وقد ذكرنا لك أربعا منها في الكلام على المذهب الكوفي، وسبعا منقولة عن الأنباري في نتائج المخالفة بين الفريقين.
وما مثل الفريقين عند التقريب إلا كمثل الطبيب والمتطبب، فالبصريون كالطبيب الذي عانى المهنة حدثا وحذقها مدركا فأحكمها وأفاد المجتمع عن طول مدة ودقة خبرة، والكوفيون كالمتطلب الذي قد اكتهل ونظر الطبيب وما يسديه فوجد عليه ثم نعرف منه وقارعه، فإن الكوفيين ما منهم إلا من أخذ عن البصريين أرباب هذا الشأن بينما لم يتلق أحد من البصريين عن واحد منهم، قال السيوطي "وكذلك أهل الكوفة كلهم يأخذون عن البصريين وأهل البصرة يمتنعون من الأخذ عنهم لأنهم لا يرون الأعراب الذين يحكون عنهم حجة"١.
إن احتضان العباسيين للكوفيين خصوصا بعد اتصال الكسائي وأصحابه هو الذي رفع من شأنهم عند أنفسهم واستخفهم إلى مناصبة البصريين، لحبهم إياهم وإيثارهم على البصريين لما قدموا من مؤازرتهم في تكوين دولتهم إذ كانوا شيعتهم من جهة ولقربهم عن البصريين من جهة أخرى، فأدنوهم منهم قبل البصريين، وأسبغوا عليهم نعمهم وأجزلوا لهم منحهم وأدخلوهم قصورهم واتخذوا منهم السمار والمؤذبين والمعلمين، فالمفضل الضبي وشرقي بن القطامي الكلبي مؤدبا المهدي، والكسائي معلم الرشيد ثم مؤدب ولديه الأمين والمأمون، والفراء رائد أولاد المأمون، وابن السكيت شيخ أولاد المتوكل، وابن قادم معلم المعتز بالله، وثعلب أستاذ عبد الله بن المعتز وابن طاهر، وبذلك قبضوا على أعنة الحركة العلمية في بغداد وساد مذهبهم فيها وانتشر قبل المذهب البصري، حتى انقاد إليه كثير من العلماء حرصا على التقريب من الدولة، وتغلغلت الناس في الأخذ بدعمائه فنفقت سوق الروايات الشاذة والموضوعة، حتى عمي على الناس الطريق
стр. 142
اللاحب١، يقول أبو الطيب: "فلم يزل أهل المصرين على هذا حتى انتقل العلم إلى بغداد قريبا وغلب أهل الكوفة على بغداد، وخدموا الملوك فقربوهم، فأرغب الناس في الروايات الشاذة، وتفاخروا بالنوادر وتباهوا بالترخيصات وتركوا الأصول واعتمدوا على الفروع فاختلط العلم"٢.
لقد استحوذ الكوفيون على بغداد وحالوا دون اتصال البصريين بها، بينما حاول البصريون الولوج إليها تلهفا على مقاسمة الكوفيين حظوتهم فلم يفلحوا، وفي حادثة سيبويه الماضية التي كان فيها القضاء عليه ما يشهد بتآمرهم عليهم ومناصرة العباسيين وبطانتهم لهم.
على أنه مع هذا العنت الشديد والضغط المقيت قد نفذ إلى بغداد قليل منهم "كاليزيدي" توفي ٢٠٢هـ إلا أن اتصاله يرجع إلى حسن وقته الذي سهل له الدخول في غمار العلماء الكوفيين ببغداد، فإنه قدم إليها قبل استفحال العداء العلمي بين البلدين وقد ظهر فضله عند يزيد بن منصور خال المهدي فاستبقاه عندما استعرت نار المخاصمة، وطار به إلى قصور الخلفاء فجعله الرشيد من مؤدبي المأمون، ومع هذا فقد كان متطامنا أمام الكسائي أولا.
أما الأخفش الأوسط الذي قضى الشطر الأخير من حياته في بغداد فلسنا نحسبه فيمن نعد؛ إذ ما ارتحل إليها ليأخذ يحق سيبويه أستاذه من الكسائي وجها لوجه، لا رغبة في منزلة ولا في دنيا يصيبها، لكن الكسائي قد تغلب عليه بدهائه وقيده بإحسانه، فأقام عنده مؤدب أولاده حتى لقي ربه، ولقد كان لإقامته الطيبة مع الكسائي تأثيرها في نفسه حتى وافق الكوفيين في مسائل عدة ذات بال واحتذى حذوهم في العناية بالقياس وقد مر في ترجمته بسط المقال في ذلك.
стр. 143
هذا، وكما نفذ اليزيدي إليها كذلك نفذ إليها المبرد توفي ٢٨٥هـ، بفضل لياقته البادية للخلفاء والأمراء فنال مكانته عندهما وبقي ناعم البال فيها، وشارك ثعلبا تعليم ابن المعتز، ولا سيما وقد هدأت فيها المنازعة وكادت تضع أوزارها، وما أشبه كلا الرجلين - اليزيدي والمبرد - بالآخر في الوسائل التي أتاحت لهما طيب الحياة ببغداد وإن اختلف زمانهما.
الحق أن السياسة هي التي عاضدت الكوفيين وأوجدت منهم رجالا كونوا مذهبا ناضل المذهب البصري، ولولاها لما ثبتوا أمام البصريين في مساجلاتهم بل ولما قهروهم في مواطن كثيرة ظلما وعدوانا، والدنيا منذ الخليقة مملوءة بالأغراض والشهوات.
والبصريون وإن لم ينصفوا في حياتهم إلا أنهم كوفئوا بعد مماتهم بتفضيل العلماء لمذهبهم، وببقاء أغلب مؤلفاتهم تشيد بذكراهم، أما الكوفيون فلم ينالوا الأمرين، فالعلماء يرون مذهبهم في وضعه اللائق به، ومؤلفاتهم قد أسدل التاريخ ستاره على كثير منها، حتى كأن لم تكن لولا تراجم أصحابها التي تطلعنا على مؤلفاتهم، ولولا ذكرها عرضا خلال الكتب في بعض الأحيان لمناسبة ذكر خلاف.
وعلى كل حال فقد كان تلاقي الفريقين في بغداد موجها أنظار العلماء فيها إلى عرض المذهبين وانتقادهما.
стр. 144
أثر تلاقي الفريقين ببغداد في تنويع النزعات إلى ثلاث
مدخل
...
أثر تلاقي الفريقين ببغداد في تنويع النزعات إلى ثلاث:
لقد تبينت مما سلف أن الطور الثالث "طور النضوج والكمال" قد تم على يد الفريقين، بعد أن توطدت أقدامهما في بغداد بعد منتصف القرن الثالث الهجري ومر عليهما حين من الزمن وهما يتطاحنان في مناصرة مذهبيهما على مرأى من العلماء الذين تنوعت اختياراتهم حينذاك، فمن مؤيد البصري ومن مؤثر الكوفي، ومن مازج بين المذهبين، وإن قل هؤلاء إذ كانت حدة الخلاف بين الفريقين مع كثرة عديهم وعظيم شأنهم في حياة المجتهدين من دواعي تغلب الانحياز إلى أحد الطرفين على اختيار مذهب خليط، حتى إذا قضى المجتهدون نحبهم في أواخر القرن الثالث الهجري، وأسدل الستار عليهم، وانكسرت حدة النعرة الحزبية عرض العلماء المذهبين على بساط البحث والنقد، فاستعرضوا دعائم القواعد، التي تركزت عليها من الرواية والشواهد والأقيسة ليتعرفوا مقدار هذه القواعد من الصحة والضعف حتى يبتنى حكمهم في الاختيار على أساس غير منهار، وهم ما يزال فيهم فئة تلقت عن البصري، وأخرى عن الكوفي، بينما أخذت عن الفريقين فئة ثالثة.
على أنهم بعد هذا في أنفسهم بين محافظ على ترسم خطى سلفه فغلبت عليه النزعة الطائفية، وبين منصف تحلل من قيود الحزبية ونظر إلى العلم نظرة خالصة لا يشوبها عاطفة، فآثر ما رجح عنده وتمذهب به، فلم يكن غريبا على من لقنه عن بصري أن يجنح بعد إلى إيثار المذهب الكوفي أو المكون منهما والعكس بالعكس، كما لم يكن بدعا على من تتلمذ لهما أن يؤازر أحدهما.
نجم عن ذلك كله أنهم اختلفوا طرائق قددا١، فكان منهم من غلبت عليه النزعة البصرية، ومنهم من غلبت عليه الكوفية، ومنهم من جمع بين النزعتين.
وقد قسم ابن النديم في الفهرست "المقالة الثانية" إلى فنون ثلاثة: الفن الأول في البصريين، والثاني في الكوفيين، والثالث في الخالطين بين المذهبين، واستعرض في الأولين علماءهما سلفهم وخلفهم المشايعين لهم إلى عصره.
ويقتضينا ترتيبنا في كتابنا أن نذكر كلا من المشايعين المتأخرين
стр. 145
للفريقين المعاصرين للجامعين بين النزعتين في هذا العهد، فإن المجتهدين السابقين من المصرين مضى الحديث عنهما حين كان كل في مصره إبان تكوين النحو ونموه ونضوجه، فالحديث الآن عن النحاة الذين رفرفت عليهم بغداد بظلها الظليل.
وطبعي أن البلاد الإسلامية التي كانت مستشرفة لهذا العلم قد تأثرت بهذه النزعات لأن بغداد كعبة الجميع، وقد نزح إليها من مصر في ذلك العهد عدد كبير سنذكر المشهورين منهم بعد الطوائف الثلاث العراقية، فإليهم يرجع الفضل في دخول النحو وكتبه ودراسته البلاد المصرية.
ونحن الآن بصدد الطوائف العراقية الثلاثة، غير أنا نكتفي بترجمة المشهورين فقط، مع إحالة الراغب في الاطلاع على الكل على كتاب الفهرست لأنه مؤرخ هذا العهد على ما نبهنا سابقا.
فهاك أشهر الطوائف الثلاثة:
стр. 146
من غلبت عليه النزعة البصرية:
١- الزجاج: هو أبو إسحاق إبراهيم بن السري، ولقب بالزجاج لأنه كان يخرط الزجاج، نشأ ببغداد، وتلقى عن ثعلب ثم عن المبرد في مقابل أجر معين دائم، ورفع المبرد من شأنه حتى أدب القاسم بن عبيد الله الذي أخذ يناصره بعد توليه الوزارة للمعتضد، ثم ساعدته الأقدار ونادم الخليفة المعتضد.
دخل يوما دار ثعلب فوجد معه أبا موسى الحامض، واستطرد الحديث إلى ذمهما "المبرد ثم سيبوبه ويونس"، فاغتاظ الزجاج وخطأ ثعلبًا في نصف كتابه "الفصيح" لما عرض ثعلب لتخطئة سيبويه في الكتاب، إذ تعقبه باعتراضات عشرة بينما كتاب الفصيح كله عشرون ورقة، وقد ذكرت هذه الاعتراضات في معجم الأدباء ترجمة الزجاج، كما ذكرت أيضا في الأشباه والنظائر، الفن السابع في الجزء الرابع، والمزهر النوع التاسع معرفة الفصيح.
стр. 147
وما من ريب أن العصبية المذهبية هي التي حملت الزجاج على تجبيه١ ثعلب، وشينه كتابه حتى قيل إن ثعلبا كاد ينكر نسبته بعد إليه، كما أنها حملت في مقبل الأيام ابن خالويه -وهو كوفي النزعة- على تخطئة الزجاج في اعتراضاته على ما سترى في ترجمته إن شاء الله.
له مؤلفات منها: مختصر النحو، وما ينصرف وما لا ينصرف، وشرح أبيات سيبويه، وكتاب فعلت وأفعلت، توفي ببغداد سنة ٣١٠هـ٢.
٢- ابن السراج: هو أبو بكر بن السري، نشأ ببغداد وسمع من المبرد، وكان أحدث تلاميذه وقرأ عليه كتاب سيبويه، ثم انصرف إلى علم الموسيقي، لكن لم ينشب أن رجع إلى الكتاب والبحث في المسائل النحوية وبرز في اللغة العربية وخلف المبرد في بغداد، وله من التصانيف النحوية "كتاب الأصول"، "وهو أحسنها وأكبرها، وإليه المرجع عند اضطراب النقل واختلافه، جمع فيه أصول العربية، وأخذ مسائل سيبويه ورتبها أحسن ترتيب"، وكتاب جمل الأصول، وشرح كتاب سيبويه، والموجز، توفي سنة ٣١٦هـ.
٣- الزجاجي: هو أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق من نهاوند قدم بغداد وسمع من ابن السراج والأخفش، ولازم الزجاج فنسب إليه، وسكن دمشق وانتفع الناس بعلمه، وله مؤلفات في النحو منها: "الجمل" ولهذا الكتاب حظوة عند المغاربة، تداني كتاب سيبويه عند المشارقة فتصدى الكثير لشرحه وشرح شواهده، والكافي، وفي النحو والأدب واللغة وغيرها "الأمالي" الصغرى والوسطى والكبرى، توفي بدمشق سنة ٣٣٧هـ.
٤- مبرمان: هو أبو بكر محمد بن علي العسكري، سمع من المبرد
стр. 148
وأكثر من الأخذ عن الزجاج وبعد صيته في النحو، إلا أنه كان غير وقور، ضنينا بالتعليم إلا مع الجزاء المرضي له، من مؤلفاته النحوية: شرح شواهد سيبويه، وشرح كتاب سيبويه ولم يتم، وشرح كتاب الأخفش، والتلقين، توفي بدمشق سنة ٣٤٥هـ.
٥- ابن درستويه: هو أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه الفارسي، نشأ بفسا "من بلاد فارس" وأقام ببغداد، عن ابن قتيبة، والمبرد، وثعلب وغيرهم، ثم لازم المذهب البصري مع التعصب الشديد له، وتصانيفه في غاية الجودة، منها في النحو: الإرشاد وأسرار النحو، والرد على ثعلب في اختلاف النحويين، وأخبار النحويين، وتوفي ببغداد سنة ٣٤٧هـ١.
стр. 149
من غلبت عليه النزعة الكوفية:
١- أبو موسى الحامض: هو سليمان بن محمد، ولقب بالحامض لشراسته، لازم ثعلبا زهاء أربعين حولا، ثم خلفه بعد موته، وكان موهوب البيان، شديد العصبية الكوفية، له في النحو مختصر، وتوفي ببغداد سنة ٣٠٥هـ.
٢- ابن الأنباري: هو أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري، أقام مع أبيه في بغداد، وأخذ عنه وعن ثعلب وغيرهما، ثم أربى عن الكل لما أوتيه من حافظة نادرة، فقد كان يملى مصنفاته المبسوطة من حفظه مع صدق الرواية، ومنها في النحو: الكافي، والواضح والموضح، توفي ببغداد سنة ٣٢٧هـ١.
стр. 150
و من جمع بين النزعتين:
١- ابن قتيبة: هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، ولد بالكوفة١، ونسب إلى الدينور "من بلاد فارس" لتوليه القضاء بها، أقام ببغداد وسمع من الزيادي والسجستاني وابن راهويه وغيرهم، وصنف مؤلفات تشهد له بعلو كعبه، منها في النحو: جامع النحو الكبير، وجامع النحو الصغير، وشهرته تغني عن التعريف به، توفي ببغداد سنة ٢٧٦هـ٢.
٢- ابن كيسان: هو أبو الحسن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن كيسان، "كان يحفظ مذاهب البصريين والكوفيين في النحو لأنه" أخذ عن أبوي العباس: المبرد وثعلب، وغيرهما، ثم ذاع اسمه فكان درسه غاصا بالأمراء والأشراف والدهماء، والكل لديه سواسية.
وله مصنفات في مختلف علوم العربية، منها في النحو: المهذب، والمختار في علل النحو، والمسائل على مذهب النحويين مما اختلف فيه البصريون والكوفيون، والفاعل والمفعول به، توفي ببغداد سنى ٢٩٩هـ.
٣- الأخفش الصغير: هو أبو الحسن علي بن سليمان، وقد مضى الأخفش الأكبر شيخ سيبويه، والأوسط تليمذه.
أخذ الأخفش الصغير عن أبوي العباس: المبرد وثعلب، واليزيدي وأبي
стр. 151
العيناء ولم يبلغ حد الكمال في النحو فكان يتبرم من السؤال فيه، وله وقائع مع ابن الرومي انتهت بالصداقة، ورد مصر، ثم عاد إلى حلب ضيفا على ابن مقلة١ ثم قفل إلى بغداد، وله مصنفات منها: كتاب التثنية والجمع، وأخباره معروفة توفي ببغداد سنة ٣١٥هـ.
٤- ابن شقير: هو أبو بكر أحمد بن الحسين البغدادي، وله كتاب مختصر في النحو، توفي سنة ٣١٧هـ.
٥- ابن الخياط: هو أبو بكر محمد بن أحمد، أصله من "سمرقند" قدم بغداد بعد وفاة المبرد وضعف ثعلب عن الإفادة لصممه الشديد، فاستمع من أترابهما، وجرت بينه وبين الزجاج ببغداد مناظرة، وكان دمث الخلق.
وله من الكتب: النحو الكبير، والموجز، والمقنع، مات بالبصرة بسنة ٣٢٠هـ.
٦- نفطويه: هو أبو عبد الله إبراهيم بن محمد المهلبي من "واسط"، أخذ عن المبرد وثعلب وغيرهما، ثم انتفع الناس بدراسته، وكانت بينه وبين ابن دريد مهاجاة، وله تصانيف حسان، منها في النحو: المقنع، توفي ببغداد سنة ٣٢٣هـ.
стр. 152
نحاة مصر الآخذون عن العراقيين:
يحار الناظر في تعريف الأسباب التي أقعدت مصر عن النهوض بهذا العلم دون مشاطرة العراق في إبان تكوينه ونشوئه حتى أوشك أن ينضج ويكمل، مع توثق الصلات بينها وبين العراق في ذلك العهد، ومع وفود العرب الخلص إليها مع الفاتحين كالعرب الذين نزحوا إلى العراق، وكانوا مثابة لنحاته في تدوين النحو، والسير به قدما إلى أن تم على أيديهم، ومع وجود العلماء الذين يعتمد عليهم، وفيهم غناء أي غناء بين ظهرانيهم من أمثال عبد الرحمن بن هرمز الذي استوطن قديما الإسكندرية حتى قضى نحبه سنة ١١٧هـ، وقد مضى في الكلام على واضع النحو أن بعض العلماء عده الواضع له.
وأعجب من هذا تواني الشام عن المشاركة في هذا العلم تلك الأيام السالفة، فإن للشام بعد هذه الدواعي المساوية فيها مصر امتيازها عنها بالقرب من العراق من جهة واقتراب بادية الشام منها من جهة أخرى، فكان سهلا على علماء الشام اتصالهم بها عن كثب منهم دون اغتراب وعناء.
أما بلاد الأندلس فبعد الشقة بينها وبين العراق حال دون اقتفائها العراق حينا من الدهر، ولا سيما إذا أضيف لذلك تقطع الأسباب بين المشرق والمغرب في فترات اتفق فيها أن كانت النهضة في العراق سائرة إلى الأمام، في سبيل الاستكمال لهذا العلم، فما طفقت الأندلس تشتغل بهذا العلم إلا بعد نضوجه وكماله في العراق.
نعم، لا غرابة في سبق العراق القطرين وغيرهما في مزاولة هذا العلم، فقد توافر في العراق أسباب متضافرة تجعله خليقا أن يكون مهده، وقد بيناها أوائل الكتاب في الكلام على وضعه زمانا ومكانا، وعلى مشاهير البصريين والكوفيين، إنما الذي نبحث عنه وننشده الآن تعرف الأسباب التي أخرت مصر والشام فلم تتأثر١ دمشق وحلب ولا القاهرة عاجلا البصرة والكوفة وبغداد.
والذي يلوح لنا -والله أعلم بالحقيقة- أن العراق كان دائم الاتصال بالبلاد الحجازية المقدسة، والرحلات بينهما متبادلة، فسمع أهل العراق من الصحابة ومن التابعين أحكام الدين فامتد نظرهم إلى ذلك الأمر الجديد أمر
стр. 153
اللغة والمحافظة على سلامتها حتى يكمل لهم الشأن من جميع نواحيه، وفي العراق حضارة علمية تليدة سهلت عليهم السير في تنظيم هذا العلم واستكمال بنائه، أما القطران فكانا في أشد الحاجة إلى تعلم الدين وعلومه، فغلب على العرب النازلين فيهما داعي الدين والناس من ورائهم، فساهم القطران في العلوم الشرعية ونبغ فيهما أئمة في القراءات والحديث والفقه كانوا يعاصرون أئمة العراق فيها.
وقصارى القول أن القطرين لم يتجها لهذا العلم إلا بعد نشوئه ونموه وبوادر استكماله في العراق، فهبا يذهبان إليه أرسالا١ للتلقي عن علمائه في أخريات أيامه، كما ترى.
نعم، قد وفد على القطرين نفر من المشارقة كالأخفش الصغير، على أن مصر كانت أسبق من الشام وأكثر وفادة، ولهذا فإنا نقصر الكلام على علماء مصر في تلك الحقبة، وقد تحدث عنهم الزبيدي في "الطبقات" بعنوان خاص بهم بعد البصريين والكوفيين، كما أفردهم السيوطي في كتابه "حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة" بمبحث أواخر الجزء الأول، وقد ذكرت أخبارهم في كتب التراجم موزعة فيها على طباق نظامها.
ولا يغيب عن الذهن أن علماء هذا العصر هم أصحاب الفضل في دخول النحو مصر دراسة وتصنيفا، وقد حملوا معهم إلى مصر بعض مؤلفات المشارقة كما سترى أما نزعتهم المذهبية فمرجعها إلى شخصية شيوخهم، وستعرف في تراجمهم شيوخهم فلسنا بحاجة إلى أن نعين نزعة كل كما سبق في المشارقة، وهاك أسماء المشهورين منهم مرتبين بحسب سني وفاتهم:
١- ولاد: هو الوليد بن محمد التميمي، أصله من البصرة، ونشأ بمصر ثم رحل إلى البصرة يطلب العلم فتلقى عن المهلبي تلميذ الخليل وعن غيره، فروى كتب اللغة والنحو وحذقهما، ثم قفل إلى مصر ومعه كتب
стр. 154
النحو واللغة التي رواها بأسانيدها، فهو أول من أدخل كتب النحو واللغة إلى مصر، وقد بورك له في بنيه وحفدته، توفي بمصر سنة ٢٦٣هـ.
٢- أبو على الدينوري: هو أحمد بن جعفر الدينوري ختن ثعلب، وأصله من الدينور، قدم البصرة وأخذ عن المازني كتاب سيبويه، ثم دخل بغداد فقرأه على المبرد أيضا مع تحمله الملام من ثعلب، ثم وفد إلى مصر متوطنا، وله مؤلفات في النحو منها: المهذب، توفي بمصر سنة ٢٨٩هـ.
٣- ابن ولاد: هو أبو الحسين محمد بن الوليد التيمي السابق، أخذ بمصر عن الدينوري وغيره ثم يمم بغداد فلقي المبرد وثعلبا وجاد بالمال في سبيل نقل كتاب سيبويه من المبرد وقراءته عليه، وبعد التزود رجع أدراجه إلى مصر، فهو أول من أدخل كتاب سيبويه البلاد المصرية، توفي بمصر سنة ٢٩٨هـ.
٤- ابن ولاد: هو أبو العباس أحمد بن محمد التميمي السابق، فهو نحوي ابن نحوي ابن نحوي، شدا على أبيه وغيره شيئا من العربية، ثم صوب نظره إلى بغداد فسمع من الزجاج وغيره مع معاصره أبي جعفر النحاس المصري إلا إن الزجاج كان يؤثره على النحاس حتى كان بعد مغادرتهما بغداد يختصه بالسؤال ويشيد بعلمه، ولذا فإنهما أقاما في مصر على نفور دائم بينهما، ومما زاد توتر العلاقة جمع بعض ملوك مصر بينهما في مناظرة تلتها مناظرات احتدم بينهما فيها الشجار، وبسطها السيوطي في الأشباه والنظائر "الفن السابع فن المناظرات إلخ" في الجزء الثالث، وله كتاب الانتصار لسيبويه، وكتاب المقصور والممدود١ توفي بمصر سنة ٣٣٢هـ.
٥- النحاس: هو أبو جعفر أحمد بن محمد المصري، تلقى مبادئ اللغة العربية في مصر، ثم ارتحل إلى العراق، فتلقى عن الأخفش الصغير والزجاج ونفطويه وابن الأنباري وغيرهم، ثم آب إلى مصر، وقد سبق الحديث
стр. 155
عما حدث بينه وبين ابن ولاد، كان قوي الذاكرة جيد التصنيف في متنوع العلوم، من مؤلفاته في النحو: كتاب "المقنع في اختلاف البصريين والكوفيين"، والتفاحة، والكافي، وغيرها، مر عليه المنذر بن سعيد البلوطي الأندلسي وهو يملي من قصيدة مجنون ليلى:
خليلي هل بالشام عين حزينة ... تبكي على نجد لعلي أعينها
قد أسلمها الباكون إلا حمامة ... مطوقة باتت وبات قرينها١
فقال له: ماذا أعزك الله باتا يصنعان؟ فقال: وكيف تقول أنت يا أندلسي؟ فقال: بانت وبان قرينها، فسكت وحقد عليه فمنعه استنساخ كتاب العين، وكان على علمه وسعة ثقافته وشغف الناس بالأخذ عنه شحيح النفس رث الهيئة، جلس يوما على درج المقياس على شاطئ النيل في أيام الفيضان يقطع بيتا من الشعر فظنه بعض العامة ساحر النيل فرفسه برجله، فلم يوقف له على خبر، وذلك سنة ٣٣٧هـ.
стр. 156
نشوء المذهب البغدادي على أيدي الجامعين بين النزعتين:
قد مر بك أن فترة من الزمن بعد تلاقي الفريقين في بغداد اختلف فيها اتجاهات العلماء إلى ثلاثة أنحاء، وقد تمايزت طوائفهم الثلاثة تبعا لاختلاف نزعاتهم، وكانت الطائفة الخالطة بين النزعتين البصرية والكوفية تزاول المذهبين وتنظر فيهما نظرة غير مشوبة بالعصبية، فهي لا بد واجدة رجحان هذا المذهب في مسائل وذلك المذهب في مسائل أخرى، وكان عمل هذه الطائفة منبها بعض معاصريهم إلى استقراء ما صح من القوانين النحوية دون التحيز إلى فريق دون آخر، فجر ذلك إلى الخلط بين المذهبين لاستخلاص مذهب منهما مرضي عليه عندهم.
ولقد اتسعت هذه الحركة ونمت فعالجها الكثيرون، حتى احتل مكانا بين المذهبين مذهب آخر جديد مؤلف من المذهبين بفروق قليلة، اشتهر ذلك المذهب بالبغدادي، إذ كانت أرض بغداد هي التي أقلته وسماؤها التي أظلته، ظهرت بواكيره في أخريات القرن الثالث الهجري على مرأى من المتنازعين من الفريقين في الدور الأخير من أدوار سجالهم، فجعل العلماء يأخذون من هذا المذهب مسألة ومن ذاك أخرى مثلا، وهكذا دواليك تبعا لما تترجح كفتها١ عند النظر، وما أهل القرن الرابع الهجرى حتى كثرت قواعد هذا المذهب الجديد وأيده النظار له، واشتهرت طائفة به، فقاسم المذهبين عملا ومزاولة، وشق له سبيلا معهما، وامتدت به الأيام قليلا، فحدث للنحو به عهد جديد، قضى أن يعتبر طورا آخر من أطواره.
стр. 157
الرابع: طور الترجيح "بغدادي "
سلف أن هذا الطور كان التمهيد إليه على أيدي الخالطين النزعتين، وأن أساسه المفاضلة بين المذهبين: البصري والكوفي وإيثار المختار منهما.
ولقد أمعنوا في هذا الاختيار، فاصطفوا مسائل ذات بال مزيجا من المذهبين، على أنهم قد أسلمهم هذا الاستقراء البالغ خلال تلك الأيام إلى العثور على قواعد أخرى من تلقاء أنفسهم لا تمت بصلة إلى المذهبين تولدت لهم من اجتهادهم قياسا وسماعا، ذلك لأن سلائق العرب ما انفكت سليمة في البوادي إلى أواسط القرن الرابع الهجري كما تقدم، ومشافهة العلماء لهم حينئذ متيسرة إما بالرحلة إليهم في البادية وهي دانية منهم أو بالسماع منهم في الحضر إذ كان لفيف منهم ينتجعه استجداء للعطاء والتماسا للرزق، فكان ذلك المذهب في عمومه ملفقا من المذهبين مع بعض قواعد استنبطوها، وعلى هذا فمسائله إما كوفية أو بصرية أو مبتكرة بيد أنه لا يعزب عن الذهن أن مسائل المذهب الكوفي المختارة في أول تكوين المذهب الجديد كانت أكثر من البصرية، لأن الكوفيين غلبوا على أمرهم، فكان النفوذ في بغداد لهم، ولم يلبث هذا الشأن أن تغير بعد حين، فبعد موت العصبية وانقراض المتأثرين بها رجعوا إلى تقدير المذهب البصري والتنديد بالكوفي والحط من حججه، فابن الشجري يقول في أماليه "المجلس السادس" عند القضاء في المناظرة السابقة بين الكسائي والأصمعي وقد عرفت ما فيها ما لفظه "ولنحاة الكوفيين في أكثر كلامهم تهاويل فارغة من الحقيقة".
فهذا حكم يعطينا صورة صادقة عن عزوف المتأخرين عن المذهب الكوفي، وقد سلفت الإشارة إلى شيء من هذا عند الموازنة بين المذهبين.
стр. 158
من القواعد التي ركن فيها البغاددة إلى المذهب الكوفي:
١- إعمال اسم المصدر عمل فعله كما تقدم.
٢- مجيء "بله" للاستثناء١.
٣- إعطاء المستثنى المتقدم على المستثنى منه حكم المستثنى منه على سبيل القياس، فيصير المستثنى منه المؤخر بدل كل لأنه عام أريد به خاص٢.
٤- جواز نداء المعرف بأل في الاختيار دون التوصيل إليه بأي أو اسم إشارة٣.
٥- عدم تنوين المنقوص الممنوع من الصرف مع الفتح حال الجر٤.
٦- مراعاة لفظ الجمع في العدد فيجرد من التاء في نحو ثلاث حمامات٥.
ومن القواعد التي عولوا فيها على المذهب البصري:
١- عمل المصدر المنون عمل فعله، قال تعالى: ﴿أَوْ إ ِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا﴾ ٦.
ومن القواعد المستدركة وراء المستحسن من المذهبين:
١- جواز تعريف الحال مطلقا خلافا للبصريين الموجبين التنكير مطلقا، والكوفيين إن لم يشعر بالشرط نحو عبد الله المحسن أفضل منه المسيء.
стр. 159
٢- جواز عدم الفصل بين أن المخففة والفعل المتصرف، قال الرضي "وحكى المبرد عن البغاددة علمت أن تخرج بالرفع بلا عوض إلخ"١.
٣- جواز بناء اسم لا مع ارتباط الظرف والجار به، قال الرضي "وحكى أبو علي عن البغداديين أنهم يجيزون كون الظرف والجار في نحو لا آمر بالمعروف ولا عاصم اليوم من أمر الله من صلة المنفي المبني إلخ"٢.
٤- جواز إتباع محل المعطوف عليه مع عدم أصالته، قال ابن هشام بعد ذكره الشرط الأول لصحة العطف عليه: "الثاني أن يكون الموضع بحق الأصالة فلا يجوز هذا ضارب زيدا وأخيه، لأن الوصف المستوفي لشروط العمل الأصل إعماله، لا إضافته لالتحاقه بالفعل، وأجازه البغداديون إلخ"٣.
٥- تقدير عامل النصب في ويحه وأختيها من مادتها، قال خالد: "وذهب بعض البغداديين إلى أن "ويحه وويله وويسه" منصوبة بأفعال من لفظها"٤.
هذا هو نمط المذهب البغدادي الذي زاوله كثيرون، ذكرنا بعضا منهم فيمن جمع بين النزعتين، ولقد مالوا أخيرا في مؤلفاتهم إلى جعل المذهب البصري أساسا وتلك السنة سرت فيمن بعدهم، وما تزال إلى أيامنا هذه في أكثر الكتب النحوية.
ظل المذهب البغدادي مدة مديدة، إذ كانت بغداد بلد الخلافة ومحج
стр. 160
العلماء طرا من أقاصي بلاد الإسلام، وإن كانت بغداد مضطربة الأحوال في هذا الحين باستبدال الأتراك بعد جرأتهم على الفتك بالخليفة جعفر المتوكل سنة ٢٤٧هـ١.
إلا أن ذلك الاضطراب قد نفر قلوب أهل العلم الذين كان معظمهم من العرب والفرس، فأخذوا يتفرقون في البلاد شرقا وغربا، زرافات ووحدانا، والخلافة تزداد ضعفا على ضعف حتى انتثر نظمها بتغلب "بني بويه" على أمرها، وذلك على يد معز الدولة أبي الحسين أحمد بن أبي شجاع بويه، فقد دخل بغداد من جهة الأهواز في عهد الخليفة "المستكفي بالله" وقبض على أزمة الدولة سنة ٣٣٤هـ مع بقاء الخلافة صورية في بغداد٢.
وقد تحاصت الدولة الإسلامية الجديدة من هذا الوقت في باقي الأقطار، وبذلك اختصت البويهية الفارسية بالعراق وفارس وخرسان إلى أن تغلب عليها السلاجقة التركية سنة ٤٤٧هـ في عهد الخليفة القائم بأمر الله إذ ملك بغداد والعراق طغرلبك "محمد بن ميكائيل بن سلجوق" أول ملوك السلجوقيين، كما اختصت السامانية الفارسية بما وراء النهر، والغزنوية التركية
стр. 161
بأفغانستان والهند، والحمدانية العربية بحلب وما بين النهرين، والإخشيدية التركية فالفاطمية العربية بمصر وبلاد المغرب، والأموية العربية بالأندلس، وغير هؤلاء بأقاليم أخر.
وتبع هذه التقاسيم توزع العلماء في مختلف هذه الأقطار، فتنقل هذا العلم في المدائن الإسلامية، وتدرج الانتقال من بغداد شرقا إلى العراق العجمي فخراسان فما وراء النهر، وغربا إلى الشام ومصر فالمغرب والأندلس، وقامت علماء هذه الدول الحديثة يشتغلون به كل في قطره على طبق ما توحيه إليهم الحياة الجديدة، فأخذ المذهب البغدادي يتلاشى رويدا رويدا.
стр. 162
انفراط عقد المذهب البغدادي بعد استيلاء بني بويه على بغداد:
لقد ظهر هذا المذهب -كما عرفت- على أيدي الخالطين النزعتين أواخر القرن الثالث، وبلغ أشده منذ أوائل الرابع، واستحكم شأنه تلك المدة التي التأم فيها الفريقان ببغداد إلى أن تضعضع شأن الخلافة العباسية بغلبة البويهيين عليها، فحينذاك تمزق الشمل، وتفرق العلماء، وما المذهب البغدادي إلا مذهب العلماء في بغداد، فكما انتثر جمعهم انفرط عقده.
ومن هنا يعرف أن انفراط المذهب البغدادي كان على سبيل التقريب بعد منتصف القرن الرابع الهجري، وبعبارة أخرى بعد انصرام النصف الأول تقريبا من عمر الدولة العباسية.
نعم، إن روح المذهب البغدادي بقي فيها ذماء١ في العراق العربي وما يليه شرقا ويقرب منه غربا إلى حين، لتقارب هذه البلاد وتماثل نزعات ذوي الشأن فيها، ويرى العلماء على حسب الاصطلاح المتواطأ عليه بينهم أن انفراط عقد المذهب البغدادي يعتبر حدا فاصلا بين المتقدمين والمتأخرين.
стр. 163
تشاطر الدول الإسلامية نهضة هذا العلم
انتهاء المتقدمين وابتداء المتأخرين
...
تشاطر الدول الإسلامية نهضة لهذا العلم:
انتهاء المتقدمين وابتداء المتأخرين:
لا ريب أن انتثار عقد المذهب البغدادي الناشئ عن انحلال عروة الدولة الإسلامية على يد البويهيين لم يصحبه تحديد الزمن الحقيقي في الفصل بين المتقدمين والمتأخرين، فما برح المتقدمون قبل الانتثار من العلماء أحياء على اختلاف في تفاوت أزمنتهم بعد قصرا وطولا، وجدير بهؤلاء أن يحفظ لهم ما اكتسبوه قبله، وأن يعدوا في مصاف المتقدمين، وأما من نشأ
стр. 164
من العلماء قبيله وامتدت أيامه وعاصر من جاء بعده فيسري عليه وضعه ويعد في جماعة المتأخرين.
فمناط العنوانين في الحقيقة راجع إلى طول المعاصرة للجيل المتقدم أو المتأخر، ومن ثمة اعتبر العلماء ابن درستويه، وابن الأنباري، ونفطويه وأندداهم من ساقه المتقدمين، كما اعتبروا أبا سعيد السيرافي، وأبا على الفارسي وابن خالويه وأترابهم مقدمة المتأخرين.
يؤيد هذا ما قاله الرضي استطرادا في باب اسم المفعول، لمناسبة الكلام على شروط عمله: "وليس في كلام المتقدمين ما يدل على اشتراط الحال أو الاستقبال في اسم المفعول، لكن المتأخرين كأبي علي ومن بعده صرحوا باشتراط ذلك فيه، كما في اسم الفاعل" وهذا الذي يتفق مع الواقع في الفصل بين المتقدمين والمتأخرين فالمتأخرون عندهم يبدءون من العلماء الذين قاموا بنهضة هذا الفن بعد انفراط المذهب البغدادي، واشتغالهم بعلم النحو في الممالك الإسلامية الحديثة، لا تجمعهم زعامة في قطر دون آخر طوعا للوضع الجديد من تعدد المماليك واستقلال كل بشئونها لضعف نفوذ الخلافة العباسية، إلا أن هدف العلماء على اختلاف مواطنهم واحد، فاستقروا في أوطانهم يتشاطرون الرفع من شأن هذا العلم، ويتبارون في الاستزادة منه.
وبعثهم هذا النشاط المتواصل إلى تقصي المسائل التي حدث فيها الاختلاف بين البصريين والكوفيين، وتدوينها للموازنة بين المذهبين، وتصويب المصيب وتخطئة المخطئ دون هوى أو ميل، والتاريخ لا يقول الحق إلا حين يطمئن لقوله بعد مواراة أرباب الشأن في الثرى، ولهذا ظهرت في هذه الحقبة بكثرة مؤلفات خاصة استعرضت ما اختلف فيه المذهبان ووازنت بينهما.
стр. 165
أما المؤلفات السابقة على هذه الحقبة فكانت تشوبها العصبية المذهبية، وقد عرضنا لسرد هذه المصنفات عامة فيما تقدم عند الكلام على "نتائج المخالفة بين المذهبين" للمناسبة هناك.
والمقصود هنا أن علماء هذه الحقبة أفرغوا جهدهم في إعلاء منارة هذا العلم، ونوعوا في مصنفاتهم ابتغاء الإحاطة بكل ما يتصل به، وافتنوا في تلوين عرض هذا الفن بصور مختلفة، وأدوا رسالتهم خير تأدية، وما فتئوا جادين في خدمة هذا العلم حتى آذنت شمس الدولة العباسية بالمغيب سنة ٦٥٦هـ، فسقط كثير من هذه الممالك الإسلامية وراءها وطويت صفحاتها حينا من الدهر، فوهنت فيها اللغة العربية نفسها، وخفت صوت هذا الفن.
وبذلك انحصر الكلام في مطلبين:
الأول: في حالة هذا العلم ورجاله في عهد الدول الإسلامية الحديثة المتعاصرة من عهد بني بويه إلى سقوط بغداد.
والثاني: من سقوط بغداد إلى أيامنا الحاضرة.
стр. 166
المطلب الأول: علم النحو وعلماؤه في عهد الدول الإسلامية المتعاصرة
مدخل
...
المطلب الأول: علم النحو وعلماؤه في عهد الدول الإسلامية المتعاصرة
إن تعدد هذه الدول الحديثة وإن كان قد فت في عضد الدولة الإسلامية إلا أن تنافس ملوكها على اختلاف أصولهم من فارسي وتركي وعربي حملهم على مناصرة علمائهم استكمالا لاستقلالهم الجديد، وقد تبع ذلك أن العلماء أنفسهم تأثروا بهذه الروح، فتغيرت تقاليدهم النسبية إذ كانوا قبلئذ ينتسبون غالبا إما إلى أصولهم: "كالدؤلي، والمازني، والجرمي، والزيادي، واللحياني"، أو صناعتهم: "كالهراء، والزجاج، والنحاس"، أو ما يتصل بهم على وجه ما: "كالكسائي، والزجاجي"، فصاروا ينتسبون بعدئذ بكثرة إلى الأقطار المقيمين بها أو المدن التي نشئوا فيها، فقيل: "السيرافي، والفارسي، والرماني١، والبغدادي، والتبريزي٢، والزمخشري، والأنباري٣، والعكبري٤، والسهيلي، والإشبيلي، والبطليوسي٥، والشمنتري٦، والمصري، والحلبي، والدمشقي"، وما إلى ذلك مما ستراه كثيرا إن شاء الله تعالى.
على أنه مما يلاحظ أن هذا النوع من النسب لقي ارتياحا من نفوس العلماء فاتخذوه لقبا وارتضوه، وبقي على مر الزمن شعار العلماء حتى عصرنا الحاضر.
فاتسعت الحركة العلمية بعد حصرها في دائرة ضيقة ونشطت بعد
стр. 167
خمود خيم عليها حينا، وقد اجتهد علماء كل مملكة في داخلها لقلة التواصل بين المماليك من كثرة الفتن والاضطرابات، فكثرت آراء العلماء الفردية وتراكمت سحب الخلافات، وتنوعت التعليلات النحوية، وتضخمت المؤلفات، إلا أنه لم يعرض مذهب جديد خاص بجمهرة في قطر، غير أنه لما أقبلت الأندلس عليه في عصرها الزاهر واستكانت أقطار المشرق لما انتابها استحدثت الأندلس مذهبا رابعا سنذكر عنه لمحة في موطنه.
وعلى الجملة فقد كان هذا العصر ذهبيا لهذا العلم، ففيه صنفت الموسوعات، واكتشف المكنون من أصدافه، وتعددت ألوان صوره المختلفة في عرضه لاختلاف مشارب الأقطار في مناحيهم الفكرية مع إصابة الجميع الهدف المقصود، بل كان هذا العصر كما يمليه الواقع ذهبيا لعلوم اللغة العربية كافة بالرغم أنه عصر ضعف وانحلال في رابطة الدولة الإسلامية، فإنه قلما عكف بعض علمائه على النحو وما يتصل به، وبعضهم على الأدب وما يرتبط به وبعضهم على اللغة وما يتبعها، شأن السابقين قبلهم في تخصصهم، بل اتسعت آفاق مباحثهم وبذلوا عناياتهم في متنوع فروع العربية فأحاطوا بها مع اختلاف نسبي في العناية ببعضها دون البعض، ولذا فإن كثيرا منهم ربما عده مؤرخو الفنون مرة في اللغويين وثانية في النحويين وثالثة في الأدباء ورابعة في الأصوليين، "فالسيرافي والفارسي وابن جني والتبريزي والزبيدي والبطليوسي لغويون نحويون صرفيون أدباء"، وكذا كثير منهم ممن لست في حاجة إلى التعريف عنه الآن فستعرف ذلك في ترجمته، بل إن بعضهم تجاوز أفق العلوم العربية إلى علوم الشريعة، فالزمخشري لغوي نحوي صرفي بلاغي أديب مفسر متكلم، وابن الحاجب أصولي نحوي صرفي فقيه، وقد امتدت تلك الظاهرة الجديدة إلى من بعدهم من العلماء، ومع هذا فإن الذي سوغ لنا ذكر من نذكر في النحويين شهرتهم الذائعة في النحو دراسة وتأليفا.
نعم كانت هذه الأقطار مختلفة المشارب في نهجها العلمي، تتماثل وتتقارب وتتباعد بمقدار الاتصال والانفصال في مواقعها، فلذا كانت العراق وما يليها شرقا من فارس وخرسان وما يتصل بها غربا من الشام تتشابه في مسلكها، والأندلس والمغرب يتدانيان في مأخذهما، والشام ومصر يتلاقيان في موردهما، وقد بدا لنا تقسيم الحديث عن هذا العلم ورجاله في هذا المطلب على هذا الاعتبار إلى ثلاثة فصول:
стр. 168
الفصل الأول: علم النحو في العراق وما يليه شرقا، وما يقرب منه غربا وعلماؤه
إن الغالبين على هذه البلاد وإن كانوا ممن لا يمتون إلى أصول عربية إلا أنهم كانوا على علوم اللغة العربية أحدب من الخلفاء قبلهم، فسخوا ببدر الأموال في رفع منارها ومكافأة المبرزين في علومها، بل لقد حبب إلى كثير من أولى الشأن فيهم مشاركة العلماء في هذا الشرف الأدبي فنالوا فيه مرتبة محمودة، ولم يفت جلهم الحرص على أن تتوج مؤلفات علمائهم بأسمائهم، فمن ذلك كتابا "الإيضاح والتكملة لأبي علي الفارسي" إذ صدرهما بالاهتداء لعضد الدولة البويهي ولهما حكاية طريفة سنذكرها في ترجمته، وما ذلك إلا لأنهم يرونه مما يزيد في أبهتهم ويكبرهم في عيون شعوبهم، ولم يك عصر الدولة السلجوقية بعد الدولة البويهية بالعراق أقل نصرا للنحو ولعلوم اللغة، فللمدرسة النظامية التي أنشأها في بغداد نظام الملك "أبو علي الحسن بن إسحاق بن العباس وزير السلطان ألب أرسلان وولده السلطان ملكشاه وقتل رحمة الله عليه سنة ٤٨٥هـ"١. الأثر الحسن في توجيه العلماء إلى التعليم فنبغ بفضلها عدد وفير من العلماء، وهي أول مدرسة بنيت ببغداد خاصة بالتدريس فكان قبلها في المساجد الجامعة وجعلت فيها الرواتب للمدرسين وللطلبة، وأجريت عليهم الجرايات، وسترى في تراجم العلماء أن منهم الأساتذة فيها وأن منهم من تلقى بها ثم رقي إلى الدراسة فيها، ولم تقصر
стр. 169
عنها شأو المدرسة النظامية في نيسابور، فكان لزاما لهذا وذاك أن كثر الإنتاج للمؤلفات النحوية، وأربى عدد المشتغلين بالنحو عمن كانوا قبلهم في هذه البلاد غير أنهم ما برحوا يقتفون طرائق أسلافهم، فكانوا مرآة صادقة لهم انطبعت فيها اتجاهاتهم لأخذهم عنهم، فظلت النزعات الثلاثة: البصرية والكوفية والبغدادية، وهكذا تنقلت هذه النزعات من الأساتذة لمن يتلقون منهم حينا من الدهر، إذ أنهم تحللوا في أخريات أيامهم من الوقوف في هذا المحيط الثلاثة أو أن يبتدع رأيا جديدا بدا له، ولسنا بحاجة إلى ذكر أمثلة نبين فيها مختلف آرائهم في جزئية، فإن أقوال العلماء الذين نحن بصددهم منثورة مشهورة في كتب النحو، ولقد استمر نشاط هؤلاء المشارقة إلى أن دهمتهم حوادث التتر فصرفتهم عن العناية بهذا العلم، وهاك مشاهيرهم مرتبين بحسب وفياتهم مع ذكر بعض مؤلفاتهم.
١- السيرافي: هو أبو سعيد الحسن بن عبد الله١ نشأ بسيراف "من بلاد فارس على الخليج الفارسي" وارتحل إلى عمان في سبيل العلم، ثم عاد إلى سيراف، ثم اتجه إلى عسكر مكرم، ثم توطن بغداد وولي القضاء فيها، تلقى عن "ابن السراج ومبرمان وابن دريد" وغيرهم، دخل على ابن دريد مرة وهو يقول أول من أقوى في الشعر آدم في قوله:
تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح
تغير كل ذي لون وطعم ... وقل بشاشة الوجه المليح
فقال له: يمكن إنشاده على وجه لا إقواء فيه، وذلك بنصب بشاشة على التمييز ورفع المليح بقل، وحذف التنوين لالتقاء الساكنين، فرفعه حتى
стр. 170
أقعده بجانبه، نبه شأن السيرافي وخاصة في النحو إلا أنه كان بصري النزعة، وكان بينه وبين أبي الفرج الأصبهاني ما بين المتعاصرين، وألف الكتب القيمة، فشرح كتاب سيبويه بما لم يسبق إليه، حتى حسده أترابه، وله كتاب أخبار النحويين البصريين، وهذا الكتاب من المراجع التي اعتمدنا عليها، توفي ببغداد سنة ٣٦٨هـ١.
٢- ابن خالويه: هو أبو عبد الله الحسين بن محمد "في الذهبي: ابن أحمد" نشأ بهمذان، ووفد إلى بغداد وأخذ عن "ابن الأنباري وابن دريد" وغيرهما، وقرأ على السيرافي، ثم توطن حلب وعطف عليه سيف الدولة، وله مع المتنبي مناظرات، وكان كوفي النزعة قصير الباع في النحو طويله في اللغة، يشهد بذلك ما ساقه في انتصاره لثعلب عند رده الاعتراضات العشرة التى فند بها الزجاج نصف كتابه "الفصيح" كما سبق التنويه عن ذلك في ترجمة الزجاج، وقد ذكر ردود ابن خالويه مبسوطة السيوطي بعد ذكر اعتراضات الزجاج في الأشباه والنظائر "الفن السابع" في الجزء الرابع، وغير خاف أن للنزعة الكوفية في نفس ابن خالويه أثرها في الدفاع عن ثعلب، ومن مؤلفات ابن خالويه في العربية كتاب "ليس في كلام العرب" توفي بحلب سنة ٣٧٠ هـ٢.
٣- الفارسي: هو أبو على الحسن بن أحمد، نشأ بفسا "من بلاد فارس" ثم ورد بغداد فأخذ النحو عن "الزجاج ومبرمان وابن السراج وابن الخياط" وغيرهم، ثم طار صيته في الأقطار الإسلامية ورفع من شأن المذهب البصري، فاتصل بملوكها ونال الزلفى عند سيف الدولة الحمداني بحلب مدة أوغرت صدر ابن خالويه الذي كان عالم بني حمدان، ولهذا لما ألف كتابه
стр. 171
"الأغفال" ذكر فيه ما أغفله شيخه الزجاج تعقبه ابن خالويه عائبا ما ارتآه الفارسي، فلم يسع الفارسي انتصارا لنفسه إلا أن يصنف كتابا آخر يفند فيه تعقبات ابن خالويه سماه "نقض الهاذور"، ثم عاد إلى فارس ولقي من عضد الدولة البويهي "فناخسرو" بن ركن الدولة "حسن بن بويه" فوق الأمل، فقد كان عضد الدولة يفخر أنه غلامه، ولما ألف له كتاب "الإيضاح" استصغره فأردفه مغيظا بكتاب "التكملة" فقال: "غضب الشيخ وجاء بما لا نفهمه نحن ولا هو"، وقد اتبع أبو علي في الإيضاح السابقين قبله في شواهده، فلم يعتمد على شعر المحدثين في أحكامه، بيد أنه استشهد في باب "كان" ببيت لأبي تمام وهو قوله:
من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا١
وهذه الملاحظة عدت عليه، لكن قالوا الحامل عليها أن عضد الدولة كان كثير الإنشاد لهذا البيت، فاعتماد الفارسي عليه مجاراة له في تقديره لحكمة البيت. هذا؛ وكما كان ابن خالويه واجدا على الفارسي كذلك السيرافي كان حاقدا عليه، وتلك سنة المعاصرة بين أهل الفضل، ومن مصنفات الفارسي أيضا التذكرة، والمسائل الحلبية، والبغدادية، والشيرازية، والحجة في القراءات وغيرها، توفي بعد حياة حافلة بالدراسة والتأليف ببغداد سنة ٣٧٧هـ عن نيف وتسعين سنة.
٤- الرماني: هو أبو الحسن علي بن عيسى، نشأ بالرمان "بمدينة واسط" ثم وفد إلى بغداد فأخذ عن الزجاج وابن دريد وابن السراج وغيرهم، ونبغ في العربية مؤيدا المذهب البصري مع ميل إلى الفلسفة لأنه معتزلي، وظهر ذلك في دراسته وتأليفه حتى قال الفارسي: "إن كان النحو ما يقوله الرماني فليس معنا منه شيء وإن كان النحو ما نقوله فليس معه منه شيء"، ومن مؤلفاته في النحو شرح كتاب سيبويه، وشرح مقتضب المبرد،
стр. 172
وشرح أصول ابن السراج، توفي في بغداد سنة ٣٨٤هـ١.
٥- ابن جني: هو أبو الفتح عثمان، وأبوه جني "معرب كني" مملوك رومي لسليمان بن فهد الأزدي، ولد أبو الفتح بالموصل ممتعا بإحدى عينيه، وتلقى عن علماء الموصل ولم ينشب أن تصدر بها للدراسة يافعا، فمر الفارسي عليه وسأله والناس حوله فلم يحر جوابا، فقال له: "تزببت وأنت حصرم" فلازمه بعدئذ، ثم خلفه بعد وفاته في بغداد، وملأ اسمه الأسماع، وحذق علوم اللغة العربية، وارتحل إلى حلب كثيرا وتناظر مع المتنبي فيها، ثم توثقت بينهما أواصر المحبة، ومؤلفاته تبهر الأفكار فإنها مع كثرتها في غاية الإتقان، منها في النحو الخصائص، وسر الصناعة، والمذكر والمؤنث والمحتسب، واللمع، توفي ببغداد سنة ٣٩٢هـ.
٦- الربعي: هو أبو الحسن علي بن عيسى المشهور بالربعي "نسبة إلى ربيعة" قال ابن خلكان: "ولا أدري أهو ربيعة بن نزار أم غيره" أخذ عن السيرافي ببغداد، ثم ارتحل إلى شيراز فلازم الفارسي عشرين عاما، ثم آب إلى بغداد وتصدر للإفادة، غير أن شذوذه الخلقي نفر الناس منه فقد تبذل في المجون إلى غير حد، ودأب على قتل الكلاب ومطاردتها، ومن تصانيفه النحوية شرح الإيضاح، وشرح مختصر الجرمي، توفي ببغداد سنة ٤٢٠هـ.
٧- ابن برهان: هو أبو القاسم عبد الواحد بن علي العكبري، كان أول أمره منجما، ثم نظر في النحو واشتهر فيه إلى أن استقدمه إلى بغداد وزيرها عميد الدين فنال حظا وفيرا، غير أنه كان سيئ البزة٢، ومع هذا
стр. 173
كان الأمراء والسوقة يجلونه لدينه وورعه، توفي ببغداد سنة ٤٥٦هـ١.
٨- التبريزي: هو أبو زكريا يحيى بن علي بن الخطيب الشيباني من تبريز "من أكبر مدن أذربيجان"، هاجر في سبيل العلم فسمع من "ابن برهان، وعبد القاهر الجرجاني" وغيرهما، زار البلاد المصرية ولبث فيها أياما تلقى عنه فيها ابن بابشاذ، ثم أقام ببغداد ودرس الأدب بالمدرسة النظامية، وطبقت شهرته الأرجاء فقصده الخلق يفيدون من عرفانه، ومصنفاته العديدة برهان صدق على تفوقه في علوم اللغة العربية، منها في النحو مقدمة. وشرح اللمع لابن جني، تجاوز الله عن سيئاته فإنه أدمن شرب الخمر ولبس الحرير وذهب العمامة، توفي فجأة ببغداد سنة ٥٠٢هـ٢.
٩- ملك النحاة: هو أبو نزار الحسن بن صافي، أبوه مولى الحسين الأرموي التاجر، ولد الحسن ببغداد فأخذ النحو عن الفصيحي وغيره، ثم سافر إلى واسط وإربل وخراسان وكرمان٣ وغزنة، وقصد الشام فلبث في دمشق مدة طويلة وخرج منها ثم عاد إليها ورغد عيشه فيها برعاية نور الدين محمود بن زنكي، كان معتزا بنفسه فاستخف بمن قبله، لقب نفسه ملك النحاة، وكان يسخط على من لا يخاطبه بذلك، ومن مصنفاته النحوية "الحاوي، والعمدة، والمسائل العشر المتعبات إلى الحشر"، وقد تحدى بها علماء العصر، وهي مذكورة بنصها في سفر السعادة للسخاوي، ونقلها السيوطي عنه في الأشباه والنظائر "الفن السابع"، وممن أجاب عنها ابن بري المصري وستأتي ترجمته، توفي الملك بدمشق سنة ٥٣٨هـ.
стр. 174
١٠- الزمخشري: هو أبو القاسم محمود بن عمر جار الله، ولد بزمخشر "بلد بخوارزم"، وتلقى عن النيسابوري وغيره، ثم أربى على من تقدمه، وغدا الإمام المعلم في كثير من الفنون، فشدت إليه الرحال، وكان معتزلي العقيدة ومؤلفاته بأيدينا تغنينا عن الإشادة بمعارفه، منها في النحو: "النموذج١، والأمالي، والمفرد، والمؤلف، والمفصل"، وعني العلماء بالمفصل شرحا وتعليقا فمن أشهر شروحه شرح ابن يعيش، وشرح الأندلسي، ولما وصل بغداد قاصدا الحج احتفى به ابن الشجري وتبادلا تحية يجمل بالأدباء تعرفها في ترجمتيهما، وبعد أن جاور حرم مكة مدة قفل إلى وطنه فمات به سنه ٥٣٨هـ٢.
١١- ابن الشجري: هو أبو السعادات هبة الله بن على الشريف البغدادي، قال ياقوت: "نسب إلى بيت الشجري من قبل أمه"، أخذ عن ابن طباطبا والتبريزي وغيرهما، ثم تفرد بالزعامة في بغداد، فقد توافر فيه من كرم النجار، وغزارة العلم، وحسن الحظ ما هيأها له.
ومن تصانيف ابن الشجري "الأمالي" وهو سفر ممتع مشتمل على فنون من الآداب أملاه في أربعة وثمانين مجلسا، وقد التمس سماعه منه ابن الخشاب الآتي ذكره، ولما لم يجبه إلى سماعه فأحفظه حتى إذا وقف عليه خطأه في كثير مما فيه، فأحنق ابن الشجري ونهض للرد عليه في كل ردوده، وألف من ذلك كتابا سماه "الانتصار" وهو على صغر حجمه مفيد جدا، ومن مؤلفاته النحوية: شرح اللمع لابن جني، وما اتفق لفظه واختلف معناه، توفي ابن الشجري بالكرخ من بغداد سنة ٥٤٢هـ.
стр. 175
١٢- ابن الخشاب: هو أبو محمد عبد الله بن أحمد البغدادي، أخذ النحو عن الجواليقي والفصيحي وابن الشجري وغيرهم، حتى عد من أعلم أهل وقته فيه، مع الحظوة الكبرى في سائر الفنون فذاع اسمه، وكان حسن الخط والحظ فانتفع الناس به، إلا أنه كان بخيلا متبذلا في ملبسه، قليل المبالاة بالمحافظة على ناموس العلم، لم يتزوج ولم يتسر وله مصنفات في النحو وغيره، فمن النحوية: شرح جمل الزجاجي، والرد على ابن بابشاذ وغيرهما، توفي ببغداد سنة ٥٦٧هـ.
١٣- ابن الدهان: هو أبو محمد ناصح الدين سعيد بن المبارك البغدادي، أخذ عن مشايخ العصر، ثم عد في أعلام بغداد، فكان يقال في عصره: النحويون ببغداد أربعة: "الجواليقي ١، وابن الشجري، وابن الخشاب، وابن الدهان" وله مصنفات نحوية منها: شرح الإيضاح والتكملة لأبي علي، والفصول الكبري، والفصول الصغرى والدروس، وغيرها.
خرج من بغداد قاصدا دمشق، فاعترضه في الطريق بالموصل وزيرها جمال الدين الأصفهاني، وقيده بإحسانه، فأقام في كنفه إلى أن مات بها سنة ٥٦٩هـ، وله خمس وسبعون سنة.
١٤- الأنباري: هو أبو البركات عبد الرحمن كمال الدين بن محمد الأنباري، سمع من أبيه في الأنبار، ثم نزح إلى بغداد وتعلم بالمدرسة النظامية، فأخذ عن الجواليقي، ولازم ابن الشجري، ثم تبحر في علوم اللغة العربية، مع الزهد والورع والعبادة، وتيمن الناس به، فتخرج على يده الكثير، وكان محمود السيرة، وخلف مصنفات متنوعة نالت رواجا، ولنقتصر
стр. 176
هنا على ما طبقت شهرته العالم العربي، فمنها: "أسرار العربية والإنصاف في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين"، وقد سلف التعريف عن هذا الكتاب عند الكلام على نتائج الخلاف بين المذهبين: البصرى والكوفي بما نتبين منه ما احتواه من مسائل الاختلاف، وإن صغو١ الأنباري مع البصريين، ونزهة الألبا في طبقات الأدبا، شرح فيه تراجم النحاة من الإمام علي إلى شيخه ابن الشجري الذي أطال في مديحه، وكان للتراجم مسك الختام، وقد رفع سنده من شيخه في التلقي عمن فوقه حتى وصله بالإمام علي كرم الله وجهه.
وهذه الكتب مما لا غنى لطالب العربية عن الانتفاع بها، وهي من المراجع التي اعتمدنا عليها في هذا الكتاب.
ومما تجب ملاحظته أن صاحب الترجمة غير ابن الأنباري السابق ترجمته فيمن كانت نزعته كوفية، توفي الأنباري في شعبان ببغداد سنة ٥٧٧هـ.
١٥- المطرزي: هو أبو الفتح ناصر صدر الأفاضل بن أبي المكارم عبد السيد الخوارزمي، ولد بخوارزم في السنة والبلدة التي مات فيها الزمخشري، ولذا قيل له بعد خليفته، لأنه كان يدعو إلى الاعتزال.
قرأ على أبيه وغيره فنبغ في العربية، وسار ذكره وبعد صيته، ودرس وصنف فمن مؤلفاته النحوية: المصباح، والمقدمة المطرزية، ومن آرائه النحوية أن "سحر" مبنية عند قصد التعيين مع الظرفية، ورد عليه ابن الناظم في شرحه عليه قول أبيه:
والعدل والتعريف مانعا سحر ... إذا به التعيين قصدا يعتبر
بأوجه ثلاثة نقلها عنه خالد في التصريح، ثم الأشموني في شرحه.
والمطرزي، قال ابن خلكان: "هذه النسبة إلى من يطرز الثياب
стр. 177
ويرقمها، ولا أعلم هل كان يتعاطى ذلك بنفسه أم كان في آبائه من يتعاطى ذلك فنسب له والله أعلم"، توفي المطرزي بخوارزم سنة ٦١٠هـ.
١٦- الكندي: هو أبو اليمن زيد تاج الدين بن الحسن، ولد ببغداد، وتلقى العلوم عن جلة العصر، فقرأ النحو على ابن الشجري وابن الخشاب وغيرهما، ثم قصد حلب للتجارة منها إلى بلاد الروم مدة طويل، ثم رحل إلى دمشق وفيها طاب له المقام في كنف الأمير "فروخشاه" ابن أخي السلطان صلاح الدين الأيوبي حتى استوزره، فدرس وأفاد وازدحم الطلاب على الأخذ عنه، وسمع منه الملك عيسى الأيوبي صاحب دمشق كتاب سيبويه، وشرحه لابن درستويه، وإيضاح الفارسي توفي في شوال بدمشق سنة ٦١٣هـ١.
١٧- العكبري: هو أبو البقاء عبد الله الضرير بن الحسين، أصله من عكبرا "بليدة على دجلة فوق بغداد"، ولد ببغداد وتلقى النحو عن ابن الخشاب وغيره، ثم حاز قصب السبق في علوم اللغة العربية، حتى لم يكن في آخر حياته من معاصريه من يضارعه فيها، وتصدر لتعليم الناس، وغلب عليه اتجاهه إلى النحو، وقد سبق أنه كوفي المذهب وله مصنفات مفيدة، منها في النحو: "شرح الإيضاح لأبي علي، وشرح اللمع لابن جني، وشرح المفصل للزمخشري، والتبيين في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين"، ومضت كلمة عن هذا الكتاب عند ذكر مسائل الخلاف بين الفريقين تعرفت منها أن هذا الكتاب يظن ظنا مسامتا لليقين أنه آثر المذهب الكوفي في كثير
стр. 178
مما فيه، يشهد لقوة هذا الظن ما ذكره العكبري نفسه في شرحه لديوان المتنبي عند المناسبة لذكر الخلاف، فكما عزز الأنبارى المذهب البصري عزز العكبري المذهب الكوفي.
توفي ﵀ ببغداد "في شهر ربيع من سنة ٦١٦هـ، وقد قارب الثمانين".
١٨- ابن الخباز: هو أحمد الضرير بن الحسين، نشأ بإربل، وتلقى العلم بالموصل، واشتهر قدره، ومن مصنفاته النحوية، النهاية، وشرح ألفية ابن معط، توفي بالموصل سنة ٦٣٧هـ.
فإنها كانت تحل العلماء وتحبوهم، وقد عرفت في ترجمة الكندي أن الأمير "فروخشاه" أحسن وفادته في دمشق واستوزره وبوأ له مقاما رغيبا فيها حتى قضى نحبه، وأن الملك "عيسى" الأيوبي تلقى عنه كتاب سيبويه وشرحه، وإيضاح الفارسي، كما تلقى عضد الدولة عن الفارسي من قبل، بل إن هذا الملك بلغ حبه للعربية وإجلاله لذويها "أنه قد شرط لكل من يحفظ المفصل للزمخشري مائة دينار وخلعه، فحفظه لهذا السبب جماعة"١.
لهذا نشأ بالقطرين في هذا العهد بعض علماء النحو الذين أخذوا عن أسلافهم من القطرين، فكانوا يقتفون كمن سبقهم من العلماء مذاهب العراقيين لأنهم تلقوا نحوهم عنهم قبل إقفار المشرق من هذا العلم وعلمائه، وقد توارد إليهم في هذا الحين فئة من المغاربة والأندلسيين في عهد الدولتين: الفاطمية والأيوبية، وليس بخاف أن المشتغلين بالنحو في القطرين لهذا العهد وإن زادت نسبتهم عن سابقيهم نسبيا، فقد كانوا قليلي العدد ولم تمتد أيامهم، على أن الشام كانت أوكس نصيبا من مصر لكثرة الشغب بها من عدوان الصليبيين والتتر حينا بعد آخر، حتى آل الأمر إلى المماليك وولَّى المسلمون وجوههم شطر القطرين بعد أن عصفت العواصف بالخلافة، حدثت نهضة جديرة بالتقدير لهذا العلم، والكلام عليها في المطلب الثاني إن شاء الله، ودونك أشهر العلماء في القطرين مرتبين على حسب وفياتهم.
стр. 179
الفصل الثاني: علم النحو في مصر والشام وعلماؤه
قد مضى أن القطرين في عصورهما الأولى لم يكونا مهدا وثيرا للنحو كما كانت بلاد المشرق، وحانت منهم التفاتات في أخريات الأيام إلى النحو، فظعنوا إلى العراق وسمعوا من علمائه ثم نشروه في القطرين، غير أنهم كانوا يعدون على الأصابع، وقد ذكرنا أشهرهم سابقا.
وفي غضون هذه المدة وقبيلها وبعيدها ورد بعض علماء العراق الشام كالزجاجي والفارسي وابن خالويه وابن جني، وبعضهم مصر كالتبريزي فقد عرفت في ترجمته أنه أقام بمصر فترة من الزمن تلقى عنه فيها ابن بابشاذ، وبعضهم القطرين غير أن ورود العلماء إلى القطرين يعتبر كرحلات في بلادهم الإسلامية فلا يترتب عليه آثار تجعل القطرين كالعراق مبعث العلم.
نعم، كان لتشجيع بني حمدان في الشام وتمجيدهم العروبة وعلماءها لأنهم عرب الداعي القوي في تحبيب العلماء الإقامة في الشام، فقد سبق أن ابن خالويه توطنها في ذرا سيف الدولة حتى توفي بحلب، ومن قبله الزجاجي الذي ما برح الشام حتى توفي بدمشق، ومن بعده ملك النحاة الذي نعم بخفض العيش في دمشق تحت ظلال نور الدين محمود بن زنكي، كما عرفت في ترجمته.
ظل القطران كذلك حتى قيضت لهما دولة الفاطميين التي كانت أوفر عناية مما قبلها، وبخاصة في الدواوين، إذ كانت تعمد إلى تعيين المراقب عليها ممن عرف بالنحو وعلوم اللغة العربية فلا تصدر مكاتبتها إلا بعد وقوفه عليها وموافقته على ما فيها لأن الدولة عربية، وممن تولى هذا المنصب فيها ابن بابشاذ وابن بري، ثم أعقبتها الدولة الأيوبية ولم تقصر شأوا عنها في هذا المضمار وإن كانت كردية الأصل.
стр. 180
أشهر نحاة القطرين:
١- الحوفي: هو أبو الحسن علي بن إبراهيم، وأصله من شبرا النخلة "من حوف بلبيس" بمحافظة الشرقية، ورد القاهرة فسمع من أبي بكر الأدفوي وبعض علماء المغرب الذين نزحوا إلى القاهرة، وسرعان ما اشتهر علمه وأدبه، فتصدر لإقراء العربية، وصنف في النحو "الموضح" استوفى فيه العلل والأصول، وقد لاحظ عليه ابن هشام في مقدمة كتابه "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" فرط عنايته بإعراب الواضحات كالمبتدأ والخبر والفاعل ونائبه والجار والمجرور والعاطف والمعطوف مما لا حاجة إليه، توفي سنة ٤٣٠هـ.
٢- ابن بابشاذ: هو أبو الحسن طاهر بن أحمد المصري، وأصله من الديلم ولد ونشأ بمصر، ثم وفد إلى العراق لتجارة اللؤلؤ فجنحت نفسه إلى تلقي العلم عن علمائه وفتح عليه، ثم قفل إلى مصر وتصدر للإفادة في جامع عمرو بن العاص وتولى ديوان الإنشاء للفاطميين حتى لا يخرج منه كتاب إلا بعد عرضه عليه، وله مصنفات نحوية، منها شرح الجمل للزجاجي، وشرح الأصول لابن السراج، والتعليق المشهور بتعليق الغرفة، وقد انقطع آخر أيامه لعبادة الله في جامع عمرو، وعلا سطحه في ليلة مقمرة وبعينيه بقية من النوم، فزلت قدمه، ومات سنة ٤٦٩هـ١.
٣- ابن بري: هو أبو محمد عبد الله بن بري المصري، وأصله من المقدس، ولد ونشأ بمصر فأخذ عن الشنتريني النحوي وغيره، وشاع علمه فانتفع بالتلقي عنه خلق كثير، ورأس ديوان الرسائل كابن بابشاذ، وله مصنفات نحوية منها جواب المسائل العشر التي سأل ملك النحاة كما تقدم في ترجمته، ومع طول باعه في علوم اللغة كان يرسل كلامه كيفما