← Указатели

Указатели · id 7328

نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة

محمد الطنطاوي

Полный текст (256 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

هنا على ما طبقت شهرته العالم العربي، فمنها: "أسرار العربية والإنصاف في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين"، وقد سلف التعريف عن هذا الكتاب عند الكلام على نتائج الخلاف بين المذهبين: البصرى والكوفي بما نتبين منه ما احتواه من مسائل الاختلاف، وإن صغو١ الأنباري مع البصريين، ونزهة الألبا في طبقات الأدبا، شرح فيه تراجم النحاة من الإمام علي إلى شيخه ابن الشجري الذي أطال في مديحه، وكان للتراجم مسك الختام، وقد رفع سنده من شيخه في التلقي عمن فوقه حتى وصله بالإمام علي كرم الله وجهه. وهذه الكتب مما لا غنى لطالب العربية عن الانتفاع بها، وهي من المراجع التي اعتمدنا عليها في هذا الكتاب. ومما تجب ملاحظته أن صاحب الترجمة غير ابن الأنباري السابق ترجمته فيمن كانت نزعته كوفية، توفي الأنباري في شعبان ببغداد سنة ٥٧٧هـ. ١٥- المطرزي: هو أبو الفتح ناصر صدر الأفاضل بن أبي المكارم عبد السيد الخوارزمي، ولد بخوارزم في السنة والبلدة التي مات فيها الزمخشري، ولذا قيل له بعد خليفته، لأنه كان يدعو إلى الاعتزال. قرأ على أبيه وغيره فنبغ في العربية، وسار ذكره وبعد صيته، ودرس وصنف فمن مؤلفاته النحوية: المصباح، والمقدمة المطرزية، ومن آرائه النحوية أن "سحر" مبنية عند قصد التعيين مع الظرفية، ورد عليه ابن الناظم في شرحه عليه قول أبيه: والعدل والتعريف مانعا سحر ... إذا به التعيين قصدا يعتبر بأوجه ثلاثة نقلها عنه خالد في التصريح، ثم الأشموني في شرحه. والمطرزي، قال ابن خلكان: "هذه النسبة إلى من يطرز الثياب

стр. 177

ويرقمها، ولا أعلم هل كان يتعاطى ذلك بنفسه أم كان في آبائه من يتعاطى ذلك فنسب له والله أعلم"، توفي المطرزي بخوارزم سنة ٦١٠هـ. ١٦- الكندي: هو أبو اليمن زيد تاج الدين بن الحسن، ولد ببغداد، وتلقى العلوم عن جلة العصر، فقرأ النحو على ابن الشجري وابن الخشاب وغيرهما، ثم قصد حلب للتجارة منها إلى بلاد الروم مدة طويل، ثم رحل إلى دمشق وفيها طاب له المقام في كنف الأمير "فروخشاه" ابن أخي السلطان صلاح الدين الأيوبي حتى استوزره، فدرس وأفاد وازدحم الطلاب على الأخذ عنه، وسمع منه الملك عيسى الأيوبي صاحب دمشق كتاب سيبويه، وشرحه لابن درستويه، وإيضاح الفارسي توفي في شوال بدمشق سنة ٦١٣هـ١. ١٧- العكبري: هو أبو البقاء عبد الله الضرير بن الحسين، أصله من عكبرا "بليدة على دجلة فوق بغداد"، ولد ببغداد وتلقى النحو عن ابن الخشاب وغيره، ثم حاز قصب السبق في علوم اللغة العربية، حتى لم يكن في آخر حياته من معاصريه من يضارعه فيها، وتصدر لتعليم الناس، وغلب عليه اتجاهه إلى النحو، وقد سبق أنه كوفي المذهب وله مصنفات مفيدة، منها في النحو: "شرح الإيضاح لأبي علي، وشرح اللمع لابن جني، وشرح المفصل للزمخشري، والتبيين في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين"، ومضت كلمة عن هذا الكتاب عند ذكر مسائل الخلاف بين الفريقين تعرفت منها أن هذا الكتاب يظن ظنا مسامتا لليقين أنه آثر المذهب الكوفي في كثير

стр. 178

مما فيه، يشهد لقوة هذا الظن ما ذكره العكبري نفسه في شرحه لديوان المتنبي عند المناسبة لذكر الخلاف، فكما عزز الأنبارى المذهب البصري عزز العكبري المذهب الكوفي. توفي ﵀ ببغداد "في شهر ربيع من سنة ٦١٦هـ، وقد قارب الثمانين". ١٨- ابن الخباز: هو أحمد الضرير بن الحسين، نشأ بإربل، وتلقى العلم بالموصل، واشتهر قدره، ومن مصنفاته النحوية، النهاية، وشرح ألفية ابن معط، توفي بالموصل سنة ٦٣٧هـ. فإنها كانت تحل العلماء وتحبوهم، وقد عرفت في ترجمة الكندي أن الأمير "فروخشاه" أحسن وفادته في دمشق واستوزره وبوأ له مقاما رغيبا فيها حتى قضى نحبه، وأن الملك "عيسى" الأيوبي تلقى عنه كتاب سيبويه وشرحه، وإيضاح الفارسي، كما تلقى عضد الدولة عن الفارسي من قبل، بل إن هذا الملك بلغ حبه للعربية وإجلاله لذويها "أنه قد شرط لكل من يحفظ المفصل للزمخشري مائة دينار وخلعه، فحفظه لهذا السبب جماعة"١. لهذا نشأ بالقطرين في هذا العهد بعض علماء النحو الذين أخذوا عن أسلافهم من القطرين، فكانوا يقتفون كمن سبقهم من العلماء مذاهب العراقيين لأنهم تلقوا نحوهم عنهم قبل إقفار المشرق من هذا العلم وعلمائه، وقد توارد إليهم في هذا الحين فئة من المغاربة والأندلسيين في عهد الدولتين: الفاطمية والأيوبية، وليس بخاف أن المشتغلين بالنحو في القطرين لهذا العهد وإن زادت نسبتهم عن سابقيهم نسبيا، فقد كانوا قليلي العدد ولم تمتد أيامهم، على أن الشام كانت أوكس نصيبا من مصر لكثرة الشغب بها من عدوان الصليبيين والتتر حينا بعد آخر، حتى آل الأمر إلى المماليك وولَّى المسلمون وجوههم شطر القطرين بعد أن عصفت العواصف بالخلافة، حدثت نهضة جديرة بالتقدير لهذا العلم، والكلام عليها في المطلب الثاني إن شاء الله، ودونك أشهر العلماء في القطرين مرتبين على حسب وفياتهم.

стр. 179

الفصل الثاني: علم النحو في مصر والشام وعلماؤه قد مضى أن القطرين في عصورهما الأولى لم يكونا مهدا وثيرا للنحو كما كانت بلاد المشرق، وحانت منهم التفاتات في أخريات الأيام إلى النحو، فظعنوا إلى العراق وسمعوا من علمائه ثم نشروه في القطرين، غير أنهم كانوا يعدون على الأصابع، وقد ذكرنا أشهرهم سابقا. وفي غضون هذه المدة وقبيلها وبعيدها ورد بعض علماء العراق الشام كالزجاجي والفارسي وابن خالويه وابن جني، وبعضهم مصر كالتبريزي فقد عرفت في ترجمته أنه أقام بمصر فترة من الزمن تلقى عنه فيها ابن بابشاذ، وبعضهم القطرين غير أن ورود العلماء إلى القطرين يعتبر كرحلات في بلادهم الإسلامية فلا يترتب عليه آثار تجعل القطرين كالعراق مبعث العلم. نعم، كان لتشجيع بني حمدان في الشام وتمجيدهم العروبة وعلماءها لأنهم عرب الداعي القوي في تحبيب العلماء الإقامة في الشام، فقد سبق أن ابن خالويه توطنها في ذرا سيف الدولة حتى توفي بحلب، ومن قبله الزجاجي الذي ما برح الشام حتى توفي بدمشق، ومن بعده ملك النحاة الذي نعم بخفض العيش في دمشق تحت ظلال نور الدين محمود بن زنكي، كما عرفت في ترجمته. ظل القطران كذلك حتى قيضت لهما دولة الفاطميين التي كانت أوفر عناية مما قبلها، وبخاصة في الدواوين، إذ كانت تعمد إلى تعيين المراقب عليها ممن عرف بالنحو وعلوم اللغة العربية فلا تصدر مكاتبتها إلا بعد وقوفه عليها وموافقته على ما فيها لأن الدولة عربية، وممن تولى هذا المنصب فيها ابن بابشاذ وابن بري، ثم أعقبتها الدولة الأيوبية ولم تقصر شأوا عنها في هذا المضمار وإن كانت كردية الأصل.

стр. 180

أشهر نحاة القطرين: ١- الحوفي: هو أبو الحسن علي بن إبراهيم، وأصله من شبرا النخلة "من حوف بلبيس" بمحافظة الشرقية، ورد القاهرة فسمع من أبي بكر الأدفوي وبعض علماء المغرب الذين نزحوا إلى القاهرة، وسرعان ما اشتهر علمه وأدبه، فتصدر لإقراء العربية، وصنف في النحو "الموضح" استوفى فيه العلل والأصول، وقد لاحظ عليه ابن هشام في مقدمة كتابه "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" فرط عنايته بإعراب الواضحات كالمبتدأ والخبر والفاعل ونائبه والجار والمجرور والعاطف والمعطوف مما لا حاجة إليه، توفي سنة ٤٣٠هـ. ٢- ابن بابشاذ: هو أبو الحسن طاهر بن أحمد المصري، وأصله من الديلم ولد ونشأ بمصر، ثم وفد إلى العراق لتجارة اللؤلؤ فجنحت نفسه إلى تلقي العلم عن علمائه وفتح عليه، ثم قفل إلى مصر وتصدر للإفادة في جامع عمرو بن العاص وتولى ديوان الإنشاء للفاطميين حتى لا يخرج منه كتاب إلا بعد عرضه عليه، وله مصنفات نحوية، منها شرح الجمل للزجاجي، وشرح الأصول لابن السراج، والتعليق المشهور بتعليق الغرفة، وقد انقطع آخر أيامه لعبادة الله في جامع عمرو، وعلا سطحه في ليلة مقمرة وبعينيه بقية من النوم، فزلت قدمه، ومات سنة ٤٦٩هـ١. ٣- ابن بري: هو أبو محمد عبد الله بن بري المصري، وأصله من المقدس، ولد ونشأ بمصر فأخذ عن الشنتريني النحوي وغيره، وشاع علمه فانتفع بالتلقي عنه خلق كثير، ورأس ديوان الرسائل كابن بابشاذ، وله مصنفات نحوية منها جواب المسائل العشر التي سأل ملك النحاة كما تقدم في ترجمته، ومع طول باعه في علوم اللغة كان يرسل كلامه كيفما

стр. 181

اتفق، وكانت فيه غفلة عجيبة في غير العلم توفي بمصر في شوال سنة ٥٨٢هـ، وله ثلاث وثمانون سنة. ٤- ابن معط: هو أبو الحسين يحيى زين الدين بن عبد المعطي بن عبد النور الزواوي، ولد بالمغرب من قبيلة زواوة، سمع من الجزولي وابن عساكر، ثم رحل إلى دمشق واستوطنها، وفيها انتفع الخلق بعلمه دراسة وتصنيفا، ثم أرغبه الملك الكامل الأيوبي في القدوم إلى مصر فتصدر بالجامع العتيق لدراسة النحو والأدب على أجر جزيل، ومن مصنفاته النحوية "الألفية" التي أشار إليها ابن مالك في مستهل ألفيته، وشرح الجمل للزجاجي، توفي في ذي القعدة بالقاهرة ودفن بالقرب من الإمام الشافعي سنة ٦٢٨هـ. ٥- ابن يعيش: هو أبو البقاء يعيش موفق الدين بن علي بن يعيش، نشأ بحلب، وتلقى النحو عن فتيان الحلبي وغيره ثم ارتحل إلى بغداد أملا في السماع من كمال الدين الأنبارى لكن شاء القدر أن لا يراه، فقد توفي قبيل وصوله إلى بغداد فعرج على الموصل ولبث بها مديدة، ثم عاد إلى حلب، ولما عزم على التصدر للإقراء رحل إلى دمشق فالتقى بالشيخ تاج الدين الكندي السالف ترجمته، ثم سأله عن مسائل كثيرة، ومنها إعراب ما ذكره الحريري في المقامة الرحبية العاشرة وهو "حتى إذا لألأ الأفق ذنب السرحان، وآن انبلاج الفجر وحان" فاستبهم الإعراب على الكندي، ثم قال له: أردت إعلامي بمكانتك، وكتب بخطه شهادة بالثناء عليه، ثم قفل ابن يعيش بعد هذا التطواف إلى بلدة "حلب" واستقر فيها للإفادة فانتفع الناس به حتى دان له رؤساؤها بالتلمذة، وله شرح على "المفصل" في غاية الجودة، وشهرته تغني عن التعريف به، ولولا ضيق المجال لكتبت كلمة عنه أعرض فيها مزاياه وقد أفاض في ترجمة ابن يعيش تلميذه ابن خلكان في وفيات الأعيان، فقد تلقى عنه معظم كتاب "اللمع" لابن جني ونعته بالعلم والظرف والكياسة وخفة الروح، توفي ﵀ بحلب "في جمادى الأولى"

стр. 182

ودفن بتربته بالمقام المنسوب إلى سيدنا إبراهيم الخليل ﵊ سنة ٦٤٣هـ "وله تسعون سنة". ٦- السخاوي: هو أبو الحسن علي علم الدين بن محمد، ولد في سخا "بمديرية الغربية" تلقى العلم عن البوصيري وغيره، ثم انتقل إلى دمشق وسمع من الكندي وغيره، وأربى على معاصريه مع الخلال الحميدة فازدحم الطلاب عليه في جامع دمشق، ومن تصانيفه النحوية شرح أحاجي الزمحشري، وشرحان للمفصل، وله ألغاز في النحو بديعة، توفي بدمشق سنة ٦٤٣هـ١. ٧- ابن الحاجب: هو أبو عمر عثمان جمال الدين بن عمر الكردي الأصل المشهور بابن الحاجب لأن أباه كان حاجبا للأمير عز الدين موسك الصلاحي بالقاهرة، ولد ابن الحاجب بأسنا ثم تعهده أبوه بالقاهرة فحفظ القرآن ولما ييفع، وتلقى العلوم عن الشاطبي ٢ وغيره فتبحر في العربية حدثا، ثم انتقل إلى دمشق فأكب الناس عليه في متنوع الفنون إلا أنه غلب عليه النحو، وتردد مرارا أمام قاضي الشام ابن خلكان بسبب أداء شهادات، فكان يسأله عن مشاكل في العربية ذكر بعضا منها في ترجمته في وفيات الأعيان، ثم عاد إلى القاهرة وتصدر بالمدرسة الفاضلية، ثم انتقل إلى الإسكندرية، كان ﵀ أصفى الناس ذهنا وأقدرهم بيانا مع الإيجاز اشتهر بالتصانيف المختصرة المنقحة في جملة من العلوم ورزقت مصنفاته القبول، فمنها في النحو: "الإيضاح" شرح المفصل للزمخشري، و "الأمالي" الذي هو الغاية في الدقة، "والكافية" وشرحها، والكافية على وجازتها حوت مقاصد النحو بأسرها، فلا غرابة أن يتسابق حذاق النحاة في شرحها، ويضيق المقام عن استيعاب شروحها، وفي كشف الظنون تفصيلها، وممن شرحها: الرضي، والجامي، وسنذكر نبذة عن هذين الشرحين، في ترجمة أصحابهما، توفي ﵀ في "شوال" بالإسكندرية سنة ٦٤٦هـ، وله ست وسبعون سنة.

стр. 183

الفصل الثالث: علم النحو في الأندلس والمغرب وعلماؤه تباعد الشقة بين هذه البلاد وبين العراق مهد النحو قضى عليها أن تتأخر ردحا من الزمن عن اقتفائها العراق في مزاولته إلى أن نضج وكمل، وعناية الولاة على الأندلس من قبل بني أمية منذ فتحه سنة ٩٣هـ منصرفة إلى إخضاع البلاد للخلافة فحسب، نعم لما استقلت بنو أمية بالأندلس على يد عبد الرحمن الداخل صقر قريش سنة ١٣٨هـ، وتوطد فيها الملك له ولعقبه من بعده استقبلت الأندلس عهدا جديدا وبدأت الحركة العلمية فيها، بفضل مناصرة بني أمية اللغة جريا على دأب بني أبيهم في المشرق، فأرغبوا العلماء في العلم وكافئوهم على دراستهم وتصنيفهم، فاستحث ذلك دول المغرب التى كانت تموج بالاضطرابات آنئذ، لأنها دول عربية تقدس الكتاب الكريم وتحدب على اللغة العربية لغة الدين، ففي المغرب الأقصى دولة الأدارسة العلوية نشأت على يد إدريس بن عبد الله بن حسن في مدينة "وليلي" سنة ١٧٢هـ، وضمت إليها بلاد تلمسان، وفي شمال إفريقية دولة الأغالبة التي أسسها إبراهيم بن الأغلب التميمي المتوفى سنة ١٨٤هـ. ثم قامت على أنقاض الدولتين الدولة الفاطمية واحتازات المغرب سنة ٢٩٧هـ، وامتد نفوذها من المحيط الأطلسي إلى مصر سنة ٣٥٨هـ، فنهضت المغرب تجاري الأندلس، بحكم قرب الجوار واتحاد اللغة والدين، لذلك تجشم أفراد من الأندلس والمغرب الأسفار إلى المشرق ورووا عن علمائه واقتبسوا من معارفهم إذ لم يكن في مقدورهم الرحلات إلى البوادي،

стр. 184

ومشافهة الأعراب فيها كما صنع المشارقة، وقفلوا إلى المغرب والأندلس مزودين بعلوم المشارقة زيادة على ما جلبوا معهم من مؤلفاتهم، إلا أنه كان للمغاربة فضل السبق على الأندلسيين لقرب بلادهم من المشرق وبعد الأندلسيين منه، وستقف على هذا عند الكلام على تراجم الفريقين قريبا. وقد تجاوب مع هذه الرحلات المشرقية في رفع شأن اللغة العربية تقاطر المشارقة وتوافد كثير من علمائهم إلى المغرب والأندلس لتوافر المرغبات في النزوح إليهما ماديا وأدبيا، وممن ورد الأندلس أبو علي القالي الذي رعاه أحسن رعاية "الحكم المستنصر" ولي عهد أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر سنة ٣٣٠هـ، وأحسن مثواه حتى لقي ربه في الأندلس وتوفي بقرطبة سنة ٣٥٦هـ. فتولد من هذين العاملين حركة في علم النحو في ظل الأمويين، والأغالبة والفاطميين، واطرد نموها وازدهرت في آخر عهدهم، وازداد ازدهارها في عصر ملوك الطوائف الذين قاموا على أنقاض الأمويين وتقاسموا بلاد الأندلس بينهم من سنة ٤٢٨هـ، فإنهم كانوا يتبارون في تقدير العلم وأهله حتى كان منهم العلماء والمؤلفون، وفي خلال تلك الحقبة هبت نسمة من الأندلس على بلاد المغرب انتعشت فيها، فظهر في الأندلس والمغرب علماء ضارعوا علماء المشرق وانتشرت دراسة النحو في سائر المدن، وكادت الأندلس تحكي صورة العراق في عصره الزاهر، فكان غير عجب أنه لما فسدت السليقة بالبادية أواسط القرن الرابع الهجري وانصرف علماء المشرق إلى درس ما حفظوه ودونوه من كلام العرب، أن يصنع كذلك بعد حين المغاربة والأندلسيون في اجتزائهم بما نقلوا من ألسنة وكلام العرب المروي لهم عن علماء المشارقة والقواعد التي تلقنوها منهم، فلم يرتحلوا بعد إلى المشارقة، وعكفوا على ما حصلوا عليه، وصدقوا العزيمة في تثمير ما عندهم. وتقضي البداهة أن إنعام الفكر في المسائل موح وملهم باستكمال بعض

стр. 185

النقص الفائت، وهكذا ما كان من الأندلسيين بعد استغنائهم عن المشارقة واعتمادهم على أنفسهم فإنهم عدلوا عن بعض آراء المشارقة في النحو وخالفوهم في منهاج تعليمه وتدوينه، واستدركوا عليهم مسائل فاتتهم، وبذلك استحدثوا مذهبا رابعا عرف بمذهب المغاربة أو الأندلسيين، ظهرت مبادئه من أوائل القرن الخامس الهجري، الذي يعد بحق فجر النهضة النحوية في هذه البلاد، ولقد كانت نهضة رائدها المقة١ المحضة لهذا الفن في تلك البلاد المحرومة منه زمنا طويلا، ومن ذلك الحين قرروا كتاب سيبويه. كتاب سيبويه عندهم: لكتاب سيبويه عندهم منذ فجر النهضة العلمية بينهم المكانة المقدسة، فجدوا وتحملوا المشاق والأخطار في ارتحالهم من بلادهم إلى المشرق للحصول على صورة منه، وإنها لمشقة لا تسهل إلا على هؤلاء الذين أحبوا العلم للعلم، والرغبة الخالصة لا يحول دونها حاجز وإن تعذر اجتيازه، وسيأتي ذكر أعلام منهم استطاعوا نقله من الشرق في فجر النهضة عندهم، فتكاثرت نسخه بعدئذ وصار كتابهم المقدس في العربية، وإليه تؤول فضيلة النهضة الأندلسية المغربية، فقد شغف به الأندلسيون والمغاربة من هذا الحين، وتنافسوا في استظهاره، إذ كان حفظه عندهم شارة النبوغ في العربية. فمن حفظته: حمدون النحوي القيرواني، وخلف ين يوسف الشنتريني وغيرهما وعنوا بشرحه والتعليق عليه، فشرحه منهم: أبو بكر الخشني، وابن الطراوة، وابن خروف، وابن الباذش وغيرهم، وما انفكت العناية به تزداد تترى حتى انتهت رياسة النحو إلى ابن الضائع، فقد شرح كتاب سيبويه وأبدى مشكلات فيه عجيبة. لقد اطرد تثمير هذه النهضة في تلك البلاد وشيكا، ونمت الحركة

стр. 186

العلمية وكثر العلماء وتباروا في تصنيف المؤلفات مع تنويع الإنتاج بين نحوية وغيرها، فتطلعت إليهم الأنظار في سائر البلاد الإسلامية، وملأت قرطبة الأندلس الأسماع وخلفت بغداد العراق، ولا سيما في النحو الذي حظي منهم بما حرمه غيره من فنون أخرى فقد سارت نهضتهم النحوية قدما حتى القرن السابع الهجري، إذ فيه تسنم الذروة العليا من عناياتهم. قال ابن سعيد المغربي، ونقل كلامه المقري قال: "والنحو عندهم في نهاية من علو الطبقة حتى أنهم في هذا العصر "القرن السابع" فيه كأصحاب عصر الخليل وسيبويه، لا يزداد مع هرم الزمان إلا حدة، وهم كثير، والبحث فيه وحفظ مذاهبه كمذاهب الفقه، وكل عالم في أي علم لا يكون متمكنا من علم النحو بحيث لا تختفي عليه الدقائق فليس عندهم بمستحق للتمييز ولا سالم من الازدراء "١. وعلى كر الأيام تكاثرت مسائل مذهب المغاربة والأندلسيين الجديد وذاعت قواعده وامتدت حياته حتى أخذه عنهم المشارقة بعد ما ضعف شأنهم، إذ قد نزح كثير من المغاربة إلى المشرق إما للحج أو للإقامة، ودرسوا في مساجده ومدارسه ومعهم مؤلفاتهم كابن مالك وغيره. وستعرف في المطلب الثاني بعد سقوط بغداد وانقطاع المدد من العراق إلى القطرين "مصر والشام" أنه كثر تدفق الأندلسيين والمغاربة إليهما فنفحوهما نفحة لا ينساها التاريخ لهم، وهنا يحسن أن نذكر على سبيل الإرشاد بعض ما عرف عن جمهور المغاربة والأندلسيين من عناصر مذهبهم مخالفا للمعروف من المذاهب البصرية والكوفية والبغدادية.

стр. 187

أمثلة للمذهب الأندلسي المغربي: ١- منع توكيد العائد المنصوب المحذوف قياسا، نحو: جاء الذي ضربت نفسه، قال الأشموني "ومنعه ابن السراج وأكثر المغاربة"١. ٢- اعتبار الفعل القلبي معلقا عن الجملة المسبوقة بالمعلق بعد المفعول الأول، قال ابن هشام "قال جماعة من المغاربة: إذا قلت: علمت زيدا لأبوه قائم، أو ما أبوه قائم، فالعامل معلق عن الجملة وهو عامل في محلها النصب على أنها مفعول ثان، وخالف في ذلك بعضهم لأن الجملة حكمها في مثل هذا أن تكون في موضع نصب وأن لا يؤثر العامل في لفظها وإن لم يوجد معلق، وذلك نحو: علمت زيدا أبوه قائم"٢. ٣- تجويزهم تأخير حال الفاضل عن اسم التفضيل، قال السيوطي: "وأجاز بعض المغاربة تأخير الحالين عن أفعل بشرط أن يليه الحال الأولى مفصولة عنه من الثانية، فيقال: هذا أطيب بسرا منه رطبا، وزيد أشجع أعزل من عمرو ذا سلاح قال أبو حيان: وهذا حسن في القياس لكنه يحتاج إلى سماع"٣. ٤- اعتبارهم نصب "غير" في الاستثناء كنصب المستثنى بإلا، قال ابن هشام: "وانتصاب "غير" في الاستثناء عن تمام الكلام عند المغاربة كانتصاب الاسم بعد إلا عندهم"٤. ٥- جواز العطف في تمييز المقدار المكون من الجنسين، نحو: عندي رطل سمنا وعسلا، قال السيوطي: "وقال بعض المغاربة: الأمران

стр. 188

سائغان العطف وتركه"١. ٦- عدم اعتبار العطف لأم المنقطعة مطلقا، قال الصبان: "فابن جني والمغاربة يقولون ليست بعاطفة أصلا لا في مفرد ولا في جملة"٢. ٧- تصحيحهم عمل "أن" المخففة المفتوحة في الظاهر أيضا، قال السيوطي: "الثاني أنها تعمل في المضمر وفي الظاهر نحو علمت أن زيدا قائم، وقرئ "أن غضب الله عليها" وعليه طائفة من المغاربة"٣. ٨- تسويغهم نصب المضارع بعد الفاء في جواب الاستفهام المتضمن وقوع الفعل، نحو: لم ضربت زيدا فيجازيك؟ مخالفين اشتراط النحاة عدم الوقوع، قال الأشموني: "ولم يشترط ذلك المغاربة"٤. ٩- قصر حذف "أن" الداخلة على المضارع على السماع سواء أبقي منصوبا أم رفع، قال الأشموني: "وإليه ذهب متأخرو المغاربة، قيل وهو الصحيح"٥. تلك بعض قواعدهم، أما خلافاتهم الشخصية، وتعليلاتهم، وطريقتهم فهي تحت البصر بكتبهم، ولا تنس ما سبق التنبيه عليه في آخر المطلب الأول من أن علماء الأندلس والمغرب يشاركون علماء العراق وعلماء القطرين في استيفاء المصادر كلها تراجمهم، ونريد هنا أن نقول: إن علماء الأندلس والمغرب قد ترجمهم أيضا المقري في "نفح الطيب"، وهاك بعض مشهوريهم مرتبين بحسب مماتهم.

стр. 189

أشهر نحاة الأندلس والمغرب: ١- جودي: هو ابن عثمان النحوي المغربي، نشأ في مورور "قرب القيروان" ورد العراق وأخذ عن الكسائي والفراء والرياشي، وروى عن الكسائي كتابه واستصحبه معه في عودته إلى وطنه، غير أنه اتجه بعد إلى قرطبة، فكان أول من أدخل كتاب الكسائي في هذه البلاد، وألف في النحو وتصدر للإفادة حتى توفي بقرطبة سنة ١٩٨هـ. ٢- حمدون: هو النحوي المغربي "محمد بن إسماعيل" نشأ بالقيروان وتلقى عن المهري، ثم بلغ الغاية في النحو والغريب، وهو أول من عرف بحفظ "كتاب سيبويه" وطبعي أن الكتاب كان في المغرب ولا يعرف على التعيين أول من جلبه، ولحمدون كتب في النحو، توفي بعد ٢٠٠هـ. ٣- الأفشنيق: هو "محمد بن موسى" الأندلسي رحل إلى المشرق، فأخذ بمصر عن أبي علي الدينوري كتاب سيبويه، وانتسخه، وبالبصرة عن المازني، ثم عاد إلى الأندلس ومعه الكتاب، ويغلب على الظن أنه أول من أدخل الكتاب الأندلس، توفي بقرطبة سنة ٣٠٧هـ. ٤- محمد بن يحيى: هو الرباحي الأندلسي وأصله من جيان وانتقل أبوه إلى قلعة رباح "من أعمال طليلة" حذق علوم العربية واشتهر بالنحو؛ ورحل إلى مصر فلقي أبا جعفر النحاس وروى عنه كتاب سيبويه ثم عاد إلى الأندلس وتلقى عنه الزبيدي؛ وكرمت منزلته عند الحكم المستنصر بالله وأشرف على الدواوين، وبقي أثيرا إلى أن توفي بقرطبة سنة ٣٥٨هـ. ٥- الزبيدي: هو أبو بكر محمد بن الحسن، أصله من زبيد "قبيلة يمنية" ولد في إشبيلية وتأدب على أبيه ثم سمع من أبي علي القالي ومحمد بن يحيى الرباحي وغيرهما في قرطبة، حتى غدا أوحد زمانه في النحو وحفظ اللغة، فاختاره الحكم المستنصر بالله لتأديب ولده وولاه قضاء إشبيلية وخطة الشرطة بها، وله مؤلفات: الواضح في النحو، وأبنية الأسماء في الصرف، واستدراك العين في اللغة، وطبقات النحويين واللغويين في التراجم.

стр. 190

تعريف بكتابه طبقات النحويين واللغويين: لهذا الكتاب منهج خاص في التراجم يرشد إلى المقصود بسهولة، فإنه من جهة فصل بين النحويين واللغويين وجعل لكل بابا، ومن جهة أخرى ذكر البصريين وحدهم ثم الكوفيين ثم الإفريقيين ثم الأندلسيين، ورتبهم طبقات طبقة تلي أخرى مشيرا إلى مدارسهم وشيوخهم مع جودة الضبط. نعم قد اضطررت في التعبير الإقليمي إلى مخالفته "في الإفريقيين" فاستبدلت بها "المغاربة" لأنها المذكورة في كتب النحو التي بأيدينا. ومن الاعتراف بالفضل لصاحبه الإشادة بصنيع الزبيدي فإنه الذي مهد لنا السبيل في توزيع علماء النحو خاصة إقليميا -وهو الهدف الذي ننظره- منذ كان من أبي الأسود إلى شيخ الزبيدي السابق محمد بن يحيى الرباحي المتوفى سنة ٣٥٨هـ لأن ترجمته آخر تراجم الطبقات، فلو تأخر عهد الزبيدي لامتد هذا التفصيل النافع إلى أمده وخفف عنا عناء التفتيش فترة أخرى، في المعاجم المعنية بعلماء النحو دون التنصيص على من عرفوا به واشتهروا دون اللغة، فإن جلهم جامعون بين الفنين وبعضهم ضم إليهما فنونا أخرى ودون التعيين في أبواب لأقاليمهم ولكل إقليم طابعه الخاص في النحو والنحاة؛ أما طبقات الزبيدي فإنها أضافت على فائدة الترجمة ثلاث فوائد: شهرة المترجم بالنحو ومذهبه فيه وموطنه المنسوب إليه، لهذا كانت مطمح أنظار العلماء. ظل الزبيدي موضع التجلة في قرطبة حتى توفي سنة ٣٧٩هـ. ٦- الأعلم: هو أبو الحجاج يوسف بن سليمان المعروف بالأعلم "لانشقاق شفته العليا"، ولد بشنتمرية "مدينة في غرب الأندلس" ورحل إلى قرطبة فتلقى عن الإقليلي وغيره وشهرته قوة الحافظة فبعدت سمعته فكانت تضرب إليه أكباد الإبل، وكف بصره آخر حياته، وكانت تغلب عليه النزعة

стр. 191

الأدبية كما ترى في مؤلفاته فله شرح الجمل للزجاجي وشرح شواهد سيبويه، وشواهد الجمل، وديوان زهير، والحماسة وغيرها، توفي بإشبيلية سنة ٤٧٦هـ. ٧- ابن السيد البطليوسي: هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد وليد في بطليوس واستوطن بلنسية موفور الكرامة لعلمه الجم فترامت سمعته إلى ابن الحاج صاحب قرطبة الذي استقدمه إليها، غير أنه أقام عنده قليلا وخافه فعاد إلى بلنسية، ومؤلفاته كثيرة، له في النحو المسائل المنثورة، وإصلاح الخلل الواقع في الجمل، والخلل في شرح أبيات الجمل، توفي ببلنسية سنة ٥٢١هـ. ٨- ابن الطراوة: هو أبو الحسين سليمان بن محمد، ولد بمالقة ورحل إلى قرطبة فسمع من الأعلم كتاب سيبويه كما أخذ عن غيره ثم تجول كثيرا في الأندلس، فانتفع به خلق كثير، وكان جريئا في آرائه لهذا انفرد بمسائل جمة خالف فيها النحاة، ولم يتحاش تغليط سيبويه في الكتاب في "باب النعت" كما رأيت عند الكلام في ترجمة سيبويه، ومن مصنفاته المقدمات على كتاب سيبوبه، والترشيح، توفي بمالقة سنة ٥٢٨هـ. ٩- ابن الباذش: هو أبو الحسن علي بن أحمد، ولد بغرناطة وشب على حب الفضيلة والزهد في الدنيا وبرع في الشريعة والعربية فأكبره لذاته، بذل همته في النحو فشرح أمهات الكتب: إذ شرح كتاب سيبويه؛ والأصول لابن السراج، والمقتضب للمبرد، والإيضاح للفارسي، والجمل للزجاجي، والكافي للنحاس، توفي بغرناطة سنة ٥٣٨هـ. ١٠- اللخمي: هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن هشام اللخمي، ولد في سبتة، ولما شدا١ مبادئ اللغة والشريعة، انكب على التزايد فيهما حتى صنف مؤلفات، منها في النحو كتاب الفصول والجمل، توفي بسبتة سنة ٥٧٠هـ.

стр. 192

١١- ابن طاهر: هو أبو بكر محمد بن أحمد بن طاهر المشهور بالخدب ولد في إشبيلية ورحل إلى مراكش فدرس في "فاس" كتاب سيبويه وذاع اسمه وأقبل الناس عليه من الجهات النائية وله طرر على الكتاب توفي بفاس سنة ٥٨٠هـ. ١٢- السهيلي: هو أبو القاسم، وأبو زيد عبد الرحمن بن عبد الله، ولد بمالقة، وسمع من ابن الطراوة وغيره، وكف بصره في السابعة عشر فعوضه الله نور البصيرة، وأحسن الناس فيه عقيدتهم، ونفذت سمعته العلمية والدينية إلى بلاد المغرب، ونمى خبر إملاقه إلى ملكها فاستقدمه ومكث بها ثلاثة أعوام مغمورا بالإحسان؛ وله مصنفات منها التعريف والإعلام بما في القرآن من الأسماء والأعلام، والروض الأنف شرح السيرة. حدثت مسائل بينه وبين ابن خروف مذكورة "في الفن السابع" من الأشباه والنظائر الجزء الثالث، توفي ﵀ بمراكش سنة ٥٨٣هـ١. ١٣- ابن مضاء: هو أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن اللخمي القرطبي، نشأ بقرطبة في بيت حسب محبا للعلم، فأخذ عن ابن الرماك في إشبيلية كتاب سيبويه تفهما وسمع عليه وعلى غيره من الكتب النحوية واللغوية والأدبية ما لا يحصى، وامتد نهمه إلى سائر العلوم من الأصول والهندسة وغيرهما، فكان وحيد عصره، وتولى رياسة القضاء في عهد أمير المؤمنين يوسف بن عبد المؤمن من دولة الموحدين. وله في النحو كتاب "المشرق في النحو" وكتاب "الرد على النحاة" وهذا الكتاب هجم فيه على نحاة المشرق وفند بعض قواعدهم: في اعتبار العامل، وفي توجيه العلل، وفي اعتبار القياس، وفي التعويل على التمارين الفرضية؛ ويحتاج بسط ما في الكتاب إلى تفصيل لا يسعه المقام وكتاب "تنزيه القرآن عما لا يليق بالبيان" وخطأه ابن خروف في هذا الكتاب

стр. 193

وناقضه بكتاب سماه "تنزيه أئمة النحو عما نسب إليهم من الخطأ والسهو"، ولما بلغ ابن مضاء اغتاظ ثم قال: نحن لا نبالي بالأكباش النطاحة وتعارضنا أبناء الخرفان، توفي ابن مضاء في إشبيلية سنة ٥٩٢هـ. ١٤- الجزولي: هو أبو موسى عيسى بن يللبخت من قبيلة "جزولة" من قبائل البربر بمراكش نشأ بمراكش، ولما حج عرج على مصر فتلقى النحو عن ابن بري وقرأ عليه كتاب "الجمل" للزجاجي، وجرى فيها بحث نتج عنه مقال طويل جعله مؤلفا "المقدمة" للزجاجي، وقد عنى الناس بها، وفي كشف الظنون: "هي المسماة بالقانون، أغرب فيها وأتى بالعجائب، وهي في غاية الإيجاز مع الاشتمال على شيء كثير من النحو لم يسبق إلى مثلها" ثم عاد إلى المغرب وأخذ الناس عنه، حتى توفي بمراكش سنة ٦٠٥هـ. ١٥- ابن خروف: هو أبو الحسن علي بن محمد بن علي الحضرمي الإشبيلي، ولد في إشبيلية وأخذ عن ابن طاهر السابق ترجمته، ثم برز في العربية، ومن مصنفاته النحوية: شرح كتاب سيبويه أهداه إلى صاحب المغرب فمنحه ألف دينار، وشرح الجمل للزجاجي ومع طول باع المترجم في النحو وذيوع صيته في التدقيق وغزارة مؤلفاته كان في خلقه زعارة١ فلا عجب أن يندفع إلى منازلة السهيلي في المسائل المنوه عنها في ترجمته وأن يعدو على ابن مضاء في مناقضته لكتابه المذكور آنفا في ترجمته. ومما هو حري بالملاحظة أن ابن خروف النحوي غير ابن خروف الشاعر المشهور وإن اتفقا اسما وكنية ولقبا وأبا، فقد اختلفا جدا ونسبا ووطنا ووفاة ومدفنا، فإن ابن خروف الشاعر هو أبو الحسن علي بن محمد بن يوسف القيسي القرطبي، وهو الذي أرسل قصيدة للقاضي في حلب يوسف بهاء الدين المعروف بابن شداد يستجديه فرو خروف، وتوفي مترديا في جب بحلب سنة ٦٠٤هـ.

стр. 194

ولعل الاشتباه بين النحوي والشاعر هو الذي تسرب منه الخطأ في نسبة شعر للنحوي، ولم ينتبه لهذا أحد ممن ترجم النحوي قبل ابن خلكان وبعده، فإنه وحده الذي حقق هذا الفرق في وفيات الأعيان ترجمة القاضي يوسف المذكور، وهذا التحقيق من ابن خلكان جدير بالتقدير والاعتبار، توفي ابن خروف النحوي بإشبيلية سنة ٦١٠هـ. ١٦- الشلوبيني: هو أبو علي عمر بن محمد المعروف بالشلوبيني، ولد بإشبيلية، وأخذ عن السهيلي والجزولي وغيرهما، ثم انتهت إليه رياسة النحاة غير مدافع، بل تغالى معاصروه ففضلوه على أبي علي الفارسي وبه انتهت دولة الأئمة المجتهدين، وكان مع هذا فيه غفلة وحكايته في ذلك غريبة، ومن مصنفاته النحوية: التوطئة، والتعليق على كتاب سيبويه، توفي بإشبيلية سنة ٦٤٥هـ١. ١٧- ابن هشام الخضراوي: هو أبو عبد الله محمد بن يحيى الخزرجي، من الجزيرة الخضراء، أخذ عن ابن خروف وغيره، وعني في تصنيفه بكتاب الإيضاح، فألف الإفصاح بفوائد الإيضاح والاقتراح في تلخيص الإيضاح، وغرر الإصباح في شرح أبيات الإيضاح توفي بتونس سنة ٤٦٦هـ. ١٨- ابن الحاج: هو أبو العباس أحمد بن محمد، قرأ على الشلوبيني وأمثاله، ومهر في علوم اللغة العربية وصنف فيها، وله في النحو إملاء على كتاب سيبويه، ومختصر الخصائص لابن جني، وشرح الإيضاح، كان يقول: إذا مت يفعل ابن عصفوري في كتاب سيبويه ما شاء توفي سنة ٦٤٧هـ.

стр. 195

المطلب الثاني: علم النحو وعلماؤه بعد سقوط بغداد مدخل ... المطلب الثاني: علم النحو وعلماؤه بعد سقوط بغداد لقد كان سقوط بغداد سنة ٦٥٦هـ على يد الطاغية "هولاكو" المغولي التتري حدث الأحداث، إذ تقوض عرش الخلافة الذي كان ملاذ المسلمين ردحا من الدهر على اختلاف أجناسهم وثنائي أقطارهم، سادوا فيه العالم، وبسطوا نفوذهم على رقعة فسيحة من البسيطة، رفرفت عليها راية اللغة والدين. قضى الله ودالت دولة الخلافة العباسية من بغداد وتمزق شمل المسلمين ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ١ ففر من فر من بغداد، وقتل فيها من قتل، وارتكب المغول في هذا الحادث الجرائم النكر، وأزالوا معالم المسلمين وأبادوا ثروتهم العلمية وألقوها في اليم بدجلة فعبرت عليها الخيول، ولم يقف شر هؤلاء الطغاة عند بغداد، بل استشرى شرهم وعم بلاد المشرق في عهد عقبه "تيمورلنك" الذي روع المشرق بجحافله الزاحفة وجيوشه المظفرة، اتخذ قاعدة ملكه "سمرقند" واتجه شرقا وغربا يلتهم الممالك ويثل العروش ويعيث في البلاد الفساد، لا يثنيه عن ضراوته الوحشية صارف، دخل "أنقرة" عنوة وأسر السلطان العثماني "بايزيد الأول" المعروف بالصاعقة وزج به في غياهب السجن سنة ٨٠٤هـ، دانت له الدولة الإسلامية من حدود الهند شرقا إلى سوريا غربا، فامتدت أطماعه إلى الاستيلاء على القطرين "مصر والشام" لكنه خاب أمله بفضل بسالة المماليك سلاطين مصر حينذاك كما سيجيء الكلام عليه في الفصل الثالث. وبلغ من جبروته أنه ألجأ الشيخين "سعد الدين التفتازاني والسيد

стр. 196

الشريف الجرجاني" إلى أن يتناظرا بين يديه يمتع عينيه فشجر بينهما الخلاف في الاستعارة التمثيلية، فجوز السعد فيها أن تكون تبعية، ومنع السيد التبعية فيها، وطال احتجاج الطرفين، وكانت العاقبة انهزام السعد فموته هما وحزنا، كما كان يفكر في القضاء على ابن خلدون لكن ابن خلدون احتال عليه وأمله في عودته من القاهرة حاملا كتبه إليه فذهب وخلص من شره، طالت مدة هذه الطاغية، فلم يمت حتى دوخ الشرق في عهده الطويل فقد ملك ستا وثلاثين سنة والشعوب الإسلامية تحت نير العسف والاضطهاد لا هم لهذه الشعوب المغلوبة فيها إلا سلامة أرواحهم حتى توفي سنة ٨٠٧هـ، فاختلف أعقابه من بعده وألقيت بينهم العداوة والبغضاء، وقد أسلم بعضهم ودان الآخرون بالبوذية، فتفككت أواصرهم وانشعبت مملكتهم، وكان الشرق يموج يومئذ بالفتن فتدول دولة وتقوم أخرى، أو ينحل فتل دولة ويبرم فتل أخرى. فقد توطد في هذا الحين ملك الدولة العثمانية التي اتخذت بعد فترة من نشأتها عاصمتها الجديدة "القسطنطينية" بعد فتحها المعدود أعجوبة الدهر سنة ٧٥٨هـ على يد السلطان محمد الثاني الفاتح، وقد اطرد على مرور الزمن تقدم نهضة الدولة العثمانية حتى استولت على القطرين في عهد السلطان سليم سنة ٩٢٣هـ وكان لهذا الاستيلاء أثره البالغ في طرو عهد جديد على اللغة العربية، وبالتالي على النحو الذي نتحدث عنه وسترى تفصيل ذلك في الفصل الثالث، وقد بلغت الدولة العثمانية أوج مجدها في عهد السلطان سليمان القانوني المتوفى سنة ٩٧٣هـ فكان لها شطر كبير من بلاد الشرق، فقد وصلت المملكة العثمانية زمن السلطان المذكور فيه إلى آخر العراق شرقا باقتطاع جزء كبير من أملاك الدولة الصفوية الآتي الكلام عليها بعد، فدخلت "بغداد" في ملكه. وظهرت أيضا في هذا الحين الدولة الصفوية بخراسان وحالفها الظفر في المشرق حتى أدال الله لها على الدولة التيمورية بعد حرب ضروس في

стр. 197

موقعة "شرور" سنة ٩٠٧هـ انتصر فيها الشاه إسماعيل الصفوي رأس الدولة الصفوية، واتسع ملكه فامتد بين جيحون وخليج البصرة وأفغانستان والفرات، فلم يعد بعدئذ للدولة التيمورية أثر وكأن لم تغن١ بالأمس وكان آخر سلاطينها سلطان هراة "حسين مرزا" المتوفى سنة ٩١١هـ. فنشوء الدولتين الفتيتين: "العثمانية والصفوية" حول التيمورية قضى عليها القضاء النهائي، لكن الطمع الدنيوي لم يدع الصفاء بين الدولتين الباقيتين، فقامت حروب بعدئذ بين السلطان سليم والشاه إسماعيل مدة طويلة، وبالجملة كان المشرق بركان ثوران في نواحيه عامة ولا قرار فيه للهدوء والسكون، والعلماء كافة أنأى الناس عن مثار الاضطرابات يركنون إلى مثابات الاستقرار في مواطن الأمن الشامل؛ لهذا قد تصوبت أنظار النحاة إلى القطرين "مصر والشام" فأخذوا يرتحلون من المشرق رويدا رويدا، إلى أن حان وقت تفردت فيه القاهرة بالقيام بأعباء النهضة الثقافية للمسلمين وآضت٢ كعبة القاصدين. هذه حال بلاد المشرق. أما الأندلس وبلاد المغرب فإنه ما انفك فيهما بقية من علماء النحو تشتغل به بعيدة عن فوضى بلاد المشرق حتى ألمت بهم النوائب فاختلف ملوك بني الأحمر وتفرقوا أحزابا واستعرت الحروب بينهم فطفق العلماء يهبطون من الأندلس والمغرب إلى القطرين كالمشارقة أرسالا إلى أن سقطت الأندلس واستولى عليها الفرنجة سنة ٨٩٧هـ وستعرف تفصيل ذلك في الفصل الثاني، فلم ير المطرودون من الأندلس والمغرب ملجأ لهم إلا القطرين كما سبقهم من قبل إخوانهم المشارقة، ومن ذلك تعرف أن القطرين: "مصر والشام" اتسع رحبهما للوافدين إليهما من اليمين واليسار؛ من المشرق والمغرب، وفيهما التقى علماء المشرق والمغرب بعلماء القطرين، وقامت القاهرة عاصمة القطرين بدورها بعد أختيها: "بغداد وقرطبة"، وعلى هذا ينبغي في الكلام على هذا العلم ورجاله في هذا العهد أن نسير على طباق ما تقدم في المطلب الأول إذ الحال من حيث الاتجاه في النزعة لم تتغير عند كل فريق من الثلاثة وبذلك انقسم الحديث إلى ثلاثة فصول:

стр. 198

الفصل الأول: علم النحو في المشرق وعلماؤه إن بلاد المشرق لما منيت بهذا الخطب الجلل الذي أباد تراثها العلمي وأودى بحياة علمائها العاملين، دهشت طويلا من الأيام، وعشش عليها بوم الآلام، غير أن بعض علمائها في إبان الشدة والقسوة لأول عهد المغول نجوا بأنفسهم إلى حيث يأمنون في سربهم، فمنهم من وجدوا لهم مراغما ١ في الأرض وسعة، ومنهم من رضوا من الحياة الدنيا بالغذاء العلمي الروحي، ومن هؤلاء الرضي الذي ولى وجهه شطر الحرمين ونعم بجوار الحرم المدني وألف كتابه المشهور الذي سجل له على النحو فضل الأبد، وستقف على شأنه عند التعريف به في ترجمة الرضي. نعم لما أسلم بعض سلائل التتر في أخريات أيامهم، وقد ناهضتهم الدول العثمانية أولا ثم الدولة الصفوية ثانيا التفت بعض سلاطينهم وأولي الشأن فيهم إلى وجوب استجلاب مودة الشعوب المملوكة استبقاء لملكهم فتوددوا للعلماء وأهابوا بهم في القيام بما يعود على البلاد بالنفع والخير، ولعل من أكبرهم مظهرا في ذلك سلطان هراة "السلطان حسين"، فقد غمر الجامي بما جعله لا يصوب نظره إلى سلطان آخر في إقليم آخر رغم استزارته من كثير من سلاطين ذلك الوقت كما سترى في ترجمته. كذلك الدولة العثمانية والدولة الصفوية، وهما دولتان إسلاميتان ناشئتان

стр. 199

يحفزهما الدين إلى إحاطة العلماء بالتكريم، والعلماء حفظة الدين ولغة الدين. على كل حال كان طبعيا وحتما مقضيا على هذه الدول أن تصانع شعوبها وتتقرب إلى خواصها للتنافس بينها. والشعوب العربية تواقة إلى استرجاع مجدها الحائل واللغة عندهم عنوان المجد وسبيل الإبقاء على الدين، فلا ريب أنهم عندما تنقشع سحب الاضطرابات وتسكن الثورات يكون أول هم الخواص فيهم أن ينتشروا ما اندرس فيهم مما كادت تذهب الحوادث بأصوله، حقا لقد شعر العلماء بواجبهم إزاء كارثة بغداد التي اجتاحت ثروتهم العلمية، ولولا بقية مما في صدورهم لذهبت وانطمست معالمها، والنحو معبر العلوم فهو أجدرها بالجد والنشاط كما كان أسبقها في التكوين، إلا أن العلماء لم يستطيعوا استعادة مجده القديم في هذه البلاد ذلك الحين لأمرين: الأول: أن الشغب كان منتشرا في جميع ربوع البلاد الشرقية فالنفوس قلقة والأفكار متبلبلة، والعلم إنما يترعرع في كنف السكون والاستقرار. الثاني: أن هذه الدول لم تحن على اللغة من أعماق قلوبها لأنها ليست عربية تغار على لغة أصلها، فالتتر إن حدبوا عليها في آخر عهدهم فلاسترضاء شعوبهم، والترك بالطبيعة لا يؤثرونها على لغتهم وستعرف في الفصل الثالث أنهم فرضوها على القطرين بعد فتحهما، والدولة الصفوية كانت تؤثر الفارسية عليها، لكن علماء المشرق مع هذا كله لم يألوا في النهوض بواجبهم في النحو لأنهم نشئوا في المشرق مهد اللغة العربية وعلومها، والبيئة غلابة في توجيه المرء مدة حياته، والنحو أساس اللغة العربية، بيد أنه لا يخفى أن علماء المشرق في العهد المغولي فما بعده يختلف حالهم عن علمائهم قبله، وبعبارة ثانية يختلف حال النحاة بعد سقوط بغداد عن حالهم قبله، فإن السابقين على سقوط بغداد لم يدركهم المذهب الأندلسي، الذي أدرك من كان من المشارقة بعد سقوط بغداد في بلادهم ولذلك عرضت مؤلفات علماء العهد المغولى وما بعده إلى المذهب الأندلسي فالمذاهب التي يفاضلون بينها أربعة: "البصري والكوفي والبغدادي والأندلسي"، بينما أولئك كانوا يوازنون

стр. 200

بين الثلاثة الأولى. هذا؛ والحقيقة الناصعة أن مؤلفات النحويين في هذا العهد وإن أتقن ضبطها وأحكم ترتيبها إلا أن تأثير البيئة العجمية في المؤلفين على اتساع آفاقهم في مداركهم وقوة بداهتهم جعلت كتبهم على شرق موضوعها وجلال مباحثها صعبة التناول ضعيفة الأثر في تقدم اللسان العربي لما حشيت به من الفلسفة القديمة في تبيان قواعدها والأسلوب المنطقي في توجيهها، وما للسان العربي بذلك من صلة على ما لا يخفى، ومن البدهي أن الحديث عن المشارقة بعد سقوط بغداد يقتضي "بعد ترك العراق العربي الذي انتهى أمره وانقضى الحكم فيه" التطواف والسيحان في "خراسان والهند والسند وإيران والبلاد العثمانية" في هذه الحقبة الممتدة، وفي تلك الأقاليم أعلام مشاهير سارت بذكرهم الركبان، ولهم آثارهم التي تعنو لها الجباه، فالتلبية لهذا الاقتضاء ينوء بحملها الكاهل، فكل إقليم يتطلب سفرا وحده في تراجم علمائه، والحاجة عندنا يجزئ فيها الاقتصار على قليل منهم، على أننا لا نعرض إلا لمن غلب عليه النحو واتسم به ممن لهم آثار بين أيدينا وتردد الكتب أسماءهم فلا نذكر أمثال السعد والسيد والعضد، وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق، فدونك أشهر المشارقة مرتبين على حسب وفياتهم. أشهر نحاة المشرق: ١- ابن إياز: هو أبو محمد الحسين جمال الدين بن بدر، نشأ ببغداد وتلقى عن سعد بن أحمد البياني وقرأ على التاج الأرموي، وكان حسيبا دمث١ الأخلاق، ومن مصنفاته النحوية: المحصول في شرح الفصول "شرح فصول ابن معط" وشرح الضروري لابن مالك، والإسعاف في مسائل الخلاف، ومضت كلمة عن هذا الكتاب عند الحديث عن نتائج المخالفة بين المذهبين "البصري والكوفي"، توفي ببغداد سنة ٦٨١هـ. ٢- الرضي: هو محمد بن الحسن نجم الملة والدين الأستراباذي،

стр. 201

هجر بلاد المشرق وأقام بالمدينة المنورة وألف شرحه على الكافية لابن الحاجب في النحو، وله شرح ألفه بعد على الشافية لابن الحاجب أيضا في الصرف وأعجب العجب أن هذا الإمام التعلامة١ يفوت على أصحاب المعجمات الإفاضة في ترجمته، فلم ندر متى وأين ولد ونشأ؟ وأين كانت مراحل حياته؟ وكم مؤلفاته وفيم كانت؟ ومتى وأين كانت وفاته على التحقيق؟ ومن تلقى عنهم؟ ومن تخرج على يديه؟ ومما يزيد الأسف عدم معرفتهم اسمه، فإن السيوطي وهو من متأخري أصحاب المعجمات المعنيين بالتراجم اضطر إلى ذكره في بغية الوعاة "حرف الراء" اكتفاء بشهرة لفظ "الرضي" وقال في ترجمته ولم أقف على اسمه ولا على شيء من ترجمته" ثم قرظ شرحه للكافية بما فيه الكفاية وأشار إلى شرحه للشافية، نعم إن البقاعي المعاصر للسيوطي في "مناسبات القرآن" قد ذكر اسمه لمناسبة الكلام على تاريخ شرح الكافية. أما بعد فإن المحقق البغدادي في مقدمة خزانة الأدب قد جمع نتفا متفرقة من المصدرين السابقين ومن غيرهما فيها إلمام إجمالي بترجمة الرضي والتنويه بشرحه للكافية وإن لم تف بالمقصود، وبحسبنا في تقدير الرضي علميا وأنه حجة عصره غير منازع ما خلفه من "شرحي الكافية والشافية" وهم الكتابان اللذان لم يتركا شيئا من الفنين إلا أوفياه حقه وكشفا النقاب عن سره "فليس وراء عبادان قرية"، ومن الواجب أن نذكر نبذة خاصة عن شرح الكافية فإنما نحن بصدد النحو. شرح الرضي على الكافية: هذا الشرح قد جمع بين دفتيه قواعد النحو وأسرارها بابتكار يدل على تعمق في النحو واستكشاف لمخبآته وإحاطة بأوابده، ويعجبني منه ولوعه بضم الأنواع في محاولاته التي يعني فيها بلم أطراف الكلام الذي يراد التقعيد

стр. 202

له، حتى لا يدع بابا إلا قضى وطر العلم فيه، هذا من ناحية التأليف، أما من ناحية الفن فإنه ليس في شرحه جماعا وإنما هو الفيصل تستحكم الفكرة عنده فيبرزها مدعومة بالدليل النقلي والنظري غير متحيز إلى مذهب خاص من المذاهب الأربعة السابقة وإن كان في الجملة بصري الاتجاه، فقد يرتضي مذهب الكوفيين أحيانا إذا صح لديه حكمته، وإليك أمثلة مما رأى قربه إلى الصواب فيها على ترتيب الشرح. من الأمثلة التي رأى قرب المذهب الكوفي فيها للصواب: ١- يرى الكوفيون شرطية "أن" المدغمة في "ما" في النحو: أما أنت منطلقا انطلقت قال: "ولا أرى قولهم بعيدا من الصواب لمساعدة اللفظ والمعنى إياه إلخ"١. ٢- يرون الضمير في "أنت" وأخواته "التاء" وفي "إياك" وأخواته "الكاف" قال: "وما أرى هذا القول بعيدا من الصواب في الموضعين"٢. ٣ يرون المصدر المنسبك من أن والفعل في نحو: يعجبني زيد أن يقوم بدل اشتمال من الاسم الظاهر، قال "والذي أرى أن هذا وجه قريب"٣. على أنه قد يبدو له ابتكار جديد يخرج به على كل النحاة، عماده في ذلك استقلال الرأي ورجاحة الحجة، وإني أسوق إليك بعض أمثلة من هذا النوع على ترتيب الشرح أيضا.

стр. 203

من الأمثلة التي خالف فيها النحاة: ١- مخالفته في اشتراط أصالة الصفة في منع الصرف فقال: "وأنا إلى الآن لم يقم لي دليل قاطع على أن الوصف العارض غير معتد به في منع الصرف إلخ"١. ٢- مخالفته في عدهم عطف البيان نوعا مستقلا في التوابع، ورأى إدماجه في بدل الكل فيقول: "وأنا إلى الآن لم يظهر لي فرق جلي بين بدل الكل من الكل وبين عطف البيان بل لا أرى عطف البيان إلا البدل إلخ"٢. ٣- مخالفته في اعتبارهم فعال معدولة عن فعل الأمر، فقال: "والذي أرى أن كون أسماء الأفعال معدولة عن ألفاظ الفعل شيء لا دليل عليه والأصل في كل معدول عن شيء ألا يخرج من نوع المعدول عنه أخذا من استقراء كلامهم، فكيف خرج الفعل بالعدل من الفعلية إلى الإسمية"٣. ٤- مخالفته في تعميمهم المنع في الثلاثة الآتية: تقدم معمول المصدر عليه والفصل بينه وبين معموله بأجنبي وحذفه مع بقاء معموله، ورأى جوازها مع الظرف والجار والمجرور، فقال: "وأنا لا أرى منعا من تقدم معموله عليه إذا كان ظرفا أو شبهه، ويجوز الفصل بينه وبين معموله بأجنبي، وكذا يجوز إعماله مضمرا مع قيام الدليل"٤. ٥- مخالفته في جعلهم الصفة المشبهة موضوعة للدوام، ورأى أنها موضوعة لمجرد الثبوت، فقال: "والذي أرى أن الصفة المشبهة كما أنها ليست موضوعة للحدوث في زمان ليست أيضا موضوعة للاستمرار في جميع الأزمنة لأن الحدوث والاستمرار قيدان في الصفة ولا دليل فيها عليهما إلخ"٥.

стр. 204

٦- مخالفته في "إذن" فليست بحرف ناصب للمضارع كما يقول البصريون وبعض الكوفيين ولا "اسم" أصله "إذا" والنصب بعده بأن مضمرة بعدها بأن مضمرة، ولهذا قال: "الذي يلوح لي في إذن ويغلب في ظني أن أصله إذ إلخ"١. ٧- مخالفته في جعلهم فاء السببية وواو المعية عاطفتين المصدر المسبوك من الناصب المحذوف والمضارع على المصدر المتصيد من الكلام قبلهما، ورأى أن الفاء لمحض السببية والواو للحال أو بمعنى مع فقط٢. وفي الكتاب أمثلة كثيرة من هذا الطراز لمن شاء أن يستزيد، ومن البدهي أن من بلغ هذا الحد فقد وصل إلى العنقود. نعم قد يتحاشى الخروج على الإجماع مع لمحه أسباب النزوع عنه، فقد انقدح عنده استحسان ادعاء البناء للمضارع المجزوم لولا إجماعهم، فقال: "ولولا كراهة الخروج عن إجماع النحاة لحسن ادعاء كون المضارع المسمى مجزوما مبنيا على السكون إلخ"٣. بقي أن تعرف مسلكه في الكتاب من حيث الاستشهاد، وهذا أمر جدير بالنظر لأن الشاهد في علم النحو هو النحو، ومن المعروف أن الشاهد إما نثر أو نظم وليس كل نثر أو نظم مما يصح في علم النحو الاعتماد عليه كما بسطه تفصيلا البغدادي في مقدمة خزانة الأدب بما فيه المقنع. شواهده: إن قارئ الكتاب من أوله إلى آخره يقف على شواهد نثرية مستفيضة من القرآن الكريم وكلام العرب المعترف بالاحتجاج بهم والحديث الشريف

стр. 205

وقول الإمام علي كرم الله وجهه، وشواهد شعرية. الشواهد النثرية: أما القرآن وكلام العرب فكثر ما استشهد بهما وهو في ذلك موافق للنحاة القدامى والمتأخرين قبله فليس ثمة داع إلى ذكر نصوصهما في الكتاب. وأما الحديث: فقد استدل به كثيرا أيضا حتى على غير القواعد، وقلما تقرأ بابا في الكتاب إلا رأيت الحديث فيه. تقرأ من أول الكتاب أنواع الإعراب فيستشهد على معنى المعرب بقوله ﷺ "الثيب يعرب عنها لسانها"، ثم تقرأ باب غير المنصرف فسيشهد على الصرف للتناسب بالنظير بقوله: "خير المال سكة مأبورة وفرس مأمورة" ١. وعلى صيغة الجمع المنتهي بقوله: "إنكن صواحبات يوسف" وعلى وزن الفعل بقوله "إن الله نهاكم عن قيل وقال"، ثم تقرأ باب الفاعل فيستشهد على الحصر بقوله "إنما الأعمال بالنيات وإنما الولاء للمعتق" و: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"، ثم تقرأ باب الاختصاص فيستدل على قيام الاسم المضاف الدال على المراد من الضمير مقام أي بقوله: "إنا معاشر الأنبياء فينا بَكَاء"، أي قلة كلام، وهلم جرا، والرضي في الاستدلال بالحديث متابع لابن مالك قبله. وأما قول علي كرم الله وجهه فإن الكتاب ممتلئ به مع النسبة في بعض الأحيان إلى نهج البلاغة، ويكفيك لتقدير ثقة الرضي بكلام الإمام ما ذكره عند التمهيد على الاستدلال لورود إذ بعد بينا في "في باب الظروف" إذ

стр. 206

يقول: "ألا ترى قول أمير المؤمنين ﵁ وهو هو من الفصاحة بحيث هو: بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته"١. فلا عجب أن يلجأ إليه في عدة أبواب. يقول في حذف الخبر وجوبا "وفي نهج البلاغة: وأنتم والساعة في قرن واحد، وقريب منه قول أمير المؤمنين علي -رضى الله عنه-: فهم والجنة كمن رآها"، وفي باب المفعول المطلق لمناسبة جواز ذكر العامل وحذفه يقول: "وفي نهج البلاغة في الخطبة البكالية: نحمده على عظيم إحسانه ونير برهانه ونوامي فضله وامتنانه حمدا يكون لحقه أداء"، وفي باب المفعول له استدلال على عدم لزوم التشارك بين الفعل والمفعول في الفاعل يقول: "والدليل على جواز عدم التشارك قول أمير المؤمنين علي ﵁ في نهج البلاغة: فأعطاه الله النظرة استحقاقا للسخطة واستتماما للبلية، والمستحق للسخطة إبليس والمعطي للنظرة هو الله تعالى" والكلام في الشيطان، وهكذا استرسل الرضي في الكتاب والرضي في الاستدلال بكلام الإمام غير مسبوق، ولم أقف على شيء في ترجمة الرضي أتلمس منه هذه الوجهة الجديدة أترجع إلى أنسب أم إلى التشييع؟ وأيا ما كان فإن الإمام لا نكران في صحة الاستشهاد به. الشواهد الشعرية: وأما الشعر فقد دعم الرضي القواعد بالشواهد الشعرية أيضا فذكر في كتابه سبعا وخمسين وتسعمائة، والمستقرئ لها يتبين أن أكثرها للجاهلين والمخضرمين والإسلاميين ممن يستشهد بكلامهم سواء منها ما عرف قائلها وما لم يعرف، فإن مصدر المجهول القائل إما سيبويه في أبياته الخمسين المعدودة ولا ريب في خلو الكتاب من المحدثين، وإما من بعده من الرضي

стр. 207

ممن جزم العلماء بحظرهم ١ الاستشهاد بهم، وقليلا منها للشعراء المحدثين الذين لا يعتمد للنحاة بهم في قواعدهم. هذا؛ وقد ساق الرضي قليلا من الشعر لمناسبات معنوية لا علاقة لها بالقواعد، وإن أرتنا سعة اطلاعه في الأدب بما لم يتح لنحوي غيره. فمن هذا في باب المبتدأ والخبر لتوجيه تقديم المبتدأ على الخبر في نحو "سلام عليكم" قوله إن تقديم الخبر ربما يتسرب منه الدعاء عليه قبل المبتدأ، ونظير ذلك أن أبا تمام لما أنشد في مطلع قصيدة مدح أبي دلف العجلي: على مثلها من أربع وملاعب ... تُذال مصونات الدموع السواكب قال بعض الحاضرين قبل نطقه بالشطر الثاني: "لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" فانخذل أبو تمام عن إتمام الإنشاد. ومنه في باب التنازع عند ذكر رأي الكسائي الموجب حذف الفاعل من الأول عند إعمال الثاني خوف الإضمار قبل الذكر، مع أن الحذف أشنع من الإضمار قبل الذكر، قوله: فحال الكسائي "سعيد بن حسان" إذ يقول: فكنت كالساعي إلى مثعب٢ ... موائلا٣ من سبل٤ الراعد ومنه في باب المفعول به لمناسبات حذف الفعل جوازا ووجوبا في قولهم: "انته أمرا قاصدا" قوله: القصد خلاف القصور والإفراط كقول الشاعر: ولا تك فيها مفرِطا أو مفرِّطا ... كلا طرفي قصد الأمور ذميم ومنه في باب أسماء الأصوات عند الكلام عليه "ويلُمِّهِ" وأن الدعاء

стр. 208

على حد: قاتله الله عند التعجب قوله: فإن الشيء إذا بلغ الكمال يدعى عليه صونا له عن عين الكمال، كما قال جميل: رمى الله في عيني بثينة بالقذى ... وفي الغر من أنيابها بالقوادح١ وهكذا؛ وليس في مثل هذا النوع من مؤاخذة على الرضي، إنما المؤاخذة عليه في استشهاده بشعر المحدثين، والنحاة لا ينظرون إليه في اتخاذه أساسا للقوانين النحوية، وقد ذكر منه مقدارا كبيرا سأذكر لك بعضا منه على سبيل الشرح مكتفيا به عن الباقي لسهولة الوقوف عليه. من شواهد الشعراء المحدثين: قد استشهد ﵀ في باب الفاعل بقول أشجع السلمي٢: كأن لم يمت حي سواك ولم تقم ... على أحد إلا عليك النوائح وفي المبتدأ والخبر بقول أبي نواس: غير مأسوف على زمن ... ينقضي بالهم والحزن وبقول أبي تمام الطائي: لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأري الجني اشتارته أيد عواسل وفي باب الحال بقول بشار: إذا أنكرتني بلدة أو نكرتها ... خرجت مع البازي عليّ سواد وبقول أبي الطيب المتنبي: قبلتها ودموعي مزج أدمعها ... وقبلتني على خوف فما لفم بدت قمرا ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا وفي باب اسم الفعل بقول ربيعة الرقي: لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأغر بن حاتم

стр. 209

ولا ريب أن استشهاده بالمحدثين إحدى الهنات الملاحظة عليه. انتقاد هين: الواقع أن الكتاب برهان حق على عبقرية صاحبه وإذا ما تشبثنا بالملاحظات الطفيفة فإنا لا نعدم العثور على شيء منها، ولا بأس لسرد بعض منها الآن فدونكها "الأولى" استشهاده بالمحدثين "الثانية" أنه ربما لاح له تعقب ابن الحاجب في الكافية فلا يبالي التشهير "ورب لائم مليم" فانظر إلى عبارته في رده عليه تجويزه دخول "مِنْ" على تمييز كم الاستفهامية إذ يقول "فلم أعثر عليه مجرورا بمن لا في نظم ولا نثر ولا دل على جوازه كتاب من كتب النحو ولا أدري ما صحته؟ "، ولهذا كان حسنا من السعد في المطول رده على الرضي بشاهد فيه التلميح البديع وهو قوله تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرائيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ ١ "الثالثة" أنه اعتبر قياسية تاء الوحدة في الفرق بين الآحاد والأجناس في المخلوقات والمصادر كتمر وضرب فقال في باب المذكر والمؤنث "وهو قياسي في كل واحد من الجنسين المذكورين أعني المخلوقة والمصادر" ثم هو بعد هذا ناقض نفسه إذ يقول في شرحه على الشافية أواخر باب جمع التكسير "وليس أسماء الأجناس التي واحدها بالتاء قياسيا إلا في المصادر نحو ضربة وضرب إلخ". على أن تلك الهنات تتلاشي تجاه المحاسن التي انطوى عليها ذلك الشرح، وقد تم تأليفه كما قال الرضي في ختامه في شوال سنة ست وثمانين وستمائة، وللسيد الشريف على الجرجاني تعليقات على الشرح جمعت بين الوجازة والإفادة، وقد نال هذا الشرح الإعجاب منذ شع نوره في المشرق، ولم ينبثق نوره في مصر إلا أخيرا.

стр. 210

ظهوره بمصر: من العجب العاجب أن يطول الأمد على اختفاء هذا الشرح النفيس بعد تأليفه عن نحاة مصر، فلا يدخل مصر إلا بعد ابن هشام المتوفى سنة ٧٦١هـ. قال البقاعي إبراهيم بن عمر المتوفى سنة ٨٨٥هـ، في كتابه مناسبات القرآن "ولم ينقل الشرح من العجم إلى الديار المصرية إلا بعد أبي حيان وابن هشام"١. وإني لأعلم غير ظان أنه مع نقله إلى مصر بعد ابن هشام لم تتداوله الأيدي العامة وإن قليلا من العلماء اطلع عليه فلم يتيسر لكثيرهم السماع به، بله الوقوف عليه، فالأشموني المتوفى سنة ٩٢٩هـ لم يذكر الرضي مرة واحدة في شرحه، والأشموني أولع المؤلفين بجمع المعلومات والقائلين لها في شرحه، وستعرف هذا عند التعريف بجميع المعلومات والقائلين لها في شرحه، وستعرف هذا عند التعريف بشرح الأشموني، فمما لا شك فيه أن شرح الرضي حرمت منه مصر طويلا، إذ الكتب النحوية التي تعتمد عليها مصر إنما هي مؤلفات ابن الناظم وابن هشام وابن عقيل والأشموني، وهي خالية من كل جزئية علمية لها اتصال بذكر الرضي، ولم يجد البحث الطويل الذي بذلته لمعرفة الوقت الذي تناولته الأيدي في مصر ولو على سبيل التقريب، ومن اليقين أن الأيام لو تقدمت بظهور شرح الرضي لارتشف منه هؤلاء المؤلفون المتدارسة، كتبهم بأيدينا وعليها اعتمادنا من مناهله السائغة العذبة، والذين اعتادوا في الأحكام محاولة ضم كل شيء إلى لِفْقِهِ، وازدادوا في تنقيح عللها وما وسعتهم الفكرة توفي الرضي سنة ٦٨٨هـ. ٣ الكافيجي: هو أبو عبد الله محمد بن سليمان، ولد في بلدة "ككجة كي" من آسيا الصغرى ثم ارتحل إلى فارس فسمع من الفنري وغيره، واشتهر بالكافيجى لملازمته "كافية" ابن الحاجب، ثم هبط مصر وفيها نبه قدره ودان له العلماء في متنوع الفنون، فازدحم الطلاب على دروسه طبقة

стр. 211

بعد أخرى، وصنف كثيرا، من أنفس مصنفاته في النحو شرح "القواعد الكبرى" لابن هشام توفي بالقاهرة سنة ٨٧٩هـ١. ٤- الجامي: هو أبو ضياء الدين عبد الرحمن نور الدين بن أحمد نظام الدين، ولد في قرية خرجرد من قرى جام "ولاية بخراسان" وانتقل مع والده صغيرا إلى هراة، فشب معروفا بالجامي، وتلقى بالمدرسة النظامية في هراة عن السمرقندي وشهاب الدين الحاجري وغيرهم، ثم طمحت نفسه إلى الازدياد في العلم، فتوجه إلى سمرقند، وسمع من قاضي زاده الرومي الذي أطراه كثيرا، وتنبأ عن أمل فيه كبير، وهنا طارت شهرته في المشرق، فقفل إلى هراة، ودنا من قلب سلطانها أبي الغازي السلطان حسين مرزا آخر سلاطين بني تيمور المتوفى سنة ٩١١هـ، وطوفت سمعة الجامي حتى رغبت السلاطين في لقياه، ولهذا لما سافر إلى الحج أرسل له السلطان محمد الفاتح العثماني يستزيره بعد عودته من الحج غير أنه اعتذر رغبة في سرعة العودة إلى هراة كما كاتبه ابنه السلطان بايزيد الثاني، فقد آثر الإقامة الممتعة في هراة في ظلال السلطان حسين، ولقد خلف الجامي مؤلفات شتى في متنوع الفنون ومن آثاره النحوية شرحه على كافية ابن الحاجب وسماه "الفوائد الضيائية" "نسبة لولده ضياء الدين"، والشرح صغير الحجم كبير المادة، ومن أبسط المسائل فيه مسألة الكحل وباب "لو" ونقل فيه كثيرا عن شرح الرضي للكافية مع عزو النقل إليه، وللإقبال على شرح الجامي عني العلماء به، فعليه حاشية لمحرم مات قبل إكمالها إذ وصل فيها إلى بدل الكل من الكل فأكملها الأنصاري، وحاشية للبسنوي، وحاشية لعصام الدين، وحاشية لمحمد عصمة الله، توفي الجامي بهراة سنة ٨٩٨هـ٢.

стр. 212

الفصل الثاني: النحو والنحاة في الأندلس والمغرب إن بلاد الأندلس والمغرب في هذا الحين قد كثر فيهما علماء النحو الذين دوَّى ذكرهم في كتبه، لأنهم نشئوا بعد نضوجه واستكمال مذهبهم الخاص الذي تقدم شرحه وبعض مسائل منه، وقد خدموا هذا العلم بمصنفاتهم التي أعاضت النحو معظم ما فقده من كارثة بغداد الصماء لتوافر رغبتهم فيه وقدسية منزلته في نفوسهم، بل إن منهم من وقف بحثه ونشاطه عليه كابن عصفور وابن الضائع وغيرهما، فاكتسب النحو منهم قوة ساعدته على استطالة عمره بعد عوامل الفناء التي أصابته بإبادة كثير من كتبه وبفترة الخمول التي خيمت على علمائه من أعاصير اضطرابات المشرق وما تولد عنها مدة طويلة. ولقد سبق لك أن النحو أوفى على الغاية في هذه البلاد هذا العصر "القرن السابع"، وكان عندهم شارة النبغ والفوق، وأن عنوان عرفانه وسمة الرسوخ فيه استظهار كتاب سيبويه، لأن له المكانة السُّمْيا عندهم، فمن لم يشتهر به فعلمه مطروح مهما حصل، ولذا كانوا يقولون عن أحمد بن عبد النور النحوي المعروف المتوفى سنة ٧٠٢هـ، إنه لا يعرف شيئا، ولا دهشة من هذا الحال عندهم لأن النهضة الأندلسية في النحو هبت مصاحبة الكتاب عندهم، فللكتاب اليد الطولي في كونها وإنمائها والابقاء عليها، ولها فضل إكبارهم منزلة الكتاب عندهم والاحتفاظ به كأنفس ذخيرة لديهم. هذا؛ وعند الاعتبار والتبصر يجب أن يدرك أن ذلك إيذان بأفول نجمه من هذه البلاد، وهذا ما حدث فإنه ما تم أمر إلا بدا في النقصان، فقد اتفق أن شب ضرام الاضطرابات في البلاد وقد استولى على ملك الأندلس بنو الأحمر الذين يؤثرون الأدب على النحو والناس على دين ملوكهم، فدعا ذانك الأمران علماء النحو في البلاد إلى الاستشراف إلى القطرين "مصر والشام" وصاروا ينزحون إليهما زرافات ووحدانا إلى أن بلغ الشر أناه، وتفرق ملوك بني الأحمر شيعا

стр. 213

واستعدى بعضهم على بعض ملوك الإفرنج فقضوا عليهم القضاء الأخير في حادث تقشعر منه الجلود وسقطت آخرة حواضر الأندلس "غرناطة" على يد فرديناند سنة ٨٩٧هـ، ونكل الإفرنجة بالمسلمين، ومثلوا بتراثهم العلمي في غرناطة الصورة الكريهة التي ارتكبها المغول في بغداد "وما أشبه الليلة بالبارحة" ففر جل من بقي من العلماء إلى القطرين كما سبق. وفي الحق أنه لولا العلماء الذين جلوا إلى القطرين من بلاد المغرب ومعهم أغلب مؤلفاتهم لفات العالم العربي من هذا العلم قسط كبير، وهاك بعض المشهورين منهم مرتبين باعتبار سني وفياتهم: ١- الأندلسي: هو أبو محمد القاسم علم الدين اللورقي بن أحمد، ولد بمرسية وتردد إلى بلنسية، وفيهما أخذ النحو عن ابن شريك وابن نوح وغيرهما ولقي الجزولي، وورد مصر، ثم اتجه إلى دمشق فسمع من تاج الدين الكندري كتاب سيبويه وغيره، ودفعه طموحه إلى علماء بغداد فجلس في حلقة أبي البقاء العكبري، وعاد إلى حلب واستوطن الشام، والتف الناس حوله ينهلون من معارفه إذ كان موطأ الأكناف حسن البزة، كما انتفعوا بمؤلفاته الكثيرة، منها في النحو: شرح مقدمة الجزولي، وشرح المفصل، توفي بدمشق سنة ٦٦١هـ١. ٢- ابن عصفور: هو أبو الحسن علي بن مؤمن الإشبيلي، أخذ عن الدباج والشلوبيني، وكان أصبر الناس على المطالعة، بيد أنه وقف عنايته على النحو فما لبث أن توحد بحمل راية النحو في بلاد الأندلس التي تجول فيها كثيرا، وحدثت جفوة بينه وبين الشلوبيني، وله مصنفات منها: المقرب وشرحه لم يتم، ومختصر المحتسب لابن جني، وثلاثة شروح على الجمل الكبيرة للزجاجي، كان رقيق الدين، جلس آخر حياته في مجلس شراب رمي

стр. 214

بالنارنج إلى أن مات سنة ٦٦٣هـ١. ٣- ابن مالك: هو أبو عبد الله محمد جمال الدين بن عبد الله الطائي، ولد بجيان "بلد بالأندلس" وسمع من الشلوبيني أياما، ثم ورد المشرق حاجا، ثم استوطن الشام فسمع بدمشق من السخاوي، وبحلب من ابن يعيش الحلبي، ثم تصدر لإقراء العربية في حلب مدة فدمشق التي توطنها، فأتى بما أعجز الأوائل لقوة حافظته، فكان يستشهد بالقرآن، فإن لم يجد فالسنة، فإن لم يجد فأشعار العرب التي كان في استذكارها نسيج وحده، وصنف مؤلفات نظما ونثرا تشهد له بالتفوق على من تقدم، وجمع بعضهم أكثرها في نظم ذكره السيوطي في البغية، ولنقتصر هنا على النحوية، فمن النظم "الكافية الشافية" استوعب فيها كل ما سمعه وشرحها و"الألفية" وهي ملخص الكافية طبقت شهرتها الآفاق، وترجمت إلى لغات، وعليها شروح كثيرة استقرأها كشف الظنون، ومن شروحها شرح ابن الناظم، وشرح المرادي، وشرح ابن عقيل، وشرح الأشموني، وسنذكر عنهما نبذة عند الكلام على ترجمة مؤلفيها، ومن النثر "الفوائد" و"تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد"، ولا غرو أن طلاب اللغة العربية مدينون لهذا الإمام الذي أسدى هذه الذخائر، فما أحراه بكتاب منفرد، فيه التعريف بحياته ومؤلفاته وما فيها بالتفصيل، نعم إن المحسن لا يضيع عمله عند الله فقد جعل الله لابن مالك لسان صدق فيمن بعده، فمؤلفاته وأقواله تناقلتها العلماء في كتبهم مشارقة ومغاربة، فالرضي القريب منه زمنا وهو من المشارقة نقل عنه في شرحه الكثير من مقاله، والمغاربة ومن في القطرين اتبعوه واعتمدوا عليه فكان قطب دائرتهم. هذا؛ والغريب من ابن خلكان الذي كان يشيعه إلى بيته بعد صلاة كل يوم تعظيما له ألا يترجم له في وفيات الأعيان، توفي ﵀ بدمشق سنة ٦٧٢هـ.

стр. 215

٤- ابن الضائع: هو أبو الحسن علي بن محمد الإشبيلي الكتامي، لازم الشلوبيني وأخذ عنه كتاب سيبويه بين قراءة وسماع، ثم فاق أترابه وأبدع في التصنيف، له شرح على سيبويه جمع فيه بين شرحي السيرافي وابن خروف مع الاختصار الحسن، وله مشكلات عجيبة أبداها في كتاب سيبويه سبق الإلماع إليها في الكلام على علم النحو وعلمائه في الأندلس والمغرب في المطلب الأول، وشرح على الجمل الكبيرة للزجاجي، وكان لا يعتمد في الاستشهاد على الحديث مخالفا سنة ابن خروف في التعويل عليه، توفي سنة ٦٨٠هـ. ٥- ابن أبي الربيع: هو أبو الحسين عبيد الله بن أحمد الإشبيلي، تلقى عن الدباج والشلوبيني ولم يكن في طلبة الشلوبيني أنجب منه، ثم هاجر من إشبيلية بعد استيلاء الإفرنجة عليها إلى سبتة وتوطنها، ووقعت مناظرة بينه وبين مالك بن المرحل هل يقال: "كان ماذا؟ " ونتج عنها مهاجاة بينهما مقذعة نال فيها ابن الربيع من ابن المرحل وصنف مؤلفا خاصا بمنعها، ولذا قال مالك: عاب قوم كان ماذا ... ليت شعري لما هذا وإذا عابوه جهلا ... دون علم كان ماذا١ ومن مؤلفات ابن أبي الربيع النحوية شرح سيبويه، وشرح الجمل للزجاجي، وقد رأيت في حاشية الشمني على المغني الباب الأول مبحث "لكن" أن كتاب "البسيط" من مؤلفاته مع أني لم أطلع على هذا الكتاب ضمن مؤلفاته في ترجمته، ومع أن ابن عقيل عند قول الناظم: وفعل امر ومضى بنيا ... وأعربوا مضارعا إن عريا قال: "ونقل ضياء الدين بن العلج في البسييط" وتابعه على ذلك
следующие страницы →