ومدحه بدل اشتمال، فمرادها أن لا يمدح أحدا بعد كندة، دل على ذلك المصراع الثاني والبيت مطلع قصيدة نادرة الوجود أوردها كلها الشنقيطي مع ذكر السبب، وذلك في القسم الثاني، آخر الكلام على البرزنجي.
وعلى هذا فالأبيات المجهولة في كتاب سيبويه تسعة وأربعون، والأبيات المجهولة التي أذكرها أحد وثلاثون، وهاكها بالترتيب على نسق الكتاب:
أبياته المجهولة القائل
أ- ما في الجزء الأول:
هل تعرف الدار على تبراكا ... دار لسعدي إذه من هواكا١
أستغفر الله ذنبا لست محصيه ... رب العباد إليه الوجه والعمل٢
وقائلة خولان فانكح فتاتهم ... وأكرومه الحيين خلو كما هيا٣
إن عليَّ الله أن تبايعا ... تؤخذ كرها أو تجئ طائعا٤
وكأنه لهق السراة كأنه ... ما حاجبيه معين بسواد٥
هل أنت باعث دينار لحاجتنا ... أو عبد رب أخا عون بن مخراق٦
ضعيف النكاية أعداءه ... يخال الفرار يراخي الأجل٧
كلوا في بعض بطنكم تعفوا ... فإن زمانكم زمن خميص٨
.................................. ... من لد شولا فإلى إتلائها٩
стр. 72
دعوت لما نابني مسورا ... فلبي فلبي يدي مسور١
فلا تلحني فيها فإن بحبها ... أخاك مصاب القلب جم بلابله٢
ووجه مشرق النحر ... كأن ثدياه حقان٣
................................... ... يا ليت أيام الصبا رواجعا٤
على أنني بعد ما قد مضى ... ثلاثون للهجر حولا كميلا
يذكر نيك حنين العجول ... ونوح الحمامة تدعو هديلا٥
من اجلك يا التي تيمت قلبي ... وأنت بخيلة بالود عني٦
يا لقوم من للعلى والمساعي ... يا لقوم من للندى والسماح
يا لعطافنا ويا لرياح ... وأبي الحشرج الفتى النفاح٧
فلا أب مثل مروان وابنه ... إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا٨
................................... ... لا هيثم الليلة للمطي٩
بكت جزعا واسترجعت ثم آنذت ... ركائبها أن لا إلينا رجوعها١٠
................................... ... حنت قلوصي حين لا حين محن١١
فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا ... فاذهب فما بك والأيام من عجب١٢
دعي ماذا علمت سأتقيه ... ولكن بالمغيب نبئيني١٣
стр. 73
غير أنا لم تأتنا بيقين ... فنرجى ونكثر التأميلا١
هذا سراقة للقرآن يدرسه ... والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب٢
إن الكريم وأبيك يعتمل ... إن لم يجد يوما على من يتكل٣
وكنت أرى زيدا كما قيل سيدا ... إذ أنه عبد القفا واللهازم٤
ولست أبالي بعد يوم مطرف ... حتوف المنايا أكثرت أو أقلت٥
ب- ما في الجزء الثاني:
لقد رأيت عجبا مذ أمسا ... عجائزا مثل السعالي خمسا٦
وهيج الحي من دار فظل لهم ... يوم كثير تناديه وحيهله٧
......................................... ... وهي تنوش الحوض نوشا من علا٨
فأقبل على رهطي ورهطك نبتحث ... مساعينا حتى ترى كيف نفعلا٩
هذا ما يختص بالأبيات المجهولة القائل في الكتاب ١٠، أما الألف الباقية فقد ارتضاها جمهور العلماء سواء منها ما نسب إلى قائله وما لم ينسب إليه وقليل منهم اعترض على بعض الأبيات المنسوبة لقائلها بما يؤدي إلى عدم صحة الاستشهاد بها على ما ساقها دليلا عليه سيبويه لتحريف أو تصحيف خفي عليه في الرواية للشاهد، وقليل منهم تعقب بعض الأبيات غير
стр. 74
المنسوبة لقائلها واعتبرها مفتعلة مصنوعة، وهذا كله عدا الأبيات المزيدة على شواهد سيبويه فلم تذكر في أصل الكتاب معها، وقد شرحها الأعلم أيضا ناسبا كل شاهد زائد في الباب المذكور فيه لمن أنشده من العلماء الذين زادوه على شواهد الكتاب في خلال نظرهم فيه وإن فاته كمعظم الشراح "رجز" خلط بكلام الكتاب، ذلك هو قول سيبويه في باب "ما لا يعمل فيه ما قبله من الفعل، إلخ".
لقد علمت أي حين عقبتي ... ............................١
وهو من شواهد الرضي "في أفعال القلوب" ونبه على كل ذلك البغدادي في الخزانة٢.
فهذه أصناف ثلاثة، وهاك بيانها:
بعض الأبيات التي خطئوا روايتها:
كثر ما طعن بعض العلماء على بعض الأبيات المنسوبة للقائل طعنا يقضي بعدم الاستدلال بها، وفي مقدمة هؤلاء ابن قتيبة، والمبرد، والعسكري، وإني لذاكر من ذلك أبياتا ثلاثة على سبيل التمثيل خوف الإطالة فمن ذلك:
١- قول عقيبة بن هبيرة الأسيدي:
معاوي إننا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا
أديروها بني حرب عليكم ... ولا ترموا بها الغرض البعيدا٣
استشهد سيبويه بالبيت الأول على جواز العطف على الموضع٤، فإن
стр. 75
قوله "الحديدا" معطوف على محل المجرور قبله في قوله "بالجبال" لأن الباء زائدة.
لقد خطأ ابن قتيبة في أواخر مقدمة الشعر والشعراء في هذه الرواية مدعيا أن الصواب الجر كبقية القصيدة، والبيت الثاني من بيتي سيبويه لا صلة له بالأول منهما، وتابعه المبرد في ذلك، وكذا العسكري في "التصحيف والتحريف".
لكن العلماء المنتصرين لسيبويه، وفي مقدمتهم ابن الأنباري في كتابه "الإنصاف"، قالوا: إن البيت روي مع أبيات منصوبة ومع أبيات مجرورة، واستشهاد سيبويه منوط بالرواية الأولى فصح الاعتماد عليه، ولهذا استشهد به الرضي على الكافية، راجع الخزانة في الشاهد الرابع والعشرين بعد المائة.
٢- ومن ذلك قول نهشل بن حري:
لِيُبْكَ يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوائح١
استشهد به سيبويه في باب "ما يحذف منه الفعل إلخ" على أن رافع "ضارع" محذوف للعلم به من سابقه.
وقد تعقب الأصمعي رواية البيت كذلك قائلا إن الصواب نصب يزيد بالفعل قبله، والفعل مبني للمعلوم لا للمجهول، فضارع فاعل له لا للمحذوف، وقد نقل عن الأصمعي هذا التصحيح ابن قتيبة في أواخر مقدمة الشعر والشعراء، وتبعهما العسكري في "التصحيف والتحريف".
لكن العلماء الآخرون أجازوا رواية سيبويه فاقتفاه في الاستدلال بها في
стр. 76
"باب الفاعل" الزمخشري في المفصل، وابن الحاجب في الكافية، وابن هشام في التوضيح والأشموني في شرح الألفية.
٣- ومن ذلك قول الأخطل:
كروا إلى حرتيكم تعمرونهما ... كما تكر إلى أوطانها البقر١
استشهد سيبويه بهذا البيت في باب "من الجزاء ما لا ينجزم فيه الفعل إذا كان جوابا لأمر إلخ على جواز رفع المضارع وهو تعمرونهما بعد الطلب وهو "كروا" لعدم قصد الجزائية، وتبعه في الاستشهاد به الزمخشري في المفصل، والأشموني في شرحه على الألفية.
لم ينبه أحد من العلماء قط على ما في البيت من خطأ ابتني عليه زعم الاستدلال بالبيت إذ مدار الاستشهاد به على أن "كروا" فعل أمر بدليل الخطاب في حرتيكم.
والحقيقة أن الفعل ماض وأن صواب الشطر الأول:
كروا إلى حرتيهم يعمرونهما
على الحكاية للغائبين، فالبيت من قصيدة في متناول أيدي الجميع، ويبدو لي أن هذا التحريف غير معمود إليه، وإنما سري لسيبويه من الراوي المحرف، وأكاد أعتقد أن هذا البيت في تحريفه لا مثيل له في الكتاب، والعجب العاجب عدم الانتباه لما فيه من الأعلام السابقين.
بعض الأبيات التي قيل: إنها مصنوعة:
١-
حذر أمورا لا تضير وآمن ... ما ليس منجيه من الأقدار٢
استشهد به سيبويه على عمل "فعل" من أبنية المبالغة، وتبعه من بعده
стр. 77
كابن يعيش في شرح المفصل، والرضي في شرح الكافية وغيرهما.
لكن قال النقدة يروى عن اللاحقي أنه قال: "إن سيبويه سألني عن شاهد في تعدي "فعل" فعملت له هذا البيت".
وقد تصدى للرد عن سيبوبه في الطعن الوارد على هذا البيت الكثير من العلماء قال الأعلم في شرحه لهذا الشاهد: "وإن كان هذا صحيحا فلا يضر ذلك سيبويه لأن القياس يعضده"، وقال هارون بن موسى: "وإنما أراد اللاحقي بقوله: فوضعت له هذا البيت، فرويته له"، وقال ابن يعيش في شرح المفصل: "فإن سيبويه رواه عن بعض العرب وهو ثقة لا سبيل إلى رد ما رواه"، وبعدئذ فلا مجال للطعن على سيبويه.
٢-
هم الفاعلون الخير والآمرونه ... إذا ما خشوا يوما من الأمر معظما
٣-
ولم يرتفق والناس محتضرونه ... جميعا وأيدي المعتفين رواهقه
قال المبرد: "وقد روى سيبويه بيتين محمولين على الضرورة وكلاهما مصنوع، وليس أحد من المفتشين يجيز مثل هذه الضرورة لما ذكرت من انفصال الكناية، والبيتان اللذان رواهما سيبويه، وهم الفاعلون الخير، إلخ"١.
المراد من الكناية الضمير، وأول من استعملها في ذلك سيبويه، وتوجيه طعن المبرد على سيبويه أن الضمير لا يتصل بالوصف المثنى أو المجموع إلا إذا تجرد من النون اللاحقة في آخره حتى يحل محلها الضمير المتصل المضاف إليه، وذلك للتناوب بين النون والضمير، فإذا اقترنت بالوصف النون وجب انفصال الضمير عنه حينئذ، والنتيجة أن الجمع بينهما ممنوع، فكيف
стр. 78
استباح سيبويه ذكر بتين اجتمع فيهما النون والضمير المتصل للضرورة مع أنهما مصنوعان؟
والذي يقتضي العجب أن المبرد يتجنى على سيبويه في هذا الانتقاد مع أن سيبويه نفسه قد صرح في البيت الأول أنه مصنوع وكذا في الثاني١، ونقل ذلك عنه ابن يعيش في شرح المفصل مبحث الإضافة اللفظية لأن صاحب المفصل ذكر الشطر الأول من البيت الأول للرد عليه، وكذا الرضي على الكافية، وقد استعرض اعتراض المبرد على البيتين وما قيل في دفع الاعتراض عليهما البغدادي في الخزانة في الشاهدين: السادس والتسعين والسابع والتسعين بعد المائتين.
٤-
إذا ما الخبز تأدمه بلحم ... فذاك أمانة الله الثريد٢
استشهد بالبيت مرتين الأولى على رفع ما بعد إذا، والثانية على نصب أمانة بفعل مقدر، وتابعه في الاستشهاد به على الثانية الزمخشري في المفصل عند الكلام على حروف القسم، وابن يعيش في شرح المفصل في أوائل الكلام على القسم.
لكن قال النقدة: إن البيت مصنوع، والله أعلم بالحقيقة.
الأبيات المزيدة على الشواهد:
يرى المتأمل في شرح شواهد سيبويه للأعلم أبياتا مضافة إلى أبيات سيبويه، وقد تناولها الأعلم بالبيان لمعناها وموطن الشاهد فيها على غرار شرحه لأبيات الكتاب، غير أنه قبل ذكرها يعزوها لمنشدها في الباب المتحدث فيه ويعرض للغرض منها في الاستشهاد، ما خلا بيتين فيؤخذ منه نسبتهما لسيبويه لإطلاقه الإنشاد له على وفق طريقته في شواهده.
والأبيات المزيدة بلغت أحد عشر أكثرها من إنشاد الأخفش، فالمازني، ثم
стр. 79
الجرمي، والمبرد: ولهذا يحسن بعد ذكر البيتين المظنون نسبتهما لسيبويه سرد ما أنشده الأخفش في الكتاب مستقلا، وكذا المازني، وبعدهما أراعي ترتيب الكتاب في المبرد والجرمي.
البيتان المنسوبان له وهما في الجزء الثاني:
أتيت مهاجرين فعلموني ... ثلاثة أحرف متتابعات
وخطوا لي أبا جاد وقالوا ... تعلم صعفصا وقريسيات١
الأخفش في الجزء الأول:
فبيناه يشري رحله قال قائل ... لمن جمل رخو الملاط نجيب٢
وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه٣
ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد٤
فزججتها بمزجة ... زج القلوص أبي مزاده٥
المازني في الجزء الأول:
أتهجر ليلى بالفراق حبيبها ... وما كان نفسا بالفراق تطيب٦
وفي الجزء الثاني:
إن الفرزدق صخرة عادية ... طالت فليس تنالها الأوعالا٧
فما سبق القيسي من ضعف حيلة ... ولكن طفت علماء غرلة خالد٨
المبرد في الجزء الأول:
ثأرنا بها قتلى وما في دمائها ... وفاء وهن الشافيات الحوائم٩
стр. 80
الجرمي في الجزء الثاني:
أرمي عليها وهي فرع أجمع ... وهي ثلاث أذرع وأصبع١
وبعد فمما لا ريب فيه بين العلماء قاطبة أن سيبويه لم يحتج في كتابه إلا بأشعار من يستشهد بشعرهم من الجاهليين والمخضرمين والإسلاميين فلم يتجاوزهم إلى المحدثين، ولقد كان ذلك في تعليمه ودراسته وحجاجه، نعم روي أنه عاب على بشار صدر المحدثين كلمات له في أبيات، وبلغ عيبه لها بشارا، فقال يهجوه:
أسبويه يابن الفارسية ما الذي ... تحدثت عن شتمي وما كنت تنبذ
أظلت تغني سادرا في مساءتي ... وأمك بالمصرين تعطي وتأخذ٢
فتوقى شره بعدئذ، وكان إذا سئل عن شيء فأجاب عنه ووجد له من شعر بشار شاهدا احتج به استنكافا لشره٣.
ومن الحق البين أن الكتاب يحتاج إلى دراسة طويلة عميقة في البحث يضيق المقام عن استيفائها، وما أجدرها بسفر خاص!
تقدير الكتاب:
لقد دهش الناس عند ظهور الكتاب فجأة على صورته الرائعة الغريبة من سيبويه الشاب، فتسرب إلى نفوسهم الظن في أمانته العلمية، قال يونس: "أظن هذا الغلام كذب على الخليل" فقيل له وقد روى عنك أيضا، فاستحضر الكتاب ورأى ما نقله عنه صحيحا، فقال إنه صدق في جميع ما قال.
عظم شأن الكتاب في البصرة حتى صار علما بالغلبة، فكان إذا قيل في
стр. 81
البصرة فلان يقرأ الكتاب فلا يفهم السامع سوى كتاب سيبوبه، بل سموه إكبارا له "قرآن النحو"، وهكذا كان الكتاب أعجوبة الدهر الخالدة فإنه منذ ألف استفرغ عناية العلماء به في الطواف حوله، فمن شارح له ومن شارح لشواهده ومن منتقد له واتخذوا حينا وضع كتاب جديد بعده، ولهذا كان يقول المازني: "ومن أراد أن يصنف كتابا واسعا في النحو بعد سيبويه فليستحي".
لم يقف العلماء فيه على عثرات شأن المؤلفات الضافية "لا في أسلوبه ولا في القواعد المسطورة" فيه، مع أن الكتاب باكورة في النحو، ومع كثرة الناظرين فيه، وحسبه في أسلوبه أن يتلقف ابن الطراوة غلطة واحدة فيه، ثم لم تسلم له مع هذا إلا تلك: هي أن سيبويه في الجزء الأول باب "ما تجري عليه صفة ما كان من سببه وصفة ما التبس به، إلخ" أجاب بكلمة نعم عن استفهام تقريري داخل على النفي مرتين إذ يقول: "قيل له: ألست تعلم أن الصفة. فإنه لا يجد بدا من أن يقول نعم. أفلست تجعل هذا العمل. فإنه قائل: نعم"١. والمعروف في "نعم" أنها جواب لما بعد الاستفهام، وهو خلاف المراد على ما هو واضح.
ودفع هذا التعقب ابن هشام في المغني مبحث "نعم" فقال: "وزعم ابن الطراوة أن ذلك لحن. ويجوز عند أمن اللبس أن يجاب النفي بما يجاب به الإيجاب رعيا لمعناه. وعلى ذلك قول الأنصار ﵃ للنبي ﷺ وقد قال: "ألستم ترون لهم ذلك قالوا: نعم" وعلى ذلك جرى كلام سيبويه، والمخطئ مخطئ".
ويكفيه في قواعده أن الزجاج لم يعثر إلا على غلطتين فيها: إحداهما اعتباره بناء "أي" الموصولة على الضم مع الإضافة وحذف صدر الصلة، قال ابن هشام في المغني مبحث "أي": "قال الزجاج: ما تبين لي أن سيبويه
стр. 82
غلط إلا في موضعين هذا أحدهما فإنه يسلم أنها تعرب إذا أفردت فكيف يقول ببنائها إذا أضيفت؟ ".
ومنذ ألف الكتاب ما فارقه النحو وما تخلف هو عنه بل كانا يقيمان معا ويرحلان معا، فطوف معه وانتقل من البصرة إلى الكوفة، ثم بغداد ثم الأندلس والشام ومصر، وسنذكر نبذة عنه إن شاء الله في الطور الرابع عند الكلام على علماء الأندلس، تتبين منها إقبال الأندلس عليه وتقديرها له، وبعبارة أخرى احتفاء المغاربة به بعد المشارقة، وفي خزانة الأدب للبغدادي الشاهد السابع والخمسين نبذة عن الكتاب.
ولقد قدر لهذا العبقري أن تكون منيته في أمنيته، حببت إليه التوجه إلى بغداد لمنازلة الكسائي الذي كان ينفس عليه ما نال من جاه كبير ومال وفير، ثقة منه بالظفر عليه، فتلاقى القرينان وجرت بينهما تلك المناظرة المشئومة التي سلف الكلام عليها، فخاب الأمل، وفارق سيبويه بغداد مقهورا، وعز على نفسه أن يعود إلى البصرة بعد هذا الخزي والخذلان، فاستقدم تليمذه أبا الحسن الأخفش في طريقه إلى بلده في فارس، وبث إليه حزنه، وما كاد يرد بلده حتى اشتدت علته، فمات في ريعان شبابه قبل جل شيوخه ﵀ سنة ١٨٨هـ.
٢- اليزيدي: هو أبو محمد يحيى بن المبارك بن المغيرة العدوي مولى بني عدي، نشأ بالبصرة وتلقى عن "أبي عمرو بن العلاء وابن أبي إسحاق١ والخليل ويونس" وغيرهم، ثم اشتهر فضله فيها وعرف باللغة والنحو وأخبار الناس، وعرضت فتنة بالبصرة اقتضت اختفاءه عنها، ثم ظهر بعد في بغداد عند يزيد بن منصور الحميري خال المهدي فأدب أولاده ونسب إليه ولقب باليزيدي من هذا الحين، وسرى هذا اللقب في أولاده
стр. 83
وأحفاده من بعده، ولم يلبث أن وصله يزيد بالرشيد فاختصه بأدب المأمون كما كان الكسائي يؤدب الأمين، وصار اليزيدي يدرس في مساجد بغداد كما يدرس الكسائي، فتولدت بين الشيخين المنافسة، وتطلع كل منهما لغلب الآخر، فحدثت المناظرات بينهما، وكان اليزيدي مظفرا في أغلبها، وقد أسلفنا القول على إحداهما، ولما مات الكسائي قبله لم يقصر في رثائه، كان اليزيدي مع علمه أديبا شاعرا له مجموعة شعرية فيها شعر كثير في مدح النحاة البصريين وهجاء الكوفيين، وسنذكر بعضا منها في الكلام على المذهب الكوفي بمشيئة الله تعالى، وله مؤلفات متنوع العلوم، منها مختصر في النحو وقد بورك له في نسله فكان العلم والأدب والفضل في أبنائه وحفدته، توفي ﵀ بمرو سنة ٢٠٢هـ١.
стр. 84
الطبقة الخامسة:
١- الأخفش الأوسط: هو أبو الحسن سعيد بن مسعدة مولى بني مجاشع بن دارم "بطن من تميم" أوسط الأخافشة الثلاثة المشهورين، فقبله أبو الخطاب الأخفش الأكبر شيخ سيبويه الذي سلفت ترجمته، وبعده أبو الحسن الأخفش الأصغر تلميذ المبرد وثعلب وستأتي ترجمته، وأشهرهم ذكرا في النحو فلذا ينصرف إليه الحديث عن ذكر الأخفش مجردا من الوصف في كتب النحو، فإن قصد غيره وجب ضم الأكبر أو الأصغر إليه على وفاق المطلوب، ولد ببلخ وأقام بالبصرة لطلب العلم وتلقى مع سيبوبه عن جل شيوخه سوى الخليل، ثم أخذ عنه بعد المشاركة مع كبر سنه عنه فكان أنحى تلاميذه، وكان ضنينا بكتاب سيبويه لنفاسته حتى ظن به ادعاؤه لنفسه لأن سيبويه لم يقرأه على أحد ولا قرأه عليه أحد ما عداه، قال: ما وضع سيبويه في كتابه شيئا إلا عرضه علي وكان يرى أنه أعلم به مني وأنا اليوم أعلم به منه، فتشاور تلميذا الأخفش: "الجرمي والمازني" على الحيلولة بينه وبين ما
стр. 85
ظن فيه بترغيبه في المال إذ كان الجرمي مثريا فقرآه عليه وظهر الكتاب، فليس للكتاب طريق إلا الأخفش، فإليه يرجع الفضل في استبقائه كما يرجع للكتاب الفضل في إقبال العلماء على الأخفش.
لما قفل سيبويه من بغداد بعد خذلانه في المناظرة الماضية استشخص تلميذه الأخفش في طريقه إلى الأهواز لما سبق أنه ولى وجهه عن البصرة خزيا وشكا إليه بثه وحزنه مما هاضه، فتحرش الأخفش بالكسائي ووصل بغداد في الغلس١ وصلى خلف الكسائي الغداة في مسجد، ثم سأله أمام تلامذته "الفراء والأحمر" وغيرهما وخطأه في إجابته حتى هم التلامذة بالوثوب عليه فمنعهم الكسائي وقال له: بالله أما أنت أبو الحسن بن سعيد بن مسعدة؟ فقال: بلى، فقام إليه وعانقه وأجلسه بجنبه وأكرم مثواه، فاستحال تحرشه محبة له وأقام عنده ينعم بالحياة السعيدة الجديدة، وبقي في جواره ببغداد بقية حياته، وصار مؤدب أولاده وقرأ له كتاب سيبويه سرا، وقد تغيرت لذلك عصيبة الأخفش حتى وافق الكوفيين كثيرا في آرائهم فكان أكثر البصريين موافقة للكوفيين، وكتب النحو ملأى بالمسائل التي وافقهم فيها، وإني ذاكر لك بعضا منها على سبيل التمثيل.
من المسائل التي وافق فيها الأخفش الكوفيين:
١- إعراب فعل الأمر وجزمه بلام الأمر المقدرة على أنه مقتطع من المضارع المجزوم بها، قال ابن هشام: "وزعم الكوفيون وأبو الحسن أن لام الطلب حذفت حذفا مستمرا في نحو قم واقعد، وأن الأصل. لتقم ولتقعد، فحذفت اللام للتخفيف وتبعها حرف المضارعة"٢.
٢- جواز رفع الوصف فاعلا ظاهرا من غير اعتماد للوصف وكذا
стр. 86
الظرف قال الرضي"والأخفش والكوفيون جوزوا رفع الصفة للظاهر على أنه فاعل لها من غير اعتماد على الاستفهام أو النفي نحو: قائم الزيدان كما يجيزون في نحو: "في الدار زيد" أن يعمل الظرف بلا اعتماد"١.
٣- جواز زيادة "من" في غير الإيجاب مع المعرفة قال الرضي "وغير الأخفش والكوفيين شرط فيها شرطين كونها في غير الموجب ودخولها في النكرات، والكوفيون والأخفش لا يشترطون ذلك استدلالا بقوله تعالى: ﴿يَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ "٢.
كما تغيرت نزعته البصرية "نزعة السماع" إلى النزعة الكوفية "نزعة القياس" بل أسرف فيها، فعول على قياسه النظري في كثير من المسائل التي لم يأبه فيها بالفريقين، وهاك بعضا منها:
من المسائل التي انفرد فيها الأخفش بالقياس:
١- جواز وقوع "أن" بعد "لعل" قياسا على "ليت" قال الزمخشري: "وقد أجاز الأخفش "لعل أن زيدا قائم" قاسها على ليت"٣.
٢- تجويزه رفع المضارع بعد حتى المسبوقة بالنفي قياسا على الإيجاب واعتبار النفي داخلا على الكلام برمته، قال ابن هشام: "وأجاز الأخفش الرفع بعد النفي على أن يكون أصل الكلام إيجابا ثم أدخلت أداة النفي على الكلام بأسره لا على ما قبل حتى خاصة إلخ"٤، قال الدماميني: "فكأنه إنما أجاز بالقياس لا بالسماع" وقد سبق إلى هذا النقل الرضي.
٣- جواز منع الصرف لأفعل الصفة مع قبوله التاء نحو أرمل قياسا
стр. 87
على أحمر١، قال الأشموني: "وأجاز الأخفش منعه لجريه مجرى أحمر لأنه صفة وعلى وزنه"٢.
٤- قياسه مجيء اسم فعل الأمر من الرباعي على فِعلال، قال الرضي: "وعند الأخفش فعلال أمرا من الرباعي قياس"٣.
٥- تصغيره اللاتي واللائي على لفظهما، قال الرضي: "وقد صغرهما على لفظهما قياسا لا سماعا، وكان لا يبالي بالقياس في غير المسموع إلخ"٤ فيقال اللويتا واللويئا.
وبعد فالمخالفات التي خرج فيها عن الفريقين معتمدا على قياسه النظري غير متقيد فيها بقانون السماع كثيرة جدا، ولهذا يقول الرضي: "وأجاز الأخفش الكسر أيضا في "الم الله" قياسا لا سماعا كما هو عادته في التجرد بقياساته على كلام العرب الذي أكثره مبني على السماع"٥.
على أنه كان لتحلله من التقليد أثره في آرائه، فكثر ما كان له في المسألة الواحدة رأيان فصاعدا، قال ابن جني: "وقد كان أبو الحسن ركابا لهذا الثبج٦ آخذا به غير محتشم منه، وأكثر كلامه في عامة كتبه عليه، وكنت إذا ألزمت عند أبي علي ﵀ أن أقول لأبي الحسن شيئا لا بد للنظر من إلزامه إياه، يقول لي: مذاهب أبي الحسن كثيرة إلخ"٧.
وله مؤلفات كثيرة منها في النحو: المقاييس، والأوسط، توفي ببغداد سنة ٢١٥هـ.
стр. 88
٢- قطرب: هو أبو علي محمد بن المستنير، نشأ بالبصرة وتلقى عن "عيسى بن عمر وسيبويه" وغيرهما إلا أن اتصاله بسيبويه أكثر، كان كلما خرج سيبويه من بيته سحرا وجده على بابه فقال له: إنما أنت قطرب١ ليل، فأطلق عليه ولصق به، حذق الجدل والكلام ومال إلى مذهب المعتزلة النظامية، له تصانيف كثيرة، منها في النحو "كتاب العلل"، توفي ببغداد عام ٢٠٦هـ.
стр. 89
الطبقة السادسة:
١- الجرمي: هو أبو عمر صالح بن إسحاق مولى بني جرم١ من قبائل اليمن نشأ بالبصرة فتعلم عن شيوخها النحو واللغة، وسمع من "يونس والأخفش الأوسط" ولم يلق "سيبويه"، وزامله في عصره وتلقيه المازني، وإليهما انتهت الرياسة النحوية، وسبق أنهما ذوا الفضل في إظهار الكتاب على يد شيخهما الأخفش، كان الجرمي أديبا شاعرا ديِّنا صحيح العقيدة، وله مناصرة مع الفراء، ومصنفاته كثيرة، منها في النحو مختصره المشهور لدعائه له بالبركة، وكتاب "فرخ كتاب سيبويه" ورد بغداد وأقام فيها حتى قضى نحبه سنة ٢٢٥هـ.
٢- التوزي: هو أبو محمد عبد الله بن محمد مولى قريش من توز "بلد بفارس"، أخذ عن "الجرمي" كتاب سيبويه، واشتهر باللغة والأدب فكان أعلم بالشعر من المازني والرياشي، توفي ببغداد سنة ٢٣٨هـ.
٣- المازني: هو أبو عثمان بكر بن محمد مولى بني سدوس، ولد بالبصرة، وتربى في بني مازن بن شيبان فنسب إليهم، وأخذ عن "أبي عبيدة وأبي زيد والأخفش" وغيرهم، مع مشاركة رفيقه الجرمي، كما تقدمت
стр. 90
الإشارة لذلك، وما لبث أن صار علم البصرة الخفاق.
وقال الناس: لم يكن بعد سيبويه أعلم من المازني بالنحو، ساعده على نبوغه قوة بيانه وأدبه، فكان له الفلج١ في الحجاج، وقد تغلب على الأخفش مع تلقيه عنه.
استقدمه من البصرة أمير المؤمنين هارون الواثق إليه في "سامرا" مقر الخلافة آنذاك لما أنشد مخارق قول الحارث بن خالد المخزومي:
أظليمُ إن مصابكم رجلا ... أهدى السلامَ تحيةً ظلمُ٢
بنصب رجل، ورأى علماء الكوفة حوله رفعه مع تمسك مخارق بإنشاده رواية عن المازني، فلما قدم المازني أوجب النصب مدللا عليه في حديث طويل، فأصاب نجحا عظيما عند الواثق، ثم حمله الواثق على اختبار العلماء فوقفوا من المازني على علم جم، ورغبه الواثق في البقاء فاعتذر، وعاد أدراجه إلى البصرة مرعي الجانب من الواثق ثم من أخيه المتوكل بعده، والمازني على طول باعه أبى التصنيف في النحو إذ كان يقول الكلمة المتقدمة في كتاب سيبويه: "من أراد أن يصنف كتابا واسعا في النحو بعد كتاب سيبويه فليستحيي".
نعم، ألف كتابا في علل النحو، وكتاب التصريف، وله كتب أخرى في غير النحو، ومن شعره:
شيئان يعجز ذو الرياضة عنهما ... رأيُ النساء وإمرةُ الصبيان
أما النساء فإنهن عواهر ... وأخو الصبا يجري بكل عنان
стр. 91
توفي ﵀ بالبصرة سنة ٢٤٩هـ على الأشهر.
٤- أبو حاتم السجستاني: هو سهل بن محمد، نشأ بالبصرة، وأخذ عن "أبي زيد والأصمعي وأبي عبيدة"١ وقرأ كتاب سيبويه مرتين على الأخفش، ثم نبه شأنه فانتفع الناس بدراسته، إلا أنه لم يكن حاذقا بالنحو، له مصنفات مختلفة منها إعراب القرآن، وكتاب الإدغام، توفي سنة ٢٥٠هـ.
٥- الرياشي: هو أبو الفضل العباس بن الفرج مولى محمد بن سليمان الهاشمي، ولقب بالرياشي لأن أباه كان عبدا لرجل من جذام اسمه رياش فانتقل اللقب من أبيه بعد الشهرة إليه. نشأ بالبصرة وأخذ النحو عن المازني وسمع منه كتاب سيبويه، واللغة عن الأصمعي، ثم صار من كبار النحاة واللغويين، له تصانيف ليس منها كتاب نحو، قتل وهو يصلي الصبح قائما في الفتنة المشئومة "موقعة الزنج" بالبصرة المضروب بها المثل المشهور، كان دخولهم فيها وقت صلاة الجمعة في شوال سنة ٢٥٧هـ.
стр. 92
الطبقة السابعة:
١- المبرد: هو أبو العباس محمد بن يزيد من بنى ثمالة "بطن من أزد شنوءة" ولد بالبصرة وأخذ عن "الجرمي والمازني وأبي حاتم" وغيرهم إلا أن أغلب تلقيه عن المازني، ثم نبه قدره في البصرة وانتهت إليه الرياسة حتى قال الناس: ما رأى محمد بن يزيد مثل نفسه.
فأما سبب تلقيبه بالمبرد فقال ياقوت: "وإنما لقب بالمبرد لأنه لما صنف المازني "كتاب الألف واللام" سأله عن دقيقه وعويصه فأجابه بأحسن
стр. 93
جواب، فقال له المازني: قم فأنت المبرد "المثبت للحق" فحرفه الكوفيون وفتحوا الراء"، آراؤه في النحو مستفيضة في الكتب.
كان غير متقيد برأي المذهبين: البصري والكوفي، متى بدا له رأي آخر، فمن ذلك على سبيل التمثيل منعه تقديم خبر ليس عليها، قال ابن جني بعد مقدمة يعيب فيها اللائمين على المتفرد برأي جديد: "وذلك كإنكار أبي العباس جواز تقديم خبر ليس عليها، فأحد ما يحتج به عليه أن يقال له أجاز هذا مذهب سيبويه، وأبو الحسن وأصحابنا كافة، والكوفيون أيضا معنا، فإذا كان إجازة ذلك مذهبا للكافة من البلدين، وجب عليك يا أبا العباس أن تنفر عن خلافه. إلخ"١.
ومن آرائه الغريبة تجويزه ظهور "كان" بعد "أما" في نحو: أما أنت منطلقا انطلقت، قال الرضي: "وأجاز المبرد ظهور كان على أن "ما" زائدة لا عوض ولا يستند ذلك إلى سماع"، كما أنه كان كثيرا ما يخطئ بعض الأساليب لسعة أفقه في الاطلاع، فمن ذلك على سبيل المثال إنكاره وقوع الضمير المتصل بعد لولا مثل: لولاي ولولاك ولولاه ونحوها، فقد ذكر بعد كلام رد به تخريجي سيبوبه والأخفش لها ما نصه: "والذي أقوله إن هذا خطأ لا يصلح لا أن نقول: لولا أنت، كما قال الله : ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ ٢ وتعقبه لسيبويه مشهور، وقد ذكرنا شيئا منه في الكلام على الكتاب.
استشرفت نفسه بغداد فاتصل بالخلفاء والأمراء ينافس ثعلبا إمام الكوفيين ذا المكانة في بغداد فوقعت بينهما العداوة والبغضاء، بلغه يوما أن ثعلبا نال منه، فقال في ذلك مغيظا:
رب من يعنيه حالي ... وهو لا يجري ببالي
стр. 94
قلبه ملآن مني ... وفؤادي منه خالي
وجرت بينهما مناظرات تكلمنا على واحدة منها سابقا، ظفر فيها ثعلب، ودام النفور بين الإمامين حتى لقي المبرد ربه فرثاه ثعلب.
ولقد خلف مصنفات في علوم متنوعة برهنت على أدبه الجم وعلمه الغزير، منها في النحو: المقتضب١. وشرح شواهد سيبويه، والرد عليه، وله في تاريخ النحاة: طبقات النحويين البصريين وأخبارهم، وقد نوهنا في كلمة سابقة عن كتابه الكامل، والتعريف الكافي عنه يتطلب بسطا لا يسعه المقام، توفي ببغداد سنة ٢٨٥هـ.
стр. 95
طبقات الكوفيين الخمس:
الطبقة الأولى:
١- الرؤاسي: هو أبو جعفر محمد بن الحسن، مولى محمد بن كعب القرظي، لقب بالرؤاسي لكبر رأسه، نشأ بالكوفة وورد البصرة فأخذ عن "أبي عمرو بن العلاء" وغيره من علماء الطبقة الثانية البصرية، ثم قفل إلى الكوفة، واشتغل فيها بالنحو مع عمه معاذ وغيره، فتكونت الطبقة الأولى الكوفية.
ثم صنف كتابه "الفيصل" في النحو، وقد مر في الكلام على الطور الثاني أن الخليل بعث إلى الرؤاسي يطلبه فأرسله إليه، وأن سيبويه نقل في كتابه عنه كما نقل عن البصريين، فإلى الرؤاسي يرجع بدء النحو في الكوفة دراسة وتأليفا.
فهو رأس الطبقة الأولى الكوفية، وكتابه أول مؤلف في النحو بالكوفة، توفي بالكوفة في عهد الرشيد.
٢- معاذ الهراء: هو أبو مسلم، لقب بالهراء لبيعه الثياب الهروية، وهو عم الرؤاسي ومولى القرظي أيضا، أقام بالكوفة واشتغل مع ابن أخيه في النحو، غير أن ولوعه بالأبنية غلب عليه، حتى عده المؤرخون واضع الصرف، ولم يوقف له على مصنف، عمر طويلا، وتوفي بالكوفة سنة ١٨٧هـ.
стр. 96
الطبقة الثانية:
١- الكسائي: هو أبو الحسن علي بن حمزة: مولى بني أسد، فارسي الأصل، سئل عن تلقيبه بالكسائي فقال: "لأني أحرمت في كساء"، وقيل في السبب غير هذا، نشأ بالكوفة وتعلم النحو على كبر، ذلك لأنه حادث قوما من الهباريين لحنوه فأنف من التخطئة، وقام من فوره وطفق يتعلم النحو، فأخذ عن معاذ الهراء ما عنده ثم توجه تلقاء البصرة فتلقى عن " عيسى
стр. 97
ابن عمر والخليل " وغيرهما، ولما أعجب بالخليل قال له: من أين أخذت علمك هذا؟ قال: من بوادي الحجاز ونجد وتهامة، فجاب هذه البوادي وقضى وطره، ثم انحدر إلى البصرة فألفى الخليل قضى نحبه، وخلفه يونس، فجلس في حلقته ومرت بينهما مسائل اعترف له يونس بها، من ذلك ما قال المبرد "ويروى أن يونس بن حبيب قال لأبي الحسن الكسائي: كيف تنشد بيت الفرزدق فأنشده:
غداة أحلت لابن أصرم طعنة ... حصين عبيطات السدائف والخمر
فقال الكسائي: لما قال: "غداة أحلت لابن أصرم طعنة حصين عبيطات السدائف" تم الكلام، فحنل الخمر على المعنى، أراد: وحلت له الخمر، فقال له: ما أحسن ما قلت"١.
ثم عاد إلى الكوفة ينشر علمه، والكوفة متعطشة إلى نحو مضارع نحو البصرة وفي الكسائي نشاط في الدراسة والتصنيف فتقوى المذهب الكوفي، وبدأ يناهض البصري على يد الكسائي الذي دوى ذكره حتى وصل مسمع أمير المؤمنين المهدي في بغداد فاستقدمه لحادثة خاصة، ورأى فيه عالما خريتا لقنا٢ فاستبقاه في بغداد وضمه إلى حاشية ابنه الرشيد، فاحتضنه الرشيد بعد الخلافة ليؤدب ولديه الأمين والمأمون، ثم صعد به جده وصار من الجلساء المؤانسين، ومن هنا ساد المذهب الكوفي وتكاثرت أتباعه وعز علماؤه، فعز على علماء البصرة شأنهم وجاءوا بغداد يناهضونهم فكانت
стр. 98
المناظرات الماضية وكان الكسائي ذا تدره١. الكوفيين في أغلبها.
له مصنفات كثيرة، منها في النحو مختصر.
وعلى يد الكسائي تكاثرت الفوارق بين المذهبين لاختلاف الاتجاهين، وسنعقد مبحثا خاصا نفصل ذلك فيه بمشيئة الله تعالى، وأخباره ذائعة مشهورة.
وبقي الكسائي أثيرا عند الرشيد، صاحبه مع محمد بن الحسن الشيباني في رحلته إلى فارس حتى كانوا في رنبويه "بلد قرب الري" وأحس الكسائي بقرب المنية فتمثل بقول مؤرج السدوسي:
قدر أحلك ذا النجيل وقد أرى ... وأبى مالك ذو النجيل بدار
إلا كداركم بذي بقر الحمى ... هيهات ذو بقر من المزدار٢
ثم مات هو ومحمد فقال الرشيد: اليوم دفنت الفقه والنحو برنبويه، وذلك سنة ١٨٩هـ٣.
стр. 99
الطبقة الثالثة:
١- الأحمر: هو أبو الحسن علي بن الحسن المعروف بالأحمر، كان جنديا من رجال النوبة على باب الرشيد، ثم سمت نفسه إلى العلم، فكان يترصد في الطريق الكسائي عند حضوره للرشيد ويسير في ركابه وبحاشيته جيئة وذهابا، يستفيد منه المسألة بعد الأخرى حتى عد في أصحاب الكسائي، وناظر سيبويه عند مقدمه بغداد، كما سلف.
فلما أصيب الكسائي بالوضح١، وكره الرشيد ملازمته أولاده، فأشار عليه باختيار نائب عنه، فاستخلف الأحمر إبقاء على مجده واطمنئنانا منه على خضوع الأحمر له، وعاهد الأحمر على أن يلقنه يوما فيوما ما يؤدب به أولاد الخليفة، وكان الأحمر يقظا فطنا فأجاد التعلم والتعليم حتى بز أصحاب الكسائي، وتبوأ مكانته، ونعم برفهنية٢ العيش.
وقد أملى شواهد نحوية واجتمع عليه الناس، وصنف كتاب التصريف، ومات بطريق الحج سنة ١٩٤هـ.
٢- الفراء: هو أبو زكريا يحيى بن زياد، مولى بني أسد، لقب بالفراء "لأنه كان يفري الكلام".
ولد بالكوفة من أصل فارسي، وتلقى عن "الكسائي" وغيره، وتبحر في علوم متنوعة، فكان فذا في معرفة أيام العرب وأخبارها وأشعارها، والطلب والفلسفة والنجوم، وتقصى أطراف علم النحو حتى قيل فيه: "الفراء أمير المؤمنين في النحو، وهو الذي قال: أموت وفي نفسي شيء من حتى لأنها ترفع وتنصب وتخفض ".
стр. 100
طمع في نوال الخلفاء فانحدر إلى بغداد ولج في الاتصال بالمأمون حتى وصله ثمامة بن أشرس ١، فحاطه الخليفة برعايته، ورغب إليه أن يؤدب ابنيه، كما اقترح عليه أن يؤلف كتابا يجمع أصول النحو، وهيأ له دارا خاصة فيها وسائل النعيم متكاملة فأخرج له كتاب "الحدود" بعد سنتين، وما زال الفراء وجيها عند المأمون، مغبوط المنزلة بين الأمة، يؤلف ويفيض علمه حتى توفي سنة ٢٠٧هـ.
٣- اللحياني: هو أبو الحسن علي بن المبارك من بني لحيان، أخذ عن الكسائي وغيره، وله كتاب النوادر، توفي سنة ٢٢٠هـ٢.
стр. 101
الطبقة الرابعة:
١- ابن سعدان: هو: أبو جعفر الضرير محمد بن سعدان، نشأ بالكوفة، وأخذ عن "أبي معاوية الضرير" وغيره، ثم اشتهر بالعربية والقراءات، صنف كتابا في النحو، وتوفي سنة ٢٣١هـ١.
٢- الطوال: هو: أبو عبد الله محمد بن أحمد، نشأ بالكوفة، وسمع من الكسائي وغيره وقدم بغداد، مات سنة ٢٤٣هـ.
٣- ابن قادم: هو: أبو جعفر محمد بن عبد الله بن قادم، أخذ عن الفراء، وحذق النحو وتعليله، واتصل بالعباسيين فأدب المعتز قبل الخلافة، وله مؤلفات منها في النحو: الكافي، والمختصر، توفي ببغداد سنة ٢٥١هـ.
стр. 102
الطبقة الخامسة:
١- ثعلب: هو: أبو العباس أحمد بن يحيى، المعروف بثعلب: مولى بنى شيبان، ولد ببغداد في عصرها الذهبي، وتلقى عن ابن الأعرابي ١ وابن قادم، وسلمة بن عاصم وغيرهم غير أنه كان للنحو من بين علوم اللغة العربية النصيب الأوفى من عنايته، واعتماده فيه كان على سلمة بن عاصم.
وهبه الله حافظة واعية مكنته أن يستظهر ما يقرأه، فحفظ كتب الكسائي والفراء، واستطاع أن يقرأ بنفسه كتاب سيبويه فتزعم رياسة النحو للكوفيين إلا أنه كان لا يحبذ القياس.
اتصل بالخلفاء والأمراء كأسلافه الكوفيين، فأدب ابن المعتز وابن طاهر، وجمعت بغداد بينه وبين أبي العباس المبرد زعيم البصريين الذي نافسه شرف الرياسة العلمية والزلفى عند الخلفاء والأمراء، فكانت بينهما مناظرات ذكرنا سابقا واحدة منها فاز فيها ثعلب، ولكل منهما شيعته وحزبه، وسعى بينهما القتاتون٢.
وكان المبرد يتطلب لقيا ثعلب كثيرا فيراوغه ويتلكأ عن إجابته، ولثعلب مجالسة مع الرياشي سلفت أيضا، وله نادرة طريفة تتعرف منها نفاسة علم النحو، وأنه أحرى العلوم كلها بالرعاية، رأيت إرجاءها الآن لتكون مسك الختام لهذا الكتاب.
له رحمة الله عليه مصنفات شتى منها في النحو: اختلاف النحويين،
стр. 103
والموفقي وما ينصرف وما لا ينصرف، وحد النحو، وفي اللغة: الفصيح وسترى في ترجمة الزجاج تخطئته فيه، وفي الأدب وغيره: مجالس ثعلب وكانت وفاته ببغداد من صدمة دابة له في الطريق، لم يسمع وقع حوافرها وراءه لصممه، سنة ٢٩١هـ.
стр. 104
الاختلاف بين البصريين والكوفيين:
أسبابه:
إقليم العراق العربي من أسبق الأقاليم مدنية وعمرانا لخصب تربته ووفرة مياهه واعتدال جوه، تعاقبت عليه قدما متحضروا الأمم من البابليين والأشوريين والفرس، كما انحدر إليه العرب من بكر وربيعة وكانت منهم إمارة المناذرة بالحيرة، ولما أشرقت عليه شمس الإسلام في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- أنشأ فيه المسلمون البصرة سنة ١٥. ثم الكوفة بعدها بستة أشهر على أصح الروايات، وسرعان ما ازدهر البلدان وتحولت إليهما حضارة بابل والحيرة وهوت إليهما أفئدة من المسلمين وزخرا بالعلماء والقواد وتقاسما مدنية العراق، حتى كان إذا قيل العراق فمعناه البصرة والكوفة، وكانوا يطلقون أحيانا عليهما العراقين.
ومع أن البلدين يضمهما سياج العراق فقد غرست النزعة السياسية بينهما بذرة الضغن لما هبط علي كرم الله وجهه الكوفة واتخذها مقر خلافته وقدمت أم المؤمنين عائشة البصرة على رأس جيش فيه طلحة والزبير طلبا لثأر عثمان -رضى الله عنه- فكانت موقعة "الجمل" المعروفة بينهما موقعة بين البلدين١ ولعل السر في مجاوزة الإمام علي البصرة مع أنها على حرف البادية وتكبده مشاق السفر إلى الكوفة مع توغلها في العراق ما عرف عن الكوفة من ميل أهلها إلى الطاعة ديانة دون البصرة التي اشتهر أهلها بالعصيان والشقاق والعصبية، ولكثرة اليمنيين بها المخلصين للهاشميين المصدورين من القرشيين، ومن حين هذه الموقعة اختلف هواهما فالبصرة عثمانية والكوفة علوية، وازداد هذا الاختلاف بتعاقب الأيام، قال أعشى همدان -عبد الرحمن- على لسان الكوفة:
فإذا فاخرتمونا فاذكروا ... ما فعلنا بكم يوم الجمل٢
стр. 105
جاءت دولة بني أمية فكان ضلعها مع البصرة التي ظاهرتها وناصرتها، والكوفة على تبرم وحنق مستجنين في قلبها بضغط الأمويين عليها، وفي الدولة قسوة ورجالها صرامة، ثم قامت الدولة العباسية على أنقاضها وكان مبدأ ظهورها في الكوفة، فإن أبا العباس السفاح أول خلفائها إنما تمت له البيعة فيها بفضل تشيعها ومظاهرتها للهاشميين، ولقد حفظ العباسيون لها تلك الصنيعة وعطفوا عليها وكافئوها، فانقلب الأمر في البلدين، وعزت الكوفة بعد ذل وأفل نجم البصرة بعد تألق ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ ١.
كل ذلك مما أوسع شقة الخلاف بين البلدين حتى تألب كل على الآخر وقلب له ظهر المجن، وفي كتاب "البلدان" لأبي عبد الله أحمد بن محمد الهمذاني المعروف بابن الفقيه الشيء الكثير مما تراميا به من الأقوال وتباريا فيه من المفاخرات، نسوق هذا لتعرف متى ولد سبب الاختلاف الذي جرهما إلى تطاول بعضهما على بعض، وحبب إليهما إيثار المخالفة في المسائل العلمية على الموافقة فيها؟ إذ ما بدأت المنافسة العلمية النحوية بينهما إلا بعد أن عملت عوامل الخلاف عملها، ووضعت السدود الحصينة التي تحول دون الوفاق بينهما، وتسلطت الأثرة عليهما.
وكان ذلك كما سبق في أول الطور الثاني على عهد الخليل والرؤاسي بعد اجتماعهما أولا في الأخذ عن الطبقة الثانية البصرية، وبعد تكوين هذا الفن ونشوئه في البصرة.
стр. 106
المذهب البصري:
لقد كان من حسن الحظ للنحو أن كانت البصرة مولده ومهده لأنها اختصت بما حرمته الكوفة التي ناهضتها بعد ذلك للأمور التالية:
أولا: أن العرب النازحين إليها من القبائل العريقة في اللغة الفصحى استطابوها فاتخذوها دراهم وأكثرهم من قيس وتميم الذين بقوا على عربيتهم.
ثانيا: أنه كان على كثب منهم "المِرْبَدُ" الذي قد اتخذه العرب سوقا في الجهة الغربية منها مما يلي البادية بينه وبينها نحو ثلاثة أميال، يقضون فيه شئونهم قبل أن يدخلوا الحضر أو يخرجوا منه، وقد صارت هذه السوق في الإسلام صورة موازنة لعكاظ الجاهلية، فكانت فيه النوادي الأدبية والمجامع الثقافية تألفت فيه حلقات الإنشاد والمفاخرة والمنافرة والمعاظمة ومجالس العلم والأدب، فكان الشعراء يؤمونه ومعهم رواتهم، وكانت لفحولهم حلقات خاصة فيه، قال الأصفهاني: "وكان لراعي الإبل والفرزدق وجلسائهما حلقة بأعلى المربد بالبصرة يجلسون فيها"١.
كما كان العلماء والأدباء والأشراف ينزلون فيه للمذاكرة والرواية والوقوف على ملح الأخبار، واللغويون يأخذون عن أهله ويدونون ما يسمعون، والنحويون يسمعون فيه ما يصحح قواعدهم ويؤيد مذاهبهم، وكثيرا ما نجد التنويه عنه في تراجم النحاة واللغويين.
ثالثا: موقعها الجغرافي فإنها على طرف البادية مما يلى العراق وأدنى المدن إلى العرب الأقحاح الذين لم تلوث لغتهم بعامية الأمصار فعلى مقربة منها بوادي نجد غربا والبحرين جنوبا، والأعراب تفد إليهم منهما ومن داخل الجزيرة العربية بكثرة، وكل أولئك يسر لعلماء البصرة حينما قاموا بتدوين القواعد أن يجدوا طلبتهم وينالوا رغبتهم، ففي هذه الثلاثة مدد من اللسان العربي الفصيح لا ينفدوهم في بصرتهم مقيمون لا يتجشمون بعدئذ أسفارا ولا يجربون قفارا، إذ لم تشتد الحاجة أولا للرحلة في مدى الطبقتين
стр. 107
الأوليين من طبقاتهم. لأنهم لما يبلغوا الغاية في تجريد القياس وتعليل النحو وتفريعه ولم تضطرب الروايات في هذا الحين، ومادة اللغة قوية.
ولا ريب أن نشوء النحو بالبصرة إنما كان تلبية لداعي المحافظة على صيانة اللغة العربية مما نزل بها منذرا بالخطر المدلهم الذي لو ترك وشأنه لدرجت كما درج غيرها من اللغات، كما كان واجبا على من دخل في الإسلام من غير أبناء العرب أن يتعلمه ليتعرف لغة القوم الذين صار منهم حتى يتم الاندماج بينهما وتستحكم أواصر الوحدة فيها: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ١.
والفضل في ذلك راجع إلى أبي الأسود الذي توطنها مع تشيعه للعلويين ومناوأة البصريين للعلويين وشيعتهم، إلا أن سلطان هذا العلم استرعاهم فأقبلوا إليه يزفون، وتحلقوا حوله وتدارسوا مسائله حبا في المعرفة لذات المعرفة ورغبة في العلم لذاته غير طامعين في مغنم أو حريصين على شيء من حطام الدنيا، وأغلبهم من الموالي الذين سعد بهم هذا العلم منذ بزغ فجره لأنهم من أمم مرنت على مزاولة العلوم والفنون بحسب لغاتها، فشدوا عضد أبي الأسود في التدوين وكانوا له خير معين.
كان لتعاون تلك البيئة التي تموج بمختلف العرب الذين يمثلون أغلب القبائل المعترف بينهم بسلامة سلائقها -كما كانت تعج بالرواة والحفظة والنقدة، وهذا الداعي العلمي الخالص- الأثر الطيب في سلوك البصريين في قواعدهم، ونمطهم العلمي، فحولهم الأساليب العربية متوافرة تجود لهم بشواهد القواعد دون مجهود يلحقهم، ولا منافس لهم يستعجلهم ويقطع عليهم سلسلة الاستقراء حتى يثقوا بما يدونون متئدين مطمئنين إلا شيئا واحدا، وذلك هو منادي العلم المحض، فكان لزاما لذلك أنه لم تدون قواعدهم إلا مدعومة على عناصر ثلاثة:
стр. 108
١- سلامة من أخذوا عنه من العرب المقطوع بعراقتهم في العروبة وصونهم فطرهم من تسرب الوهن إليها من رطانة١ الحضارة حتى لم يأخذوا إلا عن سكان البوادي، بل كانوا يتحرزون عنهم إذا لمحوا عليهم ضعفا اعتراهم، فكانوا يختبرونهم أحيانا قبل التقبل لما يروون عنهم، قال ابن جني: "ومن ذلك ما يحكى أن أبا عمرو استضعف فصاحة أبي خيرة لما سأله فقال: كيف تقول استأصل الله عرقاتهم؟ ففتح أبو خيرة التاء فقال له أبو عمرو: هيهات أبا خيرة لان جلدك"٢.
٢- الثقة برواية ما سمعوه عنهم من طريق الحفظة والأثبات الذين بذلوا النفس والنفيس في نقل المرويات عن قائليها معزوة إليهم.
٣- الكثرة الفياضة من هذا المسموع التي تخول لهم القطع بنظائره وتسلمهم إلى الاطمئنان عليه في نوط القواعد به، وإلا اعتبروه مرويا يحفظ ولا يقاس عليه إلا إذا لم يرد من نوعه ما يخالفه، فلا بأس من اعتباره مبنى للتقعيد عليه، ومن هنا ارتضى العلماء رأي سيبويه في إلحاق فعولة بفعيلة في النسب في حذف حرف المد وقلب الحركة فتحة اعتمادا على سماعه في النسب إلى "شنوءة" شنئيا" وعدم سماع ما يخالفه نسبا من هذه الزنة، ولذا قال ابن جماعة في حاشيته على الجاربزدي: "فهو جميع المسموع منها فصار أصلا يقاس عليه".
تلك حالة السابقين منهم وهم بذلك خطوا الخطة التي ترسمها خلفهم بعدهم عندما حانت المنافسة بين البلدين، وأخذت الكوفة تنحاز لنفسها
стр. 109
وتهيئ لها طريقا آخر، بل زاد عندئذ البصريون نشاطا ومثابرة على السير في منهاجهم، إذ قد بدأ وقت ذاك اختبال١ الألسن ودخل إلى الطباع الفساد وخلص شيء من ذلك إلى الأجيال الناشئة في الحضر فاختلف المصران بعضهما عن بعض وتمكنت منهما العصبية، وأخذ كل في الطعن على الآخر.
كل ذلك حمل كثيرا من البصريين على التطواف في الجزيرة العربية ولم يقنعهم ما بين ظهرانيهم٢ فارتحل من رجال الطبقة الثالثة الخليل ويونس وغيرهما، ومن الرابعة أبو زيد وأبو عبيدة والأصمعي، وأخذوا عن القبائل، وإن توافر على الأصمعي ميله إلى غير النحو والصرف من علوم اللغة العربية.
فأخذوا عن القبائل البعيدة من أطراف الجزيرة والباقية في سرتها٣ من جفاة الأعراب وأهل الطبائع المتوقحة، وتحاموا سكان الأطراف الحضريين المخالطين لغير العرب، وربما كان أوفى كتاب استقرأ القبائل من الصنفين كتاب الألفاظ والحروف للفاربي، وقد نقل كلامه بنصه السيوطي في المزهر "النوع التاسع الفصل الثاني في معرفة الفصيح من العرب".
فأجهد هؤلاء العلماء أنفسهم وشرقوا وغربوا وتحملوا ذلك الشهور والأعوام وما بالوا ما نالهم من نصب أو مخمصة تفانيا في التثبت بأنفسهم من سلامة ما يروون عن العرب، فشافهوهم في أوديتهم وسمعوا منهم في أخبيتهم ومراعيهم وأسواقهم ومجتمعاتهم، وقدموا للعلم خدمة جلى٤ ويدا
стр. 110
وتهيئ لها طريقا آخر، بل زاد عندئذ البصريون نشاطا ومثابرة على السير في منهاجهم، إذ قد بدأ وقت ذاك اختبال١ الألسن ودخل إلى الطباع الفساد وخلص شيء من ذلك إلى الأجيال الناشئة في الحضر فاختلف المصران بعضهما عن بعض وتمكنت منهما العصبية، وأخذ كل في الطعن على الآخر.
كل ذلك حمل كثيرا من البصريين على التطواف في الجزيرة العربية ولم يقنعهم ما بين ظهرانيهم٢ فارتحل من رجال الطبقة الثالثة الخليل ويونس وغيرهما، ومن الرابعة أبو زيد وأبو عبيدة والأصمعي، وأخذوا عن القبائل، وإن توافر على الأصمعي ميله إلى غير النحو والصرف من علوم اللغة العربية.
فأخذوا عن القبائل البعيدة من أطراف الجزيرة والباقية في سرتها٣ من جفاة الأعراب وأهل الطبائع المتوقحة، وتحاموا سكان الأطراف الحضريين المخالطين لغير العرب، وربما كان أوفى كتاب استقرأ القبائل من الصنفين كتاب الألفاظ والحروف للفاربي، وقد نقل كلامه بنصه السيوطي في المزهر "النوع التاسع الفصل الثاني في معرفة الفصيح من العرب".
فأجهد هؤلاء العلماء أنفسهم وشرقوا وغربوا وتحملوا ذلك الشهور والأعوام وما بالوا ما نالهم من نصب أو مخمصة تفانيا في التثبت بأنفسهم من سلامة ما يروون عن العرب، فشافهوهم في أوديتهم وسمعوا منهم في أخبيتهم ومراعيهم وأسواقهم ومجتمعاتهم، وقدموا للعلم خدمة جلى٤ ويدا