. 121

قال الرضي: "وقد تنصب مضمرة شذوذا، والكوفيون يجوزون النصب في مثله قياسا"١. ٥- ومثل ما تقدم تجويزهم عطف المفرد بلكن بعد الإيجاب نظير بل بعده قال الرضي: "أجاز الكوفيون مجيء العاطفة للمفرد بعد الموجب أيضا نحو: جاءني زيد لكن عمرو حملا على بل، وليس لهم به شاهد"٢. ٦- ومثل ذلك تجويز إضافة "كذا" إلى مفرد أو جمع قياسا على العدد الصريح، قال ابن هشام "خلافا للكوفيين أجازوا في غير تكرار ولا عطف أن يقال كذا ثوب كذا أثواب قياسا على العدد الصريح"٣. إن الكوفيين بعملهم هذا قد فتحوا بابا واسع الفوهة على أنفسهم، فهم إذ أقاموا كل مسموع وزنا، والمسموع في اختلافه لا يقف عند نهاية، واعتمدوا بعد هذا على القياس النظري عند انعدام الشاهد انعداما كليا، قد اضطروا إزاء هذا أن وضعوا قواعد كثيرة خالفوا فيها البصريين، بل قد وضعوا جريا على سنتهم للشيء الواحد متى ورد على صور متغايرة قواعد بقدر صوره، فكثر عندهم التجويز للصور المتخالفة كما قل عندهم ما كثر عند البصريين من التأويل والشذوذ والاضطرار والاستنكار، وعلى سبيل الإيضاح نوجه نظرك إلى ما ذكرنا من الشواهد السبعة التي عقبنا بها اعتراضا على المذهب البصري وقد رأيت كيف تخلص منها البصري، أما الكوفي فقد اعتمدها وضم ما يستفاد منها إلى قواعد مذهبه وجعلها دعائم أقيسة أخرى تضاف إلى أقيسته، ولا جناح في تعدد الأقيسة وإن اعترت نوعا خاصا في المعنى فما ذلك عنده إلا ذريعة من ذرائع التنويع في التعابير وبقدرها تكون الأقيسة، وفي ذلك من السرف والإرهاق لطالب النحو ما فيه؛ لكنا بعد ذا لا

стр. 122

نقصد رمي هذا المذهب بالضعف في كل قواعده وإلا كان تجنيا عليه، فقد ظهر عند الموازنة بين المذهبين فيما اختلفا فيه تفضيله في بعض مسائل ذات بال، والحق أحق أن يتبع ولترى ذلك مجلوا نسوق إليك أربع قواعد لهم على سبيل الإرشاد إلى صحة ما نقول: ١- عدم لزوم إبراز الضمير مع الوصف الجاري خبرا على غير ما هو له حالا أو أصلا مع أمن البس، والشواهد على ذلك كثيرة قال الأعشى: وإن امرأ أسرى إليك ودونه ... من الأرض موماة وبيداء سملق لمحقوقة أن تستجيبي لصوته ... وأن تعلمي أن المعان موفق١ وقد حاول البصريون إجابات كلها لا تقوم كلها على قدم، منها أن المصدر المنسبك من أن والفعل نائب فاعل لمحقوقة وتأنيثها حينئد جائز لأن نائب الفاعل الاستجابة فلا ضمير في الوصف، وغير ذلك، ولهذا قال ابن مالك في كافيته: وإن تلا غير الذي تعلقا ... به فأبرز الضمير مطلقا في المذهب الكوفي شرط ذاك أن ... لا يؤمن اللبس ورأيهم حسن ٢- صحة الفصل بين المتضايفين في السعة بمنصوب المضاف مفعولا به أو ظرفا أو بالقسم ولا شك في ورود ما يصحح هذه القاعدة فقد وردت الشواهد في النثر للثلاثة، ولنكتف بشاهد على الفصل بالمفعول به، قرأ ابن عامر أحد السبعة قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ ٢ وقد ردها الزمخشري الذي وافق البصريين قال الصبان: "ولا عبرة برده مع ثبوتها بالتواتر" فالحق مع الكوفيين ولذا يقول ابن مالك:

стр. 123

فصل مضاف شبه فعل ما نصب ... مفعولا أو ظرفا أجز ولم يعب فصل يمين............................ ... ....................................... ٣- عمل اسم المصدر عمل فعله، وشواهده أكثر من أن تحصى، قال ﷺ : "من قبلة الرجل امرأته الوضوء"، وقال القطامي: أكفرا بعد رد الموت عني ... وبعد عطائك المائة الرتاعا١ ليس أمام البصريين إلا الاستنكار لرواية الحديث، والضرورة للنظم، والتمسح بهذين مجلبة إلى الإعنات والتضييق، ولقد أجاد ابن مالك إذ قال: .................................. ... ............ ولاسم مصدر عمل ٤- جواز العطف على الضمير المخفوض بدون عود الخافض في السعة قرأ حمزة وغيره قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ ٢ بجر الأرحام، لقد ضاق الخناق على البصريين، والرضي بعد الترديد لما عساه أن يدافع به البصريون لم ير بدا من أن يقول: "والظاهر أن حمزة جوز ذلك بناء على مذهب الكوفيين لأنه كوفي ولا نسلم تواتر القراءات السبع"٣. وفي هذا الدفاع شطط، ومن ذلك جنح ابن مالك إلى رأي الكوفيين فقال: وعود خافض لدى عطف على ... ضمير خفض لازما قد جعلا وليس عندي لازما إذ قد أتى ... في النظم والنثر الصحيح مثبتا حتى في تعبيره بخافض بدل جار كما هو معروف، ولولا خوف الإطالة لوافيناك بشواهد كثيرة تفضي إلى الاطمئنان لهذه القواعد كوضح النهار ومعها دفاع البصريين الذي لم يضرها، والواقع أن البصريين كانت

стр. 124

محاولاتهم في نقضها غير مجدية ومجردة عن النصفة فقد تعسفوا غاية التعسف بما لا ترضاه العدالة، ولا يستقيم في المنطق "وما كل مرة تسلم الجرة". من هذا البيان يتضح لك معرفة طريقة كل من المذهبين الخاصة به، وبقي أننا نجيب على ما قد يدور بخلد الناظرين من السؤال عن الحكمة في تخصص كل باتجاهه، ولم لم يعكس الأمر؟ فنقول:

стр. 125

حكمة تخصص كل من المذهبين باتجاهه: إن ذلك يعتمد في الحقيقة أولا وبالذات على اختلاف نزعتهما الطبيعية، فهي التي توجه كلامهما على حسب ما تقتضيه وتوجبه، ونزعتهما متغايرة لتغاير الموقع الطبيعي للبلدين. ذلك أن البصرة قد أنشئت على طرف البادية في صقع عاش في الحرية البدوية الآماد الطويلة فلم يمتد إليه نفوذ أجنبي يلين من شكيمته، والعرب النازلون فيها لم يعرهم ما يبدل صلابة عقليتهم العربية وقد تجلى ذلك في كل ما يتصل بهم من علوم وغيرها، أما الكوفة فقد أنشئت على مدني١ من "الحيرة" قاعدة المناذرة قديما في صقع كان تحت إشراف الأكاسرة خانعا لإمرتهم، دبت إليه الروح الفارسية في علومها وأنظمتها من حرية التفكير والعنو٢ لسلطان العقل والدأب على التوسع في الابتكار وانفساح الميدان للآراء، تسربت هذه الروح فيمن توطنها من العرب وأقام فيها، فكانت نزعة الكوفة في عمومها، تخالف نزعة البصرة في عمومها أيضا ولا جرم أن هذا الاختلاف إنما كان بفعل الطبيعة البلدية التي لا يرد قضاؤها في النفوس والعقول والعلوم والدربة وما إلى ذلك، فكان حتما مقضيا أن يسلك البصري في أصول مذهبه مسلك الشدة والمحافظة على المأثور وأن ينهج الكوفى في أصول مذهبه طريق السهولة والرواية، ومن ثمة اختلف مبنى المذهبين في قواعدهما على ما تقدم تفصيلا، والتزام البصري هذا التشديد أمل منه أن يسود اللغة نظام مطرد بقوانين محدودة مستقاة من الأساليب العربية الصحيحة المتضافر على أمثالها، إذ ما من ريب أن اللغة العربية لغات قبائل شتى تغايرت في بعض ألفاظها ولهجاتها وتميزت في شيء من تراكيبها، ذلك أن العربي غير مقيد بضوابط وضعية لا يتخطى حماها، بل يرسل الكلام حسب

стр. 126

مشيئته في أي غرض كان غير خاضع لنظام يسيطر عليه، وقد ينزع في غير قوسه لتأثره بعامل أجنبي يعرض له فيجانف جادة الطريق في بعض الأحيان، وقد مر في المذهب البصري تعقب ابن أبي إسحاق للفرزدق، وعيسى بن عمر للنابغة، وأبي عمرو لذي الرمة، وعيبهم لعمار الكلبي مع شعره، قال أبو علي الفارسي في تعليل أغلاط العرب: "إنما دخل هذا النحو كلامهم لأنهم ليست لهم أصول يراجعونها ولا قوانين يستعصمون بها وإنما تهجم بهم طبائعهم على ما ينطقون به فربما استهواهم الشيء فزاغوا به عن القصد" ١. رأى ذلك البصري وقد رغب رغبة صادقة في وضع قواعد عامة لأنواع الإعراب في جزئيات الكلام عند الاستعمال يجب أن تطبق ويسار على منهاجها بدقة وحزم، ويتحامي بها عن الأساليب المبهرجة٢، فلم يجد بدا من أن يقف عند الشاهد المذعن بصحته المتكاثرة نظائره ضاربا صفحا عما عداه من المرويات الضعيفة، أو الشاذة، أو المنحولة مما يؤدي اعتمادها إلى الفوضى والاضطرابات وعدم الوقوف عند غاية، وذلك كله من البصري نزوع إلى شنشنته٣ الأولى، أما الكوفي فقد حمله على مسلكه احترامه لكل ما ورد مسموعا من العرب وكفى، والتيسير للناس أن يستعملوا استعمالاتهم على مقتضى ما أثر عنهم، فلا ضير على القائل متى حاكى أي استعمال كان، وما القواعد إلا وليدة اللغة فهي ذات السلطان عليها دون العكس، هذا مع الترخيص بالقياس على مقتضى الرأي إذا فقد الشاهد، وما كان ذلك من الكوفى إلا تأثرا بنزعته الطبيعية أيضا. بذلك ترى أنه قد اتخذ كل من المذهبين سبيلا له خاصة عرف بها حتى صار لكل طابع يحالف طابع الآخر فكان نتيجة ضرورية، لهذا أمران: "الأول" أن ما كثر من الأمور الأربعة التي تخلفت عن القياس عند

стр. 127

البصري حسب المقتضيات من "التأويل والشذوذ والاضطرار والاستنكار" قد قلت عند الكوفي. "الثاني" أن الأقيسة التي اعتمد عليها البصري في تدوين مذهبه على العكس من ذلك فهي قليلة عنده بالنسبة إلى الأقيسة التي تكون منها المذهب الكوفي، ومن ثمة قيل: إن مذهب البصريين مذهب السماع ومذهب الكوفيين مذهب القياس، ولذا يقول الكسائي: إنما النحو قياس يتبع ... وبه في كل أمر ينتفع١ وفي المسألة الزنبورية الماضية في المناظرة ما يشهد بذلك، فسيبويه يتمسك بالرفع ويأبى النصب لأنه الإعراب المستفيض في التراكيب الواردة على سننه، ويجيز الكسائي النصب للقياس عنده. تلك هي الحالة العامة في المذهبين بالنظر إلى جمهوريهما، ولا ينافي ذلك أن بعض البصريين قد يميل إلى المذهب الكوفي في بعض المسائل لما انقدح في ذهنه، وقد عرفت في ترجمة الأخفش أنه أكثر البصريين موافقة للكوفيين وأن منشأ ذلك راجع إلى توطنه ببغداد في جوار الكسائي الذي احتفى به وأكرم مثواه طيلة حياته الأخيرة، كما أن بعض الكوفيين قد يرى المذهب البصري في بعضها أيضا لمثل ذلك، وربما خرج على الرأيين بعض من الفريقين وابتكر مذهبا له خاصا، بل قد يتشعب الخلاف بين رجال الفريق وحده، على أنه لم يقف الخلاف بين الفريقين عند المسائل العلمية بل سرت عدواه إلى التسمية في المصطلحات العلمية الكثيرة جدا، والحقيقة أن ذلك ليس من صالح العلم في شيء، فربما جر على المتعلم الإرهاق والنصب، فإنه إذا اطلع على كتب البصريين وعرف قواعد باب باسمه مثلا ثم قرأ كتب الكوفيين وأراد الباب نفسه فلا ريب أنه محتاج إلى اسمه عندهم حتى يهتدي إليه وفي ذلك مضيعة للوقت، وهاك بعض أمثلة من هذا:

стр. 128

مظاهر الاختلاف في المصطلحات بين المذهبين: يقول البصري: النعت، والكوفي: الصفة، والبصري: البدل، والكوفي الترجمة، والبصري الظرف، والكوفي الصفة أو المحل، والبصري حروف الجر، والكوفي الإضافة، والبصري الجر، والكوفي الخفض، والبصري المصروف وغير المصروف، والكوفي المجرى وغير المجرى، والبصري واو المعية، والكوفي واو الصرف، والبصري ضمير الشأن، والكوفي ضمير المجهول، وهكذا. والمربي على هذا في العجب اختلافهم في التعليل، نطق العربي بسكران ممنوعا من التنوين فيقول البصري للشبه بألفي التأنيث والكوفي لزيادة الألف والنون، وفي معنى الكلمة نطق العربي "باسم الفعل" فيتفرق البصريون والكوفيون في مدلوله وموقعه على أقوال شتى. لقد شغف القوم بالخلاف وثوران المراء بينهم فيما جل من العلم وما دق، ولذا يقول فيهم على سبيل التندر يزيد بن الحكم الثقفي: إذا اجتمعوا على ألف وواو ... وياء ثار بينهم جدال١ ولم يك عجيبا وغريبا أن يتبرم أبو غسان دماذ صاحب أبي عبيدة لما سمع رأي البصريين في نصب المضارع بأن مضمرة وجوبا بعد "الفاء والواو وأو" دون اعتبار هذه الأحرف ناصبة كما يقول الكوفيون، فيكتب إلى شيخ البصرة أبي عثمان المازني قصيدة مطلعها: تفكرت في النحو حتى مللت ... وأتبعت نفسي له والبدن ثم يستعرض فيها رأي البصريين السابق ويختمها بقوله:

стр. 129

فقد كدت يا بكر من طول ما ... أفكر في أمر "أَنْ" أَنْ أجن١ ولو أن الخلاف النحوي أغلق بابه بعد البصري والكوفي على ما به في مناحيه المختلفة المضطربة لهان الخطب، ولكنه تشعبت مسالكه بعدهما، فكان المذهب البغدادي والأندلسي وغيرهما من المذاهب الشخصية الخاصة الملفقة مما أجهد النحوي وأنصبه، على أنه في خلال هذه المذاهب الرئيسية خرج الكثير من علمائها عليها فلم يقف عند إجماع وسبق في ترجمة الأخفش والمبرد ما تعرفت منه خروجهما على المذهبين: البصري والكوفي، وما عاب العلماء اتخاذ أحدهم مذهبا مستحدثا متى كان مستنده قويا، فإن المذاهب مبنية على ظنون قوية فقط، قال ابن جني "وإنما لم يكن فيه قطع لأن للإنسان أن يرتجل من المذاهب ما يدعو إليه القياس، ما لم يلو٢ بنص أو ينتهك حرمة شرع إلخ"٣. ولقد مني هذا الفن من بين الفنون قديما وحديثا بكثرة الأقوال وتضارب الآراء، ويشفع لذلك أن أساسه الأهم من استعمالات العرب لم يسلك اتجاها متوحدا معينا، فالقبائل التي اعتد بها وأخذت عنها الشواهد مختلفة في كثير من الأساليب، يضم إلى ذلك اضطراب المرويات نفسها وورودها بألوان متغايرة قد تتباعد معانيها في بعض الأحيان فينتقل البيت من مدح إلى ذم وبالعكس وهكذا، وربما عمي الأمر واشتبه الحال وهنأ المرتع للتصحيف والتحريف، والأمثلة في كل ذلك متعارفة مشهورة، وتقدم لك بعض منها في شواهد سيبويه، وسيرد عليك كثير منها في الكلام على المغني وشرح الأشموني وحاشية الصبان، بما تعرف منها انتشار التصحيف والتحريف في كتب النحاة ووراء هذين الأمرين الفوضى المنتشرة في نسبة الشواهد

стр. 130

لقائليها، فقد ينسب الشاهد لاثنين فأكثر وقد يقع التوزيع للبيت فبعضه لقائل وبعضه لقائل آخر، لقد زاد الأمر عن حده وطفح الكيل أمام النحويين فلا غرابة أن يختلف النحاة حينئذ في أحكامهم لاختلاف التقادير بينهم في الشواهد فتكاثرت الأقوال حتى تقابلت وتناقضت، وحق لكل أن يقول ما يقول لأنه قد قيل، ومن هنا يدرك صدق القائل: "عجبت لنحوي يخطئ". الواقع الذي لا يتمارى فيه اثنان أن علم النحو واسع المضطرب كثير القواعد متشعب التطبيق على الجزئيات الكلامية التي لا تحد بغاية، وليس مقصودنا الآن هذا، إنما زج بنا إليه الاستطراد، وسنذكر كلمة خاصة في ذلك بمشيئة الله تعالى، إنما الذي نعنى به بيان الأسباب التي أوحت إلى التخالف بين الفريقين فحسب، ونمط التخالف بينهما، وما نجم عن هذا التخالف من المسائل على أن يكون البحث محصورا في المسائل العلمية لا فيما يتصل بالتسمية للأبواب، ولا فيما يرتبط بالتوجيه لما وقع الخلاف فيه، ولا فيما يعود إلى المدول لبعض الأنواع، فإن ذلك يقتضينا شيئا كثيرا. فإذا كان البصري قد تحفظ في أقيسته وتشدد، والكوفى قد تحلل من القيود التي تقيد بها البصري واحتفى بكل مسموع له على كثرة روايته للشعر عنه، وكلفه بالشاذ منه ورواج المنحول عنده، واكتفائه بالشاهد الواحد أيا كان شأنه، مع التعويل على القياس النظري. أدركت سعة الفجوة بين الفريقين في مسلكيهما.

стр. 131

نتائج المخالفة بين المذهبين: لقد ترتب على ما سلف أن اختلف البلدان في فروع كثيرة جدا يخطئها العد ويعيي الحاصر استقراؤها، وذهب كل منهما ينصر مذهبه بأدلة نقلية وعقلية على وفق منهجه، واحتدم الخلاف بينهما في ذلك طويلا، وقد ألف في بعض هذه المسائل أسفار خاصة، وأغلب الظن أن أول من كتب في ذلك ثعلب، ألف كتابه "اختلاف النحويين" ثم ترادفت المؤلفات فصنف ابن كيسان كتابه "المسائل على مذهب النحويين مما اختلف فيه البصريون والكوفيون"، ثم دون بعده أبو جعفر النحاس المصري مؤلفه "المقنع في اختلاف البصريين والكوفيين"، ثم ألف بعده ابن درستويه كتابه الرد على ثعلب في اختلاف النحويين، وهذه الكتب لم نطلع عليها حتى نقدر ما فيها عن خبرة، وجاء بعد هؤلاء كمال الدين الأنباري وجرد قلمه لتقصي طائفة كبيرة من هذه المسائل فدمج كتابه "الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والكوفيين" وأجاد فيه أيما إجادة، فقد ذكر فيه ثماني عشرة ومائة مسألة، وفيها بعض مسائل صرفية، وزيد في بعض النسخ عليها ثلاث، وأيد كل مسألة بأدلة الفريقين: قياسية وسماعية مع البسط والتفصيل على نحو ما بين فقهاء الشافعية والأحناف، ووقف منها موقف الفيصل العادل غير متعسف في حكمه ولا متعصب في قضائه، فيؤيد البصري مرة ويرجح الكوفي أخرى "كما يقول في مفتتح الكتاب" إلا أن المتتبع للكتاب من ألفه إلى يائه يرى آخرا أن الفوز الباهر للبصري، فإنه إنما رجح الكوفي في سبع مسائل منها فقط، ولا أطيل عليك بما بسطه من أدلة الفريقين فيها ورده على البصري، فالكتاب بين الأيدي، وأكتفي بذكرها مجردة معتمدا في الإرشاد على أرقام المسائل باعتبار ترتيب الكتاب لتيسير معرفتها، فهاكها؛ قال الكوفيون: مسألة ١٠- "لولا" ترفع الاسم بعدها نحو لولا زيد لأكرمتك، والبصريون بالابتداء. مسألة ١٨- لا يجوز تقديم خبر ليس عليها، والبصريون يجوز. مسألة ٢٦- اللام الأولى في لعل أصلية، والبصريون زائدة. مسألة ٧٠- يجوز للضرورة ترك صرف المنصرف، والبصريون لا يجوز. مسألة ٩٧- الياء والكاف في لولاي ولولاك في موضع رفع، والبصريون خفض. مسألة ١٠١- الاسم المبهم نحو هذا أعرف من العلم، والبصريون العلم أعرف.

стр. 132

مسألة ١٠٦- جواز الوقف بالنقل على المنصوب المعرف باللام، والبصريون لا. ولا يستطيع من له دربة علمية أن يتغاضى عن هذا الحكم القاسي من الأنباري فغير خليق به أن ينصب نفسه حاكما بين المذهبين في مسائل تنيف على المائة، وقد أخذ على نفسه أول الكتاب ميثاق النصفة١ ثم تكون نهاية القضاء أن يؤيد الكوفي في سبع منها فقط، ولولا أن المقام لا يتسع لاستدركنا عليه مسائل أخرى من مسائله التى رجح فيها البصري مستندين إلى أدلة الحذاق من النحاة، ولعلك لم تنس المسائل الأربع السابقة التي ذكرت آخر الكلام على المذهب الكوفي فقد رجحت كفتهم فيها، وليس غرضنا أن نعدل المذهب الكوفي بالمذهب البصري، وإنما الغرض درء الحيف وإعطاء كل ذي حق حقه. ولنرجع إلى موضوعنا: فقد ألف بعد الأنباري أبو البقاء العكبري كتابه "التبيين في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين"، ولم نعثر على هذا الكتاب٢ إلا أن المعروف عن العكبري أنه كوفي النزعة كما يتضح جليا من مؤلفاته، ومما لا مرية فيه أنه قد اطلع على كتاب الإنصاف، وشاهد هذا أنه في شرحه لديوان أبي الطيب المتنبي قد ينقل عبارة الإنصاف بنصها عند ذكر الخلاف بين الفريقين، أو يلخصها تلخيصا لا يذهب معه تعرف الأصل المأخوذ منه، ولأذكر لك شيئا من هذا على سبيل التمثيل فأضع أمامك ست مسائل من الإنصاف مرقومة بأرقام الكتاب وبحزائها أبيات ستة للمتنبي نقل العبكري في شرحها عبارة الإنصاف بحروفها أو ملخصها غير أنه لم ينسبها للأنباري -وها هي على ترتيب الإنصاف: مسألة ١٤- "نعم وبئس" اسمان أم فعلان، شرح العكبري لقول المتنبي:

стр. 133

بئس الليالي سهرت من طربي ... شوقا إلى من يبيت يرقدها مسألة ٢٦- "لعل" لامها الأولى أصلية أم زائدة، وشرحه لقوله: لعل بينهم لبنيك جند ... فأول قرح١ الخيل المهار مسألة ٤٥- "المنادى المفرد المعرف" مبني أم معرب، وشرحه لقوله: أيا أسدا في جسمه روح ضيغم ... وكم أسد أرواحهن كلاب مسألة ٥٣- "اسم لا النافية للجنس" معرب أم مبني، وشرحه لقوله: لا خلق أسمح منك إلا عارف ... بك راء نفسك لم يقل لك هاتها مسألة ٧٨- "كي" يجوز أن تكون جر، وشرحه لقوله: جوعان يأكل من زادي ويملكني ... لكي يقال عظيم القدر مقصود مسألة ٨٣- "حتى" تنصب الفعل بنفسها أم لا، وشرحه لقوله: أقر جلدي بها علي فلا ... أقدر حتى الممات أجحدها فبالضرورة لا بد أنه قد رجح كثيرا من آراء الكوفيين انتصارا لمذهبه في كتابه "التبيين" وحاج الأنباري فيها، وهكذا حال المسائل العلمية تتأرجح موازينها بين العلماء حسب التقادير المختلفة تبعا لاختلاف النظر، ثم ألف بعد العكبري ابن إياز البغدادي كتابه "الإسعاف في مسائل الخلاف" واستدرك مسائل زادها، ولم نعثر على هذا الكتاب أيضا، ورحم الله السيوطي فقد لخص في الجزء الثاني من كتابه "الأشباه والنظائر" الفن الثاني "التدريب" ما في كتابي "الإنصاف والتبيين" بما بلغ اثنتين ومائة وأضاف إليها من زيادات الإسعاف مسألتين مع الإيجاز والإفادة لأنه عني بجمعها غير مكررة، عارية من الأدلة والتمثيل ولقد أحببت أن أنقل كلامه بحروفه ابتغاء لإدراك مقدار كبير من هذه المسائل، وها هو ذا.

стр. 134

سرد مسائل الخلاف بين الكوفيين والبصريين: حسب ما ذكره الكمال أبو البركات الأنباري في "كتاب الإنصاف في مسائل الخلاف" وأبو البقاء العكبري في "كتاب التبيين في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين". ١- الاسم مشتق من السمو عند البصريين. وقال الكوفيون من الوسم. ٢- الأسماء الستة معربة من مكان واحد. وقال الكوفيون من مكانين. ٣- الفعل مشتق من المصدر. وقالوا المصدر مشتق من الفعل. ٤- الألف والواو والياء في التثنية والجمع حروف إعراب. وقالوا إنها إعراب. ٥- الاسم الذي فيه تاء التأنيث كطلحة لا يجمع بالواو والنون. وقالوا يجوز. ٦- فعل الأمر مبني. وقالوا معرب. ٧- المبتدأ مرتفع بالابتداء والخبر بالمبتداء. وقالوا المبتدأ يرفع الخبر والخبر يرفع المبتدأ. ٨- الظرف لا يرفع الاسم إذا تقدم عليه. وقالوا يرفعه. ٩- الخبر إذا كان اسما محضا لا يتضمن ضميرا. وقالوا يتضمن. ١٠- إذا جرى اسم الفاعل على غير من هو له وجب إبراز ضميره. وقالوا لا يجب. ١١- يجوز تقديم الخبر على المبتدأ. وقالوا لا يجوز. ١٢- الاسم بعد لولا يرتفع بالابتداء. وقالوا بها أو بفعل محذوف قولان لهم. ١٣- إذا لم يعتمد الظرف وحرف الجر على شيء قبله لم يعمل في الاسم الذي بعده، وقالوا يعمل. ١٤- العامل في المفعول الفعل وحده، وقالوا الفعل والفاعل معا. أو الفاعل فقط. أو المعني، أقوال لهم.

стр. 135

١٥- المنصوب في باب الاشتغال بفعل مقدر، وقالوا بالظاهر. ١٦- الأولى في باب التنازع إعمال الثاني، وقالوا الأول. ١٧- لا يقام مقام الفاعل الظرف والمجرور مع وجود المفعول الصريح، وقالوا يقام. ١٨- نعم وبئس فعلان ماضيان، وقالوا اسمان. ١٩- أفعل في التعجب فعل ماض، وقالوا اسم. ٢٠- لا يبنى فعل التعجب من الألوان، وقالوا يبني من السواد والبياض فقط. ٢١- المنصوب في باب كان خبرها وفي باب ظن مفعول ثان، وقالوا حالان. ٢٢- لا يجوز تقديم خبر ما زال ونحوها عليها، وقالوا يجوز. ٢٣- يجوز تقديم خبر ليس عليها، وقالوا لا يجوز. ٢٤- خبر ما الحجازية ينتصب بها، وقالوا بحذف حرف الجر. ٢٥- لا يجوز طعامك ما زيد آكلا، وقالوا يجوز. ٢٦- يجوز ما طعامك لآكل زيد، وقالوا لا يجوز. ٢٧- خبر إن وأخواتها مرفوع بها، وقالوا لا تعمل في الخبر. ٢٨- إذا عطفت على اسم إن قبل الخبر لم يجز فيه إلا النصب، وقالوا يجوز الرفع. ٢٩- إذا خففت إن جاز أن تعمل النصب، وقالوا لا تعمل. ٣٠- لا يجوز دخول لام التوكيد على خبر لكن وقالوا يجوز. ٣١- اللام الأولى في لعل زائدة، وقالوا أصلية. ٣٢- لا النافية للجنس إذا دخلت على المفرد النكرة بني معها، وقالوا معرب. ٣٣- لا يجوز تقديم معمول أسماء الأفعال عليها نحو: دونك وعليك، وقالوا يجوز. ٣٤- إذا وقع الظرف خبر مبتدأ ينصب بفعل أو وصف مقدر، وقالوا بالخلاف.

стр. 136

٣٥- المفعول معه ينتصب بالفعل قبله بواسطة الواو، وقالوا بالخلاف. ٣٦- لا يقع الماضي حالا إلا مع "قد" ظاهرة أو مقدرة، وقالوا يجوز من غير تقدير. ٣٧- يجوز تقديم الحال على عاملها الفعل ونحوه، سواء كان صاحبها ظاهرا أو مضمرا، وقالوا لا يجوز إذا كان ظاهرا. ٣٨- إذا كان الظرف خبر المبتدأ وكررته بعد اسم الفاعل جاز فيه الرفع والنصب نحو: زيد في الدار قائما فيها وقائم فيها، وقالوا لا يجوز إلا النصب. ٣٩- لا يجوز تقديم التمييز على عامله مطلقا، وقالوا يجوز إذا كان متصرفا. ٤٠- المستثني منصوب بالفعل السابق بواسطة إلا، وقالوا على التشبيه بالمفعول. ٤١- لا تكون "إلا" بمعنى الواو، وقالوا تكون. ٤٢- لا يجوز تقديم الاستثناء في أول الكلام. وقالوا يجوز. ٤٣- كان في الاستثناء حرف جر وقالوا فعل ماض. ٤٤- إذا أضيفت "غير" إلى متمكن لم يجز بناؤها. وقالوا يجوز. ٤٥- لا يقع "سوى وسواء" إلا ظرفا. وقالوا يقع ظرفا وغير ظرف. ٤٦- "كم" في العدد بسيطة، وقالوا مركبة. ٤٧- إذا فصل بين "كم" الخبرية وبين تمييزها بظرف لم يجز جره. وقالوا يجوز. ٤٨- لا يجوز إضافة النيف إلى العشرة. وقالوا يجوز. ٤٩- يقال قبضت الخمسة عشر درهما ولا يقال الخمسة العشرة الدرهم. وقالوا يجوز. ٥٠- يجوز هذا ثالث عشر ثلاثة عشر وقالوا لا يجوز. ٥١- المنادى المفرد المعرفة مبني على الضم. وقالوا معرب بغير تنوين. ٥٢- لا يجوز نداء ما فيه أل في الاختيار. وقالوا يجوز.

стр. 137

٥٣- الميم المشدودة في اللهم عوض من "يا" في أول الاسم. وقالوا أصله يا الله أمنا بخبر فحذف ووصلت الميم المشددة بالاسم. ٥٤- لا يجوز ترخيم المضاف، وقالوا يجوز. ٥٥- لا يجوز ترخيم الثلاثي بحال. وقالوا يجوز مطلقا أو إذا كان ثانيه متحركا قولان. ٥٦- لا يحذف في الترخيم من الرباعي إلا آخره. وقالوا يحذف ثالثه أيضا. ٥٧- لا يجوز ندبة النكرة ولا الموصول. وقالوا يجوز. ٥٨- لا تلحق علامة الندبة الصفة. وقالوا يجوز. ٥٩- لا تكون "من" لابتداء الغاية في الزمان. وقالوا تكون. ٦٠- رب حرف. وقالو اسم. ٦١- الجر بعد واو رب برب المقدرة. وقالوا بالواو. ٦٢- منذ بسيطة. وقالوا مركبة. ٦٣- المرفوع بعد "مذ ومنذ" مبتدأ. وقالوا بفعل محذوف. ٦٤- لا يجوز حذف حرف السم وإبقاء عمله من غير عوض إلا في اسم الله خاصة. وقالوا يجوز في كل اسم. ٦٥- اللام في قولك لزيد أفضل من عمرو لام الابتداء. وقالوا لام القسم محذوفا. ٦٦- أيمن الله في القسم مفرد. وقالوا جمع يمين. ٦٧- لا يجوز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول. وقالوا يجوز. ٦٨- لا يجوز إضافة الشيء إلى نفسه مطلقا، وقالوا يجوز إذا اختلف اللفظان. ٦٩- كلا وكلتا مفردان لفظا مثنيان معنى، وقالوا: مثنيان لفظا ومعنى. ٧٠- لا يجوز توكيد النكرة توكيدا معنويا. وقالوا يجوز إذا كانت محدودة. ٧١- لا يجوز زيادة واو العطف. وقالوا يجوز.

стр. 138

٧٢- لا يجوز العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار. وقالوا: يجوز بدونه. ٧٣- لا يجوز العطف على الضمير المتصل المرفوع. وقالوا يجوز. ٧٤- لا تقع أو بمعنى الواو ولا بمعنى بل. وقالوا يجوز. ٧٥- لا يجوز العطف بلكن بعد الإيجاب. وقالوا يجوز. ٧٦- يجوز صرف أفضل منك في الشعر. وقالوا لا يجوز. ٧٧- لا يجوز ترك صرف المنصرف في الضرورة, وقالوا يجوز. ٧٨- الآن اسم في الأصل. وقالوا أصله فعل ماض. ٧٩- يرتفع المضارع لوقوعه موقع اسم الفاعل. وقالوا بحروف المضارعة. ٨٠- لا تأكل السمك وتشرب اللبن منصوب بأن مضمرة. وقالوا على الصرف. ٨١- الفعل المضارع بعد الفاء في جواب الأشياء السبعة منصوب بإضمار أن. وقالوا على الخلاف. ٨٢- إذا حذفت أن الناصبة فالاختيار ألا يبقى عملها. وقالوا يبقي. ٨٣- كي تكون ناصبة وجارة وقالوا لا تكون حرف جر. ٨٤- لام كي ولام الجحود ينصب الفعل بعدهما بأن مضمرة وقالوا باللام نفسها. ٨٥- لا يجمع بين اللام وكي وأن وقالوا يجوز. ٨٦- النصب بعد حتى بأن مضمرة. وقالوا بحتى. ٨٧- إذا وقع الاسم بين "إن وفعل الشرط" كان مرفوعا بفعل محذوف يفسره المذكور. وقالوا بالعائد من الفعل إليه. ٨٨- لا يجوز تقديم معمول جواب الشرط ولا فعل الشرط على حرف الشرط. وقالوا يجوز. ٨٩- "إن" لا تكون بمعنى إذ. وقالوا تكون. ٩٠- إذا وقعت إن الخفيفة بعد ما

стр. 139

النافية كانت زائدة. وقالوا نافية. ٩١- إذا وقعت اللام بعد إن الخفيفة كانت إن مخففة من الثقيلة واللام للتأكيد. وقالوا إن بمعنى ما واللام بمعنى إلا. ٩٢- لا يجازي بكيف، وقالوا يجازى فيها. ٩٣- السين أصل. وقالوا أصلها سوف حذف منها الواو والفاء. ٩٤- إذا دخلت تاء الخطاب على تاء الفعل جاز حذف الثانية. وقالوا الأولى. ٩٥- لا يؤكد فعل الاثنين وفعل جماعة المؤنث بالنون الخفيفة. وقالوا يجوز. ٩٦- ذا والذي وهو وهي بكمالها الاسم. وقالوا الذال والهاء فقط. ٩٧- الضمير في لولاي ولولاك ولولاه في موضع جر. وقالوا في موضع رفع. ٩٨- الضمير في نحو إياي وإياك وإياه "إيا". وقالوا الياء والكاف والهاء. ٩٩- يقال فإذا هو هي. وقالوا فإذا هو إياها. ١٠٠- أعرف المعارف المضمر، وقالوا المبهم. ١٠١- ذا وأولاء ونحوهما لا يكون موصولا. وقالوا يكون. ١٠٢- همزة بين بين غير ساكنة، وقالوا ساكنة. وقد فات الأنباري مسائل خلافية بين الفريقين استدركها عليه "ابن إياز" في مؤلف منها: "الإعراب أصل في الأسماء فرع في الأفعال عند البصريين، وقال الكوفيون أصل فيهما، ومنها لا يجوز حذف نون التثنية لغير الإضافة وجوزه الكوفيون"١.

стр. 140

موازنة بين المذهبين: لا إخالك بعد أن تستحضر ما عرضناه عليك إلا مرجحا كفة مذهب البصريين، ولسنا في حاجة إلى البسط بعد ما فات، غير أنا هنا نلم التشعيب الفائت ليتركز في الذهن ويبقى في الذاكرة، فنقول: إن مذهب البصريين إنما رجح لأنه نشأ على ملاحظة أمور ثلاثة لا يراها الكوفيون: ١- أنهم يؤثرون السماع على القياس فلا يصيرون إليه إلا إذا أعوزتهم الحاجة، وحملهم على هذا سهولة اتصالهم بجمهرة العرب، ولكثرتهم حولهم قد تعصبوا في رواياتهم فلا يحملونها إلا عن موثوق بفطرته، أما الكوفيون فعلى عكسهم فضلوا القياس على السماع في كثير من مسائلهم لتنائيهم عن خلص العرب، ولذا تساهلوا في رواياتهم فتلقوها عن أعراب لا يرى البصريون سلامتهم. ٢- أنهم احتاطوا في أقيستهم فلم يدونوها إلا بعد توافر أسباب الاطمئنان عليها بخلاف الكوفيين الذين تفككوا من قيودهم، ولذا يقول السيوطي: "اتفقوا على أن البصريين أصح قياسا لأنهم لا يلتفتون إلى كل مسموع ولا يقيسون على الشاذ"١. ٣- أنهم لا يعولون على القياس النظري عند انعدام الشاهد إلا فيما ندر جدا، أما الكوفيون فطالما جنحوا إليه، وسلفت لك أمثلة من هذا النوع. فهده الأمور الثلاثة التى تولد عنها الاختلاف بين الفريقين في المسائل الجمة تضافرت في النهوض بمذهب البصريين على الكوفيين، إذ لا ريب أن السماع في اللغة ركن أول لأنها ليست فلسفة يتحكم فيها ميزان العقل والدراية، والتشدد في القياس الذي يؤذن بصحة نظائره حتم لازم، وإلغاء القياس النظري في اللغة مستقيم مع الواقع، هذا حال المذهبين في مجملهما وإن ظفر مذهب الكوفيين في بعض المسائل.

стр. 141

وقد ذكرنا لك أربعا منها في الكلام على المذهب الكوفي، وسبعا منقولة عن الأنباري في نتائج المخالفة بين الفريقين. وما مثل الفريقين عند التقريب إلا كمثل الطبيب والمتطبب، فالبصريون كالطبيب الذي عانى المهنة حدثا وحذقها مدركا فأحكمها وأفاد المجتمع عن طول مدة ودقة خبرة، والكوفيون كالمتطلب الذي قد اكتهل ونظر الطبيب وما يسديه فوجد عليه ثم نعرف منه وقارعه، فإن الكوفيين ما منهم إلا من أخذ عن البصريين أرباب هذا الشأن بينما لم يتلق أحد من البصريين عن واحد منهم، قال السيوطي "وكذلك أهل الكوفة كلهم يأخذون عن البصريين وأهل البصرة يمتنعون من الأخذ عنهم لأنهم لا يرون الأعراب الذين يحكون عنهم حجة"١. إن احتضان العباسيين للكوفيين خصوصا بعد اتصال الكسائي وأصحابه هو الذي رفع من شأنهم عند أنفسهم واستخفهم إلى مناصبة البصريين، لحبهم إياهم وإيثارهم على البصريين لما قدموا من مؤازرتهم في تكوين دولتهم إذ كانوا شيعتهم من جهة ولقربهم عن البصريين من جهة أخرى، فأدنوهم منهم قبل البصريين، وأسبغوا عليهم نعمهم وأجزلوا لهم منحهم وأدخلوهم قصورهم واتخذوا منهم السمار والمؤذبين والمعلمين، فالمفضل الضبي وشرقي بن القطامي الكلبي مؤدبا المهدي، والكسائي معلم الرشيد ثم مؤدب ولديه الأمين والمأمون، والفراء رائد أولاد المأمون، وابن السكيت شيخ أولاد المتوكل، وابن قادم معلم المعتز بالله، وثعلب أستاذ عبد الله بن المعتز وابن طاهر، وبذلك قبضوا على أعنة الحركة العلمية في بغداد وساد مذهبهم فيها وانتشر قبل المذهب البصري، حتى انقاد إليه كثير من العلماء حرصا على التقريب من الدولة، وتغلغلت الناس في الأخذ بدعمائه فنفقت سوق الروايات الشاذة والموضوعة، حتى عمي على الناس الطريق

стр. 142

اللاحب١، يقول أبو الطيب: "فلم يزل أهل المصرين على هذا حتى انتقل العلم إلى بغداد قريبا وغلب أهل الكوفة على بغداد، وخدموا الملوك فقربوهم، فأرغب الناس في الروايات الشاذة، وتفاخروا بالنوادر وتباهوا بالترخيصات وتركوا الأصول واعتمدوا على الفروع فاختلط العلم"٢. لقد استحوذ الكوفيون على بغداد وحالوا دون اتصال البصريين بها، بينما حاول البصريون الولوج إليها تلهفا على مقاسمة الكوفيين حظوتهم فلم يفلحوا، وفي حادثة سيبويه الماضية التي كان فيها القضاء عليه ما يشهد بتآمرهم عليهم ومناصرة العباسيين وبطانتهم لهم. على أنه مع هذا العنت الشديد والضغط المقيت قد نفذ إلى بغداد قليل منهم "كاليزيدي" توفي ٢٠٢هـ إلا أن اتصاله يرجع إلى حسن وقته الذي سهل له الدخول في غمار العلماء الكوفيين ببغداد، فإنه قدم إليها قبل استفحال العداء العلمي بين البلدين وقد ظهر فضله عند يزيد بن منصور خال المهدي فاستبقاه عندما استعرت نار المخاصمة، وطار به إلى قصور الخلفاء فجعله الرشيد من مؤدبي المأمون، ومع هذا فقد كان متطامنا أمام الكسائي أولا. أما الأخفش الأوسط الذي قضى الشطر الأخير من حياته في بغداد فلسنا نحسبه فيمن نعد؛ إذ ما ارتحل إليها ليأخذ يحق سيبويه أستاذه من الكسائي وجها لوجه، لا رغبة في منزلة ولا في دنيا يصيبها، لكن الكسائي قد تغلب عليه بدهائه وقيده بإحسانه، فأقام عنده مؤدب أولاده حتى لقي ربه، ولقد كان لإقامته الطيبة مع الكسائي تأثيرها في نفسه حتى وافق الكوفيين في مسائل عدة ذات بال واحتذى حذوهم في العناية بالقياس وقد مر في ترجمته بسط المقال في ذلك.

стр. 143

هذا، وكما نفذ اليزيدي إليها كذلك نفذ إليها المبرد توفي ٢٨٥هـ، بفضل لياقته البادية للخلفاء والأمراء فنال مكانته عندهما وبقي ناعم البال فيها، وشارك ثعلبا تعليم ابن المعتز، ولا سيما وقد هدأت فيها المنازعة وكادت تضع أوزارها، وما أشبه كلا الرجلين - اليزيدي والمبرد - بالآخر في الوسائل التي أتاحت لهما طيب الحياة ببغداد وإن اختلف زمانهما. الحق أن السياسة هي التي عاضدت الكوفيين وأوجدت منهم رجالا كونوا مذهبا ناضل المذهب البصري، ولولاها لما ثبتوا أمام البصريين في مساجلاتهم بل ولما قهروهم في مواطن كثيرة ظلما وعدوانا، والدنيا منذ الخليقة مملوءة بالأغراض والشهوات. والبصريون وإن لم ينصفوا في حياتهم إلا أنهم كوفئوا بعد مماتهم بتفضيل العلماء لمذهبهم، وببقاء أغلب مؤلفاتهم تشيد بذكراهم، أما الكوفيون فلم ينالوا الأمرين، فالعلماء يرون مذهبهم في وضعه اللائق به، ومؤلفاتهم قد أسدل التاريخ ستاره على كثير منها، حتى كأن لم تكن لولا تراجم أصحابها التي تطلعنا على مؤلفاتهم، ولولا ذكرها عرضا خلال الكتب في بعض الأحيان لمناسبة ذكر خلاف. وعلى كل حال فقد كان تلاقي الفريقين في بغداد موجها أنظار العلماء فيها إلى عرض المذهبين وانتقادهما.

стр. 144

أثر تلاقي الفريقين ببغداد في تنويع النزعات إلى ثلاث مدخل ... أثر تلاقي الفريقين ببغداد في تنويع النزعات إلى ثلاث: لقد تبينت مما سلف أن الطور الثالث "طور النضوج والكمال" قد تم على يد الفريقين، بعد أن توطدت أقدامهما في بغداد بعد منتصف القرن الثالث الهجري ومر عليهما حين من الزمن وهما يتطاحنان في مناصرة مذهبيهما على مرأى من العلماء الذين تنوعت اختياراتهم حينذاك، فمن مؤيد البصري ومن مؤثر الكوفي، ومن مازج بين المذهبين، وإن قل هؤلاء إذ كانت حدة الخلاف بين الفريقين مع كثرة عديهم وعظيم شأنهم في حياة المجتهدين من دواعي تغلب الانحياز إلى أحد الطرفين على اختيار مذهب خليط، حتى إذا قضى المجتهدون نحبهم في أواخر القرن الثالث الهجري، وأسدل الستار عليهم، وانكسرت حدة النعرة الحزبية عرض العلماء المذهبين على بساط البحث والنقد، فاستعرضوا دعائم القواعد، التي تركزت عليها من الرواية والشواهد والأقيسة ليتعرفوا مقدار هذه القواعد من الصحة والضعف حتى يبتنى حكمهم في الاختيار على أساس غير منهار، وهم ما يزال فيهم فئة تلقت عن البصري، وأخرى عن الكوفي، بينما أخذت عن الفريقين فئة ثالثة. على أنهم بعد هذا في أنفسهم بين محافظ على ترسم خطى سلفه فغلبت عليه النزعة الطائفية، وبين منصف تحلل من قيود الحزبية ونظر إلى العلم نظرة خالصة لا يشوبها عاطفة، فآثر ما رجح عنده وتمذهب به، فلم يكن غريبا على من لقنه عن بصري أن يجنح بعد إلى إيثار المذهب الكوفي أو المكون منهما والعكس بالعكس، كما لم يكن بدعا على من تتلمذ لهما أن يؤازر أحدهما. نجم عن ذلك كله أنهم اختلفوا طرائق قددا١، فكان منهم من غلبت عليه النزعة البصرية، ومنهم من غلبت عليه الكوفية، ومنهم من جمع بين النزعتين. وقد قسم ابن النديم في الفهرست "المقالة الثانية" إلى فنون ثلاثة: الفن الأول في البصريين، والثاني في الكوفيين، والثالث في الخالطين بين المذهبين، واستعرض في الأولين علماءهما سلفهم وخلفهم المشايعين لهم إلى عصره. ويقتضينا ترتيبنا في كتابنا أن نذكر كلا من المشايعين المتأخرين

стр. 145

للفريقين المعاصرين للجامعين بين النزعتين في هذا العهد، فإن المجتهدين السابقين من المصرين مضى الحديث عنهما حين كان كل في مصره إبان تكوين النحو ونموه ونضوجه، فالحديث الآن عن النحاة الذين رفرفت عليهم بغداد بظلها الظليل. وطبعي أن البلاد الإسلامية التي كانت مستشرفة لهذا العلم قد تأثرت بهذه النزعات لأن بغداد كعبة الجميع، وقد نزح إليها من مصر في ذلك العهد عدد كبير سنذكر المشهورين منهم بعد الطوائف الثلاث العراقية، فإليهم يرجع الفضل في دخول النحو وكتبه ودراسته البلاد المصرية. ونحن الآن بصدد الطوائف العراقية الثلاثة، غير أنا نكتفي بترجمة المشهورين فقط، مع إحالة الراغب في الاطلاع على الكل على كتاب الفهرست لأنه مؤرخ هذا العهد على ما نبهنا سابقا. فهاك أشهر الطوائف الثلاثة:
следующие страницы →